لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

إيطاليا.. الجميلة

بنعيسى بوحمالة
(المغرب)

إيطاليا.. الجميلةقبيل موعد الحفل بأيام قلائل، على ما أذكر، كانت الوصلة الإشهارية التلفزية تندلق خاطفة أمام بصري لكن من غير أن أعيرها أدنى عناية ! فرقة موسيقية كلاسيكية من إيطاليا ستحيي حفلا بإحدى حواضر المغرب.. و ماذا بعد ؟ ليست هذه أول مرة يحصل فيها هذا و قطعا لن تكون بالأخيرة.. هذا ما كنت أتمتم به لنفسي كلما ارتسمت تلك الوصلة على شاشة التلفاز..
لست أدري، لعله ارتخاء الصيف.. تهاون البدن و التفكير كليهما من فرط ما يرين عادة على مدينة مكناس من صهد خانق كلما أقبل موسم الصيف، لكن ها هو ذا هاتفي يرنّ ذات ظهيرة قائظة، قبيل انطلاق الحفل الموسيقي الأسطوري بسويعات:

- أهلا أيها الصديق.. كيف حالك..
- إجمالا بخير..
- اسمع.. لك عندي دعوتان اثنتان لحضور سهرة الفرقة الفيلارمونية الإيطالية الذائعة الصيت "ماجو موزيكالي فيورنتينا" بقيادة المايسترو اللامع ريكاردو مونتي.. ليقيني في ذوقك الرهيف حصلت لك عليهما.. واحدة لك و الأخرى لزوجك.. ستتمتّع بالتأكيد بمادة فنية من الطراز الذي يروق لك..
- و إذن الفرقة على هذا القدر من الأهمية..
- طبعا.. صديقي..
- ممنون لك و ملتقانا في المساء..

عند الساعة التاسعة من مساء يوم سابع عشر يوليوز الماضي كنا، أنا و زوجي، ضمن آلاف من الحاضرين المقتعدين مقاعد وثيرة، تحت أضواء كاشفة، في ساحة "الهديم" المتراحبة، المهيبة، المسيجة بأسوار تليدة متسامقة.. قبالة بوابة المنصور التاريخية.. اللائذين بصمت وديع يشفّ عما يشبه الخشوع مترقّبين، بحرقة ظاهرة للعيان إطلالة الفرقة الموسيقية بينما المنصّات الضوئية العملاقة لا تني تدقّق زوايا و أبعاد اصطناع نهار مجازي من صلب ليل صيفي ممعن في إرخاء سدوله، و كاميرات القناة الإيطالية الشهيرة "الرّاي دوّي" تتأهب لنقل الحفل حيّا إلى إيطاليا و معها جهات الأرض الأربع..
في غضون لحظة التّرقب تلك ألفيتني أتمتم لنفسي ثانية.. لعلها ضربة حظ هائلة و إلاّ لكنت أفلتت هذه الأمسية الاستثنائية.. أنا من كنت أعمد، و على مدى سنوات، فور وصولي إلى باريس، إمّا زائرا أو عابرا، إلى التوجّه صوب أحد محلات "الفناك"، السلسلة التجارية المنتشرة في أرجاء فرنسا، قاصدا، بالتحديد، مرفق المبيعات الموسيقية متحرّيا دوما عن قرص مدمج لأوبّرا "عايدة" للموسيقار الإيطالي فيردي، في المقام الأول، ثم آخر لسمفونية "شهرزاد" للموسيقار الروسي كورساكوف.. يا ما يحدث أن يتقاعس المرء، لسبب أو لآخر، عن التقاط إشارة فرصة قد لا تتكرر..! ذلك و أنا أقرأ التعريف الوجيز بالفرقة، المرفق بمطوية الدعوة، تبيّن لي أن مؤسسة "رافينا فيستفال"، التي تحتضن الفرقة الموسيقية، مقرّها في مدينة رافينا التي احتفلت مؤخرا بالذكرى الستمائة بعد الألف لتنصيبها عاصمة للغرب المسيحي، في الوقت الذي كانت فيه شقيقتها بيزنطة تتولى تدبير أمور الشرق، و أنه بأثر من هويتها المتوسطية سوف تقيم جسورا و تمد قنوات للتواصل و التفاعل مع ثقافات البحر الأبيض المتوسط، ثم و لكون الموسيقى تفضل أحد أكثر الوسائط الفنية و الثقافية مفعولا و نجاعة في هذا المضمار فإن اختيارها سيقرّ، هذه المرة، ضمن شعارها الملهم "سبل الصداقة عبر الفنون و الثقافة"، على مدينة مكناس العريقة، إحدى العواصم السياسية للمغرب القديم، لإقامة حفلها السنوي بعد كلّ من سراييفو، بيروت، القدس، موسكو، إيفان، اسطنبول، نيويورك، القاهرة، و دمشق، بمناسبة الذكرى الخمسينية لاستقلال المغرب.. و إذن ها هي ذي أخيرا بالمغرب.. بمكناس عاصمة السلطان العلوي المولى إسماعيل الذي كان حلمه أن يرتقي بها إلى مجد، تشامخ، و جنائنية فرساي الفرنسية، مقام ندّه الملك الفرنسي لويس الرابع عشر.. يا لها من مصادفة رائعة.. متمتما دائما لنفسي.. رضيّ البال.. منفرج الأسارير.. أفليس هذا مغنما ثقافيا، بله روحيا، ثمينا.. قريب المنال ؟!

سنح لي، في مناسبات نادرة، أن أحضر عروضا للبولشوي الروسي و مجموعة الكوالي الباكستانية بقيادة علي خان.. و الحق أنها كانت من الإمتاع بمكان، بيد هذه الأمسية شيء آخر تماما.. إنها من مذاق فريد و مستلذّ. فما إن أهلّت الفرقة عازفين و سوبّرانو و كورال بمعية المايسترو الأنيق حتى بادر الجمهور الكثيف إلى التصفيق، عربون ترحاب و لياقة، بعدها افتتح الحفل بعزف النشيدين الوطنيين، المغربي و الإيطالي، لتتوالى المواد و الفقرات: نصوص أوبّرالية شائقة، مرويات غنائية و أليغوريات مموسقة و أمثولات سمفونية، مقطوعات و معزوفات و ترديدات من زبدة الرّيبرتوار الموسيقي الإيطالي و الأوربي.

حقا إن الآذان أو، بالأصح، الأفئدة المنصتة استأنست بإيقاعات أخرى.. بموازين أخرى.. بنغمات أخرى، لكن رغم كونها منشدة، بقوة الأشياء إلى مرجعية موسيقية، و ضمنيا ثقافية، مغايرة فقد أعربت عن قابلية كبيرة للتفاعل العاشق، المتحضر، مع ما كانت تصدح به الحناجر و الآلات الإيطالية.. و كيف لا و البضاعة الثقافية المقترحة ليست، مثلا، شعرا قد يخشى استيعاب جماليته العيانية و كذا تمثّل جوهره المخبوء، إذ الإيطاليون، لا غيرهم، هم من نحت المثل السائر: "إن ترجمة الشعر خيانة"، و إنما هي الموسيقى، اللغة الكوسموبوليتية التي تتجاوز حاجز الجغرافيات و تتنصل من رادع الخصوصيات لتخاطب الكائن الإنساني في صميم أذنه الخام.. في هويته المفتوحة.. في مطلقيته. ألم يكن هاجس شارل بودلير، الأب الروحي للحداثة الشعرية الغربية و العالمية، أن يوفّق إلى اجتراح جملة شعرية كاملة، غير منقوصة، من جنس الجملة الموسيقية التي تقول كل شيء، بوسائلها الذاتية، محقّقة، هكذا، امتيازا أيقونيا لا يتوافر للفنون الأخرى.. ؟ ألم يكن الموسيقار سيباستيان باخ مثله الإبداعي الأعلى؟

لقد أثبت المغرب برمته، من خلال جمهور تلك الأمسية الذي أمكنه الفوز بفرجة موسيقية باذخة، و بما لا يدع المجال لأيّما احتراز كان، أنه بلد منفتح، عن الآخر، لا يمانع البتّة في تلقي ثمرات المخيلة الموسيقية الغربية. فهذا الجمهور المفطوم على المواويل الأندلسية.. قصائد الملحون.. الترتيلات الكناوية.. العيوط الجارحة.. الأهازيج الأمازيغية.. لم يضره في شيء أن يسلس العنان لوجدانه، و لو للحظة عابرة لكنها دالة، كيما يتشرّب منتوجا موسيقيا - ثقافيا بلورته سيرورات و تمفصلات، جرت هناك.. في الغرب.. شاغلنا المادي و الإيديولوجي و الفكري و الحضاري الأبدي.. شاغلنا المفارق، الشّاق، و الإشكالي..!

كانت واقعة زين الدين زيدان - ماركو ماتيراتزي، التي شهدها ملعب برلين خلال المباراة النهائية لكأس العالم الأخيرة، لمّا تزل طرية، ساخنة، ترخي بجملة من الظلال و التداعيات المعهودة، الملتبسة و الماكرة، المتصلة بعلاقتنا بالغرب، أو ما ننعته غربا على أية حال، خصوصا في آونة تفاقمت فيها المنازعات السياسية و الأخلاقية، و تشنجت معها الخطابات الإعلامية، بين غرب تصنعه استيهامات متشددة تصدر عن تشطير العالم إلى دار الإيمان و دار الكفر.. و أمة عربية - إسلامية توضّب صورتها الشائهة أجهزة القرار السياسي في الغرب في حين تتولاها بالترويج و التداول إمبراطورياته الإعلامية الكوكبية..

فأن تحلّ هذه الفرقة الموسيقية الذائعة الصيت، و من إيطاليا بالذات، عقب تلك الواقعة الكروية المؤسية، التي ستسوّى فيما بعد بصدور أحكام تأديبية في حق اللاعبين كليهما و ذلك وفقا للوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم، بل و المكثفة، أقصى تكثيف، لحساسية تماسّ كيانين حضاريين متنافرين.. أن تأتي إلى هنا في عزّ ما يسميه الشاعر الألماني فريدريش هولدرلين بأوقات الشّدة.. أوقات العنت التاريخي، وجوم البصيرة، و عماء التمركزات الثقافية الذاتية.. فذاك علامة مفحمة على أن الاستدامة لما هو جوهري.. لما يجمع و يوحّد و يدني، من مثال الفن الراقي، ضمن التعدد و الاختلاف، و الباقي، و منه نازلة غليان اللاعبين الكرويين و احتقانهما، محض نشازات و عوارض مآلها إلى التلاشي.. طوبى، إذن، للفن الراقي عندما يقتدر على تضميد جراحات التاريخ و امتصاص سفالات الأفراد المعزولين..

بقدر ما كان الأمر بالنسبة لي شخصيا، في تلك الأمسية، أنا المهووس بالعتاقات، أشبه ما يكون بقدّاس كهنوتي، شعائري، مزلزل، لسوف يرتجع بي، من حيني، إلى أزمنة أور.. بابل.. نينوى.. أوغاريت.. بعلبك.. طيبة.. قرطاج.. بحيث تخيّلتني، من جلل المشهد، في أحد هياكلها التعبّدية متلمّسا في اللازمات الكورالية الرفيعة التي يهتز لها الوجدان نسغ الإنشادات الأسطورية، في فجر البشرية، التي كانت بمثابة بلسم شاف للأبدان بقدر ما هي ترميم رمزي للأرواح.. تلقائيا امّحت من ذهني صورة اللاعب ماركو ماتيراتزي، الابن الحقّ لإيطاليا الرّثة.. إيطاليا التّحت البائس، القاتم.. و إلاّ لما كان استفز اللاعب زين الدين زيدان، أيقونة كرة القدم العالمية بعد بّيلي و بّوشكاش و بكنباور و مارادونا..؛ بالسّب و القذف و التجريح في لعبة تتنّزه عن مثل هذا الانحطاط، و نهضت بدلها، من سطوة الكلمات و الألحان و الأداءات، صورة أخرى.. صورة أنسب.. صورة إيطاليا العميقة، الأصيلة، الجميلة..

إيطاليا منزل التوأمين روموس و رومولوس، سؤدد يوليوس قيصر و تيهه، عته نيرون و جنونه..؛ غاريبالدي، ميكيافيللي، غرامشي..؛ سنيكا، فيرجيليوس، أوفيديوس، هوراسيوس..؛ دانتي، بترارك، جويسيبي أونغاريتي، دوناتيلا بيزوتي، بّيرانديللو، المهرج المسرحي النّير داريو فو المتوج بجائزة نوبل للآداب..؛ عالم الإستتيقا بنديتو كروتشه، السيميولوجي النابه أومبرتو إيكو، الروائية إلزا مورانتي..؛ رافائيل، ميكل أنجلو، ليونار دي فنشي، جويسيبي جياكوميتي..؛ فيردي، بّافاروتي، توتو كوتونيو..؛ بدائع الواقعية الجديدة في التراث السينمائي التي حملت توقيعات فديريكو فلليني، إيتوري دي سكولا، دي سيكا..، صوفيا لورين، مونيكا بيلوتشي، مارسيلو ماستروياني..؛ نهر التّيبر، البحيرة العظمى، مقالع الرخام الفائق الجودة بكاريرا..؛ روما زبرجدة العالم القديم و حيث دبّجت أيضا الأحرف الأولى لنشأة الاتحاد الأروبي، زفير المصارعين الكالحين في باحة الكوليزيوم، هديل الحمام في ساحة القديس بطرس، برج بيزا، بّومبّيي المطمورة..؛ لاسكالا دي ميلانو أو قلعة النبوغ الأوبّرالي لإيطاليا، "تشيني تشيتا" أو هوليود الإيطالية، جامعة لاسابيينسا..؛ كاريزمية جوليو أندريوتي، شبيبة الألوية الحمراء و أحلامها الطوباوية العريضة، دولة المافيا و شريعتها العاتية، سونيا غاندي أرملة راجيف غاندي و الزعيمة الحالية لحزب المؤتمر الهندي..؛ السبّاغيتي، "لاسكوادرا أزوري"، "الرّاي أونو" و "الرّاي دوّي"..؛ جريدة "كورييرا ديلاسيرا"، الماركات الفاخرة في صناعة السيارات العالمية: فياط، فيراري، ألفاروميو..

إيطاليا "فيرونا" التي هندسها ويليام شكسبير مهادا كونيا متخيلا لتباريح العشق و فداحاته، لأطوار التراجيديا العاطفية الخالدة "روميو و جولييت"..؛ إيطاليا بركان "فيزوف" الذي آوت رمزيته العصية الحاسة البليغة للشاعر فريدريش هولدرلين و أغدقت عليها أبعادا ضاربة في أحد أعماله الشعرية المائزة..؛ إيطاليا التي استضافت، لفترة، الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه في بلاط "دوينو"، و من هناك، من إطلالته الحكيمة على بحر الأدرياتيك سيهدينا، بعد مخاض روحي عسير، صرحه الشعري الكبير "مراثي دوينو"..؛ إيطاليا التي سيتجرد الشاعر الأمريكي عزرا باوند، من فرط ولعه بها، عن ولائه للقيم الديمقراطية الأمريكية و ينضوي كلية إلى ما اعتبره فذاذة تاريخية تمتد من يوليوس قيصر إلى موسوليني غير آبه بأيّ خزي كان، بل و غير ممانع في أن يقايض شغفه بإيطاليا المتعالية بسنوات من الاعتقال، عقب انتصار الحلفاء، بتهمة الخيانة العظمى..! إيطاليا التي اقتادت مخيلة الروائي الألماني إلى حيث تعثر على بذرة عمله المتحف "وداع في البندقية"..؛ إيطاليا التي أمدت الشاعر العربي الرومنتيكي علي محمود طه بإمكانية ابتناء مدينة البندقية، عروس بحر الأدرياتيك، كطبغرافيا مائية فردوسية، كملاذ للذوات المتحرقة للحب المستحيل، و ذلك بما يليق و أيّ خيال مجنح فكانت قصيدته "الجندل"، إحدى درر الشعر العربي الحديث..

إيطاليا ذوي الياقات من أدمغة و أطر ما بعد حداثية، ترشح خفة و حذاقة، تسيّر دواليب مقاولات الشمال و شركاته.. إيطاليا مزارعي الجنوب البسطاء المواظبين على تبغهم الأسود الرخيص و الموقوت مزاجهم على فصاحة المتوسط و توابل أطعمته و نكهة أنبذته.. إيطاليا العجائز الكاثوليكيات المستكينات، المقمطات بسوادهن الأزلي، و اللائي لا منّة سماوية تعدل لديهن تبريك قسّيس القرية و صالح دعائه.. إيطاليا الحسناوات الممشوقات ذوات البشرة القمحية و الشعر الفاحم المسبل و السيقان المرمرية و هن يلثغن بلاتينيتهن الآسرة.. إيطاليا البابا بنديكت السادس عشر و هو يرمق، بين الفينة و الأخرى، من شرفته اللاهوتية بحاضرة الفاتيكان الدفقان المتوثب لحياة شعب مأخوذ بالدنيا و مغرياتها، منغمس في أطايبها و منغّصاتها سواء بسواء، يرمق إيطاليا الجميلة تسري أمام عينيه الكليلتين سيولة عناد مستميت لمباهج الحياة و أتراحها كما سائر الأنام في بقاع المعمورة، يرمق، بالتالي، تصريفا رقيقا، حسّاسا، و شاعريا للحياة و إلاّ لما كان أبرع مصمّمي ديزاين صناعة السيارات إيطاليين تتهافت عليهم كبريات الشركات في العالم.. هم، لا غيرهم، من أسبغ على الهالة الصارمة للسيارات الألمانية تلك المسحة من رقة لا تضاهى..

و لأن إيطاليا جميلة إلى هذا الحد فإني لا أتخيل إيطاليا قحّا، سيّان كان من النخبة المجتمعية في روما أو ميلانو أو تورينو أو من شريحة الفلاحين في سهول صقلية و نجودها، يمانع، من جهته، في الاستلذاذ بلون موسيقي مغربي.. يا لفضيلة الفن و تعاظم شأوه عندما يردم جملة الشقوق و التصدعات القائمة بين فرقاء الأرض..

لا.. لا.. لم تكن صفاقة ماركو ماتيراتزي، لأن البادئ أظلم، بقادرة على خدش صورة إيطاليا الجميلة تماما كما ليس في مكنة مهاجر مغربي سري، مثلا، يمارس شغلا شريفا أو مزجّ به في عمل قذر أن يخدش صورة المغرب الجميلة، كبلد.. كتاريخ.. كثقافة، كذا فلم يمرّ وقت طويل على تلك الأمسية الموسيقية الإيطالية بمكناس حتى حلّ بمراكش رجل الأعمال و الوزير الأول الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني رفقة زوجه، و حشد من أصدقائه، حيث أقام حفلا خرافيا احتفاء منه بعيد ميلاد زوجه.. سوف يختار مراكش بالذات.. مراكش النور و الدفء و اصطخاب الأجساد و الأرواح و اللغات و ليس نيويورك أو باريس أو طوكيو أو سيدني.. قد يتلامح هذا المجيء و كأنه التفاف من الرجل على مخلفات هزيمته الانتخابية الأخيرة خصوصا و أن وجه الشماتة فيها كونه سيطوّح به من سدة الحكم، من لدن غريمه رومانو برودي زعيم ائتلاف وسط اليسار بالنقط لا بالضربة القاضية، عساه يتخفّف من وعثاء نكسته السياسية و برحائها، لكنه في العمق، و خارج هذا أو ذاك، تعبير دال عن الحاجة إلى مكان آخر.. إلى لسان آخر.. إلى متخيل آخر.. أو لسنا في حاجة إلى أمكنة، ألسن، و متخيلات بعضنا البعض؟

و العازفون و المنشدون الإيطاليون لا يذّخرون جهدا في الارتقاء بمغزى تلك الأمسية و امتلائها.. و الأنغام تزكو و تفيض في رحابة تلك الساحة التاريخية و تؤجج مهابتها.. لم أملك سوى أن تخليت عن تمتمتي مخاطبا زوجي: لكم هي جميلة هذه [الـ]إيطاليا.. مستذكرا، ربما من وقع خواطر اللحظة و اختلاجاتها، عنوان الشريط السينمائي الإيطالي الجاذب "لكم هي جميلة.. الحياة" الذي قام ببطولته الممثل روبيرتو بينيني و نال، منذ سنوات قليلة، جائزة أفضل فيلم أجنبي في إحدى دورات جوائز الأوسكار الأمريكية..

أعلى