لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

رجل ظننته شجرة

فواز طرابلسي
(لبنان)

"تلك الشجرة، ظننتها خطأ رجلا. كنت مخطئا".
(يانيس ريتسوس)

فواز طرابلسيظننتني قد ابصرت شجرة.
كنت أنظر من اعلى الى زاوية الطبقة الاولى من السلالم المؤدية الى محطة مترو "بوتسدامر بلاتس" في وسط برلين.
ظننتني قد ابصرت شجرة. ولكن، عندما نزلت السلّم الكهربائي، ادركت انني مخطىء. الشجرة انس لا نبات، رأس مغروز في الارض ورجلان ويدان الى اعلى.
انا هنا بدعوة من الصديقة الشاعرة الجنوب افريقية للقاء النحات الالماني الكسندر بولتسن. وها نحن متحلقون حول منحوتته المنصوبة في هذا الموقع المركزي من العاصمة الالمانية. المنحوتة تحية الى جيوردانو برونو، العالم الايطالي في القرن السادس عشر الذي انكر، قبل غاليليو، المعتقد الديني السائد عن مركزية الارض، فاعتبر اكتشافه هرطقة استحق عليها الحكم بالاعدام حرقا.

رابعنا اميركي باسم كارل فيبر. فوجئت مسروراً بوجوده وقد فرغت للتو من قراءة ترجمته لمجموعة مسرحيات هينر موللر بعنوان "آلة هاملت". اكتشفت المسرحي الالماني الكبير عند قراءة قصة حياته في ترجمة فرنسية لكتابه "حرب من دون معركة. الحياة في ظل ديكتاتوريتين".
بعدها، رحت التهم كل ما اقع عليه من اعماله في الفرنسية والانكليزية. تدخل بولتسن في حديثي مع فيبر ليفهمني ان وجود فيبر بيننا هو بسبب صداقة بولتسن الحميمة لموللر وقد كان من حوارييه إن لم نقل احد مريديه.

ظلت صورة الرجل الشجرة تراودني فيما أقلعنا في المترو نحو مرسم بولتسن في بانكاو، في القسم الشرقي من المدينة. لم يكن المرسم يشي بحضور موللر الطاغي فقط. موجوداته تعبير مشخص عما يشترك فيه النحات الشاب مع المسرحي الراحل: رغبة لا تقاوم في الضغط والاختصار والصهر. واحدهما مارسها ببراعة استثنائية وعنف مدوخ في اللغة والحوار وحركات الجسد على المسرح. والثاني نقلها الى طرائق تعامله مع مواد النحت. الابداع عند هذا وذاك دينامي، متوتر، قسري، لا يخلو من العنف.

منحوتة بولتسن "الملاك الساقط" تحية الى الشاعر بول تسيلان تتجلى بوحشية واناقة معا. بدت لي النقيض من منحوتة ارنست بارلاخ "الملاك الطائف" على الرغم من ان الكسندر يصر على انه متأثر بمنحوتة النحات التعبيري الالماني. يتحدى عمل بارلاخ قانون الجاذبية وكل التراث "الارضي" للنحت. هي منحوتة تطير وتحلق وتطوف في الجو. في المقابل، ترتضي منحوتة بولتسن طوعا الانصياع لجاذبية الارض. بل هي تسعى الى مضاعفة مفاعيل تلك الجاذبية. يقول الكسندر عن ملاك بارلاخ انه يشبه الصاروخ. ويذكر بأن النحات التعبيري استوحى وجه ملاكه من وجه الرسامة الالمانية اليسارية كاثي كلوفتس الصارمة الحزن. الصواريخ المصنوعة لتقع على الارض. صاروخ بارلاخ يطوف متحررا من الجاذبية. فيما صاروخ بولتسن يعلو ليسقط بقوة أكبر ساحقا من قد يقع عليه.

تصعد امبراطوريات وتتهاوى امبراطوريات في هذا المنحت. برتولد بريشت مرسوم على شاكلة امبراطور روماني. ولكن في المقابل، ها هي ثلاثية "كارتاغو" تندب سقوط قرطاجنة التي هزمتها روما. ترى، هل يذرف النحات دمعة حزنا على سقوط المانيا الديموقراطية على يد روما الحديثة؟ لا يستبعد.

هنا نموذج مصغر لمنحوتة تروي عاشقين صهرهما حبهما فاختلط لحم العاشق بلحم المعشوقة. وعلى الغرار ذاته من الضغط والصهر، تلقى تمثال سيزيف مجبولا جسده في الصخر. لقد حُكم على جيوردانو برونو بالعقوبة ذاتها التي حكم بها على الاله الاغريقي الذي سرق النار من الالهة واعطاها البشر. كلاهما عوقب على تحديه الآلهة. وكلاهما ارتبطت خطيئته بالنور. كتب برونو يقول: "ليس يوجد عالم واحد، ولا كرة ارضية واحدة، ولا شمس واحدة. توجد عوالم عديدة بعدد اشعة النور التي نراها حولنا".

التعدد نور عند برونو.
تكمن حيلة بولتسن الحذقة تحديدا في الطريقة التي بها شخّص العقوبة التي انزلت ببرونو. حكم على برونو بالموت حرقا وهو مقيد بعمود خشبي. فنحت النحات تمثاله من المادة ذاتها التي استخدمت لمعاقبة العالِم. وتأكيدا ان الذي تراه هو خشب، استبقى النحات ملمس الخشب عندما صهر التمثال في البرونز.

بلى. جيوردانو برونو شجرة برونزية.

يتراءى لك رأسه المغروز في الأرض على انه جذور شجرة. واذا كانت الاعضاء التناسلية للمنحوتة غائبة فلأن الشجرة لا جنس لها على الرغم من انوثتها اللغوية. ثم ان احدى يدي المنحوتة لها ست اصابع. هل هذه غمزة متشيطنة من الفنان نحو المُشاهد لامتحان قدرته على ملاحظة التفاصيل؟ ام هي رمز باطني يريد النحات منه رفع منسوب الالغاز الذي يلف المنحوتة؟ أم لعلها ببساطة اصبع اضافية نمت على جسد المنحوتة، مثلما في الشجرة يتفرّع غصن من جذع.
جيوردانو برونو شجرة برونزية.
وهو، في اكتشافه العنيد واستشهاده، يوجه الينا رسالة من الماضي الى الحاضر.
انه منشق معاصر ضد الاحدية في عصر العولمة.

منشق ضد "القرية الكونية" المعسكرة، والمنمطة على شاكلة الغرب ومثاله، تفرضها على الكون القوة الامبراطورية، ومتمرد على لاهوت السوق ووحدانية "الفقاعة المالية" (وقد انفقعت في غير موقع اخيراً!) وهو كافر بمحاكم التفتيش الناشطة في العداء للاسلام مثلما كانت سابقتها ناشطة في تعقب الهراطقة، ومناضل ضد "الحرب على الارهاب" واخيرا وليس آخرا هو رافض لتسييس الهوية او عسكرتها!

تقول رسالة برونو ببساطة ان في عالمنا متسعا لعوالم عدة وفيه من الموارد ما يكفي الجميع.

ليس برونو من هو واقف على رأسه ورأسه مغروز في الارض. انه يبدو كذلك لأن عالمنا هو من يقف رأسا على عقب.
فرجاء، اقلبوا جيوردانو برونو عقبا على رأس عقب ليقف على قدميه فيستطيع ان يمشي. فالاشجار لا تمشي والرأس لا يمكنه ان يكون كتلة جذور.

"ان الرجل الذي يمشي يفتح مع كل خطوة افقا جديداً".
هكذا تكلم الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت .

النهار
13 ديسمبر 2008

أعلى