لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع









































 

ستدلكَ النواقيسُ البرونزُ،

والحجرُ القديمُ إلى مكانِكَ الأول، والأخير.

محمد عفيف الحسيني

إلى Maithe Valles - Bled
إلى Axin Welat

1

Lodevعندما تلقيتُ دعوة المشاركة في المهرجان الشعري العالمي، في مدينة لوديف الفرنسية؛ باللغة الفرنسية، لم أفهم منها، غير المهرجان والشعر؛ استنجدتُ بأصدقائي العارفين لغة رامبو: بيان سلمان، وصبحي درويش، وفي حين وصول ترجمة الصديقين للدعوة، وصل اعتذار من السيدة مديرة المهرجان، بأن مشاركتي لهذه الدورة، قد تأجلت إلى العام القادم. السفارات الفرنسية في الدول التي ينتمي إليها الشعراء، هي التي تتكفل تكاليف سفر الشعراء، وبلدية لوديف، هي التي تغطي النفقات ـ الباهظة ـ لوجود هذا العدد الضخم من الشعراء والصحفيين والفنانين والموسيقيين.. الخ. سأتحدث عنهم تالياً. كتبت السيدة المديرة، بأننا سنبحث عن طريقة أخرى لتمويل البطاقة، السفارات السورية السعيدة التي أنتمي إلى دولتها، ليس لها أي شأن بمواطنيها، خاصة مثقفيها، غير نقل تقارير المخبرين إلى أسيادها، عن نشاطات هؤلاء الخارجين عن حدودها. هي مشغولة جداً، السفارات المناضلة الضاحكة المحمومة أبداً. هي دعوة أولى لشاعر كردي، في هذا المهرجان، ثمت إشكاليات كثيرة: كردي، سوري، سويدي الجنسية، مقيم في السويد. ثمت معهد كردي في باريس، المعهد لم يبدِ أي استعداد، فهو مشغول بالسديم ونقوش سيده على الهواء. معهد كردي في باريس نائم على أمجاد أختام البيروقراط وأصباغ الجحيم الكردي، بصيغة معهد لا شأن له في أي شأن، غير شأن مديره الأبدي، الشبيه بمدير اتحاد الكتاب العرب في سوريا، الديناصور: ع. ع. ع. المختصر الجميل، من غير الجميل علي عقلة عرسان.

2

Lodevالسفارة الفرنسية، في السويد، هي التي تكفلت بثمن البطاقة، من غوتنبورغ، إلى باريس، من باريس إلى مونبيلييه، ومنها إلى الشجن الشعري الكبير في لوديف. أنا الذي بهويتي الضائعة: الكردي، السوري، حامل الجنسية السويدية، والذي يعيش دون نوستالجيا حقيقية لمكان يبتعد عنه، أو هو الذي ابتعد عن المكان: أعني عامودا.

3

ظلت السيدة المديرة الصارمة، تحاول، في أن أكون في المهرجان، وكان ذلك.

4

في مطار شارل ديغول الكبير، كان عليَّ أن أغير المكان الهبوط، إلى المكان الإقلاع، كنت أملك الوقت الهادئ لذلك، دخنتُ في حرارة باريس، وفكرتُ بالشاعرة آخين ولات، وفكرت أيضاً بعامودا؛ وفكرت بالتنقل من المدرجات والمداخل التي يتحول البشر فيها إلى زنابير الخريف الدائخة، وفكرت أيضاً بأصدقائي: صبحي حديدي، صبحي درويش، بشار العيسى، بيان سلمان، فواز حسين، مها حسن، عزالدين تمو، عنايت عطار، يوسف عبدلكي، وفكرت أيضاً بعائشة أرناؤوط وصخر فرزات، أيضاً ثمت من الفنان، وليس السياسي: بشار العيسى هناك!، لكن الذهن ذهب من آخين ولات أولاً، إلى الكرد الموتى والقتلى: عبدالرحمن قاسملو، يلماز غوناي، والمغني المقهور أحمد كايا. كنت في باريس، لساعات، أتقلب في تورية التدخين، إلى تورية الحرارة الباريسية التي تشبه حرارة عامودا، في شهرها السابع: ينقطع التيار الكهربائي، ويجف ماء الحنفيات، ويجف بشرها وهواؤها وحيواتها، يعيش البعث فقط بنعمة المولدات ونعمة سفاراتها في أوربا!.

5

أبصرت الشاعر سركون بولص الآشوري، في قاعة باريس ـ مونبيلييه. هو أيضا في المهرجان.

6

تمتد مونبيلييه على البحر الأبيض المتوسط، هو بحر أنتمي إليه أيضاً، بحر خاض حروباً كثيرة، وخاض قهراً أكثر، غرقت فيه سفن كثيرة، وغطس فيه مغامرون كثيرون، وعلى مائه أبحرت سفن كثيرة تحمل مهاجرين بؤساء من الكرد والأفارقة والأفغان، (الأفغان الهاربون من طبعة الأصولية القاتلة)، وعلى شواطئ المدن الشمالية رست بأملاح هؤلاء المهاجرين، مات بعضهم في زبد البحر المتوسط، وأنقذ البعض، وارتد البعض إلى أزلهم الشقي، بلدانهم السعيدة، بقادتهم السعداء؛ ومنهم الأجانب الكرد، المحرومين الموتى.
بحر متوسط، جابت فيه سفنٌ أجدادي الشداديين، أنشأوا فيه ملاحة كبيرة، من خشب الصندل والبندق والبلوط والصنوبر، الخشب الذي جلبوه من كردستان، إلى موانئ البحر المتوسط، وأنجبوا منه بحّارة أشداء في مواجهة الحملات الصليبية، غرق أجدادي ـ آنذاك ـ في الإسلام، ولم يهتموا بكردستان. غرقت كردستان في بحر المتوسط.

7

تدور الطائرة الفرنسية العملاقة، عدة دورات، حول محيط المدينة البحرية مونبيلييه، يجلس سركون بولص، في المقعد الذي يسبقني، يشرب النبيذ، وأنا أشرب القلق، لأحول القلق تالياً، إلى نبيذ يومي معه في مهرجان لوديف الشعري. النبيذ الذي سيقدمه لنا المهرجان: كيس أنيق يحتوي على دورق وزجاجة نبيذ فرنسي، هي هدية شاعرية، للشعراء التسعين المشاركين. سنتقاسم هذه الهدية، تقاسماً عادلاً، النبيذ سنشربه في قيظ لوديف، والدوارق الممتلئة بنفخات صانعيه، ستذهب إلى بلدان الشعراء المشاركين، هي ذكرى، دورقي ذهب إلى صاحبة البانسيون الرقيقة، الدورق الذي تركته فوق خزانة الغرفة التي كنت فيها، أحلم بالرقيقة الحامل آخين ولات، كل مساء، الدورق اللذيذ، أهديته إلى القلقة على ضيوفها القلقين في بيتها القديم، الذي فيه أشباح عاهرات القرن التاسع عشر.

8

شاعران تركيان، شاعرة إيرانية، ومغن تركي،؛ ثمت ألفة كتومة بيننا، وبعض عداوة، كنا في نفس النزل، هم منفيون عن بلدانهم الفاجرة الفاسدة، مثل بلدي الفاجر الفاسد. هم يعيشون في منفاهم الفرنسي، وأنا أعيش في منفاي السويدي.
سألني أحد هؤلاء الشعراء المنفيين الترك، في مساء أخير:
ـ هل تعرف محمود باكسي؟
محمود باكسي، هو صديق للشاعر التركي المنفي،؛ محمود باكسي الروائي، الذي مات بموت السرطان.
قلت له: أعرفه، الذي مات.

9

في مطار مونبيلييه، نزلنا، سركون بولص وأنا، نجر متاعنا اللغوي، كلانا منفيان عن لغتنا ومكاننا، إلى تخوم لغوية أخرى، وأمكنة قصية شبحية. ثمت فرنسيان يقفان أمام باب الخروج، يحمل كل واحد منهما ورقة عليها كلمة دليلة إلى المهرجان، سركون ذهب إلى جهته ـ النوم، وأنا والشاعر الايطالي ريكاردو هيرد، تقاسمنا الطريق في السيارة إلى لوديف، الشاعر الايطالي، ذهب إلى جهة النوم، غير جهتي،؛ وأنا، أوصلني السائق إلى البانسيون، حيث تنتظرني السيدة التي تقضي معظم سنواتها في دولة أفريقية؛ تقول السيدة بالانكليزية البسيطة القريبة من إنكليزتي البسيطة، بأن ثمت فرح سيعيشه النزل، في وجود الشعراء فيه. تدل خطواتي إلى غرفة في الطابق الثاني، وبرفقة الفرنسي، الذي كان المرشد في المشي من النزل إلى ساحة الشعر، يقول لي: تذكر هذه الكاتدرائية أثناء العودة، ستدلك النواقيس البرونزية والحجر القديم إلى مكانك؛ سنذهب إلى مساء الشعر، في يومه الأول: الساحة الكبيرة، التي ستشهد في تتالي الأيام القراءات الغنائية الكثيرة. وبعض القراءات الشعرية النادرة، منها القراءة الشعرية لأدونيس التي لن تتمَّ فيها.

10

في ذلك المساء الأول، وفي الكثافة من الحضور، سأل عني صديقي القديم محمد فؤاد، الشاعر، وسألت عنه أيضاً، عبر رسول القلق صالح دياب، فلم نهتد إلى بعضنا البعض. الرسول اختفى في زحمة الشعر والموسيقى والشعر؛ لم أقرأ شعراً ذلك المساء، كان اسمي ضمن القراءات، لكن طائرتي ـ هل هي طائرتي؟! ـ لم تكن ضمن الوقت الزمن المسائي الشعري الفرنسي.

11

نبيذ مسائي، جعل حرارة بوصلة الهداية إلى النزل صعباً؛ ثلاثة في حليب الفجر الفرنسي: طاهر رياض، سركون بولص، وأنا، وصلنا المدينة مساء، وثلاثتنا لانعرف اسم النزل، فقط نردد معاً، ثمت كاتدرائية قريبة، كانت ساعة البرج تدق الرابعة فجراً، أربع تكات قادتنا نحن الثلاثة إليها، ومنها، إلى النزل، الذي اكتشفنا أننا سوياً في غرفه ـ غرف القرن التاسع، حيث أشباح عاهراته تنام وادعة بصيغة كتابات ما، وأغطيةٍ حمراء.

12

صخب، وفوضى من الشعراء، قلق أيضاً، تعج المدينة القديمة بالمارة والسواح والصحفيين وملصقات المهرجان، وتعج بالموسقيين والأزقة القديمة، التي تنحدر من الشمس إلى الظلال، ينحدر نهر المدينة، بضفتيه الواسعتين، وبمائه الضحل، سيكون النهر شبيها بنهر عامودا الذي جففه الترك، شبيهاً بنهر جغجغ الذي جففه الترك، لم يجففه الشاعران التركيان اللذان تقاسما معي الأصباغ الزرقاء لدرفات نوافذ غرف النوم، في النزل القديم الهادئ، غير المجفف.

13

Lodevثمت في اليوم الأول من نهارات الشعر، لي قراءة شعرية، على ضفة النهر، خيمة، كراسٍ، وحضور فرنسي. في ظهيرة تذوب فيها الكلمات، ويتراجع الهواء، فقط خرير شحيح من النهر، أسمع النهر وأسمع حزنه، ويسمعني النهر أيضاً، كلانا نصب في حوض المتوسط، ونختلف في البدايات. كلانا شاعران. النهر الذي سيشهد قراءات شعرية كثيرة، بلغات كثيرة، وسيشهد النهر الصخبَ الشعري من عُصبة شعرية: شاعر فرنسي ليس له مكان، ينتمي إلى الأرض فقط، يكتب دائما، ويبتسم دائما، ودود ويشرب النبيذ الوردي مثلما يشرب النهر الهادئ القريب، شعره الهادئ، الذي ترجم لي محمد حمودان مقطعاً من شعره، كما طلب منه الشاعر الفرنسي، قائلا له: ترجم لهذا الكردي، الذي دون أرض مثلي، هذا المقطع؛ المقطع الذي يتحدث عن الذين لا أوطان لهم. ترجمة أمام النهر، هكذا فهمتُ، النهر أيضاً لا وطن له، نهر يجري في كل مساء قدَّام أرواح الشعب الطوارقي المنفي، في لوديف.

14

ـ كيف حالكِ آخين؟
ـ "كيف حال آخين".
يسألني محمد فؤاد كل يوم، وتسألني ربيعة برازي كل يوم، ويسألني سركون بولص، وتسألني صاحبة البانسيون، وتسألني ميسون صقر القاسمي، ويسألني طاهر رياض والنهر والعازفون والأزقة ويسألني جاري في النزل إبراهيم الحسين، الشاعر السعودي، الذي أربكه مرض ابنه منذ وصوله إلى المهرجان، أربكته الحرارة التي على رأس ابنه في المشفى، وأربكته الحياة الصخابة في لوديف، مثلما أربك مرض القلب شاعر ألباني، فعاد، الشاعر الذي حيَّاني، في مساء قبل سقوطه، وذهابه على عجل إلى أمه الأرض. أين استقر به المقام ـ مقام القلب؟!.
يسألني النهر، أيضاً.
آخين، هي الآن أم "ميتان"، أقولها، للسائلين. وللنهر أيضاً.

15

الكتاب المطبوع من قبل إدارة المهرجان، عن نشاطات المهرجان الشعرية والموسيقية؛ الكتاب الفرنسي الدقيق بمواعيده وأمكنة اللقاءات والقراءات، الكتاب كان متاهة لنا ـ الجهلة بالفرنسية ـ.

16

في مركز المهرجان تحت ظلال المديرة صاحبة السيجارة المشتعلة على الدوام، يجتمع المقرِّئون الشعراء من دول كثيرة، لم يكن لي انتماء، أنا الوحيد، الذي كنت أقول من كردستان. يليه سؤال آخر بسيط: من أي قسم؟ سؤال آخر يشدني، إلى سؤال آخر، أين سأضع نفسي في ندوتي عن الشعر الكردي بالعربية في سوريا. الندوة التي كانت مخصصة لي لمدة ساعة، في حوش قديم، حوش بيت طوارقي، يرتفع فيه الحجر القديم، والظلال القديمة والنوستاجيا أيضاً. كان الشاعر الفرنسي المحاور، يستدرجني إلى اللغة، فكان ذلك، اللغة التي قهرتنا، بعد مجيء السلطات الوطنية إلى سوريا الوطنية. لم يكن الأمر غريباً عليهم، بأن ليس ثمت من مجلة باللغة الكردية، مسموحة لها في هذا الوطن الذي تصب يابسته في البحر المتوسط، حيث تتكتم الأصوات، أصوات الكرد المعذبين، من نتائج البعث الديناصورية.

17

كانت المرأة الطوارقية العجوز الحزينة، الجالسة في أفياء بيتها الفرنسي، تتأملني، ويتأملني وشم روحها المنفي، أيضاً من اللغة والمكان وربما الزمن، هو الزمن الأساس، الزمن فيه اللغة والمكان والشجن، والموت في أرض غريبة؛ كانت، المرأة تحضر الشاي الأخضر لضيوفي، الفرنسيين، ولمحمد فؤاد وميسون صقر القاسمي وللدقيق المترجم أنطون شواكي، السرياني، المنفي أيضاً، وكذلك للحجر القديم الذي تسلّقه خيالي، قبل بدء الندوة ـ الحوارية.
تقول لي الطوارقية: نحن نحب الأكراد، نحن مثلكم أصحاب قضية.
أتساءل بيني وبين نفسي: "ماهي قضيتي؟"، وأنا أعرج من أفريز البيت الروحاني، إلى روح الشعراء في المدينة. قضيتي أن أكتب نصاً قوياً، تدل على هويتي الكردية، بالعربية.

18

Lodevتصطف خيام كثيرة طيلة شارع أشبه بالشارع الرئيس، في مدينة لوديف: دور نشر فرنسية عريقة تعرض كتباً عريقة، ومنمنمات، وخطوطاً يدوية بديعة، ولوحات صغيرة أصلية، لوحات الفنانين المغمورين، لكن الشعر في معروضاتهم، هو ما يلفت، الشعر بطبعات الدار الشهيرة "غاليمار"، يحتشد الشعراء الفرنسيون، في طبعات كلاسيك، صارمة من الدادائية إلى السيريالية، إلى العبث أيضاً، وإلى التجارب التي سطعت، وأثرت أبداً في الشعر العالمي: رامبو، لوتريامون، بودلير، ت. إس. اليوت. شعراء القرن الذي ينتمي إليه البانسيون: القرن الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تسهب صاحبة البانسيون في مدح ظلال وأنفاس العاهرات اللواتي عشن قبل أكثر من مئة عام، بجانب الثكنة العسكرية الهائلة. حيث تنتعش التجارة البيضاء، مع العسكر؛ في عامودا، في الزمن الذي كان فيه الفرنسيون، بنوا ثكنتهم "القجلة"، وبنوا أيضاً بيتاً للدعارة، بيت طيني، صغير، ربما أربع غرف وصالون، وشجرة توت ضخمة، البيت الطيني، كان قريباً من الثكنة، حيث العسكر، كانت عامودا، في الثلاثينيات، تموج بالشعر، كانت عامودا تشبه لوديف.

19

الصخّابون، الشعراء، أينما كانوا، يئن منهم الحجر.
أنا شاعر عالمي
الفرنسيون أحبوني
الصحافة الفرنسية تحاصرني
كانت أمسيتي الشعرية كبيرة
طلب مني الفرنسيون أعمالي الشعرية الكاملة، لترجمتها.
كان الفرنسيون الرقيقون، يبتسمون، فقط.

20

للوهلة الأولى حسبته كردياً ـابن عم لأحمد كايا، أحمد كايا المغني الكردي بالتركية، والذي طعم أغانيه بالكردية، والذي نفته الكمالية، والذي مات في باريس في عقده الأربعيني،؛ حسبتُ المغني التركي، نفسه أحمد كايا، في قراءته الخاصة، تحت ظلال متحف المدينة، نفس اللحية، لكن اختلفت اللغة، هو أيضاً مغنٍ منفي. لم نتحادث، أبداً، لكن كان من إشارات بيننا، كلما التقينا، إشارات الضرر من حكومات ضارة. حياني مرة، وأنا جالس مع نفسي، في باحة المدينة، أردد مع نفسي أغنية القيظ في عامودا، حيث تتقافز الحيوات والجراد والعدم.
المغني التركي، كان العازف على طنبورته، بلغته التركية، تمنيت أيضاً، أن يكون مغن كردي، يعزف على آلته المنفية، لكن، بلغته.
ـ لقد حضرت ندوتك. أنا مسرحي، أعرف كردياً، نسيتُ اسمه، عازف بليغ.
في الساحة المسائية للمهرجان، حيث تمتد عشرات من طاولات العشاء والشعر والموسيقى والصخب والنبيذ، استوقفني الفرنسي، المسرحي، وهو يدلني على الكردي العازف، سألته عن اسمه، كان النبيذ الأحمر، قد لجلجه، فلم يتذكر اسمه، نادى زوجته، التي قالت إنه عزالدين تمو، هو الشاعر إذاً، والعازف وماهر الأوتار على الطنبورة المنفية في جهة من جهات باريس:
لأكتب عن عزالدين، إذاً، مثلما كتبت، قبل سنوات عن العازف الشاعر الصانع:

21

(عزالدين تَمّو: وُلد المغنيُّ الفذُّ، والعازفُ الكرديُّ الأولُ في حذاقةِ الطنبورةِ الموجوعةِ، في عامودا، يقولُ الساردُ في خطأِ الشرودِ، فهو لم يُولدْ هناك. بل على أطرافها.
ـ أعامودا كبيرةٌ هكذا؟
ـ لا، هي صغيرةٌ، لكنّها عتيقةٌ، عتاقةُ الحبِّ الفاشلِ في الشيخوخةِ، وفي سلاسلِ العباءات، سلاسة الأوتارِ السخيةِ.
وُلد من عائلةٍ مُعدَمةٍ، واضُطهدَ من بني قومه. قومه أبناء الجن. غادر عامودا ـ في سهو السارد الكفيف ـ إلى البحرِ، عاملَ بناءٍ، وعلى صخرةٍ فّكرَ بالهبوطِ منها إلى الأبديةِ ـ فكر كذلك بارامُ، في غوتنبورغ ـ هناك في الأعماقِ، الملحُ، والشبُّ، والمحارُ الوديعُ، وأيضاً الأزرقُ الغامضُ، لكنّهما لم يفعلا.
صباحُ الخيرِ خَانِ مِنْ
شَـهِي شِيِريِنْ زَبَانِ مِنْ
تُوِي رُوحُ و رَوَنِ مِنْ
بِبِتْ قُرْبَانْ تَه جَانِ مِنْ
في عام 1954 وُلد في قرية "كِري بِيري"/هضبةُ العجوزِ. في بطاحٍ من كردستان الصغيرة، المغيّبة، الغائبة، الزرقاء. انحدرَ تمّو من فقرِ الأزرقِ إلى الموسيقى.
ـ ما لون الموسيقى؟
ـ هو أخضرُ دائماً، عليه صورةُ الغياب. برونزُ التماثيلِ في غوتنبورغ، برونزُ نصبَ الحرائقِ في سينما عامودا.
في الخامسةِ عشر من عمره، أواخر عام 1970، كان تمّو يزحف إلى كردستان الجنرال العجوز، صاحبُ قطعةَ الماسِّ الخامِّ، يُخرجها في نزقِه، ويشحذُ بها قلقَ الحجلِ،
ـ ماحدود كردستان؟
ـ حيث يحطُّ الحجلُ.
وهناك حطَّ تمّو، حجلاً صغيراً، موسيقياً. والتقى ببارامَ أيضاٌ، ولم يلتقِ بكولنام ـ كانتْ تغطس بشعرِها الأسودِ الغزيرِ في ماءِ الخابورِ، وتفرك ثدييها النافرتين بطميه، كانتْ في غيبوبة حبّها الأخير.
ـ تمّو، ياحبيبُ بارام، غنِّ له شرودَك، ذلك البعيد، مثل ذهب كاحلي، غنِّ له أغنيتي، والمنفى، تمّو.. ياحبيبي.
ـ هو ليس حبيبكِ، كولنام. هو حنيني إلى عامودا، حنيني إليكِ، كولنامُ. ياحبيبتي، يا أمي في غوتنبورغ.
سقطَ تمّو من هضبةِ كردستان، وعاش في باريس، يضع يدَه اليمنى على أذنه، يصنعَ الأوتارَ، ويكبّر في يومِ ميلادِ الخابورِ.
ـ أخابورُ، يحتفل بميلاده!
ـ نعم. يردد الساردُ في تجلّياته. كولنامُ نامتْ على ضفافِه. ونامتْ بجانبها، إبنتها، وهي تهدهدها، تناغي لها من شعرِ القرن التاسع عشر، لشاعرٍ مجهولٍ، كتبَ حبَّه، ومات شاباً.
ـ بارامُ ـ والدكِ ـ يجادلُ تَمّو.
ـ لِمَ، لَمْ تغنِ لإبنتها، يا ولدي، تَمّو!
ـ سأغني، يابني... يابني بارام..
ــ غَنِّ الآن... الآنَ...
ـ أغنيتي حزينةٌ، وأنتَ قلقٌ، سأغني فيما بعد يابني. الغناءُ ملمومٌ في حنجرتي، وعذبٌ، سأنتظر قدومَ كولنام، بعد أن تهدهدَ إبنتها، بعد أن تحركَ مهدَها من برونزٍ ونخيلٍ وقصبٍ، آهٍ.. بارام، آه.. كولنام.. مافعلتما كان كثيراً على شيخوختِكما، وتّرتُما قوسيكما شديداً، أنتما رهيفان، وسيمزّقكما العصفُ، مثلما كنتُ على ضفافِ خابور، في الزمنِ القديمِ ـ الزمنِ الهاطلِ عليكما بركةً وفتوةً وندماً.
ـ حيث يحطُّ الحجلُ.
وهناك حطَّ تمّو، حجلاً صغيراً، موسيقياً. والتقى ببارامَ أيضاٌ، ولم يلتقِ بكولنام ـ كانتْ تغطس بشعرِها الأسودِ الغزيرِ في ماءِ الخابورِ، وتفرك ثدييها النافرتين بطميه، كانتْ في غيبوبة حبّها الأخير.
ـ تمّو، ياحبيبُ بارام، غنِّ له شرودَك، ذلك البعيد، مثل ذهب كاحلي، غنِّ له أغنيتي، والمنفى، تمّو.. ياحبيبي.
ـ هو ليس حبيبكِ، كولنام. هو حنيني إلى عامودا، حنيني إليكِ، كولنامُ. ياحبيبتي، يا أمي في غوتنبورغ.
سقطَ تمّو من هضبةِ كردستان، وعاش في باريس، يضع يدَه اليمنى على أذنه، يصنعَ الأوتارَ، ويكبّر في يومِ ميلادِ الخابورِ.
ـ أخابورُ، يحتفل بميلاده!
ـ نعم. يردد الساردُ في تجلّياته. كولنامُ نامتْ على ضفافِه. ونامتْ بجانبها، إبنتها، وهي تهدهدها، تناغي لها من شعرِ القرن التاسع عشر، لشاعرٍ مجهولٍ، كتبَ حبَّه، ومات شاباً.
ـ بارامُ ـ والدكِ ـ يجادلُ تَمّو.
ـ لِمَ، لَمْ تغنِ لإبنتها، يا ولدي، تَمّو!
ـ سأغني، يابني... يابني بارام..
ــ غَنِّ الآن... الآنَ...
ـ أغنيتي حزينةٌ، وأنتَ قلقٌ، سأغني فيما بعد يابني. الغناءُ ملمومٌ في حنجرتي، وعذبٌ، سأنتظر قدومَ كولنام، بعد أن تهدهدَ إبنتها، بعد أن تحركَ مهدَها من برونزٍ ونخيلٍ وقصبٍ، آهٍ.. بارام، آه.. كولنام.. مافعلتما كان كثيراً على شيخوختِكما، وتّرتُما قوسيكما شديداً، أنتما رهيفان، وسيمزّقكما العصفُ، مثلما كنتُ على ضفافِ خابور، في الزمنِ القديمِ ـ الزمنِ الهاطلِ عليكما بركةً وفتوةً وندماً.
بارامُ إبنُ الروك أند رول، إبنُ طنبورتي، إبنُ موزارت، إبنُ الجبلِ، إبنُ الأخضرِ. إبنُ صحائفِ القرآن الخضراء القدسية، إبنُ الحبرِ، بارامُ بنُ كولنام، سأغني لكَ.
كولنام، إبنةُ رقائقِ الذهبِ، إبنةُ البحرِ، إبنةُ الروك أند رول، إبنةُ المساءِ، إبنةُ الليلِ، إبنةُ الحبرِ. كولنامُ إبنةُ بارام. سأغنّي لها أيضاً. لها أولاً، ثم لكَ بارام.. آهٍ أين أنتَ؟
ـ يجمعُ أسلحةَ السلاحدار، ليرميها في الخابورِ. يقولُ الضريرُ الساردُ، أراه بوضوحٍ، يجرّ الحديدَ الشديدَ، ليرميه في الماءِ، فيجرحُ زندَه الأخضرَ، يرشُّ عليه الترابَ، يشدُّ قبضتَه، ويعرقُ، مثلما كان عندما تضاجعَ مع كولنام، على فروةِ الكبشِ الذبيحِ، أراه بوضوحِ الرائي، يضربُ برجليه صخرةً، فيتعثرُ بها، يتعثر بحكايتي، فيبتسمُ، يهدأ، ويغني.
في حبِّها عمري دلَكْ
والحبُّ يجري في عُجاج
ـ غنيَّ، كولنامُ.. صوتكِ مبحوحٌ، فيه الحبُر، وجريحٌ مثلي.
ـ كيف ستسمع صوتي، بارام. أنا بعيدة. آلافُ الفراسخِ بيننا، آلافُ الماءِ. الشجرُ، الطيرُ، الغبارُ، الماءُ الأزرقُ، الفضاءُ، الشيخوخةُ، والسلاحدارُ، لقد أصبح إثنين. أسمعكَ وأراكَ، لكنّي لستُ عندكَ. أنا ظلالُكَ المقهورة، ومنفاكَ، بارام ياحبيبي. محارتُك الصغيرة.. حبيبي، ومن بين الرجال، كنتَ بعلي، عضلكَ متوترٌ، ومحارتي.
ـ غنِّ بارامُ، صوتكَ مبحوحٌ، فيه الحبرُ، وجريحٌ مثلي.
ـ أين عزالدين تمّو؟
غادر في شبقِ العاشقين. وضع طنبورته في الجَوَالِ، ومشى. كان منتشياً، فقد غنّى لهما. أيقظَ في حقويهما الدمَ القادمَ، فناما على قصبِ الخابورِ. تضاجعا، وناما عاريين، شَعْرُها الأسودُ الكثيفُ، الذي لم تقصّه منذ الألفية الثانية، إلى الألفية الثالثة، على زندِه الأخضر، وذهبُها يسيلُ على شفتيه الخضراوين. ناما في استراحةِ الساردِ الضريرِ، الذي طلب ماءً من تمّو، ليبللَ حكايته، هكذا قال).
لم يكن من كردي، غيري؛ هل شعرت بالوحدة؟ نعم.
اقترحتُ على المديرة ـ الأم، مشاركة شعراء كرد بالكردية، ومغنٍ كردي؛ وافقتِ المديرة ـ الأم.
إذاً، سيقرأ، الكرد في الدورة القادمة، شعراً بالكردية، وسيغني مغنٍ أيضاً، لم لا يكون نفسه عزالدين تمو، الذي لم ألتق به هناك، في جنوب فرنسا، وهو قريب من باريس؟.

22

باريس التي كنتُ، أريد زيارتها، لزيارة قبور الثلاثة الكبار: عبدالرحمن قاسملو، يلماز غوني، وأحمد كايا؛ وأزور أيضاً أصدقائي؛ فلم أذهب، كثافة القراءات الشعرية، إلى اليوم الأخير، وكذلك ثمت طائر جديد سميناه "ميتان"، ينتظرني. معي أيقونات من الهرمزي وليد، ومني، لتذهب إلى أصدقاء في باريس: شمعدانات برونز ونحاس، أصص، خشب سويدي لفرم الخيال عليه في المطبخ، آنية زرقاء، وكتب ومجلة حجلنامه، وشعر، وحديث، وتسكع، ضاعت كلها، في المهرجان، ذهبت بعضها، وما بقي منها، كان رسول الخير، ورسولة الخير: محمد فؤاد وربيعة برازي، تكفلا، بأن يكونا رسولا الوصول؛ ذهبا إلى باريس، وذهبا إلى صديقيّ: صبحي حديدي وفواز حسين، في باريس التقيا بهما، وتحدثا معهما عن الرسل والخيال والكتب والشعر والجبنة الفرنسية والنبيذ الفرنسي والوطن السوري السعيد، والخشب السويدي الذي يمكن جعله أيقونة تعلق في كاتدرائية لوديف.

23

يستقر البناء الضخم ـ الكاتدرائية، في جزء ما من المدينة، لم أعرف الجهات هناك، بناء هائل من القداسة والقدم والعراقة، يغطي بروح بُناته المهندسين القديمين، روحَ المدينة القديمة، تخشع مع زائريها وظلالها التي لابد أن تسقط على المارين بجانب الظهيرات الحارة، حيث لاظلال، إلا ظلال القديسين الذين كانوا فيها قبل مئات السنوات، وهم يجوبون ممراتها الفسيحة، تحت أسقفها العالية، ورائحة التقوى ومريم العذراء، والسيد المسيح، والعُصبة من الكرد الرسل المجوس، وهم يقطعون الأرضَ، إلى الأرض: فقد قالت لهم نجمتهم المباركة، بأن مبارك سيأتي، فحملوا معهم متاعهم المبارك، إلى أرض مباركة.
تحت ظلال هذه الكاتدرائية، في حوش جانبي، منها، كانت أمسيتي الشعرية المفردة، لمدة ساعة، مع عازف الأكورديون "سيباستيان ألبيللو"؛ أحب آلة الأكورديون، منذ زمن كاتدرائية عامودا العدم، في تلك السنوات البدائية من عمر بدائي، بادلتُ مع إبن الشيخ القادري، ألف ليلة وليلة ومجلات وكتب للفتيان، بآلته الأكورديون، قرأ المجلات والكتب، وقرأتُ آلة الأكورديون، ثم أعدنا التبادل، هو لم يصبح كاتباًً، وأنا لم أصبح موسيقياً؛ لكن، ظلت تلك البدائية، تشدني إليها، الأكورديون، آلة شجية، آلة لها الروح، هي آلة الخارج، وليست في القاعات، هي آلة يعزف عليها، في ظلال الكاتدرئيات وبجانب روح الموتى، هي ليست آلة المكان المغلق. بل الفضاء. المسرحية والشاعرة الفرنسية "أوليفيا نيكوسيا"، هي التي تكفلت بقراءة النص الفرنسي، بعد قراءتي للنص العربي، وتكفلت آلة النفخ بمقاطع شعرية من روح عازفه، العزف والنص الفرنسي، سيمتزجان، في الساعة الثانية عشرة ظهراً، مع ضربات ساعة برج الكاتدرائية في الأعلى. امتزج الشعر والأكورديون والساعات والظهيرات والحجر والنبتات النابتة على الحجر، والهواء القليل الذي لفح الجمهور والكراسي، وبالطبع الحجر القدير للكاتدرائية القديرة؛ كنتُ أسمع آنذاك النغمات النشاز لأكورديون ابن الشيخ القادري، قبل حوالى ثلاثين سنة، في مدينة ماكوندو الكردية.

24

في مدينة ماكوندو الكردية ـ الأكورديون، التي كنت في نوستالجيتها، إن غبت عنها لبضعة ساعات إلى القامشلي، أنا والشيخ محمد نور الحسيني، لنستلم فيها منحتها الشهرية من وزارة التربية، كل شهر، أيام الجامعة، المنحة لطلاب متفوقين في الشهادة الثانوية العامة، نبدد نصفها في شراء الشامبوات من محل السرياني، من يتذكر اسمه؟ ليكن "سريان"، وعطر "البروت" المدوِّخ في ظهيرات قامشلو، نأكل الكباب، ونشرب البيرة، نشتري الصحف، وبضعة كتب، ثم نعود، مساء دائخيْن من البرد، أو القيظ والنوستالجيا.
في مدينة لوديف، قرأتُ شعراً حنيناً لـ عامودا، تحت ظلال حجر الكاتدرائية، قرأت بصوت الممثلة والشاعرة الفرنسية "أوليفيا نيكوسيا"، حنيني إلى عامودا. وقرأت حنيني بروح الهواء الذي يتحول إلى شجن بين يدي "سيباستيان ألبيللو"، وآلته الرقة. كنتُ أتمنى أن أقرأ نوستالجيا عامودا بالكردية، سيفعل ذلك شعراء الكرد وشاعراتهم، في الدورة القادمة، لمهرجان الكاتدرائية، سيغني فيها موسيقي كردي أيضاً.

25

في الكاتدرائية، في باحة الكاتدرائية، نصب الفرنسيون المهرة التقنيون الكهربائيون الصنَّاع، أصحاب الهندسة الحجرية والحديد والإلكترون والضوء، مصاطب حديد، مدرجات حديد، وستارات شفيفة وآلهة صوتية وقدّاسات وزمن غنائي موسيقي: كل مساء بعد أن تهدأ حناجر الشعراء، سترتفع أصوات المغنيين وآلاتهم، ستشدو الفرق الموسيقية العالمية بالشعر الغنائي. بحناجر غنائية، وستكون المغنية "سافو"، بصوتها الأوبرالي، واستعراضاتها ـ أدائها، في حفلة الكاتدرائية.
في مقهى قريب من الحفل، كنا العُصبة: فاضل العزاوي، سركون بولص، محمد فؤاد، ربيعة برازي، طاهر رياض، شربنا البيرة، شرب فاضل العزاوي الشاي الأخضر الثقيل، الأشبه بالبيرة، وعلى بعد خطوات كنا، في مصاطب الحديد الممتلئة بالحشد الجمهور؛ كانت سافو تغني، وكانت تغني، وكانت تغني. سافو شاعرة أيضاً، في الساعة الثانية عشرة ليلاً، دقت ساعة برج الكاتدرائية، فتوقفت عن الغناء، هي نفسها الساعة التي دقت الثانية عشرة، لكن في الظهيرة، فتوقفت الفنانة والشاعرة الفرنسية عن قراءة شعري؛ ثمت معاهدة مبرمة كتومة بين البرج وبين الشعر والغناء: الساعة القديمة لبرج الكاتدرائية، أيضاً تشبه مديرة المهرجان، صارمة دقيقة واضحة، وحنونة.
جلسنا في حنان على أرض الحفل، دخن كل واحد منا ربما علبة تبغ: أنا والكركوي؛ والآشوري دخّن سافو المغنية بتعليقاته الهامسة. وسافو كانت تغني وتغني، لم تكن تغني، كانت تؤدي الحياة ممسرحة ومغناة برفقة ناقر الدفوف ورفقة ناقر الجيتار؛ برفقة الحضور الكثيف، الذي يترك الشعر في الساعة العاشرة من كل مساءات المهرجان، حيث تنتهي القراءات الشعرية، لتبدأ القراءات الغنائية، إلى مابعد منتصف الليل، في باحة الكاتدرائية، أو الباحة المهيأة في مكان من مدينة لوديف، المصاطب هناك أيضاً، يشدو عليها المغنون والمغنيات، العازفون والعازفات، وسيقرأ فيها ـ وحده ـ أدونيس، القراءة Lodevالشعرية المخصصة له، بصفته شاعراً عالمياً، كما ورد في ملصق أمسيته، وفي الكتاب المتاهة.

26

أدونيس، تحديداُ، قبل خمسة عشر عاماً، التقيت للمرة الأولى به، كان ضيفاً في معرض غوتنبورغ الدولي للكتاب، صارت لنا صداقة، لا عرف كيف أسميها، هي صداقة بعيدة وقريبة في آن؛ تأتيني إشاراته حيناً وحيناً، إشارات الصداقة؛ في غوتنبورغ ظللنا نمشي، وظللنا نتحدث، ثم التقينا في ستوكهولم، مع الناقدة خالدة سعيد، ثم افترقنا، ثم تحادثنا مرات، ثم تراسلنا، ثم، كنتُ أستشيره بين الحين والحين في شأن الثقافة الكردية، في مجلة حجلنامه، ثم التقينا في لوديف، ذلك المساء، قبل قراءته الشعرية بيوم، في مساء متأخر، حيث كنا ـ العُصبة ـ عند النهر، جاءنا، محتفى به، من الجميع، حتى من الذين كانوا يهمسون عنه، هو له صفة الأب، الأب تجربة شعرية كبيرة، وسناً أيضاً؛ في اللقاء ذلك المساء المتأخر، قال لي فوراً، سأذهب إلى القامشلي، أريد أن ألتقي بوالدك الشيخ، قلت هو في عامودا، قال سأذهب خصيصاً إليه، سألني بماذا أخاطبه، الشيخ عفيف، أبا محمد، قلت له: خاطبه بكلمة "سيدا"، حفظ أدونيس كلمة سيدا، بعد أن رددها، وسألني عن معناها، سيكون أدونيس في عامودا، بعد شهرين، وسيكون أيضاً، ثانية في معرض غوتنبورغ الدولي للكتاب، هذا العام. أدونيس قرأ للشيخ عفيف ـ السيدا، وأحبه منذ ذلك الحين، أدونيس والسيدا في عمر واحد تماماً، كلاهما من مواليد 1930، لهما خمس وسبعون من الحياة المديدة التي أتمناها لهما سوياً. شاعران صوفيان. السيدا أدونيس، والسيدا شيخ عفيف بافي كال.
قلت له: لقد ترجم الكرد الكثير من منتوجك الشعري،. قال اطلعت على بعضها.
قلت له: ألا تفكر بزيارة كوردستان.؟ قال: أتتني دعوات، سأذهب في غير هذه الظروف.

***

في السادسة والنصف، كانت أمسية أدونيس، على تلك المصاطب المخصصة للغناء، كانت الغيوم تتحرك، كانت الغيوم في مساء لوديف الحارة تهطل مطراً كثيفاً، المطر الذي يشبه أمطار غابرييل غارثيا ماركيز، مطر قارِّي كثيف وحار وخانق، أمطار لتنبت أشجار الموز في جمهوريات الموز. لكن دون قتلى كما في مئة عام من العزلة، مطر أرغم الجميع، في حمل كراسيهم الخفيفة البلاستيك، للدخول إلى قاعة قريبة فسيحة، وعلى عجل تمت الأمسية، في جو خانق، كان العَرَق يتقطر من الجميع، وكان المطر في الخارج، وكان أدونيس يقرأ شعره، بصوت "أوليفيا نيكوسيا"، نفسها التي قرأت لي مرتين: المرة الثانية في باحة الكاتدرائية، والمرة الأولى، في الكافتيريا.

27

Lodevلوديف تشبه ديار بكر؛ هي مدينة مصغرة عن ديار بكر، لكن ليس فيها أكراد.
تمتلئ لوديف بالمقاهي مثل ديار بكر، تمتلئ لوديف بالحجر القديم، مثل حجر ديار بكر، ليس في لوديف قلعة ديار بكر، وليس في ديار بكر نبيذ لوديف، المقاهي هي عصب المدينة الصغيرة.
تمتد الظلال الحجرية في أزقتها وحواريها، وأنفاس سكانها، يمتد الهواء والنهر الضحل والجبل الذي يغمر جهات المدينة كلها بقوته، حيث تستقر في قمة من قممه كنيسة ما، تتساقط الظلال على كافتيريات المدينة، وإن لم تتساقط، سقطت ظلال المظلات المنصوبة بهدوء، في كافتيريا (Petit dejeuner cafe) الساعة العاشرة صباحاً، قراءاتنا المشتركة: الفرنسية أندريه أبريسيللي، والبرتغالي غاستو كروز، وأنا. كان بول شاول جالساً هناك، وكانت الظلال الصباحية جالسة، والقهوة أيضاً، والساعة العاشرة إلا خمس دقائق جالساً، لم أكن جالساً، كنت أفكر بالطريق من النزل، مروراً بالكاتدرائية إلى تفصيلات المدينة الشعرية، التفصيلات التي اكتشفتها في اليوم الثاني، المكان هو شجني، فأتعرف عليه ـ ربما هو شعور بالغياب، غيابي عن ماكودنو؟ ـ. القراءة السلسلة البسيطة: أن تقرأ شعرأً، وتشرب القهوة وتدخن، ويمر كلب المقهى بين الطاولات، الشعر هو البسيط، البسيط الذي تقرأ فيه، ويدخن فيه بول شاوول سيجارته العتيدة، ويراقب البناء المجاور، حيث يقوم أحد سكانها بنقل متاعه من مكان إلى آخر: الطاولة الخشب الثقيلة، والكراسي وأنفاس سنواته في بيته إلى القديم، وهو ينظر إلى ثلاثة شعراء، يقرأون بهدوء عن المجد والبرونز والانتقال من مكان إلى آخر. المكان هو الشعر. أعني به المكان الأول.

28

المكان الأول، هو ليس بشعر، بل قهر، وأعني عامودا.
في عامودا، كنا نهيئ المكان، في بيوتات سرية لنقرأ الشعر فيها. بيوتات مغامرة، تقدم لنا الشاي الحلو والقلق والمخدات الممتلئة بالقش والغبار والفقر. كانت أمسيات شعرية، من المساء إلى المساء، نخرج منها نتطوح من الدخان ومن تقرير لفاجر لأمن فاجر. أمسيات شعرية قرأنا فيها بداياتنا، ونهايات رحيلنا من ماكوندو، إلى ماكوندو (النوستالجيا)؛ في لوديف قرأت هذا الشعر، وهذا القلق، وهذا الحنين، قرأت القليل المكسور في الزمن الذي تركته ورائي في ماكوندو الكردية، في مدينة ماكوندو الفرنسية.

29

يمتلئ مركز لوديف، بالنشاط، الخيم المنصوبة، لبيع الكتب واللوحات والتخطيطات قراءة الشعر واقفاً، لثلاثة من الحضور، أو للمارة فقط، لشعراء فرنسيين، عازف البيانو الجوال: آلته الضخمة، على دراجة مهيأة خصيصاً، لمروره بين الشعراء والجمهور، ينقر على مفاتيحها، وينقر برجليه على دوّاسات دراجته، فينتقل العزف من زقاق إلى زقاق، المهرج الذي ينصب خيمته الصغيرة أينما كان، يجلس على الأرض، وينقل الحكايات للجمهور السريع ويمثل، عازفو الجيتارات، الفرنسيات العجائز المشرفات على ساحات الشعر، يراقبن بأمان، ويستمعن إلى لغات كثيرة، لايفهمن منها سوى أن ثمت شعر يسيل في أنحاء زمنهن العتيق، والكئيب في الآن ذاته. ثمت في لوديف، في نهر لوديف، ثلاث بطات، أراها كل يوم، تتهادى في الماء، مسالمة،؛ هي البطات، فقط، لم تكن تهتم بالشعر في المهرجان.

30

Lodevالطوارق في المدينة، أصدقائي الطوارق، السيدة الطوراقية، غير العربية، وتتكلم بعربية العارف الفصيح لوضعها وقضيتها والغائها من قبل جيرانها، هي السيدة التي تعرفتُ عليها، مع ثلاثة من أبنائها ـ ربما كانوا أبناءها ـ، تعرفت عليها، وعندما عرفتْ بأنني كردي، قالت: نحن مع قضيتكم، لأنها تشبه قضيتنا، دعتني إلى زيارة خيمتهم المنصوبة بجانب النهر، خيمة الشعر في النهار، وخيمة الدفوف في المساء، يرتل أحدهم:
"الله.. الله يامولانا. الله.. الله.
الله.. الله يامولانا، ياسيدي محمد".
الأغنية التي يرددها مزكين كمو، كلما انتشى، هي إذاً، مولانا الأغنية، التي عبثاً حاولتُ الحصول على شريط تحتوي على تلك الأغنية، وطلبتها من الشاعر المغربي ياسين عدنان، بأن يؤمنها لي، فلم يعدني.
السيدة الطَّوَارقية، دعتني إلى زيارة الخيمة، في وقت يهدأ فيه الشعر والحياة، في قيظ لوديف، وعدتها، ولم أذهب في القيظ الهادئ، في القيظ كنتُ في النزل الفرنسي، أسبح في خيالي: لقد نمتُ في بانسيونات كثيرة، وتركتُ فيها الذكرى.

31

أستيقظ قبل السلحفاة الحديد الضخمة الراقدة فوق غرفة صغيرة، يمتطيها صياد حديدي، يمد لها بطُعم، وتظل هي الحديدية، تخوض أعماق روحها الحديد، في بحر وهمي، تنقل الصياد من القرن التاسع عشر، إلى القرن الواحد والعشرين، حيث أرواح وأنفاس وأجساد عاهرات القرن التاسع عشر، الميتات، تصطخب على الجدران، وتتألم على حيواتها التي ضاعت بين شهوات الجنود الفاجرة، وبين الظروف الحديد التي أدت بهن إلى العهر؛ أستيقظ قبل الديك الحديد في النزل، وقبل الرتيللاء الحديد، المعلق على حجر مسبح النزل، وقبل الأسماك الصغيرة الموحلة في النافورة، وقبل النبتات الكثيرة الحية على الدرج، وقبل النبتات البلاستيك على شرفة الشعراء النائمين، أستيقظ قبل السيدة صاحبة البانسيون، وقبل جاري الأردني طاهر رياض، جاري السعودي إبراهيم الحسين، جاراي التركيان، والإيرانية، والفلسطيني باسم النبريس، الشاعرة النصف فرنسية والنصف كندية، الألبانية غرسيلدا آبازاج، والمقدوني داينية غرسيلدا آبازاج، وأخيراً جاري الآشوري سركون بولص. استيقظ، فأنزلق حافياً من غرفتي إلى المطبخ، أهيئ القهوة على عجل، وعلى عجل أراقب شرفات أصدقائي الجيران النائمين، وهم يغطسون في النسمة القلقة ـ الفجر البارد قليلاً؛ أسمع هدير محرك سيارة السيدة صاحبة البانسيون، وهي تنزل من المنحدر صوب الخبز لضيوفها الشعراء، الخبز الذي أكلناه من يد السيدة أمِّنا الصباحية المبتسمة دائماً، لنا جميعاً، في صخبنا العائد للنوم، من مهرجان لوديف آخر كل ليل. آخر الليل الأخير من المهرجان، حيث سيجتمع جمهرة الشعراء، مع جمهرة الحضور على النهر، حيث الحفل الشعري الختام من الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، إلى الثالثة والنصف من فجر اليوم التالي.

32

كانت سيارات البيجو تنتظرنا في الصباح، سنذهب من لوديف، إلى مونبيلييه، ومنها إلى باريس؛ لقد هدأ الشعر، وسيعود الساهرون إلى بيوتاتهم، سيعود الشعراء، كلًّ إلى عزلته الضرورية؛ في بهو مطار مونبيلييه، كنتُ في البهو، وكان طاهر رياض، وكانت ميسون صقر القاسمي، وكان سركون بولص، وكان بول شاوول، وكان باسم النبريس، وكان القلق أيضاً، دفعنا بحقائبنا الصباحية إلى الموظفة الصباحية، كانت الطائرة الفرنسية تقل ستة شعراء، ستأخذهم متاهة مطار شارل ديغول، إلى حيث مقام كل منهم: غوتنبورغ، عمان، القاهرة، برلين، بيروت، خان يونس.

33

Lodevرأيت سركون بولص في مطار باريس، في الذهاب، ثم أضعنا بعضنا البعض في نفس المطار العودة.

34

تنام أصوات الشعراء الآن في لوديف، وينام صوت المغنيين والموسيقيين، تنام لوديف، عاماً كاملاً، وتستيقظ على صوت الشعر في الثالث والعشرين، من شهر حزيران؛ وحده صديقي برج الكاتدرائية لن ينام، البرج الذي يشيه في حجره، حجر أربيل ودياربكر ومهاباد، أين حجر عامودا؟ عامودا ليس فيها حجر، حجر عامودا، هو النوستالجيا لي، بصيغة الطين.

35

ستسمع لوديف في دورتها القادمة صوت الشعر، ولأول مرة باللغة الكردية، وربما صوت المغني عزالدين تمو، وهو يغني قصة حياته، غير المغناة.Lodev

***

  • مقطع عزالدين تمو، في الشجن، مستل من مخطوطة ـ كتاب: السلاحدار.
  • شكر خاص للشاعرين: التونسي خالد النجار، والمغربي محمد حمودان، اللذان ترجما شعري، ترجمة مسؤولة إلى الفرنسية؛ وللصحفي والمترجم السرياني أنطون جواكي. شكر أيضاً، للباحثة الكردية القديرة بيان سلمان ـ رسولة البحث الشاق مع اللغة الفرنسية.
  • صورة طرقة الباب، مأخوذة، من أحد أبواب لوديف.
    غوتنبورغ ـ السويد

أعلى