لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

في القطار

محمد العبد الله
(لبنان)

محمد العبد اللهفي القطار الذي سيسير بك حوالى اربع ساعات من باريس الى غرينوبل، مسافة ٤٥٠ كلم، سوف تنعس وربما تنام، بعد أن تراقب مشاهد الطريق وهي تشق السهل الاوروبي الاعظم الممتد من المحيط الأطلسي (الشاطئ الغربي لفرنسا) وحتى أقدام جبال الاورال، وسوف ايضا، احيانا، تضع دفترك امامك وتحاول الكتابة، واحيانا تأخذ كتاباً وتقرأ فيه.

وقع بين يديّ كتاب برنار ويربر "موسوعة المعرفة النسبية والمطلقة". وبرنار هذا نال شهرة واسعة بعد كتاباته العديدة عن النمل بعناوين: "النمل" و"نهار النمل" و"ثورة النمل" و"الكتاب السري للنمل"، كما ان لديه مؤلفات اخرى. وقد ترجم احد هذه الكتب "ثورة النمل" الى العربية صديقنا "عقيل الشيخ حسين" وحاول، من دون جدوى، ان يقنع الجميع بقراءة الكتاب، اذ رآه شديد الاهمية. والجميع منشغلون عن النمل بما هو أهم وادهى من الاحداث اللبنانية.

فتحت كتاب "موسوعة المعرفة النسبية والمطلقة" وصارت تشدني نصوصه الواحد تلو الاخر وتستغرقني فوصلت الى محطة غرينوبل بسرعة من يتسلى ويتعرف خلال الطريق. إنه بالفعل موسوعي يتنقل بين موضوعات وأبواب عديدة من المعرفة، من الحكمة الى الفلسفة الى العلم الى الانتروبوجيا فالطب فالحكاية ومن ثم التفلسف. والتفلسف هذا هو مقاربة الفلسفة مقاربة ناقصة تعتمد بعض المعلومات كما تعتمد الانحياز الشخصي، مما يستدعي التعليق. من هذه النصوص ما ترجمته التالية مع بعض التعليق:

١ـ تواطؤ الحمقى

سنة ١٩٦٩ كتب "جون كنيدي تول" رواية بعنوان "تواطؤ الحمقى" عنوان مستوحى من جملة لـ"جوناثان سويفت" وهي: عندما تبزغ عبقرية حقيقية في هذا العالم السفلي، نستطيع التعرف إليها من اشارة هي التالية: تحالف الحمقى ضد هذه العبقرية. لم يدرك سويفت انه اصاب الحقيقة في هذا القول. فبعد ان بذل "تول" كل جهوده، عبثا، لايجاد ناشر لروايته، اختار، وهو في الثلاثين من العمر، محبطاً منهكاً، ان ينتحر!
عثرت والدة تول على جثة ابنها ومخطوطة روايته عند قدميه. قرأت الأم المخطوطة ووجدت انه من غير العدل الا يعترف بموهبة ابنها، فذهبت الى احد الناشرين وحاصرت مكتبه بأن سدت المدخل بجسمها السمين، وراحت تأكل السندويتشات بعد السندويتشات، مجبرة الناشر على ان يعاني صعوبة بالغة حين دخوله الى مكتبه كل يوم وحين خروجه منه. واعتبر الناشر ان هذه الحالة لن تدوم طويلاً، فطنش. ولكن السيدة تول صمدت طويلاً. وإزاء هذا الصمود استسلم الناشر وعزم على قراءة مخطوطة الرواية شرط الا ينشرها اذا وجدها غير جديرة بالنشر. ولكنه وجد الرواية باهرة ونشرها. حصلت الرواية على جائزة "البوليتزر" الاكثر تميزاً في الولايات المتحدة.
القصة لم تنته هنا. فبعد سنة، عاد الناشر ونشر رواية جديدة باسم جون كنيدي تول وعنوانها "توراة النيون" التي جرى اخراجها فيلماً سينمائياً. ثم رواية ثالثة في السنة التالية. لقد سألت نفسي كيف لرجل مات مقهوراً لانه لم يستطع ان ينشر روايته الوحيدة، ان يستمر في نشر الروايات من وراء قبره! في الواقع ان الناشر لام نفسه كثيراً لانه لم يستطع ان يكتشف جون كنيدي تول حياً، فذهب الى بيته وفتش في ادراج مكتبه ونشر كل ما عثر عليه من قصص، وحتى نصوص مدرسية.

٢ـ أمومة

"يتخيل الكثير من الناس ان عاطفة الأمومة شعور إنساني تلقائي وابدي. هذا خطأ خالص. فحتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت اغلبية النساء البرجوازيات في الغرب، يضعن مواليدهن لدى المرضعات ولا ينشغلن بهم أبداً. الفلاحات ايضا لم يكن يبدين هذا الانشغال بالمواليد. فقط يلففن المولود بأقمطة ضيقة جدا ويعلقنه بالحائط على مسافة قريبة من المدفأة اتقاء للبرد. وكانت نسبة الوفيات مرتفعة جدا لدى المواليد. الأهل مستسلمون لهذه الأقدار ويعرفون ان ليس هناك سوى احتمال واحد من اثنين، لكي يعيش مواليدهم ويبلغوا سن المراهقة.
فقط، في بداية القرن العشرين، ادركت الحكومات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لغريزة الأمومة التي يجري التغني بها دائما. ادركت الحكومات ذلك حين لاحظت تناقص عدد السكان نتيجة ارتفاع نسبة الوفيات لدى الاطفال: سوء تغذية اهمال... الاستنتاج انه على المدى الطويل سيكون العبء ثقيلاً بالنسبة الى مستقبل بلد ما. فغمدت هذه الحكومات الى حملات اعلامية مكثفة وتعميم ارشادات الوقاية. وشيئا فشيئا، ومع تقدم طب الاطفال، ادرك الأهل انهم يستطيعون "توظيف" عواطفهم تجاه الاطفال من دون الخوف من موتهم المبكّر. وجرى الاعلان الصارخ عن "غريزة الأمومة". ثم تكوّنت سوق جديدة تدريجيا: حفاظات بيبرونات وحليب مجفف، اوعية للتغوط، ألعاب، ثم انتشرت خرافة "بابانويل" في انحاء العالم. وعمدت مصانع حاجات الاطفال، وعبر الاعلانات المتواترة، الى خلق صورة الأم المسؤولة وصورة الطفل السعيد التي اصبحت نوعاً من المثال في الأدب وفي اللوحات وفي الغناء الخ...
المفارقة انه في هذه الحالة التي اعلنت فيها غريزة الأمومة والحب "الأموي" واصبحت الشعور الوحيد الذي لا يرقى إليه اي شك، وانتشرت وازدهرت في الاعلانات، في هذه اللحظة والحالة اصبح الاولاد، بمجرد ان يكبروا، يشرعون في تأنيب مستمر لأمهاتهم بأنهن لم يبدين تجاههم ما يكفي من الاهتمام، وفيما بعد اخذ الاولاد يذرفون مشاعرهم هذه لدى المحلل النفسي".
الانطباع الاوّل تجاه هذا التفلسف هو عدم الموافقة عليه. اذ صحيح ان بعض نساء الطبقات العليا كن يعهدن بمواليدهن الى المرضعات والمربيات، ولكن هذا يتم تحت وطأة انشغالات هي انشغالات الطبقات العليا التي تقمع غريزة الأمومة، ولا يجوز تعميم ذلك. وصحيح ان مصانع حاجات الاطفال انشأت سوقاً تغتنم غريزة الأمومة والأبوة ايضا، ولكن هذا لا يعني انها تخلق هذه الغريزة. وصحيح ان بعض الأمهات الحديثات يلجأن الى "البيبرونة" لارضاع مواليدهن، حفاظا على لياقة اثدائهن، ولكن اغلب الأمهات مدعومات بالابحاث الطبية التي تؤكد افضلية حليب الثدي افضلية مطلقة، مازلن يرضعن اطفالهن مباشرة.
وصحيح ان وصل الأمر احيانا، في الجاهلية مثلا، الى وأد البنات من المواليد لاعتبارات لا مجال لتفصيلها الان "وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت" ولكن لا نعرف ما كان رأي ومشاعر الأمهات في ذلك. ثم ان هذا التحليل الاقتصادي الذي يسوقه "ويربر" متفلسفا زيادة عن اللزوم، لا يستطيع الصمود امام غريزة الأمومة لدى الحيوانات والعصافير والدجاج... التي تبيض وتحضن وتفقس وتعلّم فراخها الطيران وتدافع عنها (الدجاجة مثلا) بأشد مما دافع به ستالين عن ستالينغراد. اضف الى ذلك اللبوءات والنمرات وسائر الحيوانات الثديية.
أما من الناحية البيولوجية الصرف، فعلى "ويربر" ان يلقي نظرة على ثديي المرأة ـ الأم والحليب المتدفق منهما حين التوليد، ليسأل لمن هذه الاثداء ولمن هذا الحليب. إن تسعة اشهر من الحمل وسنتين من الرضاعة، بما فيها من تلاصق داخلي وخارجي بين الجنين ـ المولود وأمه، تكفي لاعتبار غريزة الأمومة تحصيل حاصل، ولا تحتاج الى كل هذا التفلسف، وانها، فعلاً، الشعور الوحيد الذي لا يرقى إليه اي شك، سوى ما يحيط بالأم، احيانا، من ظروف خارجة عنها وعن ارادتها.

٣ـ مديح الهروب

"في كتابه (مديح الهروب) يعتبر النفساني وعالم الاحياء هنري لابوريت ان الانسان حين تواجهه تجربة صعبة او يواجه تحدياً ما، يتصرف بواحد من ثلاثة خيارات: الاول هو خيار المواجهة والثاني اللامبالاة اي لا يفعل شيئا والثالث هو خيار الحروب.
المواجهة هي الخيار الاكثر طبيعية. فعبرها لا يقع الفرد في مضاعفات نفسي ـ جسدية (بسيكوماتيك). فالضربة التي يتلقاها يردها بضربة يوجهها. ولكن هذا السلوك له سيئاته، اذ يؤدي الى الدخول في دورة من العنف والعنف المضاد... ثم لا بد ان نواجه، أخيراً، من هو اقوى منّا، فنخسر الجولة.
اللامباة هي ان نبتلع غضبنا ونتصرف وكأننا لم نشاهد العنف او نشعر به. هذا السلوك هو الاكثر قبولاً وانتشاراً في المجتمعات الحديثة، ما يسمى امانة الفعل، واذ تكون لدينا الرغبة في تحطيم وجه الخصم ولكن ندرك مخاطر الدخول في مواجهة، فنتلقى الضربات المضادة وندخل في دورة العنف، لذلك نبتلع غضبنا. ومنذئذ، فإن الضربة التي لم توجهها الى الخصم ترد إلينا، وفي هذه الحالة تزدهر الأمراض النفسية العديدة. الخيار الثالث، وهو الهروب، يعبّر عن نفسه بأشكال عديدة:

أ ـ الهروب الكيميائي: الى الكحول، المخدرات، التدخين، الحبوب المهدئة، الحبوب المنومة. هذه الوسائل تقدر ان تمحو او على الأقل تخفف من وطأة العنف الذي وقع علينا... اذ ننسى، نهذي، ننام، ويمر الأمر. ولكن هذا النموذج من الهروب يدمر ما هو حقيقي، بحيث لا يعود في استطاعتنا احتمال العالم العادي.

ب ـ الهروب الجغرافي: ومفاده الانتقال الدائم من مكان الى آخر، تغيير العمل، تغيير الاصدقاء، تغيير الاحباء، تغيير اماكن العيش. هكذا نهجر مشكلاتنا، لا نحلها أبداً ولكن نغيّر الديكور، ثم ليصبح تغيير الديكور مطلبا بحد ذاته.

ج ـ الهروب الفني: ومفاده تحويل الغضب والألم الى اعمال فنية: افلام، موسيقى، روايات، نحت، لوحات... فكل ما نفعله تجاه الخصم نحوله الى كلام واعمال ابطال متخيلين، وهذا يمكن ان يحدث، لاحقاً، مفعولاً استبدالياً للحياة الحقيقية. ان الذين يشاهدون ويخلقون الابطال الذين ينتقمون في مواقف مشابهة للمواقف التي هربوا منها، سيستمتعون بهذا الانتقام البديل، ويجعلون منه دورة موازية للحياة الحقيقية".

هذا التحليل الذي يسوقه "هنري لابوريت" وينقله إلينا "برنار ويربر"، رغم وجاهته الجزئية، انما يدخل في ما يسمى المنهج الميكانيكي الذي يعزل العناصر والامور بعضها عن بعض... بينما معاينة العناصر والامور معاينة واقعية، تؤدي بنا الى المنهج الديالكتيكي. وفي هذا المنهج فإن خيار المواجهة قد يصل، حسب تغيّر الظروف، الى اللامبالاة او الهروب. فالمقاتل يواجه خصمه من حيث ان مهنته هي القتال (الجندي مثلا). ولكن في ظروف غير مؤاتية، يركن الى المفاوضة او الانسحاب مهما كانت خطورة القضية التي يقاتل من اجلها. واللامبالي يصل احيانا الى "حشرة" لا يستطيع معها اللامبالاة، فلا يهمه حساب الخسائر والارباح ويقول: طاب الموت. وهذا ما تعوّل عليه حركات التغيير والحركات الثورية، اي استجلاب اللامبالين والمحايدين الى صفوفها، كلما تصاعد الضغط عليهم وافتقدت لامبالاتهم الحد الادنى من القدرة على الاستمرار.

والفنان قد يكون، احيانا، عنيفا ومواجها وفي قلب "المعركة" وترى "غوغان" عنيفاً ويدخل في مواجهات جسدية، بينما صديقة "فان غوغ" اكثر هدوءاً ويحول العنف الى نفسه. وترى ان ماوتسي تونغ كان شاعراً وكذلك هوشي منه وكذلك... صدام حسين كان روائياً. وترى ان القبائل العربية التي عاشت في الصحراء فترة الجاهلية، كانت دائمة الانتقال لضرورات العيش والتفتيش عن واحات جديدة، بينما قبائل اخرى استقرت في الحضر (مكة، الطائف يثرب...) وكانت قليلة الانتقال الا لضرورات التجارة (رحلة الشتاء والصيف، وهي كلها قبائل لا نستطيع ان ننسب إليها الهروب الجغرافي رغم انها كانت في حالة مواجهات دائمة، وترى ان الفارس والشاعر عنترة بن شداد يؤسس لنظرية في هذا المجال حين يقول: "كنت أقدم حين أرى الإقدام عزما وأحجم حين أرى الإحجام حزما".

أما الهروب الكيميائي فإن جوزف ستالين الذي أسس الاتحاد السوفياتي فوق المجازر والجثث، قد كان سكيّراً موصوفاً، ومثله بوريس يلتسين الذي فرط الاتحاد السوفياتي. وأما فرقة "الحشاشين" المشهورة، حين توزع الاسلام الى فرق، فقد كانت اكثر هذه الفرق عنفاً وهجومية، على الرغم من دخان الحشيشة المتصاعد.

السفير
18 -7-2008

أعلى