|
|
|
الضاحية... في واشنطن. |
يغنّي على ليلاه. |
تعتصم أمام البيت الابيض من 1981. |
|
|
|
أوقفوا الحرب!. |
سيارة للشرطة أمام البيت الابيض |
مبنى الكونغرس. |
كان عليّ أن أنتظر هدوء بيروت حتى أكتب عن واشنطن. صادفت زيارتي لعاصمة الولايات المتحدة الأميركية، قبل أيام من اندلاع حوادث السابع من أيار المؤسفة. علقت هناك الى ان اعيد فتح مطار "البلاد الموقوفة". لذا كان من الصعب، في ذلك الحين، الكتابة عن واشنطن بمعزل عن السياسة. فجزء كبير من اللعبة السياسية اللبنانية تديره الولايات المتحدة من أروقة واشنطن. وجزء كبير من اللبنانيين يعتبرون واشنطن هذه سبباً في نوائبهم، فيما لا يخفي هؤلاء، ومعهم الجزء المتبقي من اللبنانيين إعجابهم بالولايات المتحدة الأميركية وتوقهم إلى التماهي معها، أو الذهاب للعيش فيها. فالتباس علاقة واشنطن الجزء، بأميركا الكلّ، في وعي اللبنانيين، شبيه بالتباس علاقة بيروت الكلّ، بلبنان الجزء. فبيروت تطغى دائماً على الكيان اللبناني، وتختصره، وتكاد تبتلعه في جمعه وهضمه وإخراجه في صيغة هجينة غريبة وعجيبة. لكن واشنطن تبدو عاجزة عن ذلك. فهي لا تختصر الولايات المتحدة، وتقصّر في قدرتها على جمع الكلّ فيها وهضمه وإخراجه إلى الناس. وهذا ما يجعلها، بالفعل، عاصمة حقّة، وينفي عن بيروت صفة العاصمة. فالعواصم يجب ألا تختصر البلدان، ولا أن تكون بمثابة مجسّم مصغر عن الإجتماع العام. العواصم هي جزء يرتبط بالكلّ، ويكون ذا وظيفة محددة وضرورية. في واشنطن لا تقوم قيامة جدل من مثل الذي قد يحدث في بيروت حول "ملكية" العاصمة وولائها. فلا أحد يستخدم في واشنطن مصطلح "واشنطن للجميع"، كما يستخدم بعض اللبنانيين مصطلح "بيروت للجميع"، في تبرير سطحيّ وزائف للاعتقاد بولاء بيروت لطرف دون آخر. واشنطن ليست لأحد، وليست للجميع. واشنطن مدينة وعاصمة. هذا كل شيء. يتوقف كل جدال عند هذا الحدّ. بالأحرى، لا تقوم قائمة جدال حول هاتين الصفتين لواشنطن، أي المدينة والعاصمة. ولا تنتظر واشنطن أي دفاع عنها، لأنها ليست مذنبة. ولا تسمح لأحد بالمزايدة عليها كما يحدث في بيروت. المدينة لا تخضع لقاطنيها وزوّارها وحتى لصانعيها. المدينة تخرج عن الإجماع عليها، وتكون بقوة حضورها، وسطوة زمنها وتركيبها المكاني، كما تكون في عدم اختلال علاقة سكانها بالمكان الذي ينتظم في داخله زمنهم واجتماعهم وتراتبهم، في مواجهة حوادث طارئة، كالتي تحدث كثيراً في بيروت.
ظلّ سائق التاكسي الذي أقلّنا من المطار إلى الفندق يتحدث طوال الطريق عن بلده الأصلي أثيوبيا. كان يتذكر ماضي أجداده وكأنه عاشه حقاً، غير أنه لم يولد في اثيوبيا ولم يزرها ولا مرة. ولد هنا في أميركا من أبوين مهاجرين. وصار أميركيا. وحدهم الهنود الحمر، السكان الأصليون، لم يحدث معهم ذلك، يقول. ثم لا يلبث أن يغيّر الموضوع ليحدّثنا عن عقيدته الدينية. فهو يعتقد أن الجنة ستكون هنا على الأرض. وأن المسيح سوف يظهر في يوم ما ويملأ الأرض عدلاً، وتصير هذه الأرض المليئة بالحروب هي الجنة التي وعد بها الله. ثم يصمت قليلاً، ويرفع صوت الموسيقى في الراديو، وتنطلق السيارة مخترقة الأوتوستراد إلى قلب واشنطن حيث الفندق. في الطريق مررنا بالقرب من مبنى "ووتر غايت" الذي حدثت فيه الفضيحة الشهيرة، ورأينا البوابة المطلة على الماء. كان الوقت ليلاً، وكانت الأضواء تخترق الزجاج وتلامس وجهي كيد من نور. كان النعاس يغالبني بسبب التعب من الرحلة التي دامت أكثر من عشرين ساعة. عندما وصلت إلى الفندق، اخذت دوشاً ساخناً، وفتحت نافذة الغرفة وألقيت نظرة مسائية أولى على المدينة التي كانت تومض وتلمع كأنها مجموعة لآلئ في واجهة محل للمجوهرات.
هدوء ما قبل الهدوء
اليوم التالي كان نهار عطلة في واشنطن. وقفت عند نافذة الغرفة وسرحت في جمال المدينة، التي توازن بين بيوتها وشوارعها وأشجارها، فلا يطغى شيء على شيء، ولا يقوم شيء مكان شيء آخر. معظم البيوت لها قراميد حمراء على رؤوسها. كان الطقس جميلاً جداً. السماء صافية تماماً، والشمس ترسل أشعتها قوية وحادة. كان المسبح في الفندق مكتظاً بالسابحين والمتشمسين عند حوافه. وعلى الطرق كان معظم الناس يركضون بثياب رياضية، أو ينزّهون كلابهم. أرتديت ثيابي وخرجت للتنزه مع الزملاء في شوارع المدينة الموغلة في هدوء يوم عطلتها الأسبوعي. كان الفندق يقع على مقربة من وسط المدينة، حيث المؤسسات الرسمية والكونغرس والبيت الأبيض. قررنا أن نذهب مشياً على الأقدام إلى بيت الرئاسة الأميركية. لذا اتخذنا الطريق الأقصر إلى هناك، فمررنا بحديقة "ديبون سيركيل" القريبة من الفندق والتقطنا الصور هناك. كانت الحديقة الكبيرة مرتعاً للمتسكعين والمتأملين والرياضيين والأطفال والكلاب والمتحابين والسياح والمشردين والشحاذين والعازفين. حديقة تجمع فيها وحولها خليطاً إجتماعياً وإثنياً وثقافياً غاية في التنوع والإختلاف والتناص. تحت الحديقة هناك محطة للمترو، ينزل الناس إليها عبر درج كهربائي طويل جداً. يستغرق النزول إلى تحت على هذا الدرج حوالى الخمس دقائق.
وصلنا الى البيت الأبيض؟
مررنا خلال تنزهنا في اتجاه البيت الأبيض بمجموعة كبيرة من المكتبات تعرض في واجهاتها مئات الطبعات الجديدة من أحدث الإصدارات في مختلف الموضوعات والمجالات. كانت دوريس ليسينغ ورواياتها نجمات واجهات المكتبات بعد نيلها جائزة نوبل للآداب. دخلنا إلى عدد كبير من المكتبات وسألنا عن كتب نبحث عنها. أنا كنت أبحث عن مجموعات شعرية لشعراء أميركيين، ووجدت معظم اصدارات تشارلز بوكوفسكي الشاعر الذي احبه وشعره كثيراً. كان الوقت يمضي بسرعة قطار في نفق. يتوقف حيناً، في محطات، ويعود ليسرع في يوم الأحد ذاك. مشينا كثيراً حتى وصلنا إلى ساحة كبيرة، مليئة بالأشجار والحدائق. سألت أحد الزملاء: كم تبقى حتى نصل إلى البيت الأبيض؟ ابتسم وقال: استدر وستكون في مواجهته. كنا لصق البيت الأبيض ولم أنتبه إلى ذلك. كنت بالقرب منه تماماً، على بعد أمتار قليلة من سياجه الحديد. وكان ثمة ناس كثيرون يتجمعون في المكان، يمارسون الرياضة أو يلتقطون الصور. كنت أظن أنني سأتعرف إلى البيت الأبيض عندما تبدأ الإجراءات الأمنية. لم احسب قطّ أن يكون الوصول إلى قصر الرئيس الأميركي بهذه السهولة. لا حواجز، ولا عوارض حديد، ولا جنود. فقط كانت سيارة شرطة تقف في المكان، بشكل روتيني، ما لبثت أن ذهبت بعد دقائق. كان السياح يلتقطون الصور على سياج البيت الأبيض. وفي مقابله، إلى الجهة الثانية، كانت سيدة عجوز في خيمة منصوبة منذ العام 1981 للإعتراض على السياسات الأميركية في العالم، في ما خص الحروب والغزوات والإستعمار. قرب البيت الأبيض قصر كبير رمادي اللون، بيت آيزنهاور، وهو فعلياً كان "البيت الأبيض السابق"، ويتصل بالبيت الأبيض الجديد بنفق تحت الأرض.
الضاحية في واشنطن؟
عندما انتهينا من جولتنا، رحنا نبحث عن مطعم نرتاح إلى طاولاته ونتناول وجبات طعام خفيفة. لا تشتهر واشنطن بأنواع طعام مميزة. الطعام الأميركي هو ما نأكله في مطاعم "الفاست فود" في بلادنا. ليس هناك من ثقافة طبخ خاصة بواشنطن تميزها عن باقي مدن العالم. هنا يمكن أن تأكل كل شيء من مطابخ العالم كلها. بحثنا طويلاً حتى عثرنا على مطعم للبيتزا، فجلسنا في الخارج لأن رائحة المطعم في الداخل نأنفها بسبب من قوتها وكثافتها. في الخارج كان الهواء يلفح أجسادنا ويشعرنا ببعض البرودة اللطيفة. تناولنا البيتزا وشربنا الكولا، ثم اتخذنا طريقاً مختلفة للعودة إلى الفندق. في طريقنا إلى هناك صادفنا مبنى مهدماً عند تقاطع طرق. يذكّر هذا المبنى الذي تهدمه آليات ضخمة، بالمباني التي تهدمت في ضاحية بيروت الجنوبية في حرب تموز. شعرت كأنني عثرت على الضاحية هنا في واشنطن. دمار المبنى، الذي قد يكون بديهياً بالنسبة إلى سكان واشنطن الذين يمرون بقربه كل يوم، أحالني على الحرب فوراً، فانقبض قلبي.
في اليوم التالي، بعد الظهر ذهبنا في المترو إلى "البنتاغون سيتي" وهو مول في مكان بعيد نسبياً عن وسط المدينة. في محطة "ديبون سيركيل"، انتظرنا وصول القطار، وقرأت على الحائط التنبيه المرفق بصورة جرذ ضخم ومقرف، يقول بضرورة عدم رمي النفايات والطعام في المحطة كي لا تكون سبباً في تكاثر الجرذان والفئران. عندما صعدنا في المترو، لاحظت العدد الكبير للركاب الذين يقرأون كتباً بينما يعبر المترو سريعاً في الأنفاق. ثمة كثيرون يقرأون كتاب "ثلج" لأورهان باموق، التركي الذي فاز بنوبل الآداب. وثمة من يقرأون الفلسفة والشعر والمجلات. لكن قلائل هم الذين لا يحملون كتباً بين أيديهم. وصلنا إلى المول، واشترينا احتياجاتنا. كان سوقاً ضخمة فيها ما يخطر على البال من محال ومتاجر وخدمات. والناس فيها كالنمل يصعدون الأدراج الكهربائية وينزلونها، ويتسوقون من المتاجر، أو يأكلون في المطاعم الكثيرة المنتشرة في الطبقة السفلية من المول. شعرت بأن هذا المول إنما يشبه كل المولات التي زرتها سابقاً في لبنان أو في دبي. وأحدس أن التسوق هو نفسه في كل مولات العالم.
ضفادع في "ناشيونال جيوغرافيك"
بعد أيام كنا أمام خيارين: إما أن نزور حديقة الحيوان، وإما أن نذهب لزيارة مبنى مؤسسة "ناشيونال جيوغرافيك"، حيث يقام معرض ضخم لجميع أنواع الضفادع في العالم. وقع خيار معظمنا على الضفادع. كان خياراً يستحق التضحية بحديقة الحيوانات التي تقع بالقرب من "شاينا تاون" كما أخبرتنا صديقتنا الأميركية التي رافقتنا في الرحلة. في "ناشيونال جيوغرافيك" كانوا يضعون أمام الباب مجسّماً كبيراً لضفدع. وفي الداخل، في علب من زجاج وضعوا مئات الأنواع من الضفادع من مختلف أنحاء العالم. كان هناك شرح تفصيلي لكل نوع من الأنواع على شاشات وزّعت في كل زاوية، وهناك خدمة تشريح الكترونية لكل ضفدع من الأنواع المتوافرة. كان هناك ما يدهش حقاً في أحجام الضفادع وألوانها، هذا فضلاً عن التفاصيل المرافقة، والتي تتيح تحديد مسافة القفزة التي يمكن كل ضفدع أن يقوم بها. بعدما انتهينا من مشاهدة الضفادع تناولنا "الفاست فود" في أحد مطاعم واشنطن المكتظة، وذهبنا إلى الفندق لنرتاح.
الشرطة و"شاينا تاون"
في المساء رافقني صديق إلى منطقة "جورج تاون"، الحي القديم الطراز في واشنطن. هناك توجد جامعة تحمل اسم جورج واشنطن، وهناك أيضاً مكتبة ضخمة من ثلاث طبقات، فيها مقهى "ستار باكس" حيث يمكن استعارة الكتب وقراءتها فيه. من هناك اشتريت لصديقتي كتاباً عن فان غوغ وأعماله الفنية. ثم تجولنا في محال الثياب، وأخذنا طريقاً فرعية إلى نهر بوتوماك الذي يمر بزخم في الطرف الجنوبي من واشنطن. فتجولنا على ضفافه، ثم عدنا أدراجنا بالباص إلى الفندق.
استقللت المترو مساء اليوم التالي إلى "شاينا تاون" أو "المدينة الصينية" والتي تبعد حوالى سبع دقائق عن وسط المدينة. كان حياً صينياً من حيث العمارة والمطاعم والروائح المنبعثة منه. لكن غالبية الناس الذين يمكن مصادفتهم هناك هم من السود. ثمة الكثير من الشبان على الطرق، وعند أبواب المطاعم. صخب كثير وسيارات الشرطة تملأ المكان كما لو أن جريمة قد وقعت للتو. غير أن شيئاً لم يكن قد حدث في ذلك اليوم. انتشار الشرطة بهذا الشكل كان طبيعيا في هذه المنطقة نظراً الى نسبة الجريمة والسرقات العالية التي تحدث هنا. أخبرني صديق عراقي يعيش في واشنطن أن نسبة الجريمة لم تنخفض في عاصمة اميركا إلا منذ سنوات قليلة خلت. قبلها كانت الجريمة مستشرية على نطاق واسع، لكنها انحسرت في قلب واشنطن، ولا تزال مرتفعة عند الضواحي والأطراف. تلك الليلة وصلت أنباء اندلاع حوادث السابع من أيار في بيروت، وبات القلق نديم الأيام القليلة التي بقينا فيها في واشنطن قبل أن يعاد فتح مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت .
النهار الثقافي
5 اكتوبر 2008