لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع











































 

من عزلة غوتنبورغ، إلى طيش البصرة

نص وفوتوغراف: وليد هرمز
(عراق/ السويد)

"كلُّ منفى صحوةٌ، فاكتملي
ياجهاتي، بكمالٍ نزقٍ".
سليم بركات

إلى سعدي يوسف.
إلى محمد خضير.

"لِمَنْ سَوفَ نتركُ تِلُكَ البلاد؟
ومنْ قالَ إنّا سنتركها...
سوفَ نأتي إليها، لنأتي إليها
لنَسحبها منْ ضفائرها قبلَ أنْ تحتفي بدم البئر
أو قبل أن تختفي
في سُراها،
البلادُ التي أوجعتنا طويلاً".
سعدي يوسف

1

وليد هرمزكَمْ ثقيلةٌ، هي، أغصانُ شجر إيثاكا على كتِفي؟ هل البصرة، أضحت في الروح، إيثاكا المفتقدة حقا بعد ربع قرن من المنفى؟ أم تراها مستعادة مرة أخرى، ولو بعد ربع قرن؟. أية تساؤلات مضنية تلك التي في الذاكرة التي تعيد طرح نفسها وبإلحاح، بعد أن أضحت إمكانية السفر إلى تلك البلاد التي صادرها الغزاة من شغاف القلب، عصية على النفس؛ وبقدر ماكانت الطريق إلى المنفى طويلة، ومتعددة المرافئ والوجوه، والأمكنة، والألسن، والطقس والطقوس، بإنتظار رحيل البرابرة، بقدر ما كنت أتمنى أن تكتنف رحلة العودة قدراً من التأمل والسكينة.
إذاً، هاهم البرابرة اليوم، يرحلون، ولو بعد حين، وأصبحت طريق العودة سالكة، لأنَّ البرابرة، اليومَ، يرحلون.
الآلاف الذين غادروا العراق في رحلة جماعية، قبل ربع قرن أو يزيد، بعد أن انطبق على أرض الحقيقة قول برناردشو: "الوطن، هو الكرامة، عدا ذلك، فأرض الله واسعة". أقول الآلاف الذين غادروا، مرغمين، اتبعوا أساليب مختلفة، كي يحملوا معهم مايذكرهم بالوطن، فمنهم من حمله في الذاكرة، ومنهم في حقيبة، وآخرون اختصروه في كتاب، أو رسائل، أو حفنة تراب. أما أنا، فقد ضاع مني الكثير من تلك الصور والوجوه، واللغات.. وغيرها، من فرط التنقل، لذا أخذت أنشِّطُ ذاكرتي، كي تبقى مترعة، طرية بالصورة التي طبعتها العين في بركة الذاكرة.. ومن رحلة إلى أخرى، من بلد في الشرق، إلى آخر في الغرب، حتى استقر المقام بي في الشمال الأوربي (السويد) وجدت أني قد راكمت من الصور ما يفوق الكثير عن تلك التي فقدتها، لكن المكان، ليس هو ذات المكان الذي قد أضحى أمكنة، لاتشبه ملامح البصرة ربّة البستان والسحنات أيضاً. الكائنات الحية في الصور بهُتتْ ملامحها، أضحت خارج المكان، أقدارها كانت مختلفة. والدي، سرقه الشيطان إلى محاجره الأبدية، إلى حيث لاعودة، بعد أن أغواه بمرضٍ فاختصرته بمجموعة صور.. لكن في الطريق الطويلة، كانت أشكال الحقائب، والأمكنة والأسرّة، نخر جسده. أما والدتي، فقد توفيت ودُفِنت في إحدى مقابر غوتنبورغ الجميلة، الوديعة، مع تأمين مضمون في الحفاظ على قبرها لمدة ربع قرن، قابل للتمديد. الكثير من الأحبة والأصدقاء والصديقات، غدوا أيضاً خارج اللقطة، غادروا المكان الدُنيا، أكثرهم بسبب تصفيات جسدية على أيدي البرابرة، الذين لبسوا قفزات مخملية، موهمين الناس أنهم عادوا بتوبة. أكنّا، نحن السائرين باتجاه آخر قد ابتلعنا الطُعْم الذي أغرانا به السفهاء؟ البرابرة، وبسبب سذاجة السائرين بحتفهم، طوعاً، وبسبب السطوة والثروة، سيطروا على فنون المتعة بشبقٍ غيرَ آدمي، فانجرفت البلاد نحو العتمة. ونحو أعداء من كل الأصقاع.

2

لبلادي عدة بوابات أو منافذ للدخول إليها، أو الهبوط من سمائها، المهم ألايكون لأبوابها حراس مدجججين بالأسئلة الملغمة بالوقيعة، أو أبواب لسجون، أو مشانق. بعد ربع قرن سأسعى إليها، لكن من أي باب؟ ذلك ليس بسؤال ملحاح الآن، المهم ألاتكون بلادي قد أنكرتني، أو أن أدخل إليها وتستقبلني شأن أي غريب لجوج، سيكون حينها هو الكابوس. ويكون الرجوع الخطأ في الزمان الخطأ. أريد أن أهرب إليها، خلاصاً مما سببته لي من جلدٍ للضمير، خلاصاً من هول "النوستالجيا". أيَّ بلادٍ تلك التي لاتبرح جلدنا.. بلاد تمتدُّ على جلدنا مثل السرخس البري، بلادٌ نتكئ عليها، لكنها تولينا أدبارها، كإنّا نسيناها.
حكيمان إثنان كان تدوينهما يجلس قبالتي، في الصحو والغفو.. يذكراني بها، إن كنتُ قد سهوت عنها. تدوينهما يقول لي، أنّا ذهبت فالبلاد ستتبعك، ستطوف بك وتطوف بها، ستأخذكَ الطرقات دوماً إليها، مهما ابتعدت فلن تجعلك تحيد عن الطريق. الأولُ، حكيمٌ في الشعر، سعدي يوسف، إبنُ بصرتي، وإبنُ منفاي، قصائده في المنفى، نخلتي التي أتدثّرُ بفيئها، طيلة الفصول.
قصائده المغناة بتلك البلاد سوطٌ يجلدُ روحي، تلكَ البلاد:
ماذا سأصنَعُ بها؟ أين أُسكنه األن تغضب عليَّ إن سألتها: من أنتِ؟ ألن تشعر بالحرج إن عرّيتُها؟.
الثاني، محمد خضير، حكيمٌ في القص، إبنُ بصرياثا وسارد رؤاها، يشدني دوماً إلى شجن وطيش البصرة

3

في الهزيع الأخير من 2003 م، (كانون الأول- ديسمبر) غادرت غوتنبورغ، مخلفاً صباحات عتمتها الأشد، وأخضر برونز أسقف بناياتها يئِنُّ تحت رجفة الثلج، مودعاُ، إلى الكويت، حيث البوابة المشرعة لجنوب العراق. هدأت آلات الحرب، الجند منهم من عاد إلى الثكنات، منهم من عاد إلى البيت، لم يخطر في ذهني يوماً أني سأجتاز الطريق الذي مرّت عبرها حربان على بلادي، واجتياح بالاتجاه المعاكس، لبلادٍ آمنة، أهي لعنةُ الجغرافيا، أم وسوسة التاريخ؟.
مع انبلاج فجر يومٍ يحمل رجفة بردٍ صحراوي، غادرنا الكويت العاصمة، باتجاه العبدلي، البوابة الحدودية الجنوبية إلى العراق. تُرى، كم دمٍ أُريقَ على هذا الرمل، تيبّسَ وانطَحَنَ مع هذا الإسفلتَ، إندلق قانياً، في جوف هذي الصحراء؟. تُرى أمِنْ جِدارية، ستُقامُ لأصحاب هذا الدم، أمنْ صلاةٍ ستُتلى لهم؟. الطريق الموصلة إلى هذه البوابة تكثر على جنباتها الصحراوية الأراضي المزروعة بالخضرة تحاذيها الشاليهات. تمرقُ شاحنات النقل البري المحملة بالبضائع، باتجاه البصرة، بعض من سيارات عسكرية، أميركية وإنجليزية أيضاً، تحمل إمدادات لقوات الإحتلال، نُدُفُ الندى تبلل زجاج السيارة الفورد الأميركية التي تقلنا، أنينُ رجفةٍ يخُضُّ مفاصلي، قلقٌ يمورُ في داخلي، كقلقِ طير الذُعرة، الذي نُلقِّّبه بـ (زيطة)، غِبْطةٌ خَجِلة تسري في عروقي، تداعياتٌ شتى، تلف الرأس، هواءٌ نقيٌ في مدارج العودة الى عافيته، يتسللُ خارطة جسدي، هواءٌ نقيٌ نتشرّبه، نستدلُ به، عيناي مفتحتان بوسع الفضاء. هل سيضيقُ هواء العراق بي؟، أيدري بأن هواء عزلتي يشيخ، جئتُ مُستنجداً به، كي يُصْلِح ما تبقى لريح العمر من ضجيجٍ في حنجرة الخريف؟.
في سَفْوان البصرة، "وسفوان، هي ماءٌ على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة" كما يقول معجم البدان، هي الفاصل الحدودي مع الكويت، فيها ختم لي موظف الحدود جوازي السويدي، ختم الدخول إلى بلدي، خرجت بجواز عراقي وعدت بآخر سويدي. لم أتطلّع إلى شكل الختم، أغلقتٌ الجواز بهدوء، متطلعاً إلى الأفق، ثم إلى ظاهر كفي، فاكتشفت للمرة الأُولى أن في كفي وشومٌ، أعدتُ يدي إلى جيبي، ثمّة قِطعة نقدية، معدنية، سويدية، أخرجتُها ورميتُها في الهواء، سقطت على الرمل، إلتمع التاجُ السويدي، هرع صِبيَةٌ بعمر البُرْعُمِ، يقتفون أثرها، أيديهم الخضراء تمتدُّ، إليَّ مُتَوسِّلة: هل من مزيد؟.
هي الحدودُ آمنةٌ، لا عُسَسُ، لا إنضباط عسكري، لامخابرات يتخفون بملابس مدنية. خطواتي تستدرجها الأرض الطيبة، تغسل الإثم البريء الذي لم نرتكبهُ بمحض جنوننا، إثمٌ كان يُناكدني، يجلسُ قُبالتي، يشد عيني.(العينُ أهلٌ للوصال).(دَعْ إثمكَ واقْبِلْ). أحسستُ أني أتّكئُ على راحة حبيبتي، أدخُل ساحة مهرجان عراقي: السحنات، الأصواتُ، اللهجةُ، الذهولُ، القلقُ. حيواتٌ خارجةٌ من بئر اليأس صوب الرهان الجديد، لكن نحو أي منعطف، لاأحد يدري؟. الأرضُ التي وطأتها، أحسستُ أني لم أُغادرها، أني لستُ بغريب.

4

تبدأُ رحلة الدخول إلى البصرة بمحاذير: قمنا بتفكيك لوحة رقم السيارة، السيارات القادمة من الكويت عُرضة للسرقة من قبل عصابات تنتشر في المدينة، سيارتان لأصدقاء كانتا بانتظارنا على الحدود لأخذ الحيطة من قطاع الطرق، الأصدقاء مسلحون، تذكرتُ بيروت أيام الحرب الأهلية. تعبر السيارة شوارع البصرة وأنا مذهول ولساني لاينقطع عن السؤال: أين نحن الآن؟، مااسم هذه المنطقة؟ هنا خَوْر الزبير، لازالت شعلة النفط أزلية في لهيبها الصاعد إلى السماء، كم من ذهب أسود تحت هذه الأرض؟. جبلُ سِنام لازال هناك وسط الصحراء، جبلٌ وحيدُ في صحراء "وحده الجبلُ يعمر طويلاً حتى ينصتُ ملياً إلى صرخة ذئب". هذا جسر الزبير، على اليمين، بعد الجسر، وبعمق ثلاثة كيلومترات، يقع شط البصرة، ثم ساحة سعد، هنا حيث كلية الإدارة والاقتصاد، وكليات أُخريات، جميعها تعرضت للنهب. ندخلُ شارع الكوّاز ثم المِشْراق، شوارع البصرة القديمة باتجاه العشار.
في البصرة، لابيت لي، لا أهل، كلهم غادروا أيام سطوة البرابرة. أبي لم يبنِ لنا بيتاً، فقير الحال كان. أصغيتُ أنا إلى حكمة ريلكة: "من لايبني بيتاً الآن، لن يبني بيتاً فيما بعد، من هو وحيدٌ الآن، هكذا طويلاً سيبقى". في الآخر شيدتُ لنا بيتاً، لكن ليس في العراق. لي أصدقاءٌ كثرُ، وأقارب مشتتين. البصرةُ البيتُ، والأصدقاءُ الأهلُ. كانت اللقاءات بهم ملآى بالعافية والشجن الجميل، أستردُّ الملامح بشقاء، تنهال الكلمات ذات الطعم البصري "حبّوبي، صار شكُثُرْ ماشفناك"؛ تنهال الأسئلة، والذكريات، والسرد الجميلُ عن أيام العز الجميلُ، الكثير من الأصدقاء لازالوا محتفظين بذاك الصفاء، نفس الدأب في البساطة يُضيئون فوانيسَ المديح من حناجِرَ اكتوت سنيناً باللوعة، والملاحقة، والوعيد. يخبطونَ جبينهم، يصفقونَ بأكفهم ملامة وحسرة على الأحبة الذين عُذِّبوا وغُيِّبوا، من حسرة على البصرة التي خلال ثلاثة عقود، كانت منذورة لعويل الخرابٍ .
مهرجانات الحروب التي نهشت جسدها، لكنها تحتالُ على الخراب كي تنهض بأنوثتها مستندة على ملهاة، تُباغتُ الحاضر ككيان عصي على الرثاء.

بانوراما المنعطفات: ضوء لبركة التدوين

5

طوفانٌ بشري، حرية خارجة من عتمة الكهوف، ذاهلة لاتعرف كيف تُداري الأمزجة الخرساء التي كانت في انتظارها طيلة عقود. حرية كانت قد أغلقت أبواب مزاجها بشمع عصي على الذوبان، أفاقت من عزلتها، فرأت جُندٌ بسحنات بيضاء يمتطون عربات عسكرية مدموغة بعلم بريطانيا العظمى، يفترش سقفها سجادة مُثقّبة مصنوعة من ورق شجر قيل أنه من شجر يدعى "لبلابُ الشيطان"، مُجَفّففٌ ومدبوغ. الجُنْدُ يرتدون قفازات بيضاء أنيقة تُشبِهُ قفازات الملكة اليزابيث، ونظارات سوداء. السبابة على الزناد عند الإستغاثة.

جنود بريطانيونانتشرت إشاعةٌ عند العامة: إنهم يتلصصون على أجساد نسائنا، نظاراتهم السوداء تحوي أشعة تخترق حتى العباءة العراقية. لاوجود لأي مظهر عراقي مسلح، اختفى العسكري العراقي، والانضباط العسكري، عدا الشرطة العراقية التي ارتدت الزي الأزرق الجديد، رغم الفوضى العارمة في حركة السير، آلاف السيارات دخلت البلاد، حيث لا رسم جمركي، إشارات المرور بألوانها الثلاثة لاتعمل، الكهرباء السبب، أعجب لشرطي يُسيِّر حركة السيارات بصفارة تُطلقُ عويلها من أوتار حنجرة مضطربة، أيَّ حنجرة هذه؟ أضحت الناسُ الشوارع، والشوارع الناس، لايدَّخرون شيئاً من الوقت، لاقوانين، لاعراقيل توقف زحف البضائع بشتى أصنافها، حتى في أصغر زقاق، أو شارع، بضائع تتكدس على الأرصفة، لاقط الفضائيات هو الأكثر رواجاً بعد أن كان ممنوعاً زمن صدام، الصين بالكترونياتها تغزو الأسواق. اختفت محلات التوابل الهندية والعنبة علامة الجمل وأم العلمين، العنبةُ: "شرائح المانغا المخمرة بالتوابل". سابقاً، إن كان لأي فرد رغبة في العطاس، يتوجه الى سوق الهنود ـ سوق المغايز ـ، وإن من يعطس لابد أن يسمع من المارة من يردد "رحِمكُمْ الله، أثابكُمْ الله". تقلّص الشارع وتداخلت المحلات التي غدت تُشبه بعضها في البضائع. اختفت المقاهي والمكتبات، والخيّاطين وبائعي الطوابع والمشروبات الروحية. مايطلبه الناس: الملابس والأليكترونيات. العسكر الإنجليزي، لايتبضّع من هذه الأسواق. لكُلٍّ بضاعته، وأسواقه. الناس لايعيرون الإهتمام لتنقلاتهمِ. ثمة تفاؤل بما هو آتٍ، لكن بلا إفراط أو ترف في خيال جائزٍ، بين ما يجيزه الحاضر الظاهر ومايُضمره المستقبل الباطن.

6

صخّابون، نحنُ، بالفطرة، نُمارس الصخب البريء بحب. نتكلمُ بصخب، نُناقِشُ بصخبٍ، نكتبُ بصخب، نسيرُ بصخب، نقرأُ عُيونَ بعضنا البعض بصخب، نُحِبُ بصخب، وبصخبٍ نسكرُ؛ نبتهج، نبكي، نُعارضُ، نُقتلُ، وإلى حروبٍ وهميةٍ نذهبُ، نضحك، نبكي، نحلم، نُصلي، نتوعّد، نُسامِحُ، نستغيث، نمشي بجنازاتنا.... هكذا، من صخبٍ إلى صخبِ.
عُزلةُ غوتنبورغ هذّبت عندي الكثير من هذا الصخب الجميل. كيف لي أن أقتسمه من جديد ، أن أستعيده في البصرة الآن؟.
من أبواب هذا الصخب خرجت الأحزاب والجمعيات والتنظيمات السياسية والمهنية بكافة أطيافها، خرجت من القمقم الى بركة الشارع . كانت هذه الأحزاب زمن البرابرة تعيش، تمشي تفكر، تتنفس، تمارس طقوسها، وتطبع منشوراتها تحت سطح الأرض. الرفاق، الأخوة، الزملاء، كانوا ما أن ينهوا طقوس الواجب الحزبي حتى يلتئم الشمل ثانيةً في أقرب بار من بارات شارع الكورنيش أو شارع الوطني أو البارات الشعبية في ساحة أم البروم، هناك حيث تصطخُبُ الحناجِرُ برنينها اللاهث من احتدام أقفالها، بعد أن يكون العرق البللوري ببياضه الفاضح من لوعة اليانسون قد دغدغ الجسارة في القلب طالعاً بها مغاليق النافوخ، تدور الكأسُ في الرأس، وتحتدم الأسئلة والمكاشفات، حتى يعلن الليل إنتصافه. المشهد الآن مقارنة، معاكس تماماً: جميع الأحزاب بتلوناتها، العريقة منها والحديثة والطارئة أصبحت جزءاً من شكل المدينة المليء بالفوضى، حيث لاأحزاب سرية، كلها أعلنت كيانها من خلال الكم الهائل من اليافطات التي علقت على واجهات البنايات التي تعود ملكيتها للدولة، فقد احتلتها معظم هذه الأحزاب إستناداً إلى قانون الفوضى الذي خلقه الوضع الجديد. أحصيتُ أكثر من خمسين حزباً خلال تجوالي في مركز المدينة وأطرافها. أغلب هذه الأحزاب ذات توجُّه ديني وعشائري. المنشور الحزبي الذي كان سراً أيام حكم البرابرة، أخذ يطبع ويوزع علناً وبلغة مفرطة في التفاؤل والشجاعة ، ومنها ما يحمل لغة التطرف والوعيد. الصحافة الحزبية، العلمانية والليبرالية، وصحافة الأحزاب الدينية المتنوعة الأسماء والإتجاهات والأحجام، تباع على الأرصفة بلا رقيب. لم أجد تفسيراً لمجسم ديناصور مرفوعاً على سطح بناية أحد الأحزاب، أهو تعبيرٌ جلي للواقع الجديد؟ أهو زمن الديناصورات!؟
صور الطاغية التي كانت مرفوعة على واجهات الجداريات وواجهات الأبنية الحكومية، أصبحت أثراً بعد عين، لكن، بدلاً عن صور الطاغية، ارتفعت صور زعماء سادة أهل البيت، صور زعماء رجال الدين الشيعة على ذات الجداريات.

مدخل مستشفى البصرةالزعيم عبد الكريم قاسم له حظوة أيضاً، رفع مناصروه صورته على مقرهم "التجمّع القاسمي الديمقراطي"، كما سُمِّيت ساحة باسمه.

أُطْفئت أنوار البارات، وأُغلقت متاجر بيع المشروبات الروحية، رُوِّع أصحابها، البعض منهم تم تصفيته جسدياً، والآخرون هربوا عن وجه المدينة، صعوداً نحو الشمال الأكثر أمناً. المشروب الروحي أصبح يُباع سراً، بعد أن كان المنشور الحزبي يوزعُ سراً. المسيحيون يتم ترويعهم بشتى الصور على أيدي قوى خارجة من كهوف التاريخ المظلمة، تريد العودة بالعراق إلى عهد دُقْيانوس، المسيحيات يرتدين الحجاب وإلاّ تعرضن للملاحقة، لا سافرات في الشوارع، صودر الجمال والبهاء. محال بيع الأشرطة الموسيقية أصبحت مختصة ببيع أشرطة مناسبة عاشوراء، البكائيات على شهداء معركة الطف، إلى جانب الأشرطة الممغنطة التي تحوي فضائح نظام صدام وعائلته. كل الأغاني العاطفية محرمة حتى إشعار آخر، ويتم بيعها سراً، ومن يبيعها يُحرق محله ويتعرض للتصفية الجسدية. وكما الموسيقى، كذلك الكتاب، البصرة التي كانت تعرف بكثرة محال بيع الكتب الرصينة والجادة تحولت جميعها إلى محال لبيع الملابس والأدوات الاستهلاكية. اختفت مكتبة المثتى الرائعة ومكتبة دار الكتاب لصاحبها ودود عبد الغني ومكتبة الجميع وغيرها العديد. معظم دور السينما أُغلقت، ومنها من تهدم.. كذلك دور المسارح والفنون وغاليريهات الفنون التشكيلية. أيُّ عبث هذا؟

الفنان طارق الشبليفي جلسة صداقية خاصة، غنى وعزف الفنان طارق الشبلي، أخذنا إلى أيام العز، أصرّ في الختام أن يترك آلة العود عند صاحب الدار، هنالك حواجز لقوى دينية في الطرقات، تمنع الغناء وآلات الغناء، خاف طارق أن يصادر العود، وربما يقتل.

7

تاهَ ظِلّي الذي خبأته في جسد البيت القديم،
استدرجتُ جسدي كي ينبشَ في جسد البيت القديم،
علّه يلقى ظلي، لم أجدْ أثراً لظلي القديم،
سرتُ، تاركاً ظلي، في ساحة البيت القديم.

أُمُ البروم، أوّلُ استفاقتي، ملعبُ طفولتي وكوكبي الأخضرَ. إسم لأقدم ساحة في البصرة، بؤبؤ المدينة الذي لايغفو، قلب العشّار وإمتداد لشرايينها صوب هرج الأسواق، دور العبادةِ، السينمات، الملاهي والبارات، صاغةُ الذهب والصرافون الذين يقلبون العملة بعيون قلقة. هي سوقٌ لكل ما تشتهي النفس. أعرفها شبراً، شبراً، أحس نبض كل زاوية منها، خارطتها التي مُسِِخت، تغفو على جلدي.

جامع المقامقبل نصف قرن، كانت أم البروم مركزاٌ سكنياً لفسيفساء من مِلَل ونِحل: يهودٌ، مندائيون، مسلمون، ومسيحيون بتلاوينهم، كلد، آشوريون وسريان، مهاجرون من الشمال بحثاٌ عن الرزق. الحديقة التي كانت الساحة تتكئ عليها، وتحمل إسمها، من أجمل حدائق البصرة، مرتعنا البهي، قميصنا الذي يظللنا عند القيظ، خُلوة أول خطيئة للغزل البريء، تُستِرهُ أشجار اليوكالبتوس، والتين البري، فضاءٌ بهيٌ للمذاكرة هرباً من عتمة البيوت الرطبة. الحديقةُ هذه، يوتوبيا مملكةٍ قضمها البرابرةُ بمعاولهم الحاقدة. أُزيل نصفها ليتحول إلى موقف للباصات وسيارات الأجرة. في مطلع السبعينات، نصب البعثيون في نصفها المتبقي المشانق لبعض من أبناء المدينة من المسلمين والمسيحيين واليهود، التهمة جاهزة: جواسيس للصهاينة. بقيت الجثث تترنح من الصباح حتى المغيب. أخذنا نبتعد عنها، نسمع منها أنين أرواح تأتينا كلما اقتربنا منها. أيَّة قسوة هذه؟ لم يتبق شيء من الحديقة الآن، ساحة خربة ومرتعٌ للنفايات. جميع الحدائق والمتنزهات في البصرة: السندباد، الأندلس، الأمّة، الخورة، السراجي، غدت خراباً، ومنها تحول إلى مساكن عشوائية.

8

ساحة أم البرومفي القٌرنة، تحت ظلال شجرة آدم، وبمباركة من شهقة طيشه، يَعْسُلُ الفُراتُ دِجلَةَ، فيستولدان الشط الأخضر، "شط العرب". ببركته تتسامق ملايين النخلات حتى برزخ البحر عند ميناء الفاو. حزام النخل يستند على أحراش من القصب. دُوِّنَ في المخطوطات القديمة أسطورة تقول: "إن الله عندما خلق الإنسانَ أخذ التراب من تحت نخلة ونفخ فيه روح آدم"، فهي إذاً أخت جدنا المشترك، وشجرة النخيل إما ذكر أو أنثى. غابة النخل التي تغزل بها السياب الممتدة على منحنيات شط الكورنيش لم تعد أرجلها في الماء ولا رأسها في النار، بضعة مئات من نخلات يسْتجِرْنَ رحمة أيدٍ لتجديد شهوة الفسيل، لا غير، لا بلحٌ، لا سعفٌ، لا كربُ، تطايرت أجماتُ النخل بفعل الحروب. رأيتُ نخلاتٍ باسقاتٍ في بيوت الأهل والأحبة، النخل يدخلُ البيوتَ، وضعتُ أُذني على الجذعِ، سمعتُ نبضي. المقاهي، البارات، والكراسي الخشب التي كانت تمتد من مهبط تمثال السياب حتى متنزه الخورة اختفت بالكامل في عهد البرابرة، كما أُزيلت النصب البرونزية لضباط الجيش القتلى في الحرب العراقية ــ الإيرانية بعد رحيل البرابرة، لم يتبق إلاّ قواعدها الإسمنتية، صُهِرَ نحاس النُصب وبيعَ في الأسواق، بقي تمثال السياب فقط، الأهالي قالوا: هذا إبن البصرة. أصبح ساحل الشط مرسى لتصليح السفن والقوارب وحائكي شباك الصيد، أيَّ عبثٍ هذا؟ جوف النهر مليء بمخلفات الحروب من السفن الغارقة. "المنصور" يخت صدام الذي كلف ثمانية ملايين دولاراً أمسى كتلة حديد صدِئة، يطفو على سطح النهر، منكفئاً على بطنه، لا اليخت أنقذه ولا الجُحرَ ستره.

يخت الدكتاتورنهرُ الكورنيش، أيقونة الصيادين، وأيقونة أبي أيضاً، مشيتُ على لسان الجرف كالقيّافين أتتبع آثار أبي وظلّه المحنى بدبق الشمس، الذي تركه على عراء الجرف، عندما كان يصحبني معه في مساءات رطبة، وقميصي ملتصق بجلدي، يدي تمسك بشص معمول من قصبة رطبة، أشم منها رائحة القنّب. تمرقُ السفنُ العملاقة بإتجاه ميناء المعقلِ، فيتتايسُ الماءُ، وتتناطحُ أمواجه، يشطف الحصى المتناثر على الجرف، ثمة رشقاتٌ منه تغسل الدَّبقَ الملتصق بصدرنا ووجوهنا. يتقافزُ "أبو الجُّنيب"، من بين الصخور، نُمسِكُه بحذر تجنباً للدغات مخالبه، فهو يشبه العقرب، لكنه غير سام، نقشره فنستخرج منه لباً كالمُحِّ، يستطعمه بلذةٍ السمك الشانك والشبّوط. أبي يصطادُ سمك "الجرّي" ، يرميه على حافة الجرف، هذا سمكٌ زَنِخٌ لانأكله، يقول، سيأتي البحارة الروس لالتقاطه.

لابارات على النهر، شباب يفترشون جرف النهر، يحاولون ترطيب خيالهم بشيء من الكحول، لكن الظلاميين لهم أيضاً بالمرصاد، حيث يلاحقونهم إن تسللت إلى أنوفهم رائحة اليانسون الطالعة من المُنْكَر كما يسمونه، فيحرمونهم من بركة النشوة ولوعة القلق.
ظواهر كثيرة كادت أن تنقرض في العقود الأخيرة، عادت الآن إلى الحياة بشدة: العباءة السوداء التي تفرش جسد المرأة كالخباء، السواد هو اللون الوحيد الذي يتمشى مع جسد المرأة. لا فتاة سافرة، الفولار أو الحجاب فريضة على كل إمرأة حتى وإن لم تكن مسلمة، وإلاّ تعرضت للتنكيل.
(إنَّ كل الأديان السماوية، والمسيحية بكل مذاهبها، واليهودية وغيرها، كلها تحرّم السفور، وتردع عنه، وكلها تحرم الزنا واللواط وشرب الخمر... أوَ كانَ الحواريون كذلك يشربون الخمر، أو يأكلون لحم الخنزير، أو نساء الحواريين غير محجبات، أو مريم العذراء غير محجبة، ماذا تقولون؟). هذا مقطع من بيان باسم التجمع الثقافي الشبابي الإسلامي في البصرة تم توزيعه في المدينة. فلا يحتاج لحكم على اللغة الجديدة التي بدأت تسود، تُرى، أبرابرةٌ بِبَرابرةٍ يُستبدلون.

معظم البيوت تتزود الكهرباء عبر خطّين، الأول يسمى "كهرباء الوطنية" فإن انقطع، يلتجئ الناس إلى المولّد الذي يشترك بدفع نفقاته عدة بيوت في كل حي. لاأحد يدفع ثمن طاقة الوطنية. غالباً ما ينقطع الخطان، حينها يلتجئ الناس إلى الفانوس، حيثُ ينوسُ كملاذٍ أخير لتبديد العتمة ساعة الشدة.
الحميرُ والبِغال التي تجر العربات، تضيع طقطقة حدواتها بين تُزاحمُ السيارات في الشوارع والأزقة. الوساطة الأهم في إيصال قوارير الغاز إلى البيوت والمطاعم والفنادق. البغلُ حيوانٌ فائق الصبر سطّر عنه الأنصار في كردستان، الملاحم؛ حيوانٌ جسور يقرر الانتحار ساعة يفقد الصبر.
صرّافون بالعشرات ينصبون طاولاتهم المتهرئة في الشوارع والأسواق يبيعون الدينار المترنح القيمة بفعل التضخم في أرصفة المزاد. فضيلة واحدة اكتسبها الدينار: أزيلت صورة الديكتاتور وأعيدت صور آثار العراق مطبوعة على وجهه.

المطاعم نشطةٌ في ثرثرة النعمة. دلفنا إلى مطعم الكباب، لازال الكبابُ سيد الشهوات مع خبز التنّور والمخلل.. ناولني النادلُ بطاقة بحجم نصف الكف تُعرِّفُ بالمطعمِ: "مطعم كباب سيد الشهداء، حلال، طاهر، نظيف ولذيذ. كباب حار حار، خبز حار حار، لحم غنم طازج ذبح الكويت".

شبكة الخطوط الهاتفية الأرضية في البصرة أيضاً مرتبطة مع شبكة الخطوط الهاتفية الكويتية.

حيطان الأبنية بانوراما عبثية في النطق بالشعارات التي خُطّت عليها، نزيفٌ من ألوان وخط، أنيق، خُطَّ بتؤدة، وآخر عبثيٌّ رُشَّ على عجل. شعاراتٌ تتنفسُ ماتنطق بها الحناجرُ، هي بلا ترف، طالعة من أدراج الأمل، البهجة، فوضى الطوفان. مخارجُ حروف تلعنُ زمن البرابرة.
شعاراتٌ من أيدٍ كبرت على عنف، وأخرى من أيدٍ شاخت، تهتدي إلى رؤيا حتى لو في آخر الحريق.
على الرخام البازلتي الصقيل، قاعدة أسد بابل في بياضه الياقوتي، التمثال القائم جوار شط العشار، خُطَّ شعار بثقة وأناة : "إبليس أرحم من صدام.. يسقط عزة أبو الثلج...".
على أطلال بناية مقر حزب البعث، تلك التي كانت تبث الهلع لكل من يقترب منها أو يسير حدّها، ثمة لافتة كتب عليها: فانظروا كيف كانت عاقبة المجرمين؟.

أسد بابلعلى سطح جدار بناية ما شعار يعبر عن لغة التسامح والعقل: "نعم لحوار العقل وليس لحوار البنادق". أحصيت المئات من الشعارات التي تغطي الجدران وأبنية الأحزاب. شعارات ينبغي أن توثق، هي تعبير عن حالة مرحلة تأريخية دقيقة. الغريب، أني لم أجد شعاراً يستهدف المحتل الإنجليزي في البصرة.

9

إن كان كتاب "بصرياثا" دليلي في عزلة غوتنبورغ، فمن الدليل إلى دار صاحبها، مدون حكاياها ووريث رؤياها وخيالها، مقلب ركامها ومعيد اكتشافها والقابع فيها حتى اللحن الأبدي؟.
"أيها الغائبون، يا من نسيت وجوهكم وأسماءكم، أنتم هنا، أتتذكرون تلك المدينة؟". تسعة فصول هي حكايات بصرياثا. لاأعرف كم من الزمن استغرقه محمد خضير في تدوين مزامير مدينته، أتراه استراح قبل البدء بــ "رؤيا خريف"؟. حكايات مكملة لبصرياثا، سابحة في سديم "المملكة السوداء". الصدفة ـ المحض دلّتني على صديق الأدب وهلوسة الكتب، الشاعر مقداد مسعود، دليلي إلى أدباء البصرة.. في دارته المتواضعة كتواضع صاحبها، استقبلنا محمد خضير بدفء أنيق. كان يجيب على أسئلتي بتواضع، وهاهو يستعد لأول مرة لمغادرة البصرة لاستلام جائزة سلطان العويس الأدبية. ثاني لقاء كان مع معلم الأجيال القاص محمود عبد الوهاب.. اتجهنا صوب داره في "المناوي باشا" كان واقفاً يدردش مع العمال في رأس الحارة.. لقاء حميم، سريع، أكملناه في جلسة في مقهى "قصر السلطان" الأنيق. ذكرياتٌ، وسردٌ وتداعياتٌ شتى.. هو قاصٌ وناقدٌ، ومخرجٌ مسرحي أيام الخمسينات.. غزير الإنتاج، يتملى كتابة القصة كما يتملى الشاعر كتابة القصيدة.

مع محمد خضيرمقداد مسعود، وليد هرمز، محمود عبدالوهاب

10

ـ "خُذني إلى دار محمود البريكان". قلتُ لمقداد، تحسر وقال أيّة دار، أيّ مقام؟ سآخذك الى مثواه، في مقبرة الزبير، هناك حيث الحسن البصري والسياب.
أين أشجار الأثَل التي كانت تغطي بعض الطرقات باتجاه الزبير؟، تلك التي تُغالب الحر والعطش وتسجرُ أمهاتنا بسيقانها القاسية، التنانير لرغيف العافية.. مقبرة الزبير من أكبر المقابر في البصرة، تضاهي مقابر النجف. مقام الحسن البصري الضخم بقبابه ومسلته المخروطية معلمٌ بارز في المقبرة. أبسطُ شاهدة كانت على قبر الشاعر محمود البريكان، ثمة غصنٌ ذهبي إهتدى لوحده واستلقى حد الشاهدة التي خُطّ عليها على عجل: "محمود داود سليمان البريكان، توفي 2002/3/2 ". هنا إذاً، يرقد حارس الفنارات، الزاهد، الطعين. أيجوز أن يُطعنُ شاعر بمديةٍ في أول الربيع؟. على بعد أمتار يرقد السياب الشاعر القتيل بلعنة المرض والصخاب رغم سنوات العمر القليلة. على قبريهما تلوت من قلبي صلات الكلدِ: "أبانا الذي في الشعر، ليتقدس إسميكما، لتُخلّد أشعاركما، كما في السماء كذلك على الأرض. آمين".

نصب السيابشاهدة قبر السيابشاهدة قبر البريكان

hermiz_9@hotmail.com

أعلى