مما يميز تجربة الشاعر زهير أبو شايب، الشعرية، هو صدورها عن ذاته مباشرة، بكل ما فيه من توهج واندفاع وانزواء ونكوص، فالقصيدة التي يكتب منذ 'جغرافيا الريح والأسئلة' و'دفتر الأحوال والمقامات' و'سيرة العشب'..
هي بخار الإنسان: بخار الأب، والزوج، والابن، والأخ، والصديق، والحفيد، والعاشق، وليست أداة رصد لهذه الأدوار الحياتية، أو تعقب، أو تلوين لها.
ويعود الشاعرليلقي نظرة عميقة على ذاته، في 'ظل الليل' ديوانه الشعري الرابع، الصادر أخيرا عن دار الأهلية في عمان، بوصفها موضوعه الشعريّ المحوريّ، متتبعا تقلباتها وأحوالها كلها، من دون أن يرهن ما يكتبه لشرطه اليوميّ، فهو ينطلق من الفرديّ بمعناه الأكثر التصاقا بالذات، إلى فضاء إنساني مفتوح على المعنى، راسما سيرة زاخرة بالتموجات، لكائن شعري صرف، ذي أصوات متفاوتة، تتصاعد في اتجاهات محددة، أحيانا، وتخفت حتى لتكاد تختفي أحيانا أخرى، مخلفة ذراها الشعرية منتثرة وراءها في مدى مفتوح.
هناك، حيث تكتمل العبارة، أو تنغلق، فينفتح المعنى على أبعده. وقد لا يمكن قارئا بلوغ ذروة قصيدة ما، فعليا، إلا عبر قراءة عميقة ومتواصلة للديوان كله، ذلك أنك تعثر على مغزى مقطع في قصيدة ما، كامنا في بطن قصيدة أخرى، حتى ليبدو الأمر محض مصادفة، بيد أنه ليس كذلك.
لقد وجدت نفسي، بعيد قراءة الديوان، الذي تقول لافتة على صدر صفحاته الأولى إن قصائده كتبت في الفترة ما بين عام 1997 وعام 2007 إزاء تساؤلات وجودية وإنسانية تتعلق بالهوية، والاغتراب، والجدوى، مضفرة، بصبر، في قاموس شعري خاص، تتخلى فيه المفردة عن معناها الذي درجت عليه، أو تضيف إليه، لتنفتح على معان أكثر وأوسع. وإذا كانت مفردة الليل هي الأكثر حضورا بين مفردات الديوان (الليل: السواد، العتمة، العمى، الظلام، من؟ كيف؟) فهي أخصبها دلالات. على أن هذه الدلالات تختلف باختلاف الموضع الذي تجد نفسها فيه، فهي لا تنفك تكتسب مساحات وأبعادا جديدة، من قصيدة إلى أخرى.
ومما يلفت، اعتناء الشاعر بالماء والإناء معا، على ما يقوله المتصوفة عن الشكل والجوهر، فقد اختار شكلا يضيف إلى القصيدة، لا بوصفه حاملا لها، أو مشتملا عليها، بل بوصفه فضاء آخر، تترامى فيه ظلال ما لم تتسع اللغة لقوله، فقد توزعت قصائد الديوان، الذي يهديه الشاعر 'إلى محمود درويش في حضرة غيابه' على أربعة أبواب، يحمل كل منها عنوانا خاصا به. وأجدني أميل إلى تخيلها أربعة جدران، لأن العلاقات بين القصائد توحي بأنها قصيدة واحدة، جدارية. وصدورا عن هذا الميل، أو استزادة فيه، أخمن أن القصيدة التي يسعى إلى تقديمها لنا، هي القصيدة- البيت، أو المكان. أما القصيدة المكتوبة فعلا فليست إلا إشارة إليها، أو برهانا على وجودها الفعليّ. إن جدران قصيدته الأربعة هي ذاتها جدران حجرته، لأن أنا الشاعر لا تقيم إلا في اللغة. صحيح، ليست هذه المرة الأولى التي يكتب فيها شاعر قصيدته بوصفها مكانا آخر، موازيا لجغرافياه الأرضية، أو متعاليا عليها علوه
الفردوسيّ. لكنها المرة الأولى على ما أعلم التي تتحول مفردات القصيدة فيها إلى لبنات، يشّيد بها الشاعر حيزه الخاص الذي نمت فيه أناه ببطء النباتات، حتى أمكنه استعادة سيرتها الشعرية فيه، صورة صورة.
وابتداء، أقترح قراءة الديوان من فهرس القصائد، فهو يضع مفاتيح هذا العمل الشعري تحت أبصارنا مباشرة، ذلك أن العناوين المدرجة فيه تتضافر معا لتقدم للقارىء اللون الذي يميز جدارا عن آخر، فعلى الجدار الأول 'ليل يسع الأرض' (تفسير الظلام، ما يكفي من العتمة، أشير نحو الليل، الأسماء، أصيص قديم، ذئب مقطر، ذلك الولد المتكسر، فصام) نلاحظ أن الطفولة أو الذكريات، هي ما يطغى على هذه العناوين.
وعلى الجدار الثاني 'بكم حلما يقطع الليل؟' (أرض عمودية، نحن، جئنا لنسهره كله، رؤيا، موجود لتحلم، مجرد اسم، باق وأحلم) نلاحظ ابتعادا حذرا عن الطفولة، وبحثا عن الهوية داخل الحلم، وإصرار عليها. وعلى الجدار الثالث 'رجل ميت مثل كل الرجال' (كم أنت أنت، كتاب الرمل، أتى الموت لكنه لم يجدني، أبناء ريح، رغبة
ترفع الماء، شهداء) يطغى الموت واليأس.
أما على الجدار الرابع 'كلهم في الظلام سواسية' (حجر أول، لا وجود لشيء هنا، صاحبي، أضع كل شيء، جئنا ولم يكن المكان هنا، ماذا تريد الفراشة من نفسها، البيت إصغاء، دفتر الأحوال والمقامات). فيأخذ السؤال بعدا فلسفيا واضحا.
وإذن، فالمكان الذي يشيده الشاعر هو، في واقع الأمر، متاهته نفسها. إنه تلك الأرض المترامية التي لا يمكن الخروج منها، لأن الرحلة التي يتعين عليه أن يقطعها حتى يصل إلى غايته، أي إلى تلك 'الأرض التي ربيتها' كما يقول في مفتتح الديوان، هي رحلة داخل الليل، داخل المكان نفسه. ولكنها رحلة في اللغة، تستحيل فيها الجدران الأربعة جهات أربعا.
أولى قصائد الديوان تحمل اسم 'تفسير الظلام'. وفي ذلك إشارة صريحة إلى أن
الليل الذي يرمي إليه أكثر من مجرد بقعة سوداء، ضخمة. إنه شيء، أو كائن
معقد، متعدد الطبقات، يحتاج إلى تفسير.
أما ما يحمله من صفات فهو ما سيكشف شخصية المرويّ عنه، الشعرية، تلك التي نمت فيه، أي في هذا المكان (الليل) متماهية معه، ومتلونة بألوانه، قبل أن تستحيل ينبوعا دلاليا، تفيض منه اللغة والصورة الشعرية بصفاء وزخم كاملين. يقول فيها:
الآنَ، وامرأتي تُغادرُ نَفسَها، وتَنامُ دونَ اسمٍ وأطفالي الثلاثةُ نائمونَ لهُم أبٌ أعمى، وأمٌّ ما تُرتّبُ نَومَهُم الآنَ، مَن أنا؟؟ كلُّ هذا الليلِ لي وَحدي ووَحدي، في مكانٍ ما من الماضي، أفتّشُ عن أبٍ لأنامْ.
(دون اسم، نائمون، أعمى، من أنا؟ أمّ ما). إنه هو الليل، يغمض فيه الجميع أعينهم، وينامون، أما هو فلا. إن غياب الاسم عن المرأة يجعلها جزءا من الليل (العمى). لكن هذا لا ينفي ـ من جانب آخر - كونها غريبة عنه. وفي ذلك توكيد لعزلة الشاعر، ووحشته الكاملة.
ونعود إلى الأب في مقطع لاحق من القصيدة نفسها، فهو 'لم يقل لي كم أشيب، وما الشيب'. الشيب هنا هو الوقت. كم يلزم من وقت حتى يستطيع الخروج من الليل، من الذات، إلى النهار؟ لذلك لم يزايله الشعور باليتم، ولم يعرف الطريق إلى الخروج من طفولته، وإن وخط الشيب رأسه.
تحيط هذه القصيدة بالظلال الرئيسة التي توشح الديوان، وتمثل الهوية بعدا رئيسا فيها، 'فسيان إن كنت من الظل، وإن كنت من الطين' يقول في قصيدته 'عندي ما يكفي من العتمة'. ويتساءل في قصيدته 'الأسماء': 'هل يتعلم الطفل اسمه ليقيم فيه؟ ليكن، تقمصت الظلام'؟ يريد أنه ارتدى الظلام كالقميص، وأقام فيه كما يقيم الطفل في اسمه. ويتكرر المعنى بطريقة أخرى حين يقول: 'إنها تمطر، لكن في الأساطير، لطفل لم يزل ينظر من صورته فوق الجدار'.
وفي قصيدة 'أصيص قديم' يصرخ قائلا: 'كلك ليل، فكن رجلا' أو 'أفتح العتمة كالباب، وأرمي جسدي منها' (ذئب مقطر) على هذا النسق، تتجاور قصائد ظل الليل، على الجدار الأول، مفسحة لذاكرة الطفل المدى الأوسع، مرة بلسان الطفل
نفسه وأخرى بمحاورته، أو لومه، أو الإشارة إليه. أما الجدار الثاني، فنلاحظ أنه يترسم فيه مرحلة أبعد، حيث يصبح سؤال الهوية ذاتيا محضا، ويخفت صوت القصيدة:
لَديَّ ما يَكفي من الماضي
لأدفِنَ فيهِ رأسي عندَ كلِّ إشارةٍ
وأجُرَّ ظِلّي مِثلَ نَسرٍ ميّتٍ
أنّى ذَهبتُ
(مجرد اسم)
لم تعد القصيدة مناسبة لاستعادة الأب، أو تمثله، فقد كبر الطفل الذي أصغينا له في الجزء الأول من الديوان، وأصبحت له أحزانه وأسئلته الخاصة. ويمكن رصد الحيرة التي تستغرقه في ثنائية متموجة، بين ما يستشعره من غربة وحلم، في مخاطبته لذاته، أو للمرأة التي تحضر هنا 'كأنها النساء جميعا' على أنه اغتراب شخصي تماما، يقع على مستوى البيت والمرأة معا. يتجلى ذلك على نحو خاص في المقطع الآتي:
خَلِّ المكانَ مكانَه، واذهبْ إلى النسيانْ.
وارْمِ السلامَ على البُيوتِ
ارمِ السلامَ،
ارمِ السلامَ،
ومَشِّ قلبَكَ حوْلَها، واحلَمْ على
الجدرانْ
وفي قصيدة 'نحن' يرثي طفولته، ويرثي - بصوته الخافت ذاته- المكان الأول الذي نبتت فيه:
كأنّا سَقَطْنا وراءَ المكانِ
لنَسألَ أنفسَنا: أينَ نحنُ؟
متى نحنُ؟
أينَ تَرَكْنا السماءَ العميقةَ
والأرضَ؟
أينَ تَرَكْنا مفاتيحَ أرواحِنا
ومنازلِنا؟
على الجدار الثالث من ظل الليل، يذهب أبو شايب لتأمل الغياب، مستعيدا موتاه، أولئك الذين يضيئون القصيدة بأرواحهم. ولكنه لا يستحضرهم استحضار الحي للميت، لأنه يعتبر نفسه واحدا منهم، فهو 'يرى غياب أبيه فيه':
ّإنني رجُلٌ ميّتٌ، مثلَ كلِّ الرجالِ بلا رَغبةٍ تَرفعُ الماءَ حتّى يُلامسَ خَصري وبلا كلِماتِ شهيدٍ رَمى دمَهُ كالطريقِ ومَرَّ ولم يتكلّمْ إلى أحَدٍ عن هناكَ، ولم يَنتظرْ ليَرى مَن سيَمشي على دمِهِ بَعدَهُ .
(من قصيدة: رجل ميت مثل كل الرجال)
ويبلغ الغياب ذروته حين يصرخ:
قُلْ لي:
إنّ ذلك وَهمٌ
لا تَخُنّي
قُلْ لأصحابِكَ: الموتُ أتى
لكنّهُ لم يَجِدْني، فمَضى
(أتى الموت، لكنه لم يجدني)
وعلى الجدار الرابع من الديوان 'كلهم في الظلام سواسية' تكتمل استدارة الشاعر حول نفسه، لتطغى النظرة الفلسفية على كل شيء، كأن نهاية الديوان هي الجزء الأخير من حياة ما. هنا تصبح اللغة أهدأ، ويمتزج فيها السماوي بالترابي. أما الأسئلة فلا تعود ذاتية، بل هي أسئلة عن الإنسان، عن كينونته ووجهته.
كلُّهُم في الظلامِ سَواسيةٌ كلُّهُم لا وُجودَ لهُم. رُبّما لا وُجودَ لهم. رُبّما لا وُجودَ لنا. رُبّما لا وُجودَ لشيْءٍ هُنا. (لا وجود لشيء هنا)
أو
أضِعْ كلَّ شيْءٍ لِتَملِكَهُ
(أضع كل شيء).
أنتَ أنتَ:
وحيدٌ
وتُلصقُ روحَكَ بالأرضِ
من قصيدة 'صاحبي'
ويختتم هذا الجزء بقصيدة 'إصغاء' التي يصبح الصوت فيها مستقلا تماما، وتصبح مهمة الشاعر هي الإصغاء فقط:
ولا أسمَعُ إلاّ صوتَ نفسي
في الصَدى
بَعدُ لَم تتّضِح الفِكرةُ
لَم أُصغِ لنَفسي جيّدا.
القدس العربي
2012-01-13