لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

بلاغة التكرار في ديوان "دون مرآة ولا قفص"

سعد جمعة

يتخذ شعر سعد جمعة لحظة ذاتية من مسار الحياة تتغيى تحقيق حلم قد يكون مستحيلا أحيانا، وذلك بذريعة تجاوز الآني نحو واقع آخر شديد الاحتمال. فالشاعر لا يتخلى عن آلامه لحظة الصحو، ولكن حين يستقل لحظات الحلم والتوقع وتوجس المصير الذاتي يستدعي لغة اللذة مسخرا ما تبقى له من وسائل التعويض حتى ينأى عن قسوة الحياة وجحيمية الآخر. إن الشاعر هنا نبي نفسه يرسل رسالة إليه ويترجم رؤيته الذاتية بكثير من الجمالية الأسلوبية التي تستأثر بالتكرار كمكون بلاغي تبدى على مستوى الكتابة والرؤية، فوجدنا شكل النص ممتد في أوضح تجلياته، حيث هيمن التكرار مكتسحا الكلمات والعبارات المتلاحقة، وأيضا تلك الفقرات شبه النثرية، وهو اكتساح له مقاصده الفنية والوظيفية سنتبينها حالما ننصت إلى نصوص الديوان.

1- التكرار وخصائصه الاتساقية

يندرج التكرار ضمن الوسائل البلاغية كالتوازي والمفارقة، ويندرج أيضا ضمن الركائز البلاغية الشائعة من تشبيه واستعارة وفصاحة، فهو من المفاهيم المركبة التي نجدها في المعاجم البلاغية والشعرية واللسانية، لكن التحديد الأولي لهذا المفهوم يقف عند ترديد كلمة أو جملة أو معنى معين أكثر من مرة، وهو أيضا إلحاح على جهة هامة من العبارة يعنى بها الكاتب أكثر من عنايته بسواها. وهذا التحديد يوجهنا إلى ربط التكرار بأمور نفسية قيمة من جهة، وأيضا بأمور أسلوبية جمالية من جهة أخرى.

وقد عد جورج موليني التكرار من أقوى المحسنات البلاغية لأنها تنفذ في بنية الخطاب سواء على مستوى الكلمة أو الجملة. وأضاف كون "التكرار محسن يتحكم في الخطاب" (1). ومن المنظور العام لظاهرة التكرار كما حددها موليني، وحتى البلاغيين العرب القدامى أمثال ابن رشيق وغيره، نتبين أولا أنه ظاهرة أسلوبية قرنت بالفصاحة كما جاء في كلام السيوطي:" التكرار أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة" (2)، وثانيا هو ظاهرة ارتبطت بالشعر وغدت تقنية جمالية لها عدة تمظهرات؛ نحصرها في: تكرار الصوت، وتكرار اللفظ، وتكرار المعنى (3). والتصنيف نفسه اتخذ عدة مصطلحات نذكر منها التكرار السياقي، والتكرار البياني، والتكرار الاستهلالي... وذلك تمشيا مع تجليات التكرار في الخطاب.

2- الخلفية التيمية للتكرار

تكمن أهمية دون مرآة ولا قفص (4) في خلق مقاربات جديدة من خلالها تبدت رؤية الشاعر، إذ لم نعتر على انحياز إلى القيم الجميلة، أو الدعوة إلى الحرية، أو تأمل الحياة، بل راهن سعد جمعة على رؤية اختلافية تتأسس على خطاب ذاتي مقرون بالرغبة وبالحاجة، فأهمية النص تكمن في واقعيته أولا، وفي قدرة اللغة على قول أكثر مما يقال ثانيا، وثالثا في الاقتراب من حياة الفضح والانتشاء والسكر واللغو، وغيرها من القيم التي تؤشر على هشاشة الحياة وانهزام الإنسان أمام الوقائع التي أجهضت أحلامه.

انطلاقا من هذه الاختلافية التي راهن عليها الشاعر، فإنه طوع لغته وجعلها تنصت لحياة شبه مهزومة، يغلب عليها السؤال والنقد والتجريح وترديد الكلام، ومن تأثير هذه الحياة استدعى التكرار ليس باعتباره خاصية أسلوبية فقط، وإنما طريقة نوعية تترجم لحظات معينة تمثلت شكل العلاقات الإنسانية وطريقة التواصل.

3- أنواع التكرار

تثير لغة الديوان في ذهننا صورا نتلقاها ممن خلال تركيب لغوي انفعالي وتوليدي، وذلك من خلال تكرار كلمات بنسب عالية الشيء الذي جعلنا نقرن هذا التكرار بمقاصد دلالية و وظيفية، وقد يمتد هذا التكرار إلى ترديد صور شعرية وهو ما أسميناه بالتكرار البياني؛ إذ تتصادى المشاهد الشعرية وتتماس على مستوى اكتمال المعنى الشعري وترديده لغايات معينة كالتقرير وزيادة التنبيه، أو التعظيم والتهويل وغيرها من الغايات التي عدد بعضها ابن رشيق وغيره من البلاغيين الذين عنوا بالمفاهيم الواصفة للخطاب (5).

3-1 التكرار اللفظي:

عمد الشاعر إلى تكرار ألفاظ معينة نذكر منها على سبيل التمثيل: الكأس، الكاونتر، الطاولة، الحانة، النادل، الجدار. وقد تغيى الشاعر من هذه الألفاظ تصوير عالمه الذي ما فتئ يتردد عليه، بل هو من رواد الحانة المخلصين وذلك تمشيا مع الحقل الدلالي للكلمات المستدعاة. يقول الشاعر:

كأسك الأولى
وكأسي العاشرة
باب المقبرة كسرناه
والموتى جميعهم
جالسونا (6)

ويقول في نص آخر:

تجلس مع أول كأس في الحانة التي أحببتها
ترتعش أصابعك مع سيجارتك الأولى،
وأخمص قدميك
اكتسى بالغبار (7)

تكمن قيمة الكأس، اللفظة المكرورة، فيما فطرت عليه النفس على الاستلذاذ بها أو التألم منها، أو حسب حازم القرطاجني، رغم اختلاف السياق الذي ورد فيه القول، " ما وجد فيه الحالان من اللذة والألم كالذكريات للعهود الحميدة المنصرمة التي توجد النفوس تلتذ بتخيلها وذكرها وتتألم من تقيضها وانصرامها" (8) ولتتبيث هذه الفطرة حضر التأكيد اللفظي للكأس التي تستثير مكنون النفس بالذكرى وعمق الصورة الذهنية. فالتكرار اللفظي في المقطعين مباشر ونابع من تجربة ذاتية أو غيرية مستأصلة من واقع له ظروفه، وهذا ما يجعل انصاتنا للنص سهلا ويسيرا، وذلك فيما حققته اللفظة المكرورة من وحدة تماثلية بين اللذة والألم، والحالتنا مقرونتان بالموت والظلام من جهة الكأس والحانة. وقد اتخذ هذا التكرار صورة تشبيهية وذلك من خلال التقابل الحاصل بين الكلمات الموظفة؛ كقولنا كأس كالموت، وحانة كالظلام. وإذا ما قرنا بين التشبيهين نجد أن مكنونات النفس تستلذ وتتألم، وهما كما أسلفنا حالتان منبثقتان من الذكرى والانقضاء. ومن ثم فإن الشاعر يرسم حياته وفق أبعاد ثنائية مدعومة بالتكرار. يقول الشاعر:

أما أنا،
حملت كل ما شوهتم
إلى حانة أخرى
أرمم جسدي بالرقص
أراقب وأقول: ما الذي تصنعينه بهذا الجسد
وأنت وحيدة؟ (9)

ويقول في مقطع آخر:

وحبيبتي أنت تلتقيني ثملا في الحانة،
دخنت كثيرا واشتقت لأمي
الشارع يلمع
ول أحد فيه (10)

تخلى الشاعر عن التخييل وراح يكرر كلمتي الحانة والجسد، وهو ما كان يحفظ وحدة المقطعين في غياب تام للإيقاع، وكان وراء هذا الإجراء الأسلوبي استعراض حالة الكلمتين الدالتين على الألم واللذة، وهذا ربط للشعور بالإيقاع اللفظي للكلمات المتكررة؛ فالوقع النفسي مؤشر عليه من خلال هذا التكرار، ومن المؤكد أن المتلقي قد يزن الحانة بالانتشاء أو بالهزيمة، وأيضا قد يزن الجسد باللذة أو بالجريمة. هذا الارتباط الوثيق بين الكلمتين هو ما يجعل النص خلاصة ذاكرة تردد وتسترجع وقائع وأحداث بغاية التقرير والتتبيث، والذي أرجوه ألا يتبادر إلى الذهن أنني لا أشرح النص بقدر ما أقف على بعض مداخله العديدة. ويظل النص مفتوحا لتأمل ظاهرة التكرار التي لا تقف عند حدود ما مثلناه ولكن تستدعي كلمات أخرى منها: الجثة، المرايا، المرآة... تتكرر باستمرار وتثير انتباهنا على نحو يسمح بتحديد وظائفها الجمالية، وأيضا ما قد تثيره من شعور باللانهائي (11)؛ لأن مجال حضور الكلمة أكثر من مرة وترديدها مرات عدة قد يؤدي حتما إلى التفكير في قيمتها الدلالية التي تتنامى وتتوسع على قدر تكرارها، مما تكسب من خلال كل هذا حظوة كبيرة. وفي هذا السياق ترددت كلمة Paul في قصيدة الأحمر بينهما: طائر الأسود والأبيض. يقول الشاعر:

تنشد أنا: Paul
أنتم الشمس التي أنتظرها في هذه الحانه
[...]
وأنت يا Paul
لا ناقة صالح
ولا بقرة السامري (12)

ينطوي الموقف المقدم على إبراز وظيفة الغريبPaul فهو نادل في حانة، وبساطة الوظيفة تحتمل الشيء الكثير مما منح القصيدة ترميزا عَلميا واضحا، وموقفا تجاه الغريب، إذ بدا الشاعر ثائرا عليه وعلى الحياة، منحازا أكثر إلى الثورة من داخل أفضية تؤشر على الهزيمة. كما يكتب هزيمته بالكأس وينتصر لما آل إليه حاله. صحيح أن الكأس رمز للسكر ولكنها رمز ملهم أحيانا وأداة لمعرفة الآخر رغم بساطة وظيفته.
رأينا في الكلمات المتكررة المتقدمة، كيف أنها ولدت الدلالة، وترجمت مواقف الشاعر وآرائه الحياتية التي اعتورها شعور بالهزيمة والإقصاء والخيبة. وحين يحاول الشاعر تأويل ما ينثال عليه من وقائع وأحداث فإنه يكون مجبرا على الاستدلال بما ينبغي القيام به مستعيضا بتكرار كلمات على مستوى الكتابة؛ وهي كلمات تعويض تملأ الفراغ الحاصل أو التقطع المتوقع. لنعد إلى نص سعد جمعة سنلحظ أن اللذة تعويض عن الخسارة، وهو فهم قدمه الشاعر لتحقيق أناه وإبراز دوافعه الذاتية التي ترجمت في اتجاه تصعيد فني أوّل الوضع من داخل اللغة بتمثيل شعور الرفض والقبول في آن.

3-2 التكرار البياني:

يقوم هذا التكرار على أساس رسم صورة شعرية يتم تأكيدها في موقع آخر من البنية النصية للديوان؛ إذ نجد أنفسنا أمام صورتين صدى الأولى يرجع في الثانية، والثانية تذكير للأولى، أي يتحقق الترابط والتعالق بين صورتين مما يضمن للنص قوة البناء، ولعل النتيجة المستخلصة هي ما سنقف عنده من خلال البنيات النصية الآتية:

ماذا أصنع يا حبيبتي
أنا كلي حياة تتهشم (13)

ويقول في مقطع آخر:

أحمل حطام أيامي
أرى فيها سقوطي
وموتي الذي كان عند الباب، وفر عن شقائي
عن الزلزال الذي في داخلي (14)

نقف هنا على العلاقة التيمية القائمة بين المقطعين، وهي علاقة لا تعتمد على رابط شكلي ظاهر، وإنما نحن أمام تأكيد يضيف جديدا إلى المعنى، ومن ثم فإن المعنى الثاني ليس حشوا ما دام أبلغ من الأول، لأنه يبين مدى قتامة الحياة التي يعيشها الشاعر؛ حياة منعوتة بالهشاشة، والاحتراق، والشقاء، والاهتزاز. بهذا المعنى يعتبر تأكيد صورة شعرية بأخرى تعمقها وسيلة هامة من وسائل تماسك الخطاب رغم أن كيفية الاتصال بيانية؛ أي معنوية تشبيهية غير معتمدة على رابط لفظي أو رابط شكلي. والصورتان معا يبتعدان عن أي تدبيج كلامي لأنهما في اعتقادنا يقومان على مبدإ التعالق، وقد أقر ريفاتر مصطلح الاستعارة المتتابعة métaphore filée التي تتأسس على سلسلة من الاستعارات متعالقة بوسائط تركيبية أو معنوية مدعومة بالوصف أو السرد (15). نقترح تصور ريفاتر حتى يزودنا ببعض الحلول العملية لتحديد بعض وظائف التكرار البياني التي يمكن حصرها في وظيفتين بنائيتين:

3-2-1تفصيل النص:

المفهوم مأخوذ من حقل الدراسات القرآنية التي تعنى بتفسير القرآن على ضوء الإجمال والتفصيل؛ تمتد صلات السور القرآنية باعتمادها على مجموعة من العناصر المعنوية يتم تنميتها في سورة أخرى. على هذا النحو يمكن أن نعتبر أن التفصيل في الشعر غير التفصيل في القرآن، بينما دينامية المفهوم تمتد في الشعر على حسب ترتيب المقاطع وإخضاعها لتعالق بياني تتلازم فيه الصور الشعرية وتنشد نفس الموضوع. وهو ما مثلنا له فيما سبق. يقول الشاعر:

الليالي دون كهرباء دون قمر
والأحلام مرت
تشاهد سقوط الجمال من الأجساد (16)

تمتد صلة النص من خلال نص آخر يخضع لتعالق بياني يفصل انعدام الكهرباء وغياب القمر بالموت والسقوط. يقول الشاعر:

أريد إجازة طويلة في الموت
أخلع صندلي
وتذوب دشداشتي في الملح
وعقالي لا يعرف رأسي (17)

فتح النص الثاني النص الأول على تفاصيل الحياة الموصوفة فتداخلت التراكيب مع الامتداد اللغوي وتنامت الصورة على نحو تفصيلي يجعل الروابط التركيبية شبه ميكانيكية تحاول أن تتلتبس وقائع ذهنية يستدعيها الشاعر للمحاججة والاستدلال.

3-2-2 تجسير النص:

إذا كانت الوظيفة الأولى مقرونة بترديد النص على ضوء التفصيل، فإن الوظيفة الثانية مرتبطة بتجسير المقاطع الشعرية عن طريق رجع الصدى الذي تتمثله الدلالة العامة؛ فتتوالى الصور الشعرية وتتناثر محققة تراكما مشهديا يغني العمل لكنه في جوهره ينظم الخطاب الذي تحكمه علاقة العام بالخاص، وقد تبدى لنا ذلك جليا في قول الشاعر:

كلما نظرت إلى قمة نشوتي، في الشباك الزجاجي
العاكس في المطبخ، رأيت وجهي يودعني قاذفا
بالشظايا إلى كف الغناء المستمر (18).

يقول الشاعر:

إنه العمر الصغير بالفرح (19)

نلاحظ من خلال النصين أن هناك طريقة محبوكة في بنينتهما، فالنص الأول يستعرض حياة ملؤها السعادة والنشوة، وفي هذا خصص الكلام عنها بالنشوة، والغناء المستمر. ولكنه يتتبع ذلك فيما يروم الشاعر إلى تحقيقه وهو تجسير النص وتحقيق الترابط الوثيق، معنى هذا أن العلاقة بين النصين هي علاقة تفصيل بإجمال؛ أي أن النص الأول تفصيل للنص الثاني، على أن الغاية لا تخلو من تأكيد وربط قمة النشوة بالفرح، وربط الزجاج بالعمر الصغير، والرابط هو الهشاشة. أهم ما نستخلصه أن العلاقة بين النصين ثاوية ومشروطة فيما استشف من المعنى المشترك، وهو معنى يعضد الجانب البياني للعمل الشعري ككل.

بناء على هذا يمكن أن نعتبر التكرار أحد المبادئ الأساسية التي تحكم وصل الخطاب، سواء كانت صيغة الوصل لفظية أو معنوية، ومن خلال الأمثلة المقدمة يمكن أن نصوغ النتائج الآتية:

- ميزة هذا الديوان أنه يعرض علينا أفكار الشاعر بوضوح قوي، وإذا ما أمعنا في اللغة الموظفة سنجد صدى الحصار الذهني الذي يقاسيه الشاعر، وهو حصار يتلبس وجه الفضاء العام للحياة بدءًا من لغة الديوان التي تحاكي لغة اليومي من جانب اتخاذها التكرار سندا وشكلا وحيدا ثابتا، وكأنها أوراد تردد على نحو يسمح بتطهير الدواخل، لكنها على العكس تزيد من شقاوة الحياة وتنمو كحقيقة أكيدة تقع أمام السمع والبصر واللمس.
- مكننا التكرار من كشف حركتين متناقضتين يتأسس عليهما الديوان، وهما اللذة والألم، فالشاعر يقول اللذة ويعيشها، ولكن سرعان ما يقول ألمه من داخل لذته، وبين الشعورين تنمو القصيدة كالفطر متمثلة شكل الحياة وطبيعتها المحكومة باللحظة والتكثيف. مما يؤكد نكهتها النثرية، وهذا مدخل آخر من مداخل الديوان، بحكم أنه ينثر الحياة من داخل الشعر.
- إن تكرار كلمات بعينها هو رفض نفسي وكياني لها، وأيضا لارتباطها بالوقائع واللحظات الحياتية التي يسعى الشاعر من خلالها أن يخرب نفسه رغم كرهه القوي للصراع. لذلك كان الشاعر ملزما عليه أن يردد آلامه، على نحو اعترافات ذاتية، في سبيل التخلص منها وأن يمنح حياته الآنية عفة أكثر.

خلاصة القول

هكذا تحقق إيقاع دون مرآة ولا قفص من خلال البلاغة التي نفذت عن طريق التكرار، باعتباره استراتيجية وقفت إلى حد بعيد في استقصاء انشادية النص، وأيضا تصوير حياة منفتحة على عوالم اللذة والانتشاء والألم والفقد، والتأكيد أيضا كون التكرار قد فسح للشاعر متسعا من ذكر التفاصيل والمشاهد الحياتية التي لم تصل بعد إلى ضبط قوانين المقاومة والتحكم في المسببات. بل انقادت وراء اختزال الحياة وتكثيفها عبر أفضية معينة: الحانة، والبيت، والقفص. وقد غدا التكرار مقاومة من داخل اللغة، وخلاص يقصي التنوع ويدعو إلى الوحدة. وفي اعتقادنا أنه لبى حاجة ذاتية هي من طبيعة نفسية واجتماعية لدى الشاعر. ومن منظور نصي فإنه استطاع أن يكشف عن روابط تركيبية بلاغية محكومة بالرجوع وبالتعالق، وقد أسهمت أيضا في لفت انتباه المتلقي إلى فنية اللغة وطبيعة حياة هي من عداد الحاضر المتردي.

أعلى