(I)
لنتساءل: ما هو المسرح أو الفن الذي يشهد اليوم صعوداً قوياً؟
بلا شك، إنه المسرح المستقل كتجل من تجليات الممارسة الديموقراطية، يقوم على مبدأ الاعتراف بممارسة الثقافة والفن كحق الإنسان من دون الخضوع بشكل مباشر لنسق من التوجيهات المخططة من لدن الهيئات الرسمية والقومية. وأقول بشكل غير مباشر لأنه غالباً ما ينوجد نوع من الخضوع بشكل من الأشكال لجهة ما، فإن لم يكن للدولة فهو خضوع للجهات الراعية (مؤسسات ثقافية أو شركات..) التي تسطر أهدافاً تقيد بها حرية الفنانين المستقلين الراغبين في الاستفادة من رعايتها. وأحياناً، قد يكون الخضوع لهذه المؤسسات الراعية أشد وطأة من الخضوع لجهة قومية. ومن ثم، فعلينا ألا نمني أنفسنا كثيراً بوجود مسرح مستقل مئة في المئة، لأن هذا نوع من اليوتوبيا الحالمة نادراً ما تحققت، بل ويزداد تحققها صعوبة اليوم بفعل النزوع الشره نحو الهيمنة على مصادر الطاقة العالمية. ومع ذلك، فهذا لن يمنع من الاعتراف بأن المسرح المستقل ـ نسبياً ـ صار يتشكل اليوم كحركة متصاعدة لا يمكن أن ندير لها الظهر على الإطلاق.
الى وقت ليس بالبعيد، كان الفن المستقل عن الدولة منبوذاً ومقموعاً وبذيئاً، تماماً كما لو كنا بصدد الحديث عن الجنس. لقد لجأت غالبية الدول منذ الستينات الى التدخل السافر في توجيه الثقافة والفنون، وترميزهما بحيث لا تكون الشفرة إلا في أيادي وزارات الثقافة. أتكلم هنا عن دول كانت ممهورة بتوجهات ليبرالية. أما نظيراتها في حلف وارسو أو ممن دارت في فلكه، فقد كان الأمر يصل الى القمع والاعتقال والنفي والنبذ: إن اغتيال فيسفولود مايرخولد Vsevolod Meyerthold لا يزال ماثلاً للأذهان، واعتقال فاكلاف هافل V?clav Havel التشيكي نموذجاً. كما ظل ينظر الى أعمال تاديوز كانتور Tadeusz Kantor في بولندا ولعقود طويلة على أنها أشكال جرثومية، وهذا صحيح جداً. فإذا نظرنا الى المسألة من زاوية مغايرة، فإن أعمال المستقلين في المجتمعات التوتاليتارية هي كالجراثيم التي تولد من دون مبالاة بالقمع والتهميش الذي تواجه به. هذا التهميش غالباً ما يصير الحطب الذي تتدفأ به هذه التجارب لتنمو وتتكاثر في استقلال جذري عن واقع العنف.
لنتذكر هذا جيداً: الحاجة الى المسرح المستقل تزداد دائماً في المجتمعات التوتاليتارية التي لا تستطيع منح فرص متكافئة لجميع فنانيها.
هذا هو واقع الأمس القريب. أما اليوم، فما كان هامشياً صار مركزياً ضمن خارطة فن ما بعد الحداثة. الاستقلالية صارت بداهة ما بعد الفن، والقول بوجود هزات ومنعطفات فنية في المسارح المركزية أصبح يثير السخرية، حتى ولو تعلق الأمر بأعظم المسارح القومية بأكبر بلد راع للفنون كفرنسا. لقد مضى ذلك العهد الزاهر للمسارح القومية الفرنسية التي تم التخطيط لها ببراعة منذ حقبة أندري مالرو André Malraux، مثلما انتهت المسارح الجهوية الى شبه إفلاس، بدأت تتعالى معه أصوات مطالبة بضرورة التفكير الجدي في حل هذه الفرق.
كما أن المستقلين والهواة في أفينيون أوف Avignon-off قد تمكنوا منذ وقت طويل من خطف الأضواء من مهرجان أفينيون الرسمي Festival dAvignon، وصاروا يهزون العالم بأجمعه بتقليعاتهم المبتكرة في عالم ما بعد المسرح، من دون أن يكون للجهات الرسمية أحياناً علم بوجود هؤلاء الفنانين، أو طرق اشتغالهم وكيفية تمويل مشاريعهم.
ومن ثم، فبإمكاننا أن نتخيل في المستقبل القريب جداً، سوقاً عالمية موحدة للفن المستقل، سينفجر فيها الجميع ضحكاً عند سماعهم: ـ هذا مسرح مركزي/ قومي. مثل هذه السوق المخصصة في طريقها إلينا لا محالة، لأنها جزء لا يتجزأ من سياسة عولمة الاقتصاد العالمي.
(II)
على كل حال، من المهم أن نسجل بأن تتبع بدايات نشوء المسرح المستقل أمر بالغ الصعوبة، اعتباراً لكون الفنان مستقلاً بسليقته: لا نمارس الفن إلا لكي نشق خط الهروب. كما أن لا شيء يلوح في الأفق منذراً بأفول هذه الحركات المتزايدة يوماً بعد يوم في جميع أرجاء العالم. المسرح المستقل ـ إن وجد ـ لا يمكنه سوى أن يكون فن الصيرورة بامتياز. بمعنى، أنه غير معني بتمجيد الماضي حتى ولو كانت أعماله تتحدث عن الماضي. ولاؤه لنفسه لا لغيره، وكل روابط الملكية مفتقدة لديه. إنه مسرح يعيش في الهوامش عند الحدود، وإذا مال نحو المراكز يفقد استقلاليته.
قد يدعي البعض واصفاً مغامرة بيتر بروك Peter Brook في الانفصال عن المسرح الرسمي البريطاني للتصعلك على خشبات باريس الهامشية قبل أن يستقر في البوف دي نور Les bouffes du Nord هو البداية الفعلية لنشوء حركة المسرح المستقل، خصوصاً وأن بروك Brook كان فاعلاً في تأسيس المركز الدولي للمسرح. لكن، بماذا سنصف ما قام به آرطو Artaud قبله!.. وتجارب جاك كوبو Jacques Copeau في مسرح الفيو - كولومبييه Le Vieux Colobier.. ومايرخولد Meyerthold الذي فضل العمل في المسارح الريفية المغمورة على الخضوع لتوجيهات مسرح الفن وقيود الواقعية الاشتراكية. وفي العالم العربي نفسه:
- ألم تعش مسارح القباني وعلي الكسار ونجيب الريحاني اعتماداً على مداخيل الشباك ودونما التفات او استجداء لأي رعاية رسمية؟
نود بذلك الوصول الى أن التوتر الأبدي هو ما سيحدد علاقة المسرح المستقل ببداياته في العالم. لكل فنان مهما اربتط بالمؤسسات أو ابتعد، مسار مستقل وآخر رسمي. وفي أحيان كثيرة قد ينسحب الواحد على حساب الآخر عبر التقاءات، تقاطعات وتجاورات.
لتليين حدة هذا التوتر، نكون ملزمين تعريف دقيق للمسرح المستقل. فالتعريف مهم لحصر البدايات، وسنقول إنه ببساطة شديدة: كل مبادرة يقوم بها فرد أو أفراد يجمعهم مشروع فني مشترك، يعملون على إنجازه بالاستعانة بقدراتهم الذاتية، سواء في إيجاد التمويل أو الإدارة او الابتكار والخلق. كل ذلك من دون أن يهتموا بتوافق عملهم مع سياسة الأطر المرجعية الرسمية السائدة.
هذا التعريف قد نعيد إيجازه وفق الصيغة الآتية: المسرح المستقل مسرح يقوده فرد أو جماعة من الفنانين التي تتلقى عند الأهداف والغايات نفسها: عدم الخضوع لسلطة المؤسسات (الثقافية، الدينية والسياسية الرسمية).
ولكن مع ذلك ألا تظل هذه التعريفات جد ملتبسة؟
نعم، فقد يمكن أن توجد مسارح خاصة ترعاها مؤسسات ثقافية أو تجارية قارية غير حكومية، ولكن العاملين فيها ليسوا مستقلين تماماً عن توجيهات وأهداف هذه المؤسسات التي يراوح سخاؤها بحسب التقيد بأهدافها. وفي المقابل، قد نصادف مسارح رسمية أو مدعمة من لدن الحكومات الرسمية، وأصحابها يتمتعون بكامل استقلاليتهم في الاختيارات الفنية والفكرية لأعمالهم.
لذلك سنكتفي بالقول بأن: المسرح المستقل هو الذي يعمل بإرادة ذاتية لمبدعيه، من دون أن تدفع لهؤلاء أجورهم الشهرية كموظفين رسميين من وزارة المالية لبلدانهم، وهو ما يسمح لهم بعدم الخضوع بالضرورة لسياسات هذه البلدان الثقافية.
من إيجابيات هذا النوع من المسرح، أنه يسهل التنسيق والتواصل بين الفنانين العالميين من دون تعقيدات وإذعانات الديبلوماسية الرسمية. وهذا ما حفّز الكثير من هذه الفرق أخيراً لتأسيس شبكات Réseaux دولية للتعاون وتبادل الخبرات. قيمة المسرح المستقل في أنه قد يسهم الى حد بعيد في تفعيل حلم تحالف الحضارات. لكن الصعوبة تكمن في إمكانية انتعاش واستمرارية مثل هذه التجارب في انعدام وجود مصادر قارة ودائمة للتمويل، مما يجعل من التنسيق بين المسارح المستقلة والجهات الرسمية أمراً محتماً.
(III)
هلَّتْ طلائع الحركات المستقلة في الفنون العالمية مع نهاية الخمسينات، حين اتجهت مجموعة من رجالات الفن والمسرح العالميين الى تكوين مسارح خاصة بهم، مستقلة في التمويل والإدارة وفي تخطيط توجهاتها الفكرية عن الخطط الرسمية للدولة في تسيير شؤون الثقافة. وإن كان ذلك لا ينفي وجود تدخل جزئي للدولة، التي ساعدت أحياناً على تطور وازدهار هذا المسرح، وتلك قد تبدو مفارقة عجيبة، لكنها ليست كذلك إذا تعلق الأمر بمجتمعات عريقة في الديموقراطية.
ففي فرنسا مثلاً، نجد بأن الجمهورية بعد الخمسينات ستتجه نحو إقرار سياسة الدعم واللامركزية، وهي التي كان لها أكبر الفضل في نشوء وتطوير مسرح خاص ومستقل، استطاع أن يتعايش في تجاور تام مع مؤسسات المسرح العمومية. هكذا وبعد عقدين، بدأت تتبلور بشكل جلي معالم أسرتين مسرحيتين متمايزتين في التنظيم، متكاملتين في الأهداف العامة. فهناك أسرة تنضبط لدفتر تحملات الدولة السياسي قبل المالي، وغالباً ما تأتي أعمالها مسلية ومساعدة على الهضم، دونما إيغال في البحث والتجريب ـ وهذا لا ينقص من قدرها البتة ـ لقد استوطنت هذه الأسرة مراكز المدن الفرنسية وخشباتها الكبرى ومسارح من قبيل: الكوميديا الفرنسية La Comédie Française ، والأوديون LOdéon، ومسرح لاكولين La Colline ومسرح شايو Chaillot، والمسارح الإقليمية أبرز الأمثلة.
أما الأسرة الثانية، ففضل اعضاؤها الهروب نحو الضواحي والهوامش رغبة منهم في تحرير خيالهم من القوالب الجاهزة، وأغلبهم من الفرق والمسارح المستقلة عن تخطيط الدولة الفرنسية، التي من أشهر تجاربها: مسرح الشمس Théâtre du Soleil، والبوف دي نور Les bouffes du Nord ، دون أن ننسى أعمال مخرجين رائدين، مثل: كلود ريجي Claude Règy ، وميشيل فينافير Michel Vinaver، وجون لوك لاغارس Jean Luc Lagarce ، وغيرهم من أسسوا لما سمي بالمسرح الجديد بفرنسا الموازي للمسرح الرسمي.
كلتا الأسرتين استفادت من سخاء الدعم العمومي والخصوصي بتفاوت كلتاهما كون جاذبيته الخاصة، وتبلورت فائدته بالنسبة لمحيطه. كل منهما كون مبدعيه كما جمهوره. يندر أن نصادف نفس الفنانين والكتاب كما الجمهور يزاوج بين الأسرتين. جمهور جاك لاسال Jacque Lasalle ليس هو جمهور كلود ريجي Claude Règy ، مثلما هي اختيارات الثاني متمايزة عن اختيارات الأول.
يوجين يونسكو Eugène Ionesco تضايق كثيراً عندما تصدت المسارح الرسمية للإخراج اعماله، لأنه كان يفضل عليها المسارح المستقلة المفعمة بروح التجريب. هذا ما وقع له مع المخرج الكبير جان بيار فانسان Jean Pierre Vincent مدير المسرح القومي بستراسبورج، الذي لم يتوفق في اخراج الخراتيت Rhinoceros ، لا لشيء سوى لأنه مخرج كبير جداً حسب تصريح يونسكو Ionesco نفسه.
لقد ظل هذا البلد ولوقت طويل مثار اعجاب بسبب هذا الوضع الفريد من نوعه، وبسبب قدرة الجمهورية الخامسة على استيعاب الهوامش ورعايتها دون فرض الوصاية عليها. والنتيجة أن الدولة الفرنسية انتهت في الأخير الى تمويل العروض الجيدة والجيدة فقط، دونما اعتبار لنوعيتها: مستقلة أم رسمية. وفي هذا تفوقت على بلدان عديدة.
وحسب جان بيار فانسان Jean Pierre Vincent فقد رصدت وزارة الثقافة الفرنسية سنوياً في أواسط التسعينات من القرن المنصرم ما يقارب 150 مليون يورو، توزع كالآتي:
- 25 % [قرابة 38 مليون يورو] تمنح لفائدة المسارح الرسمية المركزية.
- 50 % [قرابة 75 مليون يورو] تمنح لفائدة المسارح الرسمية الجهوية مثل الفرق الجهوية وفرق الأقاليم وفرق دور الثقافة الموزعة على مختلف وجهات وأقاليم فرنسا.
- 25 % [قرابة 38 مليون يورو] تمنح لفائدة المستقلين الذين يعملون معزل عن سياسة الدولة الفرنسية.
أما في سنة 2008 ، فرصدت نفس الوزارة للعروض الحية ما مقداره: 640 مليون يورو، استفادت منها قرابة:
- 1235 فرقة مسرحية مستقلة
- 40 مركزاً مسرحياً وطنياً وجهوياً
- 15 مركزاً للرقص الحديث (الكوريغرافيا)
- 12 دار أوبرا جهوية
- 22 اوركسترا دائمة
- 70 داراً للثقافة
- 8 مراكز للموسيقى
- 99 قاعة مسرح مستقلة تعمل بتنسيق وبتعاون مع الدولة
- 132 صالة للموسيقى
- 280 مهرجاناً في مختلف فنون العرض الحي: (مسرح، موسيقى، كوريغرافيا، باليه...).
إن هذه المسألة العادلة للمال العمومي، ساهمت الى حد بعيد في صهر التجارب بعضها مع بعض، وتكاثف الجهود المختلفة، مما وسم فرنسا بغنى ثقافي لا مثيل له، بوأها مكانة مرموقة عالمياً، وساهم في تسريع عجلة الديموقراطية والتنمية البشرية، مما جعل من هذا البلد مؤثراً وفاعلاً في تحريك وتطوير الحركة الفكرية والمسرحية العالمية.
(IV)
على خلاف وضعية التوافق هاته، انطرح المسرح المستقل في دول حلف وارسو سابقاً وفي نفس الفترة تقريباً كدليل على التغيير السياسي والاجتماعي، وكبديل جذري للنظم الرسمية التي هيمنت عليها العلاقة الأبوية. المخبتر الذي اسسه جيرزي كروتوفسكي Jerzy Grotowski مثلاً في أوبولي Opole إحدى المدن البعيدة عن العاصمة وارسو Warsaw، جاء استجابة لرغبته في الابتعاد والانزياح عن كماشة المركز. أعماله المبتكرة كانت رد فعل واستجابة لرفضه الدفين لايديولوجيا الكيتش Kitsch، وان اتسم عمله هذا بمرونة وذكاء في علاقته بالأجهزة الرسمية، لأنه كان في حاجة دائمة لها للسماح له بمزاولة عمله.
لكن وعلى عكسه تماماً، اتسمت مقاربة تاديوز كاننور Tadeusz Kantor في العمل المستقل بجرأة زائدة لذلك. أود التوقف عند تجربته كنموذج بارز لميلاد مسرح مستقل حقيقي نادراً ما كان له مثيل في العالم أجمع، مسرح لم يدن بالولاء سوى للضمير الفني. لقد دافع كانتور Kantor عن استقلاليته غير آبه بالنفي والنبذ والتهميش، ودونما استجداء لدعم رسمي لا طائل من ورائه. لقد فتح اعيننا على حقيقة مريرة وهي أنه: عندما تحتفي السلطة التوتاليتارية بفن ما، فهذا طريقة الى الموت. ومن ثم، فلا غرابة اذا اصطلح هو نفسه على تسمية فنه بمسرح الموت.
نزع تاديوز كانتور Tadeusz Kantor نحو الاستقلالية منذ أواسط الاربعينات، رافضاً مبدأ الواقعية الاشتراكية، والاستنساخ الحرفي للمرجعيات الواقعية، ولأنه ولج المسرح من باب الفنون التشكيلية، فقد اقترح اشكالاً بصرية منفلتة ومشاغبة وأد من خلالها مفهومنا التقليدي في صناعة العرض المسرحي فعبر خيار المقاومة الجمالية، سيقدم منجزاً بصرياً مذهلاً لم يعبأ بتصوير قتامة العالم، ولكنه رد على هذه القتامة بكثافات عديمة المعاني الجاهزة.
من هذا المنظور، قدم تباعاً عرضيه المؤسسين: بالادينا 1943، ثم عودة اوليس 1944 ، وكلاهما تم عرضه في شقق منزلية بكراكوف Cracovie، وبحضور ثلة قليلة من الفنانين والأدباء، ظلت الشقق والفضاءات السرية كالسراديب والهناجر الاماكن المفضلة لكانتور Kantor لتقديم اعماله بعيداً عن الرقابة، ومع ذلك/ فهو لم يسلم منها مراراً، حيث سينال حظه الذي لا يحسد عليه من التهميش الفظيع. والعجيب انه ظل يعمل في صمت دون كلل أو ملل، أو بحث عن شهرة زائفة.
في أواسط الستينات، سيحصل على منحة فورد Ford التي ستسمح له بزيارة الولايات المتحدة، وهناك سيتعرف على فن البوب آرت Pop Art والمينيماليزم Minimalisme اللذين لهما الأثر البارز في انجازه اللاحق: موت فصل دراسي La mort dune classe.
لقد تمكن المبدع بعزيمته الذاتية من تحويل مسار المسرح العالمي من المركز نحو الهامش. فهو الذي وارى المسرح الرسمي التراب، وكانت له شجاعة اعلان موته الى الابد. مع كانتور Kantor، مات مسرح الكيتش Kitsch المكمم لإرادة الانسان، وولد في نفس الوقت، الفن المستقل الذي يمكن ان يقدم فرصاً وامكانات أوسع لإقامة علاقات وجماليات اكثر جدة ودينامية.
(V)
من المهم أيضاً ان نسجل أن أداء المسرح المستقل عرف تحولات جذرية منذ نهاية السبعينات الى الآن. بحيث بدأ انتظامه في جماعات مهيكلة ادارياً، وربما بشكل يفوق بعض المصالح الرسمية التي تكبلها عادة قيود البيروقراطية. وبعض هذه الجماعات حصلت على بنايات دائمة تتواصل من خلالها مع جمهور منتظم، بعيداً عن أية وصاية. بل ان هذه الجماعات نفسها ستسعى مع نهاية التسعينات الى التكتل عالمياً بخلق شبكات دولية للتنسيق والتعاون.
كان الأمر يبدأ دائماً كمغامرة يقدم عليها أحد المنبوذين والمرفوضين من لدن مسارح المؤسسات الرسمية، وسرعان ما يجد صاحب المغامرة نفسه وسط ثلة من رفاق جمعه بهم نفس المصير في مواجهة البرك الآسنة. ان تجارب بيتر بروك Peter Brook في البوف دي نور Les Bouffes du Nord، وأريان منوشكين Ariane Mouchkin في مسرح الشمس Theatre du Soleil، وأوجيستو بوال Augusto Boal في مسرح أرينا Arena Theatre، ويوجينيو باربا Eugenio Barba في مسرح أودين Odin Teatret، لتشكل أبرز الامثلة التي تؤكد أن فعل المسرح لا يمكن أن يسمو إلا عن طريق المبادرة المستقلة، التي تنتهي في نهاية المطاف الى خدمة الجميع.
وأود ان اتوقف عند التجربة الرائدة لمسرح أودين Odin Teatret بالدانمارك. فبعد فشله في متابعة دراسته بمعهد الدراسات المسرحية بوارسو Warsaw، سيلتحق باربا Barba بورشة غروتوفسكي، ومنها سيرحل الى الهند للتضلع في فن الكاتاكالي. ودون ان يحصل على شهادة أكايديمية، سيعود الى النرويج، لكن المسارح الرسمية ستلفظه. فقرر آنذاك ان يؤسس جماعته المستقلة التي هاجر بها الى الدانمارك. اعتماداً على عصاميته وارادته، قام بتدريب هذه المجموعة الهامشية بشكل قاس على مناهج جديدة وغير مطروقة في الاداء المسرحي متخذاً من تقاليد الممثل الآسيوي مرجعاً أساسياً لتجربته. يقول بنفسه: »...كنا نعمل من السادسة حتى العاشرة ليلاً. قررنا ان ننذر أنفسنا للمسرح كلياً... كان كل واحد منا يضع مبلغاً زهيداً من جيبه لتنظيم حاجيات العمل والمصروفات اللازمة لنشاط مجموعة مسرحية تعيش سوية. ومن هنا، بدأنا عملنا المسرحي الاول سنة 1965. والتحقت بنا شابة أخذت على عاتقها تنظيم الاتصالات الخارجية مع المجاميع الاخرى...« من كتاب (دوائر المسرح ـ تجربة الاودن) الدكتور قاسم البياتلي ـ ص:13.
مع السبعينات، سيوسع نشاط مسرحه الذي أسماه الاودن وجعل مقره الدائم بهولستبرو Holstebro. هكذا، سيقوم بإنتاج عروض مغايرة في أساليبها، واستضافة أعمال هامشية من العالم، وإصدار مجلة مسرحية ركزت على تجربة غروتوفسكي Grotowski خاصة... كل ذلك متخذاً له كشعار: ليس المسرح من يحدد تاريخ الافراد، ولكن الافراد هم من يحددون توجه المسرح.
كما قام بانتاج العديد من الافلام الوثائقية حول تكتيك الممثل، مع تنظيم ورشات عمل دولية توجت بتأسيسه للمركز الدولي لانتروبولوجيا المسرح.
بعد السبعينات، سيشمل عمل باربا Barba المستقل الانفتاح على كل التجارب المماثلة في العالم. فنظم لقاءات دولية ببلغراد وبرغامو كان الهدف منها تجميع أكبر عدد من الفنانين المستقلين وتأسيس شبكة دولية أسماها بالمسرح الثالث، التي ضمت مسرحيين هامشيين من كل البلدان، عملوا بجد واستقلالية لتطوير امكاناتهم الفنية.
وحتى اليوم، لا يزال مسرح الاودن Odin Teatret يعمل بجد ونشاط، وفي جعبته أكثر من 50 انتاجاً مسرحياً، والعديد من الافلام القيمة والاصدارات المهمة التي قلبت مفاهيم العمل المسرحي في العالم، وأشهرها على الاطلاق: كتاب (نحو مسرح فقير) لجيرزي غروتوفسكي Jerzy Grotowski الذي ترجم الى كل لغات العالم.
(VI)
محاولة مؤقتة لحصر سابق لأوانه
أعتقد أن أية محاولة لحصر نتائج حول نشأة ومفاهيم المسرح المستقل بشكل نهائي، إنما هي سابقة لأوانها، اعتباراً لكون ورقة واحدة لا يمكن أن تتأهل لذلك، ومن جهة أخرى لكون المسرح المستقل لا يزال يتحول ويتغير باستمرار، سواء في اشكاله أو هياكل تنظيمه.
لكننا مع ذلك يمكن ان نركز على مقترحات العمل التالية:
- من الضروري لتبلور حركة مسقلة ايجابية من التنسيق بينها وبين الجهات الرسمية. مشكلة المسرح انه فن ينتهي دائماً الى المؤسسة، ومن ثم الى السلطة. ولكن، بشرط ألا يتم فرض وصاية طرف على آخر، وهذا ما تعلمنا إياه التجربة الفرنسية بامتياز.
- المسرح المستقل هو سمة الحالة الثقافية لوضع ما بعد الحداثة. وفي ظل هذا الوضع، سيجد المسرح الرسمي نفسه يوماً بعد يوم في حرج قاتل، لأنه غير قادر على فقدان الوجه وتحطيم أصنام الذات، في عالم تجتاحه سرعة هائلة نحو التشذر والتدمير الذاتي.
لقد رفض المسرح الملكي البريطاني المساس بقدسية شكسبير Shakespeare، فعمل بذلك على قتله، ولولا مروق المستقلين كبيتر بروك Peter brook، لما كان شكسبير Shakespeare يعيش معنا اليوم بروح العصر.
بماذا سنفسر جمود المسارح الرسمية؟ لا تفسير سوى ان كل ما يصير مركزياً يفقد حاجته الى التغيير. ولكن العالم من حولنا يتغير.
- لا ينبغي للمسرح المستقل أن يضع في أولوياته تدمير المسرح الرسمي ومعاداته، لأن هذا لن يكون في صالح تطور المسرح. كل ضعف سيمس أحدهما بالسلب على الآخر. على المستقلين ان يعيدوا تجسير الهوة دون ان يعني ذلك الانصهار والذوبان في جسد المركز... عليهم أن يتحصنوا بمبدأ التجاور مع المسرح الرسمي لا التجاوز.
- في ظل هيمنة العوالم الافتراضية، تشهد الثقافة المشبعة بالواقع احتضارها وموتها. وسيكون للفنانين المستقلين الاثر الاكبر في تفعيل تقنيات التفاعل الرقمي بتحويل التاريخ الى احداث افتراضية. سيعمل المسرح المستقل على هدم نهائي للفراغ بحيث سيلج الجمهور الشاشة الافتراضية بلا أدنى حواجز. هذا هو مسرح اليوم والغد: ما بعد المسرح. أتوجد امكانية لولوج ما بعد الفن بدون مسرح مستقل؟... لا أعتقد.
- يقول جان بودريار Jean Baudrillard (أن تكون جذرياً معناه أن تضع النتيجة محل السبب)، وهذا بالضبط ما تحتاج الجهات الرسمية الراعية للثقافة والفنون ببلادها التعامل مع ظواهر الفن المستقل. عليها أن تقرأ راديكالية بعض هذه التجارب بإيجابية، وان تتحلى باستراتيجية منظمة لقلب الاشياء، لأن هذا هو الامتياز الذي من الممكن ان تحصله الدول في عالم ما بعد اقتصاد السوق. على المؤسسات الرسمية ان تتخلى عن طرح المؤامرة المنظمة، بإتقان الانسحاب التدريجي نحو الهوامش. إنه تبادل الادوار الذي قد يبدو مستحيلاً، لكن فرنسا تعطينا الدليل على امكانية تحققه.
هي نهاية المسرح الرسمي الموجه من لدن الدولة الى الابد؟
لا ينبغي الافراط في النظر الى المسرح الرسمي والمستقل كقطبين متعارضين، لأن المستقل قد يصير أحياناً أكثر مركزية من المركز ذاته.
([) قدمت هذه الورقة ضمن الندوة الفكرية التي عقدت على هامش مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ما بين العاشر والحادي والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
المستقبل
7 تشرين الثاني 2008
العدد 3129
ثقافة و فنون