كنتُ في كلماتي الخاطئة، في وعودي الكاذبة،
في الصمت، في الليالي موريس بلانشو صباح زوين موريس بلانشو احد اكبر الاسماء التي تركت تأثيرا عميقا في الكتابة الحديثة، ابداعا ونقدا، اذ فتح النص النقدي على آفاق النص الابداعي، جاعلا منهما نصا جديدا في نوعه، حيث يبدع الناقد نصا داخل النص الذي يتناوله.حين يكتب موريس بلانشو نصوصا نقدية، انما يمضي بالاحرى ابعد من النص، والى ما قبله، اي الى الاصل الذي كان والذي سيكون، الى عوالم اورفيوس، الى غبش الكتابة ما بعد تجاوزها. في نصوص بلانشو التشظي والهامش، الموت والمجهول، والمفهومان الاخيران تحررا معه من رواسب المعاني التقليدية بلوغا الى مواجهة العالم في تواصله وعدم تواصله، اي في كتابته وعدم كتابته. النص لديه هو نص الكتابة ومحوها، الكتابة وصمتها، الكتابة ما بعد متنها، اي في هامشها. والهامش يحمل في طياته الموت والتفكيك او التشظي، ينطوي على لب الكتابة بكونها المتن والاساس، وفي تعبير اخر، نص بلانشو هو ما يجتاز ذاته دوما وباستمرار بغية اجتياز فعل الموت نحو الموت المؤجل والمحتم، واجتياز فعل الكتابة نحو النص المؤجل والمحتم.وما هو محتم ليس النص المكتوب، بل فعل التأجيل. فالتأجيل هو ما يتحكم في نص بلانشو، ومن هنا الكتابة لديه دوما كتابة آتية لأنها لم تأت بعد. أليس ذاك ما يتصل لديه مباشرة بعالم اورفيوس، حيث الرغبة الجارفة في الكتابة تصحبها رغبة جارفة في قتلها، في اسكاتها، في القبض عليها؟ انها كتابة العتمة بامتياز، كتابة غبش الرؤية، كتابة الهامش. ففي الهامش تحصل الكتابة الحقيقية، تلك التي ينجزها بلانشو في مكان يمكن تسميته الشرخ، مكان الموت بل ما بعده، او بالاحرى، كما اود كذلك تسميته: مكان اللامكان. نص موريس بلانشو هو الكتابة في غياب الكتابة، هو العمل الذي في طور الانجاز، هو “الكتاب الآتي” (عنوان احد ابرز مؤلفاته). انه فضاؤه الكتابي نسبة الى عنوان كتاب آخر له “الفضاء الادبي”).الم يقل ايضا في كتابه “حكم الاعدام”:“يبدأ الخارق حين اتوقف”؟ كأنه يختزل في هذه العبارة مفهومه للكتابة، وكأنه يؤكد مرة اخرى على ان صخب النص يكمن في صمت كاتبه، وان ولادة الكتاب تحصل لدى موت الكاتب (ليس المقصود موته البيولوجي)، اي عندما يمحو الكاتب ذاته وهو يعمل على محو الاسطر التي يخطها. انه فعل الـ D'soeuvrement الذي يخضع له دuvre موريس بلانشو.يقول في "الكتاب الاتي":"دائما في حال الاتيان او القدوم، دائما مضى وولى، دائما حاضر في بدء، لشدة انحداره، يقطع نفسك، ومع ذلك ينتشر كالعودة والبدء من جديد الابديين".انه كتابة "العتبة" بامتياز، هذا لو استعرنا الكلمة من ميشال فوكو في كتابه عن ريمون روسيل. اذن كتابة العتبة، تلك التي لا تبدأ ولا تنتهي، التي لا تأتي لأنها الآتية دائما، اي لأنها المؤجلة باستمرار. كتابة العتبة لدى بلانشو اراها ايضا كتابة العتمة، تلك التي تنزل منحدرة الى الهوة، انما دوما لانها مؤجلة. انها هوة الكتابة بلا قاع، بلا قعر.فضاء موريس بلانشو الكتابي هو فضاء الغربة او الغروب عن وضع المتون. هو فضاء الرغبة القاتلة. وفي اي حال، لا يقوم بكتابة التشظي والكتابة المضادة لفعلها سوى غبش الانحدار، ولا ينحدر الى قاع الظلمة سوى من قتلته الرغبة العارمة في الموت من الكتابة ولها. في هذا المعنى، يقول بلانشو في "حكم الاعدام": "لم أكن الرسول التعيس لفكرة اقوى مني، ولا دميتها، ولا ضحيتها، فان انتصرت علي هذه الفكرة لم تنتصر سوى من خلالي، وكانت دوما في النهاية على قياسي، أحببتها ولم أحب سواها، وكل ما حصل أردته، ولأني لم أكن أعشق سواها حيثما كانت وحيثما كنت، في الغياب، في التعاسة، في حتمية الاشياء الميتة، في الحاجة الى الاشياء الحية (...)، في كلماتي الخاطئة، في وعودي الكاذبة، في الصمت وفي الليل، أعطيتها كل قواي واعطتني كل قواها (...)". هكذا يتعامل بلانشو مع نصه، مع كتابته التي تميته ويميتها، تهلكه ويهلكها، في عملية أقرب الى المأساة، الى مأساة اللقاء بأورفيوس الذي لا مفر منه، ذاك السحر القاتل لأنه الخاطئ، والخطأ سببه الانحدار السريع نحو القعر بحثا عما هو أصلا في اعالي المطلق. يكتب بلانشو في صراع الكتابة، والصراع مساحته الاساسية، الصراع الذي ينجزه الكاتب بين متن الهامش وهامش المتن. ينجز بلانشو الصراع، لا الكتابة. ينجز الفضاء الكتابي، لا النص النهائي. انه الموت الذي يكابده بلانشو اثناء الكتابة، الحفر في عمق الكلمة، ضد الكلمة، من اجل الكلمة.يقول في كتابه "الفضاء الادبي": "انه موت غريب يجعلنا نموت في ضيق الغرابة (...) علي ان أفعل شيئا كي أصنعه (الموت)، علي ان أفعل كل شيء، يجب ان يكون (موتي) عملي (الأدبي)، لكن هذا العمل أبعد مني، انه جزئي الذي لا أنيره، الذي لا أبلغه والذي لا أسيطر عليه". الكتابة لدى بلانشو هي ما يفلت من الفعل الكتابي وما يختفي عن ناظري صاحبه، لأنه في قلب هذه العملية، في جوفها الاكثر حميمية، لأنه الملتصق بها، هو نبضها وهي نبضه، هي ما يدفعه الى الوجود فيها لا في انعكاسها، ومن كان في جوف الكتابة مات منها لأنها موت الاكذوبة واحياؤها معا.انها عالم الكاتب الاكثر حميمية لانها تقوده الى الذات الحقيقية داخل أكذوبة الكتابة او الى الكتابة الحقيقية عبر الذات الوهمية. كتابة بلانشو قادته الى تلك الذات التي تموت في اتجاه الكتابة، ذاته التي تموت لتحيا الكتابة انما لتهلك الكتابة كذلك. هي التي تموت خلال فعل التدوين على متن الورقة لتعيش في هامشها (الورقة). هنا، في الهامش، انما يصنع بلانشو نصه، هنا حيث هذا النص يعيد موته او يلقى حتفه ويقدم على نهايته. في العامش يموت بلانشو، في هذا المكان الخارق للورقة، حيث النص وصورته، حيث مأساة انعكاس الذات في مرآة الاسطر، اما الكتابة فهي الصورة وانعكاسها، هي المساحة الظاهرة والمساحة الباطنة. نص بلانشو هو موت صاحبه الحتمي والمؤجل اذن، وكما أسلفنا، لأن كتابه، بحسب تغييره، هي ما لا يبلغه وما لا يسيطر عليه. كتابته في مطرح المفارقة الصعبة بسبب نص منجز ظاهرياً ومؤجل. بل أرى نصه، بالاحرى فكر نصه، يموت من موت بلانشو الذي صنع من هذا الموت عمله الادبي لتدخل كتابته لا نهائية الفعل، اي الموت الأبدي، الصيرورة الدائمة، تلك الصيرورة لا تحصل الا في ليل الموت، في غبش الرغبة، في حميمية الالتصاق بمعنى الكتابة ومعنى فعلها وخطأها. والخطأ يكمن في تشظي النص، ثم في انحداره الى عالم أورفيوس، ثم أخيراً، وبالتالي، في تيهه داخل مرآة الوهم والحقيقة، مساحة ديريدا هذه الذي أشار الى المسافة الفاصلة بين الكتابة الأولى المطلقة وكتابة الخطأ في كتابه "الفرق والكتابة"، وهو في هذا المعنى يقترب من بلانشو، ويمكن تقريب كليهما من عبارة الفيلسوف الألماني غادامر "انصهار الآفاق": فبلانشو في عملية انصهار بين ذاته وذات الكتابة، بين وهمها وواقعها، بين موته وحياتها، بين فعل التدوين وفعل التأجيل أي فعل الكتابة المحصنة، الخ. من هنا التيه في الهامش الكتابي، وهو التيه المطلق، التيه الذي عشقه وكتبه ادمون جابيس في كتابه "الشك الصحراء". في هذا النطاق، كتابة بلانشو هي بالتالي كتابة الموت في صمت العتمة وصخب الصمت، اي كتابة العجز لانها تحاول ان تقول ما لا يقال.كتابة التفتيت اي الغياب. من هنا انبثقت كتابة بلانشو المؤجلة، ومن هنا "الكتاب الآتي" او الكتاب في طور الكتابة كما أحب ان اسمّيه. يقول في هذا الكتاب: "التجربة الأدبية هي امتحان التفتيت في حدّ ذاته، انها التقرب مما يفلت من الاتحاد، تجربة اللاتفاهم، اللااتفاق، انها الخطأ وما في الخارج، انها المتعذر القبض عليه واللامنتظم". في تعبير آخر، يريد بلانشو ان يقول ان النص هو في انتظار النص، اي الكتابة هي انتظار الكتابة. لكن في الاثناء، يعيش النص وصاحبه حال التشظي والتفتيت. انها حال التشتيت التي يضعنا فيها موريس بلانشو لانه هو يمارس تجربته في خطأ المكان وخطأ الكتاب، ذلك الكتاب القادم ابداً والغائب دائماً، والذي يهرب باستمرار من قبضة الكاتب.ألم يقل في كلامه عن رولان بارت: "ان نكتب من دون كتابة، ان نأتي بالأدب الى نقطة الغياب تلك، حيث تتوارى حيث لا نعود نخاف اسرارها التي هي أكاذيب، هنا تكمن "درجة الصفر للكتابة"، الحياد الذي يبحث عنه عمداً كل كاتب أو عن غير قصد، والذي يقود البعض الى الصمت".كتبت غير مرّة عن موريس بلانشو، كتبت صمته وصخبه وموته، لكني اليوم، وقد مات بيولوجياً، أراني اكتب عن الموت في الكتابة.كأن هذا الناقد والمفكر مات ميتات عديدة طوال سيرته الأدبية، مات من اجل قتل ما لم يستطع سوى الموت فيه. مات بلانشو مراراً في متن الهامش الكتابي، أي القلب المحض للكتابة، مات من الكتابة ومن انتظارها طوال حياته الكتابية، أما اليوم فقد مات من اثم عدم الانجاز، من خطأ التيه.ونحن في "فضائه الأدبي" في انتظار "كتابه الآتي"، هذا الذي أتى ولم يأتِ، فمات بلانشو لانه لم يستطع ان يأتي به، وطال الانتظار، فاختار الصمت الأبدي، في الدرجة الصفر للأبدية. جريدة النهار الخميس 27 شباط - 2003
في الصمت، في الليالي
موريس بلانشو
صباح زوين
موريس بلانشو احد اكبر الاسماء التي تركت تأثيرا عميقا في الكتابة الحديثة، ابداعا ونقدا، اذ فتح النص النقدي على آفاق النص الابداعي، جاعلا منهما نصا جديدا في نوعه، حيث يبدع الناقد نصا داخل النص الذي يتناوله.حين يكتب موريس بلانشو نصوصا نقدية، انما يمضي بالاحرى ابعد من النص، والى ما قبله، اي الى الاصل الذي كان والذي سيكون، الى عوالم اورفيوس، الى غبش الكتابة ما بعد تجاوزها. في نصوص بلانشو التشظي والهامش، الموت والمجهول، والمفهومان الاخيران تحررا معه من رواسب المعاني التقليدية بلوغا الى مواجهة العالم في تواصله وعدم تواصله، اي في كتابته وعدم كتابته. النص لديه هو نص الكتابة ومحوها، الكتابة وصمتها، الكتابة ما بعد متنها، اي في هامشها. والهامش يحمل في طياته الموت والتفكيك او التشظي، ينطوي على لب الكتابة بكونها المتن والاساس، وفي تعبير اخر، نص بلانشو هو ما يجتاز ذاته دوما وباستمرار بغية اجتياز فعل الموت نحو الموت المؤجل والمحتم، واجتياز فعل الكتابة نحو النص المؤجل والمحتم.وما هو محتم ليس النص المكتوب، بل فعل التأجيل. فالتأجيل هو ما يتحكم في نص بلانشو، ومن هنا الكتابة لديه دوما كتابة آتية لأنها لم تأت بعد. أليس ذاك ما يتصل لديه مباشرة بعالم اورفيوس، حيث الرغبة الجارفة في الكتابة تصحبها رغبة جارفة في قتلها، في اسكاتها، في القبض عليها؟ انها كتابة العتمة بامتياز، كتابة غبش الرؤية، كتابة الهامش. ففي الهامش تحصل الكتابة الحقيقية، تلك التي ينجزها بلانشو في مكان يمكن تسميته الشرخ، مكان الموت بل ما بعده، او بالاحرى، كما اود كذلك تسميته: مكان اللامكان. نص موريس بلانشو هو الكتابة في غياب الكتابة، هو العمل الذي في طور الانجاز، هو “الكتاب الآتي” (عنوان احد ابرز مؤلفاته). انه فضاؤه الكتابي نسبة الى عنوان كتاب آخر له “الفضاء الادبي”).الم يقل ايضا في كتابه “حكم الاعدام”:“يبدأ الخارق حين اتوقف”؟ كأنه يختزل في هذه العبارة مفهومه للكتابة، وكأنه يؤكد مرة اخرى على ان صخب النص يكمن في صمت كاتبه، وان ولادة الكتاب تحصل لدى موت الكاتب (ليس المقصود موته البيولوجي)، اي عندما يمحو الكاتب ذاته وهو يعمل على محو الاسطر التي يخطها. انه فعل الـ D'soeuvrement الذي يخضع له دuvre موريس بلانشو.يقول في "الكتاب الاتي":"دائما في حال الاتيان او القدوم، دائما مضى وولى، دائما حاضر في بدء، لشدة انحداره، يقطع نفسك، ومع ذلك ينتشر كالعودة والبدء من جديد الابديين".انه كتابة "العتبة" بامتياز، هذا لو استعرنا الكلمة من ميشال فوكو في كتابه عن ريمون روسيل. اذن كتابة العتبة، تلك التي لا تبدأ ولا تنتهي، التي لا تأتي لأنها الآتية دائما، اي لأنها المؤجلة باستمرار. كتابة العتبة لدى بلانشو اراها ايضا كتابة العتمة، تلك التي تنزل منحدرة الى الهوة، انما دوما لانها مؤجلة. انها هوة الكتابة بلا قاع، بلا قعر.فضاء موريس بلانشو الكتابي هو فضاء الغربة او الغروب عن وضع المتون. هو فضاء الرغبة القاتلة. وفي اي حال، لا يقوم بكتابة التشظي والكتابة المضادة لفعلها سوى غبش الانحدار، ولا ينحدر الى قاع الظلمة سوى من قتلته الرغبة العارمة في الموت من الكتابة ولها. في هذا المعنى، يقول بلانشو في "حكم الاعدام": "لم أكن الرسول التعيس لفكرة اقوى مني، ولا دميتها، ولا ضحيتها، فان انتصرت علي هذه الفكرة لم تنتصر سوى من خلالي، وكانت دوما في النهاية على قياسي، أحببتها ولم أحب سواها، وكل ما حصل أردته، ولأني لم أكن أعشق سواها حيثما كانت وحيثما كنت، في الغياب، في التعاسة، في حتمية الاشياء الميتة، في الحاجة الى الاشياء الحية (...)، في كلماتي الخاطئة، في وعودي الكاذبة، في الصمت وفي الليل، أعطيتها كل قواي واعطتني كل قواها (...)". هكذا يتعامل بلانشو مع نصه، مع كتابته التي تميته ويميتها، تهلكه ويهلكها، في عملية أقرب الى المأساة، الى مأساة اللقاء بأورفيوس الذي لا مفر منه، ذاك السحر القاتل لأنه الخاطئ، والخطأ سببه الانحدار السريع نحو القعر بحثا عما هو أصلا في اعالي المطلق. يكتب بلانشو في صراع الكتابة، والصراع مساحته الاساسية، الصراع الذي ينجزه الكاتب بين متن الهامش وهامش المتن. ينجز بلانشو الصراع، لا الكتابة. ينجز الفضاء الكتابي، لا النص النهائي. انه الموت الذي يكابده بلانشو اثناء الكتابة، الحفر في عمق الكلمة، ضد الكلمة، من اجل الكلمة.يقول في كتابه "الفضاء الادبي": "انه موت غريب يجعلنا نموت في ضيق الغرابة (...) علي ان أفعل شيئا كي أصنعه (الموت)، علي ان أفعل كل شيء، يجب ان يكون (موتي) عملي (الأدبي)، لكن هذا العمل أبعد مني، انه جزئي الذي لا أنيره، الذي لا أبلغه والذي لا أسيطر عليه". الكتابة لدى بلانشو هي ما يفلت من الفعل الكتابي وما يختفي عن ناظري صاحبه، لأنه في قلب هذه العملية، في جوفها الاكثر حميمية، لأنه الملتصق بها، هو نبضها وهي نبضه، هي ما يدفعه الى الوجود فيها لا في انعكاسها، ومن كان في جوف الكتابة مات منها لأنها موت الاكذوبة واحياؤها معا.انها عالم الكاتب الاكثر حميمية لانها تقوده الى الذات الحقيقية داخل أكذوبة الكتابة او الى الكتابة الحقيقية عبر الذات الوهمية. كتابة بلانشو قادته الى تلك الذات التي تموت في اتجاه الكتابة، ذاته التي تموت لتحيا الكتابة انما لتهلك الكتابة كذلك. هي التي تموت خلال فعل التدوين على متن الورقة لتعيش في هامشها (الورقة). هنا، في الهامش، انما يصنع بلانشو نصه، هنا حيث هذا النص يعيد موته او يلقى حتفه ويقدم على نهايته. في العامش يموت بلانشو، في هذا المكان الخارق للورقة، حيث النص وصورته، حيث مأساة انعكاس الذات في مرآة الاسطر، اما الكتابة فهي الصورة وانعكاسها، هي المساحة الظاهرة والمساحة الباطنة. نص بلانشو هو موت صاحبه الحتمي والمؤجل اذن، وكما أسلفنا، لأن كتابه، بحسب تغييره، هي ما لا يبلغه وما لا يسيطر عليه. كتابته في مطرح المفارقة الصعبة بسبب نص منجز ظاهرياً ومؤجل. بل أرى نصه، بالاحرى فكر نصه، يموت من موت بلانشو الذي صنع من هذا الموت عمله الادبي لتدخل كتابته لا نهائية الفعل، اي الموت الأبدي، الصيرورة الدائمة، تلك الصيرورة لا تحصل الا في ليل الموت، في غبش الرغبة، في حميمية الالتصاق بمعنى الكتابة ومعنى فعلها وخطأها. والخطأ يكمن في تشظي النص، ثم في انحداره الى عالم أورفيوس، ثم أخيراً، وبالتالي، في تيهه داخل مرآة الوهم والحقيقة، مساحة ديريدا هذه الذي أشار الى المسافة الفاصلة بين الكتابة الأولى المطلقة وكتابة الخطأ في كتابه "الفرق والكتابة"، وهو في هذا المعنى يقترب من بلانشو، ويمكن تقريب كليهما من عبارة الفيلسوف الألماني غادامر "انصهار الآفاق": فبلانشو في عملية انصهار بين ذاته وذات الكتابة، بين وهمها وواقعها، بين موته وحياتها، بين فعل التدوين وفعل التأجيل أي فعل الكتابة المحصنة، الخ. من هنا التيه في الهامش الكتابي، وهو التيه المطلق، التيه الذي عشقه وكتبه ادمون جابيس في كتابه "الشك الصحراء". في هذا النطاق، كتابة بلانشو هي بالتالي كتابة الموت في صمت العتمة وصخب الصمت، اي كتابة العجز لانها تحاول ان تقول ما لا يقال.كتابة التفتيت اي الغياب. من هنا انبثقت كتابة بلانشو المؤجلة، ومن هنا "الكتاب الآتي" او الكتاب في طور الكتابة كما أحب ان اسمّيه. يقول في هذا الكتاب: "التجربة الأدبية هي امتحان التفتيت في حدّ ذاته، انها التقرب مما يفلت من الاتحاد، تجربة اللاتفاهم، اللااتفاق، انها الخطأ وما في الخارج، انها المتعذر القبض عليه واللامنتظم". في تعبير آخر، يريد بلانشو ان يقول ان النص هو في انتظار النص، اي الكتابة هي انتظار الكتابة. لكن في الاثناء، يعيش النص وصاحبه حال التشظي والتفتيت. انها حال التشتيت التي يضعنا فيها موريس بلانشو لانه هو يمارس تجربته في خطأ المكان وخطأ الكتاب، ذلك الكتاب القادم ابداً والغائب دائماً، والذي يهرب باستمرار من قبضة الكاتب.ألم يقل في كلامه عن رولان بارت: "ان نكتب من دون كتابة، ان نأتي بالأدب الى نقطة الغياب تلك، حيث تتوارى حيث لا نعود نخاف اسرارها التي هي أكاذيب، هنا تكمن "درجة الصفر للكتابة"، الحياد الذي يبحث عنه عمداً كل كاتب أو عن غير قصد، والذي يقود البعض الى الصمت".كتبت غير مرّة عن موريس بلانشو، كتبت صمته وصخبه وموته، لكني اليوم، وقد مات بيولوجياً، أراني اكتب عن الموت في الكتابة.كأن هذا الناقد والمفكر مات ميتات عديدة طوال سيرته الأدبية، مات من اجل قتل ما لم يستطع سوى الموت فيه. مات بلانشو مراراً في متن الهامش الكتابي، أي القلب المحض للكتابة، مات من الكتابة ومن انتظارها طوال حياته الكتابية، أما اليوم فقد مات من اثم عدم الانجاز، من خطأ التيه.ونحن في "فضائه الأدبي" في انتظار "كتابه الآتي"، هذا الذي أتى ولم يأتِ، فمات بلانشو لانه لم يستطع ان يأتي به، وطال الانتظار، فاختار الصمت الأبدي، في الدرجة الصفر للأبدية.
جريدة النهار الخميس 27 شباط - 2003