بطريقة أو بأخرى يمكننا الحديث اليوم عن زمن ما بعد الفن. لا لأن الفن لم يعد ضروريا. بل لأنه صار مخفيا أكثر مما يجب. ربما الحاجة إليه صارت تتخذ أشكالا لم يعد في الإمكان حصرها. تماما كما الشعر، حين يتخطى عقدة لغته المباشرة (الكلمات)، ليكون وسيطا روحيا بين الإنسان والطبيعة، عبر خاصية غير حسية، تلخصها وقائع الجمال من غير أن تقوى على تعريفها.
عاد الفن اليوم إلى عالم غيابه.
نرى الأشياء من حولنا فلا نستطيع أن نميز بين ما هو فني وبين ما هو غير فني منها. هذه الحيرة يمكنها أن تنجلي حين ندخل إلى متحف أو إلى قاعة عرض فني. هناك نكون محميين من عقدة ذلك السؤال. غير أن العالم المخفي كما اسمته الفنانة البريطانية سوزان كوليز (عنوان معرضها عام 2010) سيكون في انتظارنا هناك أيضا. لن تتخلى الأشياء عن حالتها المباشرة الأولى لتكون صنيعا فنيا، إلا من خلال أقاويل وحكايات وأحاديث وكتابات غامضة.
هل صار الفنانون حكائيين، تهب حكاياتهم أعمالهم الشحنة التي تحتاجها من أجل أن تكون موجودة، باعتبارها أعمالا فنية؟ صار الفن إذاً يقيم في الحكاية. بدلا من أن نرى صار علينا أن نسمع. وهو ما تطلب اعادة صياغة الذائقة (الجمالية). وإذ يقع الجمال بين قوسين فإن مفهومه صار ملتبسا. صرنا لا نعثر عليه إلا في ما ندر. لم يعد مطلوبا أن يكون العمل الفني جميلا. سيبدو الجمال نوعا من الخيانة في عالم سادر في قبحه، من جهة قدرته على الاستقواء بالشر الكامن في اعماقه.
كان الفن قد زيف الحقيقة طوال عصور من الجهد الخلاق.
كذب الفن حين سعى الى اظهار العالم جميلا. كانت المزحة المعادية قد حلقت بجناحيها حين صُدم الشعراء بالقمر عام 1969، باعتباره سطحا قاحلا، لا تنبت فيه سوى الصخور. ذهبت القصائد الغرامية إلى الكذب المفضوح. لم ينتبهوا إلى أن هنالك ثنية ستظل غير مأهولة تقع ما بين خيالهم السارح في هذيانه وبين الاكتشاف المادي الذي يظل هو الآخر عاكفا على فكرته التجريدية.
(واقعيا) فان قدمي ارمسترونغ كانتا قد مستا سطح القمر. ولكن عن أي واقع نتحدث؟ تلك الواقعة لم تكن لتقع إلا خارج المجال الجوي للأرض. هي إذاُ وقعت خارج فضاء الشعر، الذي هو اختراع أرضي. لو وجدت كائنات في كوكب المشتري أو الزهرة، هل كانت تشعر بالحاجة إلى الشعر، مثلما يحدث لنا؟
ربما تكون تلك الكائنات قد تجاوزت زمن الشعر، أو أنها لم تصل بعد إليه. مَن يدري. أعتقد ان الفنون المعاصرة تسعى الى البرهنة على صدق احتمال، هو في حقيقته نوع من ارتجال البطولة التي تقوى على تأصيل الكذبة: الفن موجود في ما لا يقع منه. وبذلك يتمكن الفنانون الجدد من القول: 'يمكننا أن نكون فنانين من غير أن نكون ورثة لعبء الرسالة القديمة'
الآباء والمعلمون لن يكونوا ضروريين في حالة من هذا النوع.
ولكنني من جهتي الاحظ ان هذا التمرد صار يأخذ هيأة أصولية متشددة. كانت الدادائية بدءا من العام 1912 قد دعت إلى احراق المتاحف، الى اهمال الروائع، الى الكف عن النظر إلى الفن باعتباره حدثا نادرا وفريدا من نوعه. البشرية احتضنت في ما بعد النتاج الفني الدادائي باعتباره وديعة تاريخية. وهو الان كذلك فعلا. كانت رسالة الشباب الذين اجتمعوا غاضبين في حانة فولتير بزيورخ واضحة في تماهيها مع خيبة عالم كان ينتظر مجروحا نشوب حرب ستمزقه وستتركه أكثر فقرا.
كان الخيال يومها ينظر إلى مستقبل العالم بعينين دامعتين.
في الفن المعاصر لا نرى للخيال سوى عينين من زجاج.
وكما أرى فان الفرق بين الحالتين يكمن في أن أنسانيتنا صارت اليوم أقل. عاطفتنا صارت أكثر شحوبا، نحن نقف من الجمال موقفا منافقا. تقبل المتاحف اليوم على اقتناء أعمال الفن المعاصر بأغلى الأثمان. صار الفنانون المعاصرون أثرياء: جيف كونز، كيكي سمث، تريسي أمين، دايمان هرست، اي وي وي، أنش كابور، ارنست نيتو والقائمة تطول.
كان الدادائيون الاوائل يسعون إلى الوقوف خارج التاريخ. كانوا أبرياء من كل ما يمكن أن يصيب الفن بعدوى الحياة المباشرة. اما الفنانون المعاصرون، فهم على استعداد للتضحية بالفن من أجل أن يكونوا موجودين في التاريخ. درس هو من أقسى الدروس نتلقاه كل يوم مثل صفعة ونحن ننصت إلى حكايات ملفقة وحقيقية على حد سواء عن الألم والاضطهاد والعدم والضجر والغثيان والندم واليأس والعزلة والتمزق الذاتي والغربة. وحين نشعر بضرورة أن نرى، يكون الوقت قد فات.
الأبخرة المتصاعدة بكثافة تمنعنا من التلذذ بنكهة الطعام، بل وحتى من رؤيته.
العلاقة بالفن المعاصر، وهو ما أسميه بمرحلة ما بعد الفن، هو أشبه بعلاقة المريد بشيخه في الطرق الصوفية. في البوذية هناك علاقة من هذا النوع. خدر هائل يتحرك بين مختلف الجهات وصوت وحيد يصل. ننعم برؤية ما لا وجود له في الواقع. نسكت جوعنا من أجل أن تتسلل الابخرة إلى حناجرنا. نسمع بدلا من أن نرى.
عام 1982 قرأ الفنان الالماني يوزف بويز محاضرته على أرنب ميت، كان يحتضنه.
كانت رسالة بويز واضحة: العالم يحتضر.
في ذلك الوقت كانت الملايين من البشر تُقتل في مختلف انحاء العالم: في العراق وايران وكمبوديا والكونغو وجنوب السودان وايرلندا والسلفادور وتشيلي وكوريا. وكان الجياع الحفاة يرسمون بأقدامهم الممزقة حدودا لخرائط سيراها الجغرافيون بعد عشرات السنين بألم عسير على الفهم.
'هل كنا هناك حقا؟'
لقد انتقلنا إلى مرحلة ما بعد الفن، لان الفن يكذب. تخطينا الجمال لانه يزيف حقيقة ما يجري. وماذا بعد؟ لم تعد الطبيعة إلا ديكورا جامدا. صارت عواطفنا تخلع أحذيتها عند أبواب القاعات. لن نبكي لأننا أودعنا عيوننا في أقرب ماكنة لإيداع وصرف الأموال. عميان نحضر لننصت إلى الصوت الذي سيتلو علينا شيئا من سيرة عصر عشناه من غير أن نشتبك بمعجزاته كما هو مطلوب.
في مرحلة ما بعد الفن سيكون المتلقي اداة، مجرد وسيلة للابلاغ.
ندخل إلى المتحف، إلى قاعة العرض مثلما يفعل الفأر حين يدخل إلى المصيدة. نغمض عيوننا لكي نتخيل أننا لم نكن فئرانا. ستختار (ليلى) ذات القبعة الحمراء طريقا آخر، من أجل أن تخدع الذئب الذي سيكون نائما في فراش جدتها. الحكاية تدور بين دروب الغابة من غير أن تخطىء الطريق إلى نهايتها الحتمية.
لقد فشلت الشيوعية حين تفكك الاتحاد السوفييتي. فصار مرتزقو اليسار التقليدي يبحثون عن ملاذ آمن. تضحك الرأسمالية. يضحك الذئب. تضحك البنوك وصندوق النقد الدولي. يمهد ليبراليو اليسار القديم لفكرة الخيانة الشاملة، تشفيا بفكرة تروتسكي عن الثورة الدائمة، عن طريق خطط جديدة لاستعمال الفن في تلقين التمرد درسا صعبا في التخفي. ولا غرابة في أن يتخذ يساريو البلدان القديمة من الفلكلور محجة لهم. سيكون علينا أن نقبل بشيوعيين فلكلوريين. في الفن كما في السياسة. وكما أرى فان اليسار القديم كان قد قدم العون العقائدي العظيم لجمهرة دعاة ما بعد الفن ،لا لشيء إلا لأنه كان يرغب في التغطية على فشله واجهاض كل محاولة للنظر إلى خيانته لتاريخ مدوناته الأدبية.
عالم ما بعد الفن يتخطى الإنسان إلى الهاوية.
القدس العربي
2011-11-25