لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

في ذكري البحر ولذِكره

عبدالله حبيب
(عمان)

في ذكري البحر ولذِكره (1)

سيظل ارنست همنغواي دوماً ظاهرة روائية وإنسانية فريدة وملغزة. وهو في خالدته "العجوز والبحر" يبني عالماً كاملاً بكل أركانه الوجوديَّة العملاقة، وبكل عبثيَّته، دفاعاً عن سمكة.
إن من يقرأ الرواية جيداً سيكتشف ان جوهرها هو الدفاع عن سمكة، وليس الوصول إلي الشاطيء بسمكة، أو ليس ذلك فحسب هذا هو رأيي الشخصي علي الأقل.
لقد قيل وسيظل يُقال الكثير عن أسباب انتحار همنغواي المفاجيء للجميع، والمرء مقتنع تماماً ببعضها. لكني أظن أحياناً ان همينغواي انتحر لأنه ببساطة شديدة لم يكن سمكة، وأود أن أغامر الآن بقول ذلك بكل فظاظة.

(2)

"وْدَامْ السمك". لماذا اختفت وجبة "وْدَامْ السمك" الشعبيَّة أو كادت، هنا في عُمان؟. يمكن أن يمتد الأمر أيضاً إلي "وْدَامْ التُّونة" في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وإن كان اختفاء هذا مسوغاً أكثر. لم يكن من وضعوا التُّونة في اليابان أو أوروبا أو أمريكا أو كندا في "القواطي" (العلب) يدركون انها ستكون، ببعض التَّصاريف العبقريَّة والسِّحريَّة علي أيدي جدَّاتنا وأمهاتنا، وجبة لذيذة مطبوخة من جديد إلي ذلك الحد الذي يسيل اللعاب في مكان بعيد من/عن العالم.
محاججتي هي ان وجبة "وْدَامْ السمك" ليست هي وجبة "قَبُولِي السمك" علي الرغم من ان الرز أصفر والسمك لذيذ في الحالتين. "وْدَامْ السمك": اعتراف بالشَّظف وقهرٌ له. "قَبُوْلِي السمك": تظاهرٌ بالوفرة وعجز عن المقاومة. أما وجبة "برياني السمك" فهي تأكيد صارخ للهزيمة بالتأكيد.

(3)

طحالبك وقواقعك ونجماتك والزَّغب البحري الناعم النامي عند التقاء أسفل ظهرك بأعلي الردفين، وفي أعلي النحر. أنت البحر. دعيني أَشُمُّك لموجة أخري.

(4)

يقول صديقي الشاعر المتبحِّر في العربية صالح العامري انه إنما سمي "القاشع" (أسماك الأُنشوفة المجَفَّفة) قاشعاً لأنه ما يأكل القوم يوم تنقشع بهم السُّبل. وسمي "العُوَالُ" (سمك القرش المجفَّف) عوالاً لأنه ما يُعَوَّلُ عليه حين يَشِحُّ الطعام (ويذهب محمد الحارثي هذا المذهب أيضاً)، فأنت في الزمن الغابر ذاك لا تأكل "قاشعاً" أو "عوالاً" حين يتوفر لديك طعام طازج. صَدَقَ صالح العامري ومحمد الحارثي وصَحَّ لساناهما ولا فُض فُوُهاهما.

(5)

يستطيع المرء أن يفهم، أو يتفهم، تحريم أكل لحم الخنزير في الديانتين اليهودية والإسلامية، من باب ان الخنزير في ظروف معينة، يقتات علي برازه. أما المسيحية فلم تشاطرهما الرأي إلا بصورة جزئية ورمزية مؤخراً فقط عبر المسيحية الشرقيَّة، فقد أطلق البابا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة الأرثودكسية المصريَّة نصيحة حول "أضرار" أكل لحم الخنزير والاستياء من الوقت الطويل الذي يتطلبه في الطهي في ما فهمه بعضهم انه "محاولة دبلوماسية" لرأب الصدع بين المسلمين والمسيحيين ضمن أوضاع النسيج الاجتماعي المصري الحَرِج والمتفاقم حالياً.

لكن هذا شيء، والعلاقة العدائيَّة ذات الطابع "التَّطهري" و"الطُّهري" بين بعض أصناف السمك وبين أطياف إثنيَّة ومذهبيَّة معيَّنة شيء آخر؛ إذ ان الإسلام، نصيَّاً، لم يستثنِ شيئاً من "طعام البحر" ("أحَلَّ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيَّارة")، وإن كان هناك جدل مذهبيٌّ حول تحليل أو تحريم "الطافي" من السمك، وهناك جدل حول "ما تعافه النفس" من أطعمة البحر، إلخ، بينما اليهودية لديها تحفظات كبيرة تصل في بعض مذاهبها الي تحريم أكل الربيان ولحم القواقع والأصداف وكل ما يقتات من قاع البحر، إذ ان المنحي "الطُّهراني" في اليهوديَّة متطرف جداً.

لا أطرح هذه النقطة استنكاراً، بل رغبة في إجابة أو إجابات، لأنني أجهل الأمر. نحن بحاجة إلي سايكولوجيا، وأنثروبولوجيا، وسوسيولوجيا، و"سمكلوجيا" لفهم ذلك. أقصد أن علينا أن نتعلم من السمك (وهذا من غير "الطافي" احترازاً)، خاصة حين يكفُّ البشر عن تقديم إجابات مقنعة، وحيث أن بعض أنواع تلك الأسماك "المُسْتَطْيَرِ منها" تُعَدُّ من أوفر مصادر الكالسيوم والماغنيزيوم.

(6)

سألتْه علي "الماسينجر" عن أحواله وعمَّا إذا كان مشتاقاً لبلاده. ردَّ عليها بأنه في تلك اللحظة مستعد للتخلي عن كافة النظريات والكتب والسنوات التي قضاها في تلك البلاد البعيدة مقابل عشر حبَّات من "العومة" الظفاريَّة السَّمينة الطازجة يشويها ويأكلها علي الريق عند الضحي المتأخر علي الشاطيء مباشرة.

(7)

رائحتنا هذا الصباح تشبه رائحة السمك المستلقي علي الشاطيء منذ البارحة، ومنذ أول قبلة. لقد أسرفنا في الأمر البارحة، فكانت هذه "الهسوسة" الفظيعة في الغرفة.
لنذهب إلي البحر، إذاً، ونعود منه ببعض الأسماك كي تكون ليلتنا الجديدة "خايسة" أيضاً.

(8)

فرغت الأسرة من التمتع بإحدي نِعَمِ الحياة الكبري: أسماك "غَلْيَة" مشويَّة مع عيش (رز) أبيض وسمن. بعد الوجبة كان علي الصغير أن يقوم بواجبه اليومي بعد كل وجبة غداء، أي صَبُّ الماء من الإبريق المعدني علي يدي والده ومناولته صابونة "اللايفبوي" الحمراء في اغتساله. لم يكن الأب الصارم يستثمر وقت الغسل في الحديث أو التواصل مع ولده، وقد كان طقس الاغتسال يتم بروتينيَّة وميكانيكيَّة كبيرتين. لكن الأب في تلك الظهيرة البعيدة ابتسم وسأل الولد: "هل تريدني أن أدعو لك؟". رد الولد: "نعم" من باب انه لا يمكن أن يقول "لا" لأبيه. كان الماء يتدفق علي يدي الأب المبيضَّتين برغوة الصابون وهو يتمايل بظهرة ميمنة وميسرة ويقول في إنشاد شِعري علي الطريقة العُمانية التقليدية: "زَوَّجَكَ اللهُ بِكْرَا/ من عندكَ لها ذراعاً/ ومن عندها لك شِبْرَا". ضحك الأب (قَهْقَهَ، ربما كانت الكلمة الأقرب إلي الصواب)، وما ضحك الولد وما قَهْقَهَ لأنه لم يفهم، ولذلك فقد قرر حفظ البيت الشعري/ الدعاء وترديده بينه وبين نفسه لعله يتمكن من فهمه في وقت لاحق.
وبعد سنوات من ذلك ما حضر لديه وقت "الذِّراع" و"الشِّبر" في أي مكان من العالم إلا وغطَّت أسماك "الغَلْيَة" نيئة ومشويَّة السَّرير بكامله.

(9)

احتجَّ سمك "المَلُّوط" علي النظام العالمي الجديد بطريقته. لقد اختفي.

(10)

ذلك النبي وهو في بطن الحوت "يُرَتِّبُ كُتُبه" كما في قصيدة لصلاح فائق.

(11)

في تلك الليلة، الأسماك الصغيرة الملوَّنة التي انبثقت لامعةً من سُرَّتُك تحت القمر مباشرة. لم يكن غيرنا من شاهد الجبل وهو يخلع نعاله وإزاره وأوزاره ووقاره ويهرول إلي البحر.
في تلك الليلة...

(12)

"عُوْقٌ" (خُثَّاق) طازج مطهي مع تمر "مُبلَّط" عند الضحي المتأخر في الصيف قبل استئناف العمل في المزرعة، نلتهمه في ظل جدار "البخَّار" (المخزن). كانت الشمس القريبة ترسل أشعَّة أمي إلي أرواحنا، وإلي الماء، وإلي أنساغ الأشجار.

(13)

خرج تَعُّوب الكَحَّالي إلي البحر كعادته عند الفجر. أوقف قاربه عند "البوهه" (الفلينة) البيضاء التي تحدد موقع شبكته في الملكوت الأزرق. كان يتوقع الحصول علي أسماك من مختلف الأصناف: "كنعد"، "هامور"، "كْرْ"، "حلوايوه"، "سهوة"، "قَدْ"، "صال"، "صيمة"، بل وفي أسوأ الأحوال "خن"، أو "طباق"، أو حتي "مرَّان". ولكنه اكتشف ان ما علق في شبكته كان غوَّاصة نوويَّة. خلّصها من الشبكة وأعادها إلي الماء قبل أن يعود إلي البَرِّ بَرِمَاً.

(14)

ثمة تشابه اقتصادي وسياسي ونفسي لا يمكن غض النظر عنه بين الشقاء التاريخي لعمّال المناجم في الغرب وشقاء "الغاصة" (الغوَّاصين) في زمن اللؤلوء لدينا في الخليج. كِلا عامل المنجم والغواص يذهب إلي منجم صخري أو مائي، وقد يموت فيه اختناقاً هوائياً أو مائياً. لكنه حتي اذا لم يمت، فهناك "النوخذا"، أو مندوب الشركة أو ممثلها، ملاك الموت والإملاق العابس، إن علي اليابسة أو في الماء. إنه من ينتظر، ومن يحصد.

(15)

ثمة في التاريخ الفكري للغرب اشتراطات غذائية صارمة تطبَّق علي منتسبي بعض الجماعات الفلسفية بدأها الفلاسفة الإغريق الذين اشترط أحدهم ـ باثاغراس - علي المنضوين في مدرسته عدم أكل الفول. لقد أثير جدل حول لماذا الفول تحديداً، ولا زالت التفسيرات تتوالي بدءاً من المقولة القديمة أن كثرة أكل الفول تخدِّر العقل وتشل التفكير، ولا انتهاء بما هو معروف عن الفول في إثارة الغازات والفساء.
في أية حال، لم يصدر علي حد علمي تحذير من أي من الفلاسفة الإغريق ضد أكل السمك. ولعل للأمر دلالته.

(16)

في طفولته أخذه والده في رحلة من قرية صغيرة في الباطنة إلي الكويت (البعيدة جداً عهدذاك). بعض مسافات هذه الرحلة قُطِعَ براً في "الوانيتات" (الشاحنات)، وبعضها قُطِعَ بحراً في المراكب. في أحد أجزاء الرحلة ركب الأب وابنه مع المسافرين الآخرين "خشبة" (سفينة) من البحرين إلي الكويت. وبعد قليل من الإبحار وُزِّعَت وجبة "وْدَام السمك" المطهيَّة بصورة مرتجَلة وبشروط أقل بكثير من مثالية وصحية. لكن الوجبة كانت لذيذة في أية حال للمسافرين الجوعي، وقد التهمها الجميع باستثناء سيدة متأنِّقَة متأفِّفة وكثيرة الشروط والاشتراطات منذ وصولها إلي المركب. السيدة هذه لم تكتف بعدم قبول الأكل من الوجبة البحرية الشعبية البسيطة، بل انها انهالت سباباً وشتماً واحتقاراً علي الجميع.

بعد أكل الوجبة بقليل، هبَّت ريح صرصر عاتية جعلت المركب يكاد يغرق، وجعلت الكثير من المسافرين يتقيأون. هدأت العاصفة بعد وقت عسير وصاخب. وقال الكثيرون همساً أولاً وتصريحاً ثانياً ان تلك الريح المجنونة إنما هبَّت جزاء من الله علي "بَطْرَة" السيدة التي رفضت الأكل من قصعة "وْدَام السمك" التي أكل منها جميع المسافرين علي متن المركب.

ولكن ما ذنبه هو، وما ذنب والده الذي كاد يتقيأ أحشاءه خاصة وانه مُصاب بِدُوار البحر أصلاً، وما ذنب البقية ممن أكلوا الوجبة بأصابع جائعة كادوا أن يبتلعوها علي حد تعبير لأشقائنا المصريين؟.
غير انه، لغاية اليوم، لا يزال يؤمن بسخة معدَّلة من نظرية العقاب الإلهي تلك. لقد عوقبوا جميعاً بسبب تلك السيدة المتعالية السخيفة التي لو لم تكن معهم علي ظهر المركب لما حدث ذلك كله. لقد كان من الواضح انها لا تنتمي إلي أولئك القوم، ولذلك فقد جنت عليهم.

(17)

في منطقة الباطنة ثمة نمط انتاج اقتصادي هجين ناتج عن امتزاج الانتاج الزراعي بالبحري (وإلي حد أقل، يمتزج هذان النمطان بنمط انتاج شبه بدوي خاصة في الجانب الرَّعوي منه). وبالنسبة إليه كان لرائحة وطعم بعض الخضروات والفواكه في مزرعة والده غير البعيدة من الشاطيء رائحة وطعم شبيهين، إلي درجة لم يشأ أن يعلن عنها عهدذاك، برائحة وطعم السمك: من كل "شنخ همبا" (قطعة مانجو مقصوصة) تقفز سمكة "ضلعة" مثلاً. يا لتناقض الرائحتين!. هذا كلام لن يبدو "معقولاً"، لكن الأمر كان كذلك، وهو لا يريد أن يقنع أي أحد بهذا. الرائحة ذاكرة جماليَّة من الطراز الفريد، واسألوا جيري فاربر في كتابه "دليل ميداني إلي التجربة الجمالية".

(18)

لديَّ أسباب وجيهة تدعو للإعتقاد ان كل من لم يأكل وجبة سمك "القصقوص" بقليل من المرقة، وقليل من الإسراف في عصر الليمون، وقليل من الفلفل الأخضر الطازج، مع العيش (الرز) الأبيض والسَّمن سيتعين عليه أن يجابه أسئلة عسيرة في يوم ما.

(19)

(أ)

ثمة أغنية شعبية منقرضة ذات بريق أيروسيٍّ كانت تغنيها النساء، أو بصورة أدق الشابات والمراهقات منهن، في جلساتهن الخاصة: "الفارْ أنا ما لُوُمَهْ.. ما لُوُمَهْ [أنا لا ألومُ الفأر.. لا ألومه]/ خَبَّجْ يُوَانِي العُومَهْ [فقد أَحْدَثَ ثقوباً في جوالات السَّردين المجفَّف]/ والفَارْ طُوِيْلْ بْذِيْلِهْ.. بْذِيْلِهْ [والفأرُ طويلٌ بِذَيْلِهِ.. بِذَيْلِهِ]/ ودَانْ أُمِّيْ" حيث تمتزج اللازمة الغنائية "دان" هنا مع ما يشبه الرغبة في إنهاء الحديث مع الأم التي لا بد وأن تكون قد فهمت كل شيء بحلول هذا المقطع من الأغنية.
غير انه إذا كان فهم الأم ثقيلاً بعض الشيء وبديهتها غائبة وقدرتها علي شم رائحة كل تلك "العومة" ضعيفة، فإن الأغنية تصل إلي هذا المقطع: "دْيَايْتِي الصَّفْرَا كَلُوُهَا.. كَلُوُهَا [لقد أكلوا دجاجتي الصفراء.. لقد أكلوها]/ وكيف كَلُوُها؟ [وكيف وجدوها عندما أكلوها؟]/ سِمِيْنِهْ.. سِمِيْنِهْ [سَمِيْنَةٌ.. سَمِيْنَةٌ[".

(ب)

"عُومَةٌ" و"دجاجة صفراء سمينة". يا لترف "الفأر" اللعين، ويا لمتعته!.

(20)

"حتي القصيدة يمكنها أن تنتظر، السمك الطازج لا ينتظر" (قاسم حدَّاد).

(21)

وجبة "البابلوه" عبقرية زوجة الصيَّاد العماني الفقير في الحفاظ علي صحة عالية، وكرامة عالية، علي الرغم من الفقر وشظف العيش. وليس كل ما هبَّ ودبَّ وسبح من سمك مع المرقة الخضراء تقريباً وقِطَعُ البصل الكبيرة نسبيَّاً وحبّة "الهمبا" (المانجو) الخضراء المُقَشَّرة والمطهيَّة مع مرقة يمكن أن يُعتبر "بابلوه" إذ ليس من مهمة الكركم أن يصنع المستحيل لوحده. إن من لا يعيش البساطة والقناعة والحدود الدنيا من الأشياء بصورة جوهرية عميقة في حياته لا يمكن أبداً أن يطهو وجبة "بابلوه" محترَمة (حين زارني صديق من خارج البلاد أخذته إلي أحد مطاعم مسقط الإثنيَّة من أجل أن نتغدي بوجبة "البابلوه" التي نظَّرتُ لها عنده كثيراً بكل ما أمكن من إيديولوجيا و"سَمَكْلوجيا". وبعد ان انتهينا من الأكل، وجَّه لي صاحبي الضليع بالطبخ السؤال المحرِج التالي: "وما الفرق بين "البابلوه" التي صدَّعتَ رأسي بها وأوجعته وبين أي سمك مع المرق؟. لم أتذوق اي فرق!". وهنا أسقط في يدي، لأن الوجبة السمكية التي أكلناها لم تكن "بابلوه" حقاً علي الرغم من تهويلاتي الدعائيَّة الفنتازيَّة وادِّعاء المطعم، بل كان مجرد سمك بالمرق يمكن أن يأكله المرء حتي في جزر الواق واق).
كم أحنُّ إلي وجبة "البابلوه" التي تطهوها زوجة صديق عزيز ببساطة وقناعة وكرامة عالية. لا غرابة في أن صديقي وزوجته كانا قد وُلِدَا في شَظَفٍ علي بُعْدِ خطوات قليلة من الموج في مدينة مطرح العتيدة.

(22)

الفرق بين أسماك الخِلجان وأسماك المحيطات هو الفرق بين الاستقرار الخلاق والشَّتات غير المبدع (وكان ريموند ويليامز قد حذَّر من ان صفة "المنفي" ليست أحياناً إلا ذريعة للتَّسَكُّع والتَّبَطُّل المُتْرَفَين). أما أسماك الأنهار... كلا، كلا، اعذروني من فضلكم، لا أريد الحديث عن ذلك!.

(23)

سلمان العويد. أتذكر سلمان العويد باحترام كبير لأسباب منها انه كان يعاني القول وهو يتحدث إليك، فقد كان يؤثِر الصمت، وكان يبدو أن الحديث مع البشر يسبِّبُ مشكلة لديه. وحين يتحدث سلمان العويد إليك كان يقول أكبر قدر ممكن من الأشياء في أقل عدد ممكن من الكلمات. كان مسكوناً بما يشبه الحزن الغامض أو الضجر الكبير، وكان شخصاً عصبيَّاً إلي حدود ما، ومن الصعب وصف شخصيته بالودِّ المفرِط، وإن كان الرجل ليس في وارد إثارة ضغينة أحد ضده، وليس في وارد كراهية أي شخص في القرية. وقد كنت في صباي أحد المواظبين علي المشاركة في "ضغوة" سلمان العويد.
كان سلمان العويد صارماً جداً، لا يبتسم تقريباً، فقد كانت ظروفه الحياتية ومهمته الإقتصادية والإنسانية أكثر تعقيداً وشظفاً من توزيع الابتسامات. لقاءاتي المتعددة بسلمان العويد كانت في "الضغوة" فقط وأنا صبي، وأنا أشكره اليوم كثيراً انه لم يتح لي معاملة خاصة لاعتبارات اجتماعية، ولم يبتسم في وجهي قط. لقد كنت "أضغو" مثل بقية الصِّبية في القرية وأحصل علي ما يحصلون عليه من سمك أو تقريع. أظن انني تلقيت أول دروس الحق والعدالة والمساواة من لدن سلمان العويد، فشكراً جزيلاً له علي ذلك أيَّما شكر.
غير ان المشكلة كانت تحصل لدي الطقس الأخير من طقوس "الضغوة" بعد وقت طويل من جَرِّ الحبال تحت الشمس الحارقة، أي حين تصل الشبكة المليئة بالأسماك إلي الشاطئ؛ فما يحدث عندئذ كان تحفُّزاً وتأهباً لمناورات ومناورات مضَّادة وصراعاً مستتراً بين "رب العمل" و"العمال"، وكانت هناك "اختلاسات" و"سرقات" و"فساد" يعلمه الجميع، ويتكتَّم عليه الجميع (ألسنا في العالم الثالث في نهاية المطاف؟!). كان الأمر نوعاً من الطقوس المكتومة التي يعلمها الجميع بل ويباركونها سِرَّاً وصمتاً -- شريطة أن لا يروها مباشرة، أو التظاهر بعدم رؤيتها مباشرة.

كنت، إذاً، أرقب الأسماك وهي تنتفض في الشبكة. وكنت أيضاً أفعل ما يفعله كل الأشقياء الصغار بل وبعض الكبار أيضاً: أعني اني كنت أبحث عن أي ثقب في الشبكة يمكن أن أمدَّ فيه اثنين أو أكثر من أصابعي لأُسَرِّبَ من خلاله سمكة صغيرة أدفنها مؤقتاً في الرمل الرَّطب خلسة ("ولا من شاف ولا من دري" علي الرغم من ان بعضهم ـ وسلمان العويد ليس منهم -- قد شافوا ودروا فقد كنا في عِزِّ الظُّهر أصلاً!). سيكون لي نصيبي من الأسماك الذي يوزع بالتساوي بين كل من شاركوا في "الضغوة" (وإن لم يكن الصيد وفيراً كنا نحن الصغار نحصل علي عدد من الأسماك أقل مما يحصل عليه الكبار)، ولكن الأسماك "المُخْتَلَسَة" كانت دليلاً غامضاً ومطلوباً علي شيء من الشطارة، بل وحتي الرجولة التي كنا بحاجة ماسَّة إلي اكتسابها مبكراً في ذلك الزمن؛ فقد كنا ـ نحن معشر الأشقياء الشياطين الصغار نقارن ونتباهي بعدد الأسماك التي تمكنَّا من "اختلاسها" في حضرة وحضور سلمان العويد - الصارم القاسي الذي لا يغفر لأحد - شخصياً.

يا سلمان العويد: شكراً جزيلاً لكل تلك الأسماك "المُسْتَحَقَّة" و"المُخْتَلَسَة" معاً، وأرجو أن تتقبل اعترافي واعتذاري المتأخرين هذين. لو كنا معاً الآن لعزمتكَ إلي أفخر مطعم مأكولات بحريَّة في المدينة لنأكل أسماكاً تجعل كامل مطبخ المطعم نفسه يسقط في الشبكة، كي تبدأ أنت في توزيع حصص الأسماك علي من "ضغوا" من جديد، هناك علي شاطيء القرية النائية، في تلك السنوات الحَرِجَة البعيدة.

(24)

(أ)

"للبحر وحده سنقول/ كم كنا غرباء/ في أعياد المدينة" (سان جون بيرس)

(ب)

"لم يَبْقَ أمامي سوي طريق البحر" (عزَّان بن قيس قبيل استشهاده، نقلاً عن جون بي كيلي في كتابه "بريطانيا والخليج")

القدس العربي
16/07/2008

أعلى