لا اعرف الى الآن ماذا جرى. هل حصل حقاً اني تصديت لسيارة؟ الآخرون يروون لي وعني ما يفاجئني. لم أكن في يوم بطلاً لأتمنى تصدياً لأربع دواليب وسط شارع مقفر وورائي أربع عيون تلاحقني. لم أكن في يوم بطلاً لأشتهي مصيراً كهذا. لكن لا أذكر شيئاً، وأحسب أن خيالي البطولي هذا لم يكن من اختراعي. لا بد ان لاوعيي يملك قدراً أكبر من الرغبات الخطرة. أن أدخل على رأس سيارة الى مكان ما قد لا يكون سوى واحد من أحلامي. قد لا يكون الأمر سوى جنون عابر، أن أكافح على الأرض الصلبة اليابسة خصماً الكترونياً. قد تكون هذه هي المعجزة في خيالي، حرب دونكيشوتية بين رجل ضئيل ومُوتور. المهم ان شيئاً ما، لا أذكره، حصل. قد لا يكون سوى نسخة كابوسية عن ذلك الحلم. من لا يريد أن يدخل مدينة مع الأجراس والصنوج؟ أنا شخصيّاً لا أحب الضجيج. مع ذلك فإن دخول بيروت مع أربعة دواليب قد يكون حلماً تخلّف لي من الحرب، التي كانت كلها دواليب. المهم ان أياما كثيرة مضت وأنا ذاهل. قيل لي إني نمت طويلاً وإنهم تعبوا ليحركوا أصابعي، وإني كنت أصغي مع ذلك. أما الحقيقة هنا فإن وحشاً بأربع عيون كان ينتظرني ولا يعلم هو الآخر لماذا ينتظرني. فأنا والوحش كنا بائسَين وبيننا موعد غريب.
قيلت لي أشياء كثيرة. أما أنا فلا أتذكر شيئاً. لقد سلّمت نفسي للكوما، ودخلت في سعادة في نوم طويل. لماذا، لا أدري. لست شجاعاً ولم أفهم كيف يمكن أن يحطم رجل عظامه، غير اني استيقظت هكذا. أملك عظاماً ملصقة موضوعة في علبة. أملك بطناً ممزقة. كأنني أُصاغ هكذا على هيكل رجل آخر منتظم ومعدود جيداً. يقال لي إن عظامي الصغيرة تنضج في وعاء آخر. يقال لي إن عليّ أن ألبس طاقماً يجعلني في ثقل هذا الآخر. يقال لي إن كثيرين سهروا عليّ. تسللوا الى غرفة العناية الفائقة. شدّوا على يديّ. شاهدوني وأنا أصارع. هل صارعت فعلاً؟ هل شددت على أيديهم؟ أستغرب هذا عن نفسي. لا أعرف أني صارعت في يوم. كنت دائماً أنجو على قدم واحدة. كنت دائماً أربح بقليل من التوازن. كنت لا أقع في اللحظة الأخيرة. لكن هذا أمر بسيط. اما أن تكون وجوهنا مكشوفة للمصير وأقدارنا تُرسم غير بعيد عنا وتُعلّق بأصغر قشّة. اما أن يوجد أناس تبلّغوا من شخيرنا وتعبنا مصير العالم. اما أن نكون صرنا علبة عظام صغيرة. اما أن نفاجأ بأن آخرين بدأوا قراءتنا. أما أن نملأ فراغاً في مكان ما. اما أن يظهر لنا اصدقاء احتجناهم في وقت آخر. أما ان يظهر أننا لطّخنا باسمنا أماكن كثيرة، أو أن أماكن كثيرة احتاجت إلى هذه اللطخة. اما ان تكون الكوما ثمن ذلك، فأنا لا أفهم كيف يمكن أن يتحول «سطيح» الى حكاية.
أستيقظ وفي عينيّ دموع وذكريات. أجد نفسي رطباً من الداخل. أبكي من أجل نفسي لكن أيضاً من أجل الذين أشعر اني لم أبك ما يكفي لأجلهم. أجد نفسي علبة عظام ودموع. أجد بيننا الوقت. الوقت الذي يأكل كل شيء. التجربة بالطبع. كل هذا مرّ وأنا نائم. لن يتاح لي سوى أن أجمع عظامي المكسورة، أن ألعب عليها، أن أفكر بها كأجندات غامضة. لا أعرف ما الذي حواه جسدي أيضاً، أي انقطاعات، أي كسور، أي أحجار ثقيلة. أفكر بنفسي، لكن اسمع صوت ابنتي. لقد سهرَتْ من أجل أن أستيقظ. كتبَت شعراً وهي تنتظرني. أعرف ان الصوت ينقذني. لكن من قال إنني أحتاج الى إنقاذ. أليس عدلاً أن أسلّم هذه العجينة التي هي أنا؟ من قال اني كائن فعليّ؟ اني لست أكثر من صرّة طحين.
الرّينغ
الأمور الكبيرة تبدأ كمؤامرة. كمؤامرة على النفس أولاُ. من حرّضني على هذه المؤامرة على نفسي، من نقلني إلى ساحة «الرينغ» لأجد فقط فراغي الذي ككل فراغ، ما لبث أن دوّى بعيداً تاركاً الفرقعة في مكان ما. أما الجسد الحقيقي والصوت الحقيقي فكانا بعيداً مطروحين على التراب، تحت الألواح والأحجار والطبقات. ربما حلمت دائماً بكسر أبواب المدينة، وكان الرينغ بالنسبة إلي باستمرار مكان قطع المدينة، وكانت إعادة احتلال المدينة عن طريق الرينغ تشكّل نوعاً من ثأر من تاريخها ومن تاريخي. لم أعلم بالاسم الفعلي للرينغ إلا قبل عشر سنوات ولكن مع ذلك فكرت دائماً في ان الدورة حول الرينغ هي دورة كاملة حول المدينة، ولم أعلم ان الرينغ هو غول لابتلاع المدينة ومن يحاولون اختراقها.
الأصدقاء
هنالك أصدقاء في كل مكان «تجسسوا» على غيابي بحبّ لا يستحقه وجودي أصلاً. إنني أكتب فقط بقوة رغبتي في الكلام معهم. أكتب لغة ليست لي، إنها فقط رسائل ومواعيد. لا أجد الآن لغة للحب لكني أجد مكانها لغة للابتهال والتوسل ونشر الدموع. إن صوتي يتحول إلى نواح صغير وخافت لجمع ما تركته تلك الرياح الغاضبة لي وتلك الأسماء الرائعة التي تشبه العظام الصغيرة الباقية في وعاء قدميّ والتي تشبه صوتي الجريح ولغتي الممحوّة. أي انني أكتب بلغة الآخرين وأعتذر إذا أسأت ذلك. انني أكتب الآن كلماتكم أيها الإصدقاء لأنني لا أجد كلمة لي. أستعيركم كما استعرتكم دائماً طيلة حياتي، وأردّ بهذه الطريقة الديون الكثيرة التي تخلّفت لكم في عنقي. لقد تعلمت اللغة منكم وها أنا أردها إليكم بنفس البساطة التي سرقتها منكم، أردّها إليكم كما أعطيتموني إياها و كما ستداومون على إعطائي إياها. لقد كانت اللغة حيلتي وها هي الآن مجرد جواب وقول الأشياء بالطريقة التي سبق لكم أن قلتموها. لأنّ كل ما كتبته كان حيلة وأنتم فقط قلتم الحقيقة بدون ألعاب.
أيها الأصدقاء لقد سرقتكم ثانيةً وها أنا بالكلمات التي اخذتها منكم أردّ لا ديني تجاهكم فحسب ولكن ديوني تجاه اللغة كلها. انني بسرقة أكبر وأوسع أفي كل ديوني، فعذراً للجميع ومن الجميع.
شكر
شكراً للجميع. لكل الذين أثاروا الى الدرجة العليا ما يشبه بكائي، وجميع الآخرين الذين وضعوني حيث لم أضع نفسي في يوم. لقد جادوا علي بما لم أمنحه من قبل. لقد غسلوا قلبي بدموعي الخاصة. لقد أعطوني ما استحققته دائما من حب. أقول ما استحققته لأننا في الأزمات نعرف حاجتنا الى الحب. نعرف قدرتنا على صنعه. حب حرّضني على أن أعود كاتباً.
السفر
3-9-2010
* * *
عباس والوطواط في بيروت
وكأن ما سأكتبه الآن هو ما كان يجب أن يكون آخر ما أكتبه عن عباس بيضون. أفعل هذا ربما لكوني هذه الأيام، خلافاً لما كنت أدعيه سابقاً، أختار الطرق الأسهل لفعل كل شيء، ولكن ربما أيضاً لكونه، بالنسبة لي، أكثر ما فكرت بكتابته خصوصية، فلا أظن الكثيرين، وربما لا أحد، جاءت مشاركته، في هذا الافتقاد العلني، المشترك، على شكل قصائد. قصائد ليست من وحي المناسبة، مع أني أستطيع أن أفعل، بل قصيدتان كتبتهما عنه منذ ما يزيد عن العشر سنوات، وتضمنتهما مجموعة (الشاي ليس بطيئاً/2004/)، في القسم الرابع منها، ذي العنوان الطويل: «عباس والوطواط في بيروت، وريلكه وأنا في المنام، وأسامة لوحده في اللاذقية«.
وقتها، حرصت على أن أقدم له «الشاي...« في بيته. ليس لأني كنت مقيماً عنده فحسب. فمنذ بداية معرفتي به، عندما جاء ليلتقيني عند رياض الريس /1997/ ومضى بي، مصرّاً على حمل حقيبتي الصغيرة، تاركاً لي حمل الكيسين الثقيلين من الكتب التي لممتها دون خجل من على رفوف الدار، إلى حيث كان يسكن ذلك الوقت في حي «مار إلياس«. ثم بعد أن انتقل إلى (العفيف)، مقابل بيت القاضي عضوم كما كان ينصحني ضاحكاً بأن أخبر سائقي سيارات الأجرة إذا اضطررت لأركب إحداها. صار بيته مقر إقامتي الطارئة في بيروت. ومن حينها علمت أن 75% من الكتب التي تقدم له في مكتبه في جريدة السفير تصير من نصيب أي صديق عابر أو زائر مجهول يمر بالمكان!. فالرجل لا يبخل بشيء، مهما يكن، فما بالك بالكتب المكدسة حوله؟ ولكن عليك، كما أيضاً علمت، أن تأخذها وتضعها تحت إبطك، أو تطلبها منه، لأنه ببساطة لا يفعل ذلك عن عمد، ولا نتيجة أنه ليس لديه الوقت لتصفحها، ولو بإلقاء نظرات سريعة وقراءة بعض صفحاته، بل لأن عباس أحد أولئك الذين يصعب عليهم قول «لا» لأحد. يصعب عليه قول «لا» ولكن سمعته يقولها مرات، يقولها عندما لا يكون هناك مجال لقول «نعم» كعادته، يقولها «لا» قوية وقاطعة، وفي وقتها ومحلها.. ولكن أبداً ليس مع زكي وبانة والسيرلانكية التي تعمل ـ تتلهى على الشرفة وتشاهد التلفاز وتنام - عندهم، قلت له : «عباس يجب أن تتخلص من هذه المرأة، إنها لا تصلح لشيء!». أجابني: «لا أستطيع، المشكلة أنها لن تجد من يقبل بها للعمل عنده، ثم ألا تظن أنه يجب علينا معاملتهن بطريقة مختلفة!؟» وليس مع أصدقائه وزائريه، وليس مع الشعراء من أية طبقة!؟ (أليس هو صاحب عبارة: أخوة الشعراء)؟ أما إذا لاحظ أن كتاباً ما اختفى من أمام نظره كان قد وضعه لتوه هنا في هذا المكان، فواجب عباس أن يتظاهر بأنه لم ينتبه!؟ وواجبه أن لا يسألك ما إذا كنت وضعت الكتاب بالخطأ في الحقيبة البلاستيكية التي تحملها معك وقد امتلأت بالكتب من على مكاتب أحمد بزون وإسكندر حبش وعناية جابر!؟ أمّا سرقة، أو استعارة بدون استئذان، أو سمها ما شئت، عملية أخذ الكتب من خزانتيه في بيته، اللتين لا مكان فيهما للثياب بسبب الكتب المكدسة، بأقل درجة من الترتيب، فوق أرضيتيهما ورفوفهما، فتنحصر بالساهرين لليلة أو ليلتين، وكذلك الغربان الثقلاء مديدي الإقامة نسبياً من أمثالي. وبما أني سوري، ينقصني كل شيء، وجوعان لكل شيء، وعديم كل شيء، فقد كنت آخذ ما أمكنني حشوه في حقيبتي من كتب وسيديات وكاسيتات غير متوفرة بسوريا، أصورها وأنسخها في اللاذقية عدة نسخ لي ولأصدقائي، وأحرص على أن أعيدها له كلها. كلها ما عدا التي لديه منها أكثر من نسخة، دون الحاجة لإخباره أني فعلت!.. مرة سمعته يشكو أمامي فقدانه للكثير من كتبه. «أرجو أنك لا تقصدني بهذه الملاحظة» قلت له، فقال: « لا لا.. أبداً، فأنت على الأقل تعيد بعضها!». أما نظارة القراءة، أقسم إني أخذتها حاسباً إياها نظارتي، وعندما اتصلت به من اللاذقية، قلت له: «عباس أخذت شيئاً من عندك بالخطأ». أجاب مباشرة: «أعرف.. نضارة القراية». إذن كان يعلم كل شيء!؟
راح عباس يقلب صفحات «الشاي ليس بطيئاً»، بجدية زائدة لم أره عليها إلا في أحوال نادرة، فالأمر الآن يقع في صميم اختصاصه: (الشعر..). أولاً: أبدى إعجابه بالعنوان.. يهتم دائماً بالعناوين! أذكر تعليقه عندما صدرت مجموعتانا يوسف بزي «تحت المطرقة» وأنا «مزهرية على هيئة قبضة يد» عام 1997: «لماذا هذا العنف كله.. مطرقة وقبضة !؟» ولكن ما أن التقطت عيناه العنوان الذي فيه اسمه: «عباس والوطواط في بيروت، وريلكه وأنا في المنام، وأسامة لوحده في اللاذقية»، ثم قرأ القصيدتين (التفاتة قاسية من فوق الكتف) المكتوبة عنه والمهداة له بالاسم الكامل، وبعدها مباشرة (تبعاً لإحساس أعمى في الاتجاه) حتى همهم بشيء من البهجة والاستغراب: «هذا الكتاب عني!؟؟«.
[ القصيدة الأولى:
كتبت «التفاتة قاسية من فوق الكتف« قبل انشغالي بمجموعة: (منذر مصري وشركاه) التي هي بمثابة قراءة الشعر بالشعر، أو تجربة كتابة الشعر بكلمات وأحاسيس وأفكار الشعراء الآخرين! لكن «التفاتة« فيها الكثير من هذا، وكأنها تبشير به. فالسطر الأخير، من إحدى قصائد عباس، لا أذكر أية قصيدة ولا أية مجموعة، بتحوير بسيط. كما أنها تتضمن مقاطع من حوارات لم نتفق فيها على شيء سمحت بها لقاءاتنا المتقطعة، كقوله لي وهو يقرأ مجموعة شعرية لأحدهم: «لا شيء يبعث على الضجر أكثر من الشعر» وكذلك قوله لي مرة عن بيروت: «المدن بدائل ناقصة عن الأحلام»، ومقابل أقواله هذه هناك تعقيباتي عليها: «وخاصة الجيد منه» حيث أعتقد أننا توصلنا إلى قصيدة تخلو ما أمكن من الأخطاء خلوها ما أمكن من الإمتاع والإثارة. وكذلك تعريفي للشعر بأنه «توثيق دقيق للأكاذيب» وذلك لإيجاد حل ما بين الخيال والواقع، أو بين الادعاء والحقيقة. كما تتضمن انطباعي الأخطر عن عباس بيضون بأنه، خلف تلك الخفة التي يبدو عليها دائماً، والتبسط الذي يفاجأ به كل من يلتقيه للمرة الأولى، يخفي قلباً مفؤوداً تنخره الثقوب، وروحاً مثقلة لا يستطيع عباس حملها والعيش بها إلا بالتحايل عليها. ولا شيء كالشعر قادر على ذلك.
التفاتةٌ قاسيةٌ من فوق الكتف
( إلى عباس بيضون)
ربما أستطيع بعد لأيٍ
أن أنسل من عقدته خيطاً
أمرّره في عين مسلتي المقوسة
وأحيك به
ما يستحقه من مديح.
ذلك أن حيلتي
لا تتطلب أكثر
مما بقي لدي من إرادةٍ واهية
لأن أتخذ المنحدر الأجرد
صراطه المستقيم
الأقصر مسافةً والأقل إضاعةً للوقت
سبيلاً يصل بي إلى جحره
حيث يقتضي هبوطي
التمسك جيداً برؤوس الصخور
وأنا أدير باتجاهه ظهري
مصححاً بعد كل خطوةٍ أو خطوتين
بالتفاتةٍ قاسيةٍ من فوق الكتف
اعوجاجي.
وكعادته سيكون هناك غائباً
بحجةٍ جاهزةٍ وعذرٍ محكم
بأن يترك على التربيزة
قرب الصوفا الطويلة في الصالون
قدحاً ملأه بخلائه
علامةً على أنه كان مستلقياً هنا
بانتظارنا
وكتاباً مفتوحاً
قرأ منه عدداً من الصفحات
ثم قلبه على بطنه
لأنه: « لا شيء يبعث
على الضجر أكثر من الشعر « يقول هو
« وخاصةً الجيد منه « أتابع أنا
حيث المدن
بدائل ناقصةٌ عن الأحلام
والقصائد
توثيقٌ دقيقٌ للأكاذيب.
يشدُّ الأبصار إلى يدٍ
ليخفي ما يفعله باليد الأخرى
مخرجاً من قبعته
ما كان قد سقط فيها
دون أن ينتبه له أحدٌ
من فتحة كمه
كل هذا وأعمال الحواة
بعرفه
لا تحتاج لمعذرة..
14-8-1996
[القصيدة الثانية:
القصيدة الوحيدة، التي كتبتها في بيروت، وذلك خلال إحدى زيارتي في الصيف غالباً لبيت عباس وإقامتي لمدة تزيد عن الأسبوع عنده. ليقول لي في نهايتها، عندما أخبره أني سأسافر: «لا تسافر، ابق كام يوم، تعودنا عليك». كتبتها، بالرغم من طولها نسبياً، ذات يوم وليلة!؟ كاليقطينة التي أنبتها الرب فوق رأس النبي يونان (يونس) لتمنع عنه سعير الشمس، ثم أرسل ريحاً ساخنة وأحرقها! مما أغصب يونان وجعله ينتف بيديه شعر رأسه ولحيته!؟ الأمر الذي أثار دهشة عباس لحد ما، وجعله يصدق أني أكتب الشعر هكذا، كل يوم قصيدة، فسألني في حواره معي: «تكتب بغزارة، يخيل أنك تكتب بقدر ما تعيش، هل هناك سباق بين شعرك وحياتك، ألا تجد أن للشعر حيزاً خاصاً يستحق التهيؤ والصمت؟». والحقيقة أنها قصيدة تتبع طريقتي التقليدية في الكتابة، الطريقة التي أستطيع بها بسهولة الكتابة عن أي شيء، كما تلك القصائد الطويلة مثل «دفاعاً عن حق الإنسان في استخدام الممحاة» التي نشرت سنة /2008/ في «نوافذ» في «المستقبل» بعد كتابتها بعشرين سنة، و»لمن العالم» التي نشرتها بالتسلسل في أحد المواقع الأنترنت، مع عنوان إضافي: «أطول وأسوأ قصيدة في الشعر العربي الحديث» فأرسل لي وقتها إسكندر حبش رسالة يقول فيها: «صدقت يا منذر... إنها بالفعل أطول وأسوأ قصيدة قي الشعر العربي الحديث». إلا أن القصيدة مثلها مثل كل قصائدي ومثل كل ما أكتب عنه، كما أفعل الآن، مصابة بالمرض ذاته، مرض نرسيس ، حيث أن كل ما تتكلم عنه، عباس الذي أوجه له شبه اعتذاري هذا مع ما يكفي ويزيد من الذرائع والمبررات، وبيروت المدينة التي «تأتي إليها بأفضل ثيابك/ ولست على موعدٍ مع أحد/ ثم لا تقدر على مغادرتها/ ولم يبق لديك ما تفعله» ليس سوى مرايا، صفحات ماء أنحني عليها، متشبثاً بفرع واطئ من شجرة، مقترباً من وجهي ما أمكنني، وأنظر لأرى من أنا. كما يعرف الجميع ويأخذونه علي. لكن القصيدة أيضاً تتطرق لعدد من النقط التي ما فتئ الشعراء والنقاد ومن لف لفهم يتناولونها ويختلفون حولها، كمسألة الشاعرية والسوقية «أنا الشاعر الذي يبدأ صباحه بكرع زجاجة مياه غازية»، الوضوح والغموض، والإكثار من التفاصيل والتلميح. فحين تنتهي جولتي الوطواطية متسكعاً في شوارع وكافتريات وبارات بيروت، وأعود لبيت عباس، وكان حينها في مار الياس، الساعة الثانية بعد منتصف الليل، صاعداً تلك المتاهة المظلمة لحلزون السلالم، أجرب المفتاح الذي تركه معي في العديد من الأبواب، حتى يفتح لي أحدها، فأجد عباس نائماً بكامل ثيابه، ما عدا الحذاء، على كنبة الصالون الطويلة مقابل التلفزيون، وكل أنوار البيت ساطعة، ورغم كل هذا الوضوح، أقف أنظر إليه متسائلاً ماذا يفعل!؟
تبعاً لإحساسٍ أعمى في الاتجاه
( شبه اعتذارٍ عن عدم قبولي دعوتك لقضاء السهرة، تلبيةً لنداء الواجب بالقيام كل ليلةٍ بجولتي الوطواطية)
ذائباً كالظلِّ في الظلِّ
أمضي فوق
منعطفاً دون تحديد
تبعاً لإحساسٍ أعمى في الاتجاه
إلى مكانٍ لا أعرفه
وأعود إلى مكانٍ لا أعرفه
وفي كل مرة
- يا للحسرة-
أصل.
وكأني كنت على موعدٍ مع المطر
كعادته ينتظر لحظة خروجي
وخبطة الباب ورائي
لينهمر.
لم أشعر بالإثارة بالقدر الذي تتوجبه
مؤخرة الممثلة المضيئة
حال دون ذلك
الذباب الذي كنت أسمع أزيزه
محوِّماً في العتمة على غير هدىً
ثم فجأةً يلطم وجهي
وكأنه يلتقط انعكاس
الأضواء في عينيّ.
تأتي إليها بأفضل ثيابك
ولست على موعدٍ مع أحد
ثم لا تقدر على مغادرتها
ولم يبق لديك ما تفعله
قلت لك :
« مع كل مدينةٍ تحتاج امرأةً
ومع كل امرأةٍ تحتاج مدينةً «
وبرهاني هو :
« كما لا يمكنك أن تحبَّ
امرأتين في مدينةٍ واحدة
لا يمكنك أن تحبَّ
مدينتين في امرأةٍ واحدة«.
في المتاهة الدامسة لحلزون السلالم
لم أعرف في أي طابقٍ أنا
ولم يكن لدي ما يدلني على بابك
سوى المفتاح الذي تركته معي
فرحت أجرِّبه على أبواب جيرانك
في كلِّ طابقٍ ثلاثة أبواب
تصورْ أن يفتح
صدفةً
باب آخر غير بابك!.
لم أصدِّق أنني في بيتك
حتى رأيتك نائماً بكامل ثيابك
ما عدا الحذاء
- أذكر هذا التفصيل تأكيداً لولعي المبالغ به
بالدقة -
إذن... بعد منتصف الليل
بساعتين تقريباً
عدت ووجدتك نائماً
بكامل ثيابك ماعدا الحذاء
على الكنبة الطويلة في غرفة الاستقبال
فماذا تريد أشد وضوحاً من هذا!
خاصةً وأنك أضأت
مصابيح الشرفة والسقف والجدران
ولم تطفئ التلفاز
ورغم كل هذا الوضوح
وقفت طويلاً
أنظر إليك متسائلاً
ماذا تفعل؟
أعطيك عشر صفحاتٍ من شعري
تعطيني بالمقابل ثلاثين صفحةً من شعرك
تفعل هذا تهذباً
وبنظارتك المكسورة الساعد
تطوي الصفحة الأخيرة
وأنا بعد لم أنته من المقدمة
ومع أنك تقرأ صامتاً
تسعل مرتين أو ثلاث
كلما قلبت صفحةً.
الصحون لا تجد مطرحاً لها على المائدة
الكتب تغمس أطرافها
في بقايا الطعام.
لا نتفق على شيء
كلانا باق على عناده الأخرق
وليس أمامنا من خيار
أنت تأكل الكتب وأنا أقرأ الصحون
: ( يالها من سلطةٍ بطعمٍ شاعري ).
بين الرسامين يسمح لي أن أقف وأتكلم عن أي شيءٍ
باعتباري شاعراً
وبين الشعراء ليس لي إلا أن أجلس وأنصت
باعتباري رساماً
ولأنه من الصعب أن يكون لديك
في أحد أدراج مكتبك أو على سطحه
حيث تتكدّس دون أدنى تفرقة
كل أجناس القصائد
قلمٌ ذو قلبٍ من فحم
فإن أي قلمٍ بقلبٍ من رصاص
أو من دمٍ أسود أم أزرق
جاف
يكفي لأستعرض أمامك
مهارتي في الرسم.
/
ملامحك أشبه ما تكون بالعناوين
إلا أني سألون ما بين خطوطها العريضة
بالشاي الثقيل الباقي في القدح.
/
سوف تتذكرني أنا منذر مصري
الشاعر الذي يستيقظ في الصباح الباكر
ويبدأ نهاره بشرب
زجاجة مياهٍ غازية.
حشوت في حقيبتي
كل ما يلزمني من قمصانٍ وسراويل وأحذية
ولم أنس شيئاً لا أقدر على العيش بدونه
سوى المنشفة
وحين غسلت وجهي جففته بأسفل
الجزء الخلفي من قميصي
ثم حملقت في المرآة
...
رأيت فمي
ورأيت أنفي
ورأيت أذنَيّ
ولم أرَ عينَيّ
لكني لم أدهش
ولم أسأل نفسي
كيف أنظر بعينَيّ
وأرى بعينَيّ
ولا أرى عينَيّ
لأنه على الدوام
تضيع في وجهي عيناي
كلما حدث ومضيت
إلى
نهاية
قصيدة..
المستقبل
الاحد 29 آب 2010
* * *
البناء من الداخل
الى طلال سلمان
وضعوا في قدمي ثقل أحجار. أهكذا يُسلسل المذنبون كما يروي القرآن أو مفسروه. كانت هذه الآيات غير قليلة في القرآن الذي لم يبخل في التصنيف. فهناك الضالون الذين يثوبون لكن أكثرهم لا يثوب. الكفر ليس شكّاً ولا تدليساً. انه حرب واعية على الله وانكار صريح له بالقصد وسوء النيّة والتحالف مع الشيطان. كان كفّار القرآن يحملون جرائمهم في أرجلهم ويخسرون بالطبع في ارتدادهم على الله أو انكارهم العلني لنعماته.
أنا الآن أحمل أثقالاً في رأسي وفي قدميّ. إنني موصوم لدرجة أني لم أعد فيها سوى وعي شقي. وعي لانسحابي الكامل، حيث لا شيء يعادل «الأنا» في القوة او العزم او الرغبة. «الأنا» هي مجرد إيتيكيت. إنها اسم فحسب. إنها مجرد قرميدة مكسورة. إنها تماماً هذا الوعي الشقي بأننا لسنا سوى لصاقة، سوى حيّز من الفراغ، شرارة في الفراغ. الأنا تسيل عني، عن جبهتي كما لو كانت عرقاً أو طلاء. أتذكر فيلم «البندقية» حين يعوم الشيخ المتصابي في ماكياجه. لست ذلك الشيخ ولا أملك ماكياجاً. لكن وجودي كله يظهر فجأة كماكياج لا أملك منه ربعه أو ثمنه بل لا أملك منه شيئاً.
في الليل حين كنت راقداً بين الجميع في المستشفى، فتحت عينيّ غالباً وفكرت لماذا أنا هنا. لقد طمأنوني بأن عقلي الموَجِّه لم يُمس، وسألت نفسي عن هذا العبث. ماذا يحدث لو أن العقل الموَجّه مُسَّ؟ ماذا نخسر، ليس أكثر من فقاعة أخرى. ثم ما الذي يستبد بنا ويقرر تعاستنا سوى هذه المنظومة الحديدية التي هي العقل الموَجِّه. لا أعرف ما الذي أخذني الى «الرينغ» الذي لم أكن تعلمت نطق اسمه منذ أكثر من 10 سنوات. أذكر رينغ فيينا. بعد الآن فهمت ان لبيروت أيضاً رينغاً زائفاً. ما الذي أخذني الى الرينغ سوى البحث عن بداية. بيروت التي أطويها مشياً كل يوم تقريباً لم تكن دائرة ولا إطاراً. لم تكن سوى سيولة. في الليل أستعيد الاسطورة. اني أبدأ. لا بد من أن أبدأ من سريري. أحلم بأني واقف في سلة شعر في رأس السرير. أنا نفسي لست سوى كومة شعر أشقر في اعلى السرير. السرير مرتب تماماً كحلم اصطناعي. له ذات المظهر البلاستيكي، نسقٌ واقف مسطح. أنا في القمة وتحتي جوانيات السرير. أجزاء مختلطة ومُعدّة، نعم مُعدّة ومرتبة في مربعات. أنحدر باحتراس. أعرف أين أضع قدمي. أتدلى لكن بعناية وحرص الى أن اصل الى الأخير. الى أن أقف في الخانة الأخيرة. عندئذٍ أشعر بأني استهنت بالقوى السفلية. لا أجد حولي وحول السرير سوى فراغ أتوسده تاركاً الألغاز تحيط بي. أنام تحت السرير كدمية مفتوحة اليدين وأترك كل شيء. أظن أني أحلم، بل أظن أن هذا هو حلمي النموذجي: أن أنتقل على سطح السرير كما ينتقل المرء على أغصان أرزة. أن يكون كل شيء مرتباً ومتراتباً. أحسب أني أحلم لكن ما ان أرويه حتى يقول الجميع إنه حدث، وإني تدليت حقاً من أعلى سريري الى أرض الغرفة. لم أكن أحلم. لقد حصل معي هذا الحلم الكوسموبوليتي. لقد حدثت كل الأشياء الطيّارة والهاربة. الاسطورة الوحيدة كانت أنا.
في الليل تختلط الصور كما تختلط الأحشاء. أقضي الوقت في جوانية صعبة. لا أعرف كيف أخرج من أحشائي. أجد ساقي مفجورة كبرج. رسوم دموية متدلية عليها. دوائر مسنّنة وخطوط وبلورات وركام حجرات. ثمة تداخل يقال إن عليّ أن أصمد. أن أترك الأجزاء تندمج وتتداخل. ان ذلك كله ليس سوى حظ لي. إن الثقل نفسه يمسك المشهد ويثبته. يقال لي اني أنبني من الداخل، إن أحشائي أيضاً تفعل الشيء نفسه. ثمة رعاف أو حرقة أو ثقل في كل مكان لكنها اصوات البناء من الداخل. اني شبكة اسمنتية فالناس ما عادوا يُبنون كالجص أو الفخار. انهم الآن يُبنَون كالجدران. أنابيب من الاسمنت وتركيبات معدنية.
أستيقظ أخيراً، النهار هو ذاته لم يتغير. طلال سلمان يحيطني بنظرته الواثقة. الأب الكبير ساهر، الشبان يبسطون الصفحات. العائلة هنا. لقد مر القطار على رجلي لكن «السفير» مستمرة ولا تزال توزع الصباحات.
السفير
4-9-2010
* * *
أشعر برغبة فـي الغناء.. فقصيدتك المنسية رددتها الحناجر
عبث الريح على سن الكلمة؛ في سيل الجنون الجارف إلى البعيد؛ في وحشية الرفق؛ أنجذب بمطر القصيدة الآتية من المستقبل كما يأتي النهار من الليل؛ تفتح الدروب؛ تعبر الآفاق؛ متفجرة؛ متجددة؛ شغوفة وحرة كالبرق؛ شفافّة وكثيفة كالريح؛ المجد لرقة الشعر؛ يا عباس؛ ماذا عليّ أن أكتب وعيناي تسرحان بين الكلمات على حفافي الجرح؛ وصفحات قصب الوجع تنبت نايات ساكتة على بحة مقام القصيدة؛ الكلمات تقفز الواحدة بعد الواحدة لترتمي بأفياء الهدب؛ حيث رائحة حبق وعتب وورد وتراب؛ إني أحاول أن أصفو من خلال صمتي أمام صفحة بيضاء أكتبها لك؛ لن يكون بوحي شجياً ولن يكون بارعاً؛ سأكتب حروفاً بلا تشكيل؛ بلا قواعد؛ ربما تكون كتابة على الحياة مباشرة؛
عندما أفقد المعنى أقبل على نصك بعبق المعرفة فألمس جمالاً وحشياً؛ عصياً على الاستيلاء؛ ووعياً حراً من أسر الكلام العذب؛ لا أعرف أين أذهب مع خفق إيقاع قصيدتك الذي يتسلّل في رعشة إلى ليلي؛ ربما إلى مجهول غامض ليتضح شيء ما؛ زرتك البارحة وكنت تغفو في دعة وهدوء؛ ألتقي بأصدقاء لم ألمحهم منذ زمن بعيد؛ ننتظرك لتنبثق من ظلمة النور؛ لنرتمي بظل عودتك الصاحية؛ أيها الصديق الجميل ما هذا الذي إنقضّ على خطوتك الواثقة؛ على حريتك الذاهلة لتقطف وردة الطريق الحائرة تعربش على سور حديقتك السرية؛ تنزلق على الجانبين لتشم رائحتها الذكية ولتنعم بشرابها؛ هل هي قصيدة منسية سلكت طريقها رغماً عنك ورددتها الحناجر عالياً كبرهان وليس ضماناً للخلود لعلي شعيب؛ لجهاد أسعد؛ قصيدة تحولت إلى أغنية هدفها خلق الأزمات وليست المواساة؛ هدفها الاستفزاز والمجازفة وليس الترفيه في وحشة هذا الكون؛ قلقك الدائم يا عباس دفعك إلى التمرّد على النفس لإيجاد بذرة تتوالد من تلقاء نفسها؛ تتفتح وتتحوّل إلى عطاء وذلك القلق هو ما يجعل الحياة ممكنة؛ البارحة غلبني النعاس من فرط الزحام المتداخل في يومياتي؛ لم أستطع أن أكتب لك؛ صحوت باكراً هذا الصباح عند انسياب أول شعاع من النور وبدأت سفري بالكلمات؛ الكلمة تقودني إلى بساطة كاملة؛ تجعلني أقرع جميع الأبواب لأصل إلى أعماق الأثر؛ أأنت هنا؟ هذا النداء يذوب في غمر العالم وفي موجة هذا الشك القاطع لليقين؛؛ هأنذا؛ مع برعم الصباح؛ بيد أن الهواء العليل ينسم قربه؛ لم أر وجهه؛ لم أعر أذني إلى صوته؛ لكني سمعت خفق خطوات هادئة لهذا الفجر الصامت الممتد كالبحر يرتعش بأغنيات الطيور وبالزهور الجذلى والشمس المذهبة في قرية تنسكب على البحر هاربة من سلسلة الجبال العالية؛ احتلت الشمس كبد السماء وطيور اليمام تهدل في فيء شجرة التين؛ نعاس لذيذ يجاذب عيني في كل مرة أعود إلى ضيعتي الساحلية مع ذكريات تجيء ولا تؤذي؛ ما زالت شجرة الكينا تنتصب أمام البيت حارسة للمدى وللحب الذي أحاط بنا، وكان جدي قد جاء بتلك النصبة وزرعها قبل أن تضعني؛ رجّون؛ تلك القابلة القانونية في صحن الماء الكبير بعد أن قطعت الصرّة التي تربطني بأمي الصغيرة؛ أتذكّر طفولة أولى ألعب وألهو في حدود بيتنا المصون بحديقة صغيرة خضراء وكان اللعب قادراً على خطف أنفاسي من صدري الهش؛ بين البيت والكنيسة والمدرسة تشكل عالمي الأول الصافي والبريء حيث تقف حدوده عند حدود خطواتي؛ والبحر كان يسوّر الجبال الهاربة من علو شاهق لتبلل أقدامها بالمياه الدافئة. بحر يتلألأ بأمواجه الهادرة في الشتاء القارس وسكونه الحالم في الصيف الحارق حيث كان يضفي على حرارة الجسد الملتهب شيئاً من طيف برودة منعشة؛ ولقد تعلمت عشق البحر من جدي يوسف ذلك الصياد العتيق؛ كان يأخذني معه إلى الشاطئ الصخري؛ يجلس بهدوء؛ يعدّ شباكه ويبدأ محادثته مع البحر وهو يتسلى بصيد السمك؛ كان جدي يغني للبحر وأنا والبحر نستمع لجدي وننطرب بشدوه الناعم؛ ذهبت اليوم إلى ذلك الشاطئ العمشيتي؛ جلست قبالته لأكتب إليك رسالة حب صامتة مرصعة بذهب الأمل؛ على الشاطئ صيادون لهم عيون ثاقبة؛ تلتمع ملابسهم المتسخة مع أصواتهم الصاخبة؛ هازئة بالأفق وهم يلقون شباكهم الماكرة في البحر لتتلقف أسراب سردين صغيرة تنازعهم عليها طيور البحر البيضاء؛ نظرتك البارحة يا عباس تتسلّل إلى نصي الصباحي؛ أعاود ترتيبه وأعيد صياغته كي لا أضيع الأشياء الجميلة؛ أتطلّع إلى السماء البعيدة إلى شمس تلمع؛ تلهث؛ تبهر؛ تخطف العين حتى لا أرى أين ولا كيف ولا لماذا وإلى متى؛ أتمتع وأتحيّر في الكون البهي اللون يسبح في فلك عظيم؛ كل شيء يدور حول شيء آخر؛ لا أشعر بالزمان والمكان؛ أصبح جزءاً نابضاً من وجود شامل يتلألأ ويتألق؛ أمشي خفيفاً شارداً وكأن جسدي ريشة والبحر الممتد أمامي يعبق بلونه النيلي؛ أتصفح الشاطئ؛ أبعثر رمله؛ أحدق في الأفق البعيد وأغني: من ينسى عيون الأطفال الخائفة في أرض موطني؛ من ينسى كيف يغوص الفلاحون في تربة خوفهم كالخلد؛؛؛ وحدي هنا يفتتني الانتظار في قيظ هذا النهار؛ أستنطق شعرية الصمت في حنين خفي إلى قصيدتك؛ يبللني الماء؛ يمسني شغف غامض؛ أعيد ترتيب الذكريات وأصرخ: يا علي؛؛؛ لا صدى لصوتي في هذا المدى المفتوح للأمواج ولا أحد يسمعني؛ يا عباس أشتاق لتلك الأيام التي عبرت هنا قبل أن نلتقي حيث كنت أفتح مسارب الهواء من أجل أقدامي المشغولة بالوصول إلى الهدف ثم أختفي وأتلاشى في مساء صيفي بعيد بمدينة المنفيين من كل حدب وصوب؛ باريس؛ حزيران لسنة 1967 التقينا في مقهى الفلوريس حيث كان يغصّ بالأصدقاء الجدد؛ حلقات من الوافدين أو المقيمين بداعي الدراسة أو السياسة؛ ولقد كوّن هذا اللقاء مناخاً اجتماعياً وسياسياً حاراً؛ أذكت طراوته الأحداث المتسارعة التي تجري في بلدنا والتي تأخذ طابعها الدراماتيكي المعروف؛ أذكر كيف رحت بخجل وتردد أعرض بعضاً من تجاربي الموسيقية الأولى؛ شاب متحمس؛ أخرق؛ يريد أن يجعل الأغنية سبيلاً لتغيير العالم؛ أن يخفف الألم والبؤس والفقر والحروب؛ أن يشعل ثورة مدعوماً بوتر وقصيدة ليستدل على الحلم ويصل إلى تحقيقه؛ أتذكر أنني أخذت المترو وللمرة الأولى من محطة سان ميشال إلى المدينة الجامعية؛ بعض الركاب كان يغط في نوم عميق ما ان يلامس جسده الكرسي، والبعض الآخر يستغرق في قراءة جريدته ولا يلتفت إلى وجوه الجالسين معه في العربة، وهنالك من يتابع حديثه ولا ينتهي عند وصوله إلى محطته النهائية، وأنا لم تفارق عيوني النوافذ بحثاً عن نور سيأتي من مصباح بعيد في ظلمة الأنفاق؛ كان الزمن آنذاك يمشي بطيئاً كسلحفاة، وكنت أستعجله لأكبر؛ استمعت إليّ وكان داخلك مشحوناً بالتمرد؛ ومثلما يفلت الزمن تفلت الأمكنة كما لو أنها لم تكن وكما في الموسيقى، حيث الجمل تمحو بعضها البعض؛ لا شيء يتكرر؛ كبرنا بأقصى سرعة واليوم نستمهل الزمن لنكمل القصيدة ولنقفل الأغنية؛ المهم أن تقترب الروح من الروح وأن تتسّع الموسيقى ويتسّع الشعر للإنسانية كلها في حزمة ضوء؛ في خفقة جناحي فراشة تحط على سياج جسر خشبي بين عشبتين؛ في شمعة خافتة وراء نافذة صغيرة؛ قريباً من الينبوع؛ من خرير الساقية؛ من ارتطام جناحي الحمام بسطح الفضاء المفتوح؛ لا حيطان ولا أسيجة ولا أبواب ولا سواتر ولا وطن للقصيدة وللموسيقى؛ نشتاق يا عباس لأيام عبرت قبل أن نلتقي لنولد من جديد ولأبعد جرحك المفتوح للمدينة التي بقيت جاهزة للذكرى، وخاصة تلك الأيام الصعبة حيث أقمنا في المدهش والمفاجئ والصاعق والغريب والنبيل، التي صادفتها ذات مساء جميلة تنبت زرقة صافية؛ صيفها اليوم ينوء بأثقاله على بناياتها المطوقة بالإسمنت؛ صور لم تعد ذاتها؛ أحس الشجن يفتّتني ولو للشجن صوت لكنت سمعته؛ كنت هنا وكنت هناك قبل قليل وكأننا لم نكن؛ حدث شيء غامض فحملت الريح قصيدتك إلى منفى ليس دائماً في المنفى وإلى وطن ليس دائماً في الوطن؛ يا عباس أعتذر من خلل هذه الكلمات المبعثرة على طول هذا الشاطئ؛ أتنهد وأعرف أنك تسمعني؛ فكيف نعالج روحنا المكسورة من وجع أرض تتسع وتدور وندور معها كغرباء، نتبادل الحنين الذي لا يفسّر، نشرب دمع العنب حتى الثمالة، وليس لنا إلا الريح نسكنه وندمنه ونتنفسه في سماء متموجة بقوس قزح وفي غيم أينع بعشب الروح؛ نحلم كثيراً وننام قليلاً، وكل لحظة نوم خسارة لرؤية النور ولهذا أطير إليك لألمك من نعاسك؛ لتتعافى وتعود بقبضة ريح تحملها بين جناحيك؛ وقفت قليلاً أمام غرفة الطريق في المستشفى لتصحو من نعاسك، وأنا أتطلع إلى السماء تنقحها غيمة بيضاء، وإلى وجوه الأصدقاء يلفها شوق الانتظار وكان الصمت الوسيلة الوحيدة لإبراز القيمة العاطفية لصداقة تأخذ عذوبة الحب، وأحسست بمطر يخترق أعماقي؛ سرير في وسط الغرفة يأسر جسدك الطافح من تلك الصدمة؛ يعصف بألق ندي وصبر طري؛ ونظرة شاردة تراقب الداخل والخارج؛ أبحث عن مفردات أحمّلها شوقي إليك فلا تأتي؛ أتطلع في الجدار المقابل فأرى زهرة بيضاء تخترقه وتمد خضرتها الداكنة في سطوة الحجر ولا تبالي؛ لم أدرك البارحة كم كان عليّ أن أسألك حين يئن صمتك من صمته ويتهدج صوتك بـ«أهلا»؛ هل كنت تحترف البكاء اللامرئي وتدس حرقته في الهروب؛ كم من سؤال مرّ بي فأجلته لأحترم التعب في عينيك؛ ولطالما طلبت من صديقنا إميل أن نلتقي في عشاء سري، لكن تحرّك الأمكنة والناس والأشياء والزمن في ضوء الحياة؛ في النار المشتعلة؛ حال دون أن نلتقي؛ يا عباس؛ هل هذه الكلمات تبني حياة جديدة نكون فيها لا قبالتها؛ أنتظرك لأسترد غبار الدروب الأولى الذي علق على أقدامنا؛ على درج بناية عزيزي بالمصيطبة، عندما كنا نسهر وشعرك يحوم في شقتنا بالطابق الثالث فوق سوق الخضرا؛ يقودني شوقي إليك هذا الصباح الحاني؛ البارحة نهدت في منامي؛ خفق قلبي وانتظرتك لأذرف عسل الكلام؛ ندائي يحتضن صرخة مبللة بالملح على أرض تترعرع بالقمح؛ عار إلاّ من شعاع الشمس؛ ألقيت في يم البحر كلماتي؛ أسير فوق عيون الماء كحصان مندى؛ أغرق في حنايا النص وأذوب في قساوة المعنى؛ أعود طفلاً أرنّم في ذلك الفجر الذي طلع عليّ في قريتي الساحلية، أبحث عن أمي بين عشرات الوجوه؛ طفل في الخامسة يخاف في أيامه الأولى بمدرسة الوردية؛ يخاف من عتمة تقترب بعد غياب الشمس؛ أبحث عن امي قبل أن أهزم وحيداً في فناء الملعب؛ كبرت قليلاً كبر نبتة الصبار على الحفافي والتي كانت تمنعني دائماً من العبور لأسرق عناقيد العنب من الدالية المغروسة في الحقل المجاور؛ وكل مرة كنت أقتلع من جلدي الحافي ذلك الشوك الدقيق حيث كان يختفي أحياناً في لحمي؛ وكانت الأفاعي تزحف بالقرب مني؛ أتبعها إلى جحورها حيت كانت تبيض؛ وأحيانا كنت أرى جلودها مرتمية في الحقالي آتي بها إلى البيت لأعلّقها على الحائط الخالي من كل زينة؛ وأنتظر نور جسر الدجاج يهاجرون كل صيف مع خيامهم إلى الجبال العالية ليسدوا رمق الحياة؛ لا يتركون شيئاً وراءهم إلا رماد المواقد المعدة للطبخ وللغسيل؛ هو هو نفس الإناء؛ يعيشون ليومهم؛ لا يعرفون ما ينتظرهم في الغد الآتي ولا ينتظرونه؛ يصل إليهم كما اتفق ويرحل كما اتفق؛ وتلك النورية الصغيرة التي كان حبها يناديني ويصرخ بي بصمت ويمتلكني ويسكنني ويتوجني بالحلم ويهيم بي ويأخذني إلى أعلى ثم أعلى؛ إلى شمس نهديها تحرقني والماء يسيل رقراقاً في جلسات الحب السريعة؛ كنت أحدق بملمحها الجذاّب بذلك السحر وبذلك الألق ليمسح عن جبيني تعب الرحيل الصيفي؛ وعندما كانت تعود من هجرتها القسرية في أول الخريف كنت آتي إليها من تعبي ومن خوفي ومن فرحي ومن حبي المغامر والعامر؛ أقفز وأقطف تفاحة البنفسجة وأندس تحت فيء عريشة خيمتها كالدوري؛ أشتعل بالدوالي أقطف حبة حبة وأذوق لسعة عسلها البرّي وتطال يدي زهرتها وتمتد إلى زغب العش الناري؛ أعتصره؛ أشربه وأطير عشقاً؛ سحراً؛ حباً وأعماق الأعماق يشفي جرحي المفتوح بملح الحب على أديم الجسد المضرّج بالنور والنار وأقطف الوردة السرية النازفة بالشهوة ونشتعل ولا ننطفئ؛ لقد حملتني الفصول إلى البعيد؛ أقلب المدن صفحة صفحة؛ أنتقل من مطار إلى مطار؛ أسكن في قاعات الانتظار؛ أعبر القارات ولم أعد أعرف إن كنت مسافراً أو إن كنت عائداً في أمسيات حافلة بالشعر والموسيقى والغناء مع جمهور مشتعل عاد إلى طفولة الأشياء؛ إلى زمن جميل؛ إلى حب يرفرف في أرجاء المطارح؛ الآتون إلى الساحات والملاعب؛ كباراً وصغاراً؛ يعيدون صياغة الحلم ولا يتوبون عن أحلامهم؛ ولا يأبهون لخسارة غدهم؛ يأتون للغناء ولمزيد من الحب؛ طفلة صغيرة لا تتجاوز التاسعة من عمرها برفقة والدتها تقترب بخفر شديد من الخشبة لتأخذ صورة؛ أضمها وتهمس في أذني فأتطلع بوالدتها مندهشاً فتقول لقد رضعت الحب مع الحليب؛ أرتجل موسيقى لتعانق القصيدة؛ ألقي بنفسي في غيم الروح ليتضّح المعنى ونستشف الأمل؛ يا عباس ثمة شمس في القصيدة فلا تذهب إلى النوم وحدك؛ الأحلام في انتظارك؛ يجف حبر الكلام ولم أكتب ما أريد أن أكتبه؛ الشعر صعب مثل الحب مثل السر بحاجة إلى موهبة ومكابدة وصوغ ماهر ورحلة لا تنتهي إلى البحث عن النفس في المجهول؛ لم نتحرر من شرطنا التاريخي؛ لكن القصيدة وفرت لنا هامش الحرية تعويضاً مجازياً عن عجزنا لتغيير الواقع وانشددنا إلى لغة أعلى من الشروط التي تقيدنا وتعرقل الانسجام مع وجودنا الإنساني وساعدتنا قليلاً على فهم الذات بتحريرها مما يعيق تحليقها الحر في فضاء بلا ضفاف؛ نحب الحياة وننخطف بزهرة الحفافي وننتظر مطرة الخريف الأولى ونمارس الحب كي نواصل الحياة؛ حين غنيت «يا علي» منذ ثلاثين عاماً ؛ مسّ الجمهور حنين عميق وصارت الأغنية ملازمة لأرض الجنوب؛ تسير إليّ وتطاردني؛ أجلس الآن وحدي في المقهى البحري والمشاة المسرعون بدأوا يملأون الشاطئ؛ أرشف فنجان قهوتي؛ أنتظر شمس الغروب لتصبح طعماً للسمك في بحر الظلام؛ لحن أبحث عنه يلاعب أوتاري؛ نوتة؛ كلمة؛ قطرة؛ وردة؛ أعيش كشفيف المناديل بعد سفر طويل زادي ظل المعاني في حب يسيل من مجون؛ وفي نداء يحتضن صرخة؛ انتصفت قنينة العرق؛ العود مثل امرأة عطشى على فخذي وكالاستسلام الأول نطّ اللحن من الوتر؛ أشعر برغبة في الغناء يا عباس: قاومت لتحرّر دمك؛ من عنابر الزيت؛ وفمك من مخازن السكر؛ وعظامك من مقاعد البكوات؛ وأمراء الدواوين؛ لكن؛؛؛ أين تجد هنا أرضاً لرأس طليق ويدين حرتين؛ عباس إشتقنالك؛؛؛
* * *
تعالي، أنا الشعر
حين التقيته أول مرة، كان عباس بيضون قد نجا لتوّه من عملية قلب مفتوح، لكن همته العالية ورشاقته لم تكن تشي بأنه تعرض لجراحة بهذا الحجم، كما أنها لم تكن تناسب رجلاً أو شاعراً بهذا العمر؛ حين أدركَ أنه نسي نظارته على المنصة بعد قراءة الشعر (كنا في الملاجة، قرية محمد عمران)، وضع كلتا يديه على الخشبة وبقفزة واحدة صار فوق. لدى عودته فرد ذراعيه لطفلة عابرة، وعندما لم تكترث لندائه قال لها «تعالي، أنا الشعر».
خفة عباس، وحيويته، وميله الدائم للدعابة كانت دائماً مفاجئة، وقادرة أن تضحكني من القلب.
لكن ما يمتع أكثر تلك القصص التي تروى عنه، عن نسيانه وشروده، عن الكلمات والتعليقات التي يتركها هنا وهناك. من فرط روعتها وفكاهتها يشعر المرء بأنه قد جرى توليفها، يصعب أن نصدق أن عباس بيضون هو كل ذلك.
لكنه كل ذلك حقاً. فهو المعلم (وأعرف أنه يأنف هذه الوظيفة)، الذي رغم اللقاءات القليلة أحفظ عنه أشياء لا تنسى. لشد ما أثار إعجابي حين رأيته في تأبين ممدوح عدوان ممسكاً بدفتر صغير يسجل عليه ملاحظاته، لتتحول في اليوم التالي إلى تغطية ولا أجمل لذلك التأبين، كيف نصدّق قصص النسيان مع تلك الانتباهات التفصيلية التي يصعب أن يراها غيره؟ ربما كانت مقالته عن زيارته للشاعر محمد الماغوط قبيل رحيله نموذجاً، لا لفرادة الانتباه إلى التفاصيل وحسب، بل هي نموذج للكتابة الفريدة، التي لا يشبهها سوى صورة مجرى لنهر يُشق في أرض قاحلة، سرعان ما يصير حقيقة، وحياة.
لكني مولع أكثر بكتابته عن المدن، عن أسفاره هنا وهناك، إنها أدب رحلات لا مثيل له، أستطيع أن أتذكر الآن وصفه للبحيرة، وللنقاش الذي جرى فوق البحيرة، وللتمثال، بل وكيف دسّ نفسه في فراش فندق طارئ. كيف حدث أن عباس بيضون لم يسجل نفسه كروائي حتى اللحظة (رغم روايته «تحليل دم»)؟
يحدث في بلادنا أن الكتّاب غالباً ما يصيحون أنهم بلا آباء، كي يقولوا إنهم جميعاً صنعوا أنفسهم وبدأوا من الصفر. غير أني وجدت نفسي دائم البحث عن أب، لو أردت أن أسميه اليوم لقلت بلا تردد إنه هو، عباس بيضون.
(كاتب سوري)
* * *
بسمة رجعت
مهيب أنت محتجب ومفتقدٌ بمقهانا وروضتنا/ جميل أنت معتكف ومحفوظ بمنفانا وغربتنا/ بديع أنت كالمرجان والأصداف والياقوت/ تقاوم كبو حادثة أصابتنا/ كما الزلزال/ لكي تمشي إلى الأوطان والبلدان في بيروت./ نُضمِّد حزن أغنية مبللة بمنديل بأدمعنا/ على الترحال/ لكي نرمي صدى الألحان والألوان بالأزهار../ لكي نرمي لصوص القمح والتاريخ بالأحجار../ أيا عباسُ شاعرنا../ عليم أنت بالمرسوم والمعزوف والمنحوتْ../ رؤوف أنت بالمحزون والمنكوب والمكبوتْ../ بكَ الإشفاق والغفران والتصويب والجبروتْ/ لماذا راهب الكلمات في جمع يحادثنا/ وفي فكر يحاورنا/ أضاء ظلام سهوتنا وغفوتنا؟/ بلا قنديلِ كهربةٍ ولا كهنوتْ./ فدحنا غيبة العباس.. كمملكة بلا ملكوت/ كلام الصفو مصدوم بدا خرسا/ كما المشطوبِ والمسكوتْ/ أيا عباسُ شاعرنا../ نريدك بسمة رجعت/ لتكتب كي تعانقنا/ بصبح واهج التشويق للمخبوء في الموقوت/ على عنوان صفحتنا../ تضاحكنا وتبكينا، تمازحنا/ بلاهوت هو الناسوت.. وتفرحنا/ تجادلنا وتحزننا، وتنصحنا/ بناسوت هو اللاهوت.. وتفلتنا/ وباقية «سفيرتك»، منارتك، سفينتك/ لتنقلنا إلى الكلمات.../ بأنوار وأشرعة تخاطبنا..
* * *
لا يملك إلا أن يعود
كأن حادثة عباس كانت تلوح في البال. ليس ذلك إلا قياسا لما كان يحدّث هو عن نفسه... عن ذهوله... عن شروده المتواصل في أزقة عالم لا يبدو قابلا للتغير إلا قليلا.
عباس بيضون هو بالنسبة إلي قصيدة النثر في تجلّيها الأسطع، إذ هو من قلائل أوقفوا حالة الذهاب النقدي نحو «جيل الرواد»، وأجبروا سدنتها على التوقف عنده باعتباره رؤيا وتجربة، وفي الحالتين نحن أمام عصف الشعر بالروح على نحو مختلف يقتصد في الكلام ليتيح المساحة الأوسع للمخيلة والصورة التي تتفاعل حتى تتحول مشهدا دون أن تقع في إغواء السردية التي تظل حاضرة، ولكن على طريقته هو، طريقة عباس بيضون.
بين مقالات نقدية كثيرة حظيت بها مجموعتي الشعرية الثانية «دفتر البحر» (1986) لا أزال ممتنا لمقالتين كتب إحداهما عبده وازن في «النهار»، وكتب الثانية عباس في «السفير»، وأثارتا في وقتيهما جدالات لم تخل من حسد، فان تعجب قصائدك شاعرا كعباس ليست مسألة سهلة أو يمكن العبور منها بخفة.
عباس في ذاكرتي مجموعات شعرية كثيرة، لكنني أتوقف بين وقت وآخر عند مجموعته التي لا تزال تعيش معي «لمريض هو الأمل»، والتي أهدانيها مع مسافر عائد من بيروت إلى دمشق، فكتبت عنها مقالة يومها، لكنني حين التقيته ذات «ربيع شعر» في دمشق وسألني عن خراب العالم، لم أجد مسؤولا عن ذلك سوى «الشق الذي في الجدار» كما كان يردّد في «مريض هو الأمل».
هل أتحدث عن عباس وأغفل الحادثة؟
وهل تستحقُ الحادثة المشؤومة تلك أن تكون في موازاة شاعر بقامة عباس بيضون؟
ذات سنة كتب عباس بيضون مقالة نقدية عن مجموعة شعرية جميلة وهامة للشاعر اللبناني شوقي بزيع، وأظنُ أنني لا أزال الى اليوم أحمل دهشتي من مجموعة شوقي أولا، ثم من قراءة عباس لها.
سيتماثل عباس للشفاء لأنه لا يملك إلا أن يفعل.
نحن ننتظره.
لا يهم أن ننشر في الصفحات التي يشرف عليها في «السفير»، بل المهم أن يطلّ هو من شبابيكها المفتوحة على الشعر والأدب، ليلوّح بيده لقراء لا عدد لهم لا يعرف هو أسماءهم، لكنهم ينتشرون في ربوع وطننا الكبير المثخن ولكن المتعطش للشعر والحرية، وما الشعر والحرية سوى توأم الحياة.
(كاتب سوري)
* * *
ترفــق بقلوبنـا
ترفق بقلوبنا يا عباس بيضون... كن بخيرٍ رغماً عن المكيدة المباغتة. سوف لن نحتمل هذا الفراق الفاجع.
[[[
ارتبط اسمه برعاية الجدل والانتماء للإرادة الثقافية الصعبة، كما عرى التابوهات بإحساسه الرفيع في التجاوز، وبات من الاستثناءات القليلة المشهودة في المشهد الفكري والشعري العربي المعاصر: فلا أحد مثله - إلا نادرا ً- يتذوق الجديد كحداثي متألق لا تشوبه التأزمات؛ فيما طاقته الكتابية تسلب الإعجاب بحرفنته المهنية العالية ذات الوعي الرزين والحر فنياً وسياسياً وجمالياً وشعرياً.
عباس بيضون المؤهل دائماً للضوء كمقاتل حلمي فريد من اجل سلامة الحلم، وكمخلوق واضح الأبعاد يدافع عن خياراته الفكرية بشفافية أنقى: هو عباس بيضون المنتمي الى الجوهر، والمعتز بعصاميته، وصاحب الخيارات الباسلة التي تنحاز للمدنية وللدمقرطة دونما استرخاء أو تذبذب.
الوطني اللبناني الانسانوي العربي العالمي بكل حيوية وموضوعية ثقافوية، ينقب عن الحب أينما وجد؛ وعن القصيدة أينما حلت، وهو جزء أصيل من تكويننا الذهني: رجلٌ حقيقي المكابدة؛ وسادن شغف أصيل، انعتق من الأيديولوجيات في عز تجليها، وأجرى مراجعة ذاتية شجاعة لكل اليقينيات، ولطالما أشاع الأمل في الأرواح اليائسة، كما تحوي مراجعاته النقدية الثاقبة سلطة أخلاقية تندر.
[[[
لنصلّ. من أجل استمرار شهيته المفتوحة على اتقان المعنى الخصوصي جداً في الأفكار والرؤى... لنصلّ. من أجله كقيمة سليمة الحس، وكمثقف وشاعر بجماليات وافرة وبلا ذرائع أو تحرزات... لنصلّ. من أجل عباس بيضون: ذلك المثال المعرفي الآسر.
(شاعر من اليمن)
* * *
رأسٌ أصلعٌ حزين
غبارٌ يهبُّ بين يديّ...
أسلّمُ عليه...
يستدير نحو جريدته...
فيظهر أمامي
رأسٌ أصلعٌ حزين
غارقٌ في تكاوين الورق الأصفر
يتدلّى خلف أذنيه
قليلٌ من الشَّعر
وكثيرٌ من الشِّعر والأسى
قلتُ له سأمرّ بعد يوم / مرّ عامٌ
فافتقدتُ غبارَ يديه/ وغبار وجنتيه
أحبُ أن أصنع دُمى له
تليقُ بعربات الملوك
صحوتُ فجأةً على قصيدة/وأنا أحدّثه
فغرقت داخل دلو من اللغات والوجوه
والدموع المتناسلة.
أرغب في اصطياد موجة
وأن أغمُرَها بذراعيّ
وأطرّز منها رغبات مجنونة
تغمرُ صدري
وتغمرُ ما تعلّمته طيلة ثلاثين عاماً
من التآكل/ أعدو
داخل صحنٍ لنفض السجائر
أفتش عن رائحة جسد ما
بين الدخان/عن ظلّ رجل ما
أتحوّل إلى مشط/ يكنّس أرض البيت
وأعواماً حزينة.../ هذه الليلة
لا أريدُ أن أتوقف عن كتابة ما يتساقطُ من شَعري
الموسيقى/ الشِّعر/ الأحلام
مررتُ بكَ كقصيدة عابرة
فلم تلحظ ما كنتُ أودُّ قوله
لكني لم أنطق بشيء
ابتلعتُ أغراضي الداخلية
وكوّمتها تحت وجهي
وخرجت من أمامكَ لورائك
فلم تتيقّن أني حتى مررتُ بك
ولم تعرف أن ظلي كان يهيم حولك
بين الكتب/ وتحت أقدام المارّين
ثم ينزوي في المقهى المجاور.
* * *
أنت تأكل الدنيا من رأسها
أعرف انك سوف تبتسم لكلام قيل عنك، وانت في عزّ معركتك ضد الحديد والإسفلت،
وللمرة الثانية، على حد تقديري، باللحم الحيّ، هذا اللحم الذي ما برحت تدافع عن أساطيره
حتى كتابة هذه السطور. لن أضيف هلعا كثيرا إلى ما قيل. ولن أطلب رعاية من الكائن
الأعلى حفظا لك، ولوجودك الحيّ الى جانب ميتاتنا الكثيرة، هذه الأيام، لعلمي بأنك ضنين
بما للبشر من طاقات، وللكائنات الصغيرة والمهدورة من مهارات، كفيلة بالتخليص.
إلاّ أني فعلت ذلك، للحقيقة، ومرارا، من الأعلى.
لن أضيف بأني خفت على أحبائك، على ولديك الحبيبين، بانة، الملاك الحارس، وزكي،
الإبن الشعلة.
أخي عباس، هذه الرسالة، لا تصدّق أنها للطمأنة فقط. إنها للاعتذار أيضاً .الاعتذار منك
لعلمي بأنك، وسوف تبقى، حتّى قيامك بعد شهر من الآن إلى الدنيا، تأكلها كعادتك من الرأس
أولاً، حامل هموم الشعراء وأوزارهم الكثيرة، والمطمئنّ إلى الغائب بمقدار اطمئنانه الى
الحاضر.
عرفت ذلك بالملموس،عشته معك، من شرق صيدا، إلى حيث هُجّرت، وصولاً إلى
بيروت، التي رسمتها لنا أجمل، وصدّقنا. وعشتها أجمل ولم تزل.
أعتذر منك. وأدعوك إلى تشويقنا إليك بغير الطرق الخطرة هذه.
قال لي ابني رجا، حين نظر إلى صورة تجمعني بك، وأنت ابتسامة كلك: أنظر، عمو
عباس عندو عينين خضر! وحلوين!
قبلاتي لك، الممنوعة كانت، ايام مستشفى الأميركية. أخي عباس الإنسان – ذوالعينين
الخضراوين -
الى اللقاء، هذه المرّة آتيك حتى ولو في منتصف الدرس.
* * *
كاتب الدهشة
رغبت أن أكتب لك حال سماعي بالخبر الاليم ولا أعرف لمَ لمْ أفعل، لكن رسائل الاصدقاء شجعتني. شعرت بأني أريد أن أقول لك ما تعنيه بالنسبة إليّ وإلى قراء كثيرين مجهولين.
أسميك يا عباس كاتب الدهشة، لأنك قادر على إدهاشي في كل مقال تكتبه، ليس لجمال لغتك وثقافتك الواسعة، بل لتلك الرؤية الفريدة والمميزة التي تمتلكها في كل مقال تكتبه. من مثلك كتب عن أفلام ايليا سليمان؟ من مثلك كتب عن التعذيب وسجناء الرأي وبيروت والمؤتمرات والندوات التي تحضرها؟
لا أحد يضيء عقلي مثلك، صدقني. ولا أحد قادر على إدهاشي مثلك. ونادراً ما أكمل مقالاً إلا مقالاتك. وهناك العديد من الأصدقاء المشتركين بيننا يشهدون كم أحكي عنك بافتخار واعجاب وتقدير، لدرجة أتمنى لو يكون هناك شارع في بيروت يحمل اسمك. لمَ لا!
أنت من المثقفين النادرين الذين لم يرتهنوا لأحد. كان ولاؤك للحقيقة وحدها. لم تبهرك الأضواء الزائفة ولا المغريات بكل أنواعها. وفي المرات القليلة التي كنت ألتقيك فيها في «السفير» وتصر أن تضيفني شيئاً، كنت أتفحصك كيف تقرأ باهتمام مواد عدة، وأتأمل الكتب المتناثرة على مكتبك وعلى الأرض. كان المشهد لوحة رائعة لمثقف يهدي حياته من أجل ثقافة حرة حقيقية.
أتخيلك تبتسم وتقول يا للمبالغة، وإنك لا تستحق كل ما كتبته، لكني أعرف أنك أيضا تعرف بذكائك أن للصدق رائحة، وأنني احتفظ بكل مقالاتك، وأغبطك، وأغار منك أحياناً، لأنك تتخطى كل الحواجز والخطوط الحمراء، ولأن ذهنك المضاء بقوة بنور الحقيقة يملي على قلمك كتابة ساحرة، كتابة لا يمكن تقليدها، لأنها نابعة من روح حرة.
شكراً لأنك موجود في هذا العالم ، وفي انتظار مقالاتك بلهفة...
(كاتبة سورية)
السفير 26 اغسطس 2010
* * *
عباس بيضون، انهض البحر في انتظارك
الحادث الذي تعرض له الشاعر عباس بيضون ونجا منه بمعجزة مؤلم ومقلق. أووه هذا كثير لم نعد نحتمل قلتُ في سري. ها هي مركبة تافهة تصدم شاعراً يعشق المشي في شوارع ليل بيروت، ربما كان القدر بجانب عباس هذه المرة، القدر الذي سيرتفع ليصبح في مرتبة الملاك الحارس. الغريب أن في ليلة الحادث هاتفته من مسقط، لم يجب أحد فاعتقدتُ أنه مسافر ربما. لم اعلم بالحادث إلا في صباح اليوم التالي عبر الصحافة ووسائل الإعلام، هاتفته في تلك الليلة لأخبره بأنني أرسلت له العدد الأول من مجلة "البرواز" المعنية بالفنون البصرية، وكنتُ قد حدثته في لقاءاتنا في بيروت وفي أول زيارة له إلى مسقط عن مشروع المجلة، وكان متحمساً ووعدني بالمساهمة فيها على أي حال اتصلت به بعد الحادث لأطمئن عليه، رد أحد أفراد أسرته بأنه في غرفة العناية الفائقة وأن حالته مستقرة رغم إصابته بكسور ورضوض في أنحاء مختلفة من جسمه، يا إلهي يا عباس لم حدث ذلك! كيف سنقرأ زاويتك الأثيرة "اشكال" في السفير، مقالاتك الإشكالية أيضاً في الملحق الثقافي ليوم الجمعة، غير أنك ستقوم بالتأكيد، ستنهض من السقطة ومن هذه المصادفة العجيبة والمؤلمة، الأمل يقول لي ذلك، المحبة تنبئني بأنك تسمع الآن هذا الكلام القادم من أصداء جبال مسقط، تسمع وتبتسم، الشعر أيضاً يقول لك انهض فهو يعترف بأنه يحتاج إلى قوة دفع إضافية فلا تخذله. كل شيء يقول أن جسدك سيحملك مجدداً إلى جولاتك الأثيرة في الشوارع وفي المقاهي ومقر الصحيفة التي تعمل فيها. في مهرجان لوديف (فرنسا) وقد جمعتنا أكثر من أمسية شعرية مشتركة، كنت تنتقل من ساحة إلى حديقة ومن حديقة إلى ضفة النهر المحيط بالبلدة إلى زاوية أمام مبنى قديم. تنتقل بخفة الفراشة حتى حسبتك رجلاً بلا أطراف كأن الأطراف زائدة عليك، منسية أو مهملة. لم تكن تبذل جهداً في المشي كأن المشي جزءاً من عادتك، شيئاً أشبه بالمشغل الشعري وحتى عندما تقول:
من أمرني أن أقف الآن
في طريق العربات
تلك القلعة التي باتت أسطبلاً
فأنا لا أصدق، لا أظنك توقفت يوماً بل لم تكن تتوقف أبداً كنت دائم المشي لكن المركبة الحمقاء، الطائشة قطعت عليك الطريق هذه المرة، ربما ينبغي اختراع مدينة خالية من المركبات والطرق السريعة، مدينة من الماء كحال فينيسيا مثلاً، على الأقل لكي لا تتألم أرواحنا وأجسادنا، مدينة يمكنك أن تمشي فيها "من جهتين في الظلام" دون حذر ولا عائق، تمشي وتمشي معك القصيدة أو الأغنية بإيقاع واحد، كما يمكن أن يتحول فيها الجسد إلى غصن والخطوة إلى ذكرى والصورة إلى قنديل ويمكن أن تُرى فيها الحياة من الطريق والنافذة ومقعد الجندول لكن بيروت هي بيروت أمثولة الشاعر وحنين المستقبل.
اذكر أن لقاءنا الأخير كان في بيروت في الــ"بلو نوت" مع أصدقاء آخرين، ولا اذكر السبب الذي حملنا لنتحدث عن عبثية الحياة وعن الوجودية، عن نيتشة وهيدجر وفكرة تخلي الآلهة عن الإنسان المقذوف وحيداً في هذا الكون، لكننا لا نحتاج الحديث عن هذا الآن، بل لا نحتاج لتذكر ما قيل في تلك الليلة، إننا ببساطة نحتاج إلى الإيمان بقلب دافئ بأنك ستغادر قتامة السرير والمستشفى، ستغادر حياة اللون الأبيض ليستقبلك أحباؤك وأصدقاؤك والشوارع التي تحبها بمهرجان من الألوان أنه موسم الصيف على أي حال، نحتاج إلى صلابة الرجاء، الرجاء الذي يُخيف العتمة ويقرب اللؤلؤ إلى الضوء والأحلام. يكفي أنك خبرة الألم وتمرنت عليه هذا بالفعل يكفي.
- عباس بيضون، الرجاء انهض، البحر في انتظارك.
شاعر عُماني، رئيس تحرير مجلة "البرواز" مقيم بين مسقط ومالمو
كيكا
* * *
هي الحياة كلّها حادث سير
إلى عباس بيضون منتصراً عليها
مذ نخرج الى الضوء نرتطم. بالهواء نرتطم. بيد الطبيب تصفعنا. بانقطاعنا عن مياه الرحم. وبانقطاع حبل السرّة عنّا.
ثم بالوعي. ثم بالخوف. ثم بالمعرفة. ثم بالوحدة. ثم بالقسوة. ثم بالحرب. ثم بالكراهية. ثم بالأوغاد.
هي الحياة كلّها حادث سير. من لا يفقد ذراعاً خلالها، يفقد قلباً. أو حلماً. أو أرضاً. أو كلمة. أو حقاً. أو ناراً. أو القدرة العفوية على الابتسام.
هي الحياة كلّها حادث سير. ماضٍ يلطم حاضراً. حاضرٌ يدهس مستقبلاً. هكذا دواليك. دواليب الزمن تتسلّى بأشلائنا. كلما ظننا دنونا منّا، انكسرت المرآة في وجوهنا ومزّقتنا إرباً.
هي الحياة كلّها حادث سير. تيه عن الطريق. فقدان سيطرةٍ على المقود. خلل في الفرامل. غبش في الرؤية. منعطف لم يكن في الحسبان. صراخ في العدم. انزلاق إلى هاوية. دخول في الحائط.
حزام الأمان؟ نكتة.
هي الحياة كلّها حادث سير. وننقصف إلى اثنين.
جسد يمشي طرق هذا العالم: ظلّ من لحم ودم، مشاهد من خارج لفيلم يجري بمعزل عنه.
أما الجسد الثاني ففي مكان آخر. دائماً في مكان آخر. المكان الآخر متاهة. والمتاهة دائرة. والدائرة مغلقة. ولا جدوى من مطاردة زاوية ما. الزوايا سرابات فحسب. والأبواب أيضاً.
ثم ننقصف إلى ثلاثة. فأربعة. فمئة. فإلى ما لا نهاية.
عبثاً نحاول جمع القطع اللامتناهية التي تكمل الصورة. فلا اكتمال. بل نقصان فحسب. نقصان ذاهب إلى مزيد من النقصان.
هي الحياة كلّها حادث سير. كذبةً علمية ظاهرةً تبخّر المياه. ما يصنع الغيوم ليس تسخين الشمس للبحار. هي دموعنا تتسلقنا، كلما تصادمت رغباتنا بمستحيل.
هي الحياة كلّها حادث سير، نعم. بل سلسلة حوادث.
أكثرها خطورة؟ ذاك الارتطام المروّع بيننا وبيننا.
ومعظمنا لا يسلم.
* * *
تعهّد 40 بليونيراً أخيرا تقديم أكثر من نصف ثرواتهم لمصلحة الأعمال الخيرية ضمن إطار مبادرة مشتركة أطلقها البليونيران الأميركيان بيل غيتس ولورين بافيت. وقّعت اللائحة أسماء معروفة من مثل عمدة مدينة نيويورك مايكل بلومبيرغ، ومؤسس مصرف "سيتي غروب" ساندي ويل وغيرهم. من أحدث المنضمين الى اللائحة المخرج جورج لوكاس.
طبعاً، الفقراء كثر في العالم. بل هم بالمليارات تأكيداً. ولعل مليون بليونير، من مثل جورج لوكاس، قد لا يتمكنون من تحريك جبل واحد من سلسلة جبال الفقر التي تجثم على قلب هذا العالم الحزين والمريض.
لكن المبادرة أعجبتني جداً. ذلك أن لا شيء "يجبر" هؤلاء الأثرياء على أن يكونوا آدميين، أصحاب ضمير، وشفوقين متعاطفين، في هذا العالم المتحجر البلا قلب والبلا ضمير.
فماذا لو بادر بعض بليونيريي العالم العربي، الى خطوة شاملة ومنظمة تشبه هذه؟
أثق أن الفكرة وحدها قد تجعل الدم يتجمد في عروق عدد كبير من هؤلاء.
ولكن، فكّروا معي: ماذا لو؟
النهار 23 اغطس 2010
* * *
من أصدقاء عباس بيضون.. باقات كلام (٢)
لم تعد أصابع عباس بيضون بعيدة عن القلم، هو بالفعل يهيئ نفسه لهذه المهمة، كما يهيئ نفسه أيضاً لاستقبال الرسائل الالكترونية والرد عليها. إنها حكاية أيام، فصديقــنا حرق المراحــل، وتخطى بشفائه توقعات الأطباء. صحيح أن الحادث الذي تعــرض له كان قوياً، لكن إرادة الحياة عند عباس كانت أقوى، وقد انتــهى الحرج، وزالت كل أنواع المخاطر، وعاد نسـيم الصبح يغسل قلــبه كــل يوم، خصوصاً أنه عاد بعاطفة أكثر تدفقــاً، وانفعــالات أكثر رهافــة، تجعل الدمعة نسمة فرح في وجهه.
خرج عباس من المستشفى، وبات أقل قلقاً على صحته، وأنه بخلاف ديوانه بات معلّم جسده، وباتت الحياة كلها تحت نافذته، أو بين ناظريه. خرج من المستشفى لكن قدميه لم تطعاه بعد ليجذف بهما نحو الجريدة، لكنه لن يحتاج إلى أكثر من أسبوعين كي يباشر الاتكاء عليهما، فيتنقل بين مكتبته وغرف منزله، كأن الثقافة المكتنزة في الكتب تحتاج، للأسف، إلى قدمين نظيفتين متعافيتين.
أردنا أن نُطَمْئِنَ أصدقاء عباس بيضون وقرّاءه، الذين ما برحوا يتصلون ويتسقطون أخباره بكثير لهفة، بأنه وإن تأخر ليصبح مشّاء وتعود رياضة المشي تهز ساقيه. ولن نخفيكم سراً أنه تجول أمس على كورنيش المنارة، لكنه لم يشعر بامتلاك المكان، كما قال، لكون رجليه لم تلامسا بلاط الرصيف. لن يتأخر عباس عمن ينتظر مقالاته ومواقفه وقصائده، ولن نطيل ابتكار الاستعاضة عن مقالاته بتحايا حارة إليه، أو بباقات كلام تحكّ الصداقة والذاكرة معاً.
لا نريد أن نسرد هنا لائحة كبار زوار عباس بيضون في المستشفى أو المنزل خلال الأسبوع الماضي، ولا تعداد من يتواصل معنا من كبار المثقفين العرب، للاطمئنان على مثقف استئنائي، زرع حادثُ صدمه خوفاً عليه وقلقاً على صحته. تطول اللائحة، تلك التي فاقت ما كنا نتوقع من الأصدقاء، فالمفاجأة سمة عباس المتنقلة معه.
صفحة ثانية من شهادات الأصدقاء، وباقات كلام بدلاً من باقات ورد السلامة.
* * *
بَوْحٌ لعبّاس بيضون: لا القرابة ولا العِشْرة
لم يكن للقرابة، في أيّ وقت، شأن بهذا الحب الذي أحفظه لك يا عبّاس. القرابة لا تُجاوز أن تكون شائبة في صورة المودّة، تداخلها في مخيلة من يسألونني عنك وربما في مخيلة من يسألونك عني أيضا. هل نحن قريبان أصلاً؟ لا تتبين لي قرابة بيننا حتى لو أوغلت إلى أوّل الجدود السبعة الذين يقال إن الولد تبقى فيه سمات من أيّ منهم. مع ذلك أشعر أن ثمة ثباتاً في شعوري حيالك هو ذاك الذي تكفله القربى ولا تكفي الصداقة لتفسيره. فأنا أحبك كما يحب المرء أمّه، مثلا.
ولا الجوار يحمل إليّ تفسيراً لهذا الحبّ ولا طول العِشْرة. نحن متقاربان في السنّ ولكن لم ننشأ في بلدة واحدة ولا ضمّتنا مدرسة معاً ولا كنا نلتقي إلا نادراً جدّاً ونحن صغيران. وحين التقينا في السياسة شابّين كان كل منا قد مشى شوطاً على مبعدة من الآخر. كنا نتقابل في اجتماعات «التنظيم»، في آخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وقليلاً ما أفضت هذه اللقاءات إلى تتمّات تُحتسب في باب العِشْرة أو إلى مبادرات من قبيل ما تتنامى به الصداقة: كأن نكمل الاجتماع في مطعم أو نتواعد في مقهى...
ولم نلبث أن تباعدنا في السياسة، وكان ذلك في أعقاب زوبعة مَزّق فيها ما سميناه «الانشقاق» صداقات كثيرة اتفق أن أطرافها توزعوا بين الضفتين. وكنت أنت من بين النادرين الذين حفظوا المودّة في الخلاف وذهبوا في محتوى الخلاف نفسه مذهباً متفرداً ولكن بلا تعصب. فألزمتني وألزمت غيري بحفظ الودّ لك تامّاً. مع ذلك، فقدنا فرصاً للالتقاء بعد انقطاع تلك الاجتماعات التي ربط خيطها بيننا بضع سنوات.
وحين أسأل اليوم متى وجدنا وقتاً للجلوس وحدنا ننسج هذه المودّة التي بيننا، يستوقفني صيفٌ في مطلع الحرب اللبنانية كنا فيه معاً في بنت جبيل وكنا نتزاور ونذهب معاً إلى «كازينو» عين إبل للقراءة والكتابة هناك. وكنا نتضاحك أنا وابن عمك الذي كان السواقون العموميون يُرجعون إليه قصيدتك المخطوطة «صور» (وكانت في قيد الكتابة أو المراجعة) كلما نسيتها في سيارة أحدهم. تذكُر أيضاً أنك كنت تأتي بالعلكة لصغيرتيّ (صغيرتيّ آنذاك!) فأخذَتا تناديانك «عباس علكة»! في تلك الأسابيع وحدها بدا أن صداقتنا علاقة تسهم في تشكيل الوقت والحركة، لا الروح وحدها، إذ هي تتخذ صورة العِشْرة.
لم تكن تلك إلا أسابيع إذن عاد بعدها اللقاء بيننا يتدبره غيرنا، في الأغلب، أو يحصل اتفاقاً. وكان هذا يورث فجوات بعضها كبير جدّاً بين لقاء ولقاء. مع ذلك، لم أشعر يوماً أنك تبتعد قيد أنملة. كنت تبقى، وأنت متوارٍ، في موضع أثير من نفسي لا يتبدّل، وكأنما أنت وديعة لوقت لا أعلم ما هو. حتى أنني رحت أتخيل أن منظرك ثابت أيضاً وأن سحنتك لا تتغير. ولم يفلح في زحزحتي عن هذا الشعور لا صلعتك المتفاقمة ولا كرشك الصغير الطارئ ولا عنايتك المستجدة بهندامك... أنت، يا عباس، في ما يتعدى تقطع اللقاءات بيننا، مَعْلَمٌ ثابت (ولو انه نابض) في حياتي: دفءٌ لا يفتر ونورٌ لا يَحول. وهو ما يجعلني أنسب إلى شخصك ثباتاً أنا أوّل العارفين أنه برق خُلّب. أنا أعرف كم تشيل الدنيا وكم تحطّ كل يوم. كان في هذا الثبات المفترض ما أنا مصدره وكان فيه ما أنت مصدره. ولكن كان بيني وبينك أيضاً أخي محمود. فأنت شخص من أشخاص أحببتهم مدى العمر لأن أخي الأصغر كان يحبهم وكنت أشعر أنهم يحبونني لأنهم يحبونه وكنت لا أرى ضيراً في ألا ألتقيهم ما داموا يلتقونه وبقيت أعدّهم عِوَضي عنه بعدما رحل.
مؤخّراً ظهرت في سمائنا الضيقة المشتركة مجلة - نجمة سميناها «كلمن» وعادت لقاءاتنا تتقارب شيئاً ما في هيئة تحريرها. أعتب عليك حين تتأخر أو تغيب عن اجتماع وحين لا تقضي معنا البرهة الحميمة التي تلي الاجتماع. أشعر أن الوقت الذي تحجبه عنا تأخذه مني. إسمع يا صاحبنا! إن كنتَ مزمعاً المثابرة على هذا المسلك، فلا تأمنْ أن ندور بك في المدينة (ما دمت محطم الساقين، جاهزاً على هذه الشاكلة) لنشحذ عليك ما نصدر به عدداً!
[[[
كيف إذن أمكن أن أحبّك إلى هذا الحدّ ونحن على علاقة لو قيست بأوقات اللقاء والمجالسة لبدت إلى الجفاء أقرب؟ السرّ فيك أنت يا عبّاس. السرّ في نسمة الودّ القوية التي تهبّ من وجهك حين ألتقيك وفي قبضتك المشدودة للمصافحة ومعها جسمك كله. هذا مبذول منك لي ولغيري ولذا يحبّك كل هذا الخلق. وأنت مع ذلك تتدبر أمرك بحيث تبذل دفء روحك وتستدرج الغير إلى مثل ما تبذل ولا تستقيم نسبة ذلك من جانبك إلى المحاباة. أقرأ ما تكتبه في أعمال أناس أعرف أن معظمهم من أصدقائك. ومن ذلك ومن غيره أعلم أن المؤاخاة ما بين حدّة الآلة الناقدة وصدق المحبة هي موهبة أخرى مدهشة من مواهبك. ومن مواهبك أيضاً (وقد أشار إليها قبلي بعض مُسامريك في سرير تيهك المؤقت عنا) ما تقتضيه حدّة الآلة الناقدة هذه من نباهة مطلقة ومن شدّة بأس في مَلَكة الملاحظة... وهذا في ما أنت تعرض للناس سُهومك وتعثّرك المرح بنثريات يومك.
السرّ أيضاً (سرّ حبّي لك حاضراً وغائباً) هو في أنك نسيج وحدك وأنك موجود في كل ما تقول وتفعل: في كل ما تكتب خصوصا. لذا كانت قراءتي كل مقالة لك لقاء تامّاً معك، ولذا كنت لا تغيب عني طويلا. والذين ألتقيهم بهذه البديهة (ويلتقيهم غيري) في ما يكتبون نادرون للغاية وأنت تعلم ذلك.
هل كنت سأبوح لك بهذا كله لو لم تنزل بك هذه النازلة؟ وهل كان هذا ماثلاً كله في خاطري أصلاً؟ وهل هو إلا الخجل الذميم حملني على تكليفك هذا الثمن لهذا البوح؟ وقد ذكرت مقالاتك توّاً ولم أذكر شعرك. وذاك أن التحدث في شعرك مهمة صعبة عليّ لا تنقضي بعبارة. فإن أنا وصلت من حديث شعرك إلى ذِكْر قيمته عندي ومقامِه من تشكيلِ عالمي فسيقال مرّة أخرى: رجلٌ يتعصّب لابن عمّه!
قل لهم إنك لست ابن عمّي يا أبا زكي!
* * *
إنّه يخبّئ لنا شعراً وفلسفة كثيرين
قلت للصديق الواقف قريباً منّي في المستشفى إنّ عبّاس دخل العناية الفائقة شاعراً، وها هو يغادرها فيلسوفاً. ذاك أنّه حين سألتُه ما إذا كان جائعاً، وما إذا كانت لديه شهيّة للأكل، أجاب بأنّه يأكل «بلا سياق... يأكل من دون صلة بين الأكل والواقع... يأكل كمن يقرأ في كتب قديمة».
والحال أنّ شعر عبّاس لم يكن مرّة إلاّ مشوباً بالفلسفة، وأغامر بالقول إنّ «الألم»، بمعناه الكبير، كان إحدى البُنى التحتيّة التي ينهض عليها شعره كما فلسفته.
وهذا، تحديداً، ما يجعل عبّاس ذا رأس «نورانيّ» بالمعنى الذي يقصده المسيحيّون: يرى إلى وراء ما نرى، ويرى أكثر ممّا نفعل، كما يرى خلافه.
وهو لئن نجا من مصائر زملاء أسلاف له، في عدادهم ألبير كامو ورولان بارت، جعلنا ننتظر ألمه والألمُ ينطق، واصفاً ذاته، ناقداً إيّاها، وربّما ساخراً منها. فالصديق الذي عاد من نزهة أخرى حملته إلى الأقاصي وإلى الأصول، وإلى ما وراء المرئيّ، وما تحته، يخبّئ لنا شعراً وفلسفة كثيرين. ذاك أنّ ميكانيزمات البقاء، في عبّاس، قويّة وسخيّة قوّة عبّاس وسخائه. وهذا كي لا يأخذ الموت مقاساتنا.
* * *
تعال معي نتذوق متعة العيش من جديد!
يا عباس!
من الشام أصرخ!
أنادي!
أناديك يا رفيق «الألم»! كي أبوح لك بأسرار انبثاق الصور وتخلق الأفكار والكلمات، عبر ذاك الألم الذي أخذنا إلى الغياب ومحا كل شيء، ثم أعادنا من جديد.
كأنه اليوم ذاته الذي صدمك كان قد صدمني أنا أيضا، وإذا لم يكن اليوم ذاته، فقد كان تموز بالتأكيد... فسقطت مثلك في العراء، وأصبح دماغي المرتج على طبق من «الهشاشة»، وأصبحت حبات من الرمل في صحراء.
لم أكن أعرف من قبل، أن كل ما يحتاج إليه الإنسان حين يكون رملا هو «الكلام» كي تنبثق الصور من جديد في داخله. كأن «الكلمة» التي اعتقدنا أنها كانت في «البدء»، ليست إلا وسيلة لتنبثق الصور، فننهض نحن لنعطي للصور طعمها ورائحتها، فتكون الدنيا ونجعل من الدنيا سينما.
حين انبثقت الصور يومها، لم أدرك للوهلة الأولى، ما هذا الذي جرى للصور بعد الإرتجاج الدماغي؟! لكني أحسست أنها صور قـد انفلتت من عقال «الكونترول» بكل أشكاله، وغدت السينما دنيا، والدنيا سينما!
ففي تلك العتمة التي أسرتني وذاك الوجع الذي اجتاحني، ظننت نفسي أني في خزان فيلم «المخدوعون»، وأني من ألمي أدق على جدار الخزان، لكن أحدا لا يستجيب... وحين سمعت صوت ياسمين تناديني وفتحت عينيّ ورأيتها تدق على زجاج نافذة الغرفة، ظننت أنها أمي وقد عادت لصباها الجميل. أما أبي الذي فقدته قبل خمسين عاما فقد ظل يطاردني ليخرجني من خزان «المخدوعون»، ويعيد إلي ملابس المشهد الذي كان يؤديه لحظة الصدمة، ويأخذ مني كفنه الأبيض الذي ألتف به ويعود إلى قبره، بدلا مني.
وحين فتحت عينّي لومضة استغربت أننا في هذا «اللوكشين» الذي يشبه المستشفى وتساءلت ماذا نفعل هنا وليس في السيناريو مشهد في مستشفى، وسألت بغضب عن تأخر الممثل نذير سرحان في الحضور، وهو الذي كان قد آلمني موته بعد مشاركته في فيلمي الأول...
أتعرف يا عباس؟!
حين كان المحيطون بي يومها يدركون شيئا مما أراه وأظنه، كانوا يشعرون بالأسى. أما أنا فقد كنت مستغرقا، لا أعرف إن كنت سعيدا أم لا، لانفلات الصور من عقالها الذي وضعناها نحن في أسره، عبر حياة فرض علينا أن نعيشها ونتحايل على كل الرقابات للتعبير عن جوهرها. لقد انبثقت هذه الصور وهي على وشك أن تفسد لكثرة ما حبسناها في دهاليز أرواحنا...
لا أريد الآن أن أحكي لك عن «الشجرة» التي أراد الإسرائيليون أن يقتلعوها من جنوب مسقط رأسك، بل أريد أن أوشوشك بحب، عن الصورة الأولى التي انبثقت يومها قبل عشرين عاما في رأس متكـدم بالصدمات.
فقد رأيت ابني الصغير، يقلد صبي الترام في فيلم «دو ديس كادين» تحت طرقات عجلات الترام لكوراساوا. وكان يقود مثله تراماً وهمياً على جسر طويل معلق فوق نهر الفرات. وأتذكر أني شعرت بحزن شديد حين أطللت من الجسر المعلق على النهر فرأيته مستنقعا أخضر لا حدود له. وشعرت بالوحشة الشديدة تتسرب إلى روحي حين أخذ سطح هذا المستنقع الأخضر «يبقبق»، فتطفو على سطحه أشياء حية تبلعط قليلاً ثم تعوم على السطح وهي تشبه رئات لا تزال فيها الحياة، لكن آثار حذاء يشبه «البسطار» قد داسها.
تلك الومضات كانت التخلق من جديد... وهي تبدو في ذاكرتي اليوم، كضوء كان حبيساً في حنايا العتمة، ويجاهد للخروج منها وهو في حالة من الإنهاك الشديد.
هذه الصور يا عباس! تقف أمامي اليوم وبعد عشرين عاما شهية وهي معلقة في الهواء، كثيفة كمذاق سكري في قعر الحلق، وقصيرة إلى حد يصعب إدراكها. شيء يشبه جوعاً خفياً، وعطشاً جوانياً. والصور تنـتـفخ وتكبـر فقاعاتها، فتبدو كأنها تقبب رغيفا من العجين على صاج معدني حار، يتحمّص ويتـقـمر وتطقطق رقائقه فتختفي الصور.
وبعد ضنى طويل، عاد صوتي وعثر علي، فخرّ في مكانه تعباً. بدا وكأنه عجوز يتوكأ على ما بقي منه من ارتجاجات وذبذبات لكي يصعـد إلى حنجرتي. كان أشبه بشريط عتيق وجد نفسه في مسجلة تخرب ملمس قارئها وآليته، فصار يمط ويتباطأ، ثم يعنّ وكأن لحظات منه قد تعرضت لمحو قسري لم تنج منه إلا بقايا الأحرف.
لكن حين مدت أمي يدها الحنونة ومسحت جبهتي وتداخلت خطوط كفها بخطوط جبيني، سرى الدفء في داخلي، وشعرت كأن نثرات متباعدة من جسدي تعود وتلتقي بي.
فتحت عينيّ، فرأيت شفاه حبيبتي تتحرك فوق عيوني كأنها تغني لي «المغنى حياة الروح». وهي تقرب من فمي شيئاً، كأنه قعر فنجان في داخله قطرة سوداء، يطلع منها بخار تفوح منه رائحة منعشة... ثم شعرت كأن القطرة قد سقطت في فمي، والتمس لساني طعمها، ثم ذاب واختفى. فاقترب مني ابني الصغير وهو يلبس صدرية المدرسة السوداء الخاصة بالمشهد «يلي كنا عم نصوره»... وكأنه كان يقرب من دمعة بعيني، أو من غبش على العدسة، فنفخ بخار فمه، وأخذ يمسح بأصابعه الدمعة أو البخار عن عيني وعن العدسة. ثم أدار رأسي بلطف نحو الباب، فشاهدت الممثلة الشابة هزار، تدخل إلى الغرفة وتتقدم نحوي على رؤوس أصابع قدميها الحافيتين، وهي ترتدي ثوبها المنزلي الأبيض، وتحمل باقة من أوراق «الحبق».
اقتربت هزار من السرير حيث أستلقي، ووضعت الباقة على وجهي، ومن بين أوراق الحبق بدا لي ظهرها الجميل خاليا من حبة البن! فنظرت إلى الخلف لأسأل مساعدتي لماذا لم ترسم لها الماكييرة اليوم حبة البن على ظهرها؟! فرأيت مريم تقف وراء كيس السيروم الذي كان ينقط نقطة وراء نقطة.
في نفق الطبقي المحوري يا رفيق «الألم»! حيث كانوا يستبصرون كتلة الدماغ المرتج، فتجول كاميراتهم في تلافيفه، بدت لي الصور على المينوتورات كأنها صور التقطت من الطائرات التي تحلق فوق مدننا. وأن السهم الصغير الذي يحركه الطبيب فوق الصور بدا لي كأن طيارا يسدد على أهداف ليقصفها. ولكن حين تناهى إلي صوت الطبيب يقول:
«في هذا الفص الصدغي تكمن القدرة على الخيال، ويبدو أن غشاء الأم الحنون الذي يغلفه، بالرغم من سطوته قد فشل في حمايته، نظراً إلى قوة الاهتزاز التي تعرض لها. أما هذه الخطوط الغامقة في التلافيف، فهي المشاعر والعواطف المحبوسة في الأعماق. والاهتزاز لا يصل إليها أبداً.
بهذه المشاعر المحبوسة في الأعماق التي لا يصل الاهتزاز إليها أبدا ها أنا أوشوشك يا عباس وأحكي لك عن تلك الصور التي انفلتت من عقال الكونترول بكل أشكالها... لأقول لك انهض لنتذوق متعة العيش من جديد، فلا يزال لدينا الكثير من الصور والكلمات والأفكار لنقولها ونرسمها.
(مخرج سوري)
* * *
حتّـى أنـت يـا عبـاس!
كان الجميع منشغلاً بمسلسل الكشف عن عملاء إسرائيل، حين وقع علينا خبر الحادث المشؤوم. حادثٌ كان من الممكن أن يكون عاديّاً وعابراً لو لم يُشتمّ من حيثياته رائحة تواطؤ آخر، مع عدوّ آخر للبشريّة، وهو عزرائيل. ولا أظنّ أنّ أحداً من شلّتنا لم يراوده للحظة الشعور ذاته عند سماعه وقائع حادثة الصديق العزيز عبّاس المروّعة، ولم يلعب الفار بعبّه لوهلة عندما تأكّدت له صحّة الملابسات الغريبة والمصادفات العجيبة التي أحاطت بحادثته!
ويكفي أن ينظر المرء إلى هذه الحادثة بعين سينمائيّة موضوعيّة، كي يستنتج وبسرعة مدى سذاجة عناصرها الدراميّة، وبالأخصّ حبكتها المصطنعة التي هي أشبه بفيلم تجاريّ مصريّ رديء: رجل يعبر ليلاً ساحة عامّة مرتدياً ملابس سوداء، وسيارة مسرعة تصدم الرّجل، فتحطّم أضلاعه، وتدلق أحشاءه، ويكون سّائق السيّارة بالصّدفة ابن جرّاح كبير يعمل في أرقى مشافي بيروت، وبدلاً من أن يلوذ الجّاني بالفرار ـ كما هي العادة في جاري الأحوال ـ يُسارع إلى إسعاف ضحيّته بنخوة عزّ مثيلها، حاملاً إيّاها بسيارته إلى المشفى، وهو يناشد هذا الأخير عبر هاتفه النقّال أن يستنفر غرفة العمليات فوراً لإنقاذ الرّجل المصاب، وهكذا تمّ الأمر!
المهمّ أنّ عبّاس اليوم نفد من براثن الموت، وتنفّس محبّوه وقراؤه الصّعداء لخبر تماثله السريع للشفاء، لكن، رغم ذلك، بقي غموض مريب يلفّ ملابسات حادثته الغريبة، وظروف نجاته. ونحن، وجميع المعنيّين بسمعته ونصاعة صفحته، لن يطمئنّ لنا بال، ما لم يردّ عبّاس، بالقرينة والدليل الحسّيّ القاطع، على تساؤلاتنا، ويدحض سرساب الشكّ المقيم فينا، هذا إن كان يهمّه فعلاً أن يستعيد ثقتنا العمياء به، كما كان الأمر من قبل.
لذلك، نتمنّى عليه أوّلاً، أن يكشف لنا، وبكلّ صدق وأمانة، عن سرّ تلك العلاقة الفريدة والمميّزة التي خصّ بها عزرائيل شخصه الكريم، ويفسّر لنا بالتحديد مغزى تسامحه الشديد معه، وتلطّفه به، وهو الذي لا ينفكّ ـ أي عبّاس ـ يتحدّى هذا الفاتك العنيد يوميّاً، ويستخفّ بقدراته الخارقة في كلّ مرّة يخرج فيها جنابه إلى شوارع بيروت للتريّض كما يقول، مطرق الرأس، لا يلوي على شيء، مزورباً حيناً في حاراتها كالخطّاف، وقاطعاً حيناً آخر طرقاتها بالورب أو بالعكس كالزيبق، وكأنّ اختراع الدولاب عنده مجرّد إشاعة لم يتأكّد بعد من صحّتها.
ثانياً، هل يُعقل ألا يكون عبّاس قد التقى في غيبوبته النيرفانيّة القصيرة بمثقّفين آخرين من بطانته، ممّن آثروا البقاء في برزخ السعادة الذي هم فيه، من أن يعودوا من جديد إلى شقاء الدنيا وعبث الحياة التي غادروها خائبين، وهو عكس ما جرى لصديقنا عبّاس الذي لا نــدري إن كــان عاد إلينا بإرادته، أم بإرادة من ضاقــوا ذرعاً بأفكاره وحوصانه، فطـردوه من جنّتهم.
وثالثاً، هل يُعقل ألا يكون عبّاس، خلال زيارته الماورائيّة الخاطفة والميمونة التي حظي بها، قد اطّلع، أو على الأقلّ وُضع في صورة معلومات أو صور رصدت تحرّكات شخصيات ثقافيّة وفنّية جاء اسمها في أجندة تصفيات قادمة. وأليس من واجب عبّاس الأخلاقي، في حال تأكّد امتلاكه لمثل هذه المعلومات، أن يبادر فوراً، وبالسرعة القصوى، إلى إخطار أصدقائه على الأقلّ بما ينتظرهم من مصير، علّهم يحثّون الخُطى، كلّ حسبما تبقّى له من عمر، فيعملوا بحكمة الرسول الكريم: «النّاس نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا»، وينفقوا في آخرتهم ما صمّدوه في دنياهم من أفكار ومشاريع إبداع، وإن تداركهم الأمر ولم يُفرغوا ما في رصيدهم، ورّثوا الباقي لأبنائهم، أو تبرّعوا به لأقاربهم، أو زكّوا به لطائفتهم.
ملاحظة أخيرة: كُتب هذا النصّ في زمن مشوّش وملبّد بالخيانة وتبادل التّهم بالعمالة، فاقتضى التنويه.
(مخرج سوري)
* * *
أيـن قصائـدي يـا عبـاس؟
قبل عشرين عاماً, كانت قصيدة غامضة تدخل إلى قلبي من غير كلام. كنا نجلس في بيت عباس في منطقة الهلالية ضواحي صيدا, ابنته الصغيرة بانا تغمض عينيها بعد عراك مع اخيها زكي.. قفزة قوية من زكي فوق سرير بانا. عباس جالس في كرسي قبالتي, يقرأ كلمات تحرك هواء الغرفة بملعقة عملاقة. الحاجة أم عباس تحيطنا ببياض خبريات عن طفولته في مدينة صور وحبه للقراءة وبعض مغامراته.. فجأة تنهي كلامها كأي امرأة مسنة بالدعوات له قبل أن تدركها حسرة لا تنقطع على أخيه الراحل في عز شبابه. ما بالها القصيدة تعدو ورائي منذ أكثر من عشرين شتاء. ترسم خط حياة لا يلمحه إلا من يحدق في عيني عباس اللتين تلمعان بنور نسيان لم يكن ربما إلا ذريعة تخفي حلمه بالطيران أو أسماً جديداً للندم، أو ربما كان النسيان مأوى يحملنا الى السؤال أيهما أكبر الحياة أم الموت؟ نظر في المرآة, لم ير وجهه, تهدلت أنفاسه في دوائر من دخان سيجارته وكأنه يقول: ما الحكمة ان تكون شاعراً, نجاراً أو صانع قنابل؟
ـ أين قصائدي يا عباس؟
ـ نسيتها فوق الطاولة, ربما كانت في جيب البنطال وهو الآن يدور في الغسالة.. ضحكة ساخرة يقطعها الهبوط الحاد لظل حاجبيه الكثيفين فوق قصيدة لا يمكن بلوغها.. كيف نقتفي آثارها وقد ولدت قبلنا, لتسعى بنا إلى الينابيع.. هي كل ما تبقى لنا قبل أن يفلت الخيط الذي يعقد سبحة الحياة ويعقدنا بها.
قد تكون الحياة نقشاً على صفحة ماء أعلى قليلاً من الألم الذي كلما كبر تبدلت ملامحنا ولمعت، لتفلت من أسرها وتشيد مكاناً على مقاسنا. حين نكون على تماس مع الألم وليس باستطاعتنا أن نهرب بعيداً, لا نكفّ عن النظر الى نافذة مسحوبة من خلايانا التي تتفتت كل لحظة حتى نقطة تستأنف فيها التشوش وتتغذى من الاختلال لتعيد صنع نفسها من جديد. نافذة مفتوحة أمام فوهة غائرة مدوخة. ظل نافر لاشتعال نتف حياة خافتة لا تزال تروي انحناءاتنا فوق سطح الارض التي حين تتألم لا تنز دماً، بل تنز موت الضعفاء. إنها بلاغة الألم الذي لا نخشاه حين نعرف أن هناك من يحبنا.. وحده الألم يلهمنا زقزقة عصفوره، الألم ليس صفة ولا طريقاً ندور حولها او نتحاشاها بل نقتحمها لنتغلب عليها.. إنه يسري بنا إلى التشابه, يدعكنا, يقلبنا في أقبيته.. لو محوت بما سنمتلئ. ما أكثرك وما أقلنا.. أيها الألم!
قبل عشرين عاماً, حين التقينا أول مرة كانت رائحة بحر صور تلسع كلماتك, وكانت عيني تقتنص المشاهد الهاربة, المرأة التي كنتها قبل أن أعرفك صارت اكثر هدوءاً، بعدما تقلبت داخل عشرين عاماً خلف جدار بللني بزرقة موجه تكسرت بداخلي مثل حطب لتستعير فيها نار الموقد...
أرسمك قامة واقفة يكلل رأسها ضوء كثيف اضفي عليها الكثير من اللون الأزرق لتسبح في ظلال آخر كائن نتعلق به, ليكون صديقاً قديماً, عنصراً سادساً يضاف إلى حواسنا الخمس.
ألم يسرِ بنا إلى التشابه هو أيضاً صديق.. صديقي سلامتك ليظل الشعر سارحاً على مخدتك كصياح ديك يؤنسنا عند الفجر.. لا تغمض عينيك اريدك ان تبقى وبقلمك نصنع حذاء لغطرسة الغياب!
* * *
صاحب الفـرادة
كنت أريد كلما فرغت من قراءة مقالة لعباس بيضون أن أعبر له عن اعجابي بالاسلوب الذي يكتب به، لكني كنت اتخيل دائماً، أن الرجل لا يستخدم الإيميل، ولا علاقة له بتكنلوجيا التراسل الاليكتروني، فنصوصه تشي بأنها لم تمر في هذه القنوات، بل هي آتية من مكان له رائحة الحبر والورق، وتبرز منها خشونة شواربه الكثة.
نتقاطع في الشارع احياناً، ونكتفي بسلام متلعثم، وأسئلة عابرة، فنبدو محرجين في الحديث. ربما لأنه لا يوجد لدى أي منا شيء شخصي يقوله للآخر سوى سؤال: كيف الحال؟ يخرج منا في نفس اللحظة، ومن دون تأخير تأتي الإجابة، متقاربة أحيانا، ومختلفة قليلاً في أوقات أخرى، وفق مواصفات المزاج؟ إنه سؤال نافل، فالحال تمشي على هواها من دون أن يسندها أحد، حتى تأتي عاصفة فتبعثرها، مثلما حصل له في تلك الليلة المشؤومة.
في أحاديث عنه مع أشخاص آخرين كان الجدل، دائما، يتناول شعره، ولكني كنت أجد نفسي، في أحيان كثيرة، ومن دون وعي اشرد فأذهب إلى نثره الفريد، الذي كان يذكرني بالناثرين الكبار مثل بورخيس وكامي وحتى روسو، وقد قرأت له رأيا طريفاً، نقله عنه أحد الأصدقاء، انه قال كنت أحلم بأن أصبح مفكرا، لكني قبلت بالشاعر كترضية.
مفكر ياعباس، نعم ولم لا؟ ظلت اللغة لديك تركيبية، غالبا ما توّلد تفكيرا حقيقيا بالغنى والوضوح واللون. أنت الكاتب الذي بقي في حال تساؤل لا يتبدل، ليس على نحو استعراضي أو تأملي، حيث الفكر يقلب بتكاسل فكرة واحدة وصفحة واحدة، وإنما في جدل يتشظى فيه الفكر ويبقى في حالة اندهاش. فما من موضوع يبدو بعيدا عن تناولك، أو أقل بعيدا عن اهتمامك.
ليس في الاستطراد العربي ما يلائم هذا الرجل،لا في الملبس ولا في الكلمات، فما أن يتوقف عن إعادة الجملة وتقليبها، إلا وتنفرش مثل ساق مزهرة ناشرة فروعها في اتجاهات عديدة بزخم استوائي، ومتفتحة في أفكار عديدة متراكبة في آن معا، حتى لو أدى ذلك إلى دحض نفسه بنفسه من دون كلل.
كلما قرأت عباس اشعر بأنه يقرأ ويكتب بنهم الشره للطعام والشراب، رغم اني احس بأن هذا امتع وألذ له من دون شك. تبقى صورة واحدة تراودني كلما فرغت من قراءة نصه انه يكتب بزخم، يلتف بالمقال بشكل مخروطي، يحفر على الصفحة البيضاء، يجلس عليها، يأخذها إلى الفراش، ويتدحرج عليها، ومن ثم يعود ليغرقها بالحبر، إذا شعر باهتمام كاف.
(كاتب سوري مقيم في باريس )
السفير
20 اغسطس 2010
* * *
صور عباس بيضون
حيرام من ملوكها
وزوس إله الآلهة كان يزورها كلما سنحت له الفرصة , وهناك سيقع في حب أوربة ابنة ملك صور
وأخت قدموس, صهر آلهة الجمال أفروديت , الذي أدخل الكتابة إلى اليونان
طاف بعدها في الشمال البعيد بحثاً عن أخته المخطوفة
من سواحل كنعان وليبيا وقرطاجة ستذهب السفن نحو شواطىء الأطلسي محملة بالفسيفساء والنسيج.في جهة من جهاتها تتمدد قانا تحت الشمس , التي فيها حول المسيح الماء إلى خمر
واحتمت تحت بقايا حجارتها الرومانية عيون أطفالها التي تشبه صدف الفونيق الأرجواني
لأن طائرات الفانتوم كانت تريد أن تردم البحر فيها وتعيد تأليف المكان
لكن قانا ابنة صور لها سبع أرحام
وحبال سرة مدفونة في الرمل والحجارة
وفؤوس ,وغيم ينام على كتف أهلها
************