لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

فضة متربة

أمجد ناصر
(الأردن/ لندن)

منديل السهروردي

(إلى بشار زرقان وعيسى مخلوف كلٍّ لسبب)

أمجد ناصرلو أن هذه الحكايةَ عبرت المجالَ القنصيَّ لأذني بورخيس الصقريتين لاصطادَها على الفور، وشكَّـها في حبل طرائدِهِ الثمينةِ من الملكين ومتاهتهما إلى حريق مكتبةِ الاسكندريةِ الذي ينسُبه، من غيرِ بيّنةٍ، إلى عمر بن الخطاب بحجةِ أن للكتاب أصلاً لا يضيع. لا أعرفُ، كيف ومتى وصل إليَّ هذا الكـُتيّبُ الموسومُ بـ 'ديوان الإمام شهاب الدين السهروردي' الذي بدا، عندما رأيتهُ في مكتبتي أولَ مرةٍ، كخطأ مطبعيٍ كبيرٍ ولكن ما إن فَتحتهُ حتى شممتُ رائحةَ دمٍ جافٍّ ثم ما لبثتُ أن رأيتُ يداً مقطوعةً راحتْ تنزفُ، ثم كأنني رأيتُها تتحول منديلاً طارت به هبّةُ ريحٍ مفاجئة. لم أكن لأهتم بالسهرورديِّ الذي كلما نطقتُ اسمَه أضافَ صديقٌ لي، لن أفاجأ ذاتَ يومٍ بانتحاره، لقبَ: المقتول، لولا أنني سمعتُ في غرفتي في فندق 'كونتننتال' بالقيروان أبياتاً من قصيدةٍ له مغناةٍ بصوت مغنٍ سوريٍّ يضربُ، في سرنمةِ أعماقِ تامةٍ، أوتاراً غيرَ مرئية بأصبعٍ مجروحة. تسللَ إليَّ السهرورديُّ، وكنت أخفَّ من ريشةِ طائر نَفَقَ وهو يعودُ إلى موطنه على آخر نفسٍ، فلا بدَّ أنه وقع َ على شيءٍ في نفسي وإلا كيف ظللتُ أردّدُ لأيامٍ 'أبداً تحنُّ إليكمُ الأرواحُ'؟ يبدو أن عاقبةَ البوحِ هي التي جذبتني إلى القصيدةِ التي لم أسمع بها من قبلُ وعجبتُ كيف يعرفُها قبلي، أنا الشاعرُ المهتمُ بتاريخ الكتمانِ، مغنٍ تتدلى قذلتا شَعر ٍ على صدغيه. ومن دون استطرادٍ على جاري الحكايات التي تراوغُ الليلَ سأروي لكم بصوتِ مَنْ كان العماءُ قناعه المخاتلَ حكايةَ السهروديِّ والراعي التركمانيِّ، قانصاً إياها من الكتيِّب سالفِ الذكِر، فلن أنسبَ شيئاً إلى نفسي، كما فعلتُ في 'ذهب الاسكندر' التي لم تكنِ، في الأصل، سوى حكايةٍ روتها لي جدتي 'ثنيَّة الدخيل' في طفولةٍ لمَّتْ شَتَاتَ الأحاديثِ بين الإزدجارات والركلاتِ المطوّبةِ، كحقٍ مطلقٍ، لمن هم أكبرُ مني سناً:كنا رهطاً بمعية شهاب الدين السهرورديِّ نشيلُ الخطى ونحطُها بالقرب من 'القابون' في ظاهرِ دمشق الشامِ نترنّحُ جوعاً عندما رأينا قطيعاً من الغنم يرعاه رجلٌ تركمانيٌّ (... عرفنا ذلك، على الأغلبِ، من ثيابه وربما من كلماته المسّنونةِ التي كان ينهرُ بها قطيعَه وإلاّ ما الذي يجعلُ التركمانيُّ تركمانياً؟!) فطلبتُ من الشيخ نقوداً نشتري بها رأساً من الغنم نذبَحهُ ونأكُلُه (لا أعرفُ كيف تسنى لنمورنا الداخليةِ أن تَتَحَفزَ لشقِّ العظامِ ونحن برفقةِ رجلٍ يتبلغُ بتمرةٍ وكسرةِ خبز؟) فأخرجَ الشيخُ عشرةَ دراهمَ وقال لي ليس معي سواها فانظر ما أنتَ صانعٌ بها. ابتعتُ رأساً من التركمانيِّ الذي كان معه صاحبٌ اسْتَبْخَسَ الثَمَنَ فلحق بي وقال ردَّ هذا الرأسَ يا صاحِ وخذْ واحداً أصغرَ منه. فلم أحفل به ومضيتُ ألحقُ بالشيخ الذي لم يكن يطأُ الأرضَ بقدميه. غير أنَّ الراعي الذي حمَّسَتْهُ جسارةُ صاحبهِ لحقَ بي وطلبَ أن أستبدلَ الرأسَ بواحدٍ غيره. فرفضت. لكنَّ التركمانَي ظلَّ يحوطُني بدائرةٍ من تمتماته التي لا بدَّ أنها لعناتٌ مكظومةٌ من دون أن أردَّ عليه فقال لي السهرورديُّ امشِ واترُكُه لي. فصار الراعي يسدُّ الطريقَ على الشيخ أنّي اتجه ولما لم يجد استجابة ً اقترب منه وشدَّه من ذراعه فإذا بها تنخلعُ من أصلها. بُهِِتَ التركمانيُّ وهو يرى في يده ذراعَ الشيخِ المقطوعة َ تنتفضُ وتقطرُ دماً فرماها وولى هارباً، فانحنى السهرورديُّ على الأرض ولمَّ ذراعَه المقطوعةَ واتجه نحونَا، نحنُ الذين تجَّمدَ الهواءُ في قصباتنا، فلما وصلَ إلينا لم يكن في يَدِهِ سوى مندِيلِه الأحمر.

لندن – صيف 1998

***

الخاتمُ القيروانيّ

مذ رأيتُ هذا الخاتمَ بيد الشاعر سعدي يوسف شدَّني إليه. حاولتُ في تلك الأمسية في 'حانة سالوتيشن' أن أتفادى النظر إليه فلم أستطع. لا بدَّ أنَّ سعدي لاحظَ ارتباكي وميلان َجذعي صوب يده اليمني حيثُ كان الخاتمُ، ربما شرخُ طغرائِه، ينفثُ ذرورَه. أبديتُ إعجابي به فخلَعَه وأعطانيه مُدمدماً ما يشبهُ القولُ من السلف إلى الخلف ، فمن الصعبِ أن تقطعَ بما يقولُ سعدي عندما يتخذُ، لسببٍ ما، هيئةَ قنفذِ قصيدته الشهيرة. لكن هذه ليست بدايةَ ولا نهايةَ مطافِ الخاتم الذي كان في الأصل لمتصوّفٍ قيروانيٍّ لم يملك عندما وافاه الأجلُ شيئاً ذا قيمةٍ غيره (أم عساه خاتمُ الولايةِ ونحن لا ندري؟) فورثَه ابنُه الذي سار على خطى أبيه حتى سَمِعَ الشاعرَ العراقيَّ يقرأُ في أمسيةٍ له بالقيروان قصيدةَ 'الأسلافِ' فأعجبته إلى درجةٍ لم يجدْ ما يعبّرُ عن إعجابه سوى أن يقدمَ له خاتمَه، فقَبِلَه الشاعرُ ذو الدمدماتِ السبعِ حائراً ما يفعلُ بخاتمٍ فضيٍّ مفلطحٍ في طغرائه شرخ.

بعد سنةٍ، تقريباً، كنت في 'ساوث هول' قلعةِ الهنودِ المنيعةِ في غرب لندن أُعرِّضُ حواسي لروائحِ الشرق كيما تظل يقظةً فلا أدفنُ، على حين غرّةٍ، في مقبرة 'غرين فورد' عندما دخلتُ محلَ صاغةٍ وطلبتُ إصلاحَ الخاتمِ. سألني الصائغُ الهنديُّ إن كنتُ متأكداً، فعلاً، أنني أريدُ لحمَ الشرخِ، فأجبتُه منعماً. فلحمَه ما أمكنَ. لكنَّ الخاتمَ ضاقَ على بنصري الأيمنِ فنقلتُه إلى الأيسرِ فكان أنحفَ من أن يصمدَ فيه.تغيّرَ شكلُ الخاتمِ فلم يعدْ مفلطحاً.إمَّحتْ الطغراءُ التي اعتبرتُها مجردَ شكلٍ كاليغرافيٍّ.ليتَ شِعري ما الذي كان مكتوباً فيها؟أهو لغزٌ كان عليَّ أن أحلَّهولم أفعلْ؟أم رسالةٌ لم أكلّف نفسي عناءَ قراءتها؟ لاحظتُ بعد ذلك أن الصحوَ الصباحيَّ لم يعدْ مهموزاً بالبروقِ، التوقعاتِ، الترانيمِ، الوعود الطائشة، وأنني جعلتُ أشيبُ بسرعةٍ من دون أن تظهرَ عليَّ عوارضُ الحكمةِ، الصمتُ الدالُّ، التولي عن السبقِ الضاري على الموقع والمكانة................تأكدتُ بعد فوات الأوانأنني فعلتُ شيئاً إمْرا.ولكن هيهات أن أعرفَ ما هو.لندن - صيف 2001 في ضريح ابن عربيجالساً جنبَ ضريحِكَ المحميِّ بزجاجٍ لا يصدُّ البركات أفكِّرُ بخطاك تطيرُ من اشبيلية إلى دمشق مروراً بمكةَ التي تَفَتَّحتْ على بعد شهقةٍ منكَ تحتَ شّمسِها العموديةِ وردةٌ فارسيةٌ زعْزعتْ (أم أقولُ عَّززتْ؟) إيمانكَ لمَّا دخلت امرأةٌ وفتاةٌ وتدفقَ ضوءٌ باردٌ من الدرج. المرأةُ والفتاةُ بالطول نفسه وبمنديلين مختلفين على الرأسِ، منديلُ المرأةِ الأسودُ محكمُ الشدِّ بينما تلقي الفتاةُ منديلَها الموّردَ باهمالٍ على رأسها. ليس الشبهُ بين الاثنتين كتشابه إختين أو أمٍّ وبنتِها ولكن كصِبا وكِبَرِ شخصٍ واحدٍ جنباً إلى جنب. الفتوّةُ بكهربائها التي تسيلُ من الأطراف وتلسعُ من يصادفُها، ووردةُ الكِبَرِِ بعطرها المنكفئ إلى الداخل. بعينين مصوبتين إلى هدفهما توجّهت المرأةُ إلى الضريح أما الفتاةُ فمسحتْ بعينيها اللاعبتين الأرجاءَ فوقعتْ عليَّ جالساً في الركن الشرقي أسدِّدُ إليها، أنا أيضاً، عينين تتدرجان من الفضول إلى الأخذ. المرأةُ المحبوكةُ القوامِ شدَّت الفتاةَ من يدِها وتمتمتْ شيئاً في أذنها، لكنَّ الفتاةَ التي لم تتوقفْ عن مدِّ حبل النظراتِ إليَّ تحسّستْ منديلَها المُلقى كغوايةٍ محققةٍ على رأسها ولم تغيّر من وضعه. كنتُ على وشك المغادرةِ بعد أن سجلتُ ملاحظاتٍ عن المدفونين بجوار 'الشيخ الأكبر'، الأشعارَ، البياناتِ المكتوبةَ على الجدران، السجادَ الذي حمله على أكتافهم مريدون من كلِّ فجٍّ عميق، غير أنني تسمَّرتُ بالخدرِ الذي رمتني به عينا الفتاةِ المفتوحتان على ما لا أدري من مجاهلَ. لم يكن في الضريح الذي تنزلُ إلى سكينته من المَنْحَلةِ البشرية لـ 'شارع المدارس' سوانا الأربعة: المرأةُ، الفتاةُ، أنا وخادمُ الضريحِ الذي تلبَّثَ عند المدخل يتفحّصُ سجادةً مهترئةً بعينٍ ويطبقُ علينا بالعين الأخرى. مرَّتْ غيمةٌ ثقيلةٌ فحجبتْ قرصَ شمسِ الظهيرةِ الشتويةِ لكنَّ الضريحَ ظلَّ يسبحُ في هيولى خضراء. لا أدري كم مرَّ من الوقت وأنا أحاولُ تعديل جلستي لأرى وجهَ الفتاةِ التي لم تتوقف المرأةُ عن جذبه إليها لكنني عندما تمكنتُ من زحزحةِ ركبتَّي المُنمّلتين لم أر أياً منهما، تلَّفتُّ فلم أجد أثراً لخادم الضريح الذي أخبرني كيف ظلَّ تابوتُ الخادمِ السابقِ يتوجهُ إلى الضريح كلما حاول مشيعوه أن يدفنوه خارجاً فانتهى بهم الأمرُ إلى دفنه بجوار سيده. كما لو أنني أصبتُ بعدوى الكشوفات التي يزعُمها الصوفيون لاحَ لي أن المرأةَ والفتاةَ ليستا سوى 'النظام' * في تجليين مختلفين. المرأةُ التي صارتها وأدركت لِمَ أثقلَ ابن عربي ديوانهَ بشروحٍ لها علاقةٌ بالسرِّ لا بالشِعر (سيقولُ البعضُ: ما الفرقُ؟) فرفعتِ الصبابةَ فوقَ الطاقةِ، والصبيّةُ التي فَتَنَتْها يدُ الأندلسيّ لا شِعرُهُ.في مطرح الفتاة كان منديلٌ حريريٌّ صغيرٌ يخفقُ كقلبٍ ضالٍ أو كعلامةٍ طالَ انتظارُها، التقطتُهُ وشممّتُهُ فشعرتُ أني أعودُ من بعيدٍ ولما هممتُ بدسّه في جيبي سمعتُ خرخشةً فاكتشفتُ أنني أحشرُ صفحةً من كتابٍ في جيببيجامتيوأنا مُمدّدٌ على سريري في 54 سبرنغ غروف كرسنت في حي هانسلو غرب لندن أقرأُ 'ذخائر الأعلاقِ في شرح ترجمان الأشواق'.

لندن - شتاء 1998

اشارة: النظامُ بنت مكين الدين هي الفتاةُ التي صحبَها أبن عربي في مكة وكرَّس لها عملَه الشعريّ ذائعَ الصيت 'ترجمان الاشواق'وتقولُ الروايات انها لم تكن تتجاوز السادسةَ عشرةَ آنذاك. معلومٌ أن ابن عربي اضطر، لاحقاً، إلى أن يشرح ديوانَه بنفسه عندما ثارْت تقولاتٌ عن وقوع 'الشيخ الأكبر' في 'الحب الأرضي'.

مساءلة ابن عربيمن إشبيلية إلى صالحيةِ دمشقَ التي خضتُ في روائحِ مطابخِها وأصواتِ باعتِها الملحاحةِ حتى اهتديتُ إليك قد تكون السماءُ يا سيدي واحدةً بغيومٍ تمطرُ هنا تُمْسِكُ هناك، بملائكةٍ منهمكةٍ بتدبير رحمةٍ لا تصلُ، أو بطيورٍ تهاجرُ مثقلةَ الحواصلِ بخُردقِ البنادقِ المطاردةِ، وأخرى بقشِ مواطنها الأولى في مناقيرها تصِلُ الشتاءَ بالصيف.
النجومُ التي مشيتَ على شمالها تسهرُ على فضّتها المتربة. ثمة من يعدُ بيديه نقودَ اليقظةِ ومن ينامُ جنبَ عين الليل المترعة.

وقد تكونُ الأرضُ واحدةً بأناس ٍ يتأرجحونَ جهةَ الليل وجهةَ النَّهارِ ولا وقتَ لديهم ليشعروا بل ليحفلوا بهذا الرقاص الذي لا يترجلُ عنه إلاّ من تتساوى عندَه الأشباحُ المتطاولةُ للفقدِ والمُلْكِ الرضا والغضب وأنّى للمتحدرينَ من جبلِ الطينِ وماءِ الشهوات الثقيل مِثْلَنا هذي المكاييل. الأرضُ، كما يقالُ، تدورُ والناسُ تراوغُ بمكرٍ مكشوفٍ سعاة ً يحملون لهم مكاتيبَ لا يريدون تَسـَـلُّمَها لكنَّ المصائرَ قصاصةُ أثرٍ لا تُضِلُها المراوغات.طالما أن الذي لا يُشْعَرُ به لا يَصِحُ طَلبُه والعكسُ صحيحٌ لماذا إذن حاولتَ أن تطمسَ موضعَ اليدِ التي حفرت شكلَ أصابِعها الهشةِ على الضمائرِ المستتِرة لقصائدك وأن تمزجَ الصوتَ الولاديَّ الذي ظللتْ تسْمعُهُ وأنت تَهمُ بتسليم الوديعة بأصوات رَبّت بُحتَها في المدائح فعالجتَ الشوقَ المتصببَ من أطرافك بالتأويل فصارَ ثغرُ الحبيبةِ ثغرَ اللهِ ونحن نعلم أنه ثغرُ الفتاةِِ الفارسيةِِ التي هزّكَ جمالُها الصبيُّ فرحتَ تبوحُ بما لا يَحْسُنُ بسيد السِّر مِثْلِكَ أن يفعل.أنت سيّدُ السرِّالكتمانُ أصغرُ مريديكَلكنَّ سيّدَ السرِّ يحبُ مِثلَ الذي كلما فاهَفضحتُه الفراشاتُ التي تطيرُ من فمه.أحبُ يا سيدي أن أصدق أنَّ الرحمةَ التي تعدُنا بها تسعُ كُلَّ شيءٍ بما في ذلك رافضُها وأن الوجودَ كلَّه ينبضُ في الأرضةِ التي تقرضُ الرمحَ والناي وأننا عندما نضعُ يداً مرتعشةً على أخرى متلهفةٍ فإنما نضعُها على يد الله وأن وحدةَ الوجودِ شيءٌ آخرُ غيرُ هذا الطنين المعدنيِّ الذي يلفُّ الكون.

نحبُّ لأننا نحبُّ فعندما ننام لا نأبه بالشفع والوتر بالشقِّ والفتحةِ بأوجاع الهواء بالماء يربط بين ضفتين أو يهطلُ على صحراءَ يسمونهاالأشواق. ولكن أتعرفُ ما الجيدُ في الأمر؟ أنك هنا تحت ناعورةِ الأصواتِ والروائحينقطعُ عنكَ الماءُ والكهرباءُ مثلُكَ مثْلُ أهلِ دمشقَ، لستَ في خلوةٍ صحراويةولا على قمة جبل؛ الناسُ يدخلون إليك ويخرجون بحطاتٍ على رؤوسهم،إيشارباتٍ، بسراويلَ سوداءَ فضفاضةٍ، جلاليبَ، دشداشاتٍ، تفوحُ منهم روائحُ
بيوتِهم، أنعامِهم، التبغِ السوريِّ الحرّيف.
رأيتُ في ضريحكَ إسباناً وإيطاليين وبعضَ الإنكليز بأيديهم خرائطُ وكتيباتٌ مثقلةٌ بالحواشي لكنَّ سكانَ 'شارع المدارس' الرازحِ تحت غيومِ المازوتِ وشعارات الحزبِ القائد ِلا يحتاجونَ كشافاً ليعرفوك.زوارُكَ اليوميونَمؤدو الركعاتِ السريعةِفي هيولتك الخضراءِ،لم يرتدوا خرقتَكلم يقرأوا فتوحاتِك المكّيةَلا يعرفونَ وجهَ الصلةِ بين هندستِك الإلهيةِ و'دانتي أليغيري'يسمونكَ ببساطة: الشيخ محدّين.

لندن - شتاء 1998

***

المرايا المتقابلة

إذا كانت الموجوداتُ مثل مرايا متقابلةٍ توجدُ جميعُها في كلِّ واحدةٍ منها، فأنا أنتَ وأنتَ أنا وكلُّ ما أردتُ وما لم أرد. الأمسُ واليومُ يمشطان شعرَهما الطويلَ ويتمليان صورةً لا تملُ من التكرار.

لندن - صيف 1998

***

رُقمٌ طينية

رأيتُها أولَ مرةٍ في ساحةٍ شعبيةٍ بعمانَ حيثُ تختلطُ أصواتُ صِبْيَةِ سائقي الحافلاتِ بباعةِ اليانصيب بدمدمةِ الأرواحِ الغابرةِ في المدرّجِ الروماني. كانت العاصفةُ الأطلسيةُ التي ارتدتْ براقعَ الصّحراءِ قد انشبتْ زعانفَها في أرضِ السوادين فتدفّقَ عراقيونَ وعراقياتٌ لم يغادروا مدنَهم ودساكرَهم البابليةَ من قبلُ. لم يأبه أحدٌ بهذه الرُقمِ الطينيةِ التي تحملُ إشاراتٍ لا تعني شيئاً لمن يراهنُ على ثروةٍ سريعةٍ من ورقةِ اليانصيبِ ولا لفاتحةِ البختِ التي ترمي خرزاً وقواقعَ على خطوطِ الطوالعِ الجانحةِ في الرّمل. يمكن أن تشتريها بدينارٍ أو تبادلَها بساندويتش شاورما وزجاجةِ كازوزٍ باردة. غير أن لهذه الكِسَرِ الطينيةِ التي تُقلّبُها، بأيدٍ مفلطحةٍ، نسوةٌ متشحاتٌ بالسواد وموشوماتٌ من أعلى الجبين إلى أسفلِ الذقنِ قوةَ تهديدٍ كامنة. تمليّتُ أحدَها مليّاً، قلّبتُه، قرّبتُه من أنفي، مثلما تفعلُ، لسببٍ أجهلُه، النسوةُ المتشحاتُ بالسواد، فصار يزدادُ ثقلاً في يدي وتنبعثُ منه رائحةُ طميٍّ وجعلتُ أرى صوراً وأسمعُ أصواتاً لم آلفها قبلاً. رأيتُ آلهةً وملوكاً بذقونٍ مدببةٍ، نموراً وأسوداً تزأرُ في أقفاصٍ من الذهبِ الخالصِ، أسرى يَرسفونَ بالحديد، عازفينَ يُدمونَ أصابعَهم على أوتارٍ رفيعةٍ. رأيتُ بوابةً من الآجرّ المُزجْجِ بقامةِ جملينِ يطبعُها اللونُ الأزرقُ (لم أعرف إن كان لونَ سماءٍ أم تَنَهُدةَ بنتٍ) سأراها ثانيةً وألمسَها بيدي بعد أكثرَ من عشرِِ سنينَ في متحف 'بيرغامون' في برلين.هاتفٌ قال لي: إرمِ هذا الرقيمَ.
إرمِهِ.ليس باليدِ التي سيأكلُها الدودُ تحملُ عبءَ الأبد.

لندن - نيسان 2003
(من حياة كسرد متقطع)

القدس العربي
16 يونيو 2009

أعلى