لا أعرف لماذا يزداد اقتناعي بأن كلّ ما قيل عن موت الشعر، ليس سوى استيهام لا مكان له، بيننا. قد يكون الأمر مجرد فكرة أوروبية صرف، أحببنا أن نستوردها عندنا وأن نجعل لها امتدادات في ثقافتنا. بالتأكيد لا اقصد أن على ثقافتنا أن تكون ثقافة شعرية، ولكن من الجميل أن تبقى »هذه الخرافة الجميلة« حاضرة بقوة، لتدعو الجميع إلى الوقوع في »شركها« العذب.
ربما، نستطيع أن نضيف أن نوعا من الشعر قد مات ولم يعد حاضرا على المستوى الحدثي، إذا جاز القول. اقصد أن ثمة خيارات أخذتها القصيدة التي تكتب اليوم، وكأنها الرد الحقيقي على الضجة التي أثارها الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي مؤخرا. لست هنا في وارد مناقشة ذلك هنا، بل أحاول أن أشير إلى فضاء جميل أتاح لنا »ملتقى الشعر العربي المعاصر«، الذي انعقد منذ يومين في دمشق، أن نكتشفه وأن نستمع إليه.
سأقول إن الأمر مسألة محض شخصية تخصني، بمعنى انحيازي الخاص، العاطفي، لهذه التجربة الجديدة التي فاجأتني بشغف، وهي تجربة هذا »الجيل« الشعري الجديد في سوريا. إذ أتاح الملتقى، لاثني عشر شاعرا »شابا«، »جديدا«، أن يقرأوا في يومه الأخير، بمناسبة صدور كتبهم ضمن احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية، لهذا العام. شعراء عديدون كانوا قد قدموا مخطوطاتهم وتمّ اختيار هذه الدواوين، التي وزعت علينا.
أقل ما يقال عن هذه الأصوات التي استمعنا إليها، إنها مدهشة فعلا. أصوات طازجة، مختلفة، باختلاف التجارب التي يأتون منها. بمعنى، أن كل الاختلافات في الأساليب والمناخات و»اللغات« ليست، في العمق، إلا اختلاف الشعر الذي يرفض أن يتحدد في إطار واحد، بل يتوزع على مسارب واتجاهات. من هنا أهميته وحضوره بالطبع: أهمية هذا التنوع الذي لا بد من أن يترك شغفه الآسر.
»جيل« يأتي إلى الكتابة، بعدّة حقيقية. بمعرفة فعلية للكتابة الجديدة. جيل يأتي صامتا بدون ادعاءات، لأن الكتابة الحقيقية ترفض كل أشكال هذه الادعاءات التي عودنا عليها »رواد« الحداثة الشعرية.
هو الشعر الذي لا يزال حاضرا فينا إذاً. هي أصوات لديها مقترباتها الخاصة التي يجب الإنصات إليها. لذلك لننتبه إلى هذه الأسماء: جولان حاجي، رائد وحش، سامر محمد إسماعيل، مناف محمد، غياث المدهون، تمام تلاوي، محمد ديبو، قيس مصطفى، هنادي زرقة، معاذ اللحام، محمد أبو لبن، فيوليت محمد.. أسماء لا أذكرها هنا، في سياق نقدي (إذ سأعود إلى ذلك لاحقا)، بل أريد فقط أن أشير إليها، كتحية لهذه الأرواح المشابهة لأرواحنا.
في أحد حواراته معي، قال لي قاسم حداد، ذات مرة، ما معناه أنه علينا أن نتعلم أيضا من الذين يأتون بعدنا. وأكتشف اليوم كم كان محقا. لذلك، ليس بوسعي إلا أن أوجه هذه التحية الصغيرة... إلى هؤلاء كلهم.
السفير
28-11-2008