لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

أيها العالم

غسان جواد
(لبنان)

غسان جوادذات يوم سألني صديقي الشاعر كيف يمكن أن أوفّق بين الشعر والسياسة، وقال لي أليس في كتابة كل منهما تناقضا؟ أجبته من فوري مستعيناً بزياد الرحباني: شو سمك ولبن هني؟ ثم حاولت ان أعمّق الفكرة أكثر. ليس ثمة تناقض في كتابة الشعر وكتابة المقال السياسي او حتى العمل السياسي اليومي، وذلك شريطة الا ينسرب الشعر الى الممارسة السياسية او النص السياسي، وشريطة الا تنسرب السياسة بمعناها المباشر الى الشعر فتضعفه وتسخّفه، وتجعله اقل مناعة امام الزمن. الشعر رمزي، والسياسة مباشرة. الشعر تراجع والسياسة تقدم وتراجع. الشعر ضعيف وأعزل والسياسة أنيابها جارحة. لكن خياري الجدّي، والاكثر اقترابا من شخصيتي هو الشعر، وإن بدا أعزل ضعيفاً وهشاً.

من الصباح حتى المساء، الوقت عينه واللحظات عينها. كأنما الحياة لحظة مكرورة واحدة لا تتوقف. النوم لا يوقفها، والاحلام كوابيسها المستدامة. هل انا كائن فريد في هذا العالم؟ بالطبع لا، نحن كائنات ترزح تحت كم هائل من الضغط، وفي ظل نظام سريع لا يرحم، وفي خط مستمر من التقهقر النفسي والجسدي. "الانسان ذو البعد الواحد" عبارة لم تعد تكفي لتجعلني متأكدا انني آلة يحركها نظام تشغيل كوني ضخم.

احيانا تراودني رغبة بالصراخ. هل في مستطاع الشعر انقاذي؟ اين الشعر واين الشعراء؟ هل تخلّى عني ربّان الكلام لأنني ابتعدت؟ اين احلام البدايات، وندى الافكار ومياهها العذبة؟ اين ملاذنا الاخير حين نقرر مخاصمة العالم؟ ودرعنا الحصينة عندما نضجر من ذبذبات الهواء المسمم؟ اين مفتاح المخيلة حين تطبق الدنيا على صدري، وابواب النجاة حين اقترب من الجنون؟ وكيف اداوي جنون السياسة بجنون الشعر المفقود والنادر؟
هل نحمّل الشعر اكثر مما يحتمل؟ وهل للشعر وظيفة في الاصل؟ هل الشعر ترياق الكذب والخديعة؟ ودواء الغرق في مستنقع الاستهلاك، والابتذال والكلام الرخيص؟

هل في مستطاع الشعر ان يدافع عن حرّاسه، وهل لديه حرّاس ايضا، وهل يحتاج الى حرّاس؟ هل الشعراء حرّاس الشعر، واين هم؟ وماذا اصابهم؟ ولماذا اخالهم يسيرون في الطرق بلا وجوه، وينزعون عيونهم وقلوبهم ويرمونها على رصيف اللعب الممل مع الحياة؟
احيانا اتذكر انني اكتب الشعر، وان في استطاعتي ان ارذل العالم. في مقدوري الاختفاء على ورقة او شاشة كومبيوتر لبعض الوقت، وليس كل الوقت.

هنا يقبع الشعر، هنا تعيش القصيدة، اين؟ في مسامات ضجري وقرفي ورغبتي في الشتم والسباب واطلاق الكلام النابي والمهين.
خذ ايها العالم، لا يزال في مقدورنا ان نكتب.
خذ ايها العالم، لا يزال في استطاعتنا ان نسكر.
خذ ايها العالم، لا يزال اصدقاء لي يتسكعون في الليل ويتصلون بي كي انضمّ اليهم.
خذ ايها العالم، لا يزال في امكاننا ان نحب من دون ان نحب، وان نرسم طيف اجسادنا النحيلة على اطراف اوراق يأكلها عث الكأبة. يقضمها ويقضمنا معها.
خذ أيها العالم، فأنجو.

النهار الثقافي
28 -9-2008

أعلى