لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
Poets | Southbank Centre
جهة الأسبوع



















































 

دروب شعرية

باسم انصار
(العراق/الدينمارك)

دروب شعرية درب الشعر طويل، ونهايته مبهمة، غامضة، وملغزة . الشاعر يتذكر هذا الدرب كلما دخل الغابة مثلاً، وبالأخص حينما يسير في أحد دروبها الطويلة والمظلّلة بأغصان الأشجار الوارفة.
لنتخيل المكان : دربٌ ترابي يمتد كنهر الى نهاية مجهولة، تمدّ الأعشاب أجسادها الرشيقة من حافاته، وتسكن في امتداد قامته الأحجار الصغيرة المثيرة.
الأعشاب، دهشة . والأحجار، أسئلة . هذا هو درب الشعر، وهذا هو درب الأبدية.
الدهشة والأسئلة يراها الشاعر بكل وضوح في الغابة.
السر في ذلك، يكمن في صوت الكائن الخفي . ذلك الكائن المجهول والموجود ضمن حيز الوجود مثلما المادة والطاقة المعروفة موجودة ضمن هذا الحيز . فحينما يرن جرس الكائن الخفي في رأس الشاعر تتوحد روحه تلقائياً مع الغابة . وحينذاك، يبدأ بسماع موسيقى الأعشاب ومشاهدة الكثير من الصور والإشارات الشعرية التي تبدأ بالتدفق إليه من فم الكائن الخفي . توحّد الشاعر مع أعشاب وأشجار ودروب الغابة تأتي من خلال حالات عدة : توقفه مثلاً عند قطرات الندى التي يراها فجأة أمامه خلال سيره وتأمله، من خلال تلذذه بالتدرج اللوني للّون الأخضر في الغابة الذي تبرزه ببهاء أشعة الشمس، من خلال التقاط أسماعه لأناشيد وترانيم الطيور والعصافير المعششة في كل مكان، من خلال رائحة التراب الممزوج بالرذاذ، من خلال نكهة الأشجار المبللة بالمطر، ومن خلال مشهد الأوراق المتساقطة من الأغصان وهي مصبوغة بأجمل الألوان (الأخضر، الأحمر، الأصفر) التي يضفيها الخريف عليها بألوانه وريشته السحرية . الشاعر يرى موت هذه الأوراق ولادة جديدة لها، من خلال تحولها من طبيعتها الأولى الى طبيعة أخرى . لذا الشاعر يستلهم الشعر من هذا الموت - الولادة .
في الغابة ثمة مجهول، ولكن طبيعة هذا المجهول ليست مثل طبيعة المجهول أو الكائن الخفي الذي يواجهه الشاعر في لحظات التجلي والرؤيا، لأن هذا الكائن الخفي يمثل الوجه الآخر من الوجود . أو بتعبير آخر، يمثل الطاقة الخفية والمجهولة الكامنة في الوجود . وهو غير قابل للاحتواء والاكتشاف الكلي أبداً، لأن هويته قائمة على السرانية والمجهولية . بينما المجهول الموجود في الغابة، شيء خفي قابل للاكتشاف . أي انّ هذا المجهول، ليس مجهولاً أبدياً، وانما هو مجهول لم يُكتَشف بعد . فما أن يقترب الشاعر من المكان المجهول أو المعتم في أعماق الغابة، حتى تدخل روحه اليه قبل جسده بسبب الشغف الذي يخلقه هذا المجهول لديها . وما أن يتسلل جسد الشاعر الى الأعماق بهدوء حتى يكتشف بأنّ هذا المجهول، هو شيءٌ معروف ولكنه مخفي (نبتة أو عشبة أو عُش أو حشرة) . وهذه بدورها تتحول فيما بعد الى كلمات في النص الشعري.
الغابة، دربٌ من دروب الشعر .

***

لنتخيل الشاعر في مكان أثري قديم جداً . لنتخيله يمشي بهدوء بين أروقة المكان . سنراه يتأمل السقوف، يتلمّس بكفه الجدران، يستنشق نكهة الماضي من الأبواب، ويرى الأساطير والملاحم في الممرات . الشاعر لا يكتفي بمشاهدة المكان الأثري، بل هو يدع روحه تهيم في فضائه بحثاً عن الشعر والحكمة وعن رؤى الإنسان القديمة، بل وحتى عن آلامه وأفراحه .
الشاعر يحاول استنطاق المكان الأثري، ويحاول خلق الجسور الأثيرية بينه وبين لغة المكان . المكان سيفرض الصمت على الشاعر، والشاعر سيسرق لغة الصمت والمجهول والرؤيا من المكان .
فحينما يتجول الشاعر مثلاً بالقرب من سور مدينة أوروك أو في ضواحيها، فهو لن يكتفي بمشاهدة عظمة بنيانها فقط، وإنما هو يحاول التغلغل الى مابعد هذه الجدران . الشاعر يحاول إمساك الملاحم من خلال هذه الجدران . يحاول مثلاً ايجاد الجوانب الخفية في ملحمة جلجامش الخالدة . فالشاعر لا يتوقف عند أمجاد جلجامش وملاحمه فقط، وإنما يتوقف عند ضعفه ودموعه الأنثوية حينما فقد خلّه وصاحبه أنكيدو أيضاً . دموع جلجامش لم تُذرف في الحقيقة على أنكيدو فقط، وانما هي ذُرفت خوفاً من الموت أولاً بعد أن أنسته قوته وجبروته وحياته المليئة بالعنفوان واللذة فكرة الموت، وثانياً حزناً على حقيقة اكتشفها جلجامش وحده، ألا وهي أنه أدرك بأن قوته وطاقته الجامحة لا يمكنها الاستمرار والديمومة من دون الآخر . جلجامش أدرك بأنه بحاجة الى آخر يسند ذاته في الحياة ومحنها.
وأنكيدو هو هذا الآخر.
الشاعر أيضاً لا يكتفي بالفرح للقاء جلجامش و أنكيدو، وانما هو يحزن على هذا الأخير، لأنه فقد فطرته وبدائيته وتلقائيته من دون إرادته وبالتالي فقد شعريته. وهذا ما يرعب الشاعر. لأن رؤيا الشاعر من دون فطرة ستكون عوراء . أنكيدو خسر الكثير حينما أُخرج عنوة بفعل البغي التي أرسلها جلجامش اليه . مع انه اكتسب شيئاً مهماً، ألا وهو إرادة الانسان وحريته . وانتقل من شكلٍ حياتي بدائي الى شكل حياتي آخر أوسع أفقاً.
من جهة أخرى، الشيء الذي يلفت الشاعر في هذه الحكاية العجيبة، هو انّ الجنس كان فعلاً كشفياً ومعرفياً وليس فعلاً لذوَياً يخص الجسد فقط . فأنكيدو صار منهكاً ومتعباً بعد ليالي الجنس الست أو السبع مع البغي التي أرسلها جلجامش له ، من أجل أنسنته وأجل أن تُخرجه من موطنه الأصلي ولتحضره الى مملكة رجلٍ شعر بالخوف من أنكيدو أو في الحقيقة من المجهول بعد أن أخبره الصيادون بوجود ندٌ قوي جداً له يهيم في البراري مع الحيوانات ويخرب حقولهم بشراسة . وهذه في الحقيقة، هي الإشارة التي ارسلتها الآلهة إليه بعد أن قررت خلق أنكيدو لكي يعادل قوته أو يهددها .
أعود وأقول بأنه على الرغم من انّ أنكيدو صار منهكاً ومتعباً بفعل الجنس، إلاّ انّ الملحمة تخبرنا بأنه (بدا عارفاً) . الشاعر يكتشف بأنّ فعل الجنس، هو فعل شعري أيضاً وليس فعلاً حسياً مؤقتاً . لأن فعل الشعر هو فعل اكتشاف ومعرفة، والجنس أثبت لنا بأنه فعل اكتشاف ومعرفة أيضاً ، وذلك من خلال إكتشاف أنكيدو.بعد فعل الجنس طبيعة جديدة له كانت كامنة فيه. فهو قبل الجنس كان أشبه بالحيوان ، ولكنه بعد الجنس أصبح إنساناً.
المكان الأثري درب شعري، مثلما الملحمة درس شعري .

***

سيرة الشاعر، نص شعري ملحمي طويل . الشاعر الجديد يستلهم سير الشعراء الذين سبقوه لكي يجعلها دروباً شعريةً جديدةً له . ليس كل الشعراء يمتلكون حياةً شعرية . شعرية الحياة تكمن في حرية الشاعر وتمرده وفرادته وحتى في تراجيديته .
الشاعر هو من يتمرد على ثقافة المجموع وأخلاقه، ورامبو الذي خرج الينا من قرية صغيرة اسمها شارلفيل تقع في فرنسا بوقت مبكر جداً من حياته هو أفضل نموذج للشاعر المتمرد حياةً وشعراً .
الشاعر يرى بأن حياة هذا الشاعر المتشرد تعطي إلهاماً أخاذاً له، لما فيها من فرادة وتنوع وثراء . لم يكن رامبو مجرد شاعر كتب منجزاً شعرياً مستقبلياً استطاع أن يغير فيه وجه الشعر الفرنسي فقط، وانما جاءت حياته المرفوعة بمفهوم (الحرية الحرة) على حد تعبيره، دافعاً قوياً لإبراز عبقريته الشعرية في وقت مبكر، ولاظهار العديد من المواهب الشعرية التي أتت من بعده، وذلك بفعل قوة تأثيره الشعري والحياتي على الشعراء.
تشرد وتمرد رامبو وسلوكياته غير المنضبطة بنظر المجتمع لم تكن ادعائية وتمثيلية، وانما هي جاءت حقيقية وتلقائية بفعل شخصيته التي كونتها ظروف حتمت عليه أن يكون على هذا الشكل. الكثير من الشعراء الذين ظهروا بعد رامبو أرادوا تقليد حياته عسى أن يصبحوا بأهميته وفرادته، ولكنهم فشلوا لسبب بسيط جداً، ألا وهو ان تمردهم لم يكن فعلاً جوانياً نابعاً من الروح والأعماق وانما كان فعلاً برانياً مفتعلاً خالياً من الوعي بمفهوم التمرد والصعلكة والتشرد. أي انّ تمردهم لم يكن بفعل وعي خلاق وانما بفعل حب الظهور والرغبة بالتميز بأية طريقة كانت .
لم تكن نظرة رامبو للحرية على انها تخريب لجماليات المجتمع أو تشويه لقيمه السامية، وانما كانت تعني تخريب السائد والمتكلس من أخلاقه وقيمه . ولم يكن شعره سوى صدى حقيقي لشراسته الجمالية ضد هذه الأشياء .
الشاعر ينظر الى رامبو على أنه عامل محفز للبركان الذي في داخله، بل ومحرك للحيوان المفترس الكامن في أعماقه. كان رامبو نمراً في الشعر والحياة، وكان دلالة واضحة على وجود الكائن الخفي أو الطاقة الخفية المبدعة والخلاّقة الموجودة في الوجود . فعبقرية هذا الشاعر ليست من نتاج فعله الذاتي فقط، وانما هي من نتاج الوجود بشكليه الظاهر والخفي أيضاً وذلك لأن الوجود أعطاه جينات خلاقة منذ ان صار جنيناً . أي انّ الكائن الخفي المتغلغل في الوجود خاصة والوجود عامة أظهرا أحد أسرارهما للبشرية من خلال رامبو. فكل عبقري هو سر من أسرار الوجود، بل ودلالة على قدرته الأبدية . و رامبو كان عبقرياً بلا شك . ومن جهة أخرى تجلت عبقرية هذا الشاعر الملعون بسبب الظروف الموضوعية التي عاشها أيضاً . فمدرّسه إزامبارد كان المفجّر الأول لكل براكين الشعر الرابضة في روحه، وذلك بعد أن التزمه في وقت مبكر من حياته معرفياً وشعرياً . لذا فأن الشاعر بحاجة أيضاً الى مؤثر ومفجّر شعري ومعرفي مثلما كان رامبو بحاجة الى إزامبارد . و رامبو هنا هو المفجّر الذي سيثوّر كل أمواج الشعر المتلاطمة في قلب وروح الشاعر . وبالتالي فأنّ رامبو هنا يُعدّ درباً شعرياً يسير فيه الشاعر نحو الكائن الخفي والرؤيا بكل ثقة .

أعلى