لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

كمال خير بك «المنسي» يعود إلى المعترك

(كتابه المرجعي «حركة الحداثة» في طبعة ثانية)

ديمة الشكر
(سوريا)

يستحق أصلاً الشاعر والناقد السوري الشهيد كمال خير بك (1935-1980) أكثر من تحية، وفي إعادة نشر كتابه «حركة الحداثة في الشّعر العربي المعاصر: دراسة حول الإطار الاجتماعي الثقافي للاتجاهات والبنى الأدبية» حديثاً عن دار نلسن (بيروت) تحية مختلفة، إذ هي تمنح الكتاب حياة ثانيةً، يمكن من خلالها إعادة اكتشاف شؤون النقد وشجونه؛ أكان مصيباً أم لا.

الكتاب في أصله أطروحة دكتوراه تقدم بها الراحل إلى جامعة جنيف عام 1972، وطُبعت باللغة الفرنسية للمرة الأولى عام 1978 عن المنشورات الاستشراقية الفرنسية في باريس، ثم تُرجمت إلى اللغة العربية وطُبعت عام 1982، بمبادرة من أصدقاء الشهيد، ومنهم أدونيس وخالدة سعيد، وها هي تُطبع ثانيةً. وليس تتبّع أحوال النشر والطباعة هنا أمراً نافلاً، بل هو ضروري، لأن الناقد حدّد الفترة الزمنية لبحثه بين عامي 1957 و1965، من أجل دراسة أعمال مجلة «شعر». أي أنه قام بدراسة «الحداثة الشّعرية» عند أوج التنظير لها والتبشير بما ستفعل، وقبل أن تُرسي قواعدها وأسسها سواءٌ أكانت في التنظير أم في الشّعر نفسه.

لكن خير بك، لم يتبع وهمه تماماً، هو الذي كان قريباً من تجمّع «شعر» - شعراء ما بين النارين بتعبيره-، العارف بأفراده واحداً واحداً، والناقد في قراءة الشّعر، والشاعر المنسي الذي لم يُصنف في مراتب شعراء الحداثة أنفسهم. وفي كلام آخر اجتمع ثلاثةٌ في كمال خير بك: الصديق والشاعر والناقد في آن. ويظهرُ أن كفّة الناقد رجحت ولو قليلاً على كفّتي الصديق والشاعر، فالكتاب ينتصر للنقد المستند إلى منهج علميّ، لأن النتائج العلمية الملموسة التي توصّل إليها تبقى صالحة إلى حدّ بعيد على رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على إنجاز البحث.

يفنّد كمال خير بك نقاط بيان يوسف الخال الشهير، واحدةً واحدةً، ويفسّر مآلها؛ فـ «إبدال التعابير والمفردات القديمة التي استنزفت حيويتها بتعابير ومفردات جديدة مستمدّة من صميم التجربة ومن حياة الشعر»، تؤدّي إلى «إيضاح العديد من مفردات القاموس الجديد للحركة»، و «الاهتمام بتعريف الإنتاج الشعري العالمي في الأوساط الأدبية العربية» ويهدف إلى الكشف عن «النماذج الأصلية للشعر الحديث التي يجب أن يستلهمها الشعراء العرب».

يكتسب الكتاب أهميته من كونه وثيقةً تاريخيةً – وإن لم يكن منهجه تأريخياً – تُظهر التناقض داخل تجمّع «شعر»، من خلال التمييز بين تيارين رئيسين فيه، خصوصاً في ما يتعلق بمسألة التعامل مع التراث، فـ «يتصف الأوّل بعدم الاكتراث بل إنه يذهب لدى البعض إلى إدانة التراث العربي الثقافي والأدبي مستنداً إلى الصيغة المنقولة رسمياً من هذا التراث. أما الآخر فإنه في الوقت الذي يفضح قيم الثبات والقداسة اللصيقة بوجهه الشائع أو المعروف يظل ساعياً إلى البحث عن وجهه «غير المضاء» وأصوله البعيدة». ولا يتوانى الكاتب عن تمثيل التيار الأوّل بيوسف الخال، والثاني بأدونيس، على اعتبار إنهما الأقوى والأكثر تأثيراً في تجمّع «شعر». فالخال بحسب كمال خير بك، يطرح في بيانه الشهير مفهومين رئيسين: محدودية التراث العربي ووحدة التراث الإنساني، وهو الذي يتوقع أن اللغة المحكية ستشكّل «حجر زاوية المستقبل»، خلافاً لأدونيس الذي يرى خير بك أنّه «انتهى إلى اكتساب ثقة أعلى بطاقة اللغة الكلاسيكية الخاصة وثرائها في التعبير الشعري»، فضلاً عن أن نظرته إلى التراث تميّز بين نوعين منه إن صحّ التعبير، فالتراث الذي «لا يقوم إلا على تقليد الماضي» هو الذي «ينبغي تجاوز معاييره وأطره». قد يوحي الكلام أعلاه، بوجود تحيّز وتمييز واضحين بين أدونيس والخال، لكن اهتمام الكاتب بتفنيد وجهتي نظريهما من طريق المقارنة المستمرة، يكشف إلى حدّ بعيد خصائص الشعر في تلك الفترة؛ بحيث يعالج خير بك مسألة الغموض ثم يربطها بالعلاقة مع المتلقي، ويضعها بعد ذلك في سياقها «التاريخي» من خلال المقارنة بين الشاعر الغربي - الذي أضحى مرجعاً - والشاعر العربي.

والتناقض بين تيارين في تجمّع «شعر» أدى إلى أزمة، عبّر عنها يوسف الخال بـ «جدار اللغة» الشهير، أما خير بك فقد حلل الأزمة من داخلها، فبيّن وجود نوعٍ من الاختزال والتبسيط يربط بين أمور لا تتسق، كأن يميل بعض أفراد التجمّع إلى الظن بأن «واحدة من صعوبات اللحاق بشعراء الغرب، تبدو كامنة في كون الشاعر الغربي يفكر ويكتب باللغة الحية لمجتمعه، في حين أن زميله العربي يفكر ويتحدث بلغة، ويكتب بلغة ثانية». أو أن تعدّ «غالبية الأعضاء» قصيدة النثر» كما لو كانت الشكل الأعلى للتمرّد الشعري، والصيغة النهائية التي يجب أن يفضي إليها التعبير التجريبي». ولعلّ هذا ما قدح زناد بحثه، إذ يكرس جلّ كتابه للبحث في عروض الشعر الحديث، فينطلق من التراث الذي ينظر في عروض القصيد (ذي الشطرين والمقفى)، والموشح وسواهما من الفنون المحدثة، ليضع الشعر الحديث في سياق تاريخي صحيح. ويشيرُ هذا القسم من الكتاب إلى تأثّر خير بك بالمستشرقين الذين بحثوا في العروض العربي، ففضلاً عن الاستناد إلى الرموز الإغريقية، يستعيرُ الكاتب من الغرب مصطلحات المقطع الطويل والقصير وسواها، وهو في ذلك لا يخرج عن تيّار عربيٍ عام كان سائداً آنذاك. فكتابات محمّد مندور وكمال أبو ديب وإبراهيم أنيس، استعارت بدورها تلك المصطلحات وحاولت من خلالها البحث في الإيقاع الشعري انطلاقاً من المقاطع لا من التفاعيل، وهو ما نتج عنه بحثٌ مكثّف في «النبر»، على اعتبار أن مواقع الشدّة تؤدّي دوراً «إيقاعياً» ما. وتبدو إضافة خير بك من هذه الناحية مثيرة للاهتمام؛ فقد وجد في النبر «وظيفة تصويبية»، تقوم «كفعل إضافي موجه لإعادة التوازن أو النظام الإيقاعي المختل في المواضع الإيقاعية التي يدهمها الشذوذ». ولئلا يغدو كلامه تنظيرياً من دون سندٍ علمي، طبّق وجهة نظره هذه على أمثلة من الشعر الحديث، فاختار قصائد ملتبسة إن صحّ التعبير، ووضع تحتها الرموز الإغريقية باعتبارها صورةً للتفاعيل. وحين انتبه إلى أنها لا تتّسق مع التفاعيل كما في القصيد مثلاً، أو كما في قصائد السياب وأدونيس، أدخل «القراءة» كعامل رئيس في ضبطها عروضياً، فقال بوجوب تسكين بعض الكلمات أو مدّ الفتحة مثلاً لتغدو مساوية لحرف الألف، وهي قراءةٌ أقرب إلى العربية المحكية، وفي الأمر دليل رئيس على التخبط الذي كان يحفّ بالنقد المتأثّر بطروحات المستشرقين. ولعلها المرّة الأولى التي تصحّح فيها القراءةُ العروض لا العكس. ويظهر أن خير بك كان واعياً للدور «المضلّل» للنبر، فلم يتشبّث به كيفما اتفق، ولم يقل إن النتائج التي توصل إليها، الخاصّة بدور القراءة هي نتائج نهائية وجازمة، بل تحيّز إلى الباحث العلمي الكامن فيه، ووضع «فرضيته» تحت مجهر البحث العلمي. فهو قام باختبارها في «المختبر الصوتي» في جامعة جنيف، وتوصل إلى استنتاجات علمية ملموسة نشرها في ملحق الكتاب، لعلّ من أهمها الفصل بين العروض والنبر: «الأداء يتميّز بمستويين أولين، أحدهما أعلى والآخر أدنى من جهة، ومن جهة ثانية بحركات داخلية، صاعدة وهابطة، تقوم بتقطيع المجاميع التركيبية الوزنية واختراقها». أي إن النبر – في كلام أبسط - يسيرُ وفقاً للأداء أو الإنشاد والقراءة، وهو يتقاطع مع التفاعيل من دون أن يؤثّر فيها أو يتأثّر بها. وهذه النتيجة هي ذاتها التي توصلت إليها الناقدة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي، حين قامت باختبار مشابهٍ في «مختبر» الصوتيات في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن. وعليه، فإن تضافر جهود الباحثين من هذه الناحية، ينصر النقد العربي باعتباره عملاً معرفياً قائماً على الاختبار لا على الانطباع الخاصّ أو «الاستعارة» كيفما اتفق من الغرب.

الحياة
08/12/2008

أعلى