لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

الإلقاء الشعري، الصفحة ضد الأداء

كتابة: ديفيد جروف
ترجمة: أمين صالح

أمين صالحمع تزايد عدد القراءات الشعرية، في الأمسيات المخصصة لإلقاء القصائد، في العقود الأخيرة، تحتدم النقاشات والجدل حول ما إذا كانت هذه القراءات بمثابة الضربة القاضية للشعر أم أنها تمدّ الشعر بدم جديد.

تأدية الشعر والكلمة المنطوقة قد ازدهرت وانتشرت بسرعة أيضاً، لكن مع توكيدها على تقديم الشاعر لعمله أكثر من تشديدها على النص. مقابل الشعر "المبني على الصفحة" – القصيدة التي تزدهر في المقام الأول بواسطة النص المطبوع – نجد أن ظاهرة القراءة الشعرية تكون عسيرة وشاقة على نحو متزايد. وفي أغلب الأحوال نحن نخلط بين القراءة الشعرية وقراءة الشعر.

لا شك أن الأمسيات الشعرية العامة توحّد الناس معاً وتجمعهم في مكان واحد، خالقةً جمهوراً لأكثر الفنون اللفظية خصوصيةً وحميمية. إنها – الأمسيات – تتيح لنا أن نلتقي بالشعراء الذين نعجب بهم، أو الذين لم نسمع عنهم قط، رابطين القصيدة المطبوعة بصوت وسيماء خالقها، ومضيفين أبعاداً جديدة من المعنى إلى التجربة التي توفرها الصفحة.
القراءات الشعرية تتيح للشاعر أن يختبر مدى قدرة عمله الجديد على خلق أصداء عند المتلقي، أو إمكانية إخفاقه في فعل ذلك. وبالطبع، فإن للعملية الشعرية نفسها، تكون القراءات الشعرية علامة حافلة بالأمل لفن يبدو، على نحو متناقض ظاهرياً، مهمّش أكثر وشعبي ورائج أكثر.. خصوصاً ضمن ثقافة تقيس قيمة وجدارة الفن بحجم رواجه، حيث قلة من كبار الناشرين يصدرون كتباً لشعراء، وحيث نقد الشعر زال وتلاشى تقريباً من الميديا السائدة، وحيث أن قلة من الناس صاروا يقرأون الكتب.

لكن حتى لو تتخذ القصيدة حياة جديدة وطرية، عندما تُلقى بصوت خالقها، فإنها تخسر أكثر مما تكسب. إن الإصغاء إلى القراءة الشعرية عوضاً عن قراءة القصيدة على الورق، هو أشبه بقراءة سيناريو الفيلم عوضاً عن مشاهدة الفيلم على الشاشة. فقط عندما نقرّ بأن القصيدة المؤداة أمام الجمهور ليست بديلاً عن القصيدة المقروءة سراً، سوف ندفع إلى الأمام قضية الكلمة الشعرية.
الجدل بشأن جدارة وكفاءة الفعاليات الشعرية العامة كان قد أثير على نحو متكرر طوال العقدين الماضيين، وأنه جزء من جدل جمالي وثقافي أكبر التساؤل حول كيفية إدراك وفهم القصيدة بشكل أفضل.

في محاولة جعل الشعر رائجاً وشعبياً، هل يتم الحط من قدر تحقيق الشعر نفسه؟

في خطابه الذي ألقاه أثناء توزيع جوائز PEN في العام 1996، قدّم ريتشارد هوارد "اقتراحاً بسيطاً والذي قد يعيد الفن، الذي كان يوماً يمثّل البهاء والسلوان لجنسنا البشري، إلى مكانته الرفيعة. اقتراحي ببساطة هو هذا: جعل الشعر، مرةً أخرى، شيئاً سرّياً. (..) لقد أخفقنا في جعل الشعر معروفاً. جعلناه مشاعاً فحسب. إذا كان علينا أن ننقذ الشعر، أي إذا كان علينا أن نتذوّقه ونستمتع به، يجب أن نعيد الشعر إلى تلك الحالة من العزلة بل والسريّة التي تميّز ملذّاتنا الحقيقية، ولا تماهي إلا أفعالنا المبجّلة على نحو حميمي".
في نظر هوارد، القصيدة هي فعل حميمي من أفعال الاتصال، وليست مناسبة احتفالية لمجموعة تتلمّس طريقها.

من بين الذين ردوا على هوارد، روبرت بينسكي الذي أكّد على أن الشعر هو "جزء من الحياة الاجتماعية التي نتقاسمها، تماماً كما هو الانترنت". إن مشاركة الشعراء في المشهد العام، العلني، هي "جزء من الحياة المدينية للفن، جزء من الطريقة التي بها يقدّر المجتمع فن الشعر، وبذلك يحفظه للذين لم يولدوا بعد". كما يشدّد على أن الشعر هو "جزء من ساحة سوق حيث نحن جميعاً نحتشد ونجتمع".

أما وصفة "دانا جيويا" لجعل الشعر رائجاً وفي متناول الجميع، من خلال الفعاليات العامة، فتذهب إلى أبعد من ذلك. هو يقول أن على الشعراء أن يقرأوا أعمال شعراء آخرين في هذه الفعاليات والأمسيات، وأن يستعينوا بالموسيقى والمواد البصرية، ويستفيدوا من وسائط الاتصال (الميديا)، فمثل هذه المساعي والجهود – كما يعتقد – سوف "تجتذب الجمهور من وراء عالم الشعر دون التنازل عن الخاصية والجودة".

وحسب قوله، ينبغي على مدرّسي الشعر في المرحلة الثانوية وفي الكلية أن يقضوا وقتاً أقل في التحليل ووقتاً أطول في الأداء.
إذا كانت القصيدة هي مادة أي دراسة صحيحة للشعر، فكيف يمكن للإلقاء العلني للشعر أن يؤثّر في استجابة القراء تجاه القصيدة نفسها؟
في مقابلة له مع نيوزويك، تساءل بيلي كولنز عن إمكانية فهم القصيدة عند إلقائها بصوت عالٍ. وقال: "أرى أن التعامل مع الشعر ينبغي أن يكون مثل التعامل مع جدول الحروف عند امتحان فحص النظر في عيادة طبيب العيون. الحرف الأول الكبير ينبغي أن يكون سهل القراءة، بحيث يجذب القارئ، عندئذ يمكن أن تصبح الحروف الأخرى غامضة على نحو متزايد".. لكن هل الفعاليات الشعرية العامة تأخذنا إلى ما هو أبعد من الحرف الأول الكبير؟

لاشك أن هناك أنواعاً من القصائد تكون فعالة أكثر من الأخرى حين تُقرأ بصوت عال. الشعر السردي، الشعر الغنائي ذو الخط السردي أو المتلولب، يُحدث أثراً أشد مما تفعل القصيدة التجريدية. القصائد التي تلتوي وتتحرك دائرياً على نفسها، إضافة إلى القصائد الأشبه بخطبة رنانة أو تلك التي على نحو صريح تستجدي المفاجأة، هي على الأرجح التي تثير رد فعل فاتر ولا مبال. القصائد المضحكة هي ترفيهية ومسلية إلى حد كبير، لكن يمكن للضحك أيضاً أن يشير إلى رد فعل، معقد ومركّب بعمق، عند المستمع. أما القصيدة التي تعتمد على التراكيب اللغوية فإنها تكون عرضة للإخفاق في الأداء العلني، إلا عندما تتألق في تلاعبها بالكلمات.

في أحوال كثيرة، حتى القصيدة الواضحة جداً يصعب امتصاصها في جلسة استماع واحدة. القصيدة المقروءة بصوت عال تصبح ضحية إلقاء صاحبها لها. ليس ثمة أي فرصة للشاعر أو لعين المستمع أن تتوقف لبرهة، أو تتباطأ، أو تتريث عند بيت أو سطر ما. كم مرّة، وأنت تنصت، أردت أن تطلب من الشاعر أن يبطئ في القراءة، أو يعيد قراءة القصيدة؟ القصيدة الملقاة تتلاشى على نحو أسرع من أثر البخار. ربما الإخفاق في فهم القصيدة الملقاة فضيلة رديئة النوع، دلالة ملحّة على أن القصيدة تتضمن أكثر مما يطرق السمع. بينسكي يتحدث على نحو مثير للاهتمام عن "المتعة المستمدة في لغة ليست مفهومة إلا جزئياً".

القراءات الشعرية العامة تخدم شعر التقدير أكثر مما تخدم شعر الاكتشاف. في موقع القراءة، يقدّر المستمعون القصائد التي تعزّز ما يشعرونه أو يصدقونه. بوسعهم أن يبقوا منيعين إزاء الرنين الذي يتحدى حاسة السمع العميقة.

احتمال وارد أن تؤثر قراءة القصيدة بصوت عال في العملية الإبداعية عند الشاعر. راغباً في إرضاء الحشد الهائج، يمكن للشاعر، على نحو غير واع، أن يسلك دروباً جمالية مختصرة والتي قد تؤذي القصيدة. المؤثرات التي تعمل بفعالية ونجاح في الإلقاء والأداء غالباً هي من النوع الذي يُفقد القصيدة المكتوبة بريقها.

مع ذلك، يمكن للقراءات العامة أن تخدم ككاشف للشاعر، إذ من خلال رصد عيون وأذان المستمعين، بوسع الشاعر أن يدرك ويقرّر ما إذا اللغة أو تأثير البيت الشعري كاف لإحداث النتائج المرجوّة. هذا يماثل القراءة الخصوصية بصوت عال والتي يمارسها الشعراء عند تنقيح القصيدة. الشعراء الكسولون ينغمسون في تكتيك معاكس، مستخدمين المهارة الشفهية والسرعة المحضة في تجاوز المواضع التي يعرفون أنها غير مستساغة في الأذن أو يعوزها العمق. دونالد هول حذّر من هذا النزوع في الشعر. يقول بأنه عندما يكتشف أن بيتاً من قصيدة له ليس مناسباً أو لائقاً فإنه يعرف كيف يجعله يبدو مناسباً بقراءته بصوت عال.

بالمثل، يمكن للشاعر أن يقرأ قصيدته، حتى لو عرف أنها غير ناضجة لتدوينها على الورق، فقط لأنه قادر أن يخدع بها الجمهور المستمع.
لكن الأكثر ضرراً في الأداء العلني للشعر، أن هذا الأداء عادةً لا يستطيع أن ينقل "شكل" القصيدة. في عالم حيث المفهوم الفعلي للشعر يتضمن وفرة وتعدد المعاني، عنصر واحد فقط يفصل الشعر عن الفنون اللفظية الأخرى: بيت من الشعر.
القصيدة هي جوهرياً مجموعة من الكلمات التي فيها الهوامش مهمة.. مع ذلك، هذا العنصر الأساسي هو الشيء الوحيد الذي نادراً ما يكون باستطاعة الشاعر أن ينقله في القراءة العامة.
عندما تستمع إلى قراءة شعرية، ألا تتمنى أن يرفع الشاعر قصيدته عالياً حتى تتمكن من رؤية شكلها على الصفحة؟
صحيح أن القصائد التي توظف أوزاناً وأشكالاً مقبولة تقدر أن تنقل شفهياً الإحساس بصفحة القصيدة، لكن الشاعر الذي يوظف إيقاعات متناسقة الأجزاء، تفعيلات، أشكال، يجد صعوبة شديدة في توصيل البراعة الشكلية للقصيدة. بعض الشعراء يحاولون، على نحو شنيع، رفع طبقة الصوت، بطريقة حزينة وذات مغزى، في كل انتقال للسطر أو البيت. لكن دوماً تفقد القصيدة، في الإلقاء، اتصالها بالحقل البصري الأساسي.

عند البعض، القراءات الشعرية قد تحل محل الحاجة إلى اختبار حقل القصيدة البصري، أي تجعله يستغني عن قراءة القصيدة. في هذا السياق، عبّر الشاعر الأسترالي ليس موراي عن احتفائه بالقراءات قائلاً: "القراءة العامة هي الأمل الحقيقي للشعر في الوقت الحاضر. عدد حضور الفعالية سيكون أكبر من عدد الذين يشترون الكتاب الشعري".
لكن احتشاد الأجسام الدافئة أثناء القراءة العامة لا يعني على نحو آلي توجّه الناس إلى المكتبة أو الاستغراق في قراءة القصائد في أوقات فراغهم. في المقابل، من يشتري الكتب سوف يمتنع عن شراء الكتب الشعرية الجيدة إذا استمع إلى إلقاء سيء لقصيدة ما. البعض عندما يلقي قصيدته يبدو كما لو يصادف قصيدته للمرة الأولى، أو يستنزف على نحو متكلّف كل ذرّة ذات أهمية ودلالة في عمله.

إذن هل من الأفضل للقصيدة أن تُرى دون أن تُسمع؟

ليس إذا اعترف الشعراء والمستمعون بالعوائق التي تفرضها القراءات العامة على الشعر. بإمكان الشاعر أن يتعلم كيف يقرأ بشكل أفضل. أن يقرأ على مهل. بإمكانه أن يقدم قصيدته بوصفها لغزاً صغيراً، أن يقدمها على نحو مثير لا أن يلوكها إلى حد الضجر. ويمكن للشاعر أحياناً أن يوزع نسخاً من قصائده المطبوعة على المستمعين بحيث يشاركونه – في صمت - قراءة ما يلقيه.. عندئذ قد يلقى الشاعر استحسان الحضور.

القوة الحقيقية للقراءات الشعرية لا تتصل كثيراً بالكلمات. إنها تثير المتعة الجمالية التي هي تأملية أكثر منها أدائية، موسيقية أكثر منها أدبية. حتى بإزاحة المفهوم الرومانتيكي القائل بأن الشعر قوة فائقة ومتجاوزة الحد، فقط لأنه شعر، تظل هناك طاقة يصعب إنكارها في مجرد الاستماع إلى الكلمات التي هي منظمة في إيقاع معيّن، ولا تتطلّب منك غير الجلوس بثبات، في سكون، مستدعية حاسة السمع لا البصر، وتتجلى، على نحو زائل، في صحبة أفراد آخرين.

ربما كان ريتشارد هوارد محقاً عندما قال بأن عملية فهم القصيدة هي حدث شخصي وخصوصي، حتى لو كان ذلك في عرض عام.

المصدر: Academy of American Poets

أعلى