لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

حليب الفجر الأسود

نجوم الغانم
(الامارات)

نجوم الغانمالشـِعر أجمل من الموت، وعندما يأتي الموت يصبح الشعر مرّاً كالعلقم.. هكذا شعرت وأنا أقرأ قصيدة "حليب الفجر الأسود" للشاعر الروماني الكبير بول تسيلان.
كان الوقت مساء تماماً كما تقول القصيدة
"حليب منتصف النهار الأسود
نشربك عند الغروب
نشربك في الظهيرة، وفي الصباح، ونشربك في الليل
نشربك ونشربه".
هذه القصيدة بالذات مليئة بالحلكة والحزن والكآبة وصوت الموت المخيم على كل شيء، وهذه القصيدة بالذات كانت حاضرة بشدة عندما جاء زوجي ليخبرني في مساء السابع والعشرين من ديسمبر لعام 2007 أن بنازير بوتو رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة قد ماتت مقتولة بفعل متعمد وليس برصاصة طائشة أو حادث عابر.. لقد ماتت ومات بعدها قاتلها في شكل يوحي بأنها شهادة أو قتل حسب شريعة ما يؤمن بها هو وربما من دفعوه لذلك الفعل المقيت.. فعل قتل الآخر باعتقاد أن الآخر خطر وعدو، ولهذا فإن قتله سيكون مغفوراً، وعلى قارعة الطريق كان هناك آخرون سحقهم الموت معه لا لشيء بل لأنهم كانوا يقفون أو يعبرون صدفة في المكان.
في اليوم التالي كان ضريح بوتو يتلقى الزهور الحمراء ويتلقى المزيد والمزيد منها.. مناصرون كثيرون جاءوا ليلقوا الورود على ضريحها كما كانت تفعل هي بالضبط في سنوات سابقة عندما كانت تزور ضريح والدها أو والدتها.. اليوم أصبح لها هي أيضاً واحد مشابه وأنصار يأتون لتلاوة القرآن الكريم ويتهامسون عن الموت حسب اللعبة السياسية.
لكن السياسة ليست هي بيت القصيد رغم أنها عمل كباقي الأعمال في سائر الدول الأخرى.. لكنها في مناطق معينة من العالم تصبح عملاً يـُسبب الكثير من الموت وإسالة الدماء ومثاراً لوحشية لا توصف.. السياسة أخذت معظم أبناء عائلة بوتو إلى الموت بعنف.. هل كانت كلماتهم بهذا المستوى من الخطر بحيث كانت تثير كل ذلك العنف القاتل؟
هل كان يمكن تفادي الموت بهذه الطريقة الوحشية؟!
يقولون إن الذي يلجأ إلى العنف هو الشخص الذي لا يملك حكمة الحوار.. أظن أن الموت في كل تلك الزوايا من الأرض إنما يرتفع لأن لغة الحوار تكون قد ماتت هي أولاً ولهذا لا تصبح الأمور مهمة بعدها.
بنازير بوتو هي رمز استثنائي لامرأة الشرق الأوسط القوية والمتعلمة والمثقفة والمحاورة.. وأظن أن هذا لا يعجب كثيرين يريدون أن تعود المرأة لتمارس دوراً واحداً فقط يحددونه هم لها ويدعون أن الدين قد حدده سلفاً.

** ** **

أشعر بحزن مضاعف منذ السابع والعشرين من ديسمبر الماضي، وأتذكر تلك المرأة الأم التي أطلق عليها نازي متطرف رصاص بندقيته من الخلف وأرداها قتيلة.. ذلك القتل وغيره جعل تسيلان يكتب شـِعراً أسود غطى معظم صفحات دواوينه ولم يسعف كل حزنه في إعادة الهدوء إلى قلبه.
القتل ليس له جنسية ولا لغة ولا أصل ولا حتى تاريخ.. القتل يأتي ليمحو الإنسانية بأي لغة وبأي عقيدة وبأي فلسفة وبأي منطق.. القتل يأتي من متعلمين وجهلة.. من فقراء وأثرياء.. من اليسار واليمين.. القتل يأتي من كل الاتجاهات وبكل الألوان لكن السياسة تؤججه لأنها ملعونة.
ولكن هل هناك من يستطيع أن يقتل السياسة؟

** ** **

كان الطفل في السابعة من عمره عندما رأى والديه يـُغتالان برصاص العسكر.. عندما كبر حمل قلماً وصار يكتب عن ذلك الموت.. كتب شعراً أسود في صباحات سوداء وبيضاء على السواء.
وهناك طفل آخر عندما رأى ما رأى من الموت حمل بندقية وصار يقتل بعدد صفحات دواوين الشعر التي كتبها شقيق آخر في بلد آخر.
كان الأول يكتب والآخر يقتل، وعندما أضنى الموت ذلك الذي يكتب رمى قلمه في النهر وسال الحبر عميقاً وأسود، وأخيراً بدأ يطفو جسده عالياً فوق الماء وعرفوا حينها أنه الشاعر الذي لم يحتمل كل ذلك الموت فانضم إليه.

** ** **

بنازير بوتو
وداعاً لكِ أنتِ أيضاً.. لقد جفت الزهور فوق ضريحك، لكن الدماء ما زالت تتدفق كالآبار تحت جلد الأرض.. وأرجو أن يستطيع موتكِ حقنها.. لكن تبدو هذه أمنية ساذجة لبداية عام آخر جديد ولكنه أيضا يحمل ذكريات وآلام كل تلك الأعوام السالفة.

7-10-2008

أعلى