1
ثمة باب دائما مفتوح،
باب لا مرئيّ،
يكشفنا ولا نراه.
باب فسيح
مشدود بالأظافر
مطليّ بالوساوس
وساكت مثل إله.
............
............
باب باهت
لا يطرقه أحد
لا يفتحه أحد
ولا يفصل بين ضلع وسواه.
2
هذا الشتاء،
يُعلّق الرّعاة أعشاشهم على عشبة الأناشيد
فيما نايات زرقاء، من بلل الكون
تسيل من معاطف الشجر.
هل عليّ أن أصدّق
أنّني جلست يوما على كومة من تبن
غارقا في الرماد
أصغي لفرس عضّني.
جرحان يشتعلان
لا النايات لهب
لا المعاطف نشيد
3
ذلك الشتاء في الزريبة (°)
رأيت العالم يبتعد في نفسه،
رأيت أطفالا أشباحا يُدميهم الضّوء والموشّح
رأيت نايا مليئا بالثقوب يضع رأسه على كتفي أمّه
رأيت دالية تندلق من فم الريح وتتثائب في الكؤوس
رأيت البدو يزرعون الماء في المناقير
والجرار بين فخذي الشمس،
رأيت الرجال، في قريتنا، يصعدون درجة درجة سلّم الزغاريد
رأيت قوس قزح يجسّ المصابيح وينطفئ في الحوانيت
رأيت خرافا تركض في النبوءة وفي البياض
رأيت الحطب ينسدل ظفائر على أكتاف النساء
رأيت الرغيف يتّسع لأكثر من فم
رأيت فأسا تضيء ما بين الكفّ والصّخر
رأيت أرجوحة الريح خدعتني، طفلا
وأوصلتني إليك.
رأيت... ما رأيت
رأيت الزريبة
تُمطر ولا تُمطر،
غير أنّي لم أعد أعرف كيف أبتلّ بالذكريات.
-------------------------------------
- الزريبة: قرية الشاعر ومسقط رأسه.
4
ذلك الشتاء،
كنت غير بعيد عن مسقط رأسي،
عندما رأيت،
في ضوء المصابيح
النجمة التي زرعها المطر تحت مخدّتي
ونسيت،
أن أعلّقها في السّقف.
5
كان الحلم سلّما
في يد الغيب
بينما مياه نازلة من عطش المطلق
تواصل طرق مساميرها في قدمي.
6
ورأيت أطفالا
خياليّين
مزروعين في البرق
متدفّقين من جناح سماويّ
فيما تُغمّس العصافير خبزها بدموع الأمهات
وتكبر.
7
على السطح
فوق خشبة عائمة
فيما يطفو حولي بيانو أندلسي
ماسكا بأسنانه
قميص هذه الأرض
وفيما تغرق أياد
في إصبع كل منهما وترٌ حيّ
كانت الألحان تمدّ عروقها
متمسّكة الحياة.
8
تواصل السماء حشد ملائكتها
في اتجاه اليقظة المبسوطة أمامنا
متى، بعد ذلك
نخلع من بين يديها
غفوة، كغفوتها الآن.
9
في كفّه،
أو على أطراف أصابعه،
تقف الأرض التي وقفنا طويلا عليها
يغادر المهرج دائرة السيرك،
بينما الأرض المحمومة التي..
في كفّه،
أو على أطراف أصابعه،
تظل تنطّ كجرذ صغير،
وتقفز من إصبع إلى إصبع.
10
العالم حزمة من الشعر الخالص.
صباح يُسمع من بعيد.
كعوب عالية تُتمتم باستمرار،
لإغاظة العالم.
قبضة سماوية خشنة تنزلق عميقا، على بطنها،
لدغدغة سرّة العالم.
بالصفة ذاتها،
الأرض كرة أو كون.
بيضة أو قرية.
لا بصفتها وطنا أو منفى،
يركل الشاعر الأرض ويفلقها.
11
من بعيد،
أسمع وقع ارتطام نهدك الأيسر على صدر الليل.
أسمع قلبك يقلّب كتاب أيامه الماضية.
أسمع ذلك الذي كان يتعثّر بيننا، مع كل نجمة تسقط فجأة.
أسمع أسرابا من الفوضى تتدلّى على أكتاف الكلمات.
أسمع الزبد الذي سوف يبقى على سريرك، رمادا وأطفالا.
أسمع مرارات حب قديم يبرق برهة من النافذة.
أسمع الكذب الذي صدّقت، تحت إبطك الآن ينمو.
أسمع الندم المحشوّ بالأظافر والكدمات.
أسمع نصفك المكشوف يرشح ملء إناء الليل.
أسمع وقع يدين باردتين تجفّف محابر النوم.
أسمع الحزن الذي ينتظرك على طاولة الأصدقاء.
أسمع اسمي في سريرك باسطا ظلّه عليك.
أمدّ يدي، من بعيد،
أقرصه من أذنيه وأسحبه من أحضانك الماكرة.
12
سنوصد الأبواب ونسدّ شقوق الحيطان،
حتى إذا ما أوجعتنا لم يصل نواحنا إلى أذن الجار.
نحن نبكي سرّا يا حياة غير أنّ الذي يُسمع من بعيد، عصافير
قلوبنا الصغيرة، تخربش في أقفاص صدورنا،
لم نفعل شيئا آخر سوى أننا كسرنا لها أضلعنا لتطير،
وطلينا لها بالأزرق السقف والجدران.
13
سنقولُ للغد: اسمك لاسمك
لا أمسٌ يجيء إلينا ولا نبي.
سمّني باسمك أنّى شئت،
وافتحي شباك الغيب يتدحرج وطن من الدم.
سمّني باسمك،
وافتحي في الموت كوّة للغد
ربما ينهض من أمسه الأمس
والغد ينسلّ من الغد.
لا أطيق المكان ولا الزمان
غير أن الأسماء مصابيحنا
والنجوم قماشة تتكسّر في اليد.
لاسمك أعطيت اسمي
فأعطه من حليبك ولا تبخلي عليه بالذكريات
احكي له قصص الأنبياء وما ليس له
لا تفزعي إن كسر قيده
أو قفز إلى حلم الجيران
لا يسكن بيت الغريب سوى الغريب
ولا يسكن الأبواب سوى الأشباح.
أعطني اسمك يا أخت اسمي
وضمّي الجناح إلى الجناح
الأرض منفى. الكلمات صباح.
14
الشاعر من لحم ودم.
الشعر لحم ودم.
15
كبرتِ بعيدا عنا،
وكبرنا بعيدا عنك،
هكذا يفتح الزمان دفتره ويرشّ محابره.
16
الحرّاس على الباب
نحن طرنا بأحلامنا
وسكنّا الغياب.
17
في طفح الكأس والصداقات
تنزلق المفاتيح والأسئلة:
أين القلب؟ وأين القفل؟
18
بلا فكرة ثابتة،
تسير الحياة نحو الكتاب الأخير لفرناندو بيسوّا.
19
حياة طبق الأصل. لا أهل لا ولا فصل.
20
من أمكنة بعيدة أتوا بالصدفة
أبناء أمس ينزلقون نحو غد هابط
مثل محلات الفرصة.
21
علم البلاد،
آه.. يا قلبك الأبيض.
22
يأخذنا الوطن من عيوننا
ونأخذه من يديه
عمرٌ مضى..
فلا هو وصل إلينا.
ولا نحن وصلنا إليه.
23
ليل طويل من أوّله
ليل طويل إلى آخره
ليل يمدّد في إقامته بيننا،
ويقصّر حبل الود.
24
البلاد التي طارت وتعالت
حطّت على قلبي لترتاح.
25
من يرشد كلينا إلى كلّه.
من يقود الآ خر إلى الآخرة.
26
غرقى الأحلام،
طفت جثثهم على السطح.
27
لأنها تبتلّ بالمطر
لا تحتاج الأرض إلى سراويل.
28
تعال..
تعالي..
تعاليت..
تعاليت عنّا..
تعاليت عنّا حتى أصابك الدّوار.
29
قلبي على قلبك،
على قلبينا،
على ما فكّرنا به سويًّة.
30
قلبي على قلبك،
تقاطع أغنيتين فاسدتين عند إشارة مرور بيضاء.
31
قلبك على قلبي،
شعار انتخابي بعكّاز ونظارات سوداء.
32
قلبك على قلبي،
كذبة خفيفة بأسنان صفراء.
33
قلوبنا على قلبينا،
شأنان عائليان يتبولان في النفق.
نشيد ملكي بأكمام بشرية وجناح.
الوردة في السحاب. النار في الأفق.
34
الربح والخسارة كلاهما جناح للغيب.
35
قال لها: عيني عليه.
قالت له: يا عيني عليك.
(انتهى الحوار بين الدولة والمثقف)
36
لنا أسبابنا..
لك أسبابك..
أنت طرقت عظامنا.
نحن فتحنا بابك.
37
نجلس قريبا من عيد الاستقلال
نحرّك القهوة ونفكّر بالخيانة.
38
في الحديقة وردة تتوسّط السماء
في السماء نجمة تتوسّط الأرض
الظلمة بينهما حتى الأعناق.
39
وحيدٌ كما يجبُ، وحيدٌ أكثر ممّا يجبُ،
محاطا بالآخرين، صنعتُ بوحدتي ما أشاءُ.
وكما شاءت لنا أن نكون.
لم يَقل أحدٌ لآخَره: ينقصنا قش. تنقصنا ريح.
40
بلا فكرة ثابتة
يلمع الموت وينطفئ على ذاته.
41
لا غيرك غيري، في هذا المطلق المفتوح.
42
على أطراف الأصابع ندخل، بلا وجه ولا قلب ولا ساق.
خفافا ثقالا، عراة كساة.
بإصبع واحد نحرّك كل شيء في كل شيء
كاللصوص والكهنة والشواذ.
43
بينما تخرُج المذيعة من عين الكاميرا.
يخرج العالم من عين المذيعة.
تضع المذيعة صوتها على الطاولة، وتُتمتم.
يضع العالم فمه على الطاولة، ويُتمتم.
فيما أسماك من بحر ميت تُبلّل فصاحتها المرمية على شرشف أزرق.
بهدوء حذر يضع صدره على صدرها،
صدره: دم أبيض يتدفق بين فخذي العالم.
صدرها: عضات تُظهر قميصها الشفاف.
44
كُنّا أطفالا.. لم نكبر مع طفولتنا
غيرأننا طرنا بأجنحة فقيرة وبيضاء
لم يكن في البيوت حليب لكن الذكريات أرضعتنا أسنانها
وكبرنا.. كبرنا.. دفعة واحدة
دون أن نمصّ أصابعنا أو نعضّ بنت الجار
حتى لم نعد لنسأل: هل حقّا ولدنا صغارا
وهل كنّا أطفالا ظرفاء كما ينبغي.
أنت أيتها الطفولة، يا وسائدي المعرّقة بالأزهار
ها أنت تجثمين ثانية على ركبتي، كحديقة
بينما تقطّر الأحزان أغصاننا العليا.
45
لم يعد ثمّة أمر غريب، في الأفعال.
46
له الوضوح، لك الغموض.
له ما لك من أي شيء غامض وضوح.
لك ما له من كل شيء واضح غموض.
47
له الكمال. لك الكلمات.
48
لم يتغير إلى الآن شيء
لم يتغير منذ الأمس شيء
الكمال بارد إلى الآن.
الكلمات حارة منذ الأمس.
49
لك الألوان. له الأسماء.
50
الماء تحت السماء أزرق
السماء فوق الماء زرقاء
لكما الماء والسماء
لكما السماء والماء
الألوان لكما والأسماء.
51
لم يتغير من الحرب / من البحر / من الحبر
لم يتغير من الحب وجه الله.
52
للأموات ساعة / للأحياء ساعات.
الأموات وقت / الأحياء أوقات
53
في الطريق إلى الأرض وقتان:
وقت للحياة ووقت للموت
الحياة والموت وقتان واحدان
وقت واحد خفيف، وقت واحد ثقيل، وقت واحد كامل أو ناقص
أو واضح أو غامض، وبارد وحار
وقت واحد فقير غني قريب بعيد
وقت واحد واحد واحد.
54
للسماء ساعة ثابتة.
للأرض ساعات تدور.
55
السماء كاملة إلى حدّ هذه الساعة
الأرض ناقصة منذ الأمس.
56
لستَ سعيدا علَى ما يبدُو
ولم تكتب بدافع من أحد
لكن جنيّة مَا، أعلى من هذه الدنيا
تُبقيكَ خفيفا مثل نقّار خشب.
57
الضحك الخفيف ذاته، الذي تعرف
طار مع الريح.
الضحك الأبيض ذاته، الذي تعرف
ملء مؤخرة الليل بالأطفال.
الضحك الطفولي ذاته، الذي تعرف
إستأنس بالبكاء.
الضحك الأصفر ذاته، الذي تعرف
طوى لسانه في الكتب.
الضحك البريء ذاته، الذي تعرف
تأخّر عن الدّرس.
الضحك المرّ ذاته، الذي تعرف
ذاب مع الحلوى.
الضحك الشرعي، ذاته الذي تعرف
يُساق إلى مُبتغاه.
الضحك الرسمي ذاته، الذي تعرف
وسّع دائرة النقاش.
الضحك الاعلامي ذاته، الذي تعرف
باعد بيني وبينك.
الضحك المشبوه ذاته، الذي تعرف
ضحك ملء شدقه.
الضحك الفقير ذاته، الذي تعرف
نطّ من عين إلى أخرى.
الضحك الثوري ذاته، الذي تعرف
يَئس منهم.
الضحك الوطني ذاته، الذي تعرف
تبوّل من الضحك.
الضحك الشعبي ذاته، الذي تعرف
مات من الضحك.
58
لا أسمّي حين لا أسمّيك ولا أرى في الأرض جرحك
ولست أدري هل التّطابق في الكلام أم الحمام.
كنت وحدي أمشي ولا أمشي
وأفكّر في نجوم تبرق من النّعش
ولا أبكي.
لا البحر ترفّع عن ساحل أخضر
لا السؤال تعلّم قراءة الحجر
الذبيح الفسيح
لا أبعد ــ لا أقرب
قد لا تصل ــ سأنفصل ــ عن حركتين قمريّتين ــ وقد أصل
إلى فكرة غامضة
لا أبعد ــ لا أقرب
كأنّي بعيد ــ كأنّي قريب
كأنّي هنا ــ
أجتاز بساقين مضمومتين فكرة الرّيح بالاختزال
واقفا بين المنزلتين
ضدّي ــ أنا ــ أنا ــ ضدّي
أُقرأ من النّاحيتين الطّبيعيّتين للماوراء ــ وأرى
طفل ورقيّ يدخل جملة إبتدائيّة زرقاء
مراهقات بمواعيد مفصّلة تتوحّد في المساء
أصدقاء بأقلام عسكريّة ومناطق منزوعة الذكريات
أثبّت بين حصّتين مدرسيّتين جنديّا يتيما وغيابا
أضيق أنا ــ و ــ أنا ــ أنا ــ
بعلاقات سريّة مع الفوضويّ منّي
وامرأة قمريّة ببرجين من العاج
تتّسع ــ هي ــ
وأضيق كما سنبلتين في سؤال.
بريدا أخضر ــ حاطب ليل ــ طفولته نتنة
من وصل ــ من انطفأ ــ
صدأ على الجرس ــ نشيد صباحيّ تأخّر عن الدّرس
لي فصل قديم في الأرض ولم أكن فضوليّا على المسرح ولا غامضا في النصّ المسائيّ للبوح لكنّي أرتــدّ بين حجرين وأتّحد مع الحمام وأنحاز إلى وصفي البربريّ في السّياق وأشهد أنّي لا قريب ــ لا بعيد ــ كأنّي هنا ــ ضدّي أنا ــ وــ أنا ــ ضدّي.
كوني الشّاهد الأوّل على ظلّي .
أسأل عن سبب تحيين الفراش وتسويف العدد
أسأل عن الوقت الغامض في جملة إعتراضيّة على الزّمن
أسأل عن التّقديم والتّأخير في المتوسّط الأبيض
أسأل عن تغريبة تونسيّة تشكو من العطب
أسأل عنّي كيف أحالني إلى امرأة خبريّة في هامش الجسد
حبل من المسد ــ ممنوع من السّفر ــ ممنوع من الوتريّات والبنفسج ــ ممنوع من الضّوء بمنديل من الفلّ ــ ممنوع من الحبّ المترجم ــ ممنوع من العزلة المهرّبة في كتاب الوهم ــ ممنوع من شقائق والورد ــ ممنوع من الذكريات اللّقيطة لعجائز البحر ــ ممنوع من الصّرف الغنائيّ والأداء المفرد.
أُقرأ من النّاحيتين الطّبيعيّتين للماوراء ــ أنا ضدّي ــ ضدّي ــ أنا.
لا أبعد ـ لا أقرب ـ ثقب في باب القلب اليتيم ـ انتماء الفراش إلى حكمة الأضداد ـ نبوءة الغيم والسّاعات ـ أنوثة الانزياح الوطني والبكاء المرّ في الحانات ـ زقزقات الجريح بحمّى الغنائي ـ مسامير اللّيل الملطوخة في الشّهوات ـ رفاق البنّ والطّعنات ـ حوافر الأصدقاء المثـقوبة والغمغمة ـ مسيح الوسطيّة في السّياق ـ ثغر الشّموس العطشى ـ بكاء الكمنجات ـ لا أقرب ـ لا أبعد.
وَرَمِ شفويّ بنجوم وأبواق ـ أجرّب في القدرين الشّاحبين شعريّة البكاء الحرّ والعاطفيّ المفرط في الإنشاد ـ أتوحّد في الأضداد ـ يا أيّتها البلاد ـ يا غزال النّغمات.
نحل في الكلام الجهويّ ـ سهام من الصّلصال.