لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

  حركة الشعر العربي الحديث.. النشأة

حلمي سالم

نشأة الشعر العربي الحديث

- 1 -

حلمي سالمبات من الثابت في الدرس السوسيو ثقافي، وثوق العلاقة الأكيدة بين التطورات السياسية الاجتماعية الفكرية في المجتمع، والتطورات الأدبية والفنية في هذا المجتمع.

وعلى الرغم من وثوق هذه العلاقة، بين التطور الاجتماعي والتطور الأدبي الفني، فإنها ليست علاقة مرآوية ميكانيكية تطابقية، كما كان يرى بعض علماء الجمال الماركسيين، فيما سبق، بل هي علاقة جدلية مرنة.

وفي ضوء هذه العلاقة الوثيقة بين تطور المجتمع، وتطورالأدب والفن سننظر إلى نشوء الشعر العربي الحديث.

ومصر هي البلد الذي سأتخذه النموذج الأغلب للفحص والتطبيق (مع إشارات عربية عامة)، وربما يعود ذلك إلى أن معرفتي بهذا النموذج هي أوسع من معرفتي بغيره من بلاد العرب، وربما يعود إلى اعتقادي أن التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية، هي مثال يلخص تلك التطورات في مجمل الوطن العربي.

- 2 -

بدأت مسيرة ما يسميه المفكرون "النهضة العربية الحديثة"، منذ قرنين من الزمن، وسواء كانت لحظة البدء في هذه المسيرة هي الحملة الفرنسية على مصر والشام (8971) - كما يرى بعض المؤرخين، أو كانت هي تولي محمد علي حكم مصر (1805) - كما يرى آخرون، فإن المؤكد أن بدايات هذه النهضة قد ظهرت مع أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر لا سيما أن اللحظتين (الحملة الفرنسية، وولاية محمد علي)، هما لحظتان متتاليتان متكاملتان، بحيث تشكلان في حقيقة الأمر لحظة واحدة كبيرة.

ويمكن- باقتراح من عندي - تقسيم هذين القرنين إلى ثلاث دورات كبيرة.

الأولى، هي التي تبدأ بالحملة الفرنسية، وتولي محمد علي الحكم، وتنتهي ببداية القرن العشرين، ولنحدد هذه الدورة بتاريخين معينين، هما: عام تولي محمد علي (1805) كبداية، وعام رحيل محمود سامي البارودي (1904)، أو عام معاهدة سايكس - بيكو (1916) كنهاية.

والثانية، هي التي تبدأ برحيل البارودي (1904)، أو معاهدة سايكس بيكو (1916)، وتنتهي بنكبة فلسطين (1948)، أو ثورة يوليو في مصر (1952).

والثالثة، هي التي تبدأ بنكبة فلسطين (1948)، أو ثورة يوليو (1952)، ولاتزال ممتدة حتى لحظتنا الراهنة، بتموجات مختلفة.

- 3 -

إن أهمية القرن التاسع عشر عندي تكمن في أنه القرن الذي بدأت فيه بشائر انتقال المجتمع العربي من الطابع التقليدي القديم (ذي العلاقات الإقطاعية بتعبير السياسيين)، إلى الطابع المدني الحديث (ذي العلاقات المدنية البورجوازية، بتعبير السياسيين)، بصرف النظر - مؤقتا - عن تشوهات هذا الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، وأوجه النقص العديدة فيه، وهو ما سنشير إليه لاحقا.

فماذا حدث في هذا القرن؟

شهد هذا القرن عددا هائلا من التحولات والتطورات والظواهر والتحركات السياسية والاجتماعية والثقافية، سنرصد منها عينة تمثيلية:

- ففي الأنفاس الأخيرة من القرن الثامن عشر حدث أول لقاء - أو صدام - بين الشرق والغرب، من خلال الحملة الفرنسية، حيث شاهد المصريون والشاميون القنابل (التي سماها الجبرتي القنبر)، وكانوا يواجهونها بالخيول. ورأوا المطبعة للمرة الأولى تطبع الكلام والمنشورات. وقامت في مواجهة الغزاة ثورتا القاهرة الأولى والثانية. وعرف المجتمع المصري ما صار يسمى بعد ذلك "النضال الوطني ضد المحتل"، واحتك العرب بمبادئ الثورة الفرنسية "الحرية والإخاء والمساواة" (وإن كانت ملوثة بدخان المدافع).

وهنا نسجّل أن هذا الالتباس بين الدانة والمطبعة، في إدراك العرب للحملة الفرنسية، سيظل واحدا من الانشقاقات المشوهة التي ساهمت في تشوه الانتقال العربي من المجتمع التقليدي القديم إلى المجتمع المدني الحديث، وسيظل عنصرا من عناصر تكرار النهضة والسقـــوط فـــي الفكــر العربي الحديث.

ومع خروج الحملة الفرنسية من البلاد العربية، كان مفهوم "الأمة" قد بدأ في التبلور، ومع تولي محمد علي الحكم - تعبيرا عن إرادة المحكومين - كان مفهوم "الشعب" قد بدأ في التكون. ومع إجراءات محمد علي في تثبيت حكمه وتوطيده كان مفهوم "الدولة" قد بدأ في الظهور على مسرح الحياة العربية.

وغني عن البيان أن المفاهيم الثلاثة (الأمة، الشعب، الدولة)، هي من المعطيات الرئيسية لدخول المجتمع العربي في العصر الحديث.

وعلى طول القرن نشأ جيش مصري عربي قوي بسلاح شبه قوي، وصل إلى مشارف آسيا وأوروبا. وأقيمت مدارس للترجمة عن العلم والفكر الأوروبيين، وذهبت بعثات إلى أوروبا - فرنسا خاصة - وعادت لتطور التعليم والجيش والري والمستشفيات والصناعات. من هذه البعثات انبثق رفاعة الطهطاوي الذي أصدر "الوقائع المصرية"، وترجم الدستور الفرنسي ونشيد الثورة الفرنسية، ووضع تجربة احتكاك الشرق بالغرب في كتابه العمدة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وهو واحد من الكتب المبكرة في النهضة العربية الحديثة التي أوضحت أن أطرنا التقليدية لا يمكن أن تستجيب لمستجدات التحضر، وأننا نستطيع أن نأخذ بأسباب التقدم والتمدن، من غير أن نفقد خصوصيتنا أو هويتنا الذاتية، ولعل ذلك الفهم المستنير كان بذرة أساسية استندت إليها الآداب والفنون العربية، فيما بعد، في إنجاز نقلتها الكبيرة.

بالتوازي مع الطهطاوي، كان هناك شبلي شميل الذي ترجم "النشوء والارتقاء" لدارون، الذي صدر عام 1884، وفرح أنطون الذي أكد أن إصلاح الأرض مسألة علمية، لا مسألة دينية، وأن أورشليم القديمة يجب أن تفسح في المجال لأورشليم الجديدة. وهو الذي أعلن أنه "لا مدنية حقيقية ولا عدل ولامساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم إلابفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية".

- 4 -

توالت بعد الطهطاوي الارتعاشات السياسية والاجتماعية والفكرية: علي مبارك ودوره الثقافي والعمراني، تكوّن أول مجلس نيابي في مصر الحديثة، إنشاء أول أوبرا في الشرق.

ثم كانت ثورة عرابي (1881) مفصلا أساسيا من مفاصل ذلك القرن، وهي كذلك عندي لأربعة أسباب:

الأول: أنها دشَّنت ظاهرة تدخل الجيش في السلطة في تاريخنا الحديث، هذا التدخل الذي سيظل طوال النهضة العربية الحديثة يمثل إشكالية تاريخية غير محلولة، ومعضلة من معضلات الدولة الوطنية في الأقطار العربية.

الثاني: أنها الانتفاضة التي اعتبرها المفكرون التقدميون المصريون الحلقة الأولى من الحلقات الثلاث للثورة الوطنية الديموقراطية المصرية في العصر الحديث، الثانية هي ثورة سعد زغلول (1919)، والثالثة هي ثورة عبدالناصر (1952).

الثالث: أنها كانت تجليا من تجليات التمرد على استبداد الأسرة العلوية (أبناء محمد علي)، والسعي إلى المساواة بين الناس "الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وما صاحب ذلك من نزعة "الوطنية المصرية" في مواجهة الشركسيين الأغراب، ومن نزعة "مؤسسية" في وضع نواة للدستور وللمجالس التشريعية.

الرابع: أنها أنتجت للحياة الفكرية المصرية والعربية أربع شخصيات كبيرة كان لها أثر عميق في التحولات الثقافية والأدبية في العقود التالية، مما شكل مهادا أوليا لثورة الشعر العربي الحديث.

الشخصية الأولى: محمود سامي البارودي (رب السيف والقلم)، الذي اضطلع بمهمة استعادة القوة الرصينة، والديباجة المكينة للشعر العربي التقليدي، بعد عصور من التردي والضعف.

الشخصية الثانية: جمال الدين الأفغاني الذي انتصر لحرية الرأي ولشرعية "الآخر"، وأسس "العروة الوثقى"، كأول منبر إعلامي مستقل عن السلطات الحاكمة والمؤسســات الرسمـــية فــي العصر الحديث.

الشخصية الثالثة: محمد عبده، الذي وضع الكتاب التأسيسي الثاني (بعد كتاب الطهطاوي: تخليص الإبريز)، وهو كتاب "الإسلام بين العلم والمدنية"، شارحا إمكان استجابة الإسلام (في وجهه التجديدي المتفتح)، لشروط التقدم البشري ومتطلبات الحياة المعاصرة، ومحمد عبده هو الذي وصل باحترام حرية الآراء إلى قوله: "إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر"، وهو الذي أكد أن الإسلام ليس فيه "دولة دينية".

الشخصية الرابعة: عبدالله النديم، الذي واصل فكرة المنبر الإعلامي الثقافي المستقل عن المؤسسات الرسمية، عبر مجلته "الأستاذ" ثم "التنكيت والتبكيت"، من ناحية، والذي شد الشعر والأدب إلى دور شعبي تحريضي متصل بهموم المواطنين (ستكون تلك سمة من سمات تيار من تيارات ثورة الشعر العربي الحديث في منتصف القرن العشرين)، من ناحية ثانية، والذي أضاف آلية التهكم أو "الساركازم" إلى الأسلوب الأدبي (ستكون هذه الآلية إحدى آليات الشعر العربي الحديث) من ناحية ثالثة. وهو الذي جسَّد مبكرا في ثقافتنا المصرية الحديثة نموذج "المثقف العضوي"، المطابق بين النظر والعمل، الماشي بين الناس - أدبيا وحركيا - معبرا عن أشواقهم الملموسة، محتميا بينهم بدفء الجماعة.

وسيذكـــــر النديم بعد ذلك كثـــــيرا في شعـــــــر عبدالصــــبور وحجــــازي ونجـــــيب ســـرور، وسيكون - كالطهطاوي - محور مسرحيات طليعية عديدة، باعتبارهما من "بشاير التقدم".

- 5 -

حفل العقد الأول من القرن العشرين بأربع وقائع كبيرة، كان لها تأثيرها الملحوظ على الحراك السياسي والفكري والثقافي في العقود الخمسة التالية، أي حتى بدء الدورة الأخيرة من الدورات الثلاث التي قسمنا إليها قرني النهوض - أو شبه النهوض - العربي الحديث:

الواقعة الأولى: هي وفاة محمود سامي البارودي (4091)، وهو ما يعني أن مهمة إعادة العمود الشعري التقليدي إلى استوائه السابق، وعافيته القديمة قد تمت، بحيث صارت الأرض جاهزة لأي موجات تجديدية تالية، تتواكب مع طبيعة اللحظة التاريخية الراهــــنة. لقـــد صـــارت الأرض ممهدة - بعد استئناف كلاسيكي قصير مع شوقي والزهاوي والرصافي - لتجربة المهجريين العرب، ولتجربة جماعة "الديوان" ولتجربة مجلة "أبوللو" وسائر المدرسة التقليدية الرومانسية.

الواقعة الثانية: هي معاهدة "سايكس - بيكو" التي قسمت تركة "الرجل المريض" (الدولة العثمانية التي تشيخ) بين إنجلترا وفرنسا؛ فحصلت إنجلترا على مصر والسودان وفلسطين والأردن والعراق، وحصلت فرنسا على المغرب العربي كله (فضلا عن الجزائر سلفا) ، والشام الكبير: سوريا ولبنان.

على أن كارثة "سايكس - بيكو" انطوت على فائدتين عظيمتين لمسيرة التطور العربي الحديث:

أولاهما: تخلُّق وتنامي الشعور الوطني المعادي للاستعمار (الإنجليزي والفرنسي - فضلا عن التركي نفسه)، وتشكل الجماعات والأحزاب الوطنية المطالبة بالتحرر والحرية، وهو ما لبث أن تجلى في هبّات وطنية شعبية ومحاولات للاستقلال عديدة.

ثانيتهما: الاحتكاك المباشر مع ثقافة المحتل وعلمه وتقدمه التكنولوجي والمدني، الأمر الذي كوّن نخبة سياسية وثقافية وتقنية، وسرّب المفاهيم الليبرالية والدستورية والقانونية إلى النخبة والعامة في المجتمعات العربية المحتلة.

إن هذا الاحتكاك المباشر مع ثقافة المحتل كان ذا نتائج إيجابية على التطور الثقافي والإبداعي لبعض البلاد العربية، لا سيما في المغرب العربي ولبنان، حيث كثرت الهجرات إلى فرنسا، وكثرت الكتابة بالفرنسية، وهو ما أنتج ظاهرة "الفرانكفونية" في الكتابة العربية الحديثة، التي أهدتنا، مالك حداد وكاتب ياسين ورشيد بوجدرة وألبير قصيري وجويس منصور.

وليس من ريب في أن الثقافة الفرنسية ستكون - بعد سنوات - عاملا من عوامل ظهور أدونيس (التي نقل بها السريالية الفرنسية إلى حركة الشعر العربي الحر)، وجورج حنين وعبد اللطيف اللعبي ويوسف الخال وغيرهم من رواد حركة الشعر الحر، وأن الثقافة الإنجليزية كانت عاملا من عوامل ظهور بدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور وسلمى الخضراء الجيوسي ونازك الملائكة وغيرهم من رواد حركة الشعر الحر.

الواقعة الثالثة: هي ترجمة سليم البستاني لإلياذة هوميروس (1904)، ليبدأ بعدها توجه ثقافي عربي كثيف نحو التراث اليوناني - فلسفة وأساطير وفكرا جماليا - يرفده توجه إلى أساطير الشرق البابلية والكنعانية والآشورية. الأمر الذي سيشكل - بعد ذلك - خيطا رئىسيا من خيوط حركة الشعر العربي الحر، حيث ستزدهر أساطير التموزيين والكلدانيين والفينيقيين (لا سيما في شعر السياب وأدونيس).

هذا السياب يتغنى بـ "تموز وجيكور" فيقول:

"نابُ الخنزير يشقّ يدي
ويغوص لظاه إلى كبدي

ودمي يتدفقُ، ينسابُ:

لم يغدُ شقائقَ أو قمحا
لكن ملحا
"عشتار" وتخفقُ أثوابُ
وترفُّ حيالي أعشابُ
من نعل يخفق كالبرقِ
كالبرق الخلّب ينسابُ"

الواقعة الرابعة: هي نشأة الجامعة المصرية (1908) بجهود أهلية تكافلية تؤكد حضور بذور أصيلة للمجتمع المدني، لاسيما بعد أن رأسها أحمد لطفي السيد أبرز أقطاب الفكر الليبرالي آنذاك، الذي قدم استقالته بعد ذلك تضامنا مع طه حسين في أثناء أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي".

- 6 -

بعد العقد الأول المثير من القرن العشرين، توالت التطورات السياسية والوطنية والفكرية والثقافية حتى منتصف القرن، وسأوجز أكثرها أهمية وتأثيرا كما يلي:

- ثورة 1919 التي قادتها الطبقة المتوسطة المصرية، والتي شكلت الحلقة الثانية من حلقات الثورة الوطنية الديموقراطية المصرية، والتي رفعت شعارا علمانيا مدنيا تاريخيا هو "الدين لله والوطن للجميع"، محققة حالة رفيعة من التسامح الديني والاعتراف بالتعدد، والتي ساهمت في "عودة الروح" الوطنية، والتي أنتجت أجواؤها الليبرالية كتاب علي عبدالرازق "الإسلام وأصول الحكم" (1926)، وكتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" (1927).

وعندي أن هذه الكتب الثلاثة قد ساهمت مساهمة مؤثرة في دفع حركة التجديد في الشعر العربي في العقود التي عاصرتها والتي تلتها، وذلك بما أقرته هذه الكتب من رفض للثيوقراطية واللاهوت، ومن التأكيد على أن الأدب هو ابن لمجتمعه، ومن تدعيم الاجتهاد الفكري والفني، ومن تكريس التعدد وحرية الفكر في مواجهة الواحدية والاستبداد.

- دستور 1923، الذي كان ثمرة عليا من ثمار ثورة 1919، بما تضمنه من حقوق مدنية وتشريعات حقوقية قانونية، ومن كفالة حرية الرأي والاعتقاد، وهو ما اعتمد عليه المحقق في تبرئة طه حسين في مواجهة دعاة الدولة الدينية وشيوخ النقل المعادين للعقل.

كان قرار رئيس النيابة الذي يحقق مع طه حسين (اسمه محمد نور) يقول في حكمه التاريخي: "إن للمؤلف فضلا لا ينكر في سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين، وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواقع إنما أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريا".

- ثورة عام 1936 في فلسطين ضد الانتداب البريطاني، وهي الثورة التي أيقظت الشعور الوطني الفلسطيني، ونتج عنها ثقافيا ظهور الحركة الرومانتيكية الوطنية في الشعر التقليدي الفلسطيني، متواكبة مع الحركة الرومانتيكية التقليدية العربية في المهجر والديوان وأبوللو. وكان على رأس هذه الحركة الرومانتيكية الفلسطينية إبراهيم طوقان وأبوسلمى وفدوى طوقان.

- الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، وما شهدته من أهوال هائلة (مثل قنبلتي هيروشيما ونجازاكي)، وما تركته في نفوس العرب من إحساس مرير بسبب حرب "لا ناقة لهم فيها ولا جمل"، الأمر الذي ولّد إحساسا بالضياع، وخلّف أزمة وجودية إنسانية عاتية، شكلت خيطا من خيوط التجربة الشعرية التي اندلعت للتو، باسم حركة الشعر الحر.

- نشأة جامعة الدول العربية (1945)، التي غذَّت الشعور "القومي" عند العرب، وهو ذلك الشعور الذي كان قد بدأ بذورا صغيرة بعد معاهدة "سايكس - بيكو"، التي قسمت البلاد العربية - في مطلع القرن - إلى أقطار إدارية مختلفة، لكنها وحدت الوجدان العربي عاطفيا ونفسيا، في حركة معاكسة لفعل التقسيم الجغرافي.

وقد صارت "الفكرة القومية" التي بلورتها تنظيميا الجامعة العربية، ملمحا جوهريا من ملامح حركة الشعر الحر، بعد سنوات قليلة، لاسيما بعد ظهور ثورة يوليو 2591، بنزعتها القومية الواضحة (تجلى ذلك ناصعا عند بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وأحمد عبدالمعطي حجازي ونزار قباني وعبدالعزيز المقالح).

بل إن قصيدة نازك الملائكة "الكوليرا" - التي تعد واحدة من القصائد الرائدات في حركة الشعر الحر - هي تشخيص عميق لـ "الفكرة القومية" لدى رواد الشعر الحر، إذ كتبت الملائكة هذه القصيدة تضامنا مع أهل مصر، الذين عانوا وباء الكوليرا في أوائل (1947)، حيث:

"الكوليرا
في كهف الرعب مع الأشلاء
في صمت الأبد القاسي
حيث الموت دواء
استيقظ داء الكوليرا
حقدا يتدفق موتورا
هبط الوادي المرح الوضاء
يصرخ مضطربا مجنونا
لا يسمع صوت الباكينا
في كل مكان خلَّف مخلبُه أصداء
في كوخ الفلاحة في البيت
لا شيء سوى صرخات الموت
الموت الموت الموت
في شخص الكوليرا القاسي
ينتقم الموت"

- صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من الأمم المتحدة (1948)، الذي أكد الحقوق الجوهرية للإنسان. وعلى رأسها الحق في الحياة وحرية الرأي والعقيدة، وحق الأمن والتعليم والصحة والمسكن والطعام والكرامة الفردية، وغير ذلك من حقوق كانت هي نفسها أهداف الحركة الوطنية العربية، كما كانت مدار القيم الفكرية والإنسانية التي تمحورت حولها حركة الشعر العربي الحر، التي انطلقت متزامنة مع هذا الإعلان.

يتأكد هذا التجادل حينما نلتقي بأبيات نزار قباني التي بعنوان "لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الإنسان":

"مهاجرون نحن من مرافئ التعب
لا أحد يريدنا من بحر بيروت إلى بحر العرب
لا الفاطميون ولا القرامطة
ولا المماليك ولا البرامكة
ولا الشياطين ولا الملائكة
لا أحد يريدنا
في المدن التي تقايض البترول بالنساء
والديار بالدولار، والتراث بالسجاد،
والتاريخ بالقروش،
والإنسان بالذهب
وشعبُها يأكل من نشارة الخشب
لا أحد يريدنا
في مدن المقاولين، والمضاربين، والمستوردين،
والمصدّرين، والملمعين جزمة السلطة،
والمثقفين حسب المنهج الرسمي،
والمستأجَرين كي يقولوا الشعر،
والمقشِّرين اللوز والتفاح للملوك،

*******

والمخوِّضِين في دمائنا حتى الرُّكب
لا أحد يقرؤنا
في مدن الملح التي تذبح في العام ملايين الكتب
لا أحد يقرؤنا
في مدن الملح التي تذبح في العام ملايين الكتب
في مدن صارت بها مباحث الدولة
عراب الأدب".

وقد جسَّد الشعر العربي الحديث - وعكس - العديد من شعارات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في حركة تبادلية من التأثر والتأثير: فوجدنا قيمة التحرر والحرية عند السياب وأدونيس ودرويش، ووجدنا قيمة العدل الاجتماعي عند عبدالصبور وعبدالوهاب البياتي، ووجدنا رفض الاستبداد عند سعدي يوسف ونزار قباني ومحمد الماغوط، ووجدنا قيمة "الذات" عند أنسي الحاج ويوسف الخال.

- نكبة فلسطين (1948)، وهي النكبة التي فجرت في قلوب النخبة العربية (السياسية والثقافية، بل والعسكرية) شعورا بالمرارة والخزي والغضب، وباستحالة استمرار الأوضاع المزرية للأنظمة العربية المستخزية على ماهي عليه من ضعف وتهاون وهوان. وقد عبر بعض الشعراء العرب الرومانتيكيين - قبل ثورة الشعر الحر - عن هذه المـــرارة وذلك الغضــــب، على نحو ما نجد عنـــد أبي سلمى وطوقان وعلي محمود طه، الذي صرخ:

أخي جاوز الظالمون المدى       فحق الجهاد وحق الفدا

وذلك قبل أن تندلع حركة الشعر الحر، لتكون مأساة فلسطين دافعا من دوافع هذا الاندلاع، وموضوعا رئيسيا من موضوعاتها، ومحورا لتبلور تيار شعري كامل داخل ثورة الشعر الحر، هو تيار "شعر المقاومة" الفلسطينية، الذي برز فيه - بعد أبي سلمى وطوقان - توفيق زياد ومعين بسيسو ومحمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وسالم جبران وأجيال تالية.

على أن تيار شعر المقاومة الفلسطيني، لم يكن معزولا عن النهر العربي العام لحركــــة الشعـــر الحر - وإن كان تيارا متميزا فيه - بل كان رافدا نابضا في ذلك النهر، على نحــــو ما تؤكده سطــــور محمود درويش:

"سجِّل
أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسون ألفْ
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيفْ"

وعلى نحو ما تؤكده سطور توفيق زياد التي يتضامن فيها مع سائر الثوار العرب:

"أناديكم
أشدُّ على أياديكم
أبوسُ الأرض تحت نعالكم،
وأقول: أفديكم".

- 7 -

كانت ثورة يوليو في مصر (1952) - كما يقول المفكرون - الحلقة الثالثة والأخيرة من حلقات الثورة الوطنية الديموقراطية المصرية في العصر الحديث.

وبصرف النظر عن صحة هذا القول أو خطئه، فإن ثورة مصر (1952)، كانت نقلة كبيرة في مسار التطور السياسي الاجتماعي الثقافي المصري والعربي على السواء. إذ كانت بؤرة لمجموعة من الثورات والاستقلالات والانقلابات الوطنية في الوطن العربي، سبقتها أو لحقتها بقليل، مثلما وقع في سورية والعراق ولبنان قبل (1952)، وفي الجزائر والسودان بعد (1952).

هكذا كان العقدان الممتدان من منتصف الأربعينيات إلى منتصف الستينيات لائقين تماما بوصف: عقدي ازدهار الحركة الوطنية العربية وإنجازاتها الباهرة.

شكلت ثورة يوليو (1952) إذن قوة دفع هائلة لنشوء ونمو وصعود حركة الشعرالعربي الحر، بما رفعته هذه الثورة من شعارات وتوجهات وإجراءات تجاه حرية الوطن، وكرامة المواطن، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة المستعمر والمحتل، وتذويب الفوارق بين الطبقات، والانحياز إلى البسطاء، وإعلاء "القومية العربية"، والتقدم والاشتراكية، ورفض الاستغلال والإقطاع والاستعباد، وغير ذلك من قيم وأهداف ورؤى، رأى فيها شعراء التجديد القادمون تجسيدا لأحلامهم أو تشكيلا لها، بما يستجيب لأشواق هؤلاء الشعراء - الذين يريدون تحطيم الأطر القديمة وخلق أطر جديدة - في الحرية والعدل والتقدم، على الأصعدة جمعاء.

عندما قامت ثورة (1952)، لم يكن قد مر أكثر من أربع سنوات على صدور قصيدة "الكوليرا" لنازك الملائكة وقصيدة "هل كان حبا" للسياب كلتاهما صدرت عام (1947)، بصرف النظر عن مشكلة سبْق أيام قليلة لنازك أو للسياب، فالريادة ليست مسألة دقائق معدودة، بل مسألة مشروع حفر متواصل".

لكن ثورة يوليو (1952)، هي التي أعطت "الشرعية الثورية" لما سبقها من قصائد الشعر الحر، ولما لحقها من موجات شعرية حرة، اندلعت مدعومة بنظام سياسي "ثوري" يتراسل مع هذه الموجات، تأثيرا وتأثرا، يعطيها مددا وحماية وتشجيعا ومنابر، ويأخذ منها "شرعية جمالية". حتى بدا الأمر كأن ثورة يوليو هي حركة الشعر المجدد الحر بين الأنظمة السياسية، وكأن حركة الشعر الحر هي ثورة يوليو بين الأنظمة الأدبية الشعرية القديمة.

من هنا، حدث تناظر - أو تجادل - بين شعارات الثورة (ثورة 1952)، وسائر الثورات العربية، وبين المضامين الأساسية لحركة الشعر الحر: التحـــرر، العدالـــــة، الفقـــراء، العروبة، كرامــــة الفرد، كراهية الاستعمــــار، البنــــاء والعمل، العمال والفلاحـــــون، التضامــــن النضالي العالمي مع سائر الشرفاء.

ولم يختلَّ هذا التناظر - التجادل إلا في قضية واحدة هي "كبت الرأي وقمع المختلف". ذلك أن هذه الثورة المصرية الوطنية وسائر الثورات العربية الشبيهة، على الرغم من إنجازاتها الوطنية والاجتماعية، ضاقت بالرأي الوطني الآخر، منطلقة من أنها تملك الحق الوحيد والحقيقة الوحيدة. فكان القمع والاعتقال والاستبداد.

لذلك، برزت - إلى جوار الموضوعات السابقة في مضامين الشعر الحر - موضوعة "السجن" والزنزانة والمحقق والمخبر والتعذيب. تجلى ذلك، كأمثلة في شعر البياتي في العراق، وأدونيس وشوقي بغدادي والماغوط في سورية، وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل في مصر، واللعبي في المغرب.

يقول محمد الماغوط في قصيدته "الحصار":
"دموعي زرقاء
من كثرة ما نظرت إلى السماء
وبكيت
دموعي صفراء
من طول ما حلمت بالسنابل الذهبية
وبكيت
فليذهب القادة إلى الحروب
والعشاق إلى الغابات
والعلماء إلى المختبرات
أما أنا فسأبحث عن مسبحة
وكرسي عتيق
لأعود كما كنت
حاجبا قديما على باب الحزن
ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان
تؤكد أنني لن أموت
إلا جائعا أو سجينا".

- 8 -

بتعبيرات المجال السوسيو - ثقافي، نقول: "يمكن أن نعتبر ثورة عرابي (1881) هي ثورة البورجوازية الكبيرة العسكرية. وعلى ذلك كان نتاجها في الشعر هو: نهوض البارودي بمهمة استعادة العافية والمتانة والرّواء لبنية العمود التقليدي للشعر العربي، بعد مراحل انحدار طويلة، وتابعه في إتمام المهمة أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وبدوي الجبل وبشارة الخوري وغيرهم.

ويمكن أن نعتبر ثورة سعد زغلول (1919) هي ثورة البورجوازية المتوسطة المدنية. وعلى ذلك فإن نتاجها في الشعر هو: الحركة الرومانتيكية - داخل العمود التقليدي - التي تمثلت في مدرسة "الديوان" (العقاد وعبدالرحمن شكري وإبراهيم المازني)، ومدرسة "أبوللو" (أبو شادي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وأبو القاسم الشابي)، ومدرسة "المهجر" (جبران ونعيمة وإيليا أبو ماضي وأبو شبكة).

تجسدت النقلة المهمة التي أنجزتها الرومانتيكية (بمدارسها الثلاث) في الانطلاق من الذات تجاوبا مع الثورة البورجوازية المتوسطة التي أعلت قيمة الفرد، بحيث يغدو الشعر تعبيرا عن الشعور، مؤكدة "ألا يا طائر الفردوس، إن الشعر وجدان"، وأن الشعر هو "محاكاة الداخل"، لا "محاكاة الخارج"، كما كانت الحال عند التقليديين السابقين.

وقد تساوق مع هذه المفاهيم الجديدة تحريك قليل لشكل العمود السابق، لتتكون القصيدة من عدة مقاطع يلتزم كل مقطع فيها بوزن مختلف وقافية مختلفة، متخلين بذلك عن وحدة الوزن والقافية طوال النص، كما كانت الحال في الشكل القديم.

ويمكن أن نعتبر ثورة يوليو (1952)، هي ثورة البورجوازية الصغيرة المصرية والعربية، وعلى ذلك فإن نتاجها في الشعر هو: حركة الشعر الحر، التي خطت شوطا أكثر جذرية من الحركة الرومانتيكية السابقة:

- من حيث المضمون، إذ دخلت موضوعات جديدة تبنت ما يمكن تسميته "الرومانسية الثورية"، فيها انطلاق من "الذات" لكنها الذات الممزوجة بالجماعة، وفيها محاكاة للداخل، لكنه الداخل المخلوط بالخارج: الواقع الاجتماعي والشعب وهموم الوطن من زاوية أولى.

- من حيث الشكل، إذ اعتمدت تعدد الوزن وتراوح القافية، وإسقاط وهم اللغة التي هي شعرية ونقية بذاتها، والتحول إلى الأداء البسيط الميسور البعيد عن المعاجم الغليظة، وذلك لإنزال الشعر من السماء إلى الأرض، مع ما يرفد ذلك كله من تلاقح، أو تناص، مع الثقافة واللغة والأساطير الغربية، من زاوية ثانية.

- من حيث "فلسفة الإنشاء الشعري ذاتها"، إذ جسدت حركة الشعر الحر مبدأ ألا ثبات أبديا خالدا لأي صيغة شعرية، لأن الصيغ اقتراح العصور التاريخية والاجتماعية مسقطة بذلك قداسة أي إطار إبداعي ودوامه، مؤكدة أن صيغة الشعر الحر، هي صيغة العصر الحديث، مثلما كانت صيغة العمود التقليدي هي صيغة العصور التقليدية السابقة، من زاوية أخيرة.

يجب، هنا أن أستدرك موضحا: إن ما أجريته من موازاة بين الطور السياسي الاجتماعي والطور الشعري ليست موازاة حديدية تطابقية حرفية صماء، فقد تكون النتيجة سببا والسبب نتيجة. والأصح هو أن العلاقة بينهما علاقة جدلية تفاعلية سريعة أحيانا وبطيئة أحيانا، مباشرة تارة وغير مباشرة تارة. لكن الثابت هو حالة "الأواني المستطرقة"، التي تحكم الوشائج بين الواقع والشعر.

وما التعميمات والمبالغات التي نسوقها، إلا رسوم توضيحية واسعة لتبيان ذلك الحبل السُّري في جدلية الفاعل والمفعول.

- 9 -

إذا كانت التغيرات الشعرية في جانب كبير منها، استجابة للتغيرات الاجتماعية والسياسية، فلماذا تأخرت التحولات الشعرية في مجتمعنا العربي قرنا ونصف القرن بعد بدايات تحول المجتمع العربي إلى النهوض المدني الحديث، منذ بدء القرن التاسع عشر؟

في الإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن نشير إلى عوامل عديدة، سببت ذلك التأخر الذي بلغ مائة وخمسين عاما:

أولا: ليس من الحتم أن تكون استجابة الشعر لتحولات الواقع استجابة فورية ميكانيكية، فتلبية البناء الفوقي لتغيرات البناء التحتي تحتاج إلى بعض الزمن، كي تتفاعل وتتبلور وتنضج.

ثانيا: إن تحول المجتمع العربي نفسه إلى مجتمع مدني حديث، لم يتم في سنوات معدودات قليلات، بل إن هذا التحول نفسه استغرق ما يصل إلى قرنين. كما أن علاقات الإنتاج فيه لم تتغير بشكل شبه ملحوظ إلا مع الثورات التحررية الوطنية في منتصف القرن العشرين، ومع الثبات النسبي لعلاقات الإنتاج طوال القرن التاسع عشر، حتى منتصف القرن العشرين، كان شكل العمود الشعري التقليدي هو الإطار المنسجم مع (والناتج عن) علاقات الإنتاج التقليدية القديمة.

ثالثا: إن دخول تعديلات على الشعر العربي (الشعر العربي بالذات) مسألة صعبة وشاقة، نظرا إلى أنه "ديوان العرب"، مما يعني أنه "سجل الحياة والهوية" وعليه فإن أي تغيير فيه يعد تغييرا للحياة والهوية. ونظرا إلى أن ثباته طوال خمسة عشر قرنا أضفى عليه هالة من الجلال والسكون والرسوخ، ونظرا إلى أن الشعر العربي اكتسب مسحة خفيفة من القداسة التي اكتسبتها اللغة العربية بوصفها لغة القرآن، غدا كل مساس بلغة الشعر أقرب ما يكون إلى المساس بالدين وبالمقدس.

رابعا: يقول مفكرو الاجتماع الثقافي: إن النهضة العربية الحديثة - في القرنين الفائتين - كانت نهضة مشوهة منقوصة، لأنها نشأت في حضن الإقطاع من ناحية، وفي حضن الاستعمار من ناحية أخرى، ومن ثم لم تكن انتقالها من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث انتقالة صافية كاملة جذرية ناجزة (كما حدث مع الثورات البورجوازية الغربية). لهذا، كانت الخطوات النهضوية قليلة جزئية بطيئة متدرجة، وعلى هذا النمط، كانت خطوات التحول الشعري قليلة جزئية بطيئة متدرجة، حتى كانت النقلة الكبيرة مع حركة الشعر الحر، إذ ألقى النشوء المشوه المنقوص للنهضة بظله على حراك الشعر.

خامسا: ومع ذلك، وعلى الرغم من الثبات النسبي لنمط الإنتاج القديم وعلاقاته حتى منتصف القرن العشرين، لم تخل هذه الفترة من تململات وتذبذبات بسيطة داخل الإطار القديم، انعكست على الشعر في تململات وتذبذبات بسيطة، من مثل التنوع الذي شهده شعر الأندلس، ومن مثل أنماط شعرية جديدة، كالدوبيت والمخمسات، والبند العراقي والكونكان والموشح، والمقطعات والرباعيات، وغير ذلك من أساليب لم تكن معروفة في السياق العمودي القديم.

إن أبرز تجليين لهذه التململات والتذبذبات التي اعتورت النظام الشعري القديم هما - عندي - تجربة "شعر النثر"، عند المتصوفة، وتجربة "البديع الشكلي" في العصور المملوكية.

فقد كانت تجربة شعر النثر عند المتصوفين الإسلاميين (وهي التي أعتبرها شعرا من الشعر)، خروجا على المنظومة الأخلاقية للفلسفة العربية، وخروجا على النظام الجمالي والبلاغي واللغوي العربي. وقد ربط بعض علماء الاجتماع الثقافي المستنيرين وبعض المفكرين التقدميين مثل حسين مروة والطيب تيزيني وجلال فاروق الشريف، بين التجربة الصوفية العربية "بانشقاقها الفلسفي والأخلاقي والجمالي"، وبين بعض الظواهر الرأسمالية الجنينية في رحم النظام العربي التقليدي في العصور الوسيطة.

وفي زعمي أن هذه التجربة الصوفية الانشقاقية كان لها حضور باذخ في حركة الشعر الحر، استلهاما لقيمها اللغوية، واستحضارا "لإشراقها" الروحي، واستفادة من فيوضها الجمالية الكاسرة. وهو ما تجلى عند الكثيرين من رواد حركة الشعر الحر، مثل أدونيس وأنسي الحاج ومحمد عفيفي مطر. كما تجلى عند جيل الحداثة التالي للرواد (مما يسمى جيل السبعينيات)، مثل قاسم حداد وأمجد ناصر، وعبده وازن (الذي حقق ونشر ديوان الحلاج)، وأحمد طه وفريد أبو سعدة ومحمد أبو دومة.

لنقرأ نص أدونيس عن "النِّفَّري":
"ساوتني شمسي بالأشجار
وبالأنهار
وبالبؤساء/ سلوها
كيف نفتني
نشرتني في الطرقات وفي لهجات الغربة
حرفا حرفا
لا تسلوها
أسلمت لتيه الشمس خطاي
رضيتُ لوجهيَ هذا المنفى".

كما كانت تجربة "البديع الشكلي" في العصور المملوكية (هذه التجربة المغبونة) تململا لافتا في العمود التقليدي القديم، بما قدمته من ترصيعات ومحسنات وزخرفات وتزاويق شكلانية وألاعيب لغوية وأسلوبية.

وعندي أن تجربة "البديع الشكلي" تستحق أن نرد إليها الاعتبار التاريخي والأدبي، وذلك لسببين:

الأول: هو أن اضطراب هذه التجربة وحذلقاتها وارتباكها وضعفها كانت تعبيرا عن تقلب التربة الاجتماعية والسياسية والحضارية، واضطراب البنى التحتية والفوقية، في لحظة انتقال مفصلية كبيرة، يغادر فيها المجتمع نمطه القديم ويتأهب للذهاب إلى النمط الحديث، حين تنتهي الحقبة المملوكية، ويصعد محمد علي إلى عرش مصر.

والثاني: هو أن هذا البديع الشكلي والترصيع التزويقي لم يكن - فحسب - محض لعب مجاني، بل كان في الجانب الأعظم منه، لونا من ألوان "التقية"، و"القناع"، بغرض الهروب من بطش المماليك وسوطهم اللاهب. ومن هذا المنظور فإن أدب العصر المملوكي هو على نحو من الأنحاء، "شعر مقاومة"، على عكس الظن الشائع الظالم فــــيه، وإن كانت مقاومـــــة سلبية قليـــلة الحيلة، شأن مقاومة المستضعفين.

ولقد وصلت أصداء من تجربة أدب العصر المملوكي، بما فيها من تجريب شكلي وتقية رمزية، إلى حركة الشعر الحر، التي طورت البديع الترصيعي إلى أساليب تشكيلية وتركيبية ناضجة، وطورت التقية إلى عناية فائقة بالرمز والمجاز، والإيحاء، لكي يظل للنص إشعاع متجدد ودلالة متوالدة. (نجد أمثلة لذلك عند محمد عفيفي مطر وحسن طلب ورفعت سلام ومحمد الطوبي).

- 10 -

كان الاحتكاك بالثقافة العالمية (سواء بالاتصال المباشر أو عبر الترجمات)، ذا أثر بالغ في نشوء وازدهار ثورة الشعر العربي الحديث، إذ عن طريق هذا الاحتكاك تعرف المثقفون والشعراء العرب على ثلاث مدارس إبداعية جمالية باهرة، نهلوا منها وتفاعلوا معها - عبر خصوصيتهم المحلية والعربية - لتصبح هذه المدارس الثلاث، منفردة أو مجتمعة، ركنا ركينا من المكونات المعرفية والإبداعية لحركة الشعر العربي الحر.

المدرسة الأولى: هي "الواقعية الاشتراكية"، التي مثلها شعراء عديدون أمثال نيرودا وناظم حكمت وايفتشينكو ومايا كوفسكي وإيلوار وأراجون ولوركا ورفائيل ألبرتي وحمزاتوف وفاتبزاروف.

كان الظرف كله ملائما لهذا الاحتكاك: ازدهار المعسكر الاشتراكي العالمي، زهوة ساطعة لحركات التحرر في العالم، ونظم وطنية عربية ترفع شعارات الاشتراكية والحرية والعدل (دعك من التطبيق)، أحزاب شيوعية نشطة في العراق وسورية ومصر والسودان.

هكذا تلقَّف الشعراء العرب - والاشتراكيون منهم خاصة - زملاءهم الشعراء التقدميين في العالم، ليناظروا تجربتهم الشعرية الملهمة، ويبذروا رؤاهم - بعد خلق عربي جديد - في التربة العربية المتعطشة لأهازيج التحرر والعدالة والكرامة.

وهنا يمكن أن نلتقط عنصرا من عناصر التأثير في نشوء ثورة الشعر العربي الحديث، وهو شيوع الفكر اليساري - آنذاك - في شطر كبير من العالم، وفي النخبة العربية. والملاحظ أن معظم رواد حركة الشعر الحر العربية كانوا من اليساريين، تنظيميا أو فكريا، أو ما شابه. هنا يمكن أن نصغي إلى عبدالوهاب البياتي وهو يوجه نداء إلى الشاعر الإسباني ألبرتي:

"آخر طفل في المنفى يبكي مدريد، يغني نار الشعراء الإسبان المنفيين الموتى: لوركا - ماتشادو، آخر عملاق في معطفه يبكي، تحت النجم القطبي، وتحت الثلج، وقفنا بجوار عمود النور، وكانت "روما تبحث عن روما"، ناديتك: ألبرتي. فأجاب الشعر، أضاء: البرق الكامن في سحب كانت تمضي نازفة في ليل المنفى، كل عذابات الإسبان، أجابت: روما، وأجابت: موسيقى البحر الوحشية، كنا أطفالا أوغلنا في الغابة، لكن الموسيقى هدأت والبحر توارى في كتب كانت تحكي عن نور يأتي من داخل "توليدو"".

المدرسة الثانية: هي "الصوفية العربية". ومن الغرائب هنا أن غالبية الشعراء العرب لم يتصلوا بهذه التجربة الثرة في تراثنا العربي الإسلامي القديم، إلا بعد أن كشفها للعالم كله المستشرقون الغربيون، عبر تحقيقات وترجمات وتحليلات ضافية (من هؤلاء: نيكلسون وبروكلمان وماسينيون ونللينو).

وباعتناء أدونيس بهذه الترجمات والتحقيقات التي قام بها المستشرقون، انفتح نبع فياض أمام الشعراء العرب، صاروا يرون في معينه الدافق سندا قويا (من قلب خصوصيتنا العربية) لسعيهم نحو تجديد اللغة والمخيلة والصور والعلاقات الجمالية، حتى لقد صارت قطع من "المواقف" للنفري، ومن "طواسين" الحلاج، ومن "الفتوحات المكية"، لابن عربي، ومن "مثنوي" جلال الدين الرومي، "منصاتٍ" للعديد من الشعراء العرب رواد قصيدة الشعر الحر، ينطلقون منها: عبر القناع، أو عبر التناص، أو التماهي، أو التقمص، أو عبر "ضبط وإحضار"، الشاهد الصوفي - شخصا أو نصا - للمثول في قلب العصور الراهنة.

وقد بلغ تغلغل المتصوفين الإسلاميين في الشعر الحر درجة من التمكن والانتشار، جعلتني - في قطعة قصيرة لي - أتأسى على هذا الوضع قائلا:

"لماذا استغللنا النِّفرىَّ
إلى هذا الحد؟
واستخدمناه كبوسطجي؟
هل نحن جبناء؟
لا بد أننا سنواجه مأزقا
يوم أن تنفد نصوص الصوفيين.."

المدرسة الثالثة: هي "السريالية الفرنسية"، التي نشأت في فرنسا وأوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، مما يعني أنها استمرت إلى أن تماست زمنيا مع بدء ثورة الشعر العربي الحديث، في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين.

كان من أقطاب هذه المدرسة أندريه بريتون وإيلوار وأراجون وجورج سادول وكريفل وغيرهم. وساعد وجود جورج حنين (المصري) بين أقطاب السريالية الكبار على شعور الشعراء العرب بأن لديهم مساهمة عربية في هذه المدرسة الثائرة الفائرة.

كانت للسريالية "كاريزما" أخاذة: بما قدمته من تحرير للخيال تحريرا غير مسبوق، ومن تهشيم للمنطق المنطقي، ومن تحطيم للواقع الواقعي، ومن لغة مولودة من الوعي الباطني التحتاني، لا من الوعي العقلي الخارجي، ومن انفجار الحلم.

بعض من ذلك نجده في السطور الآتية من أنسي الحاج، التي جسد فيها نظرية "كيمياء الكلمة"، التي أطلقها بريتون:

"يبدو أكثر حين يتكلم
يعقد لواؤه لامرأة
سيخونها وتخونه
وبثيابه الملمعة لبعض الرسوم للسياح
يعكس الينابيع صدفة
يستضيفك في كهف الغرائر
إذن هناك بشر يعيشون
لن يلتقوه،
لكن الذين يعيشون
سيتلاقون
تعلم الموسيقى كالجندي
كالجندي
تعلم الموسيقى
ليقهر الجندي
وعندما قهره
تعلم الجندي ليقهر الموسيقى".

وكان حضور السريالية الفرنسية يزداد توغلا في حركة الشعر العربي الحر، كلما اكتشف الشعراء الرواد العرب صلة قربى بين السريالية والواقعية الاشتراكية من جهة، وكلما اكتشفوا صلة قربى بين السريالية والصوفية العربية من جهة ثانية.

أما صلة القربى بين السريالية والواقعية الاشتراكية، فهي راجعة إلى اتفاقهما في تكريس تحرر البشر، وإعلاء كرامة الإنسان، أي في الذهاب - حسب الجملة الشهيرة - "من مملكة الضرورة إلى ملكوت الحرية".

وقد تأكدت هذه الوشيجة القريبة عبر إيلوار وأراجون، اللذين كانا قاسما مشتركا بين المدرستين. وجوهر الوشيجة هنا أن السريالية كانت "جراحة تجميل" للواقعية الاشتراكية، بهدف إزالة الزوائد الجامدة المباشرة الفجَّة، وذلك على نحو ما كانت "التروتسكية" التي انتمى إليها معظم رواد السريالية "جراحة تجميل" للماركسية الستالينية، بهدف إزالة الزوائد العقائدية الحديدية القابضة.

أما صلة القربى بين السريالية والصوفية العربية، فهي راجعة إلى اتفاقهما في أولوية القلب والذوق والحس، لا العقل والوعي والمعرفة، وفي توهج الرؤية والكشف، وفي البــــدء مـــن البصــــيرة، لا البصر. فكأن "الوقفة" الصوفية هي لحظة سريالية صافية، وكان "الدفق التلقائي"، السريالي هو لحظة صوفية صافية.

وقد صارت القربى بين الصوفية والسريالية حقيقة ثقافية نابضة من حقائق الحركة الشعرية العربية الحديثة، بعد جهود أدونيس المتوالية في تأكيد هذه القرابة.

وهي الجهود التي تبلورت في كتابه المهم "الصوفية والسريالية"، الذي أقام فيه عديدا من التناظرات والموازيات - التي كان بعضها متعسفا - بين رؤى الصوفيين العرب القدماء ورؤى السرياليين الفرنسيين المحدثين، مشيرا بحق إلى تأثر هؤلاء المحدثين بأولئك القدماء.

- 11 -

هنا تلزم الإشارة إلى ثغرتين قاتلتين عانى منهما مسار الثورة الوطنية المصرية والعربية. وقد ألقت هاتان الثغرتان القاتلتان بظلهما المعوّق على بلوغ النهضة العربية إلى غاياتها المنشودة، وبلوغ حركة الشعر العربي الحديث ذراه المنتظرة.

هاتان الثغرتان هما: ثغرة "غياب الديموقراطية" في حلقات النهضة، وثغرة "تردد البورجوازية الصغيرة" التي قادت حلقة النهضة الأخيرة.

أما الثغرة القاتلة الأولى، فتتمثل في واقعة إقدام محمد علي - باني الدولة الوطنية الحديثة - على قتل المماليك المعارضين في مذبحة القلعة، فضلا عن نفيه للطهطاوي.

ويتكرر هذا الفصل الضار بين المسألتين الوطنية والديموقراطية في ثورة 9191، حينما وقف سعد زغلول الزعيم الوطني ضد طه حسين في قضية كتابه "في الشعر الجاهلي"، ثم تكرر هذا الفصل أثناء ثورة عبد ناصر بعد (1952)، حينما أعطى بلاده حرية الوطن وأخذ حرية المواطن والمثقف.

وقد كانت هذه الثغرة "غياب الديموقراطية" (أو عدم إدراك العلاقة الحتمية بين حرية الوطن وحرية المواطن) سببا رئيسيا من أسباب تعثر النهضة العربية الحديثة، لأن الديموقراطية شرط التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية.

وأما الثغرة القاتلة الثانية، فتتمثل في حالة الثورة المصرية الناصرية (ومثيلاتها من الثورات العربية في العراق وسورية والجزائر واليمن)، حيث يؤدي "تردد" البورجوازية الصغيرة الوطنية الحاكمة إلى "تناقضين" قاصمين:

أولهما التناقض الأيديولوجي والاجتماعي والسياسي، إذ تتبنى النظرية ونقيضتها، وتقرر المشروعات التقدمية وتفرغها من مضمونها الثوري: فتختار الدولة المدنية، ثم تنص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة، وتنشئ القطاع العام في سبيل الاشتراكية والشعب، ثم تجعل رجالها يحولونه إلى رأسمالية دولة. تقيم الاتحاد الاشتراكي، ثم يتحول إلى حزب السلطة السياسية الواحدة (كمثل الجبهة الوطنية الشكلية في العراق وسورية).

وثانيهما: التناقض الثقافي والجمالي، إذ تدعو إلى الثقافة الراديكالية والفكر الثوري والإبداع المجدد المضيء، مشجعة في ذلك الشعر الحر والتوجهات الجريئة في الأدب، ثم تضيِّق الخناق على أصحاب الثقافة الراديكالية، وتطارد أهل الفكر الثوري، وتدفع برواد الشعر الحر إلى المعتقل (البياتي وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر في العراق، وعبدالرحمن الشرقاوي، ونجيب سرور وحجازي في مصر، وشوقي بغدادي في سورية، واللعبي في المغرب)، وتضع خصوم الفكر الحر والشعر الحر على رأس المنابر والمؤسسات الثقافية.

لذلك، صاح أحمد عبدالمعطي حجازي في أوج شعارات الاشتراكية الناصرية (1962):

"لو أنني - لا قدّر الله -
سجنت، ثم عدتُ جائعا
يمنعني من السؤال الكبرياءْ
فلن يرد بعض جوعي واحدٌ
من هؤلاءْ
هذا الزحامُ.. لا أحد!".

ولا ريب عندي في أن هاتين الثغرتين (وهما متداخلتان متضافرتان)، قد شكلتا عوامل كبح عطلت المسيرة الصحية لحركـــــة النهضــــة العربية الحديثة عبر قرنين طويلــــين: إذ منعــت المفاهيـــم المدنيــــة - الليبرالية والعقلانية - من السريان الطبيعي في عروق المجتمع، كما منعت تراكم المحطات التنويرية لتشكيل قفزات كيفية، مما سبب حالة "العود على بدء" المتكررة في دوائر معادة، ومنعت ازدهار مبدأ التعدد - مبكرا - في الفكر والشعر، وعطلت الاتصال المباشر بين النخبة والجماعة في الفكر والسياسة والشعر. كل ذلك أعطى التيارات المحافظة في كل مراحل النهضة أرضا وسندا وشرعية، تمكنت بها من أن تزاحم وتغالب "فتغلب أحيانا"، القوى المنيرة المتحركة. والحصيلة في كل هذا المسار المضطرب المتذبذب هو هذه الحقيقة التي نرددها جميعا، وهي تعثر النهضة العربية الحديثة بالقياس إلى الأمم التي بدأت معنا زمنيا مشوار نهوضها الحديث.

- 12 -

" هل قصيدة النثر جزء أصيل من ثورة حركة الشعر الحر؟

سأجيب من فوري: نعم. وأفصِّل كما يلي:

درج كثير من مؤرخي الشعر العربي الحديث ودارسيه، على تجاهل فرع أساسي من فروع هذه الشجرة الحديثة، هو قصيدة النثر. وينطلق هذا التجاهل - غير الصائب - من اعتقاد يرى أن قصيدة النثر ليست طورا طبيعيا من أطوار مسيرة القصيدة العربية الحديثة، أو أنها - في أفضل حال - ينبغي أن تدرس على حدة، بوصفها ظاهرة خارج النسق.

والحق أن قصيدة النثر، ليست شذوذا على نسق الشعر العربي، بل إن لها جذورا بعيدة في التجربة الإبداعية العربية القديمة، كما أنها ليست وافدا غربيا غريبا على بيئتنا العربية - كما يقول قائلون - وإن كانت قد استفادت بلا ريب من الاحتكاك بالثقافة الغربية في العقود الأخيرة، مثلما استفادت حركة الشعر الحر نفسها - وكل منشط ثقافــــي وإبداعـــي عربــــي - من الاحتكاك بالثقافة الغربية.

ونحن نعرف أن هناك فنونا عربية (مثل المسرح والرواية والقصة القصيرة)، نشأت في العصر الحديث بعد الاحتكاك بالثقافة الغربية، ولم يُخرج أحد هذه الفنون المستحدثة من دائرة الإبداع العربي الأصيل.

ويمكننا - بقليل من السماحة والتعميم والرحابة - أن نجد بذورا جنينية وأولية لقصيدة النثر في تراثنا العربي القديم، ومثالنا الأبرز على ذلك هو نثر المتصوفة المسلمين (وليس شعرهم الموزون المقفى)، كما يتجلى في كتابات ابن عربي والنفري والبسطامي والسهروردي وفريد الدين العطار.

كما أن الكثير من نصوص علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأبي حيان التوحيدي وإخوان الصفا والجاحظ، هي نماذج عالية من قصيدة النثر، في إطارها الجنيني الأولي، حتى لو كان كل هؤلاء أنشأوا نصوصهم داخل تصنيفات ليس من بينها باب "قصيدة النثر".

وقد واكبت قصيدة النثر، كجزء عضوي من جسم القصيدة العربية، تطورات المجتمع العربي السياسية والاجتماعية والثقافية، تأثرا وتأثيرا، حتى قبل ازدهارتها الأخيرة منذ خمسينيات القرن العشرين، إذ شهدت العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين تجليات عديدة لقصيدة النثر، في مصر والعالم العربي، نذكر منها: بدر دومط وخليل شيبوب، ثم تنظيرات - أو إنتاج - أحمــد زكــي أبو شادي وخليل مطران، وحسين عفيف ومحمد فريد أبي حديد، وعلي أحمد باكثير وأمين الريحاني وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة ومحمد منير رمزي ولويس عوض وإبراهيم شكر الله وبدر الديب وغيرهم.

وكانت الخمسينيات هي اللحظة التي استوى فيها وجود قصيدة النثر تنظيرا وإبداعا، وذلك لأسباب عديدة، من أهمها تعرف شعراء سورية ولبنان على كتاب سوزان برنار - الكاتبة الفرنسية - "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا"، والاستفادة بكثير من تحليلاته النقدية في شرح ماهية قصيدة النثر، وقد تجلى هذا الاستواء النظري والإبداعي في تنظيرات مجلة "شعر" ونصوص أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال ومحمد الماغوط وسنية صالح وشوقي أبي شقرا.

والحق أن قصيدة النثر قد خطت خطوة أبعد من خطى قصيدة الشعر الحر، بتركها العروض الخليلي كلية، واتكائها على الموسيقى المضمرة التي تتولد من "التوتر، والإيجاز، واللاتنظيم"، وهي الخصائص الرئىسية - عند برنار- لقصيدة النثر.

وعندي أن هذه الخطوة الأعمق - التي خطتها قصيدة النثر أبعد من قصيدة الشعر الحر - هي سبب من الأسباب الرئيسية التي أبعدتها عن قلب المشهد الشعري العربي في تلك المرحلة.

إذ لم ترق هذه الخطوة الأبعد لرواد حركة الشعر الحر، الذين رأوا فيها سلوكا جماليا أكثر جذرية من سلوكهم الجمالي، فأبعدوها عن بؤرة المسرح.

كما لم ترق هذه الخطوة الأعمق للنظام الوطني الثوري العربي، الذي رأى نفسه مطابقا لحركة الشعر الحر، من حيث الرؤية (تعديل الأطر القائمة من دون الخروج الكامل عليها)، ومن حيث الهيكل (نقد الأشكال لا نقض الأشكال)، فأبعدها عن بؤرة المسرح، برفع حمايته عنها، وهي الحماية التي أسبغها على حركة الشعر الحر، المتوائمة معه في "سقف" التغيير الثوري: في الشعر وفي المجتمع.

ثم إن هذه الخطوة الأعمق لم تَرُق - وهذا منطقي - لدعاة التقليد والثبات في الشعر، إذ هم في الأصل رافضون لتجديدات قصيدة الشعر الحر، ناهيك عن قصيدة النثر، فأبعدوها عن بؤرة المسرح، ضمن إبعادهم للحركة التجديدية برمتها، فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة.

وعلى الرغم من هذا التحالف الثلاثي (رواد الشعر الحر، والنظام الوطني الثقافي، والتقليديين) ضد حضور قصيدة النثر، شقت هذه القصيدة طريقها إلى بؤرة المشهد الشعري العربي: نتيجة لقوة وثبات قادتها من عقد الخمسينيات من ناحية، ونتيجة لانزواء رواد حركة الشعر وخفوت صوتهم المهيمن، من ناحية ثانية، ونتيجة لتسليم معظم التقليديين بأنهم صاروا خارج العصر، من ناحية ثالثة، ونتيجة لانهزام وتهلهل الأنظمة الوطنية سياسيا واجتماعيا وثقافيا، من ناحية رابعة، ونتيجة لتبني الأجيال الشعرية التالية لقصيدة النثر، واتخاذها دربا جماليا من ناحية خامسة، ونتيجة لتغيرات الزمن المضطرب وانهيار الواحدية والثبات والوزن "أو الاتزان أو الميزان" فيه، من ناحية أخيرة.

والشاهد، أنه منذ بدء ثورة الشعر العربي الحديث، في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين، كانت هناك حالة دائمة من "التراسل"، أو التداخل بين شقي هذه الثورة: الشعر الحر وشعر النثر. فأنت واجد في كثير من الشعر الحر بعض سمات من شعر النثر (كما عند نزار قباني وسعدي يوسف وعبدالصبور ومحمود درويش وسركون بولص)، كما أنك واجد في كثير من قصيدة النثر سمات من الشعر الحر (كما عند أدونيس والماغوط وإبراهيم شكرالله وقاسم حداد وعباس بيضون".

ليس ثمة - إذن - فواصل حديدية باترة بين الشكلين، وإن اختص كل منهما بملامح مائزة، وإن صارت قصيدة النثر في العقود الأخيرة مُلوِّنة مناخ الكتابة الشعرية الراهنة.

- 13 -

ليس معنى كل ما تقدم، أن التطورات السياسية والاجتماعية هي التي تصنع ثورات الشعر، فثورات الشعر لا يصنعها سوى الشعراء.

والتطورات السياسية الاجتماعية، ما لم تواكبها مواهب شعرية عارمة، ستظل تطورات مجتمعية محضة، لا شعر فيها ولا منها ولا لها.كما أن المواهب الشعرية ما لم تواكبها تطورات مجتمعية، ستظل شعرا جميلا، غير صانع لتحولات شعرية مفصلية.

هكذا، فإن المواكبة بين التطورات الكبيرة والمواهب الكبيرة، هي المجلى الناصع للفكرة الناصعة، التي هي: الجدل.

الهوامش

(1) البحث، ص 12.
(2) البحث، ص22.
(3) البحث، فقرة رقم 01.
(4) البحث، ص 12.
(5) البحث، ص23.
(6) هشام شرابي "المثقفون العرب والغرب"، مواطن متفرقة.
(7) عزت قرني "العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة" - الباب الثاني.
(8) هشام شرابي، المرجع السابق، مواطن متفرقة.
(9) هشام شرابي، المرجع السابق، مواطن متفرقة.
(01) نذير العظمة، مدخل إلى الشعر العربي الحديث، ص 01 - 51.
(11) نذير العظمة، المرجع السابق، ص 61 و71.
(12) نذير العظمة، المرجع السابق، ص241، وانظر ما كتبه د. عبدالعزيز المقالح عن هذا الرائد.
(13) نذير العظمة، المرجع السابق، ص01.
(14) علي شلش، اتجاهات الأدب ومعاركه في المجلات الأدبية في مصر، مواطن متفرقة.
(15) إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص22.

*********

في "معنى" العمود التقليدي: الصورة تسبق المادة

حلمي سالم

كل شعر هو أيديولوجي أكثر من مرة: فمرة، من حيث أن الفن كله - كنشاط إنساني - هو صانع معرفة (وإن كان علماء الجمال يسمونها معرفة جمالية نوعية) ومجسد خبرة بشر، وعلامة نزوع إلى سد ثغرة في الحياة والكون والنفس الإنسانية. ومرة، من حيث ما تقوله الألفاظ مباشرة من معان ورؤى وانتماءات وآراء، أي من حيث الطبقة الأولى من طبقات الدلالة، المحمولة عبر المستوى الإشاري للغة ومرة بما تدل عليه التقنيات الفنية والطرائق الجمالية من مغزى فكري واجتماعي وحضاري على أن ما أود أن أقف عنده برهة - الآن - هو هذا الوجه الأخير من وجوه "إيديولوجية الشعر"، ذلك أن الكثيرين درجوا على استخلاص الموقف الفكري للشاعر من الوجه الثاني لأيديولوجية الشعر: منطوق الألفاظ ومحمولها المباشر الإشاري، في الوقت الذي لم يلتفتوا كثيراً إلى أن الأشكال الفنية والأساليب الجمالية هي نفسها معبرة عن رؤى اجتماعية وفكرية وفلسفية، ربما على نحو أكثر جذرية وصدقية من الرؤى التي يحملها - أو يوهمنا بحملها - المنطوق اللفظي التقريري نفسه. فـ"التطورات المهمة في الشكل الأدبي تنتج من تغيرات مهمة في الأيديولوجيا، وتجسد طرائق جديدة في إدراك الواقع الاجتماعي وعلاقات جديدة بسيرة الفنان والمتلقي" كما يقول تيري ايغلتون. وهو ما يعني أن الشكل ليس مجرد زينة أو محض زخرف (حتى مجرد الزينة ومحض الزخرف ليسا خاليين من الدلالة) وليس "توقيفاً" أبدياً لا يصح تغييره أو تجاوزه أو نفيه.

الأشكال، إذاً، "زمانية" لا "سرمدية" إنما هي تتغير بتغير العصور والمجتمعات والحاجات البشرية. فكل مرحلة تاريخية حينما تصعد على مرحلة سابقة، إنما تقدم للحياة أبنيتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الوقت نفسه الذي تقدم أبنيتها الفكرية وصيغها الفنية والجمالية. ولقد علمنا علماء الاجتماع والجمال والتاريخ والانثربولوجيا أن من الممكن استنباط طبيعة الحياة الاجتماعية والعقائدية والسياسية (بل والاقتصادية) لمجتمع معين، من أنماط العمارة فيه ومن أشكال الملبس والحلي وأدوات الاتصال والتنقل وهيئة المقابر وغير ذلك.

ليس من العبث، إذاً، الاهتمام بـ"فلسفة الشكل" في كل منشط بشري، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالفن، حيث "ماهية" العمل الفني غير متحصلة في غير "هيئته".
وإذا كان ذلك كذلك، فإنه تقديم أفكار جديدة في صيغ فنية قديمة، أو تقديم مضمون متقدم في شكل تقليدي (كما يدعو إلى ذلك مفكرون كثيرون، بعضهم تقدمي) ليس عبثاً من العبث فحسب، بل هو أيضاً منتج لا محالة نتيجة مضادة حيث يتغلب الشكل القديم على المضمون المتقدم (التقدمي) المصبوب فيه، وبقهره على الوصول إلى محصلة فاسدة تخون الهدف الطيب الذي كان وراء هذه المعادلة الخاسرة. ويرجع ذلك إلى أن الأشكال هي الأقوى، لأنها ليست مجرد أوعية محايدة سلبية، بل هي أشكال/ مضامين (أو أشكال بمضامين) في آن واحد.

إن صب الزيت في القوارير القديمة يصلح فقط في حال الزيت والماء والدواء، لكنه لا يصلح - قط - في الفن. فالأشكال الفنية ليست "قوارير زجاجية" مصمتة يظل الماء فيها ماء، والزيت زيتاً أو يخالطه أو يتخلله وليس كذلك الشكل الفني، المحمل - عبر صياغته وطرائقه وأساليبه - بخبرة اجتماعية وحضارية وثقافية لمرحلة تاريخية معينة. على ذلك، فإن دعوة بعض المفكرين والنقاد إلى ان نستفيد من الشكل العمودي التقليدي، بأن نضع فيه آراء ورؤى وأفكاراً متقدمة (أو ثورية)، مستخدمين ما لهذا الشكل من قابلية ورواج عند الذوق العالم، فنكسب الهدفين معاً: نسوق فكرنا التغييري من ناحية، وعبر الإطار الذي استساغه الناس من غير أن نصدمهم بأطر ليست مألوفة من ناحية ثانية. نقول إن هذه الدعوة تحتاج إلى مراجعة شديدة تبين تناقضها واستحالتها، فضلاً عن نفعيتها البراغماتية الظاهرة.
ذلك أنها تكشف عن أن القائلين بها ينطلقون - حتى لو كان بينهم تقليديون - من المنطلق المثالي السلفي نفسه الذي يؤيد الشكل ويعلقه في السماء عالياً فوق العصور والتطورات والمجتمعات. في هذه الدعوة، فإن الشكل العمودي شرط "طبيعي" للشعر، لا صيغة تاريخية. وهو وعاء زجاجي دائم يحتوي - على مر العصور - على فكر كل مرحلة ورؤى كل تطور. أما وجه الاستحالة في هذه الدعوة، فناجم عن التعارض بين الفكر الجديد الذي سنصبه في العمود القديم وبين دلالة شكل هذا العمود التقليدي القديم. إن شكل هذا العمود التقليدي نفسه هو "فكر":
أ - هذا العمود القديم يدل على أنه ابن مجتمع ثنائي: السماء والأرض، الشمس والقمر، شطرا البيت الشعري، الملاك والشيطان، الليل والنهار، اللاهوت والناسوت، رحلتا الشتاء والصيف، الجنة والنار، الصدر والعجز، وسواها من ثنائيات أوجدتها أرض منبسطة لا تقطعات أو تداخلات فيها، تواجه سماء واضحة تتجلى فيها الشمس نهاراً ويسطع فيها القمر ليلاً.
ب - هذا العمود يدل على أن مجتمعه ضيق محدود، يجتمع جل ناسه دائماً في محفل أو ندوة أو سوق يتبادلون منافع الحياة ومصالحها المباشرة، ويتناقلون الشعر والأخبار والروايات.
ج - هذا العمود يدل على التراص الأفقي، الذي لا تقاطعات رأسية فيه، حيث كل بيت شعري وحدة مستقلة لا تتجادل مع غيرها إلا في النادر، بل تتراصف في تجاور لا تداخل فيه ولهذا فهو مجتمع ذو بنية تجزيئية وتشييئية لا تربطه سوى علامات خارجية (شبيهة بوحدة القافية في كل القصيدة، مع انعزال كل بيت بذاته عن سواه).

د - هذا العمود يدل على أن مجتمعه ذو حضارة شفهية. إذ هم مجتمعون في السوق، يقدم فيه الشاعر قصيدته إلى جمع الحاضرين، ولذا تكثر فيها الظواهر الخطابية والسماعية، والنداءات إلى الصحب والمخاطبين (بخاصة الخليلين) وتنتشر فيه حالات البدء بألفاظ شد انتباه المستمعين وصيغ لفت الحاضرين، قبل الدخول في صلب الكلام (ألا يا أيها، الا يا ليت شعري، لعمري...).
هـ - هذا العمود يدل على أن المعرفة في المجتمع الذي نشأ فيه معرفة فوقية، يلقيها الشاعر (الواحد) على المتلقين (المجموع) مقفلة نهائية. مجتمع سيادي لا حوار فيه، المجتمع إذاً هو مجتمع التلقي والتلقين، لا المشاركة والتعدد.

و- هذا العمود يعني أن الزمن عند مجتمعه كان زمناً بطيئاً متطاولاً متكرراً عرضياً، تتوالي وحداتة من غير أن تتصاعد، وهو لذلك مجتمع الثبات والنمط والنمذجة والوصف الخارجي.
ز - على أن أخطر ما يدل عليه هذا العمود هو أن المجتمع الذي جسده مجتمع "يقدس" الشكل وينطلق من أولية الإطار على ما في داخل ذلك الشكل أو هذا الإطار من محتوى أو مضمون. إن هذا المجتمع هو التجسيد الاجتماعي العملي لصندوق "بروكست" في الأسطورة اليونانية القديمة، حيث يوضع الجسد في الصندوق، فإذا جاء أصغر من حجم الصندوق مطّوا أطراف الجسد مطاً ليصل إلى حجم الصندوق وإذا جاء الجسد أكبر من حجم الصندوق قطعوا ليصبح بحجم الصندوق. وهكذا دواليك. لا أهمية للجسد نفسه، المهم هو الصندوق. ولنكيف الجسد على مقاس الصندوق. وهذا ما يقوله العمود الشعري التقليدي: إذا جاء المعنى أقصر من البيت، مططناه وحشوناه حتى نبلغ تمام عدد تفعيلات البيت الثابتة وقافيته وإذا طال المعنى وزاد عن المساحة الحجمية للبيت بترنا المعنى بتراً.
الصندوق هو الأصل: لا توجه إلى تعديل الإطار إذا تعارض مع الجسد، وإنما التوجه هو تعديل الجسد (بتقطيع أوصاله أو بتفسخها) ليبقى الشكل متعالياً سابقاً خالداً.

هذا العمود، اذاً - بالتعبير الفكري - هو تجسيد لأسبقية الصورة على المادة، وهو بالتالي عمود يعبر عن عقل مثالي.

هل يستقيم، بعد ذلك، أن نصب رؤانا الجديدة في هذا الإطار القديم؟ هل يمكن أن نقول التغير بالجمود، أو نقول التعدد بالنمط، أو نقول الجدل بالثنائية، أو نقول الثورة بالقيود؟

الحياة 2005/02/1

*****

 

ربع قرن على رحيل صاحب «مجنون إلسا» لويس أراغون

حلمي سالم

«لو قدر لي أن أعيد حياتي، لسلكت نفس هذا الدرب» هكذا تحدث ذات يوم الشاعر الفرنسي لويس أراغون، الذي يحتفل العالم - هذه الأيام - بمرور ربع قرن على رحيله، الشاعر الذي سمعنا، حين رحيله، أن الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قطع إرسال التلفزيون الفرنسي ليقول: «أيها الفرنسيون، اليوم غربت شمسُ فرنسا، لقد مات أراغون».

ومثّل أراغون (1897 - 1982) لنا - نحن شباب الحركة الطلابية في أوائل السبعينات من القرن الفائت وشباب شعرائها - أسطورة من أساطير الغرام والنضال والأدب، فكان بحق (كما قالت أمينة رشيد، أستاذة الأدب الفرنسي) هو القرن بأكمله عاش كل مغامراته واكتشافاته وإحباطاته، رفض مع تريستان تزارا والدادية الأدب السائد واللغة المبرِّرة لمؤسسات المجتمع، ثم انضم إلى السريالية مع أندريه بريتون الذي جمعته به صداقة عميقة، وتجولا في شوارع باريس مكتشفين معاً الغريب وغير المتوقع في الحياة اليومية. ثم انفصل عنه لينضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي. تعرف إلى إلزا تريوليه فأضاءت طريقة، ثم قاوم الفاشية في ألمانيا وإسبانيا، وقاوم الاحتلال النازي لفرنسا وباريس، وعاش بعد ذلك عند الانتصار ونهايات الحرب العالمية الثانية ومرارة الدروب المشتبكة. عاش التناقض بين وضعه السياسي المرموق كعضو لجنة مركزية للحزب وشاعريته الغامرة لحياته وشعره ونثره. عُرف في فرنسا والعالم كشاعر المقاومة الكبير، وكان ذلك بالفعل، لكنه أيضاً كان من أكبر شعراء فرنسا الحديثة.

في بداية السبعينات من القرن المنصرم، كان الشعراء الشباب المصريون - لا أتجاوز إذا قلتُ: والعرب - مبهورين بشعراء المقاومة الثورية في العالم وبشعراء السريالية - التي راحت تتسرب إلى وعينا الجمالي في بداياتنا آنذاك - وبشعراء الحب الجميل، لكنّ مأثرة أراغون تجلت في جمعه - يشبهه في ذلك بول ايلوار - بين هذه الأضلاع الثلاث، الحب والسريالية والثورة، في مثلث مركب متوهج واحد، كأنه كان يكتشف لنا وللعالم الجانب الثوري في السريالية، والجانب السريالي في الثورة، ثم يمزج كليهما بأسطورة حب كلاسيكية دائمة قل أن توجد عند السرياليين، وقل أن توجد عند الثوريين، بل قل أن توجد عند الشعراء. بهذا المثلث الملهم أهدانا أراغون حلاً سحرياً لمعضلات كانت مؤرقة لنا في صبانا الشعري غير الناضج.

لكن ما زاد من استلهامنا نموذج أراغون، ما عرفناه من رفضه احتلال فرنسا للجزائر، شأن كل الثوريين والوجوديين الفرنسيين، إذ كتب: «اسمعوا يا أخوة الجزائر، الطلقات تغني أنشودة الأمل»، وكذلك وقوفه إلى جانب أحرار إسبانيا في الحرب الأهلية الإسبانية 1937، إذ ترجم ديوان بابلو نيرودا «إسبانيا في القلب» الى الفرنسية وأهدى ترجمته الى الشهداء الذين سقطوا في الصراع ضد الفاشية.

وكان اطلاع أراغون على الثقافة الشرقية خيطاً من خيوط الأواصر التي جمعت العرب بأراغون، فأبدع ديوانه «مجنون إلسا» على غرار «مجنون ليلى» العربي. وفي ديوانه «عينا إلسا» تناثرت المفردات الشرقية الأندلسية (غرناطة أبو عبدالله، زبيدة، رثاء الأندلس، أبو القاسم، عائشة، الخوارج، المعتزلة، قيس)، والديوان كله يدور حول سقوط غرناطة الأندلسية العربية.

يقول أراغون إن بن بيللا دعاه لزيارة الجزائر بعد تحررها (1962)، وفي مطار اورلي راودته فكرة «مجنون إلسا» يقول: «أردتُ أن أشيد بهذا التحرر، لذلك تعمقت في الشعر العربي كما ترجمه مستشرقون من أمثال لويس ماسينيون، ودخلت في مجاهل الكتابة والعروض والنحو. لقد أعجبتني في شكل خاص الصوفية المشرقية، كما تبلورت في «مجنون ليلى»، حيث سطر الشاعر العذري هيامه بهذه المرأة المستحيلة هياماً يصل الى درجة العبادة».

كان أراغون تلميذاً متفوقاً، وقارئاً شغوفاً، وقد تأثر بوالدته التي وجهته الى قراءة الأدب الروسي. وعلى رغم استعداده الأدبي اتجه الى دراسة الطب، والتقى أندريه بريتون رائد السريالية (1915) وشاهد معه مولد الدادئية (1916) لكنّ اندلاع الحرب العالمية الأولى أوقف النشاط الأدبي، واضطر أراغون الى أن يخدم في صفوف الجيش الفرنسي كطبيب مجند، وبعد الحرب استأنف نشاطه الثقافي فأسس مع رفاقه مجلة «أدب» (1919) ثم المجلة السريالية.

كان أسلوب أراغون - كما تقول جوزين عثمان - متميزاً، تمتزج فيه التجربة التلقائية بالعنف الملحوظ في خطابه الشعري. تلك كانت فترة ازدهار الشعر السريالي على يد شعراء مثل: آرتو وبرتون وماكس جاكوب وايلوار وغيرهم، ورسامين مثل: بيكاسو وسلفادور دالي وماكس ارنست وغيرهم. لكن لقاءه بإلسا تريوليه عام 1928 كان الحدث الذي اخترق حياته، إذ ظلت ملهمته وزوجته ومعبودته حتى اختلطت ملامحها بملامح فرنسا: «سيأتي يوم يا إلسا/ تتجملين فيه بتاج أشعاري التي سوف تخلد من بعدي/ عندما ستتحلين بها سيفهمها الناس أكثر وأفضل/ على رغم تنوعها/ بفضل ذلك المذاق الذي يسبغه عليها شعرك المسترسل».

الواقعية الاشتراكية الجديدة

التحق بالحزب الشيوعي الفرنسي عام 1932. وحينما غزا الألمان فرنسا وباريس في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) كان أراغون نجماً من نجوم المقاومة السرية: بالشعر وبالرصاصة(وصف طويل من الشعراء المقاومين).

المأثرة الكبرى الأخرى لأراغون هي توسيعه لمفهوم «الواقعية الاشتراكية» ذلك المفهوم الذي كان وصل على أيدي كتاب ونقاد اشتراكيين الى صناديق حديد مغلقة، وطردت هذه الصناديق الضيقة المغلقة من جنة الواقعية الاشتراكية أدباء وفنانين رسموا للبشرية دروباً للخلاص والحرية والجمال.

وكان المثلث المتماسك المتوهج (بأضلاعه: الحب، والسريالية، والثورة) أكبر تجليات هذا الاتساع الرحيب في مفهوم «الواقعية الاشتراكية» عند أراغون. ثم بلغ هذا التجلي ذروة عالية بالمقدمة التي كتبها أراغون لكتاب روجيه غارودي «واقعية بلا ضفاف» الذي جعل إهاب الواقعية الرحب يتسع لبيكاسو وسان جون بيرس وكافكا وغيرهم من «منبوذي الصندوق الضيق».

اعتبر أراغون كتاب غارودي «حدثاً» (وكان كتاب غارودي كذلك مكوناً أساسياً من المكونات الثقافية والجمالية لجيل السبعينات المصري) ويوضح في مقدمته أنه يكتب هذا الكلام في وقت يضطر الذين ينسبون أنفسهم للماركسية الى غربلة كل «معتقداتهم» أي أفكارهم التي اعتبروها صحيحة لا تقبل الجدل، ثم يعلن: «لسنا في صدد مراجعة الماركسية، بل في صدد تنقيتها من الشوائب وتخليصها من التطبيق العقائدي الجامد، سواء في مجال التاريخ أو العلوم أو النقد الأدبي، ومن الحجج الدامغة والاستشهاد بالكتب «المقدسة» التي تكتم الأفواه وتجعل المناقشة مستحيلة».

ثم يقرر أراغون بوضوح: «إن الرفض الحاسم لكل ما هو ليس «واقعياً» في مفهوم العقائدية يؤدي الى تشويه الواقعية ويقلل من شأنها، كما يلقي - خصوصاً - ظلال الغموض على قضايا مستقبل الفن الأساسية، أي قضايا التراث الثقافي».

والحق، أن كتاب غارودي ومقدمة أراغون كانا - معاً - ضربة حاسمة في كسر الطوق المغلق للواقعية، باتجاه أحداث تحولات فلسفية بارزة، في ما كان يسمى «علم الجمال الماركسي» أو النظرة الواقعية للفن والأدب. لذلك كان الكتاب - بمتنه ومقدمته – «حدثاً» في مسار الرؤية التقدمية للفنون. وواضح أن تحطيم الأقفاص الحديد من أجل التحولات الفكرية الجياشة كان سمة الرجلين، فكلاهما غادر الحزب الشيوعي الفرنسي: غارودي بسبب ضيق الحزب بتقلباته الفكرية المستمرة، وأراغون بسبب ضيق الحزب بتوثباته الشعرية المحلقة، على رغم أنه كان قال عن حزبه: «إن حزبي أعاد إليّ قلبي وذاكرتي/ إن حزبي أعاد إليّ ألوان فرنسا». بعدها ذهب غارودي الى الإسلام، وذهب أراغون الى الشرق وقيس بن الملوح.

مضت عقود، وما زالت كلمات أراغون ترن في ضمير العصر الحديث: «أخذتُ نصيبي من المرارة/ وحملتُ حظي من الشقاء/ لم تنته هذه الحرب أبداً بالنسبة لي/ ما دامت أطراف شعبي ممزقة/ ألصق الأذن بالأرض:/ ما زالت تصل إلىّ تنهدات بعيدة مخيفة،/ تخترق لحم عالم أصم/ لا أعرف النوم/ وإذا أغمضت العين يوماً/ فإلى الأبد»

الحياة 27/09/2007

*****

ثورة يوليو والشعر

حلمى سالم

يتفق معظم مؤرخى ثورة يوليو/ تموز المصرية - باختلاف اتجاهاتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية - على أن هذه الثورة لم تكن تملك حين قامت «نظرية» واضحة محددة. إذ لم يتعد استنادها النظرى أكثر من برنامج الأهداف الستة، الذى أعلنته غداة قيامها، محتويا على أغراض عامة ستحققها الثورة، مثل القضاء على الملكية وطرد الملك فاروق، وإقامة جمهورية، والقضاء على الإقطاع والاحتكار الأجنبى، وتكوين جيش وطنى، وإقامة حياة ديمقراطية.
والواقع أننا لو تأملنا قمة تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة، سندرك على الفور سبب عدم قدرة الثورة على طرح أو تبنى نظرية اجتماعية أيديولوجية سياسية معينة، واضحة محددة.
فقد كانت قمة تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة،، مزيجا من الا تجاهات السياسية الوطنية المختلفة : الإخوان المسلمون، الليبراليون، الشيوعيون، الوطنيون غير المنتمين أيديولوجيا، فكان مجلس قيادة الثورة، بهذا المزيج، أشبه بجبهة وطنية، لا تسمح بتبنى نظرية فكريةو احدة ينتهجها جميع الأعضاء.
كماكانت التركيبة الاجتماعية لهؤلاء القادة من ضباط الثورة تضعهم جميعا فى طبقة البرجوازية الصغيرة الوطنية، بطبيعتها المتذبذبة (بين اليسار واليمين بين الصعود والسقوط) وبوطنيتها ضيقة الأفق وثوريتها قصيرة النفس، وسمتها المصلحية المتبدلة.
تقوم فلسفة التنظيم غير المعلنة، فى كل هذه الأشكال الحزبية، على منهج «الكل فى واحد» لعمل تنظيمات تهيمن عليها السلطة، وتصبح ذراع السلطة فى الضبط والربط والتوجيه والحشد والتبرير والدعاية للقيادة الوطنية وشعاراتها الواسعة .
الثورة والشعر الحر
يمكن الآن أن نعمم منظورنا إلى «ثورة يوليو والثقافة والمثقفين» لنرصد جملة من الظواهر الإيجابية، نلخص بعضها فيما يلى :

1- تأكيد الطابع الاجتماعى فى الفكر والثقافة والأدب، فلقد كان هذا الطابع الاجتماعى فى فكر وثقافة وأدب ماق بل ثورة يوليو 1952 خافتا ثانويا نظرا لسيادة التوجه الوطنى الاستقلالى والليبرالى فى الفكر والأدب والنضال المصرى بعامة، إذ كانت المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية المحورين الرئيسيين فى العمل الوطنى والفكرى السابق على الثورة، ولم تكن المسألة الاجتماعية - فى العمل السياسى أو الأدبى - مطروحة إلا على استحياء فى بعض الممارسات الفكرية للحلقات الماركسية الموجودة على الساحة آنذاك - منذ بداية العشرينيات - وفى بعض أفكار وكتابات بعض الرواد ذوى التوجه الاجتماعى (الرومانتيكى أو اليخالى الطوبوى أحيانا) مثل طه حسين وسلامة موسى ومحمد حسين هيكل وعبد الرحمن الشرقاوى ومحمد مندور ولويس عوض.
مع ثورة يوليو، صار البعد الاجتماعى فى الرؤية الفكرية أو الأدبية جذراً أساسيا من جذور النظر الفكرى والجمالى، وانتعش بذلك تيار أدبى كامل، أفسحت أمامه - نسبيا - منابر التعبير والنشر والاتساع، بتشجيع الإجراءات الاجتماعية للثورة، والدعوة التى شاعت نحو فكر وأدب مرتبطين بقضايا وحياة الجماهير والواقع الاجتماعى.

2- وقد نتج عن هذا التجذير الاجتماعى فى الفكر والثقافة تيار الواقعية فى الأدب والفن، فتجادلت مفاهيم وتصارعت رؤى جديدة لتوطد أركان هذا المنهج الواقعى.
وقد دفع هذا التيار عجلة الشعر الحديث (الحر) دفعة قوية، جعلت الكثير من النقاد (مثل لويس عوض وغالى شكرى) يعقدون صلة ارتباط وثيقة بين ثورة يوليو 1952 وازدهار نمو ظاهرة حركة الشعر الحر فى البلاد العربية بعامة وفى مصر بخاصة، حيث يرى بعض هؤلاء المؤرخين النقاد أن ثورة يوليو قد أعطت شهادة ميلاد قوية لتجربة الشعر الحر - صحيح أن مبادئ حركة الشعر الحر قد بدأت قبل الثورة بسنوات قليلة 47-48- وأن لها إرهاصات صغيرة منذ العشرينيات والثلاثينيات، لكن الدفعة القوية التي اندفعها الشعر الحر هى تلك التى بدأت بعد مرحلة 1952، إذ وضعت الثورة أفكار المعاصرة والواقعية والتجدد ا لتى ينهض عليها الشعر الحر موضع الشرعية العملية فى الواقع كله، وصنعت له منابر ومحافل، فتكون له جمهور جديد بعد معارك ضارية مع القديم ورموزه الأقوياء.
وبرز مع الثورة نقاد ومفكرون عضدوا اتجاه الشعر الحر وآذروه، مثل محمد مندور ولويس عوض ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس وعبد القادر القط وعز الدين إسماعيل ومحمد النويهى وغيرهم من نقاد شكلوا ترسانة قوية داعمة للشعراء الجدد وللتجرية الجديدة.
وفى المقابل كان شعر العامية يزدهر ويتنامى تياره العريض، منتقلا من إطار «الزجل» السابق إلى إطار الشعر الحديث، ووجد هذا الشعر نقاده الجدد الذين نظروا له وساهموا فى إضاءة الطريق أمام شعرائه، وساعدت الإذاعة على جعل هذا الشعر - عبر الأانى والبرامج - على كل لسان فازدهرت الصلة بينه وبين التغيرات الاجتماعية والسايسيةة والاقتصادية التى تنجزها الثورة فى المجالات المتعددة.

3- كان اهتمام الثورة بالثقافة واضحا فى شتى إجراءاتها العملية المتتالية : إنشاء أول وزارة للثقافة (1958) وكانت غير موجودة من قبل، وتم وضع شعار طه حسين «التعليم كالماء والهواء» موضع التطبيق العملى من التعليم الابتدائى إلى التعليم الجامعى.
(هذه هى الديمقراطية الاجتماعية فى التعليم، لكن نلاحظ حرمان الطلاب من التعبير عن آرائهم أى من الديمقراطية السياسية : اعتقالات 68 بين الطلاب فى الجامعة).
وتلا ذلك إنشاء المؤسسات الثقافية الكبرى مثل هيئة السينما وهيئة المسرح والهيئة العامة للكتاب وأكاديمية الفنون وقطاع الثقافة الجماهيرية لتوصيل الثقافة إلى المواطنين فى القرى وشتى الأقاليم المحرومة من الخدمات الثقافية.

وازدهر مشروع الترجمة والنشر (سلسلة الألف كتاب) وإن عابه الاهتمام أحيانا بالكم على حساب الكيف، خاصة فى أيام عبد القادر حاتم الذى رفع شعار كتاب كل ست ساعات!! وقامت المجلات المتخططة العديدة مثل : الشعر، القصة، التراث الشعبى، الفنون الشعبية، الطليعة، الكاتب، الفكر المعاصر، المجلة، المسرح، وغيرها من مجلات، وسلاسل ثقافية وأدبية كانت تنطلق جميعا من شعار أن «الثقافة خدمة لا سلعة».
كما ازدهر المسرح والسينما ازدهارا ملحوظا، وتحول المسرح خاصة إلى مؤسسة حزبية كاملة (معارضة أو ناقدة فى بعض الأحيان) بحيث صار ذا علاقة حية يومية مع الجماهير، ورأت فيه الجماهير منبرها السياسى الحزبى فى واقع سياسى خلا من التنظيمات الجماهيرية غير السلطوية.
لقد صار المسرح هو البديل عن الحياة الحزبية وعن المشاركة السياسية المفتقدة، وكان ذلك - فى ذاته - تجسيدا للتناقض الذى تعيشه ثورة يوليو!
فمن ناحية، حينما انهار المسرح فى السبعينيات، بعد رحيل عبد الناصر وبدء سياسة الانفتاح الاقتصادى، افتقد الناس التعبير السياسى والحزبى، ولم تفلح الحياة الحزبية المحدودة (المحددة) بعد ذلك، فى أن تصبح بديلا للمسرح أيام الخمسينيات والستينيات (المزدهرة).
ومن ناحية ثانية، وصل التردى الاجتماعى والمسرحى الراهن بالعديد من المثقفين إلى أن يحلموا باستعادة ازدهارات الستينيات المجيدة، على الرغم من أن ازدهارة المسرح فى الستينيات لم تكن أكثر من مجرد «نقد جزئى» من داخل الإطار الواحد، ولم تبلغ مبلغ «النقض الجذرى» للنظام وفلسفته الاجتماعية والفكرية.
وبرغم الطابع «العسكريتاري» للثورة والثوار من ناحية، وبرغم براجماتيتها فى المسألة الدينية ورفعها شعار الدين الإسلامى لتجنب الصدام مع المشاعر الإسلامية من ناحية ثانية، فإن واحدة من أهم إنجازات ثورة يوليو 1952 فى حياتنا الفكرية والثقافية، كانت تأكيد الطابع المدنى العلمانى فى معظم مناحى العمل الوطنى، فمع أنها دعمت الأزهر كمؤسسة دينية شرعية، فإنها قد حولته إلى جامعة مدنية علمانية تدرس الطب والهندسة والبيولوجيا وشتى العلوم «الدنيوية» ولا تقتصر على «علوم الدين» والشريعة والفقه الإسلامى.
وكان تحويل الأزهر إلى جامعة مدنية علمانية عملا ذا دلالة اجتماعية وفكرية وحضارية كبيرة، ذلك أنه أضاف تأكيدا جديدا على أن الثورة الوطنية الديمقراطية المصرية هى - فى حلقاتها السابقة والراهنة - ثورة ذات طابع علمانى باهر، وليست ذات طابع دينى، مؤكدة استمرار وتواصل التراث الوطنى الدنيوى المعيشى - لا الدينى الثيوقراطى- منذ بدايات «محمد على» مع بناء الدولة الحديثة .
فوقة الإجراءات
كانت هذه الملامح الإيجابية تقابلها ملامح سلبية لاتقل عنها أهمية وخطورة، فيما يتعلق بمسألة ثورة يوليو والثقافة، سوف نجملها - كذلك - فيما يلى :

  1. تسبب الطابع التجريبى والبراجماتى للثورة فى خلق ظاهرة غريبة، وهى وجود أقطاب لكل التيارات الفكرية على قمم المؤسسات الصحفية والثقافية : مسئول يمينى هنا ومسئول يسارى هناك، مسئول ليبرالى هناك ومسئول عسكرى هنا. وقد أنتج هذا التخبط جملة من التناقضات الفادحة أهمها أن سياسة وعمل كل مؤسسة كانت تصطبغ بصبغة رئيسها وتنشط فى اتجاه انتمائه السياسى أو طبيعته الفكرية.
  2. فعلى الرغم من دعم الثورة لاتجاهات الشعر الحر، مثلا، وإنشائها مجلة «الشعر» - التى تولى رئاستها الدكتور عبد القادر القط- لترويج هذا الشعر الجديد، كان عباس العقاد - فى نفس الوقت- ما يزال رئيس لجنة الشعر فى المجلس الأعلى للفنون والآداب، ليؤشر على شعر صلاح عبد الصبور بتأشيرته الشهيرة «يحال إلى لجنة الثنر للاختصا»!! وتصدر لجنة الشعر نفسها، فى نفس الفترة بيانها الشهير ضد الشعر الحر متهمة إياه بتهم الانحراف والقرمطة والشذوذ والعمالة للمخابرات الأجنبية والشيوعية خاصة.
  3. كان من نتيجة ديمقراطية التعليم والاهتمام بتخريج كميات كبيرة من الخريجين كل عام والتزام الدولة بتعيين الخريجين، فى نفس الوقت الذى تقدم فيه الدولة المناهج الدراسية الكلاسيكية التقليدية، أن تدنى الوعى التعليمى والعلمى والفكرى إلى حد رهيب، وهو ما يجعل صوت بعض دعاة النخبوية الرجعية، اليوم، عاليا، فى الدعوة إلى إلغاء مجانية التعليم، وقصره على القادرين والنابغين، ليعود التعليم طبقيا، مثلما كان قبل الثورة، لايقدر عليه إلا الموسرون الأغنياء.
  4. على أن أخطر هذه الملامح السلبية، كان «فقية» الإجراءات الاجتماعية أو الثقافية على السواء. لقد ظلت هذه الإجراءات - بسبب فوقيتها - إجراءات هشة مصنوعة، غير متجانسة مع البنية التحتية أو متولدة منها، مما سهل - معه فيما بعد- تفريغها وتصفيتها والإطاحة بها، بدون أيه حماية جماهيرية : تصفية كل المجلات الثقافية الجادة فى السبعينيات وإحلال مجلات تعيسة محلها، تصفية المؤسسات العامة فى السينما وغيرها من قطاعات.

وحينما انفجرت فى المجتمع كله قنبلة الانفتاح الاقتصادى - فى منتصف السبعينيات - كان من السهل أن تتهاوى هذه الإنجازات الإدارية الفوقية بيسر مذهل، ووصل الأمر إلى حد إلغاء السادات لوزارة الثقافة ذات مرة. وعاد الأزهر إلى ما كان عليه قبل الثورة من دور الرقيب، فتكرر ما فعله عام 1926 مع طه حسين بسبب كتابه «فى الشعر الجاهلى» مع العديد ن الكتب والمفكرين (على سبيل المثال: فقه اللغة العربية للويس عوض، الفتوحات المكية للمتصوف القديم محىى الدين بن عربى، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي لمحمود إسماعيل).
مرثية للعمر الجميل
إذا كانت شهادة صلاح عيسى هى شهادة مثقف مؤرخ فإن «مرثية للعمر الجميل» (1973) هى شهادة مبدع، لشاعر أساسى من شعراء مصر المحدثين، هو أحمد عبد المعطى حجازى.
وإذا كانت شهادة صلاح عيسى هى شهادة جيل الستينيات، فإن «مرثية للعمر الجميل» هى شهادة جيل الخمسينيات، ذلك الجيل الذى ساهم فى بناء الحلم الملون الذى تقوص فجأة ذات صباح حار من صباحات يونيو 1967.
وفضلا عما فى «مرثية للعمر الجميل» من فن شعرى جميل، فإنها - فوق ذلك - تنطوى على قيمة توثيقية وتاريخية ونفسية وثقافية، من حيث إنها تجسد أزمة جيل كامل فى العلاقة المتناقضة المركبة بين المثقفين من ناحية وبين عبد الناصر خاصة والثورة عامة من ناحية أخرى.
كان الحلم كبيرا، ولذلك فقد كان الانهيار كبيراً.
وكانت العلاقة مركبة، لا يمكن اختزالها فى مقابلات أو معادلات بسيطة من تلك التى تلخص، - عادة - «العلاقة بين المثقفين والسلطة، كأن تقول : كراهية ، حب، انتماء، نفى، قبول، رفض، احتواء، وهم، حقيقة، قهر انسجام، عبودية، حرية.
لقد كانت العلاقة هى كل ذلك، مما فى تركيبة معقدة، القاتل فيها قتيل، والقتيل قاتل، والسجين بأمر السلطة يستجير بالسلطة وهو فى أقبية زنازينها، أو يكتب مظلمته فى محبسه، ثم يمزقها حين يرى الموكب الرائع للقائد المفتدى، ويمدحه :

كنت فى قلعة من قلاع المدينة ملقى سجينا
كنت أكتب مظلمة
وأراقب موكبك الذهبى
فتأخذنى نشوة
وأمزق مظلمتى
ثم أكتب فيك قصيدة

وفى هذه العلاقة المركبة تسليم «للمستبد العادل» بعقد اجتماعى فحواه : افعل بنا ما شئت، ولكن أعد للمدينة العدل واطرد الغزاة :

قلنا لك اصنع كما تشتهى
وأعد للمدينة لؤلؤة العدل
لؤلؤة المستحيل الفريدة

وحين لم تعد لؤلؤة العدل (وأهل المدينة غرقى يموتون تحت المجاعة) ولم ينطرد الغزاة (لم تأت، بل جاء جيش الفرنجة فاحتملونا إلى البحر نبكى على الملك)، ت كون المأساة أثقل من أن يحتملها طرف واحد : الزعيم صاحب الوعد، أو الذين آمنوا بالوعد وسلموا له مفاتيح الحياة : حياتهة وحياة الوطن، فالجميع مشاركون فى الخراب :

من ترى يحمل الآن عبء الهزيمة فينا :

المغنى الذى طاف يبحث للحلم عن جسد يرتديه
أم هو الملك المدعى أن حلم المغنى تجسد فيه
هل خدعت بملكك حتى حسبتك صاحبى المنتظر
أم خدعت بأغنيتى.
وانتظرت الذى وعدت به ثم لم تنتصر
أم خدعنا معا بسراب الزمان الجميل؟

ولقد كان حجازى من أبرز المثقفين المصريين الذين شعروا - بعد 1967- بمسئولية المثقفين فى الهزيمة، حتى وصل به شعوره - بعد العزيمة وأثناء محاكمة العسكريين المسئولين عنها- إلى المطالبة بمحاكمة المثقفين كذلك، لأنهم «قصروا، وهم قادة الحياة، في أداءو اجبهم » مؤكدا أنه إذا كان من أهم الأسباب التى أضعفت قدرة المجتمع على خوض الحرب هو غياب الديمقراطية وجهلنا بحقيقة أنفسنا وحقيقة العدو، فالمثقفون مسئولون، مسئولية مباشرة فى هذا المجال.
وظل هذا الشعور يكمن ويختمر، حتى انفجر على نفسه فى هذا البيان الشعرى المأساوى «مرثية للعمر الجميل» التى هى فى حقيقتها مرثية عصر كامل.
والشاعر لا يكتفى بهذه الاعترافات المريرة كلها، بل يزيد عليها اعترافه بأن جيل الحلم لم يكن حاضر الوعى، فلم يكن يستطيع أن يدرك أن الزعيم الذى بايعه ليس هو الخلاص الحقيقى:

كنت أبحث عن رجل أخبر القلب
أن قيامته أوشكت
كيف أعرف أن الذى بايعته المدينة
ليس الذى وعدتنا السماء؟
إقرار مرير بغياب الوعى والاندماج فى الحلم.

ولكن حين جاء الوعى أدرك الشاعر/ الجيل أن التلسليم الكامل كان أصل الدمار والهزيمة، وأن التضحية بالحرية من أجل العدالة الاجتماعية كانت بداية الدموع، حين جاء الوعى افترق الشاعر/ الجيل عن الزعيم/ الحلم، وحصل الفراق والوداع، الهزيمة والرحيل :

فوداعا هنا يا أميرى
أن لى أن أعود لقيثارتى
وأواصل ملحمتى وعبورى

لقد كانت «مرثية للعمر الجميل» وستظل واحدة من أصدق وأجرأ المرثيات التى قيلت فى رحيل عبد الناصر، أو فى رحيل مرحلة كاملة، ويزيد من صدقها وشجاعتها، مقارنتها بالقصيدة التى كتبها حجازى نفسه إثر رحيل عبد الناصر مباشرة (1970) بعنوان «الرحلة ابتدأت» وقد بلغ من صدق الشاعر مع نفسه أن وضع القصيدتين فى ديوان واحد هو «مرية للعمر الجميل» (1974) على الرغم من تباين القصيدتين :

الأولى : التفانى فى الزعيم المسجى
والثانية : المأساة والوعى وفراق الزعيم.

كانت القصيدة الأولى (الرحلة ابتدأت) تفيض بكل مانعته ونقدته، القصيدة الثانية : التلسليم، الفناء، إعلاء الزعيم إلى مصاف الأولياء والأنبياء. :

أم أنها ليلة الغار التى ستغيب فيها :

ثم تشرف فى المدينة
الإيمان الكامل بأنه يصنع وسيصنع المعجزات، وأنه منقذ الوطن ومنقذ كل فرد على حدة، فلكل ثاكلة جمال،

ولكل مضطهد جمال، استعداد الناس للموت من أجل حياته، الضياع المحدق إذا غاب:
ومن الذى تغدو عيون المريمات على اسمه:

آن المعاد غدا إلى أرض السلام
ومن الذى سيؤمنا فى المسجد الأقصى
ومن سيسير فى شجر الأغانى والسيوف.
ومن الذى سيطل من قصر الضيافة فى دمشق
يحدث الدنيا ويحلهقا ببستان الشام
ومن الذى يسيقيم للفقراء مملكة
وتبقى ألف عام

وعلى الرغم من أن حجازى يذكر أنه شاهد :

آن لا تسألونى جوابا
أنا لم أكن شاهداً أبدا
إننى قاتل أو قتيل
إلا أن «مرثية للعمر الجميل» لا ينبغى أن تضاف - فقط - إلى عيون الشعر العربى الحديث، كما هى حقا، بل ينبغى أن تضاف كذلك إلى عيون الوثائق التاريخية المتصلة بعلاقة عبد الناصر وثورة يوليو بالثقافة والمثقفين.
وثية أساسية من وثائق عصر.

لكنها تختلف عن كل الوثائق التاريخية الجامدة، فى أنها وثيقة من لحم ودم وفجيعة.

******

في الذكرى الثلاثين لرحيله .. والثمانين لمصادرة «في الشعر الجاهلي»
طه حسين «المبصر» واجه عاهات ثلاثاً

حلمي سالم

«إلق نظارتيك ما أنتَ أعمى / إنما نحن جوقة العميان»، كانت هذه الكلمات أحد أبيات قصيدة نزار قباني في رثاء عميد الأدب العربي طه حسين، نستعيدها اليوم لأننا نعيش ذكرى مزدوجة لطه حسين: ثلاثين سنة على رحيله (تشرين الأول - أكتوبر 1973) وكان بعد أيام من خطاب الرئيس أنور السادات الذي أعلن فيه انتهاء حرب تشرين الأول مع إسرائيل، واستعداده للذهاب إلى آخر الأرض، بما في ذلك تل أبيب، من أجل السلام، وثمانين سنة على مصادرة كتابه الأشهر «في الشعر الجاهلي» 1926، بعد أن ثارت عليه ثائرة السلفيين وشيوخ الأزهر الشريف. ونحن نحلق في سماء الذكرى والذاكرة، مع صاحب «حديث الأربعاء» لا بد من ذكر النقاط الخمس الآتية:
1- لم يكن طه حسين مجرد كاتب كبير، أو مفكر مستنير، أو باحث رائد، بل كان - فوق ذلك كله - ظاهرة اجتماعية ثقافية باهرة. وهي ظاهرة تلاقحت فيها الموهبة الفردية مع التقاليد الثقافية الأدبية، حسب فكرة إليوت، كما تلاقت فيها عوامل عدة مجتمعة في ضفيرة متجادلة موفقة: ظروف سياسية يبحث فيها المجتمع المصري (والعربي) عن هويته واستقلاله ونهضته، حياة جامعية ناشئة تسعى إلى تكديس البحث وتعميق «الروح الجامعي»، حياة ليبرالية تتعدد فيها الأحزاب والتيارات الكثيرة: الوطنية والقومية والدينية والغربية والشيوعية: قبل عامين من مصادرة «الشعر الجاهلي» تأسس الحزب الشيوعي المصري (1924) وبعد عامين ستنشأ جماعة الإخوان المسلمين (1928)، حلقات سابقة من المنورين العرب، منذ نصف القرن التاسع عشر حتى العقد الثاني من القرن العشرين: من مثل حسن العطار ورفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وسليم البستاني ومحمد عبده وجبران وعلي عبد الرازق، وأخيراً: طاقة فردية جبارة، وموهبة استثنائية، وطموح جارف لفتى قرر أن يهزم العاهات الثلاث: عاهة عماه الشخصي، وعاهة فقر أسرته، وعاهة تخلف المجتمع الأكبر: مصر.
2- جديرة بالتأمل والفحص تلك العلاقة الملتبسة الظاهرة بين طه حسين وأستاذه أبي العلاء المعري. فالمعري هو المثقف التراثي الوحيد الذي حظي من عناية طه حسين بأربعة كتب كاملة: صوت أبي العلاء، مع أبي العلاء في سجنه، تجديد ذكرى أبي العلاء، شرح لزوم ما لا يلزم.
وعندي أن ثمة أكثر من رابطة يمكن أن تجمع بين المعري وطه حسين: فمن ناحية: يصل بينهما أن كليهما حوّل «انعدام البصر» إلى «نفاذ بصيرة»، بما يتضمنه ذلك من الاستغناء عن «الرؤية» بـ «الرؤيا»، وما يستتبعه ذلك الاستغناء من تأكيد المعنى البسيط الذي يؤكد أن «النظر» الحق ليس هو «الشوف» الظاهري، بل هو «الإدراك» الداخلي القويم. ولعل تلك الحقيقة هي ما قصدها نزار قباني حين قال لطه حسين «ضوء عينيك أم هما نجمتان؟ كلهم لا يرى، وأنت تراني».
ومن ناحية ثانية: لا ريب أن نزعة الشك عند أبي العلاء قد لفتت نظر (أقصد: بصيرة) طه حسين، وهو المثقف الذي نقل إلى الثقافة العربية نظرية الشك الديكارتية. حتى أنه أقام عليها كتابة القنبلة «في الشعر الجاهلي». إن هذا القلق الفكري الجامع بين الرجلين هو الذي جعل طه حسين يقول عن نفسه «أنا رجل قلق، ومثير للقلق من حولي» وبهذا المنظور العقلي كان طه حسين يعيد لنفسه بين لحظة ولحظة - وهو يدرس الفكر الغربي والتراث العربي على السواء - سطور أبي العلاء المعري الباقية: «يرتجي الناس أن يقوم إمام / ناطق في الكتيبة الخرساء / كذب الظن، لا إمام سوى العقل / مشيراً في صبحه والمساء / إنما هذه المذاهب أسباب / لجذب الدنيا إلى الرؤساء».
ومن ناحية ثالثة: إن ما لاقاه أبو العلاء المعري من تعنت واضطهاد من أهل عصره، الذين رموه بالكفر والإلحاد والزندقة، كان قريناً لما لاقاه طه حسين من عنت واضطهاد من أهل عصره، مرة بسبب روايته «المعذبون في الأرض» (التي صودرت كذلك قبل 1952) ومرة بسبب رأيه في ضرورة إبعاد الصبغة الدينية عن دستور 1923، ومرة بسبب كتابه «في الشعر الجاهلي» ومرة بسبب كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي ربط فيه ثقافة مصر بثقافة حوض البحر المتوسط.
وبرغم هذه الروابط الثلاثة القوية بين المعري وطه حسين، فإن هناك فارقاً جوهرياً يفصل بين الرجلين، هذا الفارق هو أن طه حسين لم يكن «رهين المحبسين» كما كان المعري رهين المحبسين (العمى والمكان) ذلك أن طه لم يسجن نفسه في عماه ولا في مكانه، بل تحرر من قيد البصر وقيد المكان، ليضرب نموذجاً مرموقاً للمثقف المتفاعل المتحرك المنتج، على نحو يقربه من تصور المفكر الإيطالي انطونيو جرامشي عن «المثقف العضوي» الأمر الذي أنقذ طه حسين من الوقوع في هوة «الاغتراب» الوجودي أو الفكري عن المجتمع، مثلما حدث في حالة المعري، المنعزل، القانط، الذي صاح «تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد».
3- احتوى «في الشعر الجاهلي» ضمن ما احتوى - على فكرتين أساسيتين:
الأولى: هي أن كثيراً من «الشعر الجاهلي» قد يكون منتحلاً من قبل بعض أهل العصر الإسلامي وغرض الانتحال هو تبيان الفارق «النوعي» بين العصرين، من الخشونة إلى الليونة، ومن البداوة إلى الحضارة.
الثانية: هي أن القصص التاريخية في القرآن الكريم ليس الغرض منها «تأريخ الأحداث» كما وقعت بالفعل في التاريخ، بل غرضها «العبرة والموعظة والحكمة» وعلينا - من ثم - أن نلتمس التاريخ من كتب التاريخ، أما «أساطير الأولين» فرسالتها الرمز والمجاز والأمثولة.
وظني أن الأزهريين - زملاء طه حسين السابقين- غضبوا من هاتين الفكرتين اللتين لا تعضان في صحيح الإيمان ولا تخدشان الشرع المتفتح، لثلاثة أسباب: الأول هو أنهم مدرسيون يؤمنون بالنقل لا بالعقل، والرواية لا بالدراية، كما أنهم حرفيون معادون للاجتهاد، على نحو يجعلهم لا يفرقون في النص القرآني بين الحرفي والمجازي، أو بين الثابت والمتحول. والثاني هو الخشية من فقد سطوتهم على الناس باعتبارهم وكلاء الله على الأرض فإن إعمال العقل يبطل الحاجة إلى الوسطاء بين العبد والرب، والثالث هو خوف هؤلاء الحفظة من فقدان حظوتهم عند السلطة السياسية بتفسيراتهم الجامدة، الخامدة للسلطان، مما يمكن لهم السطوة الأدبية والمادية والروحية.
4- حفلت معركة طه حسين في كتاب «في الشعر الجاهلي» وما رافقها من مواقف ووقائع بمفارقات كثيرة، لكن أعجب هذه المفارقات وقوف بعض كبار «الليبراليين» من دعاة الحرية والاستقلال والوطنية ضد الكتاب وكاتبه، وكان المثال البارز في ذلك هو سعد زغلول: زعيم «الوفد» والأكثرية وثورة 1919 وتلميذ محمد عبده صاحب السهم الأوفر في مبدأ الاجتهاد، وفي مبدأ استجابة الإسلام للعلم والمدنية، وفي مبدأ عدم وجود «كهنوت» في الدين الإسلامي.
وبرر سعد زغلول ذلك الموقف بأن حرية الوطن مقدمة على حرية المواطن، وحينما يتخلص الوطن من الاستعمار سنلتفت إلى حرية الفكر والبحث، فالحرية أولويات: بعضها الأهم يسبق بعضها الأقل أهمية!
وعندي أن هذه النظرة، التي اعتمدتها النخب السياسية والفكرية في مسيرة النهضة العربية الحديثة، والتي تفصل بين «حرية الوطن» و «حرية المواطن» ثم تعطي الأسبقية للأولى عن الثانية، هذه النظرة الضيقة هي واحدة من اخطر الآفات التي تسببت في الإخفاق المتواصل لحركة النهوض العربي الحديث. هذه النظرة المنحرفة القاصرة كانت مبدأ محمد علي، وكانت مبدأ عبد الناصر، ثم هي المبدأ الحالي لمعظم الأنظمة العربية الوطنية الحديثة.
تتجاهل هذه النظرة الأحادية أن لا حرية لوطن من دون حرية المواطن: حرية المواطن في الفكر والاعتقاد والبحث العلمي والانتماء السياسي والانتماء الديني. ذلك أن كلتا الحريتين وجه لعملة واحدة: تحرير الوطن والمواطن على السواء وطالما ظلت هذه النظرة الواحدية متحكمة في أداء النخبة السياسية والفكرية العربية، فإن حرية الوطن نفسها (التي أجلنا من اجلها حرية المواطن والفكر) ستظل معدومة أو مشوهة او منقوصة، فنكون قد خسرنا الحريتين معاً، لنصبح على ما فعلنا نادمين!.
5- نموذج طه حسين - من منظور حركة حقوق الإنسان - نموذج ساطع: بصرخته ضد الظلم والفقر والجهل في «دعاء الكروان» و «شجرة البؤس» و «أديب» وبصيحته «التعليم حق ضروري كالماء والهواء» قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) بعشر سنوات، وبدعوته إلى إعمال العقل في معظم بحوثه وكتبه، وبتأكيده على ضرورة تجديد اللغة العربية، لان اللغة في خدمة الإنسان وليس العكس، وبرفضه أن يفرق الدستور بين الناس على أساس النص أو الديانة أو العرق، لان ذلك يجرنا إلى الوراء، واستنكاره مصادرة الأدب، لأن «الفن اثر من آثار الأحرار، لا من آثار العبيد».

الحياة- 11/10/2006

*******

ليس كل سالف خراباً وليس كل تمرد ثورة

بقلم: حلمي سالم

الشاعر الحديث هو ابن نفسه، وابن عصره، وابن تراثه، الوطني والإنساني، في آن. هو ابن حرية، حريته، وحرية الوطن، وحرية الإنسان، وحرية المخيلة، فمخيلة الشاعر الحديث هي المخيلة المحررة من كل قيد : قيد العادة، قيد المألوف، قيد الموروث. المخيلة الجريئة المجترئة، الطائرة على كل الأزمنة ، وكل الأمكنة، وهي في كل ذلك مصفاة لشوق عصر شاعرها ومواطنيه.

ومن هنا، فإن الشاعر الحديث، ليس له موضوع. أي ليس له موضوع محدد. موضوعه هو نفسه : أغوارها، أهواؤها، تجوالها الخرب والجميل، موضوعه هو العالم كله، بأزمنته، الماضي والحاضر والمستقبل. صراع ذاته مع ذات العالم، سيرة النفس وسيرة الكون، صغائر النفس وصغائر الحياة.
ليس الشاعر الحديث خطيباً أو واعظاً أو مصلحاً اجتماعياً أو أخلاقيا أو سياسياً. ولهذا تبتعد موضوعاته عن الحكمة والدور البليغ. لتلتصق بتفاعل ذاته. ووجود ذاته في العالم.

إن هذه المفاهيم الجديدة والواسعة أعطت فرصة كبيرة للزيف والادعاء، عبر الاستتار خلف هذه القيم غير التقليدية. والحق أن تمييز القصيدة الحديث عن غيرها التي تدعي هذه الصفة، هو عمل النقاد بالدرجة الأولى. لكنني أفترض بعض العناصر، التي إذا لم تتوافر في القصيدة، كانت حداثتها مصطنعة، مزيفة، مدعاة.

من هذه العناصر الفارقة :

أ - أن تكون حداثتها منبثقة عن معرفة وافية بالأصول والأدوات الأولى المؤسسة، لا تهرباً منها أو عجزاً عنها.
ب - أن تكون حداثتها غير معتاشة على منجزات حداثية معاصرة أو سابقة. فالتقليد ليس فقط في اقتفاء خطى الكلاسيكيين، بل هو كذلك في اقتفاء خطى الحداثيين.
جـ - أن تكون - مع تجديدها الفني - حارة، غير مصمتة، حية بحرارة الخبرة الإنسانية الملموسة.
د - ألا تكرر تجارب الشاعر نفسه، وتعيد إنتاجها مرة بعد مرة. فالتقليد، ليس اتباع الآخرين فحسب، بل اتباع الشاعر لنفسه، واجترار تقنياته وأساليبه وطرائقه.

الشاعر الحق، قُلبّ دائماً : على العالم، على تجارب الشعر السابقة والراهنة، وعلى نفسه.

وإذا لم تتوافر هذه العناصر الفارقة في النص كانت القصيدة تشبّهاً بالحداثة وركوباً لموجتها الدوارة، ظناً بأن غربال الحداثة واسع، وهو - في الحق - أضيق من سم الإبرة.
أعتقد، فعلاً، أن النماذج الجديدة من الآثار الشعرية التي ظهرت في أواخر السبعينات وكل الثمانينات في جددت شباب القصيدة العربية الحديثة.
إن هذه النماذج الكبيرة - أولاً - قد أخرجت القصيدة العربية الحديثة من خطابيتها التي كانت قد أغرقت فيها - وخاصة بعد 67 - في مناطق عديدة من الوطن العربي. كما أن هذه النماذج الكبيرة - ثانياً - قد أنقذت القصيدة العربية الحديثة من التماثل والتكرار وإعادة الإنتاج والاجترار، الذي وقع فيه كثير من أبناء الجيل التالي لجيل الرواد الكبار، ولم يسلم منه بعض من بقي من الرواد أنفسهم.

كما أن هذه النماذج الحداثية الكبيرة - ثالثاً - قد جددت شباب القصيدة العربية الحديثة، حينما كسرت بناءها الأحادي الاسترسالي الميلودي وهذه صفات البناء الرومانسي، في اتجاه البناء المتعدد المتعرج المركب المتداخل البيلوفوني.

وهذه النماذج الجيدة - رابعاً - قد خلعت القصيدة العربية من قدسية الوزن الخليلي حتى لو كان تفعيلياً فقط كما في تجربة الشعر الحر عند الرواد بما قدمته من تجارب نثرية كاملة، أو بالتداخل بين النثر والوزن. أي أن القصيدة الحداثية -في تجلياتها الحقة- قد اعتمدت مفهوم الموسيقى لا مفهوم الوزن. إن الوزن التفعيلي الخليلي، أحد الصور القاعدية الاجرومية للموسيقى، لكنه ليس كل الموسيقى، التي هي أرحب وأغنى.
كما أن القصيدة الحداثية - أخيراً، مؤقتاً - قد جددت شباب الرمز، حينما أكدت على أن الرمز لا يظل رمزاً إلى الأبد، وإنما هو يصير إلى إشارة وقرار وتقرير إذا استهلك استخدامه وطال تداوله. فراحت تجدد رموزها دائماً، ولا تستنيم لرمز اقترحته، حتى لا تحيله هذه الاستنامة إلى تكلس تقريري مفتضح. ينقسم النقد العربي -تجاه قصيدة السبعينات والثمانينات - إلى خمسة مواقف واضحة:

أ - الأول هو موقف النقد الأيديولوجي، الذي يطلب موقفاً اجتماعياً وسياسياً واضحاً في القصيدة، ولهذا فهو يخاصم التجربة الشعرية الجديدة، حين لا يجد هذا المضمون الجلي بارزاً. فيصفه بالانعزال عن الحياة والاغتراب عن المجتمع والتعالي على الجمهور، ويرى اهتمام هذا الشعر بالتشكيل الجمالي للشعر استغراقاً في الشكلانية وغراماً باللعب اللفظي.
ب - الثاني هو موقف النقد الذي واكب تجربة الشعر الحر في الأربعينات والخمسينات، وسانده وثبت أقدامه. وهذا النقد لا يرى أن هناك ضرورة ولا إمكانية لتجديد الشعر بأكثر مما صنع الرواد. وهو بذلك يقيس الشعر المجدد بسعر الرواد، فيرى أنه لم يعد في القوس منزع وان ما صنعه الرواد هو سقف التجديد ومنتهاه، وبعده الهاوية. وشعر الجدد - عند هذا النقد - هو الهاوية التي سقط فيها الشعر من حالق.

جـ - الثالث هو موقف النقد الأكاديمي أو المدرسي، وهو الذي كان ضائقاً في الأصل بتجربة الشعر الحر، إذ لا يرى الشعر. إلا كما قال القدماء، ويتحسر على ما آل إليه الشعر من فساد بتركه الوزن إلى التفعيلة وبطرقه الموضوعات القومية أو الحياتية التي طرقها الشعر الحر. وهو في أحسن الأحوال : أي في حالة قبوله الشعر الحر - يرفض أي إضافة تجديدية عليه، ويرفض في كل الحالات اجتراء الشعراء على اللغة العربية المقدسة وعلى الخيال العربي المألوف، وعلى الموروث الشعري والنقدي. هذا الاجتراء الذي أكل من هيبة الشعر وجلاله !
د - الرابع هو النقد الصحافي، الداعي للسهولة والتسطح والمسايرة الفارغة، والذي يرى الشعر زجلاً خفيفاً أو لطائف ضاحكة أو نوحاً غنائياً تافهاً. وهو يرفض تجربة الرواد، ومن باب أولى تجربة الحداثيين في السبعينات والثمانينات.

هـ - الخامس هو النقد الحداثي، الذي يرى الشعر ظاهرة نوعية، ويرى أن واجب الشاعر هو واجب تشكيلي في المقام الأول، وأن المعوّل في النص هو على طرائق صوغ الموقف من - وفي - العالم، لا فقط على فحوى هذا الموقف، وأن لكل نص قوانينه الداخلية التي ينبغي اكتشافها منه لا إسقاطها عليه من عل أو من خارج. وهذا النقد هو الذي يحاول اليوم تقديم وتدعيم تجربة الحداثة وتأكيد مواقعها وكشف خصائص نصوصها الشعرية من داخلها، واستخلاص دلالاتها وفحواها من قلب النص، وإضاءة العلاقة الداخلية الجدلية بين شكل القصيدة ومضمونها، وبين النص والواقع.
كثيرة هي المجموعات أو الاتجاهات الجماعية التي لعبت دوراً كبيراً في تذوقي الشعري. أذكر على سبيل المثال - من شعرنا العربي - جماعة الصعاليك، ثم جماعة المتصوفة، ثم جماعة أبوللو، ثم شعراء المهجر العرب. وأذكر - من الشعر الغربي - جماعة شعراء السريالية الغربيين.
ولقد ساهمت - كذلك - أعمال نقدية كثيرة في تشكيل وعيي الشعري، أذكر منها - على سبيل المثال - كتابات السرياليين، وكتابات جارودي ماركسية القرن العشرين، وضرورة الفن لفيشر والشعر والتجربة لماكليش وكتابات د. عبدالمنعم تليمة وأدونيس.

أنا - فعلاً - واحد من أعضاء الجماعة الشعرية المصرية الشابة إضاءة 77 التي تكونت عام،1977 وأًدرت مجلة شعرية بنفس الاسم، خرج منها 14 عددا، وحملت رؤانا الشعرية - نقداً وإبداعاً - في وقت كانت المنابر الأدبية الرسمية مغلقة في وجوهنا : سياسياً وجمالياً وشعرياً.
وأنا مع تكوّن الجماعات الشعرية، لأنني - من الناحية الفكرية - أؤمن بتشكيل الجماعات والتنظيمات المستقلة عن السلطة، وخاصة إذا كانت هذه الجماعات الشعرية - وهذا شرط وجودها - تحقق نوعاً من التفاعل الخصب والتواصل المجدي بين شعرائها من ناحية، وإذا كانت تساهم في تشكيل وبلورة تيار شعري جديد من ناحية ثانية، وإذا كانت لا تطمس الخصائص الفردية التي تميز كل شاعر من شعرائها عن زميله، بل تزيد هذه الخصائص تبلوراً واتضاحاً ونضوجاً، في صياغة راقية وجدلية بين الوحدة العامة التي تجمع شعراءها و التنوع الذي تتباين فيه تجارب الشعراء بملامحها المتفردة.

وأعتقد أن جماعة إضاءة 77 قد نجحت طوال عقد فاعليتها 77 - 87 في تحقيق هذه الشروط. وأرى أن الواقع سيظل دائماً محتاجاً لمثل هذه الجماعات طالما حققت الشروط السابقة، وطالما أدركت أنها : لست حزباً بالمعنى العصبوي أو الأيديولوجي، وليست أفراداً مشتتين في نفس الوقت.
الشعر كياني. وهو دفاعي الخاص عن نفسي، وأسلوبي في صيانة نفسي من القبح والخيانة والسقوط. وهو أداتي في حماية ذاتي من الجنون أو الدمار. وهو مساهمتي في أداء واجبي تجاه الحياة.

أ - ليس هناك جيل شعري. هناك تجربة فنية أو تيار فني. والجيل لا يعدو أن يكون مصطلحاً للتمييز الإجرائي، وهو تعبير غير دقيق. وهو يقال مثلاً عن السبعينات للإشارة إلى هذه الموجة من الشعراء الذين يقدمون تجربة مغايرة لتجربة جيل الرواد، لا لجمع أبناء الجيل كله في تصنيف واحد. فبين شعراء جيل السبعينات من يكتب بطريقة البحتري أو أحمد شوقي أو ناجي أو عبدالوهاب البياتي.

ب - الرواد بالمعنى اللغوي هم المبتدئون مسيرة أو طريقاً أو حياة. ونحن نستخدمه بالمعنى الشعري - حالياً - للإشارة إلى الكوكبة التي قادت تجربة الشعر الحر في الأربعينات والخمسينات. لكنه بالمعنى الفني الحق يعني كل من راد طريقاً لم يُسبق. وعليه فإن بين شعراء السبعينات والثمانينات رواداً حقيقيين فتحوا سبلاً وشقوا دروباً جديدة.
ج - الآباء الشعريون هم المصادر أو المراجع الفنية والجمالية للشاعر، بصرف النصر عن العصر أو الوطن. وعليه فمن الممكن أن يكون فاليري ورامبو من آبائنا الشعريين مثلهما مثل الحلاج وأبي تمام وجبران والسياب.
د - التمرد على السالف تعبير مخادع، لأنه يمكن أن يكون في بعض الأحيان نزوعاً عدمياً، إذا فهم على أنه انقطاع كامل عن كل السابق، فليس كل سالف خراباً، إذ فيه ما يصلح أرضاً، أو منطلقاً. كما أن ليس كل تمرد ثورة، ففيه ما يمكن أن يكون انخلاعاً في الفراغ وعجزاً عن الأصالة والإنجاز.
إن شرط التمرد الصحيح على السالف هو إدراك جدل الانقطاع والتواصل : فالانقطاع التام عدم ومستحيل، والتواصل التام اندماج وسلفية.
آقراني كثيرون، وهم كل شعراء التجديد في الشعر العربي. وأخص منهم - بغض النظر عن الأعمار - قاسم حداد وحسن طلب ومحمد بنيس ويعقوب المحرقي وعبدالمنعم رمضان وأمجد ناصر وسيف الرحبي وأدونيس ويوسف رزوقة ونوري الجراح ومحمد عفيفي مطر وخزعل الماجدي وسماء عيسى وعلي الدميني ومحمد بن طلحة وعلي قنديل وسعدي يوسف وعبدالله زريقة، وغيرهم كثيرون.
وبعامة، فإن أقراني هم كل من يضيف جديداً، ممتعاً، حاراً، في آن.

نصوص

فهرس

تقفُ البدائيات قرب سفائن الشحن المرام،
أتى الصدام المرتجى يا ينت،
دست رأسها جنب الحقائق
وهي تغلب فكرة
رفت على شفة المؤرخ،
كأن رأس المال متسقاً مع
العنق المنزل،
صار جمر الكاشفات خبيئهن
محركاً للموريات
وجلد بنتي مرهفاً
بالكهرمان،
أنا وأنت مؤيدان بمحنة من
صنع باب النصر،
تقرأ سيدات فهر الموت :
المودة مدية،
سمانة الساق العلوّ،
لسان عاشقة فصوص.
عندنا بات المصب مفخخاً
بالضارعات
وبيت أمي مائلاً بالمشترين
المنحل الخلفي،
يمشي نحو معرفة الودائع
طائعاً مثل المكلف بالجلاء،
هنا الدساتير التي ما مستها
أرق الرغائب يا نجي
فهاك مملكة :
عليك عقيدة السينية، الجسد
الطليعة، عزلة
الملكات، ميرامار، أقداح
البهائيين، ظل كبائن
التجار، وجد اللائمين على
الهوى جدل الطبيعة،
يخت فاروق المغادر، عرى
عابدة محررة، مساءلة
الحداثة، قتل ديك الجن،
معجزة النهوض من
الرماد، شهية المتنورين، الأم
يسعى في مناكبها الوصال
المرتجى يا بنت،
ليس الماس سفراً،
ليت أمي راقبت ميزان
سكرها المطفف في الدماء
ولم تضئ.
لم يتخلص النقد العربي من ذاكرته
المريضة وإيديولوجيته البائدة

العلاقة بين الشاعر وقصيدته هي من أكثر العلاقات غموضاً وسحراً إذ تحاط هذه العلاقة بطقوس في ظروف غير عادية تؤدي إلى مواجهة فعالة وحقيقية بين الشاعر وقصيدته. إنها لحظة تعر كاملة وفضح مشروع للقصيدة والشاعر، غير أن هذه الطقوس والشعائر تفقد أهميتها عندما تأتي مفتعلة من أجل خلق هوة مفتعلة بين القصيدة وقارئها كحماية لها أو لأقل كحماية لسرها الهش. فعندما يحاول الشاعر إخفاء طقوسه وشعائره عن الآخرين خوفاً على قصيدته من التقليد نجد المقلد يفعل العكس فهو يشي بهذه الطقوس ويكسب قصيدته هيئة بطولية وهمية كي تجد لنفسها مكاناً ليس مكانها أو لتعتبر الإنجاز الملطوش إنجازها، إن الشاعر الحديث إنسان عادي في حدود الاجتماعي، لكنه غير عادي ضمن الإطار الإنساني حتماً. إن علاقة الشاعر الحديث بقصيدته علاقة خاصة غير صالحة للنشر في الصحف والمجلات والمقاهي والمجالس لأن الشاعر الحديث ليس خارقاً في المنظور الاجتماعي ولا طموح له كي يكون كذلك. إنه خارق حقيقة لحظة الكتابة.. وهذا الأمر سر. الشاعر الحديث ليس محدداً بسمات مرحلة معينة أو بمعايير نقاد معينين، إنه تجدد باستمرار ومشترك في معارك عنيفة باستمرار، وغالباً ما تكون أهم هذه المعارك مع ذاته. لا يمكن أن نسمي الشاعر الحديث لأنه يفلت من التسمية إلى ما هو أبعد منها وهكذا.

أما القصيدة الحديثة فتدلُّ على نفسها ببساطة، تخاطب حواسك كلها وكذلك خيالك ومعرفتك. إنها قصيدة حديثة بقدر ما نلمس حرارة التجربة الشخصية فيها، وهي قصيدة مقلدة ومدعية كلما لمسنا تجارب الآخرين ممسوخة فيها. إن الشاعر الحديث ضد كل شيء من أجل لا شيء أو فلأقل من أجل المجهول الذي إذا تحول إلى معلوم أو شيء يفقد بريقه. الشاعر الحديث لا يتعامل مع المعلوم لأنه ببساطة مكتشف لا يقبل أن يطرق باباً طرقه الآخرون. أما نظرته فهي طريقته في الاكتشاف وخاصة اكتشافه لذاته لأنها مادته الأكثر أهمية والتي من شأنها أن تمنحه خصوصية وفرادة بينما ترتبط مخيلته بلغة نصه وتتماشى مع براهين إبداعية لاكتشافات هذه المخيلة. وتبقى موضوعاته إنجازاً شخصياً له كلما حاول أن يكسب هذه الموضوعات الكثير من روحه ومعرفته وحساسيته الخاصة لأن موضوع الشاعر هو الذي يكشف مدى معرفته.

لقد استطاعت الآثار الشعرية التي ظهرت في الثمانينات أن تضيف بعض التفاصيل الدقيقة وذلك في بداية الثمانينات، غير أنها لم تتعد حدود تشذيب نصوص السبعينات. أما الإضافات الحقيقية والتغيرات الجوهرية فقد أكدتها نصوص النصف الثاني من الثمانينات. فقد حاولت هذه النصوص إلغاء دور الشاعر / الداعية، كما حاولت أن تغير العلاقة بين الشاعر والقارئ من حالة خطاب أحادية بطلها الشاعر وقصيدته التي لا يشق لها غبار إلى حالة حوار وبالتالي باتت قصيدة الثمانينات تحدد قارئها وتختبر معرفته وحساسيته ذائقته. لقد تجاهل شعراء الثمانينات الصراع الواهي والمفتعل بين أشكال الشعر العربي وانصرفوا عن هذه المجالس مما منح نصوصهم ثقة عالية وجعلها تقدم اقتراحاتها بعيداً عن التشويش والصراخ.
لا أرى أن النقد العربي الراهن حقق تواجداً فعلاً أمام التجارب الجديدة في الثمانينات لأنه لم يستطع التخلص من ذاكرته المريضة وأيديولوجيته البائدة في التعامل مع هذه النصوص. لقد كثرت الوصاية النقدية في الثمانينات وظهرت أبواب تشجيعية عديدة من قبيل / بريد القراء، إبداعات شابة، كتابات جديدة، أقلام للمستقبل... الخ / مما شجع الأبوي الوصائي ليشكل مدا على حساب النقد الحقيقي. إن نقادنا مازالوا يؤلفون الكتب عن أدونيس والسياب ودرويش متناسين ما حدث في الشارع الثقافي من تغيرات جوهرية، وإذا تطرق أحدهم إلى سليم بركات أو بندر عبدالحميد أو عباس بيضون أو منذ مصري فإنه يمر مرور الكرام ويتعامل معهم بغلاظة الأب الذي هو أصغر ممن يدعي أبوتهم.

هناك قصائد كثيرة لعبت دوراً في تذوقي الشعري ولكن أكثرها تأثيراً على تجربتي كانت قصيدة الجمهرات لسليم بركات التي مازلت أستمتع بقراءتها واكتشافها حتى الآن. كما أحب إيراد قصائد مثل ضيقة هي المراكب لسان جون بيرس والقصيدة المارقة لأنسي الحاج و الأجراس لبندر عبدالحميد و في بيروت سبح كالإنكليز لمنذر مصري و مفرد بصيغة الجمع لأدونيس.

أما أبرز الأعمال النقدية التي ساهمت في وعيي الشعري فهناك الشعر التجربة لأرشيبالد ماكليش والشعر والحياة العامة لروزنتال وبعض نصوص بيلينسكي النقدية وكتاب جمال باروت الشعر يكتب اسمه إلى حد ما نظراً لأن هذا الكتاب كان بحاجة إلى متابعة جادة من الناقد نفسه أو لغيره من النقاد لأن هذا الكتاب كان بمثابة البداية لمشروع نقدي هام ولكن للأسف لم يكتمل.

أسئلة مضافة وذيول

لقد وجدنا أنفسنا معاً فجأة في جامعة حلب ومن خلال ملتقياتها لأدبية، ورغم كثرة الأصوات فقد وجدنا لأنفسنا زاوية صغيرة فتحنا من خلالها حواراً طويلاً لم ينته حتى الآن. أنا واحد من محمد فؤاد، حسين بن حمزة، عبداللطيف خطاب، عمر قدور وبسام حسين كانوا يسموننا بشعراء الجامعة عندما نأتي إلي مقهى القصر في حلب وكان البعض يقول عنا الأنبياء الصغار وكان هناك ناقد يتابعنا هو جمال باروت أفاد التجربة واستفاد منها. من هنا أظن أن فكرة الجماعة مهمة في الشعر إذا لم ترتبط بما يمكن تسميته بـ العصابة، فهي جماعة حقيقية إذا ارتبطت بفكرة مشروع ثقافي يطرح أسئلته باستمرار عبر ممثليه ومتابعيه. أما شروط تحقق ذلك فهي مرتبطة بوجود ظاهرة ثقافية ليست بالضرورة مرتبطة بمكان واحد. غير أن انهيار هذه الفكرة يكون أكيداً عندما يقع شخوصها في مطب التماثل الذي يلغي حالة الحوار لصالح الصوت الواحد وهو بالتأكيد نقيض لفكرة الجماعة من أساسها.

لا أعرف إذا كان الشعر احترافاً بالنسبة لي ولكن عندما يسألني أحد ما عن عملي فأنا حتماً لا أقول شاعر ولكنه ليس هواية أيضاً لأنني لا أكتب الشعر في أوقات الفراغ كشأن باقي الهوايات، وهو ليست مشروعاً كيانياً لأنني لا أستطيع أو أواجه أحداً بالشعر وحده، غير أني أريد أن أشكر القدر الذي منحني هذه الصدفة الرائعة، إنه قدر أهوج يختار ضحاياه وأبطاله دون أن يتوقعوا.

أخيراً أحب أن أقول أن الشعراء الأقران الذين أعنى بشعرهم هم كثر وهذا من حسن حظي عبداللطيف خطاب، محمد فؤاد، حسين بن حمزة، بسام حسين، عمر قدور، سمية شيخي، خالد خليفة، بسام حجار، أمجد ناصر، وليد خازندار، كريم عبد، نوري الجراح، هاشم شفيق، خليل

نصوص

الملوك

هواء لكم، تباعدوا قليلاً وأسندوا سقوطي، هواء لكم، تصلون لسمائي، تفرقوا قليلاً ورتبوا كلامي، لا الممالك القديمة تعتق الهواء الذي مر ولا الدول الحديثة تقمع الثورة التي تحتي. هواء لكم، كل قرن أهيئ لكم البلاد وأنتم بالدول البائدة غارقون كلام مدهش لأميركم الطاعن واللاعن أباه.
أوراقه لا تسودها عروش. كلام البرق المرعد، يهيئ لنا ذروة لنتراحم عليها، كلام الغيم للأرض، مساومة على مطر قد يكون، منذ أن بادت الأرض صار للصحارى طعم احتراس ونكهة ذئاب لا تنتهي منذ أن بادت.. صار لنا طعم لغة سرية تشطبها المدارس ويدونها الهواء.

لن تأخذه ورقة ولن تغيبه ريح إلا وللمنصتين أثر فمه الأرعن
لن تميل رقبة إلا ولكم أفق التفاتته
حين تستيقظون وتحصون ممالككم
حين تستيقظ الريح على غيم يستدرجها لشتاءاتكم
حين تحتدمون في صفيره الغائب وتترنحون كلكم
وقتها يا ملوك العراء سأهدهدكم وأحكي لكم عن أباطرة خذلتهم
تيجانهم وعروشهوم ذات يوم قبل الميلاد.

الفجر

رجال من نسائهم، بجلابياتهم البيضاء الناصعة وعقالاتهم الأنيقة يدخنون في الخيام ويقتلعون أوتاد بعضهم عند أو شجار، رجال من نسائهم، يعملون أزواجاً لنسوة، يحمن كالنحلات في القرى ويتباهون بمسدساتهم المعلقة حول خصورهم وحزاماتهم الرابطة أعماراً تتكئ على أفواه فاغرة لنساء فاغرات أمام أبوابنا. هكذا الفجريات المحتلات مدننا الصغيرة بأسنان الذهب وبضاعتهن المكتسبة بشبق الهي، تقف سطول اللبن يائسة من مساومات امهاتنا الثرثارات. وللغجريات ضروب الأنوثة في مخادع آبائنا، وانشغال رباني بترتيب الأجنة الخليطة في أحشائهن، زرقة الوجوه الداكنة المنشغلة عن المرايا بالتجارة وصناعة أسنان الذهب وبيع اللبن واحتمال أعضاء آبائنا الشبقة. كم كان الغجر عارفين بأحوالنا، كم كانوا مزهوين بذهب يلمع في أفواهنا فلتكن للغجر أسئلتي وعلكة الأشجار المطقطقة في أفواه امهاتنا وأخواتنا طيلة النهار.

المهاجرون

عين على الخسارة وسقوط مدو، كذلك كان المهاجرون بعربات الخشب وأوتاد الخيام، لهم ما يحدث وما لا يحدث، فما من فضة ستعلو رنين عجلاتهم وما من صخب سيقتحم صدأ وجوههم. لم يفضحوا الآلهة يوماً، بوجوههم الجامدة يغمزون الله ويسألون البيوت عن طعم سكوتهم المهاجرون من الثورات الفاشلة وزعماء الحركات والعشائر والطوائف، كانو حزانى فلم تنظر إليهم الشمس ولم يرم الأطفال أسنانهم إليها كي تبدلها بأسنان غزال. عين على الخسارة وأخرى على المهاجر وهو يرمي وطنه إلى الشمس.

*****

مطر بين احتفالين

حلمى سالم

فى شهر أبريل عام 1975 ، كنا مجموعة من شباب الشعراء (ممن صاروا يسمون بعد ذلك شعراء السبعينيات) متحلقين حول الشاعر الكبير سيد حجاب ، وكان حينئذ مسئولاً عن القسم الثقافى بمجلة «الشباب» التى كان يصدرها الاتحاد الاشتراكى العربى آنذاك ، قبل أن يتحلل إلى منابر ثلاثة ، بعد ذلك بعام واحد فى 1976 .
أقام سيد حجاب فى مقر المجلة (بمبنى الحزب الوطنى الديمقراطى على الكورنيش الآن) ندوة أسبوعية للشعر الجديد ، كان عمادها ذلك الجيل السبعينى الصاعد . وفى هذه الندوة - تحت رعاية سيد حجاب - تعرّف معظم شعر هذا الجيل على بعضه البعض .
فى ذلك الشهر (أبريل 1975) احتفلت هذه المجموعة الشابة - بتشجيع من حجاب - ببلوغ الشاعر محمد عفيفى مطر عامه الأربعين ، كان الاحتفال بناء على اقتراح من الشاعر الشاب ابن كفر الشيخ : على قنديل . تجسّد الاحتفاء فى شكل «ملف خاص» فى المجلة عن مطر ، شاركنا فيه جميعاً ، نحن الشباب ، وعلى رأسنا حجاب نفسه .
كان غريباً بالطبع أن يتم الاحتفال بشاعر أو كاتب لبلوغه سن الأربعين ، فالأربعون ليست عمراً طاعناً حتى يُكرّم صاحبه ، بل إن الأربعين هى بداية طريق النضج والصوت الخاص . لكن حرصنا على هذا الاحتفاء كان يعنى أننا نتنسّم أية مناسبة (حتى ولو مخترعة) لكى نعبّر لمطر عن حبنا له وامتناننا لدوره معنا .
كان مطر ، فى ذلك الحين ، يقيم فى مدينة كفر الشيخ ، حيث كان يعمل فى تدريس الفلسفة بالمدرسة الثانوية فيها . وتجمعت حوله مجموعة كفر الشيخ الباهرة : محمد الشهاوى وجمال القصاص وأحمد سماحة وتاج الدين محمد تاج الدين وعلى قنديل وعبد الدايم الشاذلى وإبراهيم قنديل وعلى عفيفى والسعيد قنديل والفنانون عبد الوهاب عبد المحسن وسيد عبده وبكرى محمد بكرى وعبد المنعم مطاوع وغيرهم كثيرون . وكنا نحن - المقيمين بالقاهرة - نلتقيهم أثناء زياراتنا لكفر الشيخ . اتخذت هذه المجموعة من مطر رائداً ، واتخذ منهم مطر تلاميذ واعدين .
وكان صدى مجلة «سنابل» التى أصدرها مطر فى كفر الشيخ فى العامين الأولين من السبعينيات ما زال عالقاً فى أذهان الجميع ، قبل أن تغلقها الإدارة فى كفر الشيخ بعد نشرها قصيدة «أغنية الكعكة الحجرية» لأمل دنقل فى أواخر 1972 .
وتشكل العلاقة بين مطر وعلى قنديل خيطاً فريداً فى ذلك النسيج . تعهّد الشاعر الكبير مطر النبتة الباهرة فى الشاعر الواعد قنديل . فصار يرعاه ويقوم خطاه ويضع فيه من نفْسِه ونَفَسِه . وأخذ علىّ منه الكثير الكثير مفعماً بمناخه ورؤاه (مثلما حدث معنا جميعاً تجاه مطر) . وفى قصيدة «القاهرة» أشار قنديل إلى مطر ضمن من أشار إليهم كعلامات درب «حيث عفيفى مطر يتسلق مئذنة الدمع» .
وتشاء الأقدار ألا تمضى سوى شهور قليلة بعد احتفالنا بأربعين مطر فى مجلة «الشباب» ، حتى تصدم سيارة عسكرية طائشة على قنديل أمام قصر ثقافة كفر الشيخ فيموت فى 17 / 7 / 1975 .
لم يكن على قنديل قد أصدر ديواناً بعد ، فهبّ أصدقاؤه وأهل كفــر الشيخ - وعلى رأسهم مطر نفسه - وجمعوا قصائده فى ديوان وحيد أصدروه من دار الثقافة الجديدة عام 1976 بعنوان «كائنات على قنديل الطالعة» وكتب مطر مقدمة ضافية مدهشة لهذا الديوان الجميل يبكى فيها ابنه الشعرى البديع ، وينير الملامح الرفيعة فى قصائد هذا الشاعر الذى قال : «علىّ أن أكون اللونَ الثامنَ فى قوس قزح» .
إذن ، نحتفل اليوم بسبعين مطر ، وليس بيننا على قنديل ، الذى اخترع الاحتفال بأربعين مطر منذ ثلاثين عاماً . نهدى احتفالنا بمطر إلى علىّ ، ابنه الذى فقده منذ ثلاثة عقود ، ونهدى تذكرنا (علىّ) إلى مطر ، أبيه الذى ثُكلَ فيه . ونهدى كليهما - الاحتفاء بمطر وتذكر علىّ - إلى أنفسنا : نحن أشقاء الراحل وأبناء المقيم ، نحن الذين قُدّر لنا أن ندمع لفقد الابن الغضّ ونفخر لإنجاز الأب الجليل ، وبين الدمع والفخر : تنفطر قلوبنا بالشعر والمحبة .

******

يقين خصومها يقترب من جماعات التطرف الديني:
كلام العرب باطل

حلمي سالم

أتعشم أن يتسع صدر شاعرنا الكبير الرائد، أحمد عبد المعطي حجازي وخصوم قصيدة النثر بعامة للملاحظات السبع التالية:
خصائص الشعر يضعها بشر، وما وضعه بشر يغيره بشر آخرون. وهو ما يعني أنه لا توجد مازورة ثابتة خالدة للشعر. وعلي ذلك فإن معايير الشعر ليست تنزيلاً سماوياً أبدياً، بل هي خلاصة بشرية لعصر، يمكن أن تعد لها عصور تالية مختلفة. فهل يعقل أن يحدد أعرابي، عاش منذ عشرين قرنا، الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه الشاعر اليوم؟ وهل يعقل أن يلتزم ناقد اليوم بما قاله ناقد عربي قديم منذ خمسة عشر قرنا؟ إن كثيرا من محافظي الحياة الشعرية الراهنة يرهبون الشعراء المجددين بجملة الأعرابي القديم: إذا كان هذا شعرا فكلام العرب باطل، وهو الإرهاب الذي يفرض علي الشعراء المحدثين ردا من نوعه، قائلين: نعم، كلام العرب باطل، إذا كان يرهن شرعية الجديد بمضاهاة القديم.

قصيدة النثر شكل من أشكال الشعر، ولم يدع أصحابها أنها بديل عن الأشكال الشعرية الأخرى. فشعراء قصيدة النثر ليسوا من دعاة نفي الآخر نفي الآخر هو ما يفعله خصوم قصيدة النثر، مسلحين بيقين مفاده: الشعر تم فيما قبل، وما عداه مروق ونشوز، وهو اليقين الذي يقترب بهم من جماعات التطرف الديني التي تقيس اللاحق علي السابق.

كل شعر يمكن أن يكون شعراً ناقصاً، حتى لو كان موزوناً ومقفى أو تفعيلياً، إذا افتقر إلي عنصر من عناصر الجمال الشعري. إن القصيدة العمودية الركيكة شعر ناقص، والقصيدة التفعيلية المفتعلة المفتقرة لصدق التجربة شعر ناقص. وليس النقص صفة خلقية (بكسر الخاء) في قصيدة النثر. وهل هناك شعر كامل؟ أليس الكمال لله وحده؟. نحن نعرف أن العلم نفسه الذي تحكمه القوانين الرياضية والطبيعية ليس فيه علم كامل، فما بالنا بالعلوم المعيارية كالفنون والآداب التي تتصل اتصالاً وثيقاً بتطور المفاهيم والثقافات والمعارف، وبالتباين الاجتماعي والحضاري من دولة لدولة، ومن عصر لعصر، ومن طبقة لطبقة.

نعم، استغل الركيكون والضعفاء قصيدة النثر وركبوها، لتغطية فقرهم وقلة رزقهم الجمالي، لكن هذا هو عين ما حدث في كل تجربة وكل حركة وكل عصر. الضعفاء وفقراء الموهبة استغلوا شكل الشعر العمودي وركبوه، ولم يبق من شعرائه سوي ما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. والضعفاء وفقرء الموهبة استغلوا شكل الشعر الحر (شعر التفعيلة) وركبوه، ولم يبق من شعرائه سوي ما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة، إذن، فركوب الانتهازيين للموجة ليس صفة خلقية (بكسر الخاء) لصيقة بحركة قصيدة النثر دون غيرها. ولو لم يبرز بحركة قصيدة النثر الراهنة سوي خمسة شعراء لكان ذلك نجاحا يعادل نجاح التجربتين السابقتين: العمود والتفعيلة. وليس من العدل النقدي والإنساني أن يقارن خصوم قصيدة النثر بين الرديء فيها وبين الجيد في سابقتٍيها. فلو أن أصحاب قصيدة النثر انتهجوا نفس السبيل (مقارنة جيد قصيدة النثر برديء قصيدة العمود والتفعيلة) لجاءت النتائج فادحة وفاضحة.

ولنتخيل، مثلا، النتيجة لو قارنا قصيدة نثر لمحمد الماغوط أو قاسم حداد أو أدونيس أو أنسي الحاج، بقصيدة تفعيلة لكمال نشأت أو مجاهد عبد المنعم مجاهد أو كمال عمار أو فاروق جويدة (وبعضهم من رواد حركة التفعيلة)، ألن تكون النتيجة مؤلمة لخصوم قصيدة النثر، وتدميرا لحيلتهم الخبيثة في مقارنة رديء هذه بجيد تلك؟


قصيدة النثر في البلاد العربية ومصر ليست غربية ولا مستوردة ولا نباتاً شيطانياً. إنها تطور طبيعي وصحي في سياق التجديد والتجريب وكسر الجمود الثابت، الذي يعيشه الشعر العربي الحديث منذ ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين. كما إنها ذات جذور تاريخية قديمة، منذ الفراعنة والبابليين والآشوريين، مرورا بمتصوفة الإسلام ونشيد الإنشاد، وصولا إلى أمين الريحاني وجبران وحسين عفيف ومحمد منير رمزي وغيرهم.

وهنا نؤكد أن من حقنا أن نصنف في خانة الشعر بعض ما كتبه القدماء نثراً. فإعادة تبويب تراثنا حق لنا وواجب علينا. وسيكون من العبث أن تدخل قصيدة إخوانية عمودية أو تفعيلية تافهة (من العصر الجاهلي أو الإسلامي أو الحديث) نطاق الشعر، بينما يخرج منه نص نثري للنفري. وهو عبث يدل علي عبودية تعني أننا ننصاع إلي الاندراج في الأقفاص التي اختارها لنا السالفون، من غير أن نعمل ما فينا من وعي أو إرادة أو تطور. كما نؤكد أن كشفنا الجذور التراثية القديمة لقصيدة النثر لا يعني أننا نبحث عن شرعية قديمة للظواهر الحديثة، فليس القديم هو مبرر الجديد أو شارطه، مثلما يري السلفيون. إنما نلتمس تلك الجذور القديمة كمجرد رد إجرائي شكلي على زعم خصوم قصيدة النثر بأنها مبتوتة عن تراثنا القديم وملحقة بالتجارب الغربية. أما المبدأ الجوهري فهو أنها تطور طبيعي في مسار تجربتنا الشعرية الحديثة، حتى لو لم تكن لها شواهد سابقة وحتى لو كانت مستندة إلي تجارب أوربية (وإلا فأين تلاقي الحضارات)

إن شرعية وجودها هي في وجودها الراهن نفسه. وفوق ذلك كله، فإن الأجدى أن يفكر خصوم قصيدة النثر في أن هذه القصيدة إنما هي تعبير عن حاجة اجتماعية ووجدانية، وتجسيد لضرورة ثقافية وجمالية تستشعرها شريحة من مجتمعنا المعاصر، طالما أن تياراً كاملاً واسعاً من الشعراء يكتبها في طول البلاد العربية وعرضها، لاسيما إذا كان معظم الجيدين من شعراء هذا التيار هم من العارفين بالعروض والأوزان معرفة عميقة (تجلت في شعر سابق لبعضهم)، وليسوا من الهاربين من الوزن بسبب العجز عنه أو الجهل به (وليس المجال متسعاً الآن لتفصيل هذه الحاجة الاجتماعية الجمالية)

المجاز والموسيقي شرطان للشعر (بل شرطان لكل الفنون ولكل مناحي الحياة) لكن المجاز عديد وكثير ومتنوع، وليس مقتصراً علي المجاز اللغوي البلاغي القديم العقيم، بل يتجاوزه إلي مجاز المعنى ومجاز المشهد ومجاز المناطق العمياء في الروح ومجاز المسكوت عنه في النفس والحياة ومجاز كسر المجاز. كما أن الموسيقى أوسع من الوزن الخليلي. فالوزن الخليلي ليس هو الموسيقي بالحصر، بل هو إحدى صيغ أو هيئات هذه الموسيقي. وعليه فيمكن لنص شعري أن يخلو من الوزن من غير أن يخلو من الموسيقي. تلك الموسيقي التي يمكن أن تضم بين عناصرها الكسر والارتباك والنشاز، باعتبارها مفهوما أرحب من الوزن الخليلي الهندسي المقفل!

علي أن الأهم في هذه المسألة أن خصوم قصيدة النثر يحصرون هويتها في الخلو من الوزن، بينما هويتها الحقة أبعد وأعمق من مجرد الخلو من الوزن (ولتفصيل ذلك مجال آخر).

إن وزنية' القصيدة ليست علامة علي شعريتها، وفي المقابل، فإن نثرية أو لا وزنية القصيدة ليست علامة علي شعريتها. ومثلما أن قصيدة النثر تعبير عن حاجة اجتماعية وحضارية وإنسانية لدي قطاع من أهل العصر، فإن القصيدة الموزونة لازالت تعبيرا عن حاجة اجتماعية وحضارية وإنسانية لدي قطاعي من أهل العصر. فلنحذر الحكم المطلق الجازم علي الجانبين، لأنه ضد العلم، وضد الحياة، وضد الشعر. أما كلام العرب القديم فسوف يظل باطلاً، طالما ظل سيفاً مسلطاً علي رقاب العباد المعاصرين، وقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا.

أخبار الأدب
17 يونيو 2001 - العدد 414)

*******

أعلى