فهرست الظلّ والضحك
أقف طويلاً جداً، بلا عكاز أو ظلّ
من علّمني
هذا الوقوف المتطاول
إلا العتّالين الأوغاد
الذين فلعتهم الشمس بمحراثها؟
من أقامني هنا
كشظية عارية،
أو سديم متناوم،
إلا البرق المشبع بالقهقهة؟
من أنزلني في هذا العراء
المذبوح بالصيف
إلا النقمة المضببة
التي يسيل لعابها
على الأرصفة والطرقات؟..
***
قولوا لي أي حزن أنا
وأي طريدة؟
أي فقدٍ
وأي لقاءٍ يأكل نفسه
بشهيّة طيبة؟
قولوا لي لماذا يصهل حصاني
بينما أنا في فرو الدب؟
لماذا أنتعل هذا الخفّ الأسود
بينما النجمة الوضاءة
يسيل مسحوقها الذهبي
على سرّتي؟
لماذا أظلم نفسي
بينما أرفع بيديّ القاضي
كي تجففه الشمس؟
قولوا لي
لماذا في هذا التطاول الأهوج
أصير اثنين؟
لماذا تدخل من قدميّ الزهرة
ويخرج من رأسي الهاتف؟
لماذا عندما أجيء
أتدحرج في ألف سنة غابرة؟
لماذا عندما أرحل
أتقدّم كائناتكم القادمة؟
لماذا عندما أتلاشى
أندلع في فتيانكم وصباياكم؟
لماذا عندما أتقزّم
أتعملق في طائر الطلع؟
لماذا عندما أموتُ
أطلّ برأسي من وراء سور الحياة؟
***
أجفل من هيئتي
فأصير نحّاتاً
كي تقع فيه صورتي القديمة..
أنتحلُ يد الخبّاز
كي أدفن العجينة الحقيرة
في الرغيف الحارّ..
أتصبب عرقاً
فأنشر عنقي
كي يرتفع رأسي إلى السماوات..
أمضغ النبتة
في سوق الألعاب
وأبصقها
في المواخير الخالدة...
***
طويلاً جداً،
لهذا يأتي إليّ المنجمون
كي يعرفوا الغيب،
والسحرة
كي يصطادوا المياه،
والقديسون
كي يقرأوا الكتاب في المصباح،
والمومسات
كي ينتحبن في الظلال التي للأعالي..
***
طويلاً جداً
بلا عكاز أو ظلّ
كأنني أقول أنّ الأراضين فوق
والسماوات تحت أقدامي
كأنني أقول أنّني لا أعرف
كلّ الذي تعلكونه أيها الشعراء
كأنني أقول أنّ العكّاز
دحرجني إلى أعلى السلالم
وأنّ الظلال
قد اختنقتْ بي
وتيبّستْ
كالتمثال المراوغ...
تحوّل
بسبّابةٍ متغضّنة
كنتُ أرشِدُ الموتى إلى السفينة
وأنوح في داخلي
مثل طاحونة ابتلعها القمح
وسخر منها الغراب...
بجناحين مكسورين
كنتُ أحملُ ظهرِيَ الغائرَ
إلى مذبح المنسيين
لأصيبَ قطعة من عُواءٍ كاذب
وأقرأ َ كتابَ المريض ِ الأخير
بجبهة مفلوعة
بحجر ٍ
يسقط من نجمة مهجورة:
كنتُ ألبي الخطوة اللابثة
وأحجّ القدمَ المستوطن
في دمعته المغرورقة
بذراعين من هذيان وكوابيس
كنتُ أرمي القـُرصَ الأسودَ
الذي لا يفترّ عن مسافة أو رمية
غارقاً في اليدِ التي تأكل نفسها
****
والآنَ الآنَ
وقد مدّتِ النخيلُ طلعَها إلى لساني
مثل عضّاءاتٍ تتلهف على السرّ
والآنَ وقد هبّتِ سلاحفي تعدو وتطير
كرصاصة لا تعرف الرحمة
والآنَ الآنَ وقد أسعفني الطوفان
بدمه
ودموعه
ومنيّه
وعيون نسوره الجارحة
والآن وقد أرضعتني الزوبعة
من ضرعها الوثير المُبارك
والآن وقد حرّكني الخصبُ المقدّس
وعابثتني النـَسمة ُ الداثرة
سأضرّجكم بالمحبة المخجلة
سأهيء لكم العار
على شفا شبرين من رؤوسكم
وأرفع عنكم الوردة
كي يُصيبَكُم صُداعُ الحُلم
كي يفتِنـَـكُم غرقُ السفينة
المائلةِ إلى المَرجان واللازورد
الآن وقد حرّكني الوَسواسُ المرّقط
اعتاشوا أيّها الجميع
على حجر اليقين اللمّاع
الآن وقد عانقتُ الغيمة
تمنّـُوا المطر
الآن وقد رفعتُ البحرَ في قلبي
صيدوا الأسماكَ الذهبيّة
الآن وقد كتبتُ الخشبَ في مقام الفراشة
اتكئوا على طاولاتكم
الآن وقد نفختُ في روحِ السماء
تكدّسوا على لوحات "بيكاسو" الزرقاء
أو على مجنونة "بْروجُل"
الآن وقد حصحصتِ المكيدة
كونوا رُعاة العصافير الحديدية
الآن، يا أشباحِيَ المتورّمة،
كونوا أسعد شعبٍ في العالَم...
لعابُ المجنون
شيطان المرايا
ابن الغول
أوله رخ
آخره قمر يسقط على صيادين
فيتحولون أسماكا سعيدة
أنا هنا في الكهف المتحضر
أحيك أسمالاً للأبدية
أصيد لكم حجارة تصير سفناً لأرواحكم
رملاً يأخذ الطيور إلى ريح
أنا هنا بلحية كثة
أطلقتها الأزمنة
بلعاب مجنون يبني النسور
بلهفات مجففة على قبور الأسلاف
بعظام تسند خيمة العالم أن تقع على منخريها
هاقد آن لي أن آخذ مجانينكم
وأطفالكم
إنهم شعبي القادم
أنا الشاعر الناقم على الأرض الجريحة
تقاسم
أتقاسم وإياكم
الأذنَ المرهفة للبيادر
الخلاخيلَ التي تزنرت بها الجبال العتيقة
الحربَ التي ستدوم في عيون الأطفال
أتقاسم معكم الغيب الحرون
الصدفة التي تقيّد الملوك على العروش
الكآبة المفيدة لقراءة التاريخ
الأشجار الحارة التي تعرف الطريق
أتقاسم وإياكم الموت لقمة لقمة
متورداً وضحّاكاً
برائحة النعناع
الموت المكنوز بالسفر والنوافذ
الموت الواقف قبالة الباب
الموت الأبيض الذي يستقطر العطر
أتقاسم معكم الغبار والنثار
الحرير الذي أومأت به الجهات
الفراغ المدمن على اليوجا
النمر الذي مرّ في الحلم
الكنز المشرد في الحانات والمرافيء...
رأس الشاعر
لا محالة أنني أتيت إلى هنا
هكذا التفتُ إلى ورائي
إلى ضحكتي المعقوفة
تجمع رمّانتها وتبكي
جافة وغبراء
في بلاد لم أكن فيها
في طرقات تهابها الأشباح
في مياه لا يدسّها المجانين...
لكنّ المجانين إخوتي من
الدم المظفر بالسكْر
بعد آخر شجة للرأس المقدس
لذلك سأترك تلك الضحكة وحيدة
تلعب بأخلاقها الدموية
مسلولة من
الغريب الميت في العيد
سأترك الضحكة
تجلجل في العصافير الراعفة بالنشيد
ملثمة كالبرق
الذي يحمل عروسه إلى الفردوس
وعندما يغدقها بالحب
ترتعش الغيوم
كالأجراس...
لا محالة أنني ظلّ يهوي
معبأ بالضحك
والأعمدة
مديداً يشهق بالحجارة المسننة
التي لا تخطيء رأس الشاعر...
صحيفة جسد مسجى
أظنني بالكاد ذاهباً للريف ثملاً
اسكروا عني
سأنام وحيداً هذا المساء
ها أنذا
أرفع الكؤوس إلى شفاهكم
حاملاً وردتكم إلى الحبيبة
ولهفاتكم المصابة باللازورد إلى القُبلات
لكنكم عندما تصادفونني
احملوني إليكم بالنسيان والكتفين
احملوني نعشاً
إلى الرقص
كي أخرج من خيمتي التي في الأعالي
وأنخلع في العري والحنان
أنا الميت – فحسب - من الضحك
اقرؤوا عليّ كثيراً من السكْر
واشمخوا في الألعاب
بعيدةٌ أيتها الحياة
أيتها الحياة
لا أعرفكِ
من أنتِ ؟
طرقتِ عليّ البابَ
وغيلة دلفتِ
طوفانك أخذني من قميصي
كحدّ النصل
غارقاً في قلبي
ودواليبك التي روضتُها عربة لي
أسكنتني الحفرة الغريبة...
هكذا يقولون عني الآن:
" إنه هناك.. هناك "
لكي تكوني عارفة
أنكِ بعيدةٌ
وأنكِ عنوةً
فتحتِ الباب
قريبة أيتها المخيّلة
انمحي أيتها المخيلة
ارميني على الفراش
مريضاً بالصمت المغرورق باللذة
دعيني أغبراً
كأنني بئرٌ يقرفص في عينيه
اذهبي بعيداً عني
فقد لحقني عار البريد
أنا حقيبة الساعي
إلى الجميلة
وكلّ الرسائل إلى ريقها ...
ارحلي
فلديّ الشعاع الأخضر
المتحدر في كهوف اللهفات
لديّ الوردة التي لا تزهَق روحها
ارحلي
قبل أن أتحول إلى ذئب
فريسته الكلمات
وزاده عظمك الأخير....
أنا والديدان
ما الذي سيتبقى لي
بعد أن تقرأ الديدانُ
كتابي..
بعد أن تنهشه
حناناً بعد حنان..؟
ستحفظ حتماً قصائدي
التي كنت أنوي اصطيادها
من فم المجرات
ستتعلم المراودة والسهو
والقُبلة
سيلفحها الهواء الذي حلمت به
ستختفي في اللذة
سعيدةً وعذراء وراحلة...
حسناً دعوني أعبر بطريقة أخرى
سيتبقى لي مخلبان
أنشبهما
في جسد الأبدية
وأنام طويلاً طويلاً ...
قرد سكران
كلما أرجأتني المصائرُ يوماً آخر
قلتُ سأقنص غزالي هذا الفجر
سأقبض على الطير
حارّاً
مباركاً بالدَيْر القديم
عندها
يطلع من جبيني قردٌ سكران
يقف في منتصف الطريق
فلا يعبُرُ أحد
أجرّ خيوطاً كالتي
رطّبَتْها أمي العنكبوت بلسانها
أفلِتها في الريح
فينهار العالم
وتشرق الألعاب
موتوا أيها الأحبة...
قُبلة
هكذا تطعم الأرضُ الغرباء
هكذا تغني لهم
قُبلة طويلة أخف من دبيب النمل
تأخذهم / تأخذني
إلى كنزها الملثم بالقرب
تسمعني الشهوة
المسمومة للشعراء
تختفي في حدقتيّ
تكنزني بالطيور والجزر
ترص سمّاعتها في أذنيّ
لتشمخ الموسيقا في الوديان...
أنا قريبٌ جداً
أنا في السرير الأرضيّ
أُحْــبـِلُ الرملَ
بطفل الأبد ...
خلاص
أتوق إلى مناولة أشواقي للمقصلة
أن تزدرد الريح ستارتي بضراوة
أن يبتلع البحر رأسي
بخبثٍ ضروس
أن يشكّ السهم أعماي
أن أتحدر إلى الهاوية
التي لها صحصحان
أن يُسلمني الشلالُ إلى النوم
أن تتناوب المدن
جثماناتي السعيدة...
أتوق إلى نهبكم جميعاً
وأن يخرج الموت من بنصري
يضّاحك
يتناول فطور الصباح
ويغني للزهرة الدموية
أتوق أن أرمي ببضاعتي للنار
أنا التاجر الخاسر ذو الكنز
أتوق أن تقلني المراكب بعيداً
بعيداً عن رأسي المثقل
بنقيع أشجار فاسدة...
سارق التوت
هكذا أقطع الحياة
من دغل إلى دغل
من برية إلى برية
من بحر إلى بحار مديدة لا تنتهي...
لكنني توقفتُ هنا
في هذي الحديقة
ألقمونني فيها توتاً
يعرّش كأنه الملائكة والأشعة الخضراء
تناولونني بحبّ
أنا سارق التوت قبل الآن
تركوا لي أيديهم الرهيفة
منها يدُ عاشقة حارّة
غطوني بغلالة الحصاد
أومأوا لي
أنِ اذهبِ الآن إلى الموت
لكَ طائرٌ خلفكَ
لكَ ضحكةٌ لن تنفجر إلا في المحشر
سيلتفت الله لها
وستكرّ المخلوقات عائدة إلى مهدها...
بلل الليالي
مرّت الليالي
كثيراً من الضحك
لهبَ أنفاسٍ تتدحرج قُدّامنا
أناساً حفاةً متلفعين
يشيلون ماءً في مخلاة
ينفخون فاكهة في مصحّة
يقصون الفنارات بالمناشير...
بللُ الليالي
يبقِّع الخيال
له في النهارات
رائحة القصائد
له الأمل
المزروع في آخر العالم
له البيضة المكنونة
التي لن يذوقها الفرسان...
بللُ الليالي
يسيل في وجه الشمس
فتذروه الأشعة رويداً رويداً...
بلل الليالي السمراوات
يذهب في صحبة الموتى
النائمين بلا اكتراث لصياح الدِيَكة
لدبّابة الوظيفة...
ها أنذا في العراء
أتوسد ليلة أخرى
أحشو حلقي بالنجوم والضحك
إنها غريزة النوارس المجنونة...
حُـــلْـم
الـمَر ِحُ
الكائن الطازج الأنفاس
وليدي الجميل
الذي ليس أكبر من بذرة
الذي ليس له شكل
لأنه يشبه نفسه
الذي يسأل عن الألعاب النفيسة
مبتهجاً - لِصق باطن كفَّي-
يحدثني عن العسل دون أن يتكلم
يقرأ في دمي سَفـَراً
وهو لا يعرف المدرسة واللوح
بعذوبةٍ نتدحرج سوياً
في الطريق
في الحُلم
كأننا صلاة مسحورين
يذوب القمر في أطرافهم...
ألعاب
يا ذرور الأشواق
اسّاقطي على صفحة وجهي
غائمة هي الروائح
فريد هو الزمان
يا بذور السُّكْرِ
العبي كالفراشات
في حدقتيّ
المغمورتين بالفراغ الأبيض
بالنشوة الأمينة
اصعدي بي إلى السماء
أيتها العذوبة
وأنا جالس لِصق نخلة
تفرط في حنانها للبحر
قرين
الظلّ يتبعني
يتصور نفسه حقل خشخاش
الظل أنا
ناقماً من جسدي العاقّ
من مروءتي الحرونة
الرقص في البحر
رائحتي رائحة الحوت
جئت كي أبصر في الأزرق
ما تبصره اللؤلؤة في ليلها
لي عذر السهر
لي حُــفَــرُ الأشعة
الزبَد مليء بالطيور
الزبَد طائر الحنان
وأنا أمسك بعينيّ
كيلا تقعا في الماء
كي أمطر في رائحتي
تعلمت الوقوف هنا
السفن صديقاتي النائمات
البحارة يعملون في قلبي
الروح تخرق الآخرة
وتجول في الأول
معي سيفتح البحر كتابه
معي سأسكر يا حبيبي
معي سأرقص في القرية المخبأة
نحيلا
هذه هي العجينة التي أُعطِيتُ
والرماد الذي ذرته القرون في جسدي
والحروب/اللغز التي
ألقت حطامها في رأسي
أرتعش
لا أصدق الشمس
أتعفن
لكنني رائج في سوق الحياة
هاأنذا أمشي بقدمين
ولي أسنان تنتظر
قضم تابوت الجسد الناحل
في الظهيرة الزرقاء
موسيقا الروح
مخاضُ نجمةٍ
يملأ القبةَ السماويةَ
بنجومٍ داهمها الجنونُ والسُّكْر
موجةٌ تتحرق لصرخة مديدة
فيولد البحر
هي ذي الروح تملؤها الموسيقا
بالغمام واليتم
مبللة الشفتين بندى الوردة
محلولة الشعر
في لفحة السماء
التي رحل عشاقها
أو استيقظوا في بستان ليس لهم
هنا لي عكازٌ من الألم
لي مدائن دائخةٌ
تلمسني في النوم
ــ أنا الذي لاأفرق بين الحُلم والحَدَقة
بين الطريق والخبز ــ
هنا أعرق وأتشبث
هنا أنفلت
وأضم رأسي في النيء والطلع
هنا ألعب برائحتي
فيرقص الحقل في الصيف
هنا لا أقيم أبداً
أنا المضمر في كلّ الأشياء
الروح كارثةٌ تتهددني
فلأعترف بقميصي لها
فلأحلب من صدرها
حتى تستيقظ إلى جواري
مذهولة بإكليل الغار على جبهتي
أنا وليدها وأمها
هي التي توميء لي
أن أعرفَ
الحَنَكَ والسرّة والغار
وأن أخبيء عينيّ
في وثبة
غزالة ركّاضة
لا تراها الريح ...
سكران
ألحظ الظلال بيضاءَ بيضاء
ينبثق أبيضها بين خطوط وشبابيك
تدهمني الصورة
أكاد لا أرى
إعيائي حالمٌ
والنجومُ حبيباتي
أسمعُ آخر أغنية للعربة
وهي تأفل في آخر الدرب
أصغي للصمت منتحباً
في اللذة
أسمع قلمي وهو يكتب
في رأسي
أتوسد هذي الليلة
بجلّنار وياسمين
وقنديلُ العاشق
يضيء أضلاعي
يها القلب رويداً
ولتخرّ إلى العتمات
تتنفس الزجاج
والأكواب الفارغة
ما تبقى لي
ماذا تبقى بعد
في الرحلة الكالحة ؟
ماذا تبقى لي يا صديقي
الذي اضطجعتَ
في تراب الغائبين؟
ماذا تبقى غير موسيقا
أدخل بها سوق المجانين
أطرق بها الصدأ
فتنبجس النار
في محجريّ
أضحك فيرمونني بالحجارة
أصمتُ فيتكيء الجمع على كتفيّ
أنامُ فيتوسدونني
كأنني حذاء الخرافة
أصومُ فيلقمونني العسل
أجوعُ فيُهْدونني الحيةَ المرقطة
ماذا غير موسيقا النمر
تقرفص في أحشائي
أعدّها نغمة نغمة
حملتها في الطريق
أمانة في الرأس
وحيدة لي
أنا سيدها اللص
مجنونٌ وطائر
المجدُ لكِ أيتها الحياة
المجدُ لكَ أيها الموت
هو ذا الطائرُ
مسلولاً من شهوةِ الغيب
ممسوساً بأناشيد الجمالِ والرعب
يجتاز دروبَه في زحامِ الأشياء
مصفِّداً وردَتَه في القلب
منغّماً أيقونة الأجنحة
عندما يهوي تُشرِقُ الشمس
عندما يُقلعُ تزرقّ القصيدة
عندما يحلّق
يمضي السُّكرُ فارعاً في قلب العالم...
المجدُ لكِ أيتها الحياة
المجدُ لكَ أيها الموت
كلّمني المجنون
كلّمني المجنونُ وحدي
نفخ في روحي السَّفَر القديمَ للسموات
العنفوانَ المضمرَ في
الغيمة النوّاحة
الثراءَ الخصيبَ
في أناملِ العابر
العطشَ الذي أثمرَ
الذي مرّ ولم يمرّ
اللثغةَ الهاذيةَ
في كابوسِ الشاعر...
المجدُ لكِ أيتها الحياة
المجدُ لكَ أيها الموت
بطائرٍ ومجنون
أراقصُ الأبديةَ
بخصرها النحيل
سيرة كلب
بعد سبعين عاماً
من النُـبَـاحِ
على اليابسة
هو ذا الكلبُ الحزين
يدخلُ الماءَ
سبّاحاً
يحمل على كتفيه
جريرةَ الماضي
وعدميةَ الزمانِ القديم
لن ينبحَ الكلبُ بعد الآن
بل سيرتعش في جوهرته
التي اكتشفها للتوّ
حتى أنه لن يفرّقَ بين الحياة والموت
بين الطيران في الهواء
أو الغرقِ في المجرة الحُـلُـمية...
سيرة نخلتين
كرّت السنواتُ
سنةً إثر أخرى
الأسلاف يتحادثون في التراب
والماء يعانق الماء
وحدهما نخلتان فارعتان
بأجنحة سعفية غُـبْر
تنحنيان على بعضهما البعض
صداقتان في المطلق
زواجان في الريح...
وحيث أرخبيلات الخليج
تسقيهما بشرف الملح
كلّ نخلةٍ اسمها سُـهى
مشدودة إلى شِـعر الموتى
كلّ نخلةٍ اسمها سُـهاد
في هواءِ
الذين يولدون الآن...
ممشى
في رحلتي القزحية
صوب السماء
- وأنا أصغي للمعري ودانتي-
تشبثتُ بعربتي العاطلة
بجوادي الصنميّ
الذي لا شأن له بالريح والمسافات...
كنتُ عارفاً بأمر القفزة وحدها
القفزة الصارمة
ولكنني
– أنا الممتليء بالنقائض والمدهشات-
سأدع ذلك كلّه
للمشي الهوينى
على الثرى الذي من عيون الجميلات
كما حرضني الخيّام
في حنانه الخارق
سفر
أزرع باباً هنا
لكي يتهدّم البيت
نكاية بالسُّكنى
أقيم بيتاً هنا
بلا باب
كي تمرح الوطاويط والأشباح...
أدخن سيجارة
في جزيرة نائية
لكي يجفّ دمعي
ويذهب قبري وحيداً في الماء
مثل سفينة خرجت للتوّ
من رحم الدنيا
طالعة من الولادات السكرانة
من الرقص والبالونات
والوداع اللامهندم
الوداع الذي يتعجب من أمر الدنيا
ويبكي من فرط السعادة
عزاء
حين تكون الديار حارّة
لي ندفٌ طفيفٌ
في الروح
حين أتعثر بالصخرة الهائلة
أرفع قبعتي من الطريق
وأسحبني إلى المقهى
كي أحمي ظلي
ولأنني في العامِ البائدِ
وفي يوليو بالذات
رايتي سأرفعها في القلب
متذكراً أول سنونو
على هذه الأرض...
ضاجاً بالضحك أيضاً:
كيف تخلّق هذا النشيد !
تحدي
ها قد أصبحتُ عجوزاً أيها الربيع
ها قد فعلها الزمن الجبار
راحلاً للنوم الأبدي
في أرض الخالدين
لكن قبل ذلك
سأهز الشجرة الهائلة
لكي تسقط كل الثمار
في سلالي المتلهفة
سأجثم على نجمة الفصول
بكل ما أوتيتُ من قوة الفتيان القديمة
واضعاً إياها في لجة القلب
هكذا سأكون قد حملتُ كتاب الشاعر
وحللتُ في ربيع الحديقة
معجزة
أفيض من الشِعر
الذي ليس لي
أرقص هنا
وروحي طاعنة
في الينبوع
الحياة
اشتقتُ للمنشار
الذي يقصكِ من خاصرتي
اشتقتُ لانتزاعك
يتها الشوكة المسمومة
التي لا تودي بي إلى جبل
يعصمني من
الأنفاس
شجرة الحياة
أيتها العافية
المضاءة كقنديل
في عتمة المصادفات
انتزعي شجرة الصبر عني
واتبعي نسائم الموت
كفراشة سدّدها التيّار إلى هاوية
هنالك تصادفين
ملكة الروح
المتوجة بالزنابق
وأكاليل الغار
هنالك تحزم النهايات أمرها
في رذاذٍ دائم
شبِقٍ ومعسول
هنالك أيتها العافية
ستتفتح حدقتاكِ
على الشجرة
التي لا تموت
أسطوانة
"الحياة مزرعة"
سأردد هذه العبارة حتى أنام
مصفوعاً بأهوال الأمس
أنا الفلاح
الذي زرع فسيلة هناك
ونسيها في قلبه
أنا المعتوه الذي قبضت عليه الأشجار
في ديدنها...
الحياة مزرعة
سأصدّق ذلك
وسأرمي الوردة الوثنية
على الحلاج
وعلى صديقتي:
أعني ذاتي الواقفة في الرّعب
سأم
عبثاً أعدّ أعمدة النور
المصابيحَ التي في عيون العابرين
الشهواتِ التي أسلمتني إلى نفسها
الشهواتِ التي لا أعرف بعد
الرقعَ الشطرنجية التي سأتنزل فيها
عبثاً ألتحف بمساءٍ مقصوص الصدر
وهواءٍ أفسدته السنون
وكبرياءٍ مُرِّ المزاج
عبثاً أغني هنا
وسحابتي بعيدة
وطيوري مهدّدة
عبثاً في هذا العُلُوّ
أن لا أسقط بين يديّ
وأن لا يقع كتابي
على كتفِ عابر
في طريقه
نحو الحقيقة المخاتلة
سراب
تطعمني النجوم من قلوبها الرحيمة
أنا المتلصّص على مائدة الله
بكؤوس من اللوعات
والطريق...
كأسي وثيرٌ
ومائدتي ألق...
مكاني حصيرة من التراب
ومهدي أيقونة يعلقها
البحر في رئتي...
هكذا أسير
تظللني حُـمّى الزهرة
الطالعة في الـ
وادي
الأعمى من البياض
مترعاً بالجنون
وأباريق السرّ...
لي في كلّ التفاتة شجرة
تتحرّق للأعالي
لي في كلّ إغماضةٍ
قفزة نمرٍ بريّ
إلى
اللذة الهاربة
نشوة مباغتة
أشتبكُ مع الهواء
أشدّ قميصَ الغيمةِ البليلةِ
الفارغة
نافضاً إياه في بُشرى البلح
أركض إلى ثدي محبوبتي
لاثماً بهجتي المجنونة
مستسقياً حريرَ العالم
أحادث النوافذ المفتوحة
كأنها مرصودةٌ لمهمة إنقاذ
ألقي على البرتقالة تحية القوة
أُصعِّدُ اللوحاتِ إلى محجريّ
أكيلُ أجسادَها برعبٍ أكثر
وجمالٍ مُشّقِقِ المدر
أسمع قهوتي وهي تتنزل في قلبي
وسيجارتي ليست سوى طائر
يبلغ تخوم البرية
المغسولة بنشيد الطوفان
تسفحني سكرةٌ مفاجئة
فأعود مبللاً بماء إغماض العينين
ممتطياً حصاناً أعمى
كارّاً في صيد الأحلام
جافلاً في شكّ المسافة
وداع
لن أعود يا حبيبتي
لن أطلع بعد الآن
في مدينتك العسلية
لن أحفّز بريدي إلى
صندوق ذكرياتك
المحروسةِ بالقُبَـل والنبيذ
لن أتدفأ في صباح ثديك الأصهب
لن أصعد إلى شرفة سُـرّتكِ العالية
سأقف هنا في عين الشمس
أجمع في سلالي العدمية
الحرائقَ التي تمرّ في عين المسافر
أحصنة من نار
تصّاعدُ في لُـعاب المسافات
سأهديكِ يا حبيبتي الآن
رأسي النائمَ في طبق الموت
دحرجيه الآن يا حبيبتي
إلى الجُبِّ البعيد
إلى حيث أسكن
مشدوداً إلى الصمت السكران
إلى الذكرى المنقوعة الشفتين
إلى اللذة المحتشدة في عين الميّت
ترنيمات المسافر على كتفيه
-1-
جـُنّ جُنوني أيتها المدافن
جـُنّ جنوني أيتها المعابد الصدئة
أيها الغبار المؤبـّد ...
جُـنّ جنوني
وعليّ أن أطير...
عليّ أن أفتح دواليبي
وعجلاتي
إلى زهرة النار
إلى الشمس
التي خبط على أديمها
العميان والمجانين والرّعاة
الذين تلقفتهم الشموع والأوردة
فباتوا ينوسون بأعناقهم
مكتفين بالمهبّ الحكيم
بالرياح المُسـْوَدّة من الألم...
جـُنّ جنوني
وعليّ أن أفتح أجنحتي
للعيون
التي يتدفق في بيدائها
ليلُ الشاعر
الميّـت من الفرح
ليلُ الشاعر
الذي لا يموت...
-2-
أيُـها السعادة
كدتُ أضيع
جهة البحر
كادت الصخرة
أن ترتطم
بسفينتي الصافية
كادت الحيتان
أن تأخذني مَأدُبة
لزعانفها المُوَلـْوِلة
كدتُ أسقط
في الحلق اليابس
في اللهو المتكسـّر...
ولكنّ صُـرّتي
التي وراء ظهري
صُـرّتي
التي ليس فيها سِـكَين ولا مدفع
صـُرّتي
التي فيها بضع قصائد
بلا عناوين
كانت تميمتي
التي تغرزني كلّ مرّة
عموداً من لهب
في قلب الشواطيء
التي يرهبها الماء...
-3-
وعندما ازرقّ الحنان
لم أجد إلا معطف الرّماد
لكي لا أتشرد في فـَـناء العالم...
وعندما فار التنـّور
كان الفنارُ البعيد
يوميء إلى عنقائي اليتيمة
المرتعشة في رماد السماء...
وعندما غرقتُ
بين أكتاف الأسوار
كانت حبيبتي
السـُـلـّمَ الأوحد
الذي
يلجمُ الزوبعة...
-4-
ثم إنني أنحني للطيور
لأنها تتعلق مثل السناجب
في حناجر الهواء
أنحني للبذرة
لأنها تذرف عيون الأشجار
أنحني للبَرْد
لأنه يلدغني
في قصيدته المتعافية من السُـمّ
أنحني للصيف
لأنه يفـْـرط في حنانه لمجهولي
أنحني للأقلام
لأنها تكتبُ
ما لم يكتبه أحدٌ بعد...
-5-
لو أشرقتُ مرّة
ما غادر العالمُ عصافيره
لو ذهـِلتُ ذات مساء
ما تخلـى القلبُ عن المنجم
لو صحوتُ في الموسيقا
ما ركضتُ إلا إلى الحرائق
لو كبرتُ وأنا طفلٌ
ما هززت إلا شجرة المجانين
لكي أعيدها إلى لا صوابها
لو تلفتتْ طفولتي إلى كهولتي
ما شربتُ إلا من ماء البحر
وما تحطـّم رأسي
إلا على شهوة الرذاذ...
-6-
وعندما ستكون لي قـُبلة
سأوجّهها إلى المجداف
سأذهبُ بها إلى المحيطات
لكي أرفع شهوتي الوثنية
بكبرياءٍ مـُرّ
بصمودٍ تتحرق عيناه
يضـّاحكُ
في ريح الشمال
-7-
أمحو وأكتب
أكتبُ وأمحو
المجد لطوفاني
الذي يأخذ رأسي
إلى المكتبات فتنهار
وإلى الأسرار
فيتعلق قميصي بها
وأنا أنخلع وحيداً إلى النبع...
المجد للحقيقة
وأنا أقصّ ذيول عقاربها
بمناشيري
وأشذبُ حدائقها
بطرقاتي المتهكمة
وأحملُ أعمدة نيرانها
على ظهري
فيتفرق الحشد
عن مجنوني المقهقه...
المجدُ للموت
أفرّ من تماسيحه
فتنفردُ بي أناشيد البحـّارة
وتشمخ بي راية المسافر
الذي لا يعود إلى أهله قطّ
ولا إلى قريته الساهمة العينين
المجدُ للدخان
أتخطاه كبهلوان
ويخطئني كعروس عمياء
تشرق القصائدُ في قلبها
خرير الموت الناعم
-1-
عندما سيجرفني طوفان الزمان
عندما سأحتطبُ وحيداً في التراب
عندما سأخرّ من سقف العالم
في الليلة المسمّدة بالبوم والوطاويط
سأتصفح كتاب المجرّات
مُـذنـّباً سقطتْ مياهه بعيداً عنه
وهوى بلا روح
مثل هِرة كانت تتقافز
ثم تيبستْ في قارعة الطريق
والآن ينخلع عظمها قطعة قطعة
قرباناً للمُواء القديم ...
-2-
لا أكترث بخزان اللحم
ولتتبخرْ قارورة المياه والدماء
ولتندكّ عظامي وتنسحق
لكن –ياويلتاه-
أريدُ أن أحملَ روحي وتحملني
أريد أن لا يأمرها أحدٌ غيري
أريد أن لا تذلـّها المصائر والأقدار
وأن لا تتعفـّر في اللاكرامة
أريد أن أقرأ بها قصيدة جديدة
وأن أغني بها نشيد الليل
وأن أعاقر بها نبيذ الألم المُسْكِر
-3-
عندما سأتقمص روح زهرة
هل ستقطفني الجميلة؟
عندما سأتقمص روح عصفور
هل سيطلقون عليّ النار؟
عندما سأتقمص روح الذئاب
كيف يمكن أن أعوي بلا أقمار؟
عندما لن أتقمص
حتى جلد ثعبان
أو قشرة ليمون
هل سترجمني الطبيعة بالنسيان
في حشد الأرواح
وتعلقني من منخري البائد
عبرة للأحياء والمولودين؟
-4-
أنا ابنكِ أيتها الطبيعة
فضميني أكثر
واحمليني إلى
أسِـرّتكِ وأجراسك ..
أنا ابنكِ أيتها الأرض
فعلـّميني أن لا أرتابَ
في حنانك الهائل
علـميني أن أندثرَ فيكِ
وأن أغوصَ في بذرتكِ الهوجاء
في ناركِ المقدسة
-5-
آهٍ أيتها الأرض
اربطي في روحي
مسحوق ذكرياتي الحميمة
دثريني بذرور الأشواق
التي كانت لي
في الولع والتيه والعزلات
تحت شجرة الحياة الزرقاء
-6-
رغم أنني كنتُ أهوي
في طريقي إلى العالم السفليّ
في طريقي نحو الذين مضوا
في غناء الرياح
رغم أن يمامة روحي كانت تتحشرج
ولا ضمادات لديّ
فإن شاعراً أرسل لي عربة إسعاف
مكتوبٌ عليها:
" نحنُ لا نموت من الموت
نحنُ نموت من الحياة"...
-7-
ما تبقـّى مِنـّي
لا يصلحُ للسـُكنى
ما تبقـّى مِني
متنمـّلٌ لا يصلح للديدان
ما تبقى مني
يرتفع إلى سقف المنفى
يـزّاحم في الهواء الذي لا أراه
ما تبقى مني
صاعقة تتسلـّمها الأغصان
ما تبقى مني
يصلح للقهقهة
في العيد الكبير
ما تبقى مني
رمادٌ ألمـّه بمسحاة عمياء
ترشدُ الحطـّابين إلى الليل
-8-
عليّ أن أرحلَ إلى حتفي
مثل شُـجاع
يتبضع في الرماد
عليّ أن أرحل إلى
موتي الحميم
قبل أن يجرفني
التنـّـينُ إلى حلقه
والطاووس إلى معناه
والتمساح إلى غابته
والرُخّ إلى سبورته الأسطورية...
عليّ أن أبتلع البرق القادم
كي أتلذذ بالطوفان
والعراء المُعتـّق
-9-
بأسناني
سأقـَـطـِّع نياط قبري
بأسناني
سأفتح المدينة
على جواد الغيوم
لينفتحَ النصّ
وينهمرَاللصوصُ
من كلّ حدْبٍ وصوب
اردموا القبورَ يا القراصنة
انهبوا الجمالَ يا الأطفال
-10-
حـَـبُـلتْ بي ملايين القطع والعناصر
ملايين النـُـطـَـفِ والأشواق
فلتبتلعني مرة أخرى
وليستمرئني عماؤها الأول
وسديمها المحترف
فلتأكلني بلا شهية
ولتتكبّدْ صبغي وكوابيسي
ولتتشمعْ في قريتي المذهلة
"أنا هنا، أنا هنا"
بقوة أناديها
وبلا استحياء
وأرجمها في القاع
مثل ذئب
مشوّه
يتلذذ بالشرّ القديم
أيـّها النديم.. أيـّـها الموت
إلى الوردة ( م )
سيـّـدَ العسجد
الذي رِقـّـتـُـهُ لا تغامر
الذي رِقـَّـتـُـهُ
تنسربُ كالسهمِ في القلب
الذي رصاصتـُه
حزينة ٌ تضـّـاحك
الذي يحملُ الينبوعَ
على كتفيه
والشموعَ
في خاصرته
والأكفانَ
في أياديه البيضاء
والأقلامَ
في ربيعـِهِ المبتسم...
* * * * *
سيـّدَ النواة
لستَ النهرَ
فنقدِّمُ لكَ عرائسنا
وبناتـنا الحـُـلوات
لستَ الله
فنضحـّـي بأرواحنا
على مذبحك
لستَ الشمسَ
فنحترقُ في عـُـيونـِها
لستَ القمرَ
فنجولُ الليلَ
في شـِـعرِك الناعس
لستَ النجمةَ
فنرتكبُ خطاياها الذهبية...
* * * * *
محرومٌ
لذلك لا تعضـّـنا
إلا ونحنُ في أوجِ الصلاة
لا هواءَ في خـُنـْصرك
لذلك تشيرُ إلى أكبادنا
لا أخضرَ لكَ ولا يابسَ
لذلك تقيمُ قلعتكَ
على لحمنا المـُـرّ
* * * * *
أن نثأرَ لأنفسنا منك
هو أن نبتسمَ فيك
نحنُ الذين كدنا أن
نرفعَ مكائدنا إلى حلقومك
أن نسرقَ عـُـشبتك
المتزلفة للحيّـات
أن نخطف نيرانك
السمجة الهوجاء
أن نشربـَـكَ
ونرقـُـصـَكَ
ونغـنِّـيك...
* * * * *
نحنُ الذين كـِدنا أن
نذوبَ في أعيننا من الجمال
نحنُ الذينَ كدنا
أن نـُـهرِّبـَكَ على أحصنة أخيلتنا
لكي نغسلَ قلبـَـكَ من الدم
نحنُ الذين أوقعناكَ
على فرسخ أو فرسخين
بعيداً عن حاناتنا
بعيداً عن بيادرنا
بعيداً عن ألعابنا
المرقطة بالرغبات
والمستحيل ...
* * * * *
هل علينا أن نغنـّـي أحياناً:
أنتَ الأنيقُ الأليقُ بـدُوارنا
الخطّ السريعُ إلى الوردة
الجوادُ المحمحمُ نحو الريح
الحديقة التي لا تشيخ...
* * * * *
هل علينا أن نلثغ أحياناً:
عسلـُـكَ أبقى من مـَدَرِهم
طينتـُكَ أبقى من
أزمانهم السائبة
قدمـُـكَ أعلى من جباههم
فـطنتـُـكَ أفتنُ
من نيـّـاتـِهـِم
* * * * *
هل علينا أن نقول:
أنتَ اللصّ الأوحدُ
فعـلـِّـمنا يا صاح
أكثر مما نشتهي
أنتَ اللصّ الأكبرُ
فعلــِّـمنا أن نكونَ
قـُـطـّـاعَ طريـِـقِـك..
أنتَ الأعظمُ
فعـلـِّـمنا
كيف نـُـزهـِـقُ روحـَـكَ
وكيفَ نـُـبقيها لكَ
كي لا تفقدَك..
عــلــِّمنا كيف نسبحُ فيكَ
ونسحبـُـكَ فينا
علــِّـمنا كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟
عــلـِّـمنا مزحـتـَـكَ
التي طرأتْ في حلقـِـكَ
علــِّمنا أن نتغضـّنَ قبلـَـكَ
علــِّـمنا أن نشربَ السـُـمَّ
فتتدحرجَ مسموماً فينا...
* * * * *
وُلدناكَ وحبلتَ بنا
أهديناكَ الزهرة
ومنحتنا
النيرانَ اللازوردية
رفعتَ لنا الفنارَ
وأتينا لك بالسفينة
أقمتَ لنا الماءَ
فزرعنا لك الموج والملح
أيها الصديق
أيها المـُـعلــّـم
أيها الديجور
أيها الخراب
أيها المنجلُ الخائن
أيها البهاء الذي
نتشمـّـسُ تحتَ أخلاقه
وقـُـبـّتـه الملكية
النشيدُ العـَدَميّ
أفتحُ نافذتي
فأرى وِدياناً مـُغبـّرة ً
لكنْ لا أعرِفُ ما إذا كانتْ
ماءً أو مـَرْمـَرَ أو شاشة سينما
أو طوفاناً حالماً لا يـُضمـِرُ حمامة...
لا أعرفُ أية وثارةٍ هذه !
أيّ تـَـرَفٍ قد شـُـدّ هـُنا !
أيّ مجرّةٍ تخبط ُ بأجنحتها
في عظامي !
أيّ عيدٍ أرى، قـُـدّ مـِنْ قهقهةٍ منحطةٍ
متزوبعة !
أيّ سوق ٍ ليس فيه أحد
وفيه كلّ النمائم والبضائع !
أيّ عينين ِ تركضان ِ
في الشجرِ اللامرئيّ
في الشجرِ الممحـُوّ
في اللا- أشجار !
* * * * *
يتفرّسني العدمُ
أتفرّسُ في
خصلاتـِهِ المهدورةِ في النسائم
تتفرّسني كيمياؤه
فألمسُ إنبيقه الطويل
يدمدمُ سطراً ضدّ الموت
فأمسـِّدُ جيدَهُ النهم
يتفرسني قلبـُـهُ
فأدعُ إلى جانبه أرجوحة
وأركضُ عن عينيه
يتفرسني تمثاله
فأدخل هذي الحانة
* * * * *
العدمُ لا الموتُ
العدمُ الشاسـِعُ
لا الموتُ القزم
العدمُ الرُخّ الناصـِعُ البياض
حتـّـى لا يـُـرى لهُ جبهة ٌ ولا موجة
العدمُ الصعلوكُ المـَلـِك
الهفهافُ النحيلُ
المـُكتنزُ كروح ِ السِيفِ
الرشيقُ مثلَ لا- كـُرةٍ
مثلَ لا – قــبـّعةٍ تطيرُ
مثلَ حنان ٍ يضرِبُ للدّهـمةِ / للدّهسة / للسـّحمة
يتلوّنُ في الخشبِ والمكائد
في اللا- لون الأسمر
* * * * *
العدمُ القـفــّازُ
في نشوةِ الإسفنج
مثلَ فكٍّ يتعفـّـفُ عن اللوكِ والمضغ
العدمُ
لا الموتُ الذي يـُرَمـْنـِسُ الكائناتِ
في التوابيتِ والدّمع ِ والحـِداد
العدمُ السيـّـِدُ
الذي لا تـَمْكـُنُ رؤيتـُـه
وبالكادِ عند الغروبِ
يـُجدِّفُ جندوله الجافل
مـُـختفياً مثلَ أرض ٍ
تدورُ في فرجار
* * * * *
العدمُ المـُـتلفـِّـعُ بالحنان
فلا تـُجـَـنَّ الهيولى
ولا تكتئبُ المسامير
العدمُ الطـِّفلُ الذي ما كدتُ أناغيهِ
وأدسّ له شوق الأرض
في مبسمهِ الحـُـلوِ الغـِـرِّيد
حتى ارتفعَ
انفرط َ
ارتكبَ وضعَ الهيكل
فجـُـزتُ تحتَ أعمدتـِهِ
ومَـشيتُ
وكانتْ تلفحني نـَسـَماتٌ
تثقبُ روحي بلذاذة
مثلَ إبـَـرٍ لا مولودة
ينهمرُ منهاالسـُـمّ ُ/ الترياق
بينما كنتُ أغنـِّـي
مثل جدار لا يوجد
* * * * *
العدمُ الذي كـُـلّ ُ خـِصيةٍ ينبوعـُهُ
العدمُ الذي
لا يكترثُ بالجماجم
في مـُـتحفِ الموتى
العدمُ الذي لا يـُـسرِعُ
لا يـُـغـِـذ السـَّـيرَ؛
لأنـّـهُ يعرف..
* * * * *
العدمُ
لا الموتُ الذي تجحظ ُ عيناه
ويسيلُ لـُـعابـُهُ
العدمُ الذي كـُلــّـما أخرجَ مـن قـُمـْْقـُمـِهِ
طفلاً أو حسناءَ
أو تجشـّـأ شيخاً أو شبحاً
تهافتَ على بابـِهِ الغندورُ الضِلـِّـيلُ الموت
العدمُ الذي كـُـلـّـما تبوّلَ
عتـّـقــَـها (هاديس) في القبوِ الأزليّ
العدمُ الذي لا يفركُ كفيه
لأنّ الأنفاس تتطاير
* * * * *
العدمُ الصـّـقيلُ
المـُـهيمـِنُ على سـِـرِّ الأشياء
الرُمـّـانة ُ وهي تلقط عينَ الدِّيكِ
حبـّـة ً إثرَ حبـّـة
السفينة ُ التي
يترنـّـحُ فيها البحرُ
النجمة ُ
المحطوطة ُ في طبق ِ الجائع ِ الأبديّ
العسلُ
الذي يـُصـْبـَـغُ بهِ المعمارُ المـُـندكّ
قصيدة ميّت أو الشـِّـعرُ اليتقدّمـُـني
-1-
وأتناولُ الأشياءَ كما في الحـُـلم
أقبضُ عليها وأخـَـليها
بحنان ٍ خارقٍ
أدعها كما لو كانتْ لتنبتَ في موسيقايَ
أهجرها كما لو كانتْ لتضمـّني قبل أنْ أفعلَ الهجرَ
آخذها كما لو كانتْ تحملني على محفةِ العروس
أحملها كما لو كنتُ محمولاً على صهوةِ نشيدِ الفجر
-2-
لا على اليمين ِ، لا على الشمال
لا على الظهرِ، لا على البطن
بل ينامُ نومي على شاكلةِ القـُـبلةِ
على هيئةِ: رعشةٍ بينَ حبيبين
على سـِحنةِ: عطرٍ
يلعبُ في الأعالي، مفارقاً أمـَّهُ
يتوارى وراء ياسمينة
-3-
وكنتُ إذا نادمتُ صديقاً
قـُـرِعَ ناقوسٌ في بلدةٍ صغيرة
وإذا قرأتُ سطراً
انفرجَ مصباحٌ عن ابتسامة
وإذا أحببتُ أنْ أتنزّهَ
أوصلتْ الغيومُ الماءَ إلى
ذرورِ عظامي الغائبة
وإذا لـَـعبتُ
فرِحَ الأطفال
-4-
وكنتُ أعبـِّـئـُـني
في الشـِّـعر
الدائرِ في التفافةِ راقصةِ الباليه
تلك التي تنتأ في الروح ِ، لا الراقصة
-5-
قريرَ العين ِ
تحرسني الشمعة
مصهوراً في عـُـريي
كأنـَّـني أتخلــّـقُ في الرّبيع
بي عـَـصـَـبُ السـَّـكينةِ
بي سـُـرّةُ الرّمادِ
-6-
والربيعُ إلى زهرته
السهامُ إلى رُماتـِها وحـِنائـِها
العواصفُ إلى أشجانها المعتقة
القوافلُ جادّةٌ في السَّــيرِ
مثل خريرٍ لا ينتهي
الأجراسُ تتشابكُ مع الطيور
الفـِتـَـنُ الأرضية مائدة ٌ للعابرين
-7-
وكان لا بـُـدَّ أنْ أختبيءَ في الماءِ الذي جئتُ منه،
في الزّبـَــدِ الذي يطفو على سـُـرّتي،
في الزمان ِ المـُـنكسرِ كغصن،
في الأجنحةِ المدوِّمةِ بالفرح...
لا بـُـدَّ أنْ أسير إلى عينيّ
راعياً أبيضي المغسولَ
بالأشناتِ والسراخس والحـَصـَواتِ الأولى
كأنني مـُـعتمٌ وأضيءُ في قلبي
كأنني مـُـنسلّ وداخلٌ في عمودي
كأنني أتبخـَّـرُ وكأنـّـني ماء
كأنـني بريدٌ
يـُـنشـِبُ أظافرهُ في النـّـواح حتى لا يصل
كأنني زجاجة مشحونة باليفاعة
في شهوةِ الموج
-8-
وسـُـلـّـمي،
سـُـلـّـمي إلى المجهول
سـُـلــّـمي إلى الراقصةِ العمياء
إلى الحديقةِ المـُـعلقةِ في الأبراجِ اللامرئية
إلى منجم ِ العارفينَ بالأسرار
إلى المرصدِ المكنون ِ في المصابيح..
إلى الوردةِ
أحتطبُ منها معادني..
إلى التـُرابِ
أحفرُ فيه موسيقاي..
إلى القلبِ
أقولُ له توقـّـفْ في هذهِ الحانة
من أجل ِ ضحكةٍ أو ضحكتين
نشوةٍ أو نشوتين..
إلى المجرّةِ
أحدِّرُ تفاحـَـها المسحورَ
وجميلاتـِـِها المخطوفاتِ في الحرب
وأطفالـَـها المـُـنحلـّـين في الغياب..
إلى الخـُـبزِ المظفـّـرِ
سيــِّدِ الجوع
إلى الصحراءِ
التي لا تعرفُ المتاهة
إلى الغيوم ِ
التي تـُـشبه مصيري المـُـحتــَّـم
-9-
وكنتُ من قبلُ لا أرى بشراً
إلا مـُـسـَـرْبـَـلاً بأسرابِ العقبان ِ
المـُـنقضَّـةِ على هيكله
معضوضاً بكتائبِ الدّودِ
السابح ِ في فطنةِ الجسد
لا ألتفتُ إلا وأبصـِرُ
كائناتٍ تنقرضُ
في هجمةِ مناشيرِ الغربان
والآنَ، الآنَ لا قيامة َ لديَّ
لا شكَّ في معصمي
لأنـَّـني ألماسُ الليل
لأنَّ كـِـتــَّـاني دِرعي
لأنّ حريري
يفركُ أشواقــَـهُ
يـُـحـَـدِّرُ طيورَهُ وينابيعـَـهُ
في الثمرةِ الحلال
-10-
أفـَـلــَـتْ الكرْمــَـة
كأنْ لمْ يكنْ خمرٌ يسقيها
أفـَـلــَــتْ السـُنبلة
كأنْ لا ذهبَ ولا مصباحَ
أفــَــلَ القصرُ
كأنــّـهُ ابنُ اللعنةِ والزوال
والآنَ أقولُ لكم:
سأملأ جـِـرارَكـُـمْ بالرّضابِ والسـّـلسـَـل
في عـُـرس ِ الألواح ِ المحفوظة
سأفتحُ لكم
بيادِرَ الأقمارِ السـِّـمان
سأبني لكمُ القصرَ الخائنَ
المطعونَ بوجدِ الشـّـمس
-11-
هـِـيَ ذي جوقتي وآلاتي
تلتمعُ في سرابي
حنونة ً، تـُـقابـِـلــُـني في الرّدهةِ
في البهوِ الغريب
توميءُ أنْ قد آنَ الأوانُ
أنْ قد لــَـمـَـسَ القوسُ الكمانَ
والفمُ النايَ
والكونُ النـّـشيدَ
فأرفعـُـهـُـم
أرفعُـهـُـم إلى الدّغدغة
إلى ما ينبتُ في الجـُـزُرِ البعيدة
أرفعـُـهـُـمْ إلى السـَّـكـْـرةِ
التي تـُـشبـِـهُ سـِـكَّــينَ الأعمى
تـَــخـْبـِـط ُ الظلامَ بالحـُـبّ...
-12-
والرملُ.. الرملُ اللـُـجـِـيّ ُ
ناعماً لأنـّـهُ ظهرُ امرأةٍ لا يـُـمَسّ ُ إلا بالعين
لا يـُـمَسّ ُ لأنَّ الفتنة فراشة
لأنَّ كـُلّ جمال ٍ غائب
لأنَّ الشمعة َ تراني وهـِيَ في عيني
لأنَّ الزهرة َ تشيرُ في قلبِ الجبل
لأنَّ الذي أمامي يـُـشـَـكـِـلـّـني
وأنا لذة ٌ شاردة
أنا جناحٌ يهمزُ الأبدية
للغيوم البعيدة
سيـّـد العالــَـــم
-1-
أنا رجلٌ، وأنا امرأة.
أنا طفلٌ، وأنا كهل.
أنا حصانٌ، وأنا شجرة.
سرخسٌ وعـُـنق.
يدٌ حنونة، ونملٌ وحشي.
ضفدعة، وفيل.
عقربٌ مـُـدَرّعة، وأميبا.
أنا هنا، وأنا هنالك.
أنا أعطسُ، وأنا أبتسم.
أنا أتألـّـمُ، وأنا أتعدّم.
أنا أكتبُ شعراً،
وأنا أتسلل إلى دم الأرض
-2-
اتخذتُ الهباءَ فاكهتي
اتخذت العدمَ عشيقي الأوحدَ
اتخذته السـَـيـِّـدَ
المختنـِـقَ بالمرارة
اتخذته عموداً لي
وحـُـفرة متذائـبة
اتخذته لحناً منسلاً من أعماق كمان ٍ
يرشحُ بالسـُـمّ العسليّ
اتخذته أنبياءَ
أعْدُو في قداستهم
أعبيءُ خطوي من
قوسهم وحليبهم الماكر
اتخذته امرأة تأكلني عند الفجر
امرأة تطلق عليّ الرصاص
وأنا أبتسم من هول الشبق
اتخذته كلباً
يلتقط الزهور في فمه
ويدسـّها بعيداً عنـّي
اتخذته وادياً
أقطعه وأنا أغرق
في سريره الرملي
اتخذته وطناً خيّرْتـُهُ
بين أن تخترمني رصاصاتـُهُ
أو رصاصاتُ أعدائِهِ
اتخذته طفلة
أرفعها إلى بُرجي
المـُراوغ
اتخذته سلة فراشاتٍ
يطرن في نغمة مفاجئة
نحو اللهب
اتخذته عشبة
تعلكها بالصدفةِ
خروفُ غبية
اتخذته سـُلـّـماً في الظلام
لا تنتهي دَرَجاتـُهُ ودَرَكاتـُهُ
اتخذته دائرة
أفقأ بها صداعي
فلا أترنح أو أسقط
اتخذته أرجوحة
تقذفني إلى قهقهات أعداءٍ
لا يُرَوَّضون ولا يَفـنون
اتخذته بومة مخيطة العينين
يصدحُ بلبلٌ في قدميها
اتخذته وثناً
آكله في الربيع
اتخذته وسادة
أصـَـخـِّــرُ عليها رأسي
اتخذته فأساً
أشرب من شفرته
دماء العالين
اتخذته قـُــبلة
أسمعها من بعيدٍ
تتسلل في الرّعد
-3-
المعركة ورائي
وأنا المعتوه الذي أرُشّ وابلَ الشواظ
نحو الشجرةِ
التي ضلت الطريقَ إلى عينيّ.
-4-
قشرةٌ آن لها أن تنسحق
قــُـلامة هذا أوانُ طيرانِها
خردلة يضربها مدفعُ العماء
ذرة تسقط سهواً من الموازين
-5-
قلتُ للعصفور أن يتفـيـّـل
ويطير إلى السماء الخائنة
قلتُ للفيل أن يحتجب
في سِمِّ الإبرة
قلت لليل
أن يشتغل نوّاحة المقابر
للزهرة أن تصبحَ لسان كلب
للنخلة أن تذهبَ إلى البحر
وتنتشلَ الغرقى
للرحيل أن يكفّ عن اللعب مع الرايات
للأفول أن يرضع من ثدي امرأة لم تولد
-6-
قلتُ
لكنني أبكم
ولساني مقبرة
قلتُ
لكنّ هوائي زجاجة
تطفو على مـُحيط
قلتُ
لكنّ أسناني منغرسة
في لحم الرماد
قلتُ
وأنا في خزانة الزوبعة
وفي بريد الطوفان
-7-
هـُـلـمّ أيها الألم
لكنكَ مـُـهدّم !
تعالي أيتها المسوخُ الحيـّـة
لكنكِ قبضُ الريح !
مرحى أيتها المأساة
لكنّ المسرحَ
في حلق الهاوية !
-8-
أيها العالي المقام
بك سنرفع أوطاننا إلى زمرّدات
بك سنحمي أطفالنا
بك لن نهجر زوجاتنا
بك سنسهرُ عابقين بعصف الخديعة
بك ستكون لنا حبالٌ طويلة
نقذفها للسفن الضالة
بك سنغارُ أكثر على الزهرة اللامولودة
بك سنستيقظ مكهربين بالفزاعاتِ
التي تحرق الحقول
بك سندخـُلُ في فمِكَ الكبيرِ
لتحفرَ فينا المجد
بك سنضغط على أجسادنا
في بحر أو نهر
بك سنعتلي قمة البرج
ونسقط في القصيدة
موسيقا - تضّـاحكُ- جنائزية
-1-
وعندما كانوا يهرولون بالنعش
في الدرب الطويل المشجر
باغتهم غيلة من وراءهم
هواء غريب...
فطاروا جميعاً
في تموّجٍ،
مثلما قطعة قماش بيضاء،
بينما كانت العـُـلبُ الفارغة
تمضي في المهبّ مقرقعة
تكنس آثار المشائين
-2-
بين البيت والحفرة التي هناك
بين الوليد والفقيد
بين الصرخة والخرسة
عراءٌ ينهمر كشلال
عراءٌ يتيَـتـّـمُ
عراءٌ يحضنُ رأسه من الخزي
عراءٌ يعوي
لا كالذئاب
-3-
مجنونة هي القرابة
حمقاء هي الآصرة
تمتطي جواد النار
فيهوي بها
إلى الحضيض الهزليّ
انظروا: كم حصاناً تكسّـر !
انظروا: كم جحيماً اندلع في ثوب واحد !
-4-
وعندما كانوا يخبطون بأرجلهم
راكضين أكثر مما ينبغي
باللفافة البيضاء
كانت شجرة تتبسـّم
تتذكر الترّهات
التي ارتكبها ذات ظهيرة
تحت ظلالها الشبقية.
ومع ذلك لن تبوح بشيء
لا لأحد ولا لطائر ولا لشجرة
حتى لو أنشب الفأس أنيابه
في أعناقها
المجنونة
المتلاعبة في الهواء
-5-
(الحياةُ في منتهى الظـُرف،
الوجود يـُـنـَـكـِّـت):
كيسٌ بلاستيكيٌ فارغ
يتبع جنازة
مثل كلب بلا رأس..
على أنّ أشواكاً
- في منتصف الدرب-
منعته من الوصول إلى مبتغاه..
ألهذا يزمجرُ أسد ما في غابة؟
-6-
كل قطارٍ ينتظر
كلّ مسافر ينتظر
كلّ سراب ينتظر
كلّ خرابٍ ينتظر
والضواري الأرضية
تتشمـّم المائدة القادمة
-7-
بين الاستاد الرياضي الذي على اليمين
وعَلـَـم ِ المدرسة الذي يرفرف بعيدا في الجهة الأخرى
مضى شخصٌ ما
إلى حتفه الأنيق
-8-
حتى أعمدة الكهرباء
- في هذا الضحى المخاتل-
تحني رؤوسها من أجلك
أيها الطيب
أيها المـُبارك
أيها الوديع
-9-
ثلاثون، خمسون، ستون، ثمانون سنة
من القيءِ الضروسِ
في خاصرتك
عشرون سنة من الغثيان
الذي كحـّـلتَ به العالـَـم
تركتـَها وراءَكَ
أيها المـُـغني الآن
أيها المـرقـّـط
بالفرائس البائدة
بالعدم ِ البهلوان
أيها الحـُـلو
الناعس
-10-
وكانت الموسيقا
لأوّل مرة
تعزف موسيقارَها
في غنج حالم
منشبة أنفاسها
في الأصابع
والعصا القصيرة
والنوتات..
وكانت الموسيقا أيضاً
- ولأوّل مرّة -
ممسكة بمطرقة العدالة..
واجباتي الأرضية
عليّ أن أطـْـعـِـمَ الأرضَ
كثيراً من الخبز ِ والنبيذ
وأن أوجــِّـهَ قـُـبــُـلاتي
إلى مجهولـِـها الرشيق
عليَّ أن أتفـَـهـّـمَ
ما يـُـسـمـّدُ شجرتي فيها
وما يـُـسـمـِّـمُ كاحلي
في ترابها الساخر
عليّ أن أتعـلــّـمَ
الرقصَ والنـُـواسَ
في ديدانـِـها
وتــُـفـّـاحـِها
ومـَـنـِـيـِّـها المبتسم
عليّ أن أضطلعَ بالنزهة
كما لو أنني شفرة موسى
مـُـصوّبة ٌ
نحوَ الفـَـلــَـق
وأن أطـِـلَّ من الشرفةِ
على الضحكاتِ المبعثرة
في شفاه الأطفال
وأترنـّح من هناك
في السخريةِ المـشعشعة
بموسيقا الجماجم
والرميم
والحيتان ِ المغسولةِ بالماء
عليّ أن لا تتكسـّر جراري
وأنا أصعدُ اللحن،
ولا يتفتتَ معدني
قبل أن أعوي
على سـُـلـّـم الحنين
عليّ أن أصطادَ في هوائي
قطة َ الليل ِ الخبيثة
التي تلمعُ عيناها في خبالي
وأن أباغتَ الأمواتَ
باللؤلؤةِ
وأداهمَ الأحياءَ
بالـلـُـعابِ
علـيَّ أن أعـُـضّ على سهوبي
حتى تطلعَ منها الغزالة ُ
مرتعشة بالندى والظلال
و أحملَ وِلادتي
على كتفي الأحمق ِ النبيل
وأكرعَ من
مياه الشمس البرتقالية
وفي ذهابي النحيل
عليّ أن أقـَـدِّمَ الزهرة َ
إلى الدرب
لكي لا أكفّ أنا عن الدوران
ولكي لا تكفّ الأرضُ
عن غيابها المعتق
خمسة عشرة ليلة وليلة
-1-
أسقطُ على وجهي وأطير
أطيرُ ولا يسقطُ شيءٌ منّي...
-2-
تخِـرّ الهاوية
أكرّر السماء
-3-
ارتطمتُ بالفرح فأبكاني
تخطفتني الجراحُ
فتبسمتُ
-4-
حَسِـبـَني القومُ وراءَهم
مع أنني أقضمُ تفاحتي
وأنتظر
-5-
بدري محاقٌ
محاقي هلالٌ وسيم
-6-
كنتُ أطاردُ العرّاف
حتى سقط في الحفرة
فأحببتُ البئر
-7-
لاترون نجومَ الظهيرة
لأنني دسَـسـْـتـُـها
في جيوبي
-8-
عندما كنتُ أعمى
علمتُ الأطفال
كيف يرسمون وجوههم
على الحيطان
-9-
جهشتْ أمّي بالبكاء
لأنني لن أعودَ،
مع أنني دموعُها
-10-
في ميزاني
قد ترجح كفة نملة مع كفة فيل
أو قد يتطاير هذا الفيل
من ثقل النملة في كفتها
-11-
أقيـم للسـُـكـْرِ كوخاً
كي يتطايرَ في الزوبعة
كي يشتدّ في اللاماء
-12-
حبستُ دموعي في الماء
كي تتشاسع البـِـركة
قذفتُ بعيني في النار
كي تتفاقم الجمرة
-13-
أيها العزيز
هذا مائي
فلا تحترقْ
-14-
أول مرة أموتُ فيها وُلدتُ...
أول مرة أولد فيها كنتُ أموت...
-15-
حين فـَـنـِـيَ التراب من الأرض
أورثني أن أتعلق
في شجرة الهواء
-16-
على باب قبري
كتبتُ بطبشور:
الصِفر هو الخالد
قوّة الزهرة
يا شجرة الريحان
عندما يــُحتضَـرُ ليلي
عندما تفتكُ بي الأشواق
عندما لا أجـِدُني موجوداً إلى جواري
عندما تعوي بي جراحُ المنفى
يا شجرة الريحان
عندما أحملُ رأسي
مخموراً بالهزيمة
عندما تنبعث الأدخنة
من مدائني المصابة بالحرائق
عندما أطفو
بين آلهة البحرِ
جسداً لغريقٍ غريب
يا شجرة الريحان
تذكّري أنكِ علـّـمْتـِني – مرة وللأبد –
قوة الزهرة
أشواق الأحمق
يهرُبُون من الخرائب
ورأسي الأرعن
يتعـلـّق بالأسمال
يتقافزون ذعراً من النار
مسّاقطين من الطوابق العلوية
وحماقتي
تزحف على ركبتيها
صاعدة
صوب اللهب
يداهمون الليل
ناصبين أحلامهم تحت النجوم
وقدماي المعتوهتان
سائختان في
شوق الظهيرة
مطفأة سجائر
مذبحٌ يشيرُ إلى الجميلة
مرصدُ نسائمَ
تتكسّر على وجه الأطياف
سديمٌ لا مرئيّ
يتلوى مثل أجنـّة الغسق
ذكرى قوافلَ
بحـداءٍ وأجراس
مياهٌ مغبرّة
من فرطِ الحنين
ثرثرة تستحمّ في
ولـَـع القمر
ألعابٌ تتهشـّمُ في
السراب القائض
شبحُ فقيدٍ
- خبأته الأتربة-
يتعتع
الدخانَ القديم
محوِّماً مثل أيقونةٍ
تحرسُ الأشياءَ جميعَها
من اللصوص
حـُـمـّى
يحملني طائرُ الرخّ إلى عشه
فيفزعُ الصغار
ويرمونني في الهواء
أصرخ من حالقٍ
يا مريم
هيئي الوسادة
نداء
أناديكِ: يا ...
مُجَهـِّزاً صوتي للاندحار
وألمعيتي للخيانة
أناديك: يا ...
وأنتِ أقربُ من معدني
أقرب من عناصري النقية
أقرب من سرّي الذي احتفظتُ به
في بئرِ السماء