لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع






















































 

محاور قصيدة النثر

* المحـور الأول

* المحـور الثاني

* المحـور الثالث

* المحـور الرابع

* المحـور الخامس

الهيئة العامة لقصور الثقافة
مؤتمر أدباء مصر
الدورة الرابعة والعشرون

رئيس المؤتمر
د عبد المنعم تليمة
أمين عام المؤتمر
فتحي عبد السميع

هذا وقت الشعر

فتحي عبد السميع

لقد تركنا كلَّ شيء وجئنا نحتفي بالشعر، تركنا أزمات وقضايا كبيرة جعلت أحد المهمومين يفزع:
هل هذا وقت الشعر؟..
ما هذا التعالي عن الواقع ومشكلاته الضاغطة؟
نعم هذا وقت الشعر، فالشعر ليس رفاهية، وليس استرخاء وليس تسلية، الشعر ضرورة، ويقظة، وبناء داخلي متين ومهيب، ليس غيابا عن الواقع بل هو الحضور الأعمق في قلب العالم. وفى طرح الشعر على بساط البحث طرح عميق لكل قضايانا ومشكلاتنا. نحتفي بالشعر، لأننا نريد أن نحتفي بكينونتنا الحقيقية، بالمعجزة التي يحملها كل منا، نريد أن نغرف من مائه و نغسل أعيننا حتى تري، وأنوفنا حتى تشم، وأرواحنا حتى ترقص رقصتها الخلاقة.
لقد جئنا نحتفي بالشعر، بالقمر المظلوم في حياتنا، القمر المخنوق بحبالنا، وأهمها على الإطلاق- حبل الجهل بطبيعته وقيمته، وحبل التصورات الخاطئة والمغلوطة عنه، وحبل العجز عن تذوقه، وإشعال باروده الخلاق في عروقنا.
لقد صار الشعر كائنا هامشيا في حياتنا، بل كائنا منبوذا يطارده الجميع، كما يطارد الصبية والحمقى وغلاظ القلوب نبيا في بداية دعوته.
نحن بحاجة لكلام كثير عن جدوى الشعر وأهميته، نحن بحاجة لكلام كثير كي ننقذه من التصورات الخاطئة أو الجامدة عنه، نحن بحاجة لجهود كبيرة كي نعيده إلى حياتنا حيا وفعالا.
2ـ العلم الحديث بمنجزاته المبهرة ، كان واحدا من تلك الحبال التي التفت حول
عنق الشعر، لقد قالوا أن الشعر ينتمي إلى أزمان غابرة، وهذا وقت العلم، العلم هو السبيل هو المنقذ هو الخلاص، لقد ضيعتنا الأشعار وعلينا بالعلم. وهكذا بدأنا المرور على الشعر بأقدامنا المفلطحة، لكننا أيضا لم نحتضن العلم كما ينبغي. وهناك انطلقوا بأقصى سرعة ممكنة في فضاءات العلم ، وفى ظل معادلة النتائج والطموحات راحوا يراجعون المنجز المعرفي للبشرية ، واكتشفوا الحاجة لثورة معرفية جديدة تهتم بما همشه العلم من ظواهر وثقافات لأنها لا تتوافق مع الأسس التي قام عليها. ثمة من يدعو مثلا لمراجعة الطب الذي راحت ممارساته تكشف بوضوح عن البعد المعجز للإنسان، ثمة من يذهب إلى إعادة النظر في كل مصطلحاته لأنها
تحمل ثقافة المختبرات العسكرية التي نشأت فيها ، لقد قامت علوم الطب على مواجهة الميكروبات كما يواجه الجندي عدوا، واستخدمت نفس الخطاب العسكري ، وتلك الإستراتيجيات التي لا تتورع عن استخدام أسلحة الدمار الشامل لتحقق هدفا. لا أريد أن أطيل لكن هناك حركات كثيرة تكبر في جميع أنحاء العالم كرد فعل على السلطة التي أمتلكها العلم ، هناك مراجعات كثيرة يقوم بها فلاسفة العلم وجميعها تصب في مصلحة البعد
الشعري للعالم.
إن مستقبل الشعر أكبر من حاضره، لأن البشرية لم تعد تفكر في العلم بقدر ما تفكر في الحكمة، والعلم جزء جوهري من الحكمة لكنه ليس كل شيء، وفى توجه البشرية نحو الحكمة سوف يستعيد الشعر دورا ومكانة أكبر مما نتخيل.
(3) إن المشهد الشعري من أكثر المشاهد الحيوية في حياتنا، ومن ينظر
إلى الشعراء يتعجب من نشاطهم وهمتهم العجيبة في ظل مناخ لا يلتفت ولا يبالى بتجاربهم المتنوعة والمتداخلة والمختلفة والمتصارعة ، بمغامراتهم وسهرهم وجدلهم واشتباكهم الدائم مع الحياة والوجود. إن الشعراء يرسمون مشهدا حيا يبعث على التفاؤل والإعجاب. ويمنحنا أملا. بهذا الحيوي في حياتنا وبهذا الأمل ، بكل حيوي ومهمش جئنا نحتفي .

( من كلمة افتتاح مؤتمر أدباء مصر ـ الإسكندرية 2009)

الأبحاث

المشهد الشعري الراهن ـ الإسكندرية ـ 2009م.

المشهد الشعري الراهن
أسئلة الإبداع وطموحات اللحظة الراهنة

يبقى الشعر من بين الفنون اللغوية كلها، القادرَ على سبر أعماق الحياة والكون، والقادر على أن يلخص رؤية كاملة في لفظ أو تعبير، والقادر على أن يطور لغته ويبقيها حية. إنه الشعر الذي نبتعد عنه، أو نظن أننا ابتعدنا، فيفاجئنا انتماؤنا الخالص له وولعنا الشديد به لنجد أنفسنا ما زلنا دائرين في فلكه وإن اختلفت الأزمان. إنه الشعر الذي نتخيل واهمين أنه مجرد تأملات حالم، أو تهويمات منفصل عن واقعه لنفاجأ بتعبيره عن واقعنا وإن اختلفت اتجاهات هذا التعبير، ولنفاجأ بارتباطه بنا وبهمّنا حتى لو ادّعينا كونه فنا مرفّها.
من هنا عقدت لجنة الأبحاث بمؤتمر أدباء مصر نيتها على استكمال مشروع أمانة المؤتمر في الدورة السابقة، تلك التي تركزت حول أسئلة السرد لتتوجه إلى المشهد الشعري الراهن محاولةً رسم حدوده والوقوف على أهم ظواهره الإبداعية والثقافية محاولة بذلك تأسيس رؤية للثقافة والهوية والإبداع العربي في عصر تداخلت فيه الاتجاهات وتشابكت فيه العلاقات.
ربما يبدو العنوان منذ الوهلة الأولى لا يخرج عن دائرة الإبداع وهو ما دعا البعض إلى الاعتقاد بأن المؤتمر قد خرج عن الإطار الذي يرجونه، والابتعاد عن هموم الوطن أو التماس مع الشارع لكن لجنة الأبحاث، بمن فيها من أكاديميين وشعراء ونقاد، حاولت تغطية العنوان بما يتواءم مع فكرة الربط على مستويات متعددة في طموح منهجي جعل الحكم على المشروع من عنوانه إهدارًا لفرصة الشعر العربي وحرمانًا له من أن يظل ديوانًا لهموم الوطن وآماله وطموحاته.

يمكننا إذن أن نعرّف المشهد الشعري الراهن بأنه مشهد للوطن بكامله، ينطلق من رؤية الشعر وتطوره ونقده، وهو ما حاولت محاور المؤتمر التركيز عليه بداية من مناقشتها لدور الشعر بين المعرفي والجمالي، بين ارتباطه بالهم الاجتماعي وقدرته على الولوج إلى مناطق تعبيرية خاصة به تستطيع تطوير اللغة ومن ثم الثقافة عموما.
وانطلاقا من اللحظة الراهنة قدم المؤتمر محوره النظري حول مرجعيات الشعر العربي الذي يحاول الكشف عن الروافد التي أمدت الشعر العربي في لحظته الآنية برؤاه وأدواته، وهي التي تتراوح بين روافد تراثية عربية وأخرى أجنبية أسهمت جميعها في صياغة رؤية شعرية معبرة عن واقع ثقافي في الأساس يكشف عن علاقة الهوية العربية بغيرها من الهويات وعن علاقة الثقافة العربية بما سواها من ثقافات وحضارات، وهو ما يمثل أساسا يمكن التعامل معه لا على مستوى دراسة الشعر فقط ولكن، بصورة أوسع، على مستوى الدراسات الحضارية والاجتماعية بما يمكننا من التأمل العميق لموقفنا الحضاري الراهن.

لقد غطى هذان المحوران حسبما ارتأت اللجنة مساحة مهمة من ثقافة الوطن التي تتجلى شعرا، وهو ما كان داعيا لأن تفرد محاورها الخاصة بالشعر وتقنيات كتابته خاصة ما يتعلق منها بقضايا مطروحة وما زالت ساخنة على المشهد الثقافي عموما، فكان محور تداخل الأنواع الأدبية في الشعر وتقنيات هذا التداخل، ذلك المحور الذي يتصدى لواحدة من قضايا التعبير الأدبي في الوقت الراهن ليستكمل المؤتمر رؤيته الثقافية والنظرية برؤى تطبيقية تبدأ في الولوج إلى عالم الشعر وتأملها بما يتمم رسم المشهد كاملا عن طريق محاولات رصد المستويات المختلفة لتلقي النص الشعري، وهو ما عالجه المحور الرابع، الذي يكمل الدائرة، ولعله كان محورا دالا بشدة على الواقع الثقافي المصري والعربي من حيث إثارته لقضايا قد تتعلق بالصورة الذهنية التي يرسمها المتلقى العربي عن الشعر في الوقت الراهن وعن المستويات المختلفة التي يتم بها هذا التلقي.
واستكمالا للرؤية تم إفراد المحور الخامس لبعض الظواهر الشعرية الراهنة على مستوى تطبيقي نقدي له علاقة واضحة بهموم الأدباء والشعراء فهو ينطلق من رؤاهم وأرضيتهم التي يقفون عليها.

وجدير بنا أن نوضح أن لجنة الأبحاث قد حرصت على تغطية جوانب المشهد الشعري كاملة حين أكدت على وجوب عدم نفي أي من التيارات الشعرية المصرية من تقليدي أو تفعيلي أو نثري، الفصيح منه والعامي، والتراثي، القاهري والإقليمي، حرصا منها على أن يتم رصد المشهد الشعري الراهن بكل جوانبه، ما نال منها الشهرة وما لم ينل، كما أنها قد حرصت أيما حرص على تنويع الرؤى بتنويع اتجاهات الباحثين، وأبحاثهم، ولعلها تكون بذلك قد وضعت بصمتها التي حاولت بها دفع العجلة إلى الأمام، وطرحت أسئلتها الثقافية والإبداعية الخاصة، حين يكون طرح السؤال محركا أساسيا للإبداع، وهو الأمر الذي يبدو واضحا عند مطالعة المحور الخاص بمناقشة إبداع المحافظة المضيفة.
إن المشهد الشعري المصري غني وموح، وربما تكون هذه بداية للتعامل معه بوصفه جزءا لا يتجزأ من حركة هذا المجتمع، بل ومحركًا أساسيًا من محركات دفعه مرة أخرى نحو بؤرة الحضارة وتميز الهوية، وهو ما يمكن أن نعده طموحا أصيلا لدى هذه المجموعة من الأوراق البحثية الطامحة؛ وهو ما نرجو أن نكون قد أسهمنا في الدفع نحو تحقيقه.

د.هيثم الحاج علي
رئيس لجنة البحاث

***

المحور الأول

الشعر.. بين المعرفي والجمالي

مفهوم الحرية ولغة الرمز
دراسة فلسفية أدبية

حسن طلب

الرمز لا يُرد كما قال "السهروردي" لأن الاحتمال يغلب فيه على اليقين والتعدد على الوحدة والتلميح على التصريح؛ والحرية لا توهب كما علمتنا – وتعلمنا – تجارب البشر عبر التاريخ، لأنها إن وهبت فقدت معناها، وربما انقلبت إلى نوع من العبودية. إن الحرية لا يمكن إدراكها إذن، كما يعبر "أحمد شوقي" بغير أن تراق على هيكلها دماء الأضاحي والفدى، وتخاض من دونها المعارك، حتى ينهار الاستبداد انهيار الأوثان في (صلاح) – اسم من أسماء (مكة) – يقول "شوقي"(1):

هو هيكل الحرية القانى له         ما للهياكل من فدى وأضاح
يبنى كما تبنى الخنادق في الوغى         تحت النبال وصوبها السحاح
ينهار الاستبداد تحت عراصه         مثل انهيار الشرك حول (صلاح)
ويكب طاغوت الأمور لوجهه         متحكم الأصنام والأشباح
هو ما بنى الأعزال بالراحات أو         هو من بنى الشهداء بالأرواح

وبين هاتين الاستحالتين: استعصاء الرمز على الرد، وامتناع الحرية على الهبة، فسحة كبيرة للإنسان، يبدع فيها ويتحقق ويحلم ويخلق ويهدم ويبنى، ويرفض ويتمرد، عن طريق ما يمتلكه من طاقة الخيال وإرادة التحرر، في عملية معقدة متصلة، تدوم مادام التاريخ، وتبقى ما بقى صانعوه من بني البشر.

هى عملية معقدة لأن الحرية سداها والرمز لحمتها. ويزيد من تعقيد هذا النسيج وتشابك خيوطه، أن مفهومي الرمز والحرية كليهما، من المفاهيم الملتبسة التي يصعب تعريفها تعريفا نهائيا، يشمل سائر ظلالها ودرجات أطيافها، من مجال معرفي إلى آخر. وهذا هو "إرنست كاسيرر E. Cassirer" ينظر إلى كلمة (الحرية) فيجدها: من أشد الكلمات غموضا، لا من الناحية الفلسفية فحسب، وإنما من ناحية معناها السياسي أيضا، فبمجرد اتجاهنا إلى التأمل في معنى حرية الإرادة؛ سنجد أنفسنا قد تورطنا في متاهات من المشكلات والنقائض الميتافيزيقية. أما الحرية السياسية، فإننا جميعا ندرك أنها من الشعارات التي أصبحت تتصف بالابتذال لكثرة استعمالها؛ فلقد أكدت لنا سائر الأحزاب والمعسكرات السياسية أنها الممثلة الحقيقية للحرية، وأنها الوحيدة القادرة على حمايتها؛ مع أن هذه المعسكرات والأحزاب قد عمدت جميعا إلى تعريف الحرية تعريفا يتوافق مع مقاصدها، وسخرتها لمصالحها الخاصة(2).
ولعل الأمر نفسه ينطبق على الحرية الأخلاقية، حيث نجد أنفسنا بإزائها في تيه من العلاقة المعقدة، بين الحتمية واللاحتمية حسب تعبير الفلاسفة المحدثين والمعاصرين؛ أو الجبر والاختيار والكسب، حسب تعبير فلاسفة المسلمين ومتكلميهم. هذا ما رآه أحد أساتذة الفلسفة الأمريكيين، حين وصف الحرية بأنها تيه من المفاهيم والمبادئ، لأنها متعددة الأوجه Multiplex كثيرة الأشكال Polymorphous(3). وقريب من هذا ما طرحه "عبد العزيز الحبابى" في فكرته عن التكامل الضدى، وهو ينظر إلى وظيفة الحرية أو دورها، على أنه دور إيجابي في هدفه سلبي في شكله، وربما كان هذا التناقض الداخلي، هو السر في غموض مفهوم الحرية عنده(4).

وليس مفهوم الرمز بأقل غموضا، ولا بأدني في صعوبة التعريف من مفهوم الحرية، ففي دراسة حديثة نسبيا، استبان أن التعقيد صفة ملازمة للرمز، ولذا يجب ألا ننظر إليه، إلا كما ننظر إلى جبل الثلج في المياه العميقة(5).
ما سر هذا الغموض الذي يحيط بمفهومي الحرية والرمز؟ وما علة هذه الصعوبة التي تكتنفهما، فتوشك أن تحولهما إلى لغزين عصيين؟
يكفينا أن نتذكر بإزاء هذا التساؤل، أن مفهوم الرمز، يعد من المفاهيم التي يجرى استعمالها على أنحاء مختلفة في كثير من العلوم الإنسانية وغير الإنسانية ؛ فمن الفيزياء والرياضيات، إلى المنطق الرمزي، إلى علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، إلى فلسفة الدين وعلم الجمال والنقد الأدبي والفني. هو إذن مفهوم ينتمى إلى ما يمكن أن نسميه (مفترق الفروع المعرفية) أو ملتقاها. وتتفاوت في هذه الفروع دلالات الرموز، وتتنوع، حتى لتصل في بعض الأحيان إلى درجة التناقض، حين يتم اختزال الرمز في الرياضيات أو الفيزياء أو المنطق الرمزي، إلى مجرد علامة Sign ذات دلالة وحيدة محددة، ومستقلة موضوعيا. ومتفق عليها من قبل، في مقابل الرمز Symbol، ذي التعدد المعنوي والثراء الدلالي، كما نجده في علم النفس التحليلي مثلاً، أو في فلسفة الدين، أو في الأدب عامة. إنه ثراء يختلف ضيقا وسعة، وكما وكيفا، حسب المجال المعرفي وحسب الاتجاهات والمناهج المختلفة داخل المجال الواحد.

إن ما يقصده مثلاً "كارل يونج C. Jung" من أن المضمون غير المحدد هو ما يمنح الرمز سمته الأساسية، ومن أن الرمز ليس مجرد مجاز مألوف، بل هو تعبير عما هو غير معروف بجلاء، ولكنه – مع ذلك – مفعم بالحياة، لأنه يرتبط بالنماذج الأصلية Archetypes وصورها التي ترسبت في اللاوعي الجمعي Collective Unconscious، منذ تجارب الإنسان البدائي في الزمن الموغل في القدم(6)؛ إن ما يقصده "يونج" بذلك، وهو عالم النفس، مختلف بالتأكيد عما يقصده بمصطلح الرمز عالم تاريخ الأديان وفلسفتها "مرسيا إلياد M. Eliade"، حين يربط بين الرمز والأسطورة Myth والصورة الذهنية Image، على أنها جميعا تشكل مادة الحياة الروحية للإنسان(7)، أي أنها، بعبارة أخرى، تشكل لب التجربة الدينية لديه.
ولئن كانت الصعوبة الكبرى ومصدر التعقيد الأساسي في مفهوم (الرمز)، يعودان بدرجة كبيرة إلى أنه من المفاهيم القابضة، التي تصل بين تخوم مجالات معرفية شتى فإن الأمر كذلك تقريبا فيما يخص مفهوم (الحرية). نلاحظ مثلاً أن قضية (حرية الإرادة) تشغل عالما طبيعيا مثل "نيلز بور N. Bohr" (1885-1962)، لأن لهذه القضية صلة وثيقة بمبدأ الحتمية Determinism الذي كان سائداً إلى وقت غير بعيد في الفكر العلمي الحديث، قبل أن تنهال عليه معاول النقد من نظرية النسبية Relativity ونظرية الكم Quantum، ومن فلاسفة العلم والعلماء جميعا، خاصة "كلارك ماكسويل J. C. Maxwell" (1831-1879) و"كارل بوبر K. Popper" (1902-1994) و(فيرنر هايزنبرج W. Heisenberg" (1901-1976) وغيرهم(9).
ونلاحظ في الوقت نفسه، أن الحرية تشغل أيضا عالم اللاهوت وفيلسوف الدين، من حيث إنها ترتبط بمدى مسئولية الإنسان عن أعماله في ظل علم الله الأزلي بهذه الأعمال(10)، كما تشغل بالدرجة ذاتها فيلسوف الأخلاق، من حيث إن السلوك الأخلاقي القويم؛ لا بد له من أن يصدر عن اختيار حر، ومن ثم عن فعل حر، وهذان لا يكونان إلا لإرادة حرة.

ولا بد هنا من التمييز بين حرية الإرادة التي تعزى إلى كل إنسان بوصفه إنسانا، على أنها ملكة طبيعية Natural Faculty من جهة، والحرية التي تعنى سيطرة الإنسان عقليا على ذاته، بحيث يظل بمنجاة من عبودية الانفعالات والأهواء، فضلاً عن الحاجات الغريزية التي تخضع لها البُهم على طول الخط(11).
وليست السياسة – بدورها – بأقل انشغالاً من هذه العلوم بقضية الحرية، فعلماء السياسة يضعون الحرية واستقلال القضاء، على رأس قائمة الركائز التي تنهض عليها الحياة السياسية المثلى(12). والديمقراطية لا تعنى في نهاية الأمر، سوى الترجمة السياسية لفكرة الحرية(13). وما يصح هنا، حول الدور المحوري لمفهوم الحرية؛ يصح في سائر المجالات السوسيولوجية والسيكولوجية والاقتصادية، وغيرها من العلوم الإنسانية بدرجة أو بأخرى.

تكاد (الحرية) إذن – شأنها في ذلك شأن (الرمز) – تكون قاسما مشتركا بين هذه المجالات المعرفية، وهذا هو أحد وجوه الصعوبة في وضع تعريف جامع لها، بجانب كونها مفهوما عميقا ومركبا لأنه يرتبط بمفاهيم أخرى عديدة مثل الخصوصية privecy والاستقلال Autonomy والاعتماد على النفس(14)، وغير هذا من أفكار ومفاهيم تنتمى إلى المجالات المختلفة، مثل فكرة (العدالة) و(المسئولية) و(القانون).

هكذا نجد أنفسنا أمام مفهومين (الرمز/ الحرية) يبلغان من الغموض والعمق والتعقيد كل مبلغ، وعلينا فوق هذا كله، أن ننظر في العلاقة بينهما! ولعل أول ما يخطر على الذهن هنا، أنه إذا كانت دراسة أى منهما تمثل مشكلة كبرى وصعوبة بالغة، فأي صعوبة إذن تلك التي سنواجهها عند التصدي لهما معا في علاقاتهما المتشابكة الملتبسة؟! لا شك في أننا سنكون بهذا التصدي كمن يجمع تعقيدا إلى تعقيد وغموضا إلى غموض.

هكذا يبدو الأمر في ظاهره، ولكنه في حقيقته غير ذلك تماما؛ إذ أننا لن نلبث أن نلحظ كيف أن أحد هذين المفهومين سيجلو الآخر ويلقى بضوء إضافي على ما غمض منه، ولن نلبث حتى ندرك كيف أننا سنستطيع أن نعرف (الحرية) من خلال (الرمز)، أوضح مما نعرفها مجردة منفردة؛ إذا كان لها أن توجد أصلاً على هذا النحو من التجريد والانفراد، في الوقت الذي سنستطيع أيضا أن نعرف (الرمز) من خلال (الحرية)، أبين مما نعرفه مجردا منفردا، إذا كان له هو أيضا أن يوجد على هذا النحو. إن الرمز يتخلق عن طريق الحرية، وعن طريق الرمز تتحقق الحرية، وهذا هو ما سنكتشفه إذا أمعنا النظر في العلاقة بينهما، إلى الدرجة التي قد تجعلنا نغامر فنقول: لا حرية بلا رمز، ولا رمز بلا حرية!
ولكن كيف يتحقق عمليا هذا التوحد أو الاقتران بين الرمز والحرية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستنقلنا مباشرة إلى مجال الفن، ففي الإبداع الفني الرفيع يتعانق الرمز والحرية في وحدة محكمة تشبه وحدة الوسائل والغايات، على أساس من الفهم الجدلي الذي تتبادل فيه كل من الوسيلة والغاية موقعيهما؛ فما أبعد الفهم الشائع، الذي يصور الإبداع الفني على أن الرمز وسيلته والحرية غايته عن الصحة! وربما كانت وحدة النسيج هي الأقرب لتصوير هذا الاقتران، حيث من المستحيل أن نفصل السدى عن اللحمة، أي الرمز عن الحرية، بدون أن يفقد النسيج قوام وجوده.

في الفن الرفيع تتركز خلاصة القيم، فمن جهة، نجد أن القيمة الجمالية للعمل الفني مهما كان نوعه، تقترب من التحقق الأمثل كلما ابتعد هذا العمل عن اللغة الخطابية المباشرة إلى اللغة الرمزية، بالمعنى الشامل للمصطلح، أي المعنى الذي يتجاوز الحدود التمعارف عليها للمذهب الرمزي، إلى مختلف المذاهب الأخرى، رومانسية كانت أم كلاسيكية أم غير ذلك. إن سائر الشعراء العظام في كل عصر، قد مارسوا الرمزية بطريقة أو بأخرى، على رأي "كليانث بروكس C. Brooks"(15).
ومن جهة أخرى، نجد أن القيمة الجمالية في الفن ليست بمعزل عن فكرة الحرية، فما (القيمة) في بنيتها العميقة، سوى تفكير الوعي في حريته الخاصة كما عبر بحق "جول لانيو Jules Langneau" (1851-1894)، فمن جهة، تمارس الحرية ذاتها في طلب القيمة، والقيمة من جهة أخرى، لا تكتفي بتوجيه الحرية، بل إنها وجهتها بالمعنى الدقيق(16). ولهذا السبب، كان الفن الرفيع بما يتجسد فيه من قيم جمالية، قادرا على مساعدتنا في الوصول إلى الحقيقة والحرية(17)، ومن ثم أصبح رُقىُّ الفنون بشكل عام، مقياسا للكمال الثقافي، كما يعبر عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر "دونكان H. D. Duncan" في كتابه (الثقافة والديمقراطية Culture and Democracy) (18)، وأصبح الفن موطنا للروح النقدية كما يعبر "دونكان" نفسه في كتاب آخر(19).
وقريب من هذا ما كان قد استنبطه "عباس محمود العقاد" في مقال له رفيع نشره منذ أكثر من ثمانين عاماً (26 فبراير 1923) بجريدة (البلاغ) تحت عنوان (الحرية والفنون الجميلة)، أشار فيه إلى أن حب الأمم للحرية إنما يقاس بحبها للفنون الجميلة، لأن الأمم لا تعرف الحرية إلا حين تأخذ في التفضيل بين شيء جميل وشيء أجمل منه، وطبق رأيه هذا على التصوير الرمزي، فرأى أن مكانه الأعلى بين فنون التصوير، إنما يعود إلى وفرة نصيبه من حرية النفس(20)، إلى آخر ما ورد في ذلك المقال الدال الفريد.

إن هذه النتيجة التي وصلنا إليها، فعرفنا من خلالها كيف أن الرمز والحرية يتجسدان في الفن الرفيع بوصفهما سداه ولحمته، لا تزال داخل الإطار النظري المجرد، الذي يحتاج بالضرورة إلى تمثيل عيني من خلال النصوص. ولكننا قد نكون في حاجة قبل فحص النصوص، إلى وقفة؛ نحاول فيها أن نتبين الدلالات التراثية العامة لمفهومي الرمز والحرية، والكيفية التي كان هذان المصطلحان يدوران بها في الاستعمالات المختلفة.

ولأن الحديث عن الرمز من هذه الزاوية، قد سبق لنا بسطه في مكان آخر، فسنقتصر هنا على مفهوم الحرية، بعد إلقاء نظرة عجلي، نستعيد بها بعض استعمالات الرمز في التراث.

ونحن إذا ما نظرنا إلى الشعر العربي القديم، ألفينا الشعراء عادة يستعملون مصطلح الرمز بمستواه الأولى الدارج، الذي يدل على الإلغاز والتعمية والغموض، في مقابل الوضوح والإبانة والإفصاح، هكذا مثلاً يجمع "ابن منير الطرابلسي" (ت. 548 هـ) ما بين اللغز والتعمية في قَرَن، وكأن اللغز عنده من جنس الرمز، إذ يقول من قصيدة ماجنة، ليس لنا إلا أن نورد منها هذا البيت:

قد صحبتُ النّحاة قبلك واستو         عبتُ ما كان من مُعَمًّى ولُغز!

وليست لغة الرمز التي لجأ إليها "البهاء زهير" (ت. 656 هـ) حتى يضلل الوشاة حين مرَّ به معشوقه؛ سوى شاهد آخر على اختزال الرمز إلى لغز، يقول:

ماذا تظن بعاشقٍ         يصفرُّ حين يراك جائزْ؟!
صبٌّ، بأسرار الهوي         خوفاً من الواشين رامز
فأناملُُ أبداً تشيرُ،         وأعين أبدا تُغامزْ
فأية لغة رمزية تلك التي تبتذلها الحواس، ما بين أصابع تشير وعيون تغمز؟! غير أن هناك قلة من الشعراء يجمعون بين هذا (الرمز اللغزي) وبين مستويات رمزية أعمق، على نحو ما نجد عند "ظافر الحداد" (ت. 529 هـ)؛ ولا نعدم شواهد أخرى(21) عند غيره من الشعراء.

غير أن استعمال الشاعر لمصطلح الرمز شيء، وإبداعه لفن ذي طابع رمزي شيء آخر. ونحن نجد في الشعر العربي نصوصا رمزية على تفاوت في مستوياتها، كما نجد ذلك أيضا في نصوص نثرية وقصصية؛ فمن النصوص الشعرية مثلاً، قول "ابن العلاف" في رثاء "عبد الله بن المعتز" – وقيل في رثاء غيره – وقد رمَزَ للمرثيَّ خشية بطش الحاكم، فقال:(22)

يا هرُ فارقتنا ولم تعدِ         وكنت منى بمنزل الولد
فكيف ننفك عن هواك وقد         كنت لنا عدة من العدد
إلى أن يقول فيها:

حتى إذا راموك واجتهدوا         وأسعد النصر كيد مجتهد
كادوك دهرا فما وقعت وكم         أفلتَّ من كيدهم ولم تكد
صادوك غيظًا عليك وانتقموا        منك وزادوا ومن يصد يُصد
ثم شقوا بالحديد أنفسهم        منك ولم يرْعَوُوا على أحد
هنا نجد مستوى من الاستعمال الرمزي يمكن أن نطلق عليه الوظيفة التمثيلية للرمز، حيث الرمز (الهر) يمثل المرموز (ابن المعتز) تمثيلا تاما لا لبس فيه، فينوب عنه أينما ورد.

فى هذا المستوى التمثيلي لا يكون الرمز عضويا، أو متفاعلاً في كيمياء العمل الفني، إنه يحوم على السطح مكتفيا بما هدف إليه الشاعر الخائف من رثاء أحد معارضي السلطة، فساعده رمز (الهر) على تحقيق الهدف، وهو هنا (التقية)، أي اتقاء شر السلطة أو الرقابة التي تمثلها، فهو يتخفى خلف الرمز خوفا ورهبة. هذا المستوى التمثيلي هو الذي مكن "صلاح لبكى" من أن يقول: (23)

خل عنك الصلاة والبوح للضوء        وللزهر واجحد الإلهاما
واطلب العلم واعتمده تساو         الله شأناْ ورفعة واحتراما
لنكن نحن من تصلى لنا الدنيا         وتنهار دوننا إعظاما
حيث يستتر الشاعر في هذا القول خلف قناع (حواء)، التي أغوت آدم بهذه النصائح المارقة. وهذا القناع/ الرمز ليس له – بحكم وظيفته التمثيلية – إلا أن يخفى غير وجه واحد، فليس هناك قناع لوجهين. وهذا الرمز/ القناع ليس له أن يظهر إلا حيث يغيب مرموزه، والعكس صحيح كذلك، فنحن إذا أثبتنا القناع يختفى الوجه، فلا يظهر إلا إذا نزعناه.

ونحن نستطيع أن نجد أنماطا أخرى من استعمالات الرمز ومستويات أكثر تعمقاً. نستطيع أن نفرق مثلاً، بين رمز (الهر) في قصيدة "ابن العلاف" السابقة، وبين هرة "أبى عامر التميمي" في قصيدته التي يقول فيها (24):

إن لي هرة خضبت شواها        دون ولدان منزلي بالرَّقون
ثم قلدتها لخوفي عليها        ودَعاتٍ ترد شر العيون
كل يوم أعولها قبل أهلي        بزلال صاف ولحم سمين
وهي تلعابةُُ إذا ما رأتني         عابس الوجه وارم العرنين
فتغنى طورا وترقص طورا         وتلهَّى بكل ما يلهيني
لا أريد الصَّلاءَ إن ضاجعتني        عند برد الشتاء في كانون
وإذا ما حككتُها لحستنى        بلسان كالمِبرد المسنون
وإذا ما جفوتُها استعطفتني         بأنين من صوتها ورنين
وإذا ما وتَرْتُها كشفت لي        عن حراب ليست متاع العيون
أملح الخلق حين تلعب بالفأر         فتلقيهِ في العذاب المهين
وإذا ما تحسه أنشرته         بشمال مكروبة أو يمين
وتُصاديه بالغفول فإن رام         انجحارا علته كالشاهين
وإذا ما رجا السلامة منها         عاجلتْهُ بنشطة التنين
وكذاك الأقدار تفترس المرء         وتغتاله بقطع الوتين
بينما كان في نشاط وأنس         إذ سقاه ساق بكأس المنون

الهرة هنا رمز مفتوح، يمكن أن يكون ذا طابع جنسي إذا اعتبرنا المرأة مرموزا، أو ذا طابع ميتافيزيقي إذا اعتبرنا الدنيا بصروفها وتقلباتها وبحلوها ومرها، هي المرموزة؛ بينما الهرة في قصيدة "ابن العلاف"، رمز مغلق على مرموز واحد؛ لذلك كانت قصيدة "أبي عامر التميمي" تنتسب إلى مستوى أعمق في التعامل مع لغة الرمز، من المستوى التمثيلي في قصيدة "ابن العلاف".

ونستطيع أن نجد في التراث نماذج أخرى من هذا الاستعمال المتعمق للغة الرمز؛ ربما في (رِقَاع الرموز) التي قيل إنهم وجدوها في منزل "الحلاج" بعد وفاته(25)، وفي كتابات "النفري" و"ابن عربي" وفي شعر "ابن الفارض". ونجد شيئا من ذلك أيضا في القصص الرمزي "Allegory"، الذي حفظت لنا كتب الأخبار والأمثال نماذج جاهلية منه، ثم قدمت ترجمة "ابن المقفع" لكتاب "كليلة ودمنة" مثلا رفيعا له، ظل مؤثرا في أغلب المحاولات الشبيهة التالية.

غير أننا نلاحظ أننا لا نستطيع أن نعثر فى التراث إلى جانب هذه الكنوز، على الإطار النظري الذي يسمح لنا باستكناه مفهوم الرمز، بأبعاده كلها، وبمستوياته جميعا؛ وكأننا مرغمون على ألا نفتح الأبواب الموصدة لهذه الكنوز، إلا بمفتاح غريب عنها. نحن مضطرون إذن، إلى أن نستعين بالتحليل المعاصر لمفهوم الرمز عند المفكرين الغربيين ما دمنا لا نكاد نمتلك في تراثنا إلا الكنوز نفسها، خلف أبوابها الموصدة!
ولا أعتقد أن في ذلك عيبا، فالتحليل الفلسفي العميق لمفهوم الرمز، لم يبدأ إلا في الثقافة الغربية المعاصرة، بعد أن نشأت فروع العلوم الإنسانية التي اهتمت بالأساطير، واللغة والرمزية للأديان؛ وعملت على اكتشاف الدلالات المتنوعة للرمز، في ميادين الفن، واللغة، والعلوم الإنسانية؛ حتى إننا إذا ما أردنا أن نبحث عن التراث الرمزي في الفكر الغربي القديم، لما كان هناك مفر أيضا من الاستعانة بالنظريات والأفكار والمناهج المعاصرة.

وربما كان هذا هو السر في أن سائر الدراسات العربية التي بدأت تهتم بدرس الرمز في العقود الأخيرة، تكاد لا تخلو من إحدى اثنتين: فإما أنها نفضت أيديها من أي اهتمام جدي بالإطار النظري الذي ينبغي أن يمهد للدرس التطبيقي، أو أنها لجأت بطبيعة الحال، إلى الاستعانة بالنظريات الغربية الحديثة والمعاصرة في تحديد مفهوم الرمز، ورسم إطاره النظري، وغالبا ما كانت تفعل هذا، مكتفية بالقليل، قانعة بالقشور! فمن أمثلة الدراسات التي أهملت الإطار النظري، وقنعت بالتعامل المباشر مع موضوعاتها، التي كانت في الأساس ذات وجهة تطبيقية؛ دراسة "درويش الجندي" عن (الرمزية في الأدب العربي)، حيث مهد الباحث لدراسته هذه بتعريفات عدة(26)، ثم انتقل في الباب الأول إلى مناقشة مفهوم الرمزية بين العرب والغرب. وهو لم يهتم في هذا الكتاب إلا بالجانب الأدبي للمذهب الرمزي.

ومن الأمثلة الأخرى دراسة "مصطفى ناصف" عن (رمز الطفل عند المازني)، التي صدرها الكاتب بمقدمة من ثلاث صفحات، يشير فيها إلى أن انشغاله لزمن، بمسألة الرمز والاستعارة والمعنى وقضية التفسير، هو الذي دفعه إلى كتابة دراسته تلك عن المازني(27)؛ ثم يبدأ مباشرة في معالجة موضوعه. غير أن الرمزية في هذه الدراسة بالذات أبعد غورا وأشد تركيبا، فهي تبدو كما لو أنها رؤية رمزية لعصر "المازني" كله، وإن توسل برمز جزئي محدد، هو رمز الطفل.

ويمكن أن نضيف إلى هذه الفئة من الدراسات الرمزية التطبيقية، أعمالاً أخرى خلت من الاهتمام النظري بمفهوم الرمز، مثل دراسة "نذير عظمة" عن (المعراج والرمز الصوفي) (28)؛ ودراسة "سليمان الشطي" عن (الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ) (29)؛ ودراسة الباحثة الجزائرية "تسعديت آيت حمودي" عن (أثر الرمزية الغربية في مسرح توفيق الحكيم)، وإن كانت الباحثة قد حاولت أن تمهد لموضوعها بكلمة عن المذهب الرمزي، من حيث ظروف نشأته والأساس الفلسفي لهذه النشأة، بدءا من "كانط E. Kant" (1724-1804) و"إدوارد هارتمان E. V. Hartmann" (1842-1906) حتى "هربرت سبنسر H. Spencer" (1820-1903) و(شوبنهور A. Schopenhaure" (1788-1860) و"فرويد S. Freud" (1856-1939)؛ ثم انتقلت الباحثة بعد هذا التميهد، إلى الرمزية بوصفها مذهبا أدبيا، ثم إلى مسرح "توفيق الحكيم" ذي الطابع الرمزي، معتمدة على التحليل المقارن للنصوص(31).
ولا يعنى ذلك بالضرورة، أي قدح في هذه الدراسات المذكورة، بسبب خلوها من الإطار الرمزي النظري، فمعظمها له قيمة حقيقية في مجال الدراسات الرمزية التطبيقية؛ وهي جمعيا تحرث أرضا بكرا، وتغامر باقتحام ميدان لا يزال العهد به حديثا في الفكر الفلسفي والنقدي العربي. وهذا هو ما لا يجب أن ننساه حين نشير إلى هذه الدراسات.

كما لا يعني ذلك أيضا، أن الدراسات الأخرى التي حاولت – على اختلاف في العمق والاستقصاء – أن تعالج مفهوم الرمز توطئة لموضوعها التطبيقي(32)، قد تميزت عن الدراسات المشار إليها سابقا، من حيث المنهج وعمق التحليل؛ فذلك أمر لا يمكن إثباته إلا بعد بحث ومقارنة كافيين لمجمل العمل، وليس للتمهيد النظري وحده؛ لا سيما أن معظم التمهيدات التي وقفت عند مفهوم الرمز، كانت وقفتها في الأغلب عابرة، فلم تتجاوز بعض الجوانب المحدودة الشائعة في مفهوم الرمز، خاصة عند "كاسيرر" و"سوزان لانجر".

     
ولعل ما صدق على مفهوم الرمز من حيث الإطار النظري، سواء في التراث أم في الدراسات المعاصرة، يصدق أيضا على مفهوم (الحرية)؛ مع فارق يستحق التنويه، وهو أن (الحرية) بوصفها غاية، وبمعناها السياسى وحده، كانت وثيقة الصلة بحركة التحرر الوطني، في نضالها ضد المستعمر من جهة، وضد الطبقات المستبدة من جهة أخرى، مما أكسبها حضورا ملموسا عن طريق الممارسة اليومية.

ولكن ذلك لا ينفي حاجتنا إلى الاستفادة من التحليل النظري الغربي، لمعالجة مشكلة (الحرية) معالجة عصرية، خاصة إذا كان ذلك التحليل غائبا عن تراثنا. ولا شك في أننا – إذا ما استثنينا المصدر (الكلامي)، الذي خلف لنا مادة غنية غزيرة حول قضية الجبر والاختيار، خاصة لدى المعتزلة – ألفينا أننا لا نكاد نقبض من مفهوم (الحرية) في التراث، إلا على الدلالتين الأساسيتين اللتين كان يدور حولهما المصطلح واشتقاقاته، منذ العصر الجاهلي.

ترتكز أولى هاتين الدلالتين على الجانب السلبي لمفهوم الحرية، الذي أشار إليه "إشعيا برلين I. Berlin" (1909-1998)، واصفا إياه بأنه امتناع العوائق والعقبات التي تقف أمام فعل الإنسان الحر(33)؛ والذي أشار "قسطنطين زريق" إلى خطورته على المجتمع، من حيث إنه قد ينقلب إلى فوضى شاملة(34)، فالإنسان بهذا المعنى السلبي، هو الذي يفعل ما يشاء حيثما شاء بأي وسيلة شاء.

إن الحرية بهذا المعنى قد تبدو نقيض العبودية، حيث إرادة العبد مقيدة ومحكومة بإرادة سيده، وبالعقبات التي يضعها المجتمع في طريقه. وكان العرب الأوائل يفخرون بحريتهم على هذا النحو، وينفون عن أنفسهم أي مظهر من مظاهر العبودية، اللهم إلا العبودية التي تدلنا عليها أسماء الأعلام الجاهلية، مثل (عبد الأشهل وعبد شمس وعبد العزى وعبد القيس وعبد اللات) (35)؛ إلى آخر هذه الأسماء التي تضاف عبوديتها إلى أربابهم وأصنامهم. ونستثنى أيضا عبودية الضيف التي كانت أمارة فخار وعلامة كرم وأريحية، يقول المقنَّع الكندي(36):

وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً         وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا

وتبدو دلالة الحرية هنا ذات بعد اجتماعي، يصير فيه تقسيم الناس إلى عبيد وأحرار. وتصادفنا أحيانا دلالة قِيميَّة، تكون الحرية فيها مرتبطة بقيم الجمال والخير والشرف، ومن هذا القبيل قولهم (حر المال وحر الوجه وحر الذهب). ومن ذلك قول "ذي الرمة" يصف سحاباً(37):

فصار حيًا وطبق بعد خوف         على حرية العرب الهزالي

إن (حرية) العرب هنا، تعني أشرافهم وساداتهم والمقدَّمين منهم. ولم تخرج الدراسات التي تناولت مفهوم الحرية في التراث العربي عن هاتين الدلالتين، وقد لاحظ "فرانز روزنتال F. Rosenthal"، الذي بذل جهدا كبيرا في استقصاء مصطلح الحرية في مجالاته التراثية؛ هذه الصورة الميتة التى وجد عليها مفهوم الحرية في التراث(38).
وكما كان مفهوم الرمز يشيع بصورته الدارجة، عند أغلب من استعملوه – باستثناء الصوفية وبعض فرق الشيعة – فكذلك الحال أيضا مع مفهوم الحرية، الذي وجد لدى الصوفية حياة أعمق، واكتسب دلالة أبعد من المستوى المعتاد، الذي تشير إليه الحرية في دلالتيها السابقين. وقد لاحظ "روزنتال" ذلك أيضا، فأبدى دهشته من المستوى الرفيع للمعنى الذي بلغته كلمة الحرية، في استعمال الصوفية لها؛ وقرر أن الحرية واحدة من كلمات متعددة ملأها المتصوفة بمعايير عميقة.

ومن الغريب حقا، أن نجد (الإشارة) بوصفها من مرادفات الرمز – كما ذكرنا فى سياق آخر – تقترن بالحرية أو بالأحرار من الرجال، بينما لا يبقى للعبد إلا العصا، ولنجرب أن نقرأ هذا البيت، وإذا شئنا، فلنستبدل الرمز بالإشارة:

العبد يقرع بالعصا         والحر تكفيه الإشاره(40)

إن هذا الاقتران بين الحرية، وبين الإشارة/ الرمز، شبيه باللفتة التي نبهنا إليها "القنوجي"، حين اكتشف العلاقة الضدية التي تختزلها كلمة (طِلَّسم) (41)، بين السلطة بوصفها قمعا وكبتا للحرية من جهة، وبين الطِّلَّسم الذي يشير إلى الأسرار التي يختزنها الرمز، من جهة أخرى. وهكذا تتجلى هذه العلاقة الضدية في قراءة كلمة طِلَّسم من اليمين إلى اليسار لتصبح (طلسما) على ما هي عليه، أو من اليسار إلى اليمين لتصبح (مُسلَّطاً)، اسم المفعول من السلطة!
وكما لاحظنا أن الدراسات العربية الحديثة التي عرضت لقضايا الرمز، قد سكتت عن تحديد الإطار النظري للمفهوم، أو لجأت أحيانا إلى تحديده عن طريق المصادر الفكرية والنقدية الغربية، نلاحظ الشيء نفسه تقريبا على الدراسات المناظرة التي عرضت لمفهوم الحرية، كل ما في الأمر أن درس الحرية والانشغال بها، ظهر مبكرا في حياتنا المعاصرة، بوصفه هماً قوميا شغل المثقفين والمفكرين والأدباء، منذ فجر اليقظة والوعي القوميين، نظرا للظروف التي كانت تمر بها مجتمعاتنا تحت ظل الهيمنة العثمانية أو الأوروبية، أو حتى تحت ظل أعداء الدستور والحياة النيابية، من الباشوات والطبقات العليا، ومن المنادين بالحكم المطلق.

تفتحت العقول على طلب الحرية عندنا منذ القرن التاسع عشر؛ وتواترت الكتابات حول هذه القضية ونضجت، في العقود الأولى من القرن العشرين، حين استطاعت الثقافة المصرية أن تتعرف على الليبرالية الغربية، وعلى أنماط الحياة الديمقراطية في المجتمعات المتقدمة. ولعل أحد الأمثلة الفكرية الدالة، هو ذلك الحوار الخصب الذي دار بين "العقاد" من جهة و"سلامة موسى" من جهة أخرى، بعد أن أصدر الأخير كتابه الشهير (حرية الفكر وأبطالها في التاريخ) فكتب "العقاد" تعقيبا على الكتاب في أبريل 1927 تحت عنوان (حرية الفكر)، لم يمنعه فيه خلافه الفكري مع "سلامة موسى" حول بعض ما ورد في كتابه، من أن يقول(42) مدافعا عن حرية الفكر:
(فليس أصلح للعقل المصري في هذه اليقظة التي يتيقظها الآن، من الجرأة على التفكير، والقدرة على انتزاع المنازع المستقلة في الرأى والإحساس. وليس أحق بالترحيب من الكتب التي تفك العقول من أسر قديم، لا فضل له غير القدم، أو تخرج بها عن سنة موروث، لا تحفظه إلا سهولة العادة وصعوبة الحرية والابتداع).

مع هذا القدر من النضج الذي حظى به مفهوم الحرية، من خلال المعايشة وممارسة النضال ضد المستعمر، أو ضد الطبقات المهيمنة، وسائر أشكال الاستبداد الأخرى، التي كان "الكواكبي" قد كتب عن (طبائعه)، فإن خلو تراثنا من إطار نظري متماسك، يمكن أن يعالج من خلاله مفهوم الحرية، قد أدى – كما حدث لمفهوم الرمز من قبل – إلى اتجاه المفكرين الذين يعالجون قضية الحرية اليوم، إحدى وجهتين: فإما أن يحصروا مفهوم الحرية فيما يتيحه لهم التراث من حدود ضيقة، تتوزع مصادرها بين كتب العقائد والأخبار والأدب والتاريخ، كما فعل بعض الكتاب(43)، أو أن يلجأوا إلى الطريق المختصر المشروع، طريق الاستعانة بمناهج العلوم الإنسانية الغربية ونتائجها، في تحديد المفاهيم وضبط المصطلحات من خلال منظور فلسفي عام، كما فعل مثلاً "زكريا إبراهيم" في محاولة تكاد تكون هي الرائدة في ذلك المجال(44)، ثم تلاه آخرون(45).

وتستحق محاولة "عبد الله العروي" وقفة صغيرة، خاصة لأنه في مغامرته باللجوء إلى تكوين إطار نظري يقوم بكامله على مصادر تراثية، وجد نفسه مضطرا إلى ربط فكرة الحرية بالعشيرة، جاعلا الدولة رمزا للعبودية، داعيا إلى ردم الهوة التي نتجت عن قفز الفقه على العشيرة! والأغرب من ذلك كله أنه يعرَّف الحرية بالتقوى(46)، من حيث إن التقوى امتناع ذاتي عن اتباع المحظورات. وهو هنا يعمد إلى إفقار معنى الحرية الصوفية، فيقنع منها بما بدا له على السطح، حتى يتسنى له أن يحصر هذا المعنى في مجرد الخلاص من رق الشهوات، والفناء في إرادة الحق، والانمحاق في تجلي نور الأنوار(47). ولسنا في حاجة إلى التنبيه إلى خطورة انتزاع المعنى الصوفي للحرية عن سياقه، لينصرف إلى دلالات أخرى غريبة عليه.

وفي رأينا أن وضع المسألة في صيغة (إما: أو) على هذا النحو، فيه كثير من العسف وسوء التقدير. وهو يرتبط أساسا بالاضطراب الذي نعانيه حتى الآن في موقفنا من قضية (التراث والتجديد) أو (الأصالة والمعاصرة)، إلى آخر هذه الثنائيات التي تكاد تشل حركتنا في اتجاه النهضة والتقدم.

نحن نحتاج في هذا الأمر، إلى أن ندرك أن مناهج العلوم الإنسانية قد تطورت في الغرب، بما يملي علينا أن نستعين بها ونحن نعالج المفاهيم المختلفة في هذه العلوم، إذا أردنا لعلومنا أن تتقدم كما تقدمت علوم الغرب. وليس في الاستعانة بهذه المناهج خطر يهدد ضياع الهوية كما يتصور البعض، وربما كان العكس هو الصحيح؛ فالهوية تضيع وتتلاشى عندما تتقوقع على ذاتها وتنعزل عن رصيد المعارف والمعلومات، الذي يتنامي ويطرد يوما بعد يوم.

لا ضير إذن فى أن نستعين في تحليلنا للعلاقة بين مفهوم الرمز ومفهوم الحرية، بل وفي درس أي مفهوم من هذين على حدة، بما نجده مفيدا لنا في الفكر الغربى المعاصر؛ وإنها لفائدة يبررها الجانب الإنساني المشترك بين البشر كافة، مهما تعددت المجتمعات وتنوعت الثقافات.
رمز الشجرة (محاولة تطبيقية)

رمز الشجرة من الرموز الإنسانية في تراث الإنسان وثقافته بصفة عامة؛ وهو ليس بالرمز المغلق، الذي يمكن أن نحصره ومرموزاته في نطاق واحد معروف، أي بمعنى أصح ليست هناك رمزية من نوع معين للشجرة؛ ففي كل مكان، لا يخلو الأمر من وجود أشجار كثيرة مقدسة من أنواع متعددة(48) وربما كان في هذا التنوع الذي يصاحب الدلالة الرمزية للشجرة، شيء من الغموض الذي تلف هالته هذا الرمز(49)؛ فهناك (الشجرة الكونية Cosmic) بفروعها التي لا تكاد تتفرع، حتى تعود لتلتقى ثانية في عملية رمزية تشير إلى الانطلاق من الوحدة إلى التنوع، ثم إلى الوحدة مرة أخرى. وهناك (شجرة المعرفة) التي تشير إليها الكتب المقدسة في الديانات السماوية. وهناك (شجرة الحياة) التي عرفها المصريون القدماء وقدسوها، وهي ترمز إلى التجدد والشباب الدائم، ولم تكن محصورة في نوع معين من أنواع الشجر، فهي مرة شجرة جميز Sycamore ومرة شجرة سنط Acacia، بالإضافة إلى بعض الأشجار الأخرى التي قدسها المصريون.

وقد بلغت قداسة الشجرة ورمزيتها الدينية، إلى الحد الذي جعلها مصدر قوة وتجدد للآلهة نفسها، وليس للإنسان فحسب؛ فهذا "رع" يستمد قوته من جميزة و"حورس" من سنطة(50). وهناك أيضا (شجرة الحكمة العظمى) التي كانت ترمز إلى "بوذا Buddha"، و(شجرة الخلد) ذات الخضرة الدائمة(51)، التي نراها في الرابع والعشرين من ديسمبر كل عام، في طقوس الاحتفال بالكريسماس. وقد لعبت الشجرة دورا هاما في الرمزية المسيحية، إذ أنها تصلح رمزا للموت والحياة معا، فالشجرة القوية النامية تدل على الحياة، والضعيفة الذابلة تدل على الموت(52)؛ وفي العصور الوسطي كانت (شجرة الجوز) مثل المسيح، فاللب الداخلي الحلو في الثمرة، هو طبيعته الإلهية، والقشرة الخضراء الطرية الكاسية، هي طبيعته البشرية، أي ناسوته، والغلاف الخشبي المتغلغل في ثناياها، هو الصليب(53).
تتعدد الدلالات الرمزية التي يمكن أن ترتبط بنوع واحد من أنواع الرمز الشجري، أو برمز الشجرة عامة، ففي (سفر حزقيال) إشارة إلى أن ملكوت الله الذي ينبت من بذرة صغيرة، سوف يصبح شجرة كبيرة يأوي تحتها كل طائر، بينما نجد أن الشجرة في (سفر التكوين)، ترمز إلى الحكمة المزيفة التي ينتحلها الإنسان(54). مثل هذا الازدواج الرمزي نجده أيضا في رمزية السَّرو Cypress، الذي يمكن أن يشير بشكله المخروطي الرشيق إلى السماء؛ ولذا تكثر زراعته بين المقابر، كما يمكن أن يصلح من جهة أخرى رمزا للقضيب(55).
ويعنى هذا أننا نُحسن صُنعاً عند التعرض لرمز الشجرة، لو وضعنا في حسابنا هذا التعدد والازدواج والغموض، ذلك أن في الاقتصار على بعد واحد من أبعاد رمزية الشجرة، تضييق لسعة الرمز وإفقار لخصوبته.

وتحتل رمزية الشجرة مكانة كبيرة ذات تاريخ متصل في تراثنا، فقد تجسدت هذه الرمزية في الأساطير القديمة، وانتقلت بالتالي إلى الشعر الجاهلي والإسلامي، ولا سيما بعد أن وردت الشجرة بحضورها الرمزي المكثف في القرآن الكريم سبع مرات. وانتشر استخدام الرمز ليغطي مجالات معرفية شتى، فمن (شجرة الأنساب) إلى (شجرة العائلة)، إلى ما أولع به اللغويون من رصد لتسلسل الألفاظ، وتفرع معانيها المشتبكة اشتباك الغصون في الشجرة الكثيفة، فكتبوا عن المسلسل وعن (شجر الدر) (56)؛ ثم إلى ما أغرم به مصنفو الموسيقا، حين تحدثوا عن (الشجرة ذا الأكمام) (57)؛ إلى آخر هذه الاستعمالات المتفاوتة العمق لرمز الشجرة في تراثنا.

ولنبدأ بالمستوى الأول من مستويات رمز الشجرة، ويمثله النموذج الذي قدمه لنا شاعر مخضرم هو (حميد بن ثور الهلالي)، في قصيدة له قالها بعد أن حرم "عمر بن الخطاب" الغزل والتشبيب بالنساء، فلا يشبب أحد بامرأة إلا جَلَده(58)، فامتثل من الشعراء من امتثل؛ ولم يكن "حميد بن ثور" من بين هؤلاء الممتثلين، ولكنه لم يكن يريد أن يُجلَد. ولم يكن هنالك مخرج في حالة كهذه، من أن يلجأ الشاعر إلى الرمز، وإلى رمز الشجرة بالذات، لأنه يصلح للتعبير عن الأنوثة كما يقول "كوبر J. C. Cooper"(59)؛ فكانت هذه القصيدة التي نالت إعجاب "صلاح عبد الصبور"، فعدها من فرائد الرمزية التي لم تتكرر في الشعر العربي(60). يقول الشاعر فيها:

أبى الله إلا أن سرحة مالك         على كل أفنان العضاه تروق
فقد ذهبت عرضا وما فوق طولها        من السرح إلا عشة وسحوق
حمي ظلها شكس الخليقة خائف        عليها غرام العاشقين شفيق
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه        ولا الفيء من برد العشي تذوق
فهل أنا إن عللت نفسي بسرحة        من السرح مسدود على طريق(61)؟

شجرة (السرح) هنا رمز لمحبوبة الشاعر، في رشاقتها وتوسط طولها وتميزها عن أنواع الشجر الأخرى. غير أن الخليفة حمى ظلها، فمنع الشاعر أو الحبيب، لا عن أن ينعم به فحسب، ولكن أيضا عن أن يعبر عما يحسه من شوق إليه، أي إلى حبيبته. لقد انسد الطريق أمام الشاعر، ففتح له الرمز طريقا آخر.

إننا هنا أمام فن رمزي بالتأكيد، ولكننا لم نبرح الوظيفة التمثيلية للرمز بعد: إذ يكفي أن نرفع اسم (السرحة) ونضع مكانه اسم الحبيبة، لتنتفي هذه العملية التمثيلية ويتلاشي الرمز. وربما لا يمنعنا عن ذلك إلا براعة الشاعر في أن يستحلب من الرمز أقصى طاقاته الممكنة، فيعطي لبرد الظل تحت الشجرة نهارا ولبرد الفيء جوارها ليلا؛ أبعاداً عاطفية، وربما جنسية.

ولكن هذا لم يكن هو الأصل المباشر، أو السبب الأساسي في لجوء الشاعر إلى الرمز. لقد لجأ الشاعر إلى الرمز هربًا من السلطة التي حرمت الإفصاح، فالرمز إذن في هذا المستوى التمثيلي موجه أساسا لمقاومة السلطة، وخداع الرقابة التي تفرضها هذه السلطة. على أن هذا، ينبغى ألا يجعلنا نغفل عن نصوص أخرى كثيرة تستعمل الرمز في وظيفته التمثيلية، ولكن باعتباره من قبيل الأداة الفنية التي يلجأ إليها من يريد أن يسمو بفنه عن التقرير المباشر، ويكون للوظيفة التمثيلية للرمز في هذه الحالة دور جمالي خالص؛ على نحو ما نرى مثلاً في رمز (القمر)، أو (البدر) الذي يمثل المعشوقة في قصائد الحب.

تصادفنا الوظيفة التمثيلية لرمز الشجرة، في نماذج كثيرة في أدبنا المعاصر، منها مثلا قصة (ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً) للقاص "يحيى الطاهر عبد الله"، حيث تقوم شجرة البرتقال تمثيليا مقام (يافا) أو مقام الوطن الأم (فلسطين) (62). وربما يصدق ذلك على عمل روائي كتبه "طه حسين" بعنوان (شجرة البؤس)، حيث تنحصر الدلالة الرمزية في هذا العمل انحصارا يكاد لا يخرج بها عن الحكمة المعروفة (البذرة الخبيثة تنتج شجرة خبيثة)،تقول "زبيدة"، وهي إحدى شخصيات هذه الرواية: (لقد غرس شجرة البؤس فنمت وأتت ثمرها بشعا خبيثا) (63). ويمكن أيضا أن ندرج عمل "توفيق الحكيم" المعروف (شجرة الحكم) في هذا الإطار، حيث يتبادل لفظا (الحكم/ الخلق) دلالتيهما، في إشارة إلي الشجرة الواردة في الكتب المقدسة، وخاصة في القرآن: ?فَوَسوَسَ إلَيهِ الشَّيطَانُ قَاَل يا آدمُ هَل أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلدِ ومُلكٍ لا يَبلَى?(64)، وهي الآية التي أثبتها المؤلف نفسه في صدر الكتاب(65).
غير أن الاستعمال الذي يتصل بمفهوم الحرية في هذا المستوى من التعبير الرمزي، هو الاستعمال الذي مثلنا له بقصيدة "حميد بن ثور"، حيث يقف الشاعر ضد السلطة، ويتحايل على الرقابة التي تفرضها، خاصة عندما تمارس هذه السلطة قمعها عن طريق فرض مختلف أنواع العقاب.

الرمز هنا تحقيق لحرية التعبير، ووسيلة للإفلات من الرقابة التي ترتبط دائما بالسلطة المستبدة، ولذا فقد كانت موجودة في زمن "حميد بن ثور"، وهي موجودة اليوم بين الدول جميعها تقريبا، بدرجة أو بأخرى(66)، لكنها تزيد في الدول المتخلفة وتستشرى، فلم يكن في قارة أفريقيا كلها مثلاً، منذ بضعة عقود، سوى ثلاث وكالات أنباء مستقلة فقط(67)، والباقي يخضع لرقابة السلطات المحلية. وقد تتم الرقابة باسم السلطة السياسية، كما حدث في العقود الماضية في بلاد الكتلة الشرقية، إلى الحد الذي كان أحيانا يثير السخرية، فقد قام الرقيب في إحدى دول هذه الكتلة، بمنع كتاب "فرويد" عن "ليوناردو دافنشى Leonardo Da Vinici" (1452-1519) لمجرد أن اسم ذلك الرقيب كان بمحض المصادفة ("ليونارد") أيضاً(68)!
وربما كان كبح الحرية عن طريق النواهي، أخف من إرغامها عن طريق الأوامر(69)، ولذلك كانت الديكتاتوريات التي تفرض على مواطنيها أنماطا معينة من المعتقدات أو السلوك، هي أشد أنواع الديكتاتوريات تسلطا. وربما يصدق هذا على النازية، التي قاومت الفنون الرفيعة بالذات، لأنها تستعصى على الخضوع. وتلجأ هذه الديكتاتوريات إلى مقاومة الفن الرفيع، عن طريق حصر الفنون جميعها داخل إطار النوع الجماهيري الهابط، حتى تسهل مقاومتها(70).
وليست السلطة الدينية ببعيدة عن أختها السلطة السياسية، بل هي مظلة لها وظهير، وإذا كنا نجد رمز (السيد Lord) الذي يرمز إلى المسيح، قد أضفى القداسة المسيحية على (اللورد) الإقطاعي في العصور الوسطي(71)، فإن فى الأديان الأخرى أمثلة مشابهة، لعل من أبرزها رمز (الخليفة) فى الإسلام؛ ولهذا لا يستطيع الفن الحقيقي أن يقاوم إحدى السلطتين بمعزل عن الأخرى.

وإذا ما سلمنا بأن الفن الحقيقي عليه أن يحطم القيود ويتصدى لمختلف الأغلال، حتى يستشرف أفق الحرية(72)، استطعنا أن نكتشف في النصوص الصوفية الرفيعة أبعادا جديدة، تتمثل في تحرير الإنسان والخيال الإنساني، من التأويل المستبد الواحد، عن طريق الرموز والصور الفنية التي تخاطب الخيال في الذات، وتوقع التخييل في النفس(73)، وتهدف إلى الارتقاء بالروح والعروج بها إلى أعلى(74). والواقع أننا بقدر ما نرى أفق النصوص الأدبية الرفيعة ليس بمعزل عن أفق الدين(75) أو الرؤى الفلسفية عامة، فإن النصوص الصوفية الرفيعة كذلك، لا يمكن اعتبارها مجرد نصوص دينية، إذ أنها تنتمى – بالقدر نفسه – إلى مملكة الفن، لأنها ابنة الخيال وثمرة الإبداع.

وبين أيدينا أحد هذه النصوص، هو (شجرة الكون) لابن عربي، وهو ينتمي بشكل عام إلى النظرة الميتافيزيقية التي سادت في الديانات القديمة، ففهمت الكون من خلال الصورة الشجرية(76)، مع بعض الاختلاف حول التفاصيل من ديانة إلى أخرى.

غير أن نص "ابن عربي" يتميز عن مفهوم شجرة الكون (أو المعرفة أو الخلد) (77)، التي سادت في الديانات القديمة، من حيث كونه يجمع بين رمزية الحرف، ورمزية العدد، ورمزية شجرة الكون، هذا كله في نسق. ومن الشواهد على رمزية الحرف في هذا النص، الاستعمالات المتنوعة التي ميز فيها "ابن عربي" بين (كاف الكمالية) و(كاف الكنزية) و(كاف الكنتية) و(كاف الكفرية) (78)، وكذلك التناظر الذي أقامه بين أعضاء الجسم البشري، وحروف كلمة (محمد)، على أن الأولى مرموزات للثانية(79). وتبلغ هذه الرمزية مداها في قول ابن عربي: (وما أنا إلا مخلوق من حرفين وبالأمس كنت لا أثر ولا عين) (80)؛ مما يذكرنا بمحاولة ابن سينا التي لجأ فيها إلى صياغة تصور ميتافيزيقي للكون من خلال رمزية الحرف(81)، وبمحاولة (ابن مسرة) (82) و"السجستاني" و"البوني"، وغيرهم من أصحاب الرمزية (الحرفية)؛ كما يذكرنا بحرف (الألف) عند ابن عربي، من حيث هو حرف يرمز إلى (الله)؛ وهذا النوع من الرمزية، له ما يماثله في الديانة المسيحية، حين رمز بعض متصوفيها إلى (الله)، بالحرف اللاتيني (A) (84).
أما رمزية العدد في شجرة الكون، فتمثلها الوقفة الطويلة التي تأمل فيها "ابن عربي" رمزية العدد (خمسة)، فربط بين الصلوات الخمس والحواس الخمس وأركان الإسلام الخمسة(85). وينبغي ألا تغيب عنا الدلالة البعيدة لهذا الربط، من حيث هي تأكيد لدور الإدراك الحسي في الإيمان، وفوق ذلك دور الحواس الخمس نفسها، بما يرتبط بها من لذائذ وشهوات. وتنتشر في هذا النص تأملات تأويلية أخرى جريئة، منها مثلاً النظر إلى (إبليس) لا على أنه يمثل الصورة الشيطانية المقرونة بالشر في الكتب المقدسة، بل هو يمثل صورة أخرى أقرب إلى أن تكون بشرية، من حيث كونها تجسد الشخصية المرائية المنافقة (86) بين بني البشر.
وتختلط الرمزية الخاصة بشجرة الكون، في هذا النص العامر بالكنوز الرمزية المتصلة بالذات العلية، والحقيقة المحمدية، وسلسلة المراتب الكونية(87)، تختلط بأفكار وتأملات، تعود بعض عناصرها إلى ديانات وثقافات أخرى.

غير أن أصالة ابن عربي تعرض نفسها على النص، فهو يرى أن الشجرة لم تكن مرادة لذاتها، وإنما كانت مرادة لثمرتها(88)، وهذه الثمرة ليست سوى نهاية الرحلة الرمزية، التي يأخذنا فيها المتصوفون الكبار إلى أرض غير مطروقة، ولسان حالهم يقول: (من عرف المعاني عرف ما أعاني) (89)، فإن سألناهم عن هذه المعاني، أجابونا بأن الرمز لا يرد(90)، ولا يُستفسر عن معناه. وهكذا يلتقي برغم فاصل الزمان
والمكان، كل من "السهروردي"، و"ابن عربي" و"دان سبيربر"، على صعيد واحد.

وليس هذا الصعيد الذي يجمع القديم بالحديث والشرقي بالغربي والمتصوف بالشاعر بالعالم، سوى صعيد الرمز في مستواه العميق، الذي يترجم عن أعمق أعماق الروح.


الهوامش

(1) أحمد شوقي، الشوقيات، ج2، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة 1948، قصيدة (المؤتمر)، ص190 وما بعدها.
(2) إرنست كاسيرر، الدولة والأسطورة، ترجمة أحمد حمدي محمود، مراجعة أحمد خاكي، سلسلة (المكتبة العربية) الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1975، ص378-9.
(3) B. Gibbs, Freedom and Liberation, Sussex University Press, p. 10.
(4) عبد العزيز الحبابي، من الحريات إلى التحرر، دار المعارف (مكتبة الدراسات الفلسفية)، القاهرة 1972، ص41 وما بعدها.
(5) J. Waardenburg, Symbolic Aspects of Myth; in: (Myth, Symbol, and Reality), ed. by: A. M. Oison, op. cit., p. 51.
(6) كارل يونج، علم النفس التحليلي، ترجمة نهاد خياطة، دار الحوار، سورية (اللاذقية) 1985)، ص60.
(7) M. Eliade, Images & Symbols, trans. by Philip Mairet, op. cit., p. 11.
وانظر الترجمة العربية:
- ميرسيا إلياد، صور ورموز، مرجع سابق، ص10.
(8) نيلز بور، الفيزياء الذرية والمعرفة البشرية، ترجمة رمسيس شحاتة، مراجعة محمد عبد المقصود النادي، سلسلة (العلم للجميع)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1974، ص90.
(9) حسن طلب، علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، بحث بمجلة (الخليج الجديد)، العدد (66)، أغسطس 1981، الدوحة، ص52-3.
(10) J. Hick, Evil and The God of Love, The Macmillan Press LTD, 2nd ed., Pp. 68-9.
(11) A. Kolnai, Ethics, Values, and Reality, Introd. by: B. Williams and D. Wiggins: University of London, The Athlone Press, 1977, p. 123.
(12) M. Seliger, Ideology and Pollitics, George Allen & Unwin LTD. London 216, p. 216.
(13) كامل زهيري (المشرف على التحرير)، موسوعة الهلال الاشتراكية، دار الهلال، القاهرة 1970، مادة (حرية).
(14) S. Lukes, Individualism, Basil Blackwell, Oxford 1979, p. 127.
(15) ويليام ك. ويمزات، وكلينث بروكس، النقد الأدبى، ج4، مرجع سابق، ص82.
(16) جوزيف كومبز، الحرية والقيمة، ترجمة عادل العوا، دار الفكر، ط1، دمشق 1975، ص24-5.
(17) ي. ياسين و ف. م. كراسنوف، علم الجمال الاجتماعي الرمزي، في كتاب: علم الجمال البورجوازي المعاصر؛ ج1، ترجمة فؤاد مرعي، دار الفجر، سورية (حلب) د..، ص71.
(18) G. Grana, Fact and Symbol: Essays in The Socilogy of Art and Literature, op. cit., p. 126.
(19) H. D. Duncan, Symbols in Society, op. cit., Pp. 243-6.
(20) عباس محمود العقاد، الحرية والفنون الجميلة، في أعماله الكاملة، المجلد 25 بعنوان (الأدب والنقد2)، دار الكتاب اللبناني، ط1، بيروت 1983، ص85 وما بعدها.
(21) راجع الشواهد الشعرية الثلاثة، في الدواوين الآتية على الترتيب:
- ابن منير الطرابلسي، ديوانه، جمعه: عمر عبدالسلام تدمري، دار الجبل ط(1)، بيروت 1986، ص147.
- البهاء زهير، ديوانه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ومحمد طاهر الجبلاوي، دار المعارف (سلسلة ذخائر العرب 53)، القاهرة 1977، ص134.
- ظافر الحداد، ديوانه، تحقيق حسين نصار، مكتبة مصر، القاهرة 1969، ص163-4.
يقول "ظافر" في وصف روضة:
والروض فيه تغازل وتمايـــــلُُ وتشاغل وتراسل ولغــــوزُ
للطير فيها بالغصون تصــــارخُُ وتصايحُُ وتفاصحُُ ورمــــوز
ثم يعود لينتقل في الصفحة التالية إلى الرمز بمفهومه السحري المتصل بأسرار الكيمياء القديمة وطلسمات حجر الفلاسفة، يقول:
يا راغباً في غني وكــنز وكيميـاء بغـير رمـــز
(22) الصفدي، نكت الهميان في نكت العميان، تحقيق أحمد زكي، مطبعة الجمالية، القاهرة 1911، ص140.
(23) أمية حمدان، الرمزية والرومانتيكية في الشعر اللبناني، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد 1981، ص79.
(24) العماد الأصفهاني، خريدة القصر وجريدة العصر، ج3، من المجلد الأول، تحقيق محمد بهجة الأثري، وزارة الإعلام، بغداد 1976، ص346.
(25) الصفدي، الوافي بالوفيات، ج13، تحقيق محمد الحجيري، دار فرانز شتاينر، فيسبادن 1984، ص73.
(26) درويش الجندي، الرمزية في الأدب العربي، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1958، التمهيد من ص11 إلى ص36.
(27) مصطفى ناصف، رمز الطفل: دراسة في أدب المازني، القاهرة، د.ت. المقدمة، ص5-8.
(28) نذير عظمة، المعراج والرمز الصوفي: قراءة ثانية للتراث، دار الباحث، ط1، بيروت 1982.
(29) سليمان الشطي، الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ، المطبعة المصرية، ط1، الكويت 1976.
(30) تسعدي آيت حمودي، أثر الرمزية الغربية في مسرح توفيق الحكيم، دار الحداثة، ط1، بيروت 1986، ص13-15.
(31) انظر عرضاً مفصلاً لهذا الكتاب في مقال: محمد زين جابر، رمزية غربية لدى توفيق الحكيم، جريدة النهار اللبنانية، الصفحة الأدبية، عدد 15 / 2 / 1986م.
(32) من هذه الدراسات:
- أنطون غطاس كرم، الرمزية والأدب العربي الحديث، دار الكشاف، بيروت 1949.
- إسماعيل رسلان، الرمزية في الأدب والفن، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، د.ت.
- محمد فتوح أحمد، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، دار المعارف، ط3، القاهرة، 1984.
- أمية حمدان، الرمزية والرومنتيكية في الشعر اللبناني، وزارة الثقافة، بغداد، 1981.
- عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، دار الأندلس ودار الكندي، ط1، بيروت 1978.
(33) إشعيا برلين، أربع مقالات في الحرية، ترجمة عبد الكريم محفوض، وزارة الثقافة، دمشق 1980، ص276.
(34) قسطنطين زريق، في معركة الحضارة، دار العلم للملايين، بيروت ص282.
(35) عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب، ج2، دار العلم للملايين، بيروت 1968، مادة (عبد).
(36) ابن عبد الحميد العبيدي، التذكرة السعدية، تحقيق عبد الله الجبوري، الدار العربية للكتاب، ليبيا – تونس 1981، ص191/ والبيت من قصيدة للشاعر وردت في مصادر أخرى قديمة.
(37) ابن منظور، لسان العرب، مادة (حرر)، ولم نجد البيت في ديوان ذى الرمة المطبوع نقلاً عن نشرة المستشرق "مكارنتي"، غير أن هناك طبعة أخرى مشروحة في 3 مجلدات صدرت في دمشق، ليست بين أيدينا الآن.
(38) فرانز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام، ترجمة معن زيادة ورضوان السيد، معهد الإنماء العربي، ط1، طرابلس 1978، ص28.
(39) المرجع السابق، ص36-37.
(40) صاحب هذا البيت هو "الصَّلتان الفهمي"، وهو على الأرجح شاعر أموي، انظر:
- أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدى، المؤتلف والمختلف، طبعة مصورة عن نشرة المستشرق "ف.كرنكو"، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1982، الترجمة رقم (465)، ص145. والجدير بالذكر هنا، أن هذا البيت قد تكرر بمعناه ولفظه – عدا الكلمة الأخيرة – لدى شعراء آخرين ربما يكونون قد أخذوا عن "الصلتان"؛ ومن هؤلاء "مالك بن الريب" في قوله:
العبد يُقرع بالعصـا والحر يكفيه الوعـيدُ
وكذلك "يزيد بن مفرغ الحميرى" الذي يقول:
العبد يُقرع بالعصا والحر يكفيه الملامه
غير أن الذي سبقهم جمعياً، هو الشاعر الجاهلي القديم "أبو دؤاد الإيادي" في قوله:
العبد يقرع بالعصا والحـر تكفيه المقاله
انظر إلى كلمة جامع ديوان "يزيد بن مفرَّغ الحميري، في:
- يزيد بن مفرغ الحميري، ديوانه، جمع عبد القدوس أبي صالح، مؤسسة الرسالة، بيرويت 1975، ص215 – 17 وقد طرق الشعراء الكبار هذا المعنى بصيغ مختلفة، فهذا "بشار" يقول: (الحر يُلحَى والعصا للعبد) ويقول "المتنبي": (لا تشتر العبد إلا والعصا معه". وهي كلها شواهد تؤكد اقتران الحرية باللغة عامة، وبالإشارة على وجه الخصوص.
(41) القنوجي، أبجد العلوم، مرجع سابق، ج2، ص532.
(42) عباس محمود العقاد، الأعمال الكاملة، مرجع سابق، المجلد 26 (الأدب والنقد -3)، ص152.
(43) من الكتب المنشورة حول هذا الموضوع:
- محمد على علوبه، الإسلام والديمقراطية، لجنة البيان العربي، القاهرة 1950.
- إبراهيم عبدالواحد وافي، الحرية في الإسلام، دار المعارف (سلسلة اقرأ 304)، القاهرة 1968.
(44) زكريا إبراهيم، مشكلة الحرية، مكتبة مصر، ط3، القاهرة 1971.
(45) انظر مثلاً: - حبيب الشاروني، بين برجسون وسارتر (أزمة الحرية)، دار المعارف (سلسلة مكتبة الدراسات الفلسفية)، القاهرة 1963.
- يوسف ميخائيل أسعد، ميادين الحرية، دار الكاتب، العربي، القاهرة 1968.
- سعد عبد العزيز حباتر، مشكلة الحرية في الفلسفة الوجودية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1970.
- محمد عزيز الحبابي، من الحريات إلى التحرر، دار المعارف (سلسلة مكتبة الدراسات الفلسفية)، القاهرة 1972.
- عبدالله العروي، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1981.
(46) عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ص21-22.
(47) الجرجاني (أبو الحسن علي بن محمد)، التعريفات، الدار التونسية للنشر، تونس 1971، مادة (حرية). وقد أخذ عنه "القاشاني" هذا التعريف بالنص، انظر: القاشاني، اصطلاحات الصوفية، تحقيق محمد كمال جعفر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1981، مادة (حرية).
(48 T.E. Cirlot. A Dictionary of Symbols, trans. from Spanish by: J. Sage, op. cit., art: Tree.
(49) T. Chetwynd, A Dictionary of Symbols, Paladin Grafton Books, London 1986m art: Tree.
(50) M. Lurker, Gods and Symbols of Ancient Egypt: An Illustrated Dictionary, trans, from German by: B. Cummings, Thames and Hudson, London 1980, art: Tree.
وقد انتقلت قدسية شجرة الجميز من مصر إلى العبرانيين، انظر :
H. M. Westropp and C. S. Wake, Ancient Symbol Worship: Influence of the Phallic Idea in The Religions of Antiquity, 2nd ed. New Impression, Curzon Press Ltd. P. 44.
(51) J. C. Cooper, op. cit., art. Tree.
(52) جورج فيرجسون، الرموز المسيحية ودلالاتها، ترجمة يعقوب جرجس نجيب، بإشراف زاهر رياض، القاهرة 1964، مادة (شجرة).
(53) يوهان هويزنجا، اضمحلال العصور الوسطي، دراسة لنماذج الحياة والفكر والفن بفرنسا والأراضي المنخفضة، مرجع سابق، ص200.
(54) فاضل سيداروس اليسوعي، سليم دكاش اليسوعي، (المشرفان على الترجمة)، معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، بيروت 1986، مادة (شجرة). وقارن ما ورد في سورة (الإسراء) آية 60، عن (الشجرة الملعونة).
(55) T. Chetwynd, op. cit., art. Tree.
(56) انظر مثلاً:
- أبو طاهر التميمى، المسلسل في غريب لغة العرب، تحقيق محمد عبدالجواد ومراجعة إبراهيم الدسوقي البساطي، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة د.ت.
- أبو الطيب عبدالواحد بن علي، شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة، تحقيق محمد عبدالجواد، دار المعارف، سلسلة ذخائر العرب (2)، القاهرة 1968.
(57) انظر: الشجرة ذات الأكمام، (مؤلف مجهول)، تحقيق غطاس عبدالملك خشبة، وإيزيس فتح الله، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1983.
(58) أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ج4، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1950، ص356 وما بعدها.
(59) . C. Cooper, op. cit., art. Tree.
(60) صلاح عبدالصبور، قراءة جديدة لشعرنا القديم، منشورات أقرأ، بيروت، د. ت. ص125.
(61) أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني ج4، وانظر القصيدة كاملة في: حميد بن ثور، ديوانه، تحقيق عبدالعزيز الميمني الراجكوتي، دار الكتب 1964، على خلاف في ترتيب الأبيات.
(62) يحيى الطاهر عبدالله، ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة 1970.
(63) طه حسين، شجرة البؤس، مطبعة المعارف ومكتبتها، القاهرة 1944، ص100.
(64) سورة طه، الآية: 120.
(65) توفيق الحكيم، شجرة الحكم، مكتبة الآداب بالجماميز، القاهرة د.ت.
(66) B. M. Leiser, Liberty, Justice, and Morals: Contemporary Value Conflict. Macmillan Publishing Co. Inc. N. Y. 1979, p. 126.
(67) Ibid, p. 130
(68) Ibid, p, 129.
(69) جون هولت، الحرية وما وراءها، ترجمة نظمي لوقا، دار المعارف، القاهرة 1978، ص33.
(70) هونورا روندل، حرية الفن، ترجمة حسن طاهر رزوق، دار الطليعة، ط1، بيروت 1973، ص108.
(71) J. Bentley, Between Marx and Christ, Verso Editions and NLB, London, 1982, Pp. 92-3.
(72) عبدالمنعم تليمة، مداخل إلى علم الجمال الأدبي، دار الثقافة، القاهرة 1987، ص85.
(73) حسن حنفي، قراءة النص، مجلة (ألف)، العدد 8، القاهرة 1988، ص13.
(74) المرجع السابق، ص20.
(75) انظر المحاولة التي قام بها "ستيورات سذرلاند" لتفسير الإخوة كرامازوف فلسفياً في:
S. R. Sutherland, Atheism and Rejection of God, Basil Blackwell, Oxford 1977, Pp. 3-24.
(76) جون ستيورات كوليس، انتصار الشجرة، ترجمة مروان الجابري ومراجعة أنيس فريحة، المؤسسة الوطنية بالاشتراك مع فرانكلين، بيروت 1963، ص101 وما بعدها.
(77) المرجع السابق، ص107-8.
(78) ابن عربي، شجرة الكون، المطبعة البهية بحوش قدم، القاهرة 1310هـ، ص2-3.
(79) المرجع السابق، ص10.
(80) المرجع السابق، ص22.
(81) ابن سيناء، الرسالة النيروزية، مرجع سابق، ص30-42.
(82) ابن مسرة، كتاب خواص الحروف وحقائقها وأصولها (من كلام الشيخ أبي عبدالله الجيلي)، تحقيق محمد كمال جعفر، ضمن كتابه: في الفلسفة الإسلامية، مكتبة دار العلوم، القاهرة 1976، ص307-13.
(83) السجستاني (أبو يعقوب)، كتاب الينابيع، تحقيق مصطفى غالب، المكتب التجاري ط (1)، بيروت 1965، ص67-70، واللافت للنظر أن السجستاني يصدر عن رؤية سحرية لرمزية الحرف، وهي رؤية لم يكد ينجو منها أحد – على اختلاف في الدرجة – من المفكرين والمتصوفة الذين شُغلوا برمزية الحروف، وقد بلغت هذه الرؤية مداها عند "البوني"، الذي ملأ كتابه الضخم (شمس المعارف الكبري) بأفكار دينية شعبية عن الخواص السحرية للحروف، وما فيها من (الأسرار والإضمارات والخدًّام والأملاك)! ثم توقف عند كل حرف من الأبجدية العربية على حدة، مرة بعد مرة، ليكشف في كل مرة وجها من فوائد كل حرف وطاقته السحرية الكامنة وطبيعته الرمزية المذهلة؛ وكأنه يجمع سائر معتقدات عصره في هذا المجال؛ انظر:
- الإمام أحمد بن على البوني، شمس المعارف الكبري، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1962، ص3 وما بعدها و304 وما بعدها، و350 وما بعدها، وص398 وما بعدها.
(84) E, Copleston, S. J. op. cit., vol. 2, p. 458.
(85) ابن عربي، شجرة الكون، ص13-14.
(86) المرجع السابق، ص15، وقارن صورة أخرى غير تقليدية عن إبليس، في:
- صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، دار الطليعة، ط5، بيروت 1982، ص55-87.
(87) محمد مصطفى حلمي، كنوز في رموز، مرجع سابق، ص59.
(88) ابن عربي، شجرة الكون، ص20.
(89) المرجع السابق، ص21.
(90) السهرودي، (شهاب الدين يحيى)، حكمة الإشراق، ضمن (مجموعة مصنفات)، المجلد الثاني، تصحيح المستشرق هنري كوربان، مؤسسة (مطالعات وتحقيقات)، طهران 1372هـ ، ص10.

***

الشعرُ: سفيراً فوق العادة

بحث في علاقة الشعر بالمعرفة والجمال

مهدي بندق

هل يمكن في سياق البحث عن علاقة الشعر بوالديه: الجمال والمعرفة أن نبدأ بسؤال عن الأم أولا (بما هي أنثي) عن سرها؟ أو بصيغة أخرى نسألها: من أين تأتين أيتها المعرفة؟ أنا أعتقد أن هذا سؤال خاطئ في بنيته "المعرفية" ذاتها.. إذ يفترض بداية أن المعرفة جوهر مستقل عن الأشياء المطروحة في العالم، فيترتب عليه أن الدماغ يوجد فارغا أول الأمر– كما ُيظن في حالة الطفل المولود- ثم ينثال فيه (بطريقة غامضة) وعيٌ ذو طبيعة معنوية غير مادية بالإطلاق، ذلك ما كان يدعو إليه ديكارت ومن سار على دربه من الداعين للفلسفة المثالية – أسطورة الطبقات المالكة - أمثال كانط وفشته و وشيلنج، الذين طالما عرقلوا بفخامة واقتدار أية جهود تبذلها الطبقات الكادحة لتحسين أحوالها، وهي الغارقة في الجهل المفروض عليها (ممن؟!) فما دام الوعي يأتي من خارج فلا مندوحة من انتظاره يأتي (أو لا يأتي) وقت يشاء، وبهذا ُتغم على تلك الطبقات الكادحة إدراك الأسباب "المادية" لبؤس أبنائها وحرمانهم.
بيد أن المشكلة التي عجز هؤلاء الفلاسفة عن حلها – على المستوى الاحترافي - إنما تمثلت في السؤال التالي: إذا كانت المادة والوعي مختلفين بطبيعتهما؛ فكيف لهما أن يلتقيا على صعيد واحد؟! فراحوا يناورون ويدورون حول أنفسهم، لا يبرحون سيرا في المحل. أما كبير المثاليين هيجل فلقد آثر الفرار للأمام مؤكدا ً أن المادة كلها ليست إلا تجسيدا "دياليكتيكيا" للفكرة، التي تجد غايتها أخيرا في نظام الدولة البروسية، التي كانت – وبالمناسبة – ربّ عمل هيجل نفسه!.
العلم الحديث جاء ليعارض هذه الفلسفات جملة ً وتفصيلا، فلقد برهن العلم – عبر الدرس الفسيولوجي النيورولوجي Neurology– أن الوعي ليس شيئا يضاف من الخارج إلي دماغ العارف، وإنما هو مجلى لوظائف المخ العليا أو هو أرقي وظائف هذا المخ وقت يمارس دوره، ليس بمثل ما تمارس المعدة وظيفة هضم الطعام، والقلب وظيفة ضخ الدم في أعضاء الجسم حسب، وإنما بتجاوزه – أي الوعي- لحدود الوظيفة ورتابتها، منطلقاً إلى التفتيش عن مبرراتها، ومعززاً قدراتها بقدرته هو على الابتكار والخلق وإعادة الإنتاج بالتذكر، وحذف المنتج البالي بالنسيان.
ولأن الوعي ينبثق من المخزون الفسيولوجي والبيولوجي والتيمات الثقافية الموروثة، ومن الرغبات والأماني والمخاوف التي هي محض ترجمة لغوية لأنشطة الجسم الكيمائية الكهربية، تراه يتحرك عبر شبكة العصبويات المبرمجة.. من برمجها؟ الكونُ نفسه بخبراته المتراكمة، غير أن الوعي – شأن الابن العبقري في تمرده على الأب المهيمن، لا يلبث حتى يسعى إلى تحقيق شهواته الكبرى من استقلال وتفرد حتى ليطالب بأن ُيعترف به " ذاتا" تحيل الكون كله (بما فيه من أسياد وطبقات مالكة وأرباب أعمال ...إلخ) إلي "موضوع" لتأمله، وساحة لأفعاله، وهكذا صار الوعي مطلبا ً للكادحين، وأداة "مادية" تستخدم للتحرر.
ذلك ما دفع الراهب الفيلسوف جورج باركلي (1685- 1753) إلى محاولة نزع هذا السلاح من أيدي الخصوم (الشعب) فراح يطنطن قائلا: إن الوعي هو موجد الأشياء، فإذا اختفى الوعي اختفي كل شيء! قول قد يبدو بريئا، مجرد شقشقة كلامية.. لكن المسكوت عنه فيه هو الرسالة الضمنية الموجهة لولاة الأمور: امنعوا ما استطعتم المثقفين الماديين"الكفار" من القيام بتوعية الجماهير، أو ودعوا كل الامتيازات الطبقية التي منحتها لكم ولنا السماء، ولكن حسرتاه! لقد حل عصر التنوير- عصر مونتسكيو وفولتير وروسو وسائر المفكرين "الماديين" فسبق سيف الثورة الفرنسية عذل الراهب الفيلسوف، عندئذ طارت رؤوس ملوك وأمراء ولوردات، وهرولت عقول قساوسة لتحتمي داخل رؤوسها "المادية" من هول الطوفان.
أما على المستوى الفلسفي البحت فلقد أثبت العلم، فضلا عن الحس المشترك للبشر تهافت قول باركلي وبطلانه، فالأشياء موجودة قبل أن ندركها، وستبقى موجودة بعد أن يتوقف إدراكنا لها جراء ما يفعله بنا ثاناتوس (1) أو توأمه هوبنوس (2) كذلك حين نصاب بمرض عقلي فردي أو جماعي، حين نعود مساء إلي الغرفة التي غادرناها صبحا فلسوف نرى عقارب ساعة الحائط في وضع مختلف، الوقت إذن يمضي بغض النظر عن إدراكنا أو عدم إدراكنا له، بيد أن الراهب باركلي يحاج بأن الإله – الذي هو وعي خالص - ظل موجودا بالغرفة، ومن ثم فالزمن ليس له من وجود موضوعي، بل هو مجرد فكرة في العقل الإلهي، ولهذا حين شاء الإله أن ينصر نبيه يوشع أمر الشمس أن تتوقف عن الدوران لعدة ساعات يتفرغ فيها النبي لقتل الكفار.
بالطبع هذه حجة لاهوتية يقبلها وحدهم المؤمنون بالعهد القديم. لكن علماء الفيزياء يقولون إن سهم الوقت لا يمكن أن يتوقف عن المروق في المتصل الزماني/ المكاني، ولو حدث هذا لانهارت مجرة درب التبانة، وما بقيت فيها شمس ولا أرض ولا مؤمنون ولا كفار.
تماثل أقوالَ باركلي حجةُ أبي حامد الغزالي في نفي السببية: لا توجد علاقة بين النار وفعل الإحراق، فالنار جماد لا فعل له، أما الفاعل الحقيقي فهو الله. فهل ُ يتصور أن يلقي أحد منا بنفسه في نار مشتعلة ليبرهن على – أو ليدحض – حجة الغزالي اللاهوتية؟! الحس المشترك يكّذب الغزالي. وهذا الحس المشترك (والذي سوف يسمى علم الجمال Aesthetics باسمه) يُسلّم بأنه لا يوجد في الطبيعة قانون يخص فلانا أو يستثني فلانا. قوانين الطبيعة – ومن بينها السببية – تطبق على ظواهرها العامة مثل الحرارة والضغط والجاذبية.. إلخ تحت شروط معينة. وتلك هي المعرفة التي لا غش فيها.
وعليه فإن ما يمكن لنا نحن البشر أن نتفق عليه بوعينا الإنساني بصرف النظر عن عقائدنا وأيديولوجياتنا هو أن السببية تقوم بفعلها دون انقطاع (على الأقل في عالم ما فوق الذرة) من حيث إن الأشياء تتمتع بوجودها في حد ذاتها، بقدر ما يتمتع بوجوده الوعيُ واقعيا، وغير ذلك ليس إلا نوعا من الهذيان، من قبيل ترشيح مريض بروماتزم المفاصل للفوز ببطولة العالم في الوثب بالزانة، أو للسماح لأعمى أن يشارك في رالي السيارات!.
إذن لابد من الاعتراف بأن الوعي إنما هو تمثيل للكون Cosmo- Representative ما دام يلتزم بشروط صاحبه وقوانينه، ولكنه التمثيل القادر- بالأقل عند بعض الناس - على إنتاج المعرفة والجمال، حسب المعطيات الواقعية التي لا تعكر عليها أوهامُ السلف، وبهذا الفهم الحداثي صارت المعرفة علما، وكذلك الجمال، و لم يعد ينظر إليهما أحدٌ – إلا أنصاف المتعلمين – بوصفهما "إلهاما" يأتي من خارج الكون المادي.
من نافلة القول القبول بالمسلّمة Presupposition القائلة: لا يوجد ما يمكن تسميته بـ .. خارج الكون، حيث العدم مجرد افتراض لغويّ. أولى من هذا التلاعب بالألفاظ الاشتغالُ على كلمة "الغياب" مقابل الحضور، فالغياب هو وجود بالإمكان – إذا شئنا تأميم دريدا لحساب مؤسسة علم الكلام الإسلامي- ولكنه إمكان لا ينتقل أبدا إلى حالة الوجود بالفعل، لماذا ؟ لأنه يختفي كالعفريت الذي يسمع عنه الأطفال ولكن أبدا لاً يرونه، أنا هنا أتكلم عن الغياب (كمعطي فلسفي) وليس عن الغائب، فمجرد التفكير فيما هو غائب لابد وأن يستحضره في الذهن، ملقيا به في مشتبك الحضور(القصص الخيالي مثلا) ومن ثم تنتفي عنه صفته كغائب، بينما الغياب كثيمة أنطولوجية محال استحضاره على أي مستوى أو تصور، إنه أشبه بوصف الله لنفسه في القرآن الكريم "ليس كمثله شىء" وعليه فإن أي تصور للذات الإلهية لا مندوحة من إلغائه، وتلك قضية أود أن أرجأ مناقشتها إلى دراسة مستقلة، وحسبي اليوم أن أنتهي من توضيح مفهومي للمادية.
المادية التي أقصد إليها لا تنتمي لذلك المفهوم الكلاسيكي الذي شاع في القرن 18 خاصة عند هولباخ ونيوتن حيث تتصف المادة بالعطالة، محكومةً بمبدأ القصور الذاتي Principle of Inertia، فلقد عصفت بهذا المفهوم ليس المادية الديالكتيكية (ماركس وإنجلز) التي فيها قولان، بل فلسفة العقل (جون سيريل) بالتوازي مع فلسفة الكوانتم (خاصةً نيلز بور) فكلتا الفلسفتين تنظران للكون باعتباره وحدة تتعالى على فكرة الثنائية التي ضللت الفلاسفة منذ أفلاطون وحتى كارل بوبر (3) بله المفكرين الضاربين في سباسب الميثولوجيا بالمقابل تضم وحدة الوجود في داخلها تمظهرات الواقع، والتركيبات الذهنية التي هي بلا ملمس Non concrete دون فصل بينهما، وذلك على عكس ما درج عليه الثنائيون مثاليين كانوا أو ماديين - من إصرار على أن أحدهما لا بد أن يكون المتحكم في الآخر، هؤلاء ليسوا ديالكتيكيين بالمرة، وحتى هيجل وماركس عملاقا المنهج الجدلي يتنكران- لأسباب أيديولوجية – للديالكتيك الحق، هيجل حين يؤكد أن الذهن هو المعطى الأول، وماركس حين يقول بالمادة كمعطى أولي، الشعر وحده بخلاف جميع الفلاسفة يتمتع بتمثيله لحقيقة الديالكتيك، فهو مشاعر ورؤى ذهنية مدمجة في فونيمات صوتية وكلمات لغوية (واللغة في أصولها رموز) وما من سبيل لإعطاء أولوية لهذه أو تلك، ومن ثم بات جائزاً إندياح الرمز في المرموز والعكس، ولعل ذلك المعنى هو ما أراد أن يقاربه محيي الدين بن عربي في شعره:منازل ُ الكون في الوجود       منازل ٌ كلها رموز
منازل للعقول فيها       دلائل كلها تجوز (4)
... ... ... ... ... ...
وكيف أدرك من بالعجز أدركه       وكيف أجهله والجهل ُ معدومُ
قد حرت فيه وفي أمري ولست أنا       سواه، فالخلق ظلام ومظلوم(5)

وحدة الوجود هذه.. الجهلُ فيها لا مشاحة معدوم – كما قال ابن عربي – فينبني على ذلك ضرورة أن ينظر إلى المادة بمعناها الأوسع، حيث يكون الوعي أحد وظائفها العليا، فالكون منذ لحظة الانفجار العظيم Bigbang وحتى لحظتنا الراهنة لا يتوقف – ساعيا بآليات التطور – عن إدراك ذاته .. كل نجم وكل ذرة، كل جبل وكل زهرة، كل ورقة شجر وكل طائر، كل حبة رمل تتلقى على وجنتها قبلة من ثغر موجة ساحلية؛ كل هذا وغيره له نصيبه من المعرفة، وله حظه من الجمال: النظام والتناسق والبهاء والتناغم، بجانب التوافق القرير والاختلاف المثير مع غيره من الكائنات.

أما الإنسان – آخر العنقود – فلقد أخذ بيده مبادرة السعي وراء المعرفة، لا ينتظر هبوطها إليه من المحل الأرفع – بتعبير ابن سينا – أو حتى يذهب إليها كسائح يمنحها النظرة العابرة، وكأنها أهرامات عجيبة، أو حدائق معلقة، أو سور عظيم شيده غيره؛ بل هو ينهض بنفسه لتشييد أبنيتها، داعماً جدرانها، ومعليا سقوفها، مختبرا في كل حين أساساتِها وأعمدتَها، وكيف لا وقد هيأه أبوه الكون لا ليدرك كل شيء فحسبُ، بل وأيضا لينّظر لكل شئ، وفي التنظير جمال أيُ جمال.
من هنا جاء مصطلح الما وراء: Metaphysic & Metalanguage & Metalogic
أي محاولة سبر أغوار الطبيعة، واللغة، والمنطق ...إلخ وهي المحاولة التي دأبت عليها الفلسفة، وكذلك الشعر. فأما الفلسفة فقد اضطرت في عصرنا، وإزاء إنجازات العلم المتسارعة فيما يشبه المتوالية الهندسية، أن تطامن من غرورها راضية بدور التابع لهذا المغامر العنيد، جوّاب الآفاق (العلم الحديث) مكتفية بمحاولة تفسيره، وجلاء ملامحه، ولملمة أطراف ثيابه.
وأما الشعر فقد أبت عليه طبيعته أن يرضي بدور التابع للعلم. وكيف له أن يفعل هو الذي ُفطر على المغامرة واقتحام المجهول سواء في عوالم المعرفة، أو في سماوات الفن المشعة بالجمال السرمدي؟.

كان الشعر ولا يزال يعد نفسه ممثلاً خاصا للكون .. سفيرا ً فوق العادة، فلقد برز إلى الوجود من ذات المادة الأزلية التي شكّلت الكون (ويمكن أن ندعوها الملموس الظاهر ومعناه الباطن في جديلة واحدة) بل لعله – أي الشعر - قد رأى أن كل ما في الكون محض قصائدَ وإن تزيت بأزياء مختلفة: ثمة موسيقي تنبع من حركة الأجرام السماوية، وهناك صور جمالية لا تنفد في كل بقعة لون وشكل من ألوان وأشكال الوجود، حياةً كانت أم جمادا. ليس الشعر هو ما يكتبه الشعراء حسب، بل إن ما يكتبه هؤلاء ليس إلا غيضا من فيض، والشعراء العظام منهم يدركون هذه الحقيقة بكل جلاء، لذا تراهم يخترقون قشرة السطح الوجودي نافذين إلى الأعماق حيث يلتقي الضد ضديده دون أن يفني أحدهما صاحبه.. انظر مثلا ما يقوله أبو العلاء:

ويعتري النفسَ إنكار ومعرفة       وكل شيء له نفي وإيجابُ

هذا الرصد الأمين لطبيعة الكون التي تحمل في أحشائها بذرة التناقض هي التي أهابت بالشاعر بودلير أن يكتب ديوانا كاملاً عنوانه "أزهار الشر" دون أن يرى في ذلك خروجا عن غرض الجمال، بل لعل تودوروف كان قمينا ً بأن يفيد مما كتبه بودلير ليؤكد به مبدأه في الشعرية، هذا المبدأ الذي بدونه يكون القول مجرد رصد لتاريخ، أو شرح لفكرة، أو عرض حال لمتكلم. ليس هذا فيما رأى تودوروف – ومن قبله الشكلانيون الروس – شعرا بل نثرا عادياً وإن وضع على رأسه طاقية الوزن، أو أدخل قدميه في ُخفي قافية. الشعر فيما رأى تودوروف بنية أو هو نسق لفعل معرفيّ/ جمالي، وليس مجرد كلام موزون مقفّيَ حتى وإن كان له معنى – حسب قدامة بن جعفر – فدعني أستنتج من مفهوم تودوروف أن هذا الفعل المعرفي الجمالي هو كذلك بقدر ما يغير من وعي كاتبه جنبا إلى جنب قارئه. وليس هذا بالأمر الهين، بل هو ثورة تتضاءل أمامها عديد من الثورات السياسية. وبهذا الاستنتاج يمكنني أن أخالف صديقي الراحل د. غالي شكري الذي حمل على الشعرية بوصفها – من وجهة نظره – مجرد ترجمة لشعار "الفن للفن" سيئ السمعة (6) فالشعرية في واقع الأمر لم تكن كما حكم عليها الماركسيون الأرثوذكس بدعة تحمل ضلالة مآلها النار، بل كانت مجلى لتحول النموذج الإرشادي paradigm المفترض (7) لمركز الثقل الثقافي في القرن العشرين. كانت النظرية الأدبية قد غادرت أرضية الفلسفة إلى دهاليز التاريخ، ثم إلى غرفة اللغة تباشر منها مهام إدارة النقد الأدبي. غير أن فلسفة اللغة حين تبينت أنها بعض تعبير عن القدرات العقلية للبشر، ما لبثت حتى أسلمت القياد للأحق بمنصب رئيس مجلس الإدارة في شركة الفلسفة: العقل ، ذاك الذي عكف على ذاته أولا بالفحص

والتحليل، متناولاً ثانيا الفرع الإبستومولوجي بالإصلاح والتعديل، معيدا ثالثا لمصطلح المادة اعتباره بعد أن كشف له المخ والجهاز العصبي عن علاقتهما "الملموسة" بالوعي الإنساني.
ترى أين يكون موقع الشعر في هذا البناء الجديد؟ لعله يقبل (أو لا يقبل) بمنصب العضو المنتدب، أو المراقب العام .. بالنظر إلى طبيعته التي تأبي عليه أن يكون له رئيس، حتى لو كان هذا الرئيسُ هو العقل ذاته، وإن قبله صاحبا وصديقا، وها هو ذا الشعرُ يعلنها واضحة على لسان عمر الخيام:

عاشر من الناس كبارَ العقول
وجانب الجُهّالَ أهلَ الفضول

واشرب نقيع السم من عاقل
واسكب على الأرض دواء الجهول


هوامش:

1- الفتوحات المكية – السفر الثالث – تحقيق عثمان يحيي ، إبراهيم مدكور - الهيئة العامة للكتاب 1974 ص 120
2 - السابق ص 218
3- k.Popper and J.C. Eccles : The Self and its Brain – Berlin , 1977
4 - ثاناتوس : إله الموت عند الإغريق
5 - هوبنوس : إله النوم
6- غالي شكري – برج بابل " النقد والحداثة الشريدة " – الهيئة العامة للكتاب 1994 ص 123
7- للمزيد من التفاصيل حول النموذج الإرشادي ، أنظر:
Kuhn, T.S. , The Structure of Science Revolutions : Chicago University . ,
Second edition 1970

***

المحـور الثاني

مرجعــيات الشعــر الجديد

مرجعيات
قصيدة النثر المصرية والعربية
رفعت سلاَّم
ثلاث مقدمات

1

تفتقر الكتابات النقدية المصرية إلى الدراسات المتخصصة في "قصيدة النثر"، رغم أنها تمثل الحضور الشعري الأبرز خلال العشرين عامًا الأخيرة. فلا دراسات نقدية رصينة، ولا أطروحات أكاديمية ذات بال. وما تحويه بعض المجلات الثقافية من ملفات- بين الحين والآخر- يتراوح بين الانطباعات النقدية، وإعادة إنتاج الأفكار الشائعة، والرطانة النقدية، والثرثرة المتفاوتة، بلا تأسيس أو تعميق.
حالةٌ استثنائية غريبة، تناقض ما جرى مع "قصيدة التفعيلة" إبان صعودها وازدهارها في الخمسينيات والستينيات(1). وتراكمٌ- على مَر السنوات العشرين- من أفكار شائعة، تبسيطية، ومتساهلة، يملأ الصفحات دون تحقيق أو تدقيق. كتاباتٌ بلا جذور، وأفكارٌ بلا أصول. وإجابات نهائية قاطعةٌ بيقين الأنبياء، بلا سؤال أو مجرد تشكك؛ وأبنية ذهنية، تأملية، ينخر السوس أساسها وجذرها في غفلة عن صاحبها المطمئن، الواثق. وفي جميع الحالات، يتم الهروب من الأسئلة الجارحة الشائكة إلى نوع من الاستنامة إلى "الشائع"، كنوع من الاستسهال والكسل الذهني، لنظل بحاجة دائمًا إلى البداية من الصِّفر النقدي.

وإذا ما كان ذلك ينطبق على كتابات "المشايعين" لقصيدة النثر، فإن كتابات الرافضين تبدو أكثر بؤسًا واستحقاقًا للرثاء، إلى حد الهزلية، من حيث افتقارها إلى أي أساس عقلاني بسيط(2)، بما يحول الموضوع إلى "أيديولوجيا" عقائدية، مغلقة، منافية لأي تطور أو تحول إبداعي. وتكمن المفارقة الفكرية- لدى هذا التيار- في استخدامه نفس الحجج والذرائع التي سبق أن واجهه بها محافظو الخمسينيات، ضد التحول إلى قصيدة "التفعيلة". تحالفٌ فكري من بعض أساتذة كلية دار العلوم وفلول شعراء التفعيلة، يعتصمون بلجنة الشعر البيروقراطية بالمجلس الأعلى للثقافة، باعتبارها قلعتهم الأخيرة. وعبرة التاريخ القريب ودروسه العميقة- لحظة التحول لقصيدة التفعيلة- لا تعني شيئًا، سوى اللحظة الذهبية لتحقق هذا التيار، والتي ينبغي أن تدوم إلى الأبد، دون أن يتجاوزها أحد أو تيار. فهي "الذات" التي تدافع عن مجدها- الحقيقي أو الوهمي- الذي كان، وتؤسس أفكارها كأدوات دفاع عن ثبات تلك اللحظة.
هكذا، لا حوار أو تفاعل. قطيعةٌ نهائيةٌ جازمةٌ لا تعرف لغةً مشتركة أو موطئ قدم مشترك، كأنها حرب حياة أو موت. وشعاراتٌ وأفكارٌ صاخبةٌ بلا جذور، منقطعةٌ عن واقع شعري متحول لا تصمد أمامه الإرادة الفردية أو المزاج الشخصي، ولا تستوعبه النوايا الطيبة لمَن يسيرون مع التيار.

2

سؤال "المرجعية" سؤالٌ مضيءٌ لأبعاد وجذور "قصيدة النثر" المصرية والعربية؛ لعله- في ذلك- سؤال الأسئلة.
هو سؤال إعادة النظر والرؤية، والتشكك في الإجابات السهلة المتراكمة، والأفكار البسيطة الشائعة، وإعادة إشهار قيمة التساؤل، والبحث عن الحَجَر الذي رماه البناءون، وإعادة الاعتبار إليه.
في البدء كان السؤال، وفي المنتهَى.
السؤال في مواجهة الإجابات المتكاثرة. فالمنطق السائد- لدى أفراد الطرفين المتخاصمين- هو منطق الإجابة، الإحاطة، المعرفة النهائية، القاطعة، واليقين. منطقٌ مغلق على نفسه، ذو طبيعة جازمة، كالمنطق الديني.

وهو منطق ينطلق من "الذات"، باعتبارها ممتلكةً للمعرفة الشاملة، الكاملة، النهائية. فـ"الذات" هي مركز العالم والعلة الأولى؛ والخارج- الأفكار، الأشكال، الأعمال- ليس سوى تجلٍّ للذات، وانبثاق منها، وتعبير عنها. فلا استقلال للخارج عن الذات، ولا قوانين موضوعية له منفصلة عن قوانين الذات.
هكذا، تصبح "الذات" هي المرجع لدى الجميع، ويفتقد "الموضوع" موضوعيته، ليصبح موضوعًا ذاتيًّا، ليس بحاجة إلى منهج علمي وأدوات بحث ومقارنة وتحقيق.
ذلك ما يفسر غلبة الانطباعات، والآراء الذاتية "الشخصية"، والأفكار العشوائية، والتأملية، والخواء الفكري، وغياب أي اتساق يراعي الحد الأدنى من العقلانية، بما يجعل فعل "الكتابة" تعبيرًا انفعاليًّا عن نوازع ونزعات شعورية إزاء "الموضوع"؛ يجعلها أداةً لفهم "الذات" لا "الموضوع". ف"الموضوع"- في هذه الحالة- ليس سوى مناسبة ثانوية عابرة لتجلي الذات المنفعلة، المستثارة.
ولا عجب في أن يتفق الطرفان المتضادان- في الوعي بقصيدة النثر- في الانطلاق من نفس "النهج" والأرضية، على اختلاف الموقف من الموضوع، بما هما- معًا- نتاج نمط معين من الوعي الثقافي السائد، الذي ينطوي على آليات خاصة- انفعالية وغير نقدية غالبًا- لتشكيل الوعي وبنائه وكيفيات تجليه، لا تختلف في جوهرها عن "رجل الشارع" العادي. وهو ما بلغ حد أن ينسى الأكاديميون منهم- أساتذة البحث العلمي، فيما يُفترَض- آليات البحث المنهجي، ليندرجوا في نفس السياق، بطرائقه العشوائية، فيما يكتبون حول الموضوع(3). فلا فوارق ذات بال في مختلف الكتابات، ولا تمايز منهجيًّا بين الفريقين في كيفية تناول الموضوع، ليكون الموضوع هو الضحية المعرفية الأولى.

فعشرون عامًا- تقريبًا- من حضور قصيدة النثر، في موجتها المصرية والعربية الثانية، لم يكن كافيًا سوى لتشكيل قصيدة النثر ذاتها، وصعود شعراء جدد إلى الواقع الشعري، وفرض هيمنتها الشعرية. لكنه لم يكن كافيًا لتحقيق وعي مغاير، ومعرفة متماسكة، نقدية، بالقصيدة؛ أي لم يكن كافيًا لتحقيق تقدم معرفيٍّ ما، يدفعنا خطوةً إلى الأمام في مواجهة أسئلة جديدة.
هكذا، يكون علينا دائمًا أن نبدأ- معرفيًّا- من الصِّفر، أن نعيد طرح الأسئلة الأولى، أن نسائل الشائع والسائد من ركام الأفكار والخواطر والتأملات، وأن نسعى لفض الالتباس والخيوط المتشابكة.

3

ولأنه سؤال مرجعية القصيدة، فهو سؤال "من أين تبدأ قصيدة النثر"؟ ما جذورها؟ ما مرجعيتها، أو مرجعياتها؟ سؤال يتقصَّى لحظة النشوء، ويناقش الأجوبة المتاحة، ويضيء بعض الزوايا المعتمة، التي تجاهلتها الرؤية، أو غابت عن البصر.

فهل يمكن الحديث عن مرجعية واحدة لقصيدة النثر المصرية والعربية؟ أهناك- في الواقع الشعري- قصيدة نثر واحدة؟ تيار واحد، على مدى نصف قرن من قصيدة النثر العربية؟ أم أن الخمسين عامًا قد أنتجت أكثر من موجة شعرية، لكل منها مرجعيتها أو مرجعياتها الخاصة؟ فكيف يمكن- ابتداءً- تحديد المعالم الأولية العامة للخريطة الشعرية لقصيدة النثر؟
يمكننا- في ذلك- أن نرصد موجتين أساسيتين في كتابة قصيدة النثر العربية:
الموجة الأولى: تلك التي انطلقت أواخر الخمسينيات، حول مجلة "شعر"، وأسست للمصطلح والقصيدة، وقدمت النماذج الأولى- لأول مرة في تاريخ الشعرية العربية- لقصيدة النثر. هي الموجة التي ضمت- في إطار مجلة "شعر"- أُنسي الحاج وأدونيس وشوقي أبو شقرا وغيرهم، والتي عبَّرت عن تصوراتها ووعيها الشعري- على نحو عام- مقدمة أنسي الحاج لديوانه الأول "لن"، الصادر ببيروت عام 1960 (اعتبرت حركة مجلة "شعر" قصائد محمد الماغوط في ديوانه "حزن في ضوء القمر" شعرًا حرًّا لا قصائد نثر(4)).
الموجة الثانية: تلك التي انطلقت في السبعينيات من القرن الماضي، على يد شعراء السبعينيات، في مصر بشكل خاص، وتواصلت- على نحو مغاير- في الجيل اللاحق.
لقد أسست حركة شعراء السبعينيات(5) لتحرير القصيدة ممَّا تبقَّى فيها من قيود، واختراق الممنوعات والمحرمات الشعرية (الأخلاقية والاجتماعية والفنية)، ومواجهة الأفكار المحافظة لمدرسة التفعيلة بشأن الشعر. فبعد ربع قرن من الكتابة "التفعيلية"، جنحت المدرسة- التي جددت القصيدة العربية- إلى نوع من السكونية والمحافظة والمراوحة في نفس الموقع، بعد تحول القصيدة "الجديدة" إلى "نمط" راكد.
ورغم أن حركة السبعينيات لم تستهدف- بالأساس- التأسيس لقصيدة النثر، فقد فتحت القصيدة على مصاريعها كلها، على التجريب في مختلف الاتجاهات، بلا أسلاك شائكة أو خطوط حمراء. وخاضت معارك شرسة- مع فلول "التفعيليين"- في الندوات وعلى صفحات المجلات المختلفة، في هذا الاتجاه.
وكان طبيعيًّا أن يكتب بعض شعرائها قصيدة النثر، لا باعتبارها الشكل الشعري الأساسي، أو الوحيد، بل باعتبارها تجليًا للنزعة التجريبية لديهم، التي تطول الأشكال والاحتمالات الشعرية كافة.
وفي أعقاب السبعينيات الشعرية الصاخبة، يظهر- في التسعينيات- جيل شعري جديد منقسم على ذاته في حلقتين(6)، مجموعتين:
الأولى، قادمة من القصيدة التفعيلية، التي قدمت فيها الدواوين الأولى لشعرائها، قبل أن تقفز إلى قصيدة النثر "الجديدة" (محمود قرني، حسن خضر، فتحي عبد الله، علي منصور، عزمي عبد الوهاب، وغيرهم). فالدواوين الأولى "التفعيلية" تكشف عن قفزة هائلة إلى ما وراء "شعراء السبعينيات"، هروبًا من ظل السبعينيين، وبحثًا عن التمايز عنهم، على أي نحو. لكن شعراء المجموعة يعودون- بعد حين- إلى القفز إلى أقصى الأمام، إلى قصيدة النثر التي بدأت في الظهور بقوة، في شكل مغاير لما كان يكتبه بعض السبعينيين.
والثانية، مخاصمة للتفعيلية، تقدم قصائد النثر الأولى لها بلا مرجعية تفعيلية (عماد أبو صالح، إيمان مرسال، هدى حسين، محمود خير الله، جرجس شكري، عماد فؤاد، وغيرهم)(7). تستكشف هذه المجموعة شكلاً جديدًا لقصيدة النثر، وحينما يبدو أنها قد عثرت عليه، وأرسته، تكون قد جرَّت وراءها كوكبةً من الشعراء القادمين من مختلف التوجهات، ومن بينهم بعض شعراء "جيل السبعينيات" ومَن قبلهم.
لكن سرعان ما تلتئم المجموعتان، بعد التحاق الأولى بالثانية. وإن كانت رؤيةٌ متمعنةٌ قادرةً على تمييز اختلافات غير سطحية بين شعراء المجموعتين.

I

أسئلةٌ أُولَى

1- سؤال الجذُور

يكتب عبد العزيز موافي- في كتابه "قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية"- أن هذا النموذج (قصيدة النثر) قد "ظهر في بداياته الباكرة، تحت مسمَّى "الشعر المنثور"، وذلك بدءًا من كتابات نقولا فياض في نهاية القرن الثامن عشر، وبالتحديد عام 1890. وقد أعقبت ذلك محاولات أخرى، أهمها محاولات خليل مطران وجبران خليل جبران وأمين الريحاني، وذلك في الحقبة الأولى من القرن العشرين. بل إن الأمر قد وصل إلى ذروته، حينما استهوى النموذج الجديد أمير الشعراء (الكلاسيكيين) أحمد شوقي، حين ضمَّن كتابه "أسواق الذهب" ثلاثة نصوص تحت مُسمَّى الشعر المنثور"(8).
ونكتشف- في الكتاب- أن قصيدة النثر قد كتبها كل من: مَي زيادة، حبيب سلامة، رشيد نخلة، منير الحسامي، ثم لويس عوض، وحسين عفيف الذي يحتفي به المؤلف احتفاءً خاصًّا، حيث لم يتلق هذا النموذج قوة دافعة إلاَّ مع كتاباته، و"لم يتمكن أحد سواه من تحقيق مشروع شعري متكامل"(9). لكننا- في موضع آخر- ستقابلنا جملةٌ من قبيل "من المهم تتبع ظاهرة "الشعر المنثور" التي تُعد الجذر الطبيعي لقصيدة النثر"(10). فالنصوص المسمَّاة "الشعر المنثور" تتراوح- لدى المؤلف- بين أن تكون "نماذج" لقصيدة النثر، وأن تكون الجذر الطبيعي لهذه القصيدة، بلا اختيار حاسم.
وفي الحالة الأولى- التي تُماهِي بين "الشعر المنثور" و"قصيدة النثر"- يتعامل المؤلف مع "المصطلح" برعونة مزاجية، يصبح معها المصطلح- "قصيدة النثر"- مجردًا، مطلقًا، بلا تاريخية، قابلاً للإسقاط على أي نص، لا وفقًا لمفهوم محدد، بل وفقًا لمزاجية ذاتية غير منضبطة.
فالمصطلح- تلك الأداة المعرفية، العلمية، الدالة على ظاهرة محددة- يتحول إلى نقيضه، كأداة للتجهيل والتشويش على العقل والمعرفة العلمية، حين يتم الخلط، أو التبادل، بين مصطلحَين شديدَي التباعد في الدلالة والتحقق التاريخي: "قصيدة النثر" و"الشعر المنثور".
فهذا "الشعر المنثور" لا علاقة فعلية له بـ"الشعر"، بما هو نوع أو امتداد لما يُسمَّى- في النقد الأدبي العربي- "النثر الفني"، كشكل أرقَى من "النثر". ولم يدَّع أحد من كاتبيه أنه شاعر يكتب "الشعر". كما لم يعتبر النقاد مؤلفيه من الشعراء. فما كان أحمد شوقي يكتبه- على سبيل المثال- في "أسواق الذهب" إنما هو "النثر"، بصرف النظر عن التسمية التي حاولوا أن يمايزوا فيها بين نوعين من "النثر"، العادي والفني. فالشعر- في مفهوم شوقي وشعراء ونقاد ذلك الزمن، وصولاً إلى خمسينيات القرن الماضي- إنما كان ينصرف، بشكل قاطع، إلى الكتابة الموزونة المقفاة في شكل قصائد، والتي احتفل بها شعراء العربية في المؤتمر الشهير الذي أعلنوا فيه شوقي أميرًا للشعراء. فلا خلط- في التاريخ الشعري والنقدي العربي، القديم والحديث- بين ما ينتمي إلى "النثر"، حتى لو اتخذ طابعًا إنشائيًّا بلاغيًّا، وما ينتمي إلى "الشعر"، سواء لدى الشاعر المفرد أو لدى المجموع الأدبي.
فحينما كان الشاعر ينتوي كتابة قصيدة فإنما كان يكتبها وفقًا لقواعد الكتابة الشعرية المستقرة، دون أن يمنعه ذلك من كتابة نصوص نثرية ذات طابع "فني"، أميل إلى التأملات والخواطر الذاتية. لذلك، لم يدرج شوقي نصوص "أسواق الذهب" النثرية ضمن "الشوقيات" التي تضم شعره، كتقليد اعتمده الشعراء من قبله وتواصل من بعده، بلا خلط بين النوعين.
فلم يكن مطروحًا على الوعي الثقافي والأدبي العربي- طوال النصف الأول من القرن العشرين- مصطلحًا دالاًّ على "قصيدة النثر"؛ ولم تكن التيارات الشعرية والنقدية- المتحولة من الكلاسكية (شوقي) إلى الرومانتيكية ("الديوان" و"أبوللو") إلى التفعيلة- لتطرح على نفسها ما يتجاوز واقعها وأفقها الشعري والنظري.
فلا تنشأ المصطلحات اعتباطيًّا، بل لتأطير ظاهرة معينة، حادثة واقعيًّا، بحاجة إلى الضبط المعرفي العلمي، بما يعني من موضوعية المصطلح، لا ذاتيته، حيث تفرض ضرورته شروط معرفية موضوعية، لا المزاج الفردي لهذا الباحث أو ذاك. أي أن الواقعة، أو الظاهرة، أسبق في الوجود من المصطلح المؤطِّر لها؛ فيما لا يمكن علميًّا إطلاق المصطلح إلا على ما ظهر من أجله، وما يتوافق مع محدداته وأطره المنهجية(11).
فإطلاق مصطلح "قصيدة النثر" على نصوص كان كاتبوها مشغولين، ومؤمنين بالوزن والقافية باعتبارهما المحدد الجوهري للكتابة الشعرية، يصبح إسقاطًا عبثيًّا لا يستند إلاَّ إلى وعي ذاتي ملتبس ومشوش.
وفي الحالة الثانية- التي تعتبر "الشعر المنثور" الجذر الطبيعي لقصيدة النثر- نواجه بُعدًا آخر من نفس الوعي. فلا ينطلق المؤلف من نصوص قصيدة النثر العربية، أو كتابات شعرائها ومنظَّريها، لاكتشاف جذورها "الطبيعية" (وفقًا لما تقتضيه أوليات البحث العلمي)؛ بل ينطلق ابتداءً من أفكاره الذاتية حول المصطلحين، ويقوم بفرض العلاقة، بلا مستند أو مرجع، سوى ذاته وتصوراته الشخصية.
فالوعي الذاتي- هنا- هو ما يقرر العلاقة بين الطرفين، يفرضها، متجاهلاً الحقائق الموضوعية، ثم يحاول البرهنة عليها من خلال اعتساف الشواهد والأفكار. التصور الذاتي هو ما يحدد الواقع الماضي، أو الواقع الراهن؛ وعلى الواقع أن يستجيب إلى حد أن يصبح تحققًا ماديًّا لهذا التصور. ولا استقلالية لهذا الواقع، أو حضور موضوعي. فهو واقع محكوم بالتصورات الذاتية(12).
وتتألف تلك التصورات الذاتية- المنقطعة عن الواقع الموضوعي- من أفكار متناثرة، وتأملات وخواطر محكومة بالنوازع الشخصية الظرفية والطارئة، بلا اتساق أو سياق. فالرغبة في إثبات الحضور الذاتي هي الموجِّهة لهذا النمط من الوعي والنَّظَر؛ فالموضوع أداة لإثبات الذات، وعَرَض من أعراضها، وساحةٌ لتجليها، بما هي الفاعل المطلق، والموضوع المفعول به.

2- سؤال المشرُوعية

ويطرح ما سبق سؤال المشروعية، مشروعية "قصيدة النثر" إزاء الوعي العام الرافض، والاتهامات المنكرة لها، وعمَّا إذا كان افتعال جذور قديمة لها- في الثقافة العربية- نتيجة للعجز عن اكتشاف مشروعيتها الموضوعية، الراهنة.
في سياق الدفاع الحماسي، التبشيري، عن "قصيدة النثر"، يعلن حلمي سالم أن "قصيدة النثر العربية المعاصرة ليست مجرد اجتلاب من ثقافة الغرب، وليست نبتاً شيطانياً شاذاً في ثقافتنا العربية لا أصول له في ثقافتنا العربية القديمة. إذ يمكن أن نلمس جذوراً (أو بذوراً) لهذه القصيدة في نصوص سجع الكهان وفي القرآن الكريم وفي نصوص المتصوفة المسلمين وفي بعض كتابات التوحيدي والجاحظ وإخوان الصفا وغيرهم"(13). ولا يقدم الكاتب براهين أو شواهد أو إثباتات من أي نوع. إنما هو الكلام المرسَل والأحكام المطلقة، التي تفرض علاقةً بلا برهان، مستعيرةً نمط الخطاب الديني ومنطقة غير المشغول بالبرهنة العقلية، أو التعارض مع الواقع التاريخي.
فالمنطق الديني أحكامٌ بلا برهان، وحقائق مطلقة بلا إثبات. فالذات السماوية- مصدر الأحكام والحقائق- تجُبُّ كل برهان وإثبات؛ هي- في ذاتها- البرهان والإثبات. هكذا، ينتحل بعض الكاتبين تلك الذات، أو يُحِلون ذواتهم فيها، أو يُحِلونها في ذواتهم، فينطقون بالمطلق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه.
لكن المنطق الديني المعاصر يضيف بُعدًا هامًّا آخر، بُعدًا عضويًّا؛ فالماضي هو معيار الحاضر، ومانحه المشروعية. فلا بد من معايرة الوقائع والأفكار والإجابات على نظائرها الماضوية، وقياسها على إجابات الماضي وأحكامه، لمنحها مشروعية الحضور والصواب في الراهن. فالماضي هو الذي يحكم الحاضر، ويقرر مشروعيته. الماضي هو النموذج والمثال الذي لا بد أن يحاول كل راهن الوصول إليه، بالاقتداء به، حذو النعل بالنعل. ويصبح الراهن- أي راهن- مرهونًا بمدى اقترابه من "الأصل" الذهبي، البعيد بستة عشر قرنًا من الماضي. والسابق هو مبرر اللاحق. فالماضي- وفقًا لذلك- ينطوي على إجابات المستقبل، حتى لو كانت بشكل جنيني. فالراهن لا يمكن أن يمتلك مشروعية ذاتية، بل عليه دائمًا أن يقدم مستنده الماضوي، التراثي.
هكذا، يستمد مشايعو قصيدة النثر مشروعية القصيدة من الماضي، بكسر عنق النصوص القديمة، وإسقاط المصطلح الحديث عليها بصورة عشوائية، كتعويذة سحرية، في مواجهة التيارات المحافظة واتهامها لأنصار القصيدة بالتغريب، بما يشبه الأسطورة القديمة عن "سرير بروكوست" الشهير. فالماضي- لديهم، ولدى التيار المحافظ، في آن- هو المرجعية الأساسية الجديرة بالاعتبار(14)، دون أن يمتلك الحاضر- في ذاته- مشروعية لاختياراته وإجاباته.
مرجعية مفروضة بقرار ذهني، وإرادة ذاتية، على القصيدة والتاريخ الأدبي والنصوص القديمة معًا. فلا تنصرف المرجعية إلى واقع القصيدة التاريخي، ولا إلى وعي شعرائها المحددين، ومرجعياتهم الثقافية والشعرية، ولا إلى الحقبة الثقافية التي تجلت فيها، ومساءلتها منهجيًّا وعينيًّا (تلك مهمة صعبة، مجهدة). ولا ينتج عن ذلك سوى أحكام عشوائية، مزاجية، بلا أساس، لا تقدم معرفةً أو كشفًا مَا، بل تشويشًا وتجهيلاً للقضية المعنية.
فمشروعية الراهن تكمن في الراهن ذاته، وضروراته وتحولاته المختلفة. إنها الاحتياجات الجديدة، وتحولات الحساسية الثقافية والإبداعية، ودور الطليعة في ضرورة استكشاف الآفاق المغايرة، واكتشاف المجهول والأراضي التي لم تطأها قدم.

II

الموجة الأولى: حركة مجلة "شعر"

في مقدمته التاريخية لديوانه الأول "لَن"(15)، يشن أُنسِي الحاج هجومًا كاسحًا ضد التيارات الثقافية والشعرية المحافظة، المستندة إلى التقاليد الماضوية في الوعي بالشعر والإبداع، والرافضة للتحول والتجديد. "إن معارضة التقدم عند المحافظين ردَّة فعل المُطمئن إلى الشيء الجاهز، والمُرتعب من الشيء المجهول المصير. التقدم، لمَن ليس مؤمنًا بما يفعل، مجازفةٌ خرقاء، وهكذا يبدو للمُقلِّدين والراكدين. وبين المجازفة والمحافظة لا يترددون، فيحتمون بالماضي، ويسحبون جميع الأسلحة" (ص15).
هكذا يبدو الوعي مضادًّا للتقليدية، والماضوية، وما هو جاهزٌ على وجه العموم؛ مضادًّا للتقليد والركود، والاحتماء بالماضي. لا سجع كُهان، ولا نصوص المتصوفة أو غيرهم، من قدماء أو محدثين. فالمرجعية- لدى الرواد الأوائل لقصيدة النثر- لا تكمن، بحسب كتاباتهم النظرية ونصوصهم الشعرية معًا، في ماضي الثقافة العربية، البعيد أو القريب؛ بل في اتجاه آخر.
يحدد أُنسِي الحاج في مقدمته- المكتوبة خريف عام 1960- أنه "لم ينقضِ على معرفتنا الجدية بقصيدة النثر عامان"، أي رجوعًا إلى عام 1958 (هو العام الذي صدر فيه- في باريس- كتاب سوزان برنار "قصيدة النثر منذ بودلير إلى الوقت الراهن"(16)). ويقرر- في أحد هوامش المقدمة- أن أدونيس هو أول مَن تناول الموضوع بالعربية.
والجملتان تحددان نقطة انطلاق الوعي، تاريخيًّا، وموضعيًّا. هو تاريخ صدور الكتاب الفرنسي، أو اكتشافه، لا أبعد إلى الوراء. فالوعي بقصيدة النثر إنما يبدأ هنا، عام 1958 تحديدًا. وأداة الوعي الأولى هي الكتاب الفرنسي. وهي المرة الأولى التي يتم فيها التعرف عربيًّا على المصطلح، بصيغته النقدية المحددة، ومفهومه، ودلالته، وحدوده، وتجلياته النصية الفرنسية.
ويعترف أنه يستعير- في المقدمة- "بتلخيص كُلي" تحديده لماهية قصيدة النثر من أحدث كتاب في الموضوع، كتاب سوزان برنار(17)، شأن ما فعل أدونيس في مقاله السابق. لكن مصطلحات الكتاب الفرنسي- الواصفة لماهية وغايات ومحددات قصيدة النثر- تنسرب إلى عملَى الحاج وأدونيس بأكثر من ذلك، لتصبح المصطلحات الحاكمة للرؤية بكاملها، المصطلحات المركزية المفصلية في النظر إلى الشعر عامةً، وقصيدة النثر خاصة. استعارة كاملة لا تبقي على فكرة، أو ومضة، أو صيغة لامعة، لافتة، إلاَّ وامتصتها في إهابها، بحيث يصبح المقالان تبنِّيًا كاملاً لأطروحات سوزان برنار النقدية، بألفاظها ومصطلحاتها الخاصة، التي تعرفها العربية لأول مرة.
وفي ذلك، في تكامل منطقي معه، تمثل قصيدة النثر "الفرنسية" المرجع الشعري للوعي ومنطلقه، "حيث تمثل أقوى وجه للثورة الشعرية التي انفجرت منذ قرن"(18)؛ فيما تمثل أعمال الشعراء الفرنسيين (سان-جون بيرس، أنتونان أرتو، هنري ميشو، رامبو، بودلير) النماذج الأصلية للقصيدة، على اختلاف توجهاتهم وإنجازاتهم.
ويبدو ذلك منطقيًّا مع مشروع مجلة "شعر" الثقافي. مشروع ينفصل عن العربي، ويتماهَى مع الغربي كنوع من العودة إلى الأصول الحضارية، من "النهضة" المستعادة. فالانتماء الأصلي إنما هو انتماء إلى حضارة البحر المتوسط، لا الحضارة العربية ("البحر" المتوسطي في مقابل "الرمل" العربي)؛ وذلك ما يفسر ابتعاث الرمز التموزي- في شعر يوسف الخال وغيره- وسائر الآلهة الكنعانية الفينيقية، بديلاً عن حداء الإبل والتقاليد العربية و"الأرض الموات" و"حضارة الرمل".
ويصبح هاجس "المعاصرة"- هاجس جماعة "شعر" المركزي- مرهونًا بالوصول إلى حداثة الثقافة الأوروبية، والتماهي معها، واستيعاب تجلياتها، والإبداع وفقًا لأنماطها وشروطها الإبداعية والثقافية. بما يعني أن نفس الهاجس مرهون- في المقابل- بالانفصال عن الثقافة العربية السائدة، وجذورها البدوية الصحراوية. يكتب يوسف الخال: "إن الحضارة الغربية هي حضارتنا نحن بقدر ما هي حضارة الفرنسي والألماني والروسي إلخ.. ونحن لا قيمة ولا مستقبل لنا في العالم العربي إن بقينا خارجها ولم نتبنَّها من جديد، ونتفاعل ونفعل بها.. إن هذه الحضارة هي نحن بقدر ما هي هم"(19).
وذلك ما أوقع كتاب "قصيدة النثر" في يد المجموعة، في نفس عام صدوره بباريس، كأنه صدر من أجلها، في اللحظة المناسبة: لحظة رفض للواقع الثقافي والشعري العربي، والبحث عن تحقق شعري ونقدي مغاير لما هو قائم ومنتشر بصورة صاخبة، في ذلك الحين.
فتلك النصوص التراثية، القديمة والقريبة، لم تملك طاقة الإيحاء أو الإلهام بشيء للمجموعة الشعرية الباحثة عن "المعاصرة" المرادفة للحداثة الأوروبية. فهي- بالنسبة لوعيهم الثقافي- نصوص معبرة عن حضارة الرمل الميتة التي لا بد من إدارة الظَّهر لها، والتوجه إلى الغرب الحداثي. وما عجزت عنه كل تلك النصوص حققه كتاب وحيد، قادم من فرنسا.
فهو الضوء الذي كشف عن الطريق، وفتح الأفق الغامض، وأرسى العلامات الإشارية الضرورية، وفجر الطاقات المكبوتة في اتجاه تأسيس قصيدة لم تخطر ببال أحد من قبل، ورؤية للشعر لم ترِد في المدونات النقدية العربية السابقة أو الراهنة.
فالأفكار المطروحة بالمجلة ليست امتدادًا، أو تطويرًا، لسابقٍ عليها، قديم أو جديد؛ ليست تحويرًا أو تعديلاً أو إضافةً لما كان يموج في الحياة النقدية العربية- آنذاك في الخمسينيات- من أطروحات متواكبة مع القصيدة التفعيلية الصاعدة، بالاتكاء- بصورة أساسية- على بعض الأفكار المتناثرة في التراث العربي. إنها أفكارٌ جديدة، مغايرةٌ للسائد من أفكار ذات منحًى قومي، على الصعيد الفكري والسياسي، وذات منحًى وسَطي(20)، على الصعيد النقدي الشعري.
فقد تخطت- نقديًّا- فكرة "التجديد الشعري" الوسَطية، التي نادت بها مدرسة التفعيلة، نقادًا وشعراء، بالخروج على "البحر" الشعري إلى الالتزام بوحدته الأساسية: "التفعيلة". فمدرسة "شعر" تطرح فكرة الخروج على كل "موسيقى خارجية، جاهزة"، فيما تطرح مفهومًا للقصيدة غير مسبوق عربيًّا: "القصيدة عالمٌ مغلق، مُكتفٍ بذاته، ذو وحدة كلية في التأثير. ولا غاية زمنية للقصيدة.. الشعر توتر، والقصيدة اقتصادٌ في جميع وسائل التعبير"(21). الإشراق والإيحاء والتوتر، الإيجاز والتوهج والمجانية، مصطلحات جديدة في عالم الشعر العربي، تُحدد جوهر وشروط قصيدة النثر الجديدة، المطروحة لأول مرة على الساحة الشعرية والنقدية العربية، المصطخبة بمعركة قصيدة التفعيلة مع التقليديين.
كما أن النصوص لا تشبه السائد آنذاك من قصائد التفعيلة. ففيما كان شعراء التفعيلة يعتبرون النمط الجديد الذي يُرسونه إنجازًا تاريخيًّا للشعر العربي- وقد كان كذلك حقًّا- كان شعراء قصيدة النثر يطيحون بالإنجاز التاريخي، في قصائدهم وكتاباتهم، ليقدموا منجزًا يتجاوزه إلى أفق آخر.
قصيدةٌ بلا وزن- من أي نوع- ولا قافية. إذن، فهي قصيدةٌ مضادةٌ للخطابة والمنبرية الشائعة في شعرية الخمسينيات؛ مضادةٌ للإنشاد والطبيعة الاستعمالية. قصيدةٌ بلا قضية سياسية أو اجتماعية عامة؛ فهي- إذن- قصيدةٌ غير قابلة للإلقاء على جمهور عام، بل للقراءة الذاتية المنفردة (ضُربت آلية التلقي الشعري المعتادة والشائعة؛ فلم يعد عامًّا، جماهيريًّا، بل قراءةً صامتةً فرديَّةً، على حدة). وصورةٌ شعرية غرائبية، لا صلة بينها وبين الخيال الشعري العربي، بمفرداته ومرتكزاته المعهودة. ولغةٌ شعريةٌ صادمةٌ للذوق اللغوي السائد والجديد، في آن. ورؤيةٌ للعالم تخريبية، تدميرية، فاضحةٌ للاتساق الظاهري، فيما الشاعر- أداة هذا التخريب والتدمير والفضح- سعيدٌ ومبتهجٌ بالرقص وسط الأطلال.
كان شاعر التفعيلة يحاول- في قصيدته، بشتَّى السبل- إصلاح وترميم العالم، والبحث عن موطئ قدم له فيه، عن اعتراف به بلا تهميش، متراوحًا بين مديح سادة النظام السياسي الجديد (أحمد عبد المعطي حجازي) وهجائهم (صلاح عبد الصبور). لكنه- في الحالين- كان يعتبر نفسه جزءًا من هذا النظام "الجديد"، أو يسعى إلى ذلك. لكن شاعر قصيدة النثر كان يسعى جوهريًّا إلى هدم هذا العالم رأسًا على عقب، بلا أسًى أو وهم، ليقوم- على أطلاله- ببناء عالمه الذاتي، كما يحلو له.
هي المرة الأولى- في الشعرية العربية- التي يُعطَى فيها الاعتبار للفانتازيا والهذيان والجنون، وتدمير الدلالة المستقرة، أو المُرمَّمة، وتخريب منطق الكتابة، والنظر إلى الهاوية الشعرية بعينين مفتوحتين على اتساعهما.
فنحن- في مجلة "شعر"- بإزاء قطيعة فعلية مع التراث العربي، والنصوص العربية، الشعرية والنقدية. قطيعةٌ عن وعي وسبق إصرار وترصد، وتأسيس لتراث جديد من شعرية موازية للشعرية العامة، بالانطلاق من شعرية القرن التاسع عشر الفرنسية، وخاصةً لدى رامبو، سيد الهذيان والتدمير الشعريين(22).
للترجمة- في ذلك- دورٌ منسي.

فقد شهدت الخمسينيات بداية طفرة كيفية في ترجمة الشعر العالمي إلى العربية، من زاويتين:
الأولى: المعاصرة: حيث لم تعد الترجمة العربية متأخرة عما يجري في شعريات العالم المعاصر. لم تعد تتوجه إلى الماضي الشعري البعيد، الذي تجاوزته بكثير تلك الشعريات، بلا مواكبة من ثقافتنا الشعرية. أصبحت الترجمة تتوجه إلى الراهن الشعري، في الثقافة الفرنسية والإنجليزية خصوصًا.
قبل تلك الحقبة، مباشرةً (في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي)، كانت الحركة الأدبية العربية موجهةً صوب الحركة الرومانتيكية، في القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر الأوروبي، تتبنَّى أفكارهم، وتترجم قصائدهم، وتعرض لهم ولحياتهم. كانت تلك الرومانتيكية هي المصدر لكثير من الأفكار التي حولت الشعرية العربية من التقليدية إلى رومانتيكية أبوللو. "ألاَ يَا طَائٍرَ الفِردَوسِ إِنَّ الشِّعرَ وِجدَان"، على ما يكتب عبد الرحمن شكري، المنتمي إلى مدرسة "الديوان"، معبرًا عن الرؤية الجديدة، المتصادمة مع التقليدية الراسخة، في شعر ذلك الزمن، المحتلة لجميع المنابر: شوقي وحافظ.
فالأسئلة الرومانتيكية القديمة التي تجاوزتها الثقافة الأوروبية، بأكثر من مائة عام من التيارات والحركات الثقافية والإبداعية، تعود إلينا في شكل اكتشافات قادرة على إحداث- أو دعم- تحولات ثقافية وشعرية كبرى(23). شيللي، كيتس، ووردزوورث، لامارتين، أعلامٌ وقاماتٌ يستند إليها الشعراء، في مواجهتهم لشوقي. و"البحيرة" و"القُبَّرة" قصيدتان تتم ترجمتهما مرارًا وتكرارًا من شعراء ومترجمي الرومانتيكية المصرية والعربية.
وفجوة هائلة في الوعي والإبداع- بين الهُنا والهُناك- لا تحلها سوى قفزة الحركة الجديدة في الثقافة عمومًا، والترجمة على وجه الخصوص، في الخمسينيات: بودلير، أراجون، إليوت،
الثانية: النَّهج: ففي الخمسينيات، يقع التحول الكبير- والأخير حتى الآن- في نهج ترجمة الشعر الأوروبي، والعالمي عمومًا، بلا اتفاق بين المترجمين. إنه التحول من ترجمة الشعر بالوزن والقافية، اقتداءً بالشعر العربي، إلى ترجمته "نثرًا"(24).
لم تعرف "ترجمة الشعر" استقلالاً عن الشعر، ولم يتم النظر إليها باعتبارها مجالاً نوعيًّا يمتلك قوانينه الخاصة. هكذا، ترجم البستاني الإلياذة شعرًا عموديًّا، موحد الوزن والقافية، على النمط التقليدي الشائع آنذاك. وهو النهج الذي سار عليه مترجمو القصائد الرومانتيكية. فذلك مفهوم الشعر عامةً، مؤلفًا أو مترجمًا. مفهوم موحد، يطمس الفوارق بين الثقافات واللغات والشعريات، ليتحول النص المترجَم إلى قصيدة "عربية"، تستجيب لشروط الكتابة الشعرية المعاصرة.
هكذا، تم دمج القصائد المترجَمة في الشعر العربي، فيما قبل الخمسينيات، بلا استقلالية تقريبًا، أو خصوصية. واقتصرت- بالتالي- فاعليتها على "رؤية العالم" دون الشكل والبنية الفنية، اللذين تم تأميمهما لصالح النمط الشعري السائد عربيًّا (لا بد أن ذلك يعكس النظرة العربية السائدة إلى مُحدِّد ماهية "القصيدة"، أية قصيدة: الوزن والقافية؛ ولا يمكن تصور وجود قصيدة بلا وزن وقافية).
وفي الخمسينيات، تبدأ حركة ترجمة الشعر نهجًا جديدًا، مغايرًا: التخلي عن الوزن والتقفية، بفعل النقلة التي قامت بها حركة "التفعيلة" في الشعر العربي، بالتحول عن "البحر" إلى "التفعيلة". لكن المترجمين أكملوا الشوط حتى منتهاه، بالتخلي- أيضًا- عن التفعيلة ونسق التقفية الجديد الذي طرحته الحركة الشعرية.
هكذا، أصبح ممكنًا أن يقرأ القارئون شعرًا بلا أي وزن وقافية، ويظل- رغم ذلك- شعرًا، يقدم- على الأقل- ما قد يقدمه الشعر "الموزون المقفَّى". نقلةٌ هائلةٌ في تصور الشعر، تسربت وتمت بلا صخب وعراك (ربما لأنها في مجال فرعي، اعتُبر خاصًّا بالشعراء "الأجانب". وربما لأن صخب المعركة الشعرية، آنذاك، غطَّى على ما يجري في الترجمة). لكنها نقلةٌ لن تكتفي بذاتها، ومجالها النوعي (ترجمة الشعر)، فتمتد إلى الشعر العربي ذاته، في دعم التأسيس لـ"قصيدة النثر"، والشعر "بلا أي وزن وقافية".

III

الموجَة الثَّانية: السَّبعينيَّات والتِّسعينيَّات

1- حركة السبعينيات

من المؤكد أن "قصيدة النثر" لم تكن "مشروع" حركة السبعينيَّات الشعري. فالدواوين الأولى لشعرائها تنطلق من النمط التفعيلي، بحثًا عن توسيع آفاقه الشعرية، واكتشاف قصيدة أخرى، من داخله. لم يكن النمط- في ذاته- مصدر إزعاج أو قيدًا على الشاعر. لكن النماذج السائدة، والأفكار النقدية المحيطة بها، كانت هي التي وصلت إلى حالة من السكونية والركود تحفز على الرفض والتمرد. لقد تحولت إلى "تقليدية" جديدة، بأسرع ممَّا كان يتوقع الجميع.
فرغم انتماء حركة السبعينيات- بشكل عام- إلى نفس الاتجاه العام "التفعيلي"، إلاَّ أنها كانت، في نفس الوقت، مغايرةً، متصادمةً مع النماذج المطروحة، والوعي النقدي السائد، بما طرحته من قصائد وأفكار متمردة على الأوثان الشعرية والنقدية الراسخة، إلى حد أن وصف رجاء النقاش العدد الأول من "إضاءة" بأنه "صفعة في وجه الذوق العام"(25).
تنطلق "إضاءة 77" من مفهوم للفن يتجاهل- بدايةً- تلك الخرافة الساقطة: الشكل والمضمون. إن الفن- في هذا المفهوم- إدراك جمالي للواقع، لا يعكسه عكسًا آليًّا، بل يخلق- بطرائق التعبير المجازي- موازاةً رمزيةً لهذا الواقع. فهو- إذن- موقف وتشكيله. وفي هذا السياق، فإن أي جهد لغوي لا يصبح- في هذا المفهوم- ترفًا أو تعاليًا منفصلاً؛ كما أن ارتباط الشاعر بالشعب والثورة لا يُقاس- في هذا المفهوم- بحجم الجماهير التي تستوعب أو "تفهم" عمله الشعري، بل بقدر نجاحه في صياغة أشواق شعبه صياغةً راقية(26).
أما القصائد المطروحة، فتقدم- رغم انطلاقها من النمط التفعيلي- ما يكاد يطيح به، في الرؤية وبناء الصورة والمعجم اللفظي وبنية القصيدة. وذلك ما دفع إلى المعركة الشرسة التي انتفض إليها ضدهم "الحرس القديم" لقصيدة التفعيلة التقليدية. حالةٌ جديدةٌ من الكتابة الشعرية: "كَانَ أَن فَاجَأتْنِي طُبُولُ الزَّمَانِ البَعِيدِ: انطَرَحْتُ عَلَى أَرضِي، انقَبَضتُ وَالظَّلاَمُ غَشَانِي: رَأَيْتُ مَلاَئِكَةً مِن لَهِيبٍ، وَنَهرًا يَهِلُّ، يَشُقُّ المَدَى، يَستَبِيحُ الحُقُول. وَجَاءَت خُيُولُ الدُّجَى حَولَه شَهوَةً لِلقِيَامَة: كُلُّ العُصُورِ سَحَابٌ يُسَافِر، كُلُّ السُّفُوحِ عَلَى النَّهرِ صَارِيَةٌ رَاحِلَة"(27).
حالةٌ تستكشف آفاقًا أخرى: رؤيةً ولغةً وتشكيلاً وبنية. حالةٌ قلقةٌ بلا طمأنينة، تطرق الأبواب المجهولة والمنسية للقصيدة والشعرية، بلا ثوابت أو إجابات: أسئلةٌ موجهةٌ في جميع الاتجاهات. وكل احتمال ممكن. والمعروف مملوكٌ، لكن المجهول هو الذي يغري الروح القلقة، التي تشك في جميع الإجابات، وتضعها موضع السؤال المستريب(28).
لم يكن ثمة بحث عن "شكل"، بل عن "قصيدة"، إزاء تلك القصيدة الراكدة السائدة. بحثٌ واثقٌ من مشروعيته، وضرورته، وحق الشعراء المطلق- بلا وجل أو تردد- في طرق جميع الآفاق غير المعهودة، حتى ذلك الحين. قصيدةٌ مجهولةٌ بلا مواصفات؛ لكنها- في حدها الأدنَى- مفتوحةٌ ومباحةٌ للمجهول الإبداعي والتجريب.
والتجريب يستند إلى تنظير (وذلك ما تتمايز به "إضاءة"): "إذا كان لا بد من معالجة ظواهر مثل "الغموض" في الشعر، فإننا نرفض درس مثل هذه الظاهرة بعيدًا عن طبيعة العمل الفني ذاته في إطار مرحلته التاريخية (..) فلا الشاعر (ولا العالم ولا الفيلسوف)، مكلف بأن يحمل على كاهله تبعة الظرف التاريخي برمته، بما فيه من فساد في النوعي الجمالي، وارتفاع في نسبة الأمية الثقافية، فضلاً عن الانحدار الأساسي في الظروف الاقتصادية، وتلك كلها شروطٌ متردية"(29).
الغموض الشعري، العلاقة مع الجمهور، بنية القصيدة، اللغة، مفهوم العمل الإبداعي: قضايا مطروحة في مقدمات إضاءة، وتجد مفهومها محددًا، واضحًا، صادمًا للمفاهيم السائدة آنذاك، سواء لدى نقاد التفعيلة المهيمنين على المجلات الأدبية والصفحات الثقافية، أو نقاد اليسار المهيمنين على الوسط الأدبي اليساري. مفاهيم كانت تشبه "المروق" الذي يستوجب النفي من جميع القبائل الأدبية، المتمترسة وراء مقولات ومصطلحات وأفكار نهائية، مطلقة، يقينية، بلورتها خلال الخمسينيات والستينيات، فوصلت إلى السبعينيات وقد اتخذت "قداسةً" ما لدى الأتباع والمريدين (30).

لكن المعركة تخطت بداياتها "الإصلاحية"، إلى أفق آخر؛ أفق فتح القصيدة على مصاريعها أمام جميع الاحتمالات، وحرية الشاعر "المطلقة" في التجريب، بلا حدود مسبقة مفروضة من تراث أو تقاليد أو راهن شعري. تحول البحث عن توسيع آفاق القصيدة التفعيلية، إلى البحث عن قصيدة أخرى، بلا مواصفات جاهزة، أية مواصفات، ورفض "إعادة الإنتاج".
لقد استكملوا المهمة التي كان على جيل الرواد- عبد الصبور والبياتي إلخ- أن ينتهي منها بضربة واحدة، بتحرير الشعر العربي نهائيًّا من سطوة المُسبَق والقبْلي والخارجي، بحرية الكتابة الشعرية خارج كل عروض وأفكار جاهزة. لكن ذلك الجيل "الرائد" توقف واكتفى بالجزئي، اللائق بمقاسه، بالخروج على "البحر" الشعري إلى العنصر المكوِّن له، "التفعيلة"، لا الخروج على "النظام" كله. وهي المهمة التي كان على حركة السبعينيات أن تواجهها وتنتهي منها، لإرساء حرية الشاعر في الإبداع بشكل نهائي، وبلا تحفظات مماحِكة متفاوتة.
وتكمن المرجعية الأولى لشعراء "إضاءة" في الدكتور عبد المنعم تليمة كأب روحي وثقافي. شخصية حانية بلا بطريركية، وموقف مناصر للتجديد الإبداعي بلا قيود، وثقافة موسوعية باهرة. "أنتُم النَّاسُ أَيُّهَا الشُّعَرَاء"، يؤسس بها مرجعية الشعراء باعتبارهم "الأصل" و"المنبع" والأوصياء عن جدارة على اللغة والقصيدة؛ فيمنح الشعراء "الجدد"- في ذلك الحين- ثقةً هائلةً في الذات وفيما يفعلون.

ولا بد أن أية قراءة مقارنة لافتتاحيات "إضاءة" ومقالات تليمة المنشورة بنفس الأعداد ستكشف- بلا عناء- أن مفاهيم الفن والشعر الواردة بالافتتاحيات مستمدة- أحيانًا بنفس صياغاتها- من "أقوال" "المُعلِّم" (31)؛ وهي المفاهيم التي أسست عليها "إضاءة" مفاهيمها للشعر واللغة والجمهور والغموض ودور الشاعر.
مرجعية ثقافية وفكرية كبرى، لكن أيضًا يسارية. وهي صفة أو ماهية عصمت الأفكار المطروحة من وصمها بصفات سلبية سياسيًّا إضافية. لكنها مرجعية تفتح آفاقًا بلا ضفاف، تسمح للشعراء المتمردين بتأسيس تمردهم في الاتجاه الذي يريدون، دون تهديد بالانتقاص من "يساريتهم"، العملة الرائجة في ذلك الزمان.
فالكتابات "الماركسية"- والتقدمية عمومًا- كانت حليب الشعراء الذي تربوا عليه، على نحوٍ أو آخر. هي اكتشافهم الفكري من "انتفاضة الطلبة" عام 1971، لفهم الواقع والتمرد عليه. ماركس وإنجلز وجارودي وتروتسكي ولينين، أنبياء ذلك الوعي الذي يتشكل لبناء رؤية علمية وثورية انقلابية لمواجهة الواقع المرفوض. لذا، لم يكن غريبًا ذلك الحضور القوي للمصطلحات والمفاهيم والأفكار السياسية "الثورية"- المستمدة بالأساس من الكتابات الماركسية- في بيانات وكتابات "حركة السبعينيات". ولعل بعضهم كان ينتمي بالفعل- أو يقف على حافة هذا التنظيم "الشيوعي" السري أو ذاك (32).
لكن المصادر التي فتحت الباب واسعًا أمام رؤية قادرة على التأسيس لفتح القصيدة على مصاريعها، فهي الكتابات المتعلقة بالشعر، المؤسسة للتمرد والرفض ومشروعية الحرية المطلقة للشاعر، وضرورتها، سواء على نحو نظري، أو بالاتكاء على تجارب الشعر العالمي والتراثي. إنها- على نحوٍ إجمالي- "زمن الشعر" لأدونيس، "ثورة الشعر الحديث" لعبد الغفار مكاوي، بعض أعداد مجلة "شعر" البيروتية، وما تيسر من دواوين شعرائها الغريبة، الخارجة على السياق الشعري الشائع، وخاصة "لن" لأنسي الحاج(33).
أعمالٌ لا تؤدي- في الوعي المتلقي- إلى تأسيس "نمط" بديل للسائد، بل إلى التأسيس لحرية الشاعر الأصلية في إبداعه، بشكل عام، واختياره- بلا تحفظات مسبقة، وخارجية- لتوجهه الشعري؛ فيما تحفز- في نفس الوقت- عناصر التمرد الكامنة إلى التجلي في حدودها القصوى.
وفي هذا السياق، تتجلى أهمية اكتشاف شعراء الحركة لكتاب "المواقف والمخاطبات" للنِّفَّري، لا كقصيدة نثر- على ما هو شائع- بل ككثافة لغة، وإشراق، وومضات خاطفة؛ كمزيج خيالي ذهني في شكل لغوي مكثف ومفتوح، أو هو خيال البصيرة الذهني اللغوي الأقصى.
لكن الترجمة ستلعب دورًا أكثر فاعليةً من دورها لدى "حركة شعر". ففي الستينيات والسبعينيات، شهدت حركة ترجمة الشعر العالمي إلى العربية طفرةً واضحة على المستويين المتلازمين: المعاصرة والنهج، ليكون الحصاد خصبًا ومتنوعًا ورصينًا، في اتجاه المعرفة والفاعلية معًا.
فقد تحققت- خلال العقدين- مواكبة أكثر قربًا- للشعر العالمي، قلصت الفجوة الزمنية بين "الهُنا" و"الهُناك" معرفيًّا، فيما امتدت الترجمة إلى لغات لم تكن شائعة من قبل: الألمانية والإسبانية بالذات.
وصلت المعاصرة إلى الشعراء المعاصرين حقًّا: بابلو نيرودا، وسان-جون بيرس، وناظم حكمت، وبول فاليري، وبرتولد بريخت، وبول إيلوار، ولوي أراجون، وأندريه بروتون، وجارثيا لوركا، الأصوات الرفيعة والملهمة للقرن العشرين؛ فيما تمت ترجمات جديدة لرامبو وبودلير(34). إنها حداثة القرن العشرين الشعرية، في وجوهها وتوجهاتها المتعددة والمختلفة، بلا أحادية. شعريةٌ مفتوحة على جميع الآفاق التي تدركها البصيرة الإنسانية الراهنة، وجميع العوالم الخيالية التي لم تخطر على قلب بشر من قبل. عوالم غريبة وجديدة، مغرية لمَن يطمح إلى المغايرة والتمرد على السائد والتقليدي.
وقد بلغ نهج الترجمة في ذلك إحكامًا واستقرارًا غير مسبوقَين، في الرفض النهائي للترجمة الشعرية "التفعيلية"، والانتهاء- بلا رجعة- إلى الترجمة "النثرية" للشعر الأجنبي، على يد مترجمين أكثر كفاءة وثقافة وتخصصًا في اللغات المختلفة.
هنا، لا تصبح "قصيدة النثر"- بما هي أحد الأشكال الشعرية- المشروع النهائي، الوحيد، المرشح للتبنِّي والتعميم، لدى شعراء حركة السبعينيات؛ بل هي مشروع متاحٌ وشرعي- إن جاز التعبير- للتبنِّي، وفقًا لنزوع الشاعر الخاص، بلا أحكام تعميمية تُحوِّله إلى "مطلق" جديد يفرض شروطه، مرةً أخرى، على الشاعر، بعد أن جاهد لتفكيك "المطلقات" التقليدية، السائدة.
لكن المعارك الشرسة مع الأسلاف الأقوياء- التي خاضها شعراء الحركة لتحرير الخيال الإبداعي ومشروعيته- هي التي فتحت الطريق كاملاً أمام السيادة القادمة لقصيدة النثر، بلا معارك.

2- شعراء التسعينيات:

عِقد مختلف يبدأ. وأركان النظام الناجون من "المنصَّة" يمارسون تكتيكًا مغايرًا، لنزع فتيل التوتر العام الذي أدى إلى مقتل الرجل الأول. تهدئةٌ عامةٌ على جميع الجبهات التي فتحها السادات. وهامشٌ من حرية الرأي والتعبير يتخلق لامتصاص الغضب والنقمة، وتكثيف الجهد الحكومي لمواجهة التنظيمات الإسلامية المسلحة، عنصر الخطر.
والحيوية الثقافية والإبداعية تحاول أجهزة الدولة لملمتها واستيعابها في مجلتَي "إبداع" و"القاهرة" المفتوحتين للأصوات الجديدة، على نحوٍ أو آخر؛ الأولى- برئاسة عبد القادر القط- على استحياء وتحفظ، والثانية- برئاسة غالي شكري- برصانة وطليعيةٍ ما. لكن المناخ العام الجديد، سياسيًّا وثقافيًّا، يشي بانفتاح ثقافي، وإمكانيات متاحة لمَن يريد.
وفي المشهد الشعري، كان الاعتراف المؤسسي بالأمر الواقع المفروض بقوة الحضور الشعري والجدالي لشعراء السبعينيات(35)، كإحدى نتائج معركتهم مع الحرس الشعري القديم، من نقاد وشعراء، ليحتلوا صدارة المشهد "الطليعي" الشعري، فيما بعد. هُم الآن الأصوات الهامة، فيما أصوات الحرس القديم التقليدي تتجه بقوة إلى الظل والهامش المتواري، إلى حد أن بعض المنتسبين إلى "الحركة" بدأوا- على المستوى الشخصي- تسلق اللحظة إلى هذا الكُرسي أو ذاك.

الحلقة الأولَى:

شعراء ينطلقون فرَادَى إلى الواقع الشعري، بلا أداة مشتركة. والهاجس الرئيس المشترك هو الهروب من ظل السبعينيين، حاملي لواء التجديد الشعري، في أحدث طبعاته.
هكذا، بدأ شعراء "الحلقة الأولى" في تقديم بداياتهم الشعرية في ظل هذا الحضور القوي للسبعينيين، بلا أفكار وتصورات مشتركة. ليس سوى القصيدة عاريةً من أية حماية نظرية أو نقدية، وبلا أداةٍ ما (مجلة، مثلا) تطرح رؤًى مغايرة لما ملأ به السبعينيون الساحة الشعرية (أمَّم شعراء السبعينيات- في ذلك الحين- كل أطروحات التجديد الشعري المتاحة، فلم يكن ممكنًا المزايدة على أطروحاتهم، أو تقديم ما هو أكثر راديكالية). والمتاح هو نشر القصائد والدواوين في الوسائل القائمة، خاصةً الحكومية، بلا مبادرة خاصة من أي نوع(36). لم يكن هناك ما يدفع إلى تأسيس أداةٍ ما (مجلة، أو تجمع). والإمكانيات "الحكومية" متاحةٌ ومباحة بما لا يُقاس بالماضي القريب.
قصائد تفعيلية، لكنها ليست "تفعيلية" السبعينيين التي وصلت إلى حدها الأقصى الممكن من فانتازيا اللغة والصورة والخيال، بل تفعيلية الوراء الشعري، ما قبل السبعينيين. هروبٌ إلى الوراء، ولا أمام. لكن الوراء مُستنفَد ومستهلك. فما العمل؟
سنواتٌ ودواوين أولى من التخبط والتوهان الشعريين، بحثًا عن صوت خاص، وسط الصخب العالي. لكنها سنوات ترتكز على عدد من المرجعيات التي لعبت أدوارًا متفاوتة في تأسيس الشعراء وتوجهاتهم القادمة.
فلم يفلت شعراء المجموعة من تأثير الكتابات الماركسية، التي تقدم رؤية للعالم وكيفيات تغييره، بما هم شعراء مهمومون بالواقع السياسي والاجتماعي؛ فيما تقدم الماركسية أسس تغيير كل النظام، حتى الثقافي. وسيؤسس هذا المرجع "رؤية العالم" لدى الشعراء، ويصبح الأساس التحتي لتوجيه النظر وتحديد زاويته السرية(37).
لكن حالة البحث التي خاضها الشعراء ستفضي بهم إلى العثور على المدرسة "اللبنانية" لقصيدة النثر: عباس بيضون، بسام حجار، ؟؟؟، فضلاً عن سركون بولس؛ هي- بالأساس- مدرسة "السبعينيات" اللبنانية المستندة- بشكل أو آخر- على شعراء مدرسة مجلة "شعر"، مكتشفةً في نفس الوقت قصيدةً خاصةً بشعرائها، بلا إيغال في التجريد، وفي اتجاه التجسيد، ورصد التفاصيل البسيطة للحياة.
لكنهم سيعثرون أيضًا على تجربة سعدي يوسف الجديدة في قصيدة النثر، التي بدأها في النصف الأول من الثمانينيات، وسرعان ما انتشرت لدى الأجيال الجديدة، بما تقدمه من مَخرج متاح (اختبره بكفاءة ونجاح شاعرٌ بقامة سعدي، ووصل بها إلى نضج خاص) من أزمة قصيدة التفعيلة المستحكمة، ومن ظِل السبعينيين(38)، في نفس الوقت.
هي قصيدة التفاصيل اليومية العابرة، التي يستطيع الشاعر فيها الكشف عما ليس عابرًا، عن الجوهري والشعري من نثر الحياة العادية، وإيماءاتها المنسية. قصيدةٌ تقوم على السرد العيني بلغة لا مجازية، بما يفضي- في النهاية- إلى صُنع مفارقة بين المقدمات المتراكمة، المبنية بمكر ودقة متفاوتة، و"لحظة التنوير" الأخيرة.
قصيدةٌ بلا رؤًى أو نبوءات أو منبرية. واللغة أداة تتخفف كثيرًا من حمولتها التراثية والبلاغية وتعدُّد الدلالات، لتصبح أقرب إلى لغة "توصيلية" بلا ثِقَل. وتقترب الصورة من "الافتراضية" الذهنية المتقشفة، بلا فانتازيا أو مجاز، لتصبح القصيدة- في مجملها- صورةً مركبةً من تراكم تفاصيل نثرية مختارة. قصيدةٌ تفرض- كما هي- قطيعةً شعرية مع القصيدة السابقة، وتقدم بُعدًا شعريًّا كان غائبًا عن القصيدة المصرية والعربية.
وتلعب الترجمة دورها: ريتسوس بالأساس، وجاك بريفير، ورونيه شار، وغيرهم. فترجمة الشعر إلى العربية استقرت- نهائيًّا- على استبعاد الوزن بكافة أشكاله، فاقتربت القصائد أكثر فأكثر من قصيدة النثر، في وعي الشاعر (هذا الوعي المؤسَّس- بشكل جوهري- على التمييز بين القصائد انطلاقًا من "الوزن"، شأن الوعي التقليدي(39)).
وتمثل مجلة "الكتابة الأخرى"- التي أسسها وأصدرها هشام قشطة، بمساعدة آخرين- عاملاً إضافيًّا مساعدًا، حيث تضمن كل عدد- تقريبًا- قصائد جديدة لشعراء هذه المجموعة إلى جانب الآخرين. ورغم أن شعراء المجموعة لم يعانوا من أزمة نشر، إلاَّ أن نشر قصائدهم مختلطةً بقصائد عادية أو تقليدية في المجلات الحكومية لم يسمح كثيرًا بكشف تحولهم اللافت إلى قصيدة النثر؛ وهو ما نجحت فيه "الكتابة الأخرى"، بحكم "موقفها الجمالي المنحاز كليةً للشعرية الجديدة (..) وترسيخ مناخ واسع من التنوع أمام تطوحات مختلفة داخل إطار الشعرية الجديدة التي مثلتها قصيدة النثر، التي شهدت مفاهيمها تفاوتًا واسعًا بين الأجيال المختلفة" (40).

الحلقة الثانية:

شعراء ينطلقون أيضًا فرادَى، لكن- على مغايرة لشعراء المجموعة الأولى- بلا سابقة شعرية، من ديوان أو قصيدة منشورة. لكن المغايرة الأهم أنهم لا يتوجهون- ابتداءً- إلى المجلات والمؤسسات الحكومية، كأداة لاحتلال موطئ قدم شعري.
ولن يتعرف عليهم الوسط الأدبي للقاهرة قصيدةً قصيدةً، بل ديوانًا ديوانًا، ينشره كلٌّ منهم- في طبعة محدودة متقشفة، لكن جميلة- على نفقته الخاصة، في دور النشر الصغيرة، التي تبدأ في التكاثر الملفت للنظر، ابتداءً من التسعينيات. موجةٌ من الدواوين التي تنطوي على أصوات شعرية مغايرة تمامًا للسائد هي ما تصنع الحضور اللافت.
هي قصائد "القطيعة" مع كل الشعر العربي السابق، بل الأدب العربي السابق، على نحو يدعو للتساؤل، كأنها تبدأ الشعر من الصفر، متخلصةً من كثافة التراث الشعري- البعيد والقديم- ولغته وصُوَره وبلاغاته ورؤاه. كأنها متخففة من الشعر ذاته، من أجل التعبير عن وجود هش مؤقت وعابر وبلا فاعلية، سوى إثبات الحضور.
ولن يجد الشعراء الفرَادَى أنفسهم معنيين بإصدار مجلةٍ ما أو نشرة خاصة بهم، بما هم فرادَى، لا يجمع بينهم سوى "التزامن"(41). لكنهم سيصطفون- أصوات أساسية منهم، على الأقل- في مجلة "الجراد"، التي أسسها وأصدرها الشاعر السبعيني أحمد طه، لعددين فحسب. هو الاصطفاف الناجم عن العثور عن بديل للقطيعة مع المجلات الحكومية، كأداة لتحقيق الحضور الشعري، بالتوازي مع إصدار الدواوين الشخصية. أداة لنشر القصائد الفردية، فحسب؛ دون تقديم رؤيةٍ ما للقصيدة والشعر وموقع الشاعر من العالم، إلخ. وهو ما قد يشير إلى افتقاد تصور مشترك لتحقيق الحضور الشعري، فيما يتخطَّى النشر الفردي المتواصل للإنتاج الشعري الشخصي، سواء كقصائد منفردة أو كدواوين، خارج المؤسسات الحكومية الثقافية.
إنه المناخ المفتوح للمبادرات الثقافية غير الحكومية، في ظل تحلل المؤسسات المختلفة من مسئولياتها المجتمعية. وهو المناخ الشعري المفتوح- بدوره- لشتى التوجهات والاجتهادات، المغايرة للسائد. إذن، فهو البحث عن التحرر الأخير من كل المواضعات القائمة، شعرية وغير شعرية؛ إلى حد الرغبة في إشهار التفرد والمغايرة والتعارض مع كل القائم، في مختلف أشكاله، التجديدية والمحافظة معًا.
ذلك ما يعني نفي "المرجعية"، والانطلاق من الذات "الخام"، في القصائد والدواوين الأولى(42). إنها إدارة الظَّهر تمامًا للعالم بجميع مكوناته، والعكوف على الذات "الشخصية" باعتبارها المنطلَق والغاية في آن. هي المرجعية الأولى الموجِّهة، الرافضة بحدة لأية مرجعية "خارجية"، إلى افتعال الصدام الشعري والأخلاقي والديني.
وفي وقت لاحق قريب، لن يعود ذلك كافيًا لإنجاز تحقق شعري. فالذات "الخام" تستنفد نفسها في الخطوات الأولى التي لا تمثل "مُنجزًا"، بقدر ما تمثل إعلانًا ما، أو إشهارًا لأسماء وتجربة مغايرة تطرق أبواب الواقع الشعري المصري بعنف عصبي. كما أن النصوص القائمة على مبدأ الصدام الاستفزازي العمدي لأخلاقيات المجتمع المحافظة سرعان ما تتكشف عن تغييب الشعري لصالح الدعائي، وتنتهي- لأسباب متعددة- إلى انسحاب أوائل شعراء المجموعة من الساحة، وخلق ثغرات تسمح بولوج شعراء جدد آخرين، لتَمَّحي الحدود بين من تبقَّى من شعراء المجموعة والشعراء اللاحقين.
لم يكن ثمة مفر- إذن- من العودة إلى مبدأ "المرجعيات" غير الذاتية، كأساس بلا بديل لتكوين الشاعر، وضمان تواصل طاقته الشعرية. هي- بالأساس- الترجمات الشعرية للقائمة المعروفة المتاحة، التي تعيد الاعتبار للقصيدة كعمل إبداعي دقيق، لا كتعبير عن مراهقة شعرية. وربما يكون ريتسوس بالذات هو أهم مرجع شعري، في ضوء صدور ترجمتين جديدتين له في القاهرة، خلال حقبة التسعينيات، تضمان مئات القصائد الطويلة والقصيرة(43). ولن يجد الرصيد العربي من الكتابة الشعرية، القديمة والجديدة، مكانًا له ضمن مرجعيات شعراء المجموعة؛ فهو المرفوض المطلق أبدًا.

لكن الأصوات الشعرية الجديدة- التي صعدت أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة- ستعيد الاعتبار إليه، وتتسلح به في حضورها الشعري، مع اتساع دائرة أفقها الثقافي بما يتجاوز بكثير الأفق المحدود، شبه المغلق، لمَن تبقوا من شعراء المجموعة الثانية، التي تقلصت- في سنوات قليلة- إلى شاعرين أو ثلاثة(44).
فهذه الأصوات الأخيرة تعيد فتح قوس التأسيس الثقافي للشاعر- من جديد- على مصاريعه، بلا حدود أو أوهام ذاتية؛ من الشعرية العربية، إلى الشعريات الأجنبية المترجمة، إلى الأعمال الفكرية والنقدية المختلفة. أفق ثقافي مغاير، وتوجه إلى الاشتباك الفاعل مع الواقع الثقافي والشعري، بلا انعزالية أو تعالٍ مفتعل.
هي الأصوات التي تعيد التواصل مع الرؤى والمفردات الثقافية المختلفة، لتؤسس لصوتها الشعري كإضافة، لا ابتداء، كتجاوز جدلي، لا كقفزة عمياء بلا بصيرة.
إنها المرجعيات المختلفة التي أسست لتيارات وأجيال وفِرق قصيدة النثر المختلفة، منذ الخمسينيات. هي المرجعيات التي تتجلَّى فاعليتها- بأقوى ما تتجلَّى- في لحظة الانطلاق. أما الاستمرارية، فتتدخل فيها عوامل ومرجعيات إضافية، دون نفي للمرجعيات الأولية المؤسِّسة.

***

مرجعية الشعر العامى.. البحث عن الأصول

محمد عبد السلام

ما مرجعية الشعر العامى؟
يوجد فى الساحة الأدبية الآن ما صار يعرف بـ "الشعر العامى" إلى جوار الشعر الفصيح، كل منهما شعر عند مبدعيه، يستوفى مقومات فن الشعر، وما بينهما من اختلاف يتمثل فى أن الفصيح يتوسل بالفصحى والعامى يتوسل بالعامية.
الفصاحة صفة معروفة، معروف من أين أتت، وإلى أين ترجع، هى صفة أصيلة عريقة.
أما العامية فهى مثار للتساؤلات، ما هى؟ من أين أتت؟ وما العوامل التى أوجدتها؟ وهل الشعر الذى يتصف بها هو شعر؟ هل له أصول يرجع إليها؟ أم هى بدعة، وكائن فنى لقيط مجهول الوالدين؟
تحاول هذه الورقة البحث عن إجابات لهذه الأسئلة.
وتبدأ بالبحث عن إجابة السؤال: ما العامية؟
يقول الدكتور حسين نصار فى كتابه الشعر الشعبى العربى (1):

"إن العرب بعد ظهور الإسلام، قاموا بنشره فيما جاورهم من الأوطان فأخضعوا ما أخضعوا من بلاد، وأدخلوا من أدخلوا فى الإسلام من الناس، وفرضوا العربية لغة جماعات ما كانت تدرى ما العربية، ولا تسمع بها ولا بأصحابها، ولكن هذا الامتداد الفسيح لسلطان العرب، وهذا الانتشار الكبير للغتهم، وهذا التفرق الممتد لقبائلهم التى حلت بالبلاد الجديدة المفتوحة، وكادت تنقطع بالقبائل فى البلاد الأخرى، وفى شبه الجزيرة العربية وهذا الاختلاط الواسع النطاق بين العرب وغيرهم فى هذه المناطق الجديدة، كل هذا كان له أثره الخطير فى اللغة العربية" (2).

هكذا بدأ التأثير فى اللغة العربية الذى وصفه الدكتور حسين نصار بالخطير. الذى تمثل فى ظهور ما عرف بـ "اللحن" ويوضح هذا الأمر، فيقول: ولا نستطيع أن نقطع بالوقت الذى بدأ فيه ما يسمى بـ "اللحن" أو "الخطأ اللغوى" يتسرب إلى اللغة العربية، ولكن الرواة يروون لنا أن أحدهم لحن أمام النبى عليه الصلاة والسلام، فقال: "أرشدوا أخاكم فقد ضل".
ولقد حاول عمر بن الخطاب أن يحتفظ العرب بكيانهم ولا يذوبوا فى الأمم المغلوبة، فحرم عليهم امتلاك الضياع فى الأقاليم الجديدة، أو اتخاذها وطنا ومقاما.. ولكن كان من المتعذر وضع الحدود الفاصلة بين العرب وغيرهم، فقد امتلك العرب الضياع بعد عصر ابن الخطاب، واضطروا إلى الاتصال الدائم بالسكان الوطنيين من أجل تعميرها واستثمارها، كذلك التحق بالجيوش العربية جماعات من غير العرب من العبيد والخدم والتجار والعمال وغيرهم ليعدوا لهم ما يسد حاجاتهم، فقد كان العرب وما زالوا يحتقرون الصناعات، ويزورون العاملين بأيديهم، ويرون العمل اللائق بالعربى هو الحرب.. كذلك أدخل نظام الرقيق فى منازل العرب فى الأقاليم الجديدة، وفى شبه الجزيرة نفسها كثير من الرقيق، الذكور والإناث، الذين تناسلوا وأنجبوا الكثير من أبناء الرقيق، الذين لا يمكن عدهم عربا خلصا ولو من الجانب اللغوى وحده، كل هذا كان له أثره الخطير فى اللغة العربية.
فقد نشأت بالضرورة لغة للتفاهم بين هذه الجماعات المختلفة الأصول، والمتباعدة اللغات ولكنها تعيش فى موطن واحد، وتمثل مصالح مشتركة متبادلة. هذه اللغة المشتركة أخذت تتطور مع الزمن باستعراب غير العرب، وبابتعاد العرب أنفسهم عن الفصحى نفسها إلى أن ظهرت اللغة الدارجة أو اللغة العامية (3).
هكذا ظهرت اللغة العامية، وتلك هى العوامل التى عملت على تكوينها: بنية سكانية مختلطة الأعراق والأجناس واللغات تربطها عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية ومصالح مشتركة.
بدأ الأمر بظهور "اللحن" أو "الخطأ اللغوى" فى اللغة الفصحى وانتهى بظهور "لغة جديدة" لها طبيعتها وخصائصها المميزة.

يقول الدكتور حسين نصار: "ونستطيع أن نجمل خصائص اللغة العامية التى تميزها عن الفصحى فى تبسيط المحصول الصوتى، بالاستغناء عن بعض الحروف كالذال، والثاء، وتقريب جرس بعضها إلى ما شاكله، وجعل الحرفين المتقاربين ذوى جرس واحد، وتبسيط القوالب اللغوية، ونظام تركيب الجملة، والتخفف من كثير من مفردات اللغة، والتنازل عن نظام الإعراب، واحتضان كثير من المفردات الأجنبية التى استعارها المجتمع الإسلامى من الأجناس التى انضمت إليه واختلطت به" (4).
وقد قال بهذا الدكتور عبد العزيز الأهوانى: "العامية لغة مستقلة لها أساليبها، وألفاظها، ولها بلاغتها، كما أدرك ذلك ابن خلدون قديما" (5).
وقال بالرأى نفسه الأستاذ أحمد أمين: "ولهذه اللغة العامية بلاغة كاللغة الفصحى، ولهم فيها تعبيرات ساحرة" (6).
وقد سبق أن قال ابن خلدون فى هذا الأمر: "ولما فسد لسان مضر ولغتهم التى دونت مقاييسها، وقوانين إعرابها، وفسدت اللغات من بعد بحسب ما خالطها ومازجها من العجمة، فكان تخيل العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر فى الإعراب جملة، وفى كثير من الموضوعات اللغوية، وبناء الكلمات، وكذلك الحضر وأهل الأمصار، نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر فى الإعراب وأكثر الأوضاع والتصاريف، وخالفت أيضا الجيل من العرب لهذا العهد، واختلفت هى فى نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق، فلأهل المشرق وأمصاره لغة، غير لغة أهل المغرب وأمصاره" (7).

هذه هى اللغة العامية تواضعت عليها جماعات من الناس فتكلموا بها، وعاشوا بها، فكروا بها وعبروا بها عن أفكارهم ومشاعرهم وأبدعوا فيها أدبهم.
فما أدب اللغة العامية؟

يعرف أحمد صادق الجمال أدب العامية فى كتابه الأدب العامى فى مصر فى العصر المملوكى (7) فيقول: "الأدب العامي هو الأدب الذى دخل لغته اللحن، وبعد عن قالب اللغة الفصيحة والأساليب المولدة واللهجات، وإن كان قد أخذ من هذه وهذه بل ومن غيرها من اللغات الأجنبية الدخيلة على اللغة الأم، وخصها بلحنه وسهولة ألفاظه".
ويقول: "وقد نشأ الأدب العامى نتيجة انبثاقه من الوجدان الفطرى. ليعبر عن حياة القطاع الاجتماعى الكبير، وهو نافذ إلى الأعماق لقوة معانيه التى استمدها من الطبع السليم، ولخروجه من الأعماق، كى ينفس عن نفس صاحبه تلك النفس التى هصرتها التجربة، ولذلك فهو صادق التعبير عن الواقع".

وهو يفرق بينه وبين الأدب الشعبى، ويقول: "نفرق بينهما على أساس الاعتبار اللفظى أولا، فنجد أن الأدب العامى قد استقى مادته من الفصحى المصحفة أو الملحونة ومن الألفاظ الدخيلة، بل ومن اللغة الجارية، إلا أنه قد ظهر فيها التجريد، ولا كذلك الأدب الشعبى الذى يتخذ مادته من الملحون والدخيل، إلا أنها ألفاظ أسلوب الحديث الجاري.. ناحية ثانية وهى أن الأدب الشعبى يعتمد على المشافهة أكثر من التدوين.. ونحن فى تناولنا البحث عن مأثورات الشعب" التى خلفها لنا بلغته التى كان يتكلم بها فى حديثه، ترانا أمام أثر اشترك فى إعداده غير فرد، ومن هنا نجد فرقا بين الأدب الشعبى الذى أثر عن أفراد المجتمع، واعتمد على المشافهة، وبين الأدب العامى الذى أثر عن شخص بعينه معتمدا على التدوين" (8).
فى كتابه "الأدب فى العصر المملوكى" (9) يعرف الدكتور محمد زغلول سلام الأدب العامى من خلال تعريفه الأدب الشعبى فيقول: "حين نطلق لفظ الأدب الشعبى فإنما نريد به الأدب الذى يحمل خاصيتين، أولاهما أن يكون بلغة عامية ملحونة، أى بلغة عامة الشعب والناس فى أحاديثهم العامة، وقضاء حاجاتهم اليومية، وثانيتهما: أن يعرض لحياة الناس من عامة الشعب، وخبايا وجداناتهم، ومكنون مشاعرهم كما يبين عن احتياجاتهم. وربما كان هذا الضرب من الأدب من صنع مجهول، أو من صنع جماعة اشتركوا فيه فى جيل واحد، أو أجيال متعاقبة، فى بلد واحد أو بلاد متفرقة، وربما كان من صنع علم معروف، مشهور من رجال الأدب والفن، ولكن سار وتناقلته ألسنة الناس". قد تخالف فى هذا التعريف بعض الباحثين لأنا لا نرى معنى للتفرقة بين أدب شعبى، وأدب عامى، اقتداء ببعض الآراء والمفاهيم الغربية، فعلى أساس ما وضعوا فى الغرب من قواعد لهذا اللون الفولكلور (9).
هكذا لا يفرق الدكتور زغلول سلام بين الأدب العامى والأدب الشعبى فهما عنده أدب واحد.

يكتشف الناظر فى التعريفين ـ تعريف الجمال، وسلام ـ وجود صلة وثيقة بين طبيعتيهما، يعترف أحمد الجمال بهذا فيقول: "نرى أن الأدب الشعبى، والأدب العامى كليهما يعبران عن نفسية المجتمع، وبمعنى أقرب يعبران عن نفسية الطبقات المحكومة... وجدير فى هذا المقام أن نقرر أن الأدب الشعبى والأدب العامى كان يمس كل منهما الحياة الاجتماعية من جميع جوانبها، فهما تعبير عن خلد القطاع الاجتماعى الفقير بما يعتريه من مؤثرات اجتماعية أو هزات سياسية أو طبقية، وما إلى ذلك مما ينتاب الشعوب من تغيير فى السلوك" (10).

هكذا الأمر أى أن كليهما يعبران عن الجماعة أكثر مما يعبران عن خصوصية الفرد. وهذا قد يبرر الخلط بينهما عند بعض الباحثين مثل الدكتور زغلول سلام، ويجب أخذ هذا فى الاعتبار ونحن نحاول تبين الأمر.

هناك إذن أدب عامى مع التسليم بكل ما قيل حوله.
وإذا كان الأمر كذلك فما أشكال التعبير فى هذا الأدب؟
أشكال التعبير فى الأدب العامى "فنون الشعر الملحون"

عرفنا مما سبق أن أمر العامية بدأ بـ "اللحن" أو "الخطأ اللغوى فى اللغة العربية" فاشتقت الصفة التى وصف بها الشعر المعروف الآن بالعامى، و "الملحون" من "اللحن" يقول صفى الدين الحلى فى كتابه "العاطل الحالى والمرخص الغالى" (11)، إن فنون النظم سبعة "منها ثلاثة معربة أبداً، لا يفتقر اللحن فيها، وهى: الشعر، والموشح، والدوبيت،.. ومنها ثلاثة ملحونة أبدا، وهى: الزجل، والكان وكان، والقوما، ومنها واحد هو البرزخ بينها، يحتمل اللحن والإعراب، وإنما اللحن فيه أحسن وأليق، وهو المواليا.
يعلى الحلي من قدر "الزجل" من بين تلك الفنون، فيقول: "هو أرفعها رتبة، وأشرفها نسبة، وأكثرها أوزانا.. وأوزانه متجددة، وقوافيه متعددة، والزجل فى اللغة يعنى الصوت: يقال: سحاب زجل، إذا كان فيه الرعد، ويقال لصوت الأحجار والحديد والجماد أيضا.. وإنما سمى هذا الفن زجلا لأنه لا يلتذ به، وتفهم مقاطع أوزانه، ولزوم قوافيه، حتى يتغنى به ويصوت، فيزول اللبس بذلك.. وقد قسمه موزعون على أربعة أقسام، يفرق بينها بمضمونها المفهوم، لا بالأوزان واللزوم، فلقبوا ما تضمن الغزل والنسيب، والخمرى، والزهرى "زجلا" وما تضمن الهزل والخلاعة والأحماض "بليغا"، وما تضمن الهجاء والثلب قرقيا، وما تضمن المواعظ والحكمة "مكفرا" ولقبه مشتق من تكفير الذنوب".
ويقول الحلي عن بداية ظهور "الزجل":

"وأول ما نظموا الأزجال جعلوها قصائد مقصدة، وأبياتا مجردة فى أبحر عروض العرب، بقافية واحدة، كالقريض لا يغايره بغير اللحن واللفظ العامى، وسموها القصائد الزجلية" (11).
كانت هذه إذن بداية ظهور الزجل، الذى يعد الجد الأعلى لما صار يعرف بـ"الشعر العامى"، قصائد مقصدة وأبيات مجردة.. إلخ.
فما الذى حدث له بعد تلك البداية، وقسمه إلى تلك الأقسام التى سبقت الإشارة إليها؟
يقول الحلى:

".. ذلك لأنهم لما لحنوا تلك القصائد بألحان طيبة السماع، رائعة فى الأسماع، متناسبة فى الأنغام والإيقاع، واضطر جدول كل شعر فيها إلى محط ينتهى إليه، ومقطع يقف الدور عليه، وكانت هممهم الشريفة، أو طباعهم اللطيفة، ناهضة بالجمع بين أصول الطرب، وصحة أوزان العرب، ولم يكن لهم اطلاع على ما اخترعه الأعاجم من تلفيض الترانات، والأوزنات والأوانكشتات، المتمم بها نقص الأدوار، والسربندات وضعوا على وزن كل جزء منها كلاما موازنة فى الثقل والخفة ويقوم مقامه عند الترنم والغناء، وسموها مع اتصال بأقفال الزجل الخرجات، ومع تجريدها منها ولا الزخمات، وسموا ما قبلها بالأغصان، والأقفال ومجموعها بالأبيات، ثم خالفوا بين الأوزان، من غير أن يخسروا الميزان، فانتقلت تلك القصائد إلى أوزان مختلفة الموضع، بحسب التقطيع، والتفريع، والترصيع، والتصريع" (12).

هذا ما حدث ارتباط الزجل بالغناء والتلحين طبقا لما اخترعه الأعاجم من الترانات والأوزنات.. إلخ. والتى لم يكن للعرب معرفة بها ففعلوا ما تقتضيه الأمور وتحولت القصيدة التى كانت مقصدة فى أوزان العرب وبحورهم إلى هذا ، المعقد البناء كان هذا بطبيعة الحال أثرا من آثار الأندلس، تلك البيئة الجديدة التى حل فيها العرب وخالطوا أهل كل ما يمثلونه من الخصائص الجنس والثقافة والذوق، والتى كانت المهد الذى ولد عليه الزجل ونما وترعرع، ثم انتقل منه إلى غيره من البيئات.

الزجل فى مصر

يقول الدكتور زغلول سلام: "وفد الزجل إلى مصر والشام صحبة الموشح، من الأندلس والمغرب، واشتد عوده على يد ابن قزمان، ولكن المصريين تفننوا فيه وبدعوا" (13).
ويقول أحمد صادق الجمال: "عرف المصريون الزجل فعرفنا فيه حياتهم وبساطتهم وعدم تعقدهم وخفة روحهم، ومدى ثقافتهم وعرفانهم لأسرار الجمال فى لغتهم، فقد عبر الزجالون عن الحياة وفرقوا الموضوعات التى خرقها الشعراء، وابتدعوا أغراضا جديدة، وما أوضح ذلك فى هذا الزجل الذى رثى به ناصر الغيطى "الفيل مرزوق" الذى كان تملنك قد أهداه للملك الناصر فغرق فى الخليج الناصرى سنة 804هـ، وخرجت إليه الناس للفرجة، وأغلقت الأسواق وكان يوما مشهودا يقول فيه:

تعا اسمعوا بالله يا ناس اللى جرى الفيل وقع يوم لتنين فى القنطرة

لما أفلسوا غلمان الفيـل       راموا الجزاف
فدوه وراحوا صوب بولاق       يجبو المطاف
رأوا شويخ من أهـل الله       ما فيه خلاف

جو ياخد وشاشو بالزنطرة دعا على الفيل اتقنطر فى القنطرة (14)

العصر المملوكي وامتزاج الفصيح والعامي

يقول الدكتور زغلول سلام: "إن حياتنا المعاصرة متصلة دون شك بآصرة شديدة بحياتنا فى عصر المماليك، بل ربما خلف عصر المماليك والعثمانيين الذى امتد لأكثر من ستة قرون فى حياتنا المعاصرة ما لم تخلفه العصور العربية والإسلامية مجتمعة" (15).
ويشير إلى ما اتسمت به الحياة الأدبية فى ذلك العصر، فيقول: "لم يعد الفاصل كبيرا بين الأدب العامى والفصيح بل إنهما اختلطا وتمازجا حتى أن أدباء الفصحى كانوا يكتبون بالعامية وأدباء العوام كانوا يكتبون بالفصحى أو بالعامية المفصحة إذا صح هذا التعبير حتى الأدب الفصيح نفسه، اتخذ صورة الأدب العامى، وأشكاله، بل تعداها إلى أسلوبه وتعبيراته.. ونتيجة لهذا التمازج بين العامي والفصيح، أصبح الأدب قريبا إلى الشعب، ملتحما بحياته وظروفه لا مرتفعا عنه، مترفعا عن همومه وأفراحه وأحزانه وأشجانه أو قل إن الأدباء لم يعد لهم مجال بين الملوك والخاص فنزلوا إلى الشعب يستمدونه مادة أدبهم فكانت هذه الظاهرة فى أدب المماليك، وقد نبغ من طبقات العوام، وأصحاب الحرف الصغيرة كثير من الشعراء والأدباء، أمثال الجزاء، والوراق، والحماص، والصائغ، والخياط، والعطار، والكحال" (16).
ويقدم أحمد صادق الجمال أمثلة من أولئك الشعراء أصحاب الحرف (17).

هذا ابن دانيال الكحال يقول معرفا لحرفته:

يا سائلي عن حرفتي فى الورى       وضيعتى فيهم وإفلاسى
ما حال من درهم إنفاقه       يأخذه من أعين الناس

والكحالة هى مداواة العيون.
وهذا النصير الحمامى يصف ما لحق حمامه من كدر لغيبة.. مستجم يقول:

كدرت حمامى بغيبتك التى       تكدر فيها العيش من كل مشرب
فما كان صدر الحوض منشرحا بها ما كان قلب الماء فيها بطيب

ويستحث خليل بن أحمد الغرمى خليليه وقد أصابهم الجوع على أن يسرعا فى التوجه إلى أحد البيوت للحصول على أى شيء يسد رمقهم ولو كان قرقوشة يقول:

خليلى قد جعنا جميعا فبادرا       لبيت فلان مسرعـين وسـيرا
وإن تجدا قرقوشة فاجريانها       لنحوى وإن كان العجين فطيرا

أما الجزاء فيتغزل فى الكنافة والقطايف فيقول:

سقى الله أكناف الكنافة بالقطر       وجاد عليها سكر دائـم الدر
وتبا لأوقات المخلل إنـها       تمر بلا نفع وتحسب من عمري
أهيم غراما كلما ذكر الحمى       وليس الحمى إلا القطارة بالسعر
وأشتاق إن هبت نسيم قطائف الـ       جور سحير أو هى عاطرة النشر

هذه أمثلة لأفراد نبغوا من طبقات العوام كما سبق أن قال الدكتور محمد زغلول سلام، فماذا عن القاعدة العريضة من العوام التى خرج منها هؤلاء؟

تصانيف العـوام
يقول ابن إياس فيما أورده من أخبار ما حدث فى مصر فى شهر المحرم عام 892هـ:
وفيه اشتد أمر الغلاء جدا حتى أبيع القمح كل إردب بستة دنانير، وأبيعت البطة الدقيق بأربعمائة وخمسين درهما، وأبيع خبز الذرة، ولم يظهر خبز الذرة فيما تقدم من الفلوات المشهورة حتى صنفوا العوام رقصة وهم يقولون:

زوجى ذى المسخرة       يطعمني خبز الذرة (18).

اشتد الغلاء على المصريين، وارتفعت أسعار القمح حتى اضطروا إلى أكل خبز الذرة، ولم يكن هذا مما اعتادوه فى غلواتهم السابقة "فصنف العوام رقصة وهم يقولون... إلخ".
تستوقفنا هذه الألفاظ لدلالاتها، فها هم العوام يصنفون، ويرقصون، ويقولون فى الشارع يعبرون عن موقفهم من ارتفاع الأسعار وأكل خبز الذرة.
يخرج القول على لسان زوجة تسخر من زوجها مع أن التصنيف ينسب إلى جماعة العوام كما ينسب إليهم القول، وهذا يعنى أن تلك المرأة هى صوت الجماعة المعبرة عن أحاسيسهم ومشاعرهم ومواقفهم إنها الجماعة التى تصنف وترقص وتقول.

ويقول فيما يروى من أخبار ما حدث فى شهر ربيع الأول عام 896هـ:

"ومن الحوادث المهولة فى أثناء هذا الشهر توجه السلطان (الأشرف قايتباى) إلى قبة يشبك الدوادار فجلس هناك، وأرسل خلف القضاة الأربعة.. فلما تكامل المجلس، شرع السلطان فى التكلم معهم فذكر لهم بأن ابن عثمان ليس براجع عن محاربة عسكر مصر، وأن أحوال البلاد الحلبية قد فسدت وآلت إلى الخراب، وأن التجار قد منعوا مما كان يجلب إلى مصر من الأصناف، وأن المماليك الجلبان يرومون منى نفقة، وإن لم أنفق عليهم شيئا فسينهبون مصر والقاهرة، ويحرقون البيوت.. ثم شرع يقسم بالله تعالى أن ليس بقى فى الخزائن من المال لا كثير ولا قليلا، وأن القصد أن أفرض على الأوقاف والأملاك التى بمصر والقاهرة من أماكن وغيطان وجماعات وطواحين، ومراكب، وغير ذلك أجرة سنة كاملة، أنعان بها على خروج التجريدة، فسكت المجلس ساعة، ثم قال القاضى الشافعى لعل الله تعالى يكفيكم مؤونة ذلك.. وقال القاضى المالكى: إن أجرة سنة كاملة يثقل على الناس ولا يطيقوا ذلك، وإن كان ولا بد من ذلك فليفرض عليهم أجرة خمسة أشهر وقبل ذلك فرض عليهم أجرة شهرين، فهذه سبعة أشهر وما يطيق الحال أكثر من ذلك، فلما بلغ الناس ما وقع، اضطربت الأحوال وكثر القيل والقال فى ذلك..

وقد قال بعض الموالة فى ذلك:

غرمت شهرين عن أجرة مكانى أمس       وأصبحت مغموس بالمغــارم غمس
أقسم برب الخلايق والقمر والشمس       ما طقت شهرين كيف أقدر أطيق الخمس

ويعقب ابن إياس على ذلك بقوله (أى الأشرف قايتباى):

أصرف هذا المال فى شيء عاد نفعه على الناس، ولكن أصرفه فى غير مستحقه وضاع فى البطال ولم ينتفع به (19).

كانت هذه أحوال المصريين تحت حكم المماليك، تنصب عليهم المصائب من كل جانب، ابن عثمان يحتشد للاستيلاء على بلدهم، والكساد يحل بالتجارة والواردات تنقطع، والمماليك ذئاب جائعة يهاجمون البيوت ينهبون ويحرقون ويدمرون، والسلطان ظالم جشع يفرض على الناس الضرائب الباهظة التى لا تتحملها أحوال الشعب المطحون والأموال تنفق فى البطال.. ولا تعود عليهم بالخير، تضطرب الأحوال ويكثر القيل والقال وتضيق الصدور مما يضطرم داخلها من نيران الغضب والألم فينبعث صوت.. بعض الموالة محملا بالألم والشكوى، شكوى المصريين الذين يغمسون فى بحر المغارم تغرق أجسادهم ونفوسهم بدلا من أن ينغمسوا فى ماء بحر النيل بحر الخير والخضرة والنماء، لم يعلن ابن إياس اسم صاحب الموال لأنه لم يكن واحدا وإنما كان الكل، وهكذا قام الفن وقامت الكلمة بدورها فى حياة الشعب المصرى.
وقد أورد ابن إياس من أخبار الحوادث التى حدثت سنة 709هـ فى سلطنة "المظفر بيبرس الجاشنكير" فقال:

"ومن الحوادث فى هذه السنة، أن النيل توقف عن الوفاء إلى سابع عشرين توت من الشهور القبطية ثم نقص فى تاسع عشر بابه، فضج الناس لذلك وتشحطت الغلال، وارتفع الخبز من الأسواق، واضطربت الأحوال جدا فرسم السلطان بفتح السد من غير وفاء وقد نقص عنه الوفاء ثلاثة أصابع، فلما فتح لم يخلق المقياس لذلك، وفيه يقول بدر الدين بن الصاحب:

جاءوا بردع وكذب       وفرحوا قلب الورى
وقيل لى النيـل وفى       فقلت هذا ما جرى

واستمر إلى سابع عشرين بابه، فنقص جملة واحدة، فكان منتهى الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرين أصبعا، فشرقت البلاد وضجت العباد، قال النقيرا هما فى:

إن عجل النوروز قبل الوفـا       عجل للعـالم صفع القـفا
فقد كفى من دمعهم ما جرى       وما جرى من عنلهم ما كفى

قال الصارمى إبراهيم بن زقمان فى تاريخه: إن فى هذه الواقعة صنفوا أهل مصر كلاما ولحنوه، وصاروا يغنون به العوام فى أماكن المفترجات وغيرها وهو هذا:

سلطاني ركين       ونايبو دقـين
يجبنا المــــآ       من أين
ها قولنا الأعرج       يجى المآ ويدحرج

وكان الأمير سلار النائب أجرود، فى حنكه بعض شعرات، فسمته العوام "وقين" وكان الملك عبد الناصر محمد به بعض عرج، فسمته العوام الأعرج، وكان بيبرس الجاشنكير لقبه ركن الدين فسمته العوام "ركين".
فلما فشا هذا الكلام بين الناس، بلغ السلطان، فرسم للوالى أن يعترض على جماعة من العوام، فقبض على جماعة منهم، نحو ثلاثمائة إنسان فرسم السلطان بضرب جماعة منهم بالمقارع، وإشهارهم فى القاهرة على جمال ورسم بقطع ألسنة جماعة منهم" (20).
لم يف النيل ذلك العام فضج الناس لذلك، وتشحطت الغلال وارتفع الخبز من الأسواق، واضطربت الأحوال، ومع ذلك أمر السلطان بفتح السد الذى كان فتحه علامة على الوفاء أى أنه خدع الناس وكذب عليهم فى هذا الأمر الخطير الذى يمس رغيف العيش قوام حياتهم، فثارت ثورتهم، وهاموا وماجوا وصنعوا كلاما ولحنوه وصاروا يغنون به، سخروا فيه من السلطان ومن نائبه، وطالبوا بتغييره، وفشا هذا الكلام بين الناس، فأثار خوفه وحفيظته وواجههم بالقسوة وأنزل بهم أشد العقاب.
ثارت الجماهير على فساد الحكم وكان سلاحها الكلمة؛ الأغنية التي صنفوها وغنوها وأشاعوها حتى أخافوا السلطان. فنكل بهم على تلك الصورة التى سبق عرضها "قطع ألسنتهم التي غنت ذلك الغناء الموجع".
يسترعى الانتباه أن رد الفعل الشعبى الذى تسلح بالكلمات اتخذ صورتين: صورة فردية تمثلت فيما قاله بدر الدين بن الصاحب وما قاله النصير الجماعى الذين عبر كل منهما عن نفسه عن رؤيته الخاصة وموقفه مما حدث.
فبدر الدين بن الصاحب أعلن شعرا أن ما حدث كان كذبا وغشا وخداعا.
والنصير الحمامى تخوف مما كان يرتبط عادة بالاحتفال بالنوروز من إهانات توجه إلى الناس من قبل بعض جماعات المحتفلين من التراشق بالمياه القذرة والصفع بالجلود واختطاف العمائم، تخوف من أن يحدث هذا رغم أن النيل لم يف الأمر الذى كان يهون على الناس تحمل تلك المهانات التى أجرت من دموعهم ما أجرت ولم يعد لديهم من الدموع ما يتبعونها جزعا لعدم وفاء النيل.
أما الصورة الثانية، فجماعية صورة رد فعل الجماعة، وكان المطالبة بتغيير السلطان الظالم، لم تذكر الرواية ما حدث لابن الصاحب والحمامى وماذا فعل بهما السلطان؟ والمرجح أنه لم يفعل شيئا، أما الجماهير أو العامة فقد قطع ألسنتهم. هكذا بدت صورة الفردى والجمعى، العامى والشعبى.
صار العوام قوة يحسب لها ألف حساب تنفعل وتفعل، تصنف وترقص، وتغنى ذلك الغناء، الذى أخاف السلطان.
هذا ما كان عليه الحال فى ذلك العصر الذى خلف فى حياتنا المعاصرة ما لم تخلفه العصور العربية والإسلامية السابقة مجتمعة كما قال الدكتور محمد زغلول سلام.

عصر الشعر العامى

قال محمود بيرم التونسى وهو يطاول أحمد شوقى أمير الشعراء و"شاعر الأمير" وما بالقليل ذا اللقب:

يا أمير الشعر غيرك       فى الزجل يبقى أميرك

وهو بهذا يعترف بوجود إمارتين فى دنيا الأدب إمارة الشعر وأميرها أحمد شوقى، وإمارة "الزجل" وأميرها محمود بيرم التونسى.
ويمكن اعتبار إبداع محمود بيرم التونسى نهاية عصر الزجل وبداية عصر الشعر العامى.
فقد عمل قانون التطور عمله وخرج من صلب أمير الزجل شعراء العامية: صلاح جاهين، فؤاد حداد، فؤاد قاعود، وإخوتهم وأبناؤهم الذين تنتشر بيننا الآن دواوينهم الشعرية العامية.
ولو نظر ناظر إلى هذه الدواوين ودقق فسيكتشف أنها ترتبط بالماضى وتنتمى إلى الحاضر وتستشرف المستقبل، فالجد القريب محمود بيرم التونسى لم يزل ماثلا فى أسماعنا ومشاعرنا وعقولنا، وقصائد فؤاد حداد "المسحراتى" هى التطور والامتداد لفن "القوما" القديم، والمواويل "والحمر" و"الخضر" والـ "يا ليل يا عين" يصدح بها مطربونا ومطرباتنا هى الامتداد والتطور لفن "المواليا" هذا عن الصلة بالماضى.
أما عن الصلة بالحاضر والمستقبل فأورد هذا الشاهد فى العدد 845 من جريدة أخبار الأدب، الصادر فى 20 سبتمبر 2009هـ، مقال عنوانه: كتابة برائحة الفقر، للكاتب أسامة كمال، يقدم فيه ديوان أحمد فوزى، الذى عنوانه "آه يا بنت حلوه جدا".

يقول الكاتب:

"وربما فى هذه اللحظة الفارقة، بدأت تباشير حركة تحرير جديدة فى شعر العامية المصرية، لانتقالها من المنجز الستينى بكل ثرائه، إلى محاولة كتابة قصيدة جديدة خالية من المجاز التقليدى وغير معنية باللقاء مع الجماهير، ولم يكن غريبا أن نجد بديوان آه يا بنت حلوة، قصيدة بعنوان فى الحفرة مجدى الجابرى.. ومجدى الجابرى ليس اسما معلقا فى فضاء، مجدي الجابري بطل تحرير أدبي لقصيدة نثر العامية، ورمز من رموز شعرائها المحدثين".
ويتحدث الكاتب عن مفهوم الشعر، فيقول: ومفهوم الشعر لديه لا يقوم على الصورة الشعرية وما فيها من مفارقة أو دهشة، الشعر هو الناس، الشعر طريقة من طرق التنفس، وأداة للتواصل الحميم مع الآخرين، ونقل عذاباتهم، وعذابه.

ويورد الكاتب هذا الشاهد:

"أبويا ندل مات من غير سبب، أخويا سواق ميكروباص، أمى لمت يتم عيال حارتنا فى كعب رجليها".

ويعلق عليه فيقول: "تكاد تلك السطور أن تكون أنشودة ديوان: آخ يا بنت حلوة، وجوهرها الحى، إذ نقدر من خلالها على الوصول المباشر، ودون أى تعقيدات إلى عالم الشاعر، ونقف أمامه وجها لوجه، وعينا لعين".
وهكذا لم تعد القضية المطروحة، هل تصلح العامية أن تكون لغة للشعر؟ بل صارت أليس من حق شعر العامية أن تكون له هو الآخر قصيدة نثره؟
و"مفيش لغة أحسن من لغة فكل منهما بنت شايف الناس ولسه ياما حنسمع ونقره".


الهوامـش

1. الدكتور حسين نصار، الشعر الشعبى العربى، المكتبة الثقافية العدد 60.
2. ذاته، ص 95.
3. ذاته، ص 58.
4. ذاته، ص 101.
5. الدكتور عبد العزيز الأهوانى، ابن سناء الملك، ومشكلة العقر والابتكار فى الشعر، مكتبة الأنجلو المصرية، 1962م، ص 38.
6. أحمد أمين، قاموس العادات والتقاليد، والتعابير المصرية.
7. ابن خلدون، المقدمة، طبعة د. على عبد الواحد ص 678.
8. أحمد صادق الجمال، الأدب العامى فى مصر فى العصر المملوكى، الدار القومية للطباعة والنشر، 1966م، ص 73.
9. الدكتور محمد زغلول سلام، الأدب فى العصر المملوكى، دار الفكر العربى، جـ1، ص 301.
10. الجمال، ص 74، 75.
11. صفى الدين الحلى، العاطل الحالى، والمرخص الغالى، تحقيق د. حسين نصار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 14.
12. الحلى، ص 22.
13. د. زغلول سلام، ص 306.
14. الجمال، ص 124.
15. د. زغلول سلام، ص 6، جـ1.
16. د. زغلول سلام، ص 7، جـ1.
17. الجمال، ص 76 وما بعدها.
18. ابن إياس، بدائع الزهور، الهيئة المصرية العامة، جـ3، ص 238.
19. ابن إياس، بدائع الزهور، جـ3، ص278.
20. ابن إياس، بدائع الزهور، جـ1، ص454.

***

المحـور الثالث

تداخــل الأنـــواع الأدبـــية

داخل الأنواع:
فلسفة الحياة والكتابة اليوم

د. أمجد ريان

1 ـ تغيرات العصر

دخلت العصور الجديدة إلى مناطق مختلفة، وطرحت تصورات مختلفة عن كل قضية نعيشها اليوم من حيث البنية والوتيرة وشكل الصراع، بحيث يصبح الجديد خطاباً ينطلق من نقطة خارج دائرة حياتنا، حيث هذه الصيرورة الدائمة، وهذه التحولات التى تعصف بكل القَناعات، وتجعل المفاهيم القديمة فى حالة مأزق لا حل له، وقد حدث هذا فى سياق الانقلابات الجذرية فى كافة المستويات الحضارية والاجتماعية.
الفكر الأوروبي اليوم يناقش قضايا وفكر ما بعد الحداثة، بل وقضايا ما بعد ما بعد الحداثة، أما نحن فما زلنا نتخبط فى قضايا الحداثة ـ فى أحسن الحالات ـ ونتمسح فى المفاهيم التقليدية للتنوير والتقدم، وحتى التقدم هنا لا يأخذ معناه الفلسفلى أو النقدي، بل يتعلق بما هو سطحى فى الصورة الخارجية غير المتكاملة، أو من خلال التوظيفات الساذجة والشائعة، وهذا ما نلمسه بوضوح فى التجارب الهشة لبعض الذين يطبل لهم الإعلام فيمن يسمون برجال التنوير!!
ويرى كل من كارل ماركس، وإميل دوركهايم، وماكس فيبر، أن الحداثة تجسد صورة نسق اجتماعى متكامل على أساس العقلانية فى مختلف المستويات والاتجاهات، كما أن المسألة تمثل نسقاً من لانقطاعات التاريخية عن المراحل السابقة حيث تهيمن التقاليد والعقائد ذات الطابع الأحادى على امتداد التاريخ الإنسانى، حتى بدأ المجتمع الإنسانى يشهد تلك التغيرات التى اتسمت بطابع التسارع والتنوع والجوهرية ولا سيما فى مجال التكنولوجيا والمعرفة العلمية التى اتسعت حتى شملت جغرافية الكون.
والتجربة العربية وإن أخذت بالتحديث فى بعض الجوانب ، دون غيرها!!، إلا أنها لم تعرف الحداثة معرفـة حقيقية ، وكل ما فعلناه هو أننا مارسنا المحاكاة الجوفاء لمظاهر المدنية فى الغرب ونماذجه الحضارية، وهذه المظاهر بالطبع لا تنم عن حالة حضارية أو حداثية تنبثق من صميم مجتمعنا ، ولم تتكون فى رحمه الحضارى.
وغالبا ما كان يتضح أن هذه النماذج الحضارية التى تم الأخذ بها تتعارض مع النسق الحضارى العربى في أصوله وتجلياته الفعلية. وهذا يعنى أن استجلاب مظاهر الحداثة من الغرب قد يؤدى إلى مزيد من الازدواجية والضياع والاحتضار. وقد يعني ذلك ـ وهذه هى الحالة السائدة على الأغلب فى عالمنـا العربى ـ تعايش منظومتين اجتماعيتين متنافرتين فى آن واحد: مجتمع تقليدى يمارس حياته وفق معايير وقيم تقليدية وقبَلية أحياناً، ومجتمع حداثى يعيش وفق أحدث المعايير العصرية دون أن يتمثل روح هذه المعايير ويتشرب من تدفقاتها الذاتية.
لذا فالتحديث العربى فى التاريخ المعاصر يأخذ صورة مزيفة فى كثير من الأحيان، ونحن العرب نستورد مظاهر الحداثة المادية من: آليات، وسيارات، وأجهزة، وأنابيب النفط ومصافيه ، وأجهزة الحواسب الآلية، ومختلف الأجهزة الإلكترونية، وهى تقنيات ومخترعات كلفت أوروبا مئات السنين من البحث والتجريب العلمى، وفى أصل هذه المخترعات تكمن روح ديكارت، وفرانسيس بيكون، وجاليليو، وكوبرنيكس، وأديسون، وغيرهم، بكل ما فيها من منطق يجسد روح العلم الحديث، هذه الروح التى تمثل جوهر الحداثة.
هذا الجوهر الذى فشلنا فى خلقه أو معرفته أو نقله، فنقلنا مظاهره الخارجية فقط، وللحداثة دائماً وجهان: خارجى وداخلى، حيث يتجلى الوجه الخارجى فى المنجزات المادية والتطورات العلمية والتكنولوجية، ويتجلى الوجه الداخلى فى السلوك والشعور والقيم الإنسانية، فالحداثة لا تقوم بذاتها وإنما تتأصل في النسق الاجتماعى الذى يشمل الوجهين المادى والمعنوى.
إلا أن الحداثة نفسها لم تستطع ـ بنزعتها العقلانية واكتشافاتها العلمية ـ أن تحقق الغايات التى ارتبطت بأصل وجودها.
حتى إن تورين يقول: "إنها تطورت ضد ذاتها" ، وهذا يعنى أنها وجدت من أجل تحرير الإنسان ولكنها فى سياق تطورها وضعته فى أقفاص عبودية جديدة هى عبودية العقل والعقلانية، وتم استلاب هذه الذات من مقومات وجودها الإنسانية. لأن توظيف كل شىء لخدمة العقل فحسب، يجعل المسألة تنمو على حساب الذات الإنسانية المتفردة. بما تنطوى عليه هذه الذات من كرامة وخصوصية، فيخضع الإنسان لعقله أو لتأملاته العقلية، متناسياً عواطفه ومشاعره وقيمه الخاصة، فيأخذ مكانه وحضوره بوصفه فقط مواطناً مفكراً، فيتحول العقل هنا إلى طاغية وتتحول العقلانية إلى قهر أو استبداد ينتهك وجود الإنسان ويستلبه.
وإنه لمن مظاهر الخطر الكبير تنامى هذا الانفصال بين الجانبين: العالم العقلى والعالم الذاتى، سواء فى مستوى الإنسان الفرد أو فى مستوى المجتمع.
لقد فقدت الحداثة قدرتها على تحرير الإنسـان بعد أن أدت دورها التاريخى، بل إنها، وكما قال أحد المفكرين: بقدر ما تنتصر بقدر ما تفقد قدرتها على التحرير. بل ووصلت المسألة إلى حالة من الاختناقات أفقدتها القدرة على الصمود والنمو.
أما الفيلسوف الفرنسى المعروف جان فرانسوا ليوتار Lyotard فهو يُعدُّ من كبار المفكرين الذين وضعوا الحداثة في قفص الاتهام، وهو من أوائل من أعلنوا نهايتها ليولد عصر ما بعد الحداثة، وذلك فى كتابه المعروف "الوضع ما بعد الحداثى" عام 1979.
وهو فى هذا السياق يعلن عن سقوط النظريات والأيديولوجيات الكبرى، وعجز هذه النظريات عن قراءة الواقع أو تفسيره لأن هذه الأنساق الفكرية أصبحت تعانى من الجمود والانغلاق.
ومن القضايا التى ناقشتها الأفكار الجديدة "سقوط الحتمية"، بعد هذا التطور الهائل للعلوم الطبيعية والتاريخ .
فالحتمية تعلن إفلاسها أمام المستجدات العلمية الجديدة فى القرن العشرين، وبعد أن تعرفنا على ظاهرة تعدد الاحتمالات التى اتسعت بشكل هائل فى ظروف الحيـاة الجديدة، ولقد أثبتت الأحداث المتتابعة، على مدى القرن العشرين، أن التاريخ لا يأخذ خطاً حتمياً تحركه تتابعات المراحل المعروفة، فالتاريخ الإنسانى قد يأخذ خط التقدم، ولكنه قد يتراجع وقد ينهض من جديد أو يراوح فى مكانه.
لقد شكلت الانتقادات المنهجية التى وجهت إلى "الحداثة" تربة يتنامى فيها مفهوم "ما بعد الحداثة" ليأخذ صورته النقدية التى تغذيها روح فكرية جديدة نشطة ومتطورة، شكلت ينبوعاً للتنظيرين العلمى والإبداعى المتقدمين فى ميادين "ما بعد الحداثة". وتأسيساً على ذلك يمكن القول بأن مفهوم ما بعد الحداثة لا يأخذ أهميته بوصفه امتداداً زمنياً لحالات حضارية متعاقبة بل هو نسق من التصورات النقدية التى أبدعتها روح العصر المتجدد في مختلف ميادين الحياة الفكرية، بل ويمكن القول إن حالة ما بعد الحداثة يمكن أن تسبق الحداثة نفسها.
لقد عمل الفكر الجديد على هدم الأنساق الفكرية الجامدة والأيديولوجيات الكبرى المغلقة وعمل على تقويض أسسها، وإزالة التناقض الحداثى بين الذات والموضوع، وبين الجانب العقلانى والجانب الروحانى فى حياتنا، وذلك من منطلق الافتراض بعدم وجود مثل هذه الثنائية الميتافيزيائية، كما أنه فكر يرفض اليقين المعرفى المطلق، وهو يلح على إسقاط نظام السلطة الفكرية فى المجتمع والجامعة، فى الأدب والفن، والإطاحة بمشروعية القيم المفروضة من فوق ، سواء فى الأنظمة أو فى المؤسسات الاجتماعية كافة.
كما يرفض المفكرون الجدد مفاهيم فلسفية حداثية من مثل: العقل ، والذات، والعقلانية ، والمنطق، والحقيقة ، فهى مقولات وهمية فى الأغلب الأعم، و"الحقيقة" على سبيل المثال، هى وهم لا طائل من ورائه، ذلك لأن الحقيقة مرتهنة بعدد من المعايير الخاصة بالعقل والمنطق وهذه بدورها مرفوضة أيضا.
ولعل أهم ما يميز المرحلة الأخيرة فى حياتنا حضارياً وثقافياً، هو تلك الانقسامات اللانهائية التى تشهدها كافة الظواهر فى حياة البشر، وكل كيان كبير ينقسم اليوم إلى أجزائه الصغيرة التكوينية، ويظل كل جزء من هذه الأجزاء الصغيرة يكبر حتى يتضخم، ويصل إلى المرحلة التى ينفجر فيها بدوره منقسماً إلى أجزائه الصغيرة التكوينية، وهكذا إلى ما لا نهاية ، ويمكننا أن نضع أيدينا بشكل عشوائى على أية ظاهرة فى حياتنا لكى نتابع هذه الظاهرة الأساسية، ولنتابع أى علم من العلوم النظرية أو العملية، وليكن علم الاجتماع على سبيل المثال، فقد تضخم هذا العلم فى مراحله الأخيرة، حتى انفجر مكوناً مجموعة من العلوم، من أهمها: (علم الاجتماع العام ـ والأنثروبولوجى ـ والسوسيولوجى ـ علم الاجتماع النفسى، علم الاجتماع الريفى، علم الاجتماع الحضرى .. إلخ) ، ويمكن أن نلاحظ أيضاً فى إطار القضية نفسها، انفجار الكثير من الوحدات السياسية الكبرى وتحول بعض الدول الكبرى إلى دويلات أصغر، وهذا ما حدث أو يحدث، فى روسيا، ويوغوسلافيا وإندونيسيا (بعد استقلال إقليم "أتشيه"، وسعى بعض الأقاليم الأخرى للاستقلال).
بل وتشهد جميع الوحدات السياسية اليوم، قلاقل ومنازعات، وأحداثاً توحى بميول داخلية لاستقلال أجزاء وقطاعات وفئات أصغر، وكل تكوين فئوى يتأمل نفسه اليوم، ويتأمل علاقته بالمجموع، وهذا نلاحظه بقوة فى هذه الأطياف العراقية التى تحددت بشكل واضح بعد الأحداث الأخيرة (سنة، شيعة، أكراد، أشوريون، أيزيديون، إلخ ..)، بل نستطيع متابعة المسألة فى مصر أيضاً، من خلال هذه الحيوية النوعية التى يفعّلها الأقباط والنوبيون والبدو على سبيل المثال، ويمكننا أن نلاحظ المسألة فى كل ظاهرة تحيط بنا اليوم.
وهكذا تصبح الكثرة، والانقسام والتوالد المطرد معنى أساسى يصبغ الحياة الآدمية، مما تنتفى معه إمكانية تسييد نظام واحد فى السياسة أو فى الثقافة أو فى الأدب والشعر، أو حتى فى أنماط الحياة، أو الأخلاقيات والعادات بين جموع الجماهير التى تزداد فى الفترات الأخيرة بدورها زيادة هائلة وتتوالد بصورة لم يعرفها التاريخ الإنسانى من قبل، حتى إن المدن والأحياء الجديدة بدأت تغزو الخرائط الأرضية فى كل مكان فى العالم، لقد بدأنا نشهد مراحل جديدة تتفاعل فيها، وتتعايش، جميع الأفكار والنظريات فى المجالات كافة، حتى المتضارب منها، ولقد شكلت التحولات الحضارية الجديدة مناخاً مختلفاً لولادة أنظمة فكرية تتسم بطابع الذكاء والتعقيد والتكامل في الآن نفسه، وهذه الولادة الذكية جاءت تعبيراً عن وعى إنسانى جديد يتميز بطابعه النقدى المتمرد.

2 ـ التغيرات الجمالية التى طرأت على الشعر (وتداخل الأنواع الأدبية وغير الأدبية

فى هذا الإطار سيعرف الإبداع بشكل عام، والأدب والشعر بشكل خاص تغيرات تنسجم بدقة مع هذه التطورات الجديدة، فى زمن عرف التداخل الحاد بين الأنظمة والمدارس والأنساق فى مجال العمارة على سبيل المثال، أو فى مجال الأزياء، كما أن اللغة التى يتحدث بها البشر فى أى مجتمع إنسانى ومنها المجتمعات العربية ستشهد تداخلاً شديد الوضوح بين لغات ولهجات متعددة فى العبارة المنطوقة الواحدة فى بعض الأحيان.
وهذا التعدد المطرد والتجاور والتداخل فى الظواهر كافة، نتيجة التوالد المستمر، سينتج عنه تداخل بين الأنواع الأدبية، بل تداخل بين ما هو أدبى وغير أدبى فى النص الواحد.
وسيادة قصيدة النثر اليوم تعد نتيجة طبيعية للتغيرات الإبداعية والأدبية ، فى إطار تحولات الفكر والثقافة فى مجتمعاتنا اليوم، وقد استطاع الشعراء الجدد أن يثبتوا ملامح تجربة شعرية شديدة الأهمية، من حيث قدرتها الدقيقة على تجسيد طبيعة الحياة الجديدة التى يعيشها مجتمعنا فى ذاته من ناحية، ومن خلال علاقاته المتشعبة والمعقدة بالمجتمع الإنسانى كله من ناحية أخرى.
وعلى الرغم من هذه الحرب الضارية ضد قصيدة النثر من قبل النقاد التقليديين، طوال الحقب الماضية، فإن اللحظة الشعرية الراهنة هى لحظة قصيدة النثر بلا منازع، بل يمكن أن نقول إن سيادة شعر النثر قد تأخرت كثيراً، فقد كان موعدها الطبيعى هو بدايات القرن الماضى، ولكن تشاء الظروف التى تحالف لأجلها ممثلو القوى المحافظة، وممثلو السلطات الثقافية الجائرة، أن تتأخر ولادة وشيوع النص الجديد بهذا الشكل لفترة زمنية طويلة .
ويمكننا أن نلاحظ الخصوصية الشديدة لقصيدة النثر التى تكتب اليوم، فهى شديدة الاختلاف عن قصائد النثر السابقة، وهى ذات مرجعية ذاتية شخصانية مستفيدة من التراث الإنسانى كله، وقد أصبح لكل شاعر من شعراء قصيدة النثر اليوم أسلوب يخصه تماماً بين باقى الكتابات الأخرى، فلم تعد هناك قيم عامة سائدة، بل امتلك كل شاعر حريته واستقلاله التام، وأكد كل شاعر خصوصيته وتفرده، ونوعية تجربته ونكهتها الخاصة، المعبرة بقوة عما هو سائد فى الحياة، وفى مختلف الظواهر اليوم، ولن تغيب على دارس النصوص الجديدة ملاحظة التوجهات والنزوعات الجمالية الجديدة، مثل:

  1. الاحتفاء بالجزئى، إلى جوار الاحتفاء بالكلى.
  2. تداخل الأنواع الذى هو نتيجة طبيعية للتعدد اللانهائى.
  3. طرح الذاتية بالمعنى الشخصانى، حتى صارت قوة شعريّة قصيدة النثر نابعة من داخلها، ومن خصوصيتها المرتبطة بالذات، دون الاستناد إلى أية مرجعية سابقة.
  4. نقل اللحظات المعيشة والعابرة بديلاً عن المعانى الكبرى التى لم تعد مجدية، أو قادرة على الإجابة عن التساؤلات الجديدة، فنلاحظ مثلاً ، هذه التجارب الشعرية التى تسعى لطرح أصغر التفاصيل الحياتية، العابرة، مما أصبح يشكّل سيلاً لا نهاية له من المعطيات التى لا تتوقف عن التوالد، حتى يمكننا القول بأننا أصبحنا فى حالة تعايش دائم مع أيديولوجيا الأشياء الصغيرة.

وهذا كله يمكن أن يتضاد بالطبع مع ما كان النقاد الواقعيون يطرحونه فى المراحل السابقة ، عندما كانوا يقللون من قيمة إحدى التجارب ، فيتهمونها بالذاتية، قاصدين أن الانكباب على الذات نوع من الانفصال والعزلة، ولعل ذلك كان سبباً فى التقليل من قيمة كتابات كانت لها أهميتها التى لم ينتبه لها أحد وقتها، وهى: الخواطر، والاعترافات، ومختلف أشكال البوح والكتابات الشخصية، ولا نستطيع أن ننسى بالطبع أن الذات التى تطرح نفسها اليوم هى ذات واعية متبصرة، خبرت تجربة الماضى وهضمتها فى داخل تصور خاص، له ثراؤه، وقدرته على الإضافة لتاريخ الإبداع الإنسانى.

والمعنى الجديد للذات سيختلف عن معنى الذات الأخلاقى فى الكلاسيكية، وعن المعنى الوجدانى للذات فى الرومانسية، وعن المعنى الواقعى للذات فى مدرسة الشعر الحر، وعن المعنى الرمزى للذات فى تجربة السبعينيات الحداثية، وهكذا .
ويرتبط الإيغال فى المعانى الذاتية بقضايا أخرى، منها الاتجاه الملح عند عدد كبير من الشعراء للتعبير عن الإحساس النوستالجى بما يتضمنه من حنين للماضى، وبخاصة فى هذه الظروف المحيطة بنا، حيث يفيض الحاضر بالقهر والإحباطات على كل مستوى ، ويكون المستقبل غامضاً مليئاً باحتمالات المخاطر، لذلك يجد الإنسان نفسه فى كثير من الأحيان محتاجاً للعودة إلى تلك اللحظات الإنسانية الحقيقية الغنية التى عاشها فى مراحل سابقة ، فى الطفولة، أو فى أى من الأزمنة التى مضت فى القريب أو فى البعيد، لكى يجرى هذه المقارنة الضمنية بين زمن ولى من ناحية، وظروف الحياة الحاضرة من ناحية أخرى، ويتمكن من التبصر لمعرفة المسار الجديد الذى يجب أن يختطه فيها.
ويطرح الشاعر الأشياء من خلال روح واقعية، فالأشياء قد أصبحت (هى هى) ولم تعد الأشياء رموزاً لدلالات خارج الأشياء، فقد انتهت المجازات اللغوية، أو الاستعارات، ومختلف صنوف البلاغة التقليدية، والحبيبة فى النصوص الجديدة على سبيل المثال ، هى الحبيبة الفعلية التى كان الشاعر يجلس معها بالأمس، وليست الحبيبة هى مصر أو الحقيقة أو الجمال أو الوجود !! كما اعتاد الشعراء السابقون أن يفعلوا.

ومن أهم الملامح التى جسدها الفن الجديد التعبير عن سقوط الحدود، ليس بين الأنواع الفنية، بل بين الفن والظواهر الأخرى، ويمكننا أن نمد الخط على استقامته ، فنقول سقوط الحدود بين مختلف الظواهر من ناحية، والحياة نفسها من ناحية أخرى، ومن هنا يمكننا أن نلاحظ بوضوح استفادة الشاعر المباشرة اليوم من الفنون كافة، ومن الظواهر الأخرى كافة، مما يمكن أن يعطينا هذا الشعور القوى بتداخل الأنواع الفنية من ناحية، وبين الفن وما هو خارج الفن من ناحية أخرى، ويمكن أن نقرأ نصاً يعتمد على التفاعل مع تقنيات فن السينما، أو السرد القصصى، أو الحوار المسرحى، أو مصطلحات وأفكار الأنثروبولوجيا، أو النظريات الفلسفية أو العلمية، أو نقرأ نصاً يغترف من عفوية الحوار اليومى، أو من مصادفة الأفكار التى تولد بشكل مفاجئ، وهكذا.

والفكرة ذاتها يمكن أن نناقش من خلالها هذا المعنى الكوزموبوليتانى الذى شمل الكتابات الجديدة، وكأن العالم بأكمله سيصبح بيت كل شاعر، وقرأنا فى الكتابات الأخيرة نصوصاً لشعراء مصريين تتعلق بمعابد جنوب شرق آسيا، أو بالعادات الشعبية التى تمارس حول بعض البحيرات فى أوربا الشرقية، وهكذا، ويمكننا أن نلاحظ بالفعل أن الكتابات الجديدة تتخطى حدود أوطانها إلى الوجود الإنسانى كله، وهذا يصب مباشرة فى فكرة تداخل الأنواع.
وفى النهاية فقد صارت المعرفة تتخذ الآن أشكالاً مجزأة بصورة تتزايد باطّراد، وهذا يعنى تفكك الأنماط والأساليب والصيغ والأفكار والمعطيات، مما سيولّد نتائج لا نهاية لها فى مختلف المجالات، وستكون النتيجة الطبيعية لهذا، حدوث كل هذه التداخلات الجريئة فى كل ما نعيشه من ظواهر وقضايا ومعطيات.

3 ـ حول تجربة "الفقد" وتداخل النص الشعرى بالسرد والفلسفة

يطرح ديوان "تصبحين على خير" للشاعر "علاء خالد" تجربة الفقد أو الافتقاد، بعد الرحيل الجسدى لأقرب الناس لنا فى هذا العالم، وكيف يظل هناك شيء ينبض فى الروح، يظل يرافقنا ويؤكد لنا أنهم معنا فى البيت وفى كل مكان، وأننا ما زلنا يمكن أن نتكلم معهم، وإنها لأزمة الافتقاد القاسية التى تمثل أزمة أساسية من الأزمات التى يعيشها كل منا الآن، على مستويات متعددة، ولأسباب شتى، مما يضمن للديوان تواصل القارئ مع التجربة بمجرد الدخول إليها.
وتتميز هذه التجربة بنيّتها المضمرة للاختلاف مع نظام معرفى كامل، وبنيّتها للتمرد على الوضع الثقافى العام، والاختلاف والتمرد يتمّان بهدوء، وعلى مهل، وبثقة شديدة سرُّها أن الشاعر يحب الحياة بحق، يحبها حباً جما، كما تتميز التجربة بقدرتها على توصيل رسالتها ببساطة وقوة إلى متلقيها، بكل ما تحويه هذه الرسالة من إحساس بتجربة الفقد ، تجربة: كيف صارت نظرة الشاعر للحياة، وللموت، وللكتابة، بعد فقد أقرب الناس له، وبكل ما تحويه هذه الرسالة من إحساس بالقلق، ومن أسئلة، ومن تركيز على الحياة السرية، لكى يكشف الشاعر أكثر الخفايا عمقاً وظلاماً، ويطرح ملاحظـات تحتفى بالذات بالمعنى الشخصانىّ الغنىّ، وتحتفى بعلاقة الابن بأمه، وبالبيت كقيمة مكانية شهدت ولادة واستمرار هذه العلاقة التى سيفتقدها الشاعر فيما بعد، فيمتلئ بالإحساس بالوحدة والدوران داخل مجال من الأسئلة الوجودية عن الموت، وعن معنى العلاقات الآدمية والعائلية، ولعل نجاح الشاعر فى تطوير أدواته الشعرية ولغته، ولعل الدراما الشعرية العالية التى تتميز بها هذه التجربة والقدرة على الحكى، والالتقاط البصرى، كانت محاولة ناجحة من الشاعر للاستفادة بشكل كبير من قضية تداخل الأنواع، وكانت النتيجة نجاح هذه الشحنة الشعرية المكثفة، ولكننا نلاحظ بقوة أن السرد هنا بكل طاقته الحكائية لم يخرج بالنص عن الحس الشعرى النقى، بل يمكننا أن نقول إن الشاعر أدخل معنى السرد الحكائى فى نطاق السرد الشعرى الذى يتميز بخصوصيته النوعية، ويظل علاء فى حالة انتقال بندولية داخل منطق السرد بين تجربتى المكان والزمان، بكل ما فيهما من إمكانيات الانضغاط والتمدد والتغير والاستمرار، بما يمكن أن ينفتح على كثير من التساؤلات القلقة حول الأزمات العنيفة التى مرت بها الحياة البشرية، ومنها أزمة الموت، أو لو مددنا الخيط على استقامته ستكون أزمات الفقد كلها، وقد نجحت كتابة "علاء"، ونجحت الكتابات الجديدة نجاحـاً يؤكد وجوب التأصيل النظرى، وطرح وجهات النظر النقدية الجديدة التى ترتبط بهذه الكتابات، لكى تواصل التأسيس والتطور والفاعلية.
وفى تداخل الأنواع أيضاً، نتابع تفاعل التجربة مع الحس الفلسفى العام، فالديوان لا يعبر فقط عن مجرد رثاء، ولكن المسألة تعبر فى الوقت نفسه عن حالة اليتم والافتقاد، وعن إحساس ضمنى بشقاء العالم، وإحساس ضمنى بعدم الرضى عن شروره، وإحباطاته، وعن دهشة فلسفية بإزاء الوجود، من خلال لغة شعرية جديدة لها نكهتها الخاصة، ونزوعها للتحرر من الخطاب الأيديولوجى، والخطاب الجمالى الاستعارى اللذين كانا مهيمنين على الكتابة فى العقود السابقة، فيطرح الشاعر على سبيل المثال إحساسه بهذا اليتم من خلال حسيّـة شعرية كثيفة، ومباشرة، وطازجة وقادرة على التأثير القوىّ، من خلال لغة حرة، تخلصت تماماً من القوالب الجاهزة المسبقة، وتخلصت من الفكرة التى سادت حول أن اللغة وتجلياتها قادرة على التغيير، أو أنها يمكن أن تكون بديلا عن الحياة:

مقدار غيابك،
الذى خلَّف فى حلقى مذاقات
لم أكن أعرفها من قبل،
مذاقات اليتم (ص40)

تعبر الكتابة الجديدة عن الثقافة التى تشكلت فى عالمنا الجديد، بطبيعتها الشخصانيّة، والحسيّة، ومن أبرز ملامح الكتابة الجديدة هذا التحرر من المؤسسة الثقافية، وعدم الارتباط بآليات النشر لديها، أو الخضوع لمعاييرها السلطوية, وما تورّثه من قيم الاغتراب والفقد، وما يتطلبه هذا الخضوع من تنازلات تمس فى أغلب الأحيان القناعات الشعرية الحقيقية الصادقة, أصبح الشاعر اليوم يمتلك صوته الخاص الذي اكتسبه من داخل تجربته الفعلية، وخبرته الحياتية اليومية مما لا يمكن أن تصل إليه يد الرقابة، والرقابة المقصودة هنا هى هذا الميل التقليدى لتسييد السائد، من خلال الممارسة القمعية.
ولعل الإحساس بالفقد بمعناه الفلسفى هو الذى يشكل مفتاحاً حقيقياً لإبداع هذا النص، فالفقد قادر على تفجير منابع البوح عن المعاناة الإنسانية، وهو محرك أساسى لهذه الصور التى تأسرنا ، ولعل فكرة الأمل نفسها تفجر إحساساً بخوف من فقدٍ ما، و الفقد حالة شعورية إنسـانية عامة، لا تخلق الإبداع فقط، بل تحدد أشكال التلقى، ويكون الإنسان دائماً فى حالة استشعار دائمة لخوف من الفقد لما يريده وما يحبه وما يرغب فيه، حتى وإن لم يقع هذا الفقد بعد، وهناك دائماً إحساس بغربة فطرية وبفقد لشيء عزيز قد لا يُدرَك كنهه، فتستمر حالة الحزن والاكتئاب والإحساس الكثيف بالفقد واحتمال النهاية وعدم اللقاء.
تطرح التجربة كل هذه القيم الأخلاقية والجمالية والفلسفية، داخل هذه الحيوية الشعرية القادرة على التأثير، ونحس إلى أى حد يمكن أن يمتلك الشاعر كل هذا الجمال والحنان، وكل هذا الحب والرقة والوداعة فى زمن الرعب والتنافس الحيوانى الوحشى والقهر والاستغلال، زمن الاغتراب والفقد والضياع.
هو نص ضد القهر، ولكن القهر هنا ليس بمعناه الاجتماعى أو السياسى فقط، بقدر ما هو قهر للمصائر الإنسانية، وكذلك قهر الوجود عندما يسير الإنسان فى الطريق التى أجبر أن يسير فيها، منتقلاً من الصبا إلى الكهولة أوالشيخوخة، ولكن هناك دائماً أيضاً مسحة من بقايا قهر اجتماعى ، كامنة فى أعماقنا باستمرار، يخاطب الشاعر أمه:
كل متعةٍ كنتِ تخلقين لها رقيباً (ص48)
وعندما يرثى الشاعر أمه التى ماتت، وعندما يفتقد هذا الرمز المحمل بالأنوثة والحنـان، فهو يرثى الإنسانية كلها فى الوقت نفسه، الإنسانية التى تفتقد إنسانيتها فى كل يوم، أو تعيش مزيداً من الموت فى كل يوم، ونحس أحياناً أن الأم فى هذه القصيدة هى التى على قيد الحياة، وأن الشاعر هو الميت، والآدميون فى شعره دائماً أشباه أموات، والشاعر فى حالة عذاب دائم بسبب إحساس داخلى بالغياب، وهو يرثى نفسه لأنه هو أيضاً فى طريقه إلى الموت، ويكاد يرثى الحقيقة الوجودية كلها، لأنها فى طريقها إلى الموت .
كل ما نراه منذ أول لحظة نستيقظ فيها من نومنا، حتى آخر لحظة نسقط بعدها فى النوم، هو زائل وفى طريقه البطىء إلى الموت والانتهاء، ونقول البطىء متغاضين عن المعنى النسبى الذى يمكن أن يجعل حياة المرء كلها لا تساوى شيئاً إلى جوار الأزمنة الضوئية الهائلة التى يسير بها الكون الشيخ نفسه نحو مصيره النهائى، كل شىء يموت، ويستبدل به شىء يولد، استبدالات داخل متواليات معقدة لا نهاية لها.
كل شىء ينتهى ويذوب، ومعنى الهوية الإنسانية نفسه يذوب ويتغير، ومن هنا تكثر ـ فى الفترة الأخيرة ـ الأسئلة حول معانى الهوية القومية ، ويكثر الخوف على الهوية المحلية، وتظهر شكوى تأثيرات العولمة عليها من خلال الفعل التفكيكى الذي تمارسه على كل الخصائص المميزة، مما يدفع الثقافات المحلية أحياناً إلى البحث عن الصِّيغ الكفيلة بحفظ البقاء، وقد تصل المسألة إلى حد ظهور رؤى الانغلاق على الذات بدعوى التميُّز والصفاء والقدسية، وتشكل العودة إلى الماضى بحثا عن ملجأ افتراضى، كإحدى الوسائل المثالية للتشبث بالجذور، وحب الشاعر لأمه بهذه الصورة، هو نوع من التشبث بالجذور بصورة أو بأخرى، ولكنه ليس تشبثا مثالياً بقدر ما هو نوع من رفض الفقد والاغتراب، وحلم بمستقبل واقعى يعانق الحياة، وعلى الرغم من واقعية الحدث، وإنسانية القضية التى يطرحهـا الشاعر الرقيق، فأن المسألة تظل دالة على رغبة الشاعر فى أن يظل يولد من جديد، وأن يستعيد ولادته من الرحم نفسه، ومن المنبع ذاته، يقول بعد موت أمه:

كلما عبرت من أمام غرفتك،
أنتظر مفاجأة
أن يخرج اسمى من جوف ظلامها،
كما ولدت تماماً (ص31)

الشاعر يحب أمه، ويرتبط بها ارتباطاً وثيقاً ، وكتابة الشاعر عن أمه توحى أيضاً بحبه لطفولته، والشاعر يميل فى معظم تجاربه لطرح تجارب طفولته من داخل منطق السرد الشعرى الخاص، وديوانه الأول "الجسد عالق بمشيئة حبر" الصادر فى عام 1990، كان عبارة عن قصيدة طويلة كشف فيها الشاعر عن الكثير من تجارب طفولته، وكلنا نتمسك بدرجة أو بأخرى بالطفل الكامن فى داخلنا، لا نريد أن نفقده، لأن فقده هو فقد لبوصلة الأمان فى العالم، وكلنا نبذل جهداً لتذكر اللحظات التى وعينا فيها بالعالم الصغير المحيط بنا، ونحن مازلنا أطفالاً، وكلنا نحنُّ إلى تلك اللحظات، ونتذكر كيف بدأ كل واحد فينا فى تفقد العالم المحيط به، أو العوالم القريبة أو اللصيقة به مثل عالم الأم ، وكنا كما لو كنا لا نريد أن نكبر، ولكننا نكتشف بالتدريج أن هناك عالماً كبيراً لا يمكن تجاهله، وكلما زاد الإحساس بكبر هذا العالم كانت تزداد رغبتنا فى حماية عوالمنا الصغيرة، ورغبتنا فى تكديسها بالأشياء، كما قال الشاعر نفسه فى أحد الحوارات معه.

ونحس فى هذه التجربة الشعرية أن تفاصيل علاقة الشاعر بأمه لا تنتهى، وهى حية أبداً، ويظل الشاعر يتذكر التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل، ويظل يسرد هذه المعطيات الصغيرة التى يتشبث بها ولا يريد أن يفقدها: شكل الجسد، ورائحته، شكل اليد المسنّة، والخاتم الرقيق ، شكل الابتسامة، والأقسى شكل الابتسامة المستسلمة فى النهاية، والوجه قبل خلع طقم الأسنان، وبعده، والقدم الثالثة المعدنية، ونظـارة القراءة ، والسرير، والوسادة ، وراديو الصباح، وكرسى الصلاة، وسجادة الصلاة، والدعوات والصلوات والبركات، ومواعيد أخذ الدواء، وملابس الصيف، وملابس الشتاء، وآثار الشيكولاته على الفم، وحركة اليد المودّعة، والأشياء التى لا تنتهى، واللغة المحملة بكم هائل من الأمومة النقية الخالصة, الأمومة القادرة أن تعطى فى بضع كلمات كل هذا الزاد من الحنان الذى يدفعنا للحياة، ويجعلنا نحب الحياة، ونستند إلى ركيزة قوية، ولدى الشاعر قدرة هائلة على التقاط هذه التفاصيل الدقيقة، ولكن التقاط التفاصيل بهذه الدقة يُخفى من ورائه رغبة فلسفية للسفر من المحدود إلى اللامحدود واللانهائى، والشاعر عندما يهتم بالتفاصيل بهذه الصورة يدرك ـ كما يقول ـ القيمة التى تحتفظ بها تلك الأشياء، ويدرك الحميمية التى تجعل هذة الأشياء تعطى قيمة للحياة، فهذه الأشياء الصغيرة تمكننا من تأمل أجزاء الحياة، فنعرفها بدقة أكثر، ونتخلص من النظرة الكلية التعميمية إلى العالم المحيط بنا. وبالطبع لا يمكن أن نحب كل التفاصيل بالدرجة نفسها، بل إن لاوعينا يقوم بالاختيار، إنه يختار بمنطق معين، هو منطق الأولوية للمعنى الذى يمكن أن يستمر، وأن يفيد الحياة بشكل أساسى.

ولا شك أنه سيكون مأساوياً أن يتذكر الشاعر لحظات العجز التى تصيبنا على الرغم منّا، فالإنسان يحاول أن يتمسك بحيويته الأبدية، أو التى يتصورها أبدية، ويتصور أنها لا يمكن أن يصيبها العجز، يتمسك بها ولا يريد أن يفقدها، وهو دائماً يسعى للتحقق، وللاستمرار حتى فى أقصى لحظات الضعف والمحنة، لأن من أهم صفات الإنسان إحساسه الداخلى بديمومته التى يتصور أن الزمن نفسه لن يقدر عليها:

مع كل أزمة صحية
كنت تطمئنيننى بأنها ليست النهاية
هكذا أسرَّ لك حلم قديم
وأن هناك مسافة محصنة مع الموت( ص9)

والشاعر العربى القديم عندما كان يتفقد الطلل، كان يعبر عن إحساسه القوى بالفقد، وتصبح الأطلال خلفية ثقافية فى بناء النص الشعرى مستمرة حتى اليوم، حتى وإن لم تحضر بصيغة لغوية مباشرة، وإذا كان الطلل دال على فقدان، وموت، فإنه سيظل متواصلاً فى نصوصنا، ويصبح الحزن والفقد والانكسار والبحث عن الشىء المفقود، قوام كل كتابة فى كل عصر، والتاريخ كله محتقن بالفقد، التاريخ كله يواجه فداحة الفقدان ، والذكريات تفتح ذراعيها داخل حدود التجربة المسرودة، وتستأنف رثاءها الأليم لذاتها معبرة عن فداحة الغياب والخسران، إذ تحتشد الدوال السرديّة بعلامات مركزة تضاعف صورة الغربة والفقد، لتشحن الفضاء الشعرى بمعانى الغياب، والشتات، والضياع، والذوبان، والظلام، والعجز، والضعف، والانكسار، والهشاشة والوحدة، والابتعاد، وتحول النص كله إلى طقس يشبه الطقس الجنائزىّ.
هاجس الخلود هو أقوى هاجس إنسانى عرفه البشر منذ بداية الوجود الآدمى، وهو الهاجس الذى يصطدم دائماً بالضعف والعجز كواقع فعلى، وعندما تنظر المرأة إلى تجاعيد يدها تنظر إليها كما لو كانت مظهراً عارضاً لا معنى له، لأن الأصل هو البؤرة الحية داخل الإنسان، البؤرة الخالدة التى لا يستطيع الموت نفسه أن يوقف إصرارها:

بروح شابة
تنظرين إلى يدك المسنة بدهشة
كأنها ليست لك
وأن هذه التجاعيد
تخص امرأة أخرى ـ (ص7)

وسيكون مأساوياً أن يرصد الشاعر اللحظة التى يسلم فيها الإنسان بالأمر الواقع، فيفقد أعز ما يملك، حتى لو كان ذلك الرصد ساخراً، كما ورد فى أماكن كثيرة فى كتابة الشاعر، ولكن كل شيء يحدث بهدوء وبدون مفاجآت، مآس أو أحداث كبرى تحدث بهدوء، الواقع يسلم بانتهاء مرحلة أساسية فى حياتنا الاجتماعية، والشاعر يسلم بوفاة أمه، والأم نفسها تسلم بانتهاء عمرها، مما سنعرفه من هذا التشبيه شديد الإيحاء، فالأم تنزع خاتمها قبل دخولها لغرفة العمليات مثل الموظف الذى يسلم عهدته، والخاتم هنا سيتحول بالضرورة إلى خاتم رمزى، عندما يذكرنا بالموظف فى لحظة تسليمه العهدة، وسوف يكون مؤثراً فينا جداً أن نتابع امرأةً أماً طيبة بريئة رقيقة، تسلم عهدتها لتنهى مهام عمرها، أما ابتسامتها فهى حدث وجدانى شديد التأثير، لأن هذه الابتسامة تتضمن معان متعددة، منها أنها تريد أن تطمئن ابنها، إشفاقاً عليه، وأنها تسخر بصورة أو بأخرى، أو أنها تمتلك شجاعة ما، لعلها شجاعة الفقدان، أو لعلها ابتسامة الوصول لحكمة بعيدة المعنى، لا يصل إليها إلا من اقترب من الموت، وهكذا تظل ابتسامتها مثل ابتسامة الموناليزا متعددة الدلالات والمعانى التى قد يتضارب بعضها مع البعض الآخر:

قبل العملية بقليل
نزعتِ خاتمك وابتسمتِ
كموظف يستريح
بعد أن يسلم آخر عهدة له ( ص7)

ويتضمن النص هذه المعالجة للجانب الطبى الذى أصبح جزءاً أساسيـاً فى حياتنا اليوم ، بعد أن صار الجسد الإنسانى جزءاً من دولاب الحياة الدوّار الملىء بالمشكلات والأعطاب والأعطال، فى خلال حركته العنيفة الدوارة ، والإنسان المعاصر أصبح يكره الطب بشكل عام، لأنه تحول من طب إنسانى رحيم فقدته البشرية، إلى طب تجارى استهلاكى، يتعامل مع أعضاء الإنسان بالقطعة (!!)، والمعالجة الطبية سيكون لها وقع شديد الخصوصية فى هذا الديوان، لأن كل المعطيات الطبية كانت تعنى الموت، والموت المحتوم هو أحد المعانى المريرة التى يسعى هذا الكتاب لطرحه ومناقشته، وفى كثير من السطور نحس كما لو كان الشاعر يتأمل الموت، أو يحاول التعرف على معناه، على الرغم من أننا قد نتأمل الموت فى بعض مواضع فى الكتاب فنحس به كما لو كان صديقاً!!
وبعد الموت مباشرة يتحرك الركب من المستشفى إلى المدافن مباشرة، وتظل كل المعطيات الطبية أو الإجراءات الطبية تؤدى إلى الموت بصورة مؤلمة، حتى لو أحاطت الملائكة بالمشهد:

كنا نقترب من الموت
بسرعة فائقة
لم يعد يسبقنا فى الصف
إلا الملائكة (ص10)

وتظل المعطيات الطبية تتوالى: المستشفى، العملية، غرفة العناية المركزة، الأحذية القماشية الطبية، غرف المستشفى، الشاشة البيضاء، الملاءة البيضاء، الأنابيب، .. إلخ، وكلها أشبه بالنواقيس المتتالية التى تعلن الاقتراب من الموت درجة درجة.
وتطرح الكتابة هذا البعد النوستالجى الحميم الذى يميز الكتابة الجديدة كلها، يعدّ النوستالجيا من أهم ملامح الحس الذاتى الشخصانى، ويهتم "علاء خالد" فى كثير من المقاطع بالتحول من الحدث إلى التذكر، وهناك مقاطع تتفاعل بفداحة سردية محزنة مع ذكريات الماضى فى حضن هذه الأم العادية والبسيطة جداً لدرجة مدهشة، أم تفيض بالحنان والرقة والعطـاء، وقد أعطت ابنها بالفعل زاداً مكنه من الاستمرار فى الحياة، ومكنه من خلق هذا النص المؤثر العارم الذى يفيض بالأحاسيس البكر شديدة الثراء، وهى الأحاسيس التى تمثل فى مجموعها كنـزاً لكل متلق يتعامل مع هذا الديوان.
وفى أحد المقاطع نتعرف على حالة النوستالجيا التى تعيشها الأم نفسها، من خلال تذكر أصدقاء طفولتها ، وحنينها العارم لهم:

فى سنواتك الأخيرة،
كل أصدقاء الطفولة كانوا يقتسمون معك الليل
تخبئينهم بإتقان فى أرجاء الغرفة
وتحت الوسادة (ص48)

ويتم تفصيل المعنى عندما تمعن الأم فى التوجه إلى ذكرياتها، بل تتخيل أشخاصاً من متاضيها فتجسدهم، ولا تكتفى بالهمس لهم، بل هى تحدثهم بصوت عال:

شطر كبير من حياتك
استهلكتِهِ فى الحديث إلى صديق غائب
ترفعين إليه دموعاً موثقة
وأذرعاً مخذولة.
فى السنوات الأخيرة
كنت تتحدثين بصوت عال
أسمعه من غرفتى
فأتخيل أن هناك من يقتسم معك الغرفة (ص61)

ويعود الشاعر إلى لحظات بعيدة فى علاقته بأمه، ولكنه لا يكتفى بتذكر الماضى بل يجعل الماضى يشتغلُ من جديد، مثل شريط السينما القابل للتشغيل فى أى وقت، وكأن الشاعر يدخل لنصه نوعاً أدبياً جديداً هو أدب السيناريو، فيجعل الأفعال فى هذا المقطع فى الزمن المضارع، برغم أنه ينقل الحدث من الماضى، حتى يجعل الأحداث الماضية تعمل من جديد، وتبدو أمامنا على الشاشة، كما لو كانت تحدث الآن، وكأن أمه تقف له فى هذه اللحظة فى النافذة تلوح بكفها لليمين ولليسار:

عند سفرى
تقفين وراء نافذة الحديد المشغول لبيتنا
وأنا أسير فى الحديقة
وظهرى يودّعك
وأصابع يدك فى أقصى انفراج لها،
من اليمين إلى اليسار
فى حركة بندولية (ص57)

ولكن هذه النوستالجيا لا تعنى الغرق الكامل فى الماضى، الغرق المنداح اللامسئول ، ولكن هناك وعى خاص بالماضى، وعى مستفيد من خبرة الحاضر، ومن الثقافة الناضجة التى تجعل الإنسان قادراً على غربلة الماضى وتقييمه، بل وقيادته على الرغم من الأحداث الثابتة التى لا تتغير.
ينظر الشاعر لكل ما حوله من أشياء، ومن أشخاص كما لو كانت جميعاً مشاريع فقْدٍ متحركة، يحس بأن الابتسامة التى يراها فى وجه أمه لن يراها ثانية، كل كائن وكل شيء قابل للرحيل والفقد، بحيث يختلط الوجود بالفراغ فى نزعة متشائمة متكررة فى النص، ويقدم الشاعر هذا المعنى الفلسفى العميق للفقد وصدع الهوية، والذى يتحول إلى مجاز للخسارة والعزل فى طريق اللاعودة، ويصاحب المسألة إحساس باللّوعة، مما يشحذ رؤيتنا ويجعلها حادة مسنونة، وتتحوّل الذات الساردة إلى ذات منتحبة توثق للفراق، وتطرح أسئلة الوحدة، حيث الأنفـاس تضيق، والبال مشغول، ومزدحم بالفقدان.‏

وبعد أحداث الموت والدفن أى فقد جثة الأم بشكل نهائى، ستطرح القصيدة الأحداث المرتبطة بالحجرة التى حدثت فيها الوفاة، ثم الطريق إلى المدافن، ثم تغرق التجربة بعد ذلك فى تذكر العلاقات القديمة مع الأم، وعلاقات البيت والحياة الأولى وأحداثها، وعندما يورد الشاعر هذه المعطيات بعد الموت فهذا كاف لبعث كل هذه العاطفة الأليمة العارمة، وهى عاطفة موجهة للذهن، ودافعة للتفكير فى قضية الوجود، وقضية الحياة والموت، والعلاقة بين المادى والمعنوى، والقضايا الميتافيزيقية والحسية، وقضية تطور تاريخ البشرية، وتطور العلاقات الإنسانية، ومعنى التكوين العائلى، ومظاهره، وامتداداته الرمزية، ودوره فى بناء الإنسان وفى كافة الأبنية الأخرى متجسدة، وتصورية.

ويعود الشاعر للعبة طفولية كان يلعبها مع أمه، وتركيب عقل المرأة الطبيعى دائماً يحوى فيما يحوى جزءاً طفولياً، يمكّنها من أن تتفاعل مع أطفالها تفاعلاً تاماً، والمرأة فقط هى التى يمكن أن نلاحظها فى الحياة العامة وهى تتحدث مع طفلها بشكل جاد جداً كما لو كانا زميلين فى مرحلة عمرية واحدة، والمرأة بالتالى ـ دون الرجل ـ هى الأقدر على ملاعبة طفلها والغرق معه فى ألعاب لا نهاية لها، وهى ألعاب تعليمية فى النهاية تعرفه أشياء كثيرة مادية ومعنوية لم يكن يعرفها، وهى ألعاب تستمر معه بقية العمر كذكرى حية تتجدد، وكإلهام يدفعه للاستمرار، ولحب الوجود والبشر، وللعمل على الإضافة للحياة وإعادة إبداعها من جديد فى كل حين، وتظل لعبة الأم مع ابنها، معنى فانتازياً شديد الروعة يمكن أن يهذب مشاعرنا، ويمنحنا أحاسيس مبهجة، وعطاء عميقاً متعدداً:

وأنا صغير،
كنت أقف ممسكاً بأحد أطراف الملاءة
وأنتِ على الجانب الآخر
أشدها فترخين
ثم تشدين فأرخى
كشعرة تفاهم
كحبل المشيمة بعد أن يتحول لعادات منزلية
وفى لحظة نفردها
كشراع
ونحوطها من زواياها الأربع.
هواء الذكرى الأخف وزناً من هواء ماضينا
كأننا على وشك الطيران (ص21)

وعمليات الشد والرخى التى أوردها هذا المقطع، هى علاوة على واقعيتها وحسيتهـا، تعطينا المعنى الرمزى للحوار الآدمى، والحوار العائلى، وحوار الابن وأمه، ثم تصبح الملاءة التى يتبادلان بها الشد والرخى، تصبح استمراراً لمعنى التواصل الذى جسدته المشيمة من قبل، وهنا يؤكد الشاعر قيمة التواصل بجذوره، وأهميتها الشديدة، والتوجه الفكرى الجديد بعامة، لا يسعى ناحية الغرق فى الماضى، وفى الجذور، كما أنه لا يريد أن يجتث الماضى والجذور أو يشعر بفقدهما، بل هو يجمع بين كل العناصر المتباينة لكى يصنع نكهة الحياة الجديدة التى تطمع فى كل شئ، وتحلم أن تحقق كل شئ، وأن تمتلك كل شىء، وأن تستفيد من كل شئ، حتى المعطيات المتباينة أوالمتناقضة فى الوقت نفسه لأن الحياة الفعلية هى جماع كل التفاصيل معاً، وعندما يتذكر الشاعر بيته، يتذكر مكاناً يحتضن الماضى والمستقبل معاً:

شطر كبير من ليل بيتنا
كان مخصصاً لبكائك،
صلاة واستغفار ودعاء،
أى غرفة أخرى فى البيت،
كانت جدرانها تهتز
وصوت قرآنك ينقر عليها ببطء
وأنا فى جوف الظلام
أبنى جدراناً جديدة للمستقبل (ص31)

والمقطع التالى سيطرح لنا صورة من العناد الإنسانى الأصيل، فالإنسان يظل يتشبث بأفكاره، وبأشيائه، وبعلاقاته، وبالناس القريبين منه، لا يريد أن يفقد شيئاً منها، مهما قهره الزمن، ومهما تغيرت الأحوال، وعنوان الديوان نفسه، يجعل الأم كما لو كانت لا تزال تعيش، وأنها دخلت لمجرد النوم حتى الصباح، كما أن الأم تكاد تكون حية بعد مرور عام على موتها، فأنفاسها تتردد فى البيت، ولا يزال البيت معبأ بهذا الرصيد الغنى من الحركات، والإيماءات، والحوارات الحية:

مرَّ عام،
وما زلت أقف على بابِ غرفتكِ ليلاً كعاشق قديم
أسترق السمْعَ
لأنفاس متعثرة.
أغنيتى صامتة،
حتى لا تستيقظى
وتضبطينى متلبساً بالحب.

مازال فى البيت رصيد لم ينفد
من الإيماءات والصور،
كافياً لكى يصل بين ضفتين (ص39)

يحس الشاعر بعد فقد الأم باليتم الحقيقى، فقد ضاع منه آخر سند ومعين، وافتقد مظلة الراحة والأمان التى عاش فى كنفها طوال حياته، وأصبحت قضيته كيف يتقبل الواقع الماثل، ويقبل بما حدث، والألم الناتج عن الفقد يعود ليدخل بنا فيما يشبه السخرية، والاعتراض النسبى، أو التفلسف ، وحيث الفراغ يدهم منازل الروح والقلب، ونظل نتابع الكيفيات الملازمه للفقد والانفصال عن الجذور، بعد أن أصبح الشاعر يقف بمفرده قبالة الشاطئ فاردا ذراعيه للرياح والأمواج والقراصنة.
لقد سعى الشاعر بكل طاقته الذهنية والعاطفية إلى أن يؤرخ لحدث الافتقاد شعرياً، لأن حجم افتقاد الأم يساوى حجم افتقاده لمركز كبير وأساسى من مراكز الحياة، ففتح المجال السردى بكل ما يمكن أن يعطيه طارحاً كل هذه الحيوية والاستمرار وكل هذه الطاقة فى الالتقاط والحكى.‏
وفى مقطعين صغيرين فى آخر الديوان يطرح الشاعر هذه الفداحة الحسية التى هى إحدى وسائل الإنسان اليوم، لمعرفة الوجود من حوله، ولامتلاك هذا الوجود، ولتجاوز معنى فقده، وحيث يتذكر الشاعر كيف كان طعم "الأيس كريم" يهزم الحزن، ويهزم الصمت فى البيت من خلال انتشار أصوات الملاعق والأطباق، ويهزم الملل والضجر من خلال إشاعة جو السعادة، ويهزم الظلام أو الخفوت الضوئى، فيصبح "الأيس كريم" بذلك بطلاً لإحدى الأمسيات السعيدة فى البيت:

مهما كان حزنك عالياً
كان يجثو أمام طبق الأيس كريم
أطعمة قليلة لم يكن يؤثر فيها الحزن

ليالٍ كثيرة
كان "الأيس كريم" يصنع حولنا
مجالاً هادئاً من السعادة
من أصوات الملاعق والأطباق
والقيام والقعود
وترقرق اللعاب
ثم تسللت فى الليل
حيث تقع الثلاجة فى أبعد نقطة فى البيت
وأمام الإضاءة الخافتة
كجزء من مسرح تزاح ستائره
كنت تؤدين دورك بتعجل
كمن يخاف الصالة الخالية خلف ظهره
كمن يجرى وراء متعة زائلة ـ (ص43)

وفى المقطعين التاليين، تستمر حسية الطعام، ونتعرف على أطعمة أخرى، كان لها بطولة معايشة الأم طوال حياتها منذ طفولتها، وكأن هذه الطعوم هى رفيقة الحياة على امتدادها: البلح الأسود، التين، الجوافة، البطاطا، الفول السودانى، الشيكولاته، وكلها طعوم الأمهات المصريات بشكل عام، فهذه الأطعمة هى التى تتمكّن أسر الطبقة المتوسطة الصغيرة، وأسر الطبقات الفقيرة من الحصول عليها، بصفتها من المتع الحياتية التى لازمت وجودها:

البلح الأسود، التين ، الجوافة،
حبات البطاطا المشوية،
فواكه الطفولة
التى كبرت معك. الطائفة المستثناة من قائمة
الممنوعات لأى طبيب.
وهناك أيضاً، كيس الفول السودانى الساخن،
الذى كان يتركه والدك
بجوار السرير وأنت نائمة.

أحياناً كنت أضبطك ليلاً،
وآثار الشيكولاتة على فمك.
تضحكين من الخجل،
وتمسحين بقوة آثار الجريمة،
كأنك تطمسين الذاكرة
لهذا الفم المذنب (ص47)

وينهى الشاعر كتابه بهذه المعادلة التى يتحول بها الإنسان إلى أيقونة صوتية، أو إلى حكاية، بل تتحول بها الأزمنة والحضارات والتفاعلات الكبرى فى التاريخ البشرى إلى حكايات، وهذا هو المصير الآدمى منذ البداية، أما: إلى متى يمكن أن تستمر كل حكاية، فهذا يتوقف على مقدار الفاعلية، ومقدار الاحتكاكات التى حدثت ومساحة العلاقـات التى تمت، والتأثيرات التى أنجزت، ولكن يظل الحكى مادة الحياة الثرية، بعده إحدى العلامات على الوجود:

لم يبق من حياتك إلا الحكاية
أجول بها،
بدون رغبة إلا فى الحكى،
فى قول الحقيقة.

أصعد عتبات بيوت لغرباء
أجتازها بدون سؤال،
بشفرة سرية
معتزاً بكونى أمتلك حكاية حزينة
عن أم فقدتها وأنا فى الخامسة والأربعين (ص75)

والمقاطع الأخيرة فى الكتاب، علاوة على مواضع أخرى، تذكرنا بالمعنى ما بعد الحداثى للموت فى المجتمعات الحديثة، عندما يبدأ الموت فى فقد ألقه وسطوته، إذ لن يعود ـ بالتدريج ـ ذلك التحدى المجهول، أو ذلك السقوط المطلق الذى يحدد نهاية الموجود البشرى الأخيرة، أو ذلك المحرض الأعظم الذى تستمد منه المعتقدات والتقاليد قوتها، فالموت فى مجتمع ما بعد الحداثة سيصبح شيئاً فشيئاً أشبه بحضور موجود وغائب فى الوقت نفسه، إذ إن هذا المجتمع ينكره، عن طريق تأكيده على القدرة المطردة على دفعه أو مواراته وإبعاده، وإبعاد تظاهرات الموت الاجتماعية وإنهاء المآتم وتقليص آثار الموت، يقول علاء خالد فى الأبيات الأخيرة فى ديوانه:

أترك البيت الذى شهد على موقعة حياتك
أبحث عن بيت جديد بلا ذاكرة (ص71)

4 ـ حول تجربة "النوستالجيا" وتداخل النص الشعرى بالتاريخ

فى قصيدة "التغريبة" من ديوان (مخيال الأمكنة) للشاعر "عاطف عبد العزيز" نتابع هذا الحوار الذى يتم مع التاريخ المصرى الحديث، وكأن هناك تداخلاً بين نوعين كبيرين هما فن الشعر من ناحية، ومجال التأريخ من ناحية أخرى، ولكن ينبغى ألا ننسى للحظة واحدة، أن الشاعر لا يؤرخ، ولا يغترف من أحداث التاريخ اغترافاً، ولكن الشاعر يحاور التاريخ من وجهة نظر شعرية ناضجة، أو يقدم رؤية شعرية للتاريخ، أو يطرح علينا تصوراً إبداعياً رفيع المستوى يبين من خلاله موقفه الجمالى من التاريخ.
ويوقظ الشاعر بهذا مناطق كامنة فى داخلنا، مناطق تنتمى إلى التاريخ، بمراحله القريبة والبعيدة، بل والسحيقة، وكل مرحلة من تلك المراحل قادرة فى حد ذاتها على الإيحاء بمضامين وحالات مختلفة، بين الانتماء الإنسانى، والروح الوطنية، والروح الشعبية ، والنزوع التأملى، والسعى للمعرفة، والإحساس بالحنين، وهو الإحساس الذى أصبح له مكاناً كبيراً فى الكتابة اليوم، من خلال طرح النوستالجيا، بكل معانيها ودرجاتها، فى إطار من تأمل الذات وتأمل رحلتها فى الوجود، الذات بكل مستوياتها ودرجاتها: بداية من الذات الفردية بالمعنى الشخصانى، ووصولاً إلى الذات بمعانيهـا الجماعية والاجتماعية، والإنسانية.

وتطرح قصيدة "التغريبة" معنى الاغتراب التاريخى العام الذى ظل يتراكم حتى وصل إلينا بكل هذه العتامة، والعنوان الثانى الصغير للقصيدة هو (خيمة ليلية) له علاقة بعنوان الديوان (مخيال الأمكنة) فالخيمة هى أحد هذه الأمكنة التى يثير الشاعر خيالاتها، وهو عنوان رمزى لأن كل حقبة زمنية تكاد تكون خيمـة مستقلة، لها طبيعتها وخصوصيتها فى علاقتها بالبشر ، ويصفها الشاعر بالليلية، لكى يصبح الاستمرار التاريخى هو استمرار للظلام والليل المدلهم.

التاريخ بالطبع هو المفتاح الرئيسى لهذا النص، ولكننا لا نستطيع أن ننسى أننا لسنا بإزاء تأريخ، بل معالجة تاريخية يمارسها شاعر مقتدر، وقادر على أن يغمسنا فى هذه الروح التاريخية الكثيفة التى يجلبها من خلال اصطياده للحظات محددة فى التاريخ، وكل شىء فى النص ينطق بالمعنى التاريخى، وحتى النبيذ هنا، النبيذ الذى تم تذوقه على أبواب أنطاكية ، نحس أنه معبأ بالنكهة التاريخية الخاصة، وأيضاً معظم المعطيات التى رصدها الشاعر ستوحى بهذه الروح التاريخية، مثل "وديان الزعتر البرىّ" و"الراهب" و"المعمدان" و"الغنكشارى" و"الباشا إبراهيم"، وغير هذا ، والتاريخ فى هذا النص هو تاريخ عسكرى كما تريد هذه القصيدة أن تقول، والرسالة الأساسية التى تبعث بها القصيدة لنا: هى أن مناطق واسعة من تاريخنا العربى لا تخرج عن إطار السلطة العسكرية الباطشة، تتلون من مرحلة إلى أخرى، بصبغات مختلفة، لكنها لا تخرج عن منطقها الجائر الذى يعصف بكل ما لا ينسجم معها، بما فى ذلك المرحلة الطويلة التى خيمت على مصر فى ظل حكم أبناء أسرة "محمد على" باشا، والذين مثلهم فى هذا النص "إبراهيم باشا".

النص الجديد يلتقط معطياته من ظواهر عديدة فى الوقت نفسه ، فنحس بتداخل واسع بين الأنواع ، ويتحرك الشاعر بحرية مطلقة بين هذه الظواهر، كما لو كان يريد أن يغزو الكون ويمتلكه، بل ويبتلعه ابتلاعاً، ويمكن للشاعر الجديد بذلك أن ينتقل ـ فى النص نفسه ـ بين البيولوجى والنفسى، والكونى والمحايث، والمطلق والمحدد، وهكذا، ويظل الشاعر واعياً بدقة لرحلته المتعمقة الغازية بلا توقف، إنه ينتقل بين المعطيات المختلفة المتداخلة بمكر وخفة وقدرة، والتحدث عن قدميه الكبيرتين فى بداية القصيدة ـ على سبيل المثال ـ هو تأمل بيولوجى ورمزى فى الحين نفسـه، لأن القدمين الكبيرتين ، هما رمز للحركة البطيئة التى يمكن أن تتشبه بحركة الكائن غير الإنسانى، وكأن البشر فى مجتمعاتنا يتوارثون هذا البطء، والمكوث الذى يتضاد مع التحليق والسمو، والقدمان الكبيرتان سوف تذكرنا بالحفريات، وبالطبقات الأرضية المليئة بالهياكل المحفوظة، وبآثار ومسارات الأقدام التى مشى بها أجدادنا، ثم طمرتها الرسوبيات الطينية والرملية، وكلما ترسب الراسب، حطت طبقات جديدة فوق آثار الأقدم منها، وعند تحول الترسبات إلى أحجار ، فإن هذه الطبقات تبقى محفوظة حسب زمن ترسبها، وتقدم آثار الأقدام والممرات والمسالك، المسماة الآثار الأحفورية، معلومات عن سلوك الآدميين القدامى منذ ما قبل التاريخ.
وقد حاول العلماء تجميع المعلومات حول ماضى الأرض، منذ أن انتصب الإنسان، وهناك سجلات أحفورية غير مكتملة، يحاول الشعر أن يكملها من خلال خصوصية رؤيته الجمالية، وأن يطرح تصورات لنماذج الحياة التى وُجدت في عصور زمنية على بعد سحيق، ليتأمل المشترك الإنسانى بين العصور كافة.

كان أسلافنا زراعا محترفين، ويكاد تاريخنا كله يرتبط بالنمط الزراعى، وأجدادنا المزارعون هم الذين بنت دولة العسكر نفسها على أكتافهم، دولة القوة والصرامة، وأيضاً دولة السطوة والسلطة العنيفة، إنهم الزراع الذين تم تجنيدهم فى جيوش الغزاة، والمزارع المقاتل يمثل تركيبة تاريخية فريدة تخص واقعنا، وتخص دلالات التركيب الإنسانى للبشر فى مجتمعاتنا، وكان تجنيد الفلاحين وتعويدهم على الحياة العسكرية القاسية، هو دعامة الجيش على امتداد العصور التى ولّت، و"الجنود" هنا فى هذه القصيدة، هم رمز لكل الجنود على امتداد التاريخ الإنسانى: (عبر الشتاءُ كاملاً دون أن يتمكن الفلاحون من التواؤم وسراويل الحرب)، وامتدت فتوحاتهم حتى إنطاكية، وكان هذا هو الطريق إلى مجد الغزاة المتفاخرين يتذوقون نبيذ الانتصار عند أبواب إنطاكية، بدأوا من المناطق المزروعة، ومروا بالأمصار ، وبالبوادى وبالممرات التى ينبت "الزعتر البرىّ" على حوافها، ومن الذكاء الشعرى أن تلتقط القصيدة التفاصيل الصغيرة ، مثل هذا العشب البرى، وهو عشب عطرى قوى يستخدمه العرب، ويضيفونه إلى طعامهم يستعملونه كعلاج وهو يزرع منذ قرون طويلة، وتتميز الطرق الجبلية الوعرة بوجود هذا العشب على حوافها.

لقد وصل الجيش إلى بوابات "إنطاكية"، وإذا عدنا للتاريخ نفسه فسوف نتذكر تطلع "بيبرس" إلى الاستيلاء على "إنطاكية" التى تحتل مكانة خاصة لدى الصليبيين لمناعة حصونها، وتحكمها في الطرق الواقعة في المناطق الشمالية للشام، وقد ظلّ الصليبيون يسيطرون عليها مائة وسبعين عامًا، وكان "بيبرس" قد استعد لهذه الموقعة ، ومهد الطريق للتقدم نحو "إنطاكية" ، ليضرب حولها حصارًا محكمًا بعد أن فشل فى أن يفتحها سلمًا، لكن محاولاته فشلت ، فشنّ هجومه الضارى على المدينـة، وتدفقت قوات "بيبرس" إلى المدينة ففرت حاميتها، وتسلم الجيش القلعـة، وكان سقوط "إنطاكية" أعظم فتح حققه جيش عربى على الصليبيين، وكان يمثل فى الوقت نفسه كارثة كبرى ألمَّت بالصليبيين وزلزلت كيانهم، وغيرت المسار التاريخى لفترة طويلة تالية، وبهذا النصر الذى فتح الباب لسقوط الإمارات الصليبية الباقية تبوأ "بيبرس" مكانته التاريخية، باعتباره واحدًا من الذين أثّروا فى تاريخنا القومى.

اللغة الساخرة ملمح أساسى فى كتابة "عاطف عبد العزيز" الشعرية، وهى محملة دائماً بمعنى الرفض الداخلى والانتقاد، وفى هذا النص يجعل الشاعر طريقاً محددةً ينبغى أن يسير فيها الجيش لكى يحقق المجد!! (فى الطريق إلى المجد، مروا بواد كان ينبت فيه زعتر برى)، (إن الطريق إلى المجد ينتهى عند هذه الشجرة) (!!)، وهناك أيضاً هذه السخرية المريرة عندما جاء إنكشارى إلى البركة (كى يغتسل من الجنابة بعد أن قتل الغلام)، وهو المعنى الذى يعبر عن بطش العسكر، وبطش التاريخ الحربى، والجبروت العسكرى للإنكشارية واستهانتهم بالبشر، للدرجة التى يكون فيها تحقق مصالحهم الشخصية ومتعهم وملذاتهم أهم من حياة غلام برىء لا حول له ولا قوة.

والإنكشاريون هم طائفة عسكرية من المشاة العثمانيين، يشكلون تنظيمًا خاصًا، وكان معظمهم من أولاد الذين أسِروا في الحروب أو اُشتُروا بالمال، وكانوا يُربون في معسكرات خاصة بهم، ويتهيأون للعمل فى القصور السلطانية، أو لتشكيل فرق المشاة فى الجيش ، وكانت الدولة تحرص على منع اتصال الانكشارية بأقربائهم، وتفرض عليهم في وقت السلم أن يعيشوا في الثكنات، مما جعلهم يتميزون بالفظاظة والعنف ، والأداء غير الإنسانى ، وكأنهم أدوات مسخَرة، وقد اتصفوا أيضاً بعد أن تمادوا فى غيّهم بالتدخل فى شؤون الدولة، وراحوا يزجون بأنفسهم في السياسة، ويعتدون على المواطنين ويمتهنون كرامتهم، وبخاصة بعدما بدأت الدولة العثمانية فى الضعف والانكماش، وامتدت شرورهم إلى الحكام والمحكومين معاً، وبلغ استهتارهم وبطشهم حداً كبيراًُ، ولم يكتفِ الإنكشاريون بهذا، بل لجأوا فى كثير من الأحيان إلى إعلان العصيان والقيام بالتمرد وبالفوضى الشاملة والاستهانة بالقيم والضمير، وتعمد إشعال النار فى المبانى، ومهاجمة المنازل، وتحطيم المحلات التجارية، واستطاع الشاعر بهذه الصورة المنفرة التى قدمها أن يصور مدى غباء الإنكشارى وعنجهيته الفجة أمام القارئ.

فنياً يمارس الشاعر هذا التضفير بين ذاته من ناحية، والمسار التاريخى لواقعنا من ناحية أخرى، وذاته نتعرف عليها فى الجملة الأولى من النص: (قدماي الكبيرتان آخر ما تبقى من الأسلاف)، وهى جملة فريدة لم يتكرر معناها مرة أخرى فى النص، ولم ترد بعدها أية معان ترتبط بالذات أو بأية قضية أخرى تختلف عن قضية النص الأساسية وهى قضية تاريخنا العسكرى، وكأن الجملة الأولى قد جاءت لتؤدى دوراً محـدداً هو تحقيق هذا الارتباط بين ذات الشاعر والتاريخ، ونلاحظ بهذا أن الشاعر حريص على طرح العلاقة بين الخاص والعام، وعلى الرغم من أن القصيدة تطرح قضية كبيرة هى قضية أمجاد الغزو العسكرى الذى مارسته جيوش الفلاحين، فإن هذا لا يمنع الشاعر من متابعة أصغر التفاصيل المتعلقة بالحياة اليومية وبالسلوكيات الخاصة للجنود داخل المعسكرات: (عَبَرَ الشتاءُ كاملاً دون أن يتمكن الفلاحون من التواؤم وسراويل الحرب، إذْ كانوا يرفعونها على حبالِ الخيمةِ كلّما جاء الليل، حتى يتركوا لأعضائِهم حقَّ التنفُّسِ العميق).
إنهم الجنود الخاضعون للسلطة تحت إمرة النفير، وبنظرة للوراء نجد أنه فى البدء كانت فكرة قرع الطبول وبعث صوت النفير عند بدء المعارك وسيلة لتحميس المقاتلين، ثم تطور الأمر فأسفر عن الفرق الموسيقية العسكرية التي تتقدم طابور القوات المتجهة نحو ميدان المعركة للقاء الأعداء، وانتهى المطاف فى العصر الحديث وفى إطار انتشار وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والفضائيات، بإذاعة "الأغنية الوطنية" كبديل عن موسيقى الحروب فى المراحل السابقة.
إنهم جنود بسطاء فى النهاية، يتعرضون لكم من القهر لا يقل عن القهر الذى يذيقونه للبشر من أبناء الأمم المهزومة، لقد بدأ قهرهم من أول عملية تجنيدهم نفسها، وإلباسهم الزى العسكرى قسراً للدرجة التى تحورت فيها أقدامهم (لتأخذ شكل الأحذية الثقيلة)!! هم البسطاء فى النهاية، يحملون قدراً هائلاً من البؤس، والسعى الحثيث لتحقيق أغراضهم الإنسانية واحتياجاتهم الأولية البسيطة، وبخاصة الحاجات الحيوية والبيولوجية، فيبحثون عن الغذاء والجنس، وينزلون إلى الأسواق لشراء الشاى والتوابل ويرتادون الخمارات الرديئة ذات الحـوائط الداكنة.
وترصد القصيدة بائسات أخريات هن النساء اللائى يضطررن لمجالسة هؤلاء الجنود فى الحانات، ثم يمضين دون أن تعرف لهن أسماء، حيث يبتلعهن الزمن، الزمن العنيف الذى يبتلع كل شىء، وهناك أيضاً النساء المقهورات من أزواج المحاربين، يعشن فى بيوت فقيرة ويقمن بدور بثّ الحنان والعطف فى قلوب رجالهن، وأخذهم فى أحضانهن، وفى حجورهن، وهن النساء اللائى عليهن أيضاً القيام بالأدوار المنزلية الشاقة ومن هنا تنبعث منهن الروائح البيتية من مثل الحناء والروث الناشف وقاذورات البيت، ثم يذهبن فى أواخر حياتهن إلى منطقة النسيان والضياع فى غياهب الأزمنة والدهاليز السرية للتواريخ.
وتواصل القصيدة تقديم أصغر التفاصيل المتعلقة بالحياة اليومية للبسطاء، فيقدم الثلث الأخير من النص عرضاً لعودة الجنود إلى بيوتهم وحياتهم بعد فترات التجنيد القاسية، فترصد القصيدة أصغر تفاصيل هذه العودة التى بدأت شمسِ المغيبِ، حيث تُرى قامات المحاربين، وقد استطالت، ولمرآهم (توقف الأولاد عن اللعب، وطاروا إلى البيوتِ بأوحالهم)، ثم يلجأ الرجال إلى حجورِ، وفي الليالي التالية يستسلمون للنعاس، وتتكلم القصيدة عن أنه كيف تهرأت (أحذيتهم الأميريةُ، صاروا يتعثَّرون إذا مشوا حفاةً في السِكَك ، لذلك استبدلوا بها لفائفَ الكِتَّان)، ولعل تهرؤ الأحذية العسكرية يشير إلى معنى تهرؤ حياة هؤلاء المحاربين، بل وإلى تهرؤ الدور العسكرى برمته: لقد عاد الرجال إلى حياتهم المدنية الفقيرة، وكأنهم لم يستفيدوا شيئاً من غزواتهم، لأن الفائدة لا تعود إلا للقادة الكبار، كما يقول الشاعر الألمانى "برتولد بريخت"، أما المحاربون الصغار فمصيرهم الفقر والضياع والانزواء بعيداً عن حائط التاريخ الفخم المضىء، لقد جلس وجلسوا مقرفصينَ على الجسور: (يرقبون المحاريثَ الصدئة، ويحملون فوق أكتافهم عصيًّا من أغصانٍ غلاظ، أجل .. كانت غلاظًا بما يكفي لملءِ التجاويفِ التي حفرتْها البنادق).
ومن المهم جداً الإشارة إلى المعنى الذى انتهت إليه القصيدة حيث يضع الرجال على أكتافهم هذه العصى الغليظة، والتى كانت غليظة بما يكفى لملء التجاويف التى كانت توضع فيها البنادق، فى إيحاء قوى بأن النظام العسكرى القديم فى الأصل لا يورث سوى العنف والسلوك العدوانى فقد ورث فى أكتاف الجنود حفراً عميقة لا تزول.
ويحرص الشاعر أيضاً على نقل نكهة الحياة، وطبيعتها بما تشتمل عليه من تفاوتات وتناقضات، فينقل لنا على سبيل المثال هذا التضاد التاريخى بين السلام والعنف، السلام المتجسد فى انتشار هذا العشب "الزعتر البرى" على جوانب الوادى، وحيث يوجد الراهب الوديع الذى يرعى عنزتيه إلى جوار البركة المتسعة التى وقف فيها المعمدان ذات يوم يحمم تائبيه من ناحية، والعنف المتجسد فى مرور الجيش الغازى إلى جوار البركة من ناحية أخرى، ثم يجسد العنف فى هذا الحدث العابر لهذا الإنكشارى الجلف الذى يغتسل فى مياه البركة من الجنابة بعد أن يقتل الغلام الذى اعتدى عليه (!!)، ويوضح الموقف هذا التناقض الداخلى الذى تعيشه مثل هذه النماذج البشرية، فهذا الإنكشارى حريص على الاغتسال والتطهر فى الوقت الذى يمارس فيه جريمة يندى لها جبين البشرية.

ـ النص ـ
التغريبة
(خيمة ليلية)

للشاعر: عاطف عبد العزيز

قدماي الكبيرتان آخر ما تبقى من الأسلاف، إنهم الزُرَّاع، الزراع الذين صاروا غزاة، حتى تذوَّقوا النبيذ على أبوابِ إنطاكية.
فى الطريق إلى المجد، مرّوا بوادٍ كان ينبتُ فيه زعترٌ برى، ويرعى راهب عنزتيه، كانت تحدُّه بركةٌ متسعةٌ وفق فيها المعمدانُ ذات يومٍ يحمِّم تائبيه، ثم جاءها انكشارىٌّ كى يغتسل من الجنابة بعد أن قتل الغلام.
عَبَرَ الشتاء كاملاً دون أن يتمكن الفلاحون من التواؤمِ وسراويل الحرب، إذ كانوا يرفعونها على حبالِ الخيمةِ كلما جاء الليل، حتى يتركوا لأعضائهم حقَّ التنفس العميق.

لكنهم ـ مخافةَ سوءِ السمعةِ، واستجابةً لنظام الطاعةِ الذى كان يسهرُ عليه الباشا إبراهيم ـ اضطرُّوا إلى اعتياد المُحْدَثات: تحوَّرت أقدامُهم لتأخذ شكل الأحذيـةِ الثقيلة، ثم دأبوا على استهلاكِ الحنين، كانوا كلما عسكروا على ربوة، نزلوا إلى الأسواق، واشتروا شاياً وتوابلَ، ارتادوا خماراتٍ لها حوائطُ من أحجارٍ داكنة، على موائدِها جالسوا نساءً يرطنَّ بما يكسرُ القلبَ، ويمضينَ دونَ أن تُعرفَ لهن أسماء.
في الصباحِ الباردِ اصطفُّوا تحتَ النفيرِ، كي يخبروهم أن الطريقَ إلى المجدِ ينتهي عندَ هذه الشجرة ، وأشاروا إلى الَّلوزِ الذي بانتْ بشائرُه .
حين عادوا إلى الديار، بدوا تحتَ شمسِ المغيبِ كأن قاماتهم طالت، لمرآهم توقف الأولاد عن اللعب، وطاروا إلى البيوتِ بأوحالهم .
كان الرجالُ مرهقين، استسلموا للنعاسِ في حجورِ النساءِ التي ينبعثُ منها خليطُ الروائحِ: من الحِنَّاءِ إلى الرَوَثِ الناشف، وفي الليالي التالية استسلموا للنعاس في حجور النساء.
كان طبيعيًا - بمضيِّ الوقتِ - أن تتهرَّأَ أحذيتهم الأميريةُ، صاروا يتعثَّرون إذا مشوا حفاةً في السِكَك، لذلك استبدلوا بها لفائفَ الكِتَّان، ثم جلسوا مقرفصينَ على الجسور، يرقبون المحاريثَ الصدئة، ويحملون فوق أكتافهم عصيًّا من أغصانٍ غلاظ، أجل .. كانت غلاظًا بما يكفي لملءِ التجاويفِ التي حفرتْها البنادق.


المصـادر

1- أحمد حسان: مدخل إلى ما بعد الحداثة ـ إعداد وترجمة ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ سلسلة . كتابات نقدية (26) / القاهرة 1994.
2- أحمد عبد الفتاح: التجديد فى الثقافة والفن ـ حوار الخطاب الـهامشى ـ العدد الأول ـ أول أبريل ـ القاهرة 1997 .
3- إدوارد سعيد: التاريخ والأدب والجغرافيا ـ جريدة أخبار الأدب ـ 10 مارس ـ القاهرة 1996.
4- أنور المرتجى: سيميائية النص الأدبى ـ دار أفريقيا الشرق ـ المغرب .
5- بيتر بروكر: الحداثة وما بعد الحداثة ـ ترجمة عبد الوهاب علوب ـ المجمع الثقافى أبوظبى 1995 .
6- جاك دريدا: الكتابة والاختلاف ـ ترجمة كاظم جهاد ـ دار توبقال ـ الدار البيضاء.
7- جان فرانسوا ليوتار: الوضع ما بعد الحداثى ـ ترجمة أحمد حسان ـ دار شرقيات /القاهرة .
8- جى ديبور: مجتمع الفرجة ـ ترجمة أحمد حسان ـ دار شرقيات ـ القاهرة .
9- ستيفن كونور: ثقافة ما بعد الحداثة ـ ط4 ـ مطبوعات بلاكويل ـ اكسفورد ـ بريطانيا.
10 ـ صلاح بوسريف: صدمة الكتابة أو ما بعد القصيدة ـ تأملات في المشهد الشعرى العربى المعاصر ـ موقع عماد فؤاد 2005.
11 ـ عاطف عبد العزيز: مخيال الأمكنة ـ القاهرة 2002.
11- عبد المنعم تليمة: العالم فى القرن القادم : ثورة نظام ـ مجلة الهلال ـ عدد يونية ـ القاهرة 1996.
13 ـ علاء خالد: تصبحين على خير ـ دار شرقيات بالقاهرة 2007 م .
12 ـ علي وطفة: مقاربات في مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة ـ 2006

***

السرد الشعرى المعاصر البناء والتشكيل/ السياق والدلالة

د. محمد زيدان

ثلاثة مداخل منهجية

الأول: المفهوم اللغوي للسرد

السرد فى اللغة هو تقدمة شيء إلى شيء تأتى به متسقا بعضه فى إثر بعض، يسرد الحديث سرداً إذا كان جيدا لسياق له، وفى صفة كلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يسرد الحديث سردا أى يستعجل فيه، والمسرد المثقب، والمسرد اللسان (1) وهذا يعنى أننا بإزاء مفهوم موسع للسرد يشمل كل الكلام الذى نتكلمه بل ويتعدى الأمر إلى الأفعال وهيئاتها وخلفياتها؛ فالحياة كما يقول بول ريكور هى السرد (2) بما فى ذلك كل الأشكال المنظمة وغير المنظمة للغة مادامت تعتمد على التتابع والإحكام والسياق الخاص بها، وهى أبعاد يمكن أن توجد فى النثر كما توجد فى الشعر، هذا المفهوم يؤثر بشكل لافت فى الأنواع الأدبية والسرود التى توجد بها، سواء كانت متداخلة أم كانت مستقلة، والبحث هنا يركز تركيزا لافتا على أثر المفهوم اللغوى فى السرد الشعرى المعاصر، وذلك إذا اعتبرنا أن كل النصوص الشعرية هى سرد، فالوصف سرد، والحوار سرد، وتداخل الأصوات سرد، والمفاجأة سرد ما دامت بعيدة عن الحكاية التى بدورها تحدث أبعادا نوعية فى الخطاب الشعري.

الثاني:المفهوم الحكائى للسرد

المفهوم الحكائى للسرد هو المعول عليه فى وصف النص الشعرى بأنه نص سردى أو غير سردى على اعتبار أن عناصر الحكاية هى التى تقوم بتوجيه الخطاب من الناحية الفنية ليقدم رؤيته السردية، فإما أن يصبح ذا توجه جزئى إلى السرد، وإما أن يصبح منتجا بذاته لعناصر السرد، فليس هناك خطاب سردى داخل الخطاب الشعري، بل خطاب واحد تختلف فيه درجة التوجه نحو السرد الخاص فى القصيدة، وهنا على وجه الخصوص يجب أن نعود إلى تاريخ السرد الشعرى لنتبين دوره فى النص الشعرى المعاصر، فقد استقر الرأى على أن السرد بمفهوم الحكاية بدأ قبل الميلاد بفترة طويلة وغير محددة، وهذه البداية كانت مرتبطة بوجود شيئين:
- الأسطورة الشفهية التى كانت تسود المفاهيم البشرية آنذاك. - الطقوس الدينية المرتلة.
ثم انتقل فى عصور التدوين إلى الملحمة المكتوبة ثم إلى أشكال الكتابة النظمية الأخرى، كالقصيدة المغناة (البالاد) والقصص الوعظية المرتبطة بحياة الأبطال والآلهة إلى أن ظهرت القصة كشكل حكائى خالص بفعل انفصالها عن الملاحم (3) وبظهور القصة أصبح الخطاب السردي ملتصقا بها أكثر من الخطاب الشعري وبخاصة بعد أن ابتعدت القصيدة عن السرد الحكائى، فإذا كان السرد يرتبط فى مفهومه الاصطلاحي بوجود راو، أو فاعل ووجود حدث أو فعل (4) فإن الخطاب القصصي يستقطب بذلك معظم تجليات السرد الحكائى، وينأى الخطاب الشعري عنه إلا إذا اعتمدت القصيدة على وجود راو آخر غير فاعل السرد أو (منشئ الخطاب) فلا يمكن أن نساوى فى ذلك الوقت بين راوي الحكاية وبين فاعل السرد فى القصيدة، ولا بين الحدث، والفعل البدني الذى يسود فى أجواء النص الشعري. بهذا يعد السرد الشعري أقدم أشكال الكتابة الفنية، ولا يمكن إزاء ذلك أن نصف النص القصصي بأنه سرد والقصيدة بأنها شعر لأن كلا النصين نصان سرديان يتذرع كل نص بمفهوم للسرد يختلف عن الآخر، وعلى هذا الأساس تأتى كل التنظيرات السردية فى إطار النص القصصي، ويحرم النص الشعري من نظرية سردية كان هو البداية الحقيقية لها. ومن جانب آخر لا بد أن نفرق بين ثلاثة أنواع للسرد، هي:
- السرد الشعري، وله أدواته الخاصة فى بناء النص. - السرد القصصي، ويتحد أحيانا بالسرد الشعري ليضفى أبعادا فنية عليه. - السرد القرآني، وهو أقدم شكل فني للسرد يتضمن نظرية حكائية حتى قبل أن توجد التنظيرات السردية الخاصة بالنص القصصي فى النقد الغربي، وقد أفاد النص الشعري من السرد القرآني بشكل لافت جعل من وجوده فى القصيدة ظاهرة استقطب الكثير من الدراسات النقدية.
من اللافت أيضا أن الدراسات النقدية فى مجال السرد الشعري قليلة فى النقد العربي. لأن انصراف النقاد إلى نظرية السرد فى النص القصصي بفعل بروز الرواية والقصة فى الأدب المعاصر، وانصراف الكثير من الشعراء إلى كتابة الرواية جعل النص الشعري المعاصر يتخبط عند أجيال بعينها ويتحول إلى مجرد تداعيات لغوية أخرجته من دائرة الشعر، يشترك فى ذلك الشعر المكتوب باللغة الفصحى، أو المكتوب باللغة العامية، والأخيرة تنتج ما يمكن تسميته بالسرد الشعبي.

الثالث: بالتركيز على أدوات كالوصف والحوار والسياق الحكائى

وبالتأكيد على المفهومين السابقين، اللغوي والحكائي، نرى أن الشعر العربي، مر بالكثير من المراحل المهمة التي استفاد فيها من السرد الشعري، والتي تداخلت فى العصر الحديث حتى أصبح السياق السردي من أهم مرتكزات النص الشعري عند الكثير من الاتجاهات الشعرية، ومسألة السياق فى السرد الشعري تتفوق أحيانا فى أهميتها على آليات السرد نفسها سواء كان هذا السياق سياقا حكائيا تراثيا، أو حكائيا حرا، أو كان سياقا موقفيا يعتمد على أبعاد معرفية، ونوجز هذه المراحل كالتالي:

الأولي: مرحلة حكاية الأقول فى القصيدة

وهى مرحلة قديمة قدم النص الشعري العربي، اعتمد الشعراء فيها للخروج من المأزق الغنائي على حكاية الأقوال والتي تقف أحيانا عند فعل القول ومقوله بصفة الشاعر هو سارد الخطاب، أو بصفة صوت حكائى مواز له، وقد يكثف الشاعر هذه الأقوال، لتتحول إلى مواقف حكائية تقدم نوعا من الأحداث الصغيرة تعبر عن مشاهدات جزئية، أو وصف حالات، بداية من امرئ القيس، وحتى نهاية العصر العباسي، وكانت نظرية النقد فى ذلك الوقت على وعى بهذا التوجه الإبداعي، وبأهميته كنمط من أنماط التعبير بالقول عن الذات أو الواقع وذلك كما جاء عند أبى الحسن ابن رشيق القيرواني فى كتابه العمدة إذ يقول: "ومن الناس من يستحسن الشعر مبنيا بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائم بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله، ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير إلا فى مواضع معروفة كالحكايات، وما شاكلها، فإن اللفظ على اللفظ أجود هناك من جهة السرد" (5). وهذا يعنى أن الشاعر العربي وعى جيدا أهمية وجود الخطاب الحكائى داخل القصيدة، كذلك وعى الناقد العربي بهذا فى إطار التكامل بين مفهوم إبداع النص، وإبداع النقد كمرآة له. وقد ظلت القصيدة العمودية على وعى بحكاية الأقوال التي تتطور إلى موقف حكائى، ولكن فى إطار جزئي ولم يعرف الشعر العربي حتى عصر الإحياء السرد الشعري الحكائى الذى يدخل فى تشكيل النص وبنائه بصورة كاملة، وهذا لا ينفى عن القصيدة العربية أنها قامت بدورها المعهود من خلال البناء الثقافي والمعرفي العام الذى ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على كل بناءات الحياة الإنسانية.

الثانية: مرحلة القصيدة الحديثة والبناء الحكائى

بدأت هذه المرحلة مع أكبر التحولات فى تاريخ الشعر العربي من حيث وضع الشاعر ورؤيته وانفتاح النص على آفاق إنسانية جديدة لم تتح أمام الشاعر القديم، فتغيرت ملامح بناء النص تغييرا كليا مع بداية التخلي عن الشكل العمودي وتحولت الوحدة البنائية من البيت إلى السطر الشعري، ووجود شعراء تحول نمط الإبداع الشعري على أيديهم تحولا كبيرا. التفت النص فى هذه المرحلة التي بدأت بصلاح عبد الصبور فى مصر إلى التراث باعتباره مرجعا مهما اتكأ عليه فى تغيير ملامح البناء العامة والخاصة، وبدأ الشعر العربي يعرف لأول مرة بناء النص على أساس حكائى بداية من السياق الذى يحدد الإطار السردي العام للقصيدة وحتى وجود الذات والفكرة والفضاء والحدث الحكائى، فكانت قصيدة شنق زهران، والملك عجيب بن الخصيب، ومذكرات الصوفي بشر الحافي وغيرها من القصائد تأصيلا لانفتاح النص الشعري على آفاق السرد الحكائى الذى يبتعد فيه الشاعر عن ذاته، وفى هذا الابتعاد اقتراب منها لأن زاوية الرؤية لدى الشاعر أصبحت متعددة الجوانب وأصبحت الذات الأولى التي تلازم الشاعر «ذاته» والتي أشبعها غنائية ورومانسية طوال قرون ذواتا كثيرة، بعد أن انتثرت فى السرد الحكائى داخل القصيدة، وأكملت الدائرة التي كان يبحث الشاعر عنها، لينفتح أفق النص على الآخر والموضوعي والمعرفي والقيمي، وأصبح السياق السردي، والحكائي على وجه الخصوص أهم مرتكزات النص الجديد، فى الوقت ذاته تحول بعض الشعراء من رواد القصيدة العمودية فى مصر (محمود حسن إسماعيل) إلى نوع من السرد الشعري الذى امتاح فيه من السياق اللغوي والإشارات الحكائية والسياقية التي تتصل بالتراث والواقع، وتحول النص لديه إلى نص مخطط سواء كان ذلك فى إطار العمودية أو فى إطار القصيدة الجديدة "التفعيلية"، وظهرت البراعة السردية القائمة على انسجام التراكيب النحوية والصرفية فى أعمال شعرية كاملة: "لا بد"، "صلاة ورفض"، "موسيقى من السر" فى نمط من السرد الشعري الجديد، وإن ظلت أعمال صلاح عبد الصبور ومحمود حسن إسماعيل السردية داخل القصيدة فى إطار من الرؤية الرومانسية التي غلبت فى أحايين كثيرة على اللغة لتصبح أداة من أدواتها، إلا أن ريادة هذا الاتجاه ظلت مرتبطة بهما، حتى وصلت القصيدة السردية بعدهما عند بعض الأجيال الشعرية إلى ذروة الإبداع كما تجلت فى أعمال أمل دنقل الذى تحول السرد الشعري الحكائى لديه من مجرد بناء جزئي فى النص إلى بناء كلى وتشكيل رؤية وأداة من القصائد المتفرقة فى أعمالة "مقابلة خاصة مع "ابن نوح"، "صلاح الدين"، البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" إلى أعمال كاملة اعتمد فيها من الناحية السياقية والرؤية الفنية على الحكاية، وبرزت الشخصيات التراثية والأسطورية والواقعية مشكلة بناء معرفيا له سماته الخاصة، وأصبح تعدد الأصوات فى النص الشعري من الأشياء المألوفة التي يعتمد عليها الشاعر فى بناء نصه الجديد ارتكانا إلى السرد الشعري الحكائى.

الثالثة: مرحلة تداخل الرؤى فى النص الشعري

تبدأ هذه المرحلة فيما عرف بشعراء السبعينيات، إذ ارتاد النص مجازات ذاتية وتصورات حكائية جزئية اتخذت من التداعيات السردية إطارا لها، وظهرت بصورة مغايرة السرود الشعرية الذاتية التى تعتمد رؤية لغوية فى المقام الأول، تلفت إلى ظاهر البناء أكثر من أى شيء آخر وتعد تجربة رفعت سلام وحسن طلب ووليد منير وغيرهم مؤثرة فى هذا الإطار. وعرف النص الإشارات السردية الحكائية وتخلى عن البناء الحكائى الخالص، وإلى جانب ذلك ظهر النص الذى يتحدث عن كل شيء، وأي شيء فى سياق واحد وبهذا تعود الغنائية مرة ثانية إلى القصيدة، ويلفت الشاعر إلى هذه الذات فى تجارب قصيدة النثر، ولكن بعيدا عن مناطق الدهشة اللغوية والدلالية التى بها يحيا الشعر.
والبحث فى الصفحات القادمة يقدم تصوره السردي عن الوضع الشعرى الراهن من خلال النماذج التى تمثل ذلك مازجا فى الرؤية بين شعر الفصحى وشعر العامية لأنهما مرا بالتحولات نفسها مع الفارق فى بعض توجهات كل شاعر ورؤيته والسياقات التي يقدمها ويتعامل معها. إن السرد الشعرى يفتح آفاقا جديدة للقصيدة، وبخاصة السرد الحكائى والتخلي عنه يعد خسارة كبيرة لا يمكن تعويضها إلا عند المذاهب الشعرية الكبيرة التى تتغير أنماط الإبداع على يديها.

بناء السرد فى القصيدة المعاصرة

أحدث تداخل البناءات الثقافية والمعرفية فى مختلف العلوم التى تتصل من قريب أو بعيد بالشعر المعاصر تطورا واضحا فى علاقة القصيدة بالسرد الشعرى بالإضافة إلى تراسل هذه البناءات مع بناء النص وتحول منجزات بعضها البعض إلى سياق داخلي أحدث نقلات شاسعة فى تصور هذا البناء حول إطار الشكل العام للقصيدة، حتى إن استغلال النصوص لبناءات وفضاءات أنواع أدبية وفنون بعينها أوهم الكثيرين من المتعاملين مع النص الشعرى المعاصر ومنجزاته الراهنة بالتداخل النوعي بين الأنواع الأدبية، ولا يوهم التداخل بين القصيدة المعاصرة إلا القصة فقط، والقصة القصيدة فبدأت، الكتابات تظهر مستغلة السياقات الداخلية للقصة والسياقات الداخلية للقصيدة لتحدث نوعا من التماهى فى المجازات والصور الجزئية، والكلية، بالإضافة إلى التشكيل اللغوي والشكل المادي لكتابة كلا النصين. إن أول قصيدة فى شعر التفعيلة كتبت بطريقة الأسطر المتساوية والتي توهم أن المكتوب شكلا آخر غير الشعر، كانت نصوص الشاعر عبد الوهاب البياتى، الذي يعد أول من أحدث للسرد الشعرى فضاء مغايرا عن السائد فى ذلك الوقت حينما فتح السياق الحكائى على آفاق تراثية تتصل بالأسطورة واستخدام الرمز والسيرة الذاتية والمزاوجة بين الأنا والآخر داخل القصيدة، ولكن أحدا من كتاب القصيدة المعاصرة لم يقدمها بشكل الكتابة النثرية إلا جيل السبعينيات الشعرى وتوالت الأجيال بعد ذلك معتمدة على هذا النمط من البناء فى تقديم نصوص جديدة فى إطار الاستفادة من المنجز التشكيلي الموجود، والذي ظهر فى الكثير من النصوص الشعرية التى تحولت عند الأجيال الشعرية التالية إلى مجرد سرود خالية من الانسجام والتوافق اللغويين، كما تخلو أيضا من السياقات الحكائية التي تفتح أمام النصوص الشعرية آفاقا جديدة من الإبداع، وتأكدت عند أجيال أخرى مجموعة من أساسيات البناء الشعرى التى تتصل من قريب أو بعيد بالسرد وما يلتصق به من أدوات بنائية جديدة، مثل الصورة الشعرية التي تحولت من البعد الجزئي الذى يعتمد على الكلمة أو الجملة إلى البعد الكلى الذى يعتمد على السياق الموسع للخطاب، حتى أصبحت تخايلنى فكرة البلاغة الجديدة المطروحة منذ عقود فى الكتابات النقدية والتي يمكن الاعتماد عليها فى بناء النصوص الجديدة، سواء فى الشعر أم فى القصة، بعد التحول فى البناء والتحول فى التصور والرؤية التى تحكم إبداع النص الأدبي.
فهل يعد السرد جزءا من البلاغة الجديدة فى القصيدة المعاصرة؟ وهل السياق الحكائى بآفاقه الثقافية والمعرفية يؤسس لهذه البلاغة؟

إننا أمام رؤية جديدة تطرح مجموعة من أسس الإبداع الشعرى الجديد الذى ينحاز فيه الشاعر لعصره، أو يحاول إيجاد مفاهيم ذاتية توائم عملية الانفعال التى تحكم الذات الساردة، إننا فى هذا المقام نتعامل مع ذاكرة إنسانية تحاول الانسجام مع واقع يملى شروطه الإبداعية والنفسية، كلما تخلت هذه الذاكرة عن رؤيتها الخاصة وتحولت إلى رؤية الآخر اقتربت من السرد الحكائى المقيد - كما سيأتي - وكلما التصقت برؤيتها الخاصة أو مزجت بين الذاتية والموضوعية أوجدت سياقات جديدة. المشكلة الأصلية أمام النص الشعرى المعاصر أنه ينساق وراء التداعيات الذاتية أو الواقعية التى تفقده عملية التواصل مع أجزائه المكونة له، فضلا عن التواصل مع الموضوع المعرفي الذى يسبح فى داخله، وبالتالي يفقد إمكانية وجوده، أما إذا ارتبط بصورة ما بعملية الانسجام اللغوي والبنائي فى التشكيل أو الدلالة فإنه يتواصل مع موضوعه، وبالتالي يتواصل مع الآخر، ويتحول النص من مجرد سرد تواصلي أو مفاهيمي يحمل السمة البنائية للنوع الأدبي، ولكنه لا يحمل قيمة التواصل مع هذا النوع، فالأنماط السردية التى تم تقديمها فى الإطار العام لا تستطيع حتى أن تخدم إلا الشكل المادي فقط كما جاء الحديث عن مفهوم السردية وأنماطها فى الكثير من الرؤى الجديدة لها(6).

القصيدة والسياق الحكائى المفتوح

السياق الحكائى نمط من أنماط التفكير المصاحب للواقع، يظهر فيه الزمن بشكل متتابع أحيانا أو متداخل فى إطار من الاستباق أو الاسترجاع اللذين يسيطران على إشكالية التعامل مع عناصر الواقع بما فيها اللغة والأحداث والمفردات التى تظهر جدلية الذات مع الواقع، فهو إذن بهذا الشكل نوع من البناء التمثيلي أو مستوى من مستويات الهيمنة السردية على ذاكرة الإنسان بشكل عام أو ذاكرة الشاعر بشكل خاص وإذا تشبعت هذه الذاكرة بأهمية السياق فى توجيه حركة السرد فإن تنظيم الزمن والتعامل مع فضاءاته يبدأ من التشكل داخل هذا السياق (7) على أن إعادة صياغة السياق الحكائى بما يناسب الأطر الثقافية والمعرفية للشاعر واختياراته المتعددة بشكل أفقي ورأسى تناسب عملية انسجام الخطاب السردي بشكل عام. فما معنى أن تكون القصيدة محاطة بمجموعة من المفردات الحكائية الحرة أو المحددة بسياق مفتوح إلا أن الاختبارات على مستوى تشكيل اللغة، وطبيعة التعامل مع عناصر الشعرية فى إطار تداخل عناصر القص داخل عناصر المجاز المرتبطة بلغة الشعر، هذا السياق المفتوح يرتبط بعدد من أشكال التعامل مع النص فإما يتحلق حول الذات وتاريخها الشخصي الذى يؤصل للدخول فى عالم من الرموز الحكائية التى تنتج معرفتها الخاصة بالآخر من ناحية وبمفردات السياق من ناحية أخري، أو أن يتحلق حول الواقع وما يتصل به من مفردات تنتج هي الأخرى سياقات مفتوحة، وإما أن يلتف حول الماورائيات، ما وراء الذات والواقع واللغة وهذا يدخل السياق فى نوع من التعميق الموضوعية الذى يجعل النص مكتفيا بنفسه ولا يمكن تأويله إلا فى سياق خاص بالذات الساردة. وهذا بالضرورة يقود إلى طريقتين من طرق الإبداع، إما أن يتحول الوعي بالسياق الحكائى المفتوح إلى بناء سردي جديد يسهم فى رفع درجة الوظيفة الشعرية للأداة المستخدمة وإما أن يتحول هذا السرد إلى نوع من التداعي اللفظي الذى لا يؤدى إلى شكل محكم أو دلالة، أما الشكل السردي الثالث الذى يمثل اكتمال الدائرة فهو السرد الذى يمزج بين السياقين السابقين:
- السياق الحكائى الذاتي. - السياق الحكائى الواقعي.
ومن خلالهما يبدأ النص فى ترتيب خطة بنائه العامة التى تعطى صورة واضحة عن رؤية الشاعر للعالم وما يحيط به، وتعطى فى الوقت نفسه صورة عن بناء الدلالة داخل الرؤية التشكيلية المهيمنة على النص، وقد برع الشاعر حسن طلب فى هذا السياق الحكائى الذى يتكئ على ثلاثة أبعاد رئيسية تتصل بمفردات الحكاية وطريقة التعامل معها.
الأول: الموقف السردي الذى يعتمد على الذات وانقسامها إلى أدوات تمثل عناصر الحكاية. الثاني: تضفير عناصر حكائية تمثل سياقا خاصا فى إطار السياق العام. الثالث: يؤسس الشاعر لتخييل سردي يسهم فى تمثيل الزمن والفضاء والأحداث المصاحبة له.
فقد قدم الشاعر مجموعة شعرية كاملة ذات بناء سردي حكائى يرتكن فيه على السياق الحكائى الذى يمزج بين السرد الذاتي التخييلى بسياقات مفتوحة وبناء محكم من الناحية الدلالية والسياقية والتصويرية، وهى "مواقف أبى على وديوان رسائله وبعض أغانيه" إذ تبدأ الدلالة فى الانفتاح على الذات من بداية تأويل العنوان وكأننا أمام ذات الشاعر ممزوجة بمجموعة من السياقات الحكائية المفتوحة تضفر انسجاما خطابيا يحكم سيطرة الشاعر على النص ويفتحه أمام بناء درامي تشكيلي واحد، أو بناءات سياقية متعددة يراوح فيها بين داخل النص وخارجه يقول الشاعر:
أوقفني السوسن فى موقف يبقى من يهلك عشقا قال: سأصحبك الآن إلى حيث سأطلعك على ما لم أطلع أحدا من قبل عليه فلا تنبس نطقا وابتسم وقال: إذا أنت تكلمت سترحل أو إن أنت سكت ستبقي قلت: سأصمت قال: فحقا قلت: أجل حقا فأخذنا الميثاق وأطلقنا الساق توجهنا شرقا ومضينا حتى لما أن صرنا داخل صحراء يشبه رونقها سيناء وتحت سماء يشبه أزرقها مهج الشهداء نظرنا فكشفنا عن أفق أفقا فابتسم وقال: انظر هذا جبل خجل يصعد نحو ذوابته رجلٌ وجلٌ قال: وهذى إبل يجفل عنها جمل
فأزيز الطائرة الأمريكية فى مسمعه خطر داه وحمام محتمل وأولئك ـ قال ـ أناس يدرون ويتجرون ومنهم من يبتهلون ويرنون فتعجبت وصحت: أمجنونون أولئك أم حمقي؟ فابتسم وقال: ألم أصحبك على أن تصمت قلت: نسيت وما أنسانيه سوى الغيظ. فرفقا وتبادلنا الرد وجددنا العهد.. مضينا فقطعنا من عمق عمقا حتى لما أن كنا فى واد ذي شجر ونخيل منتشر وقف على الحافة ثم أراني ما قطف وقال: أصب من هذى الفاكهة الغضة رزقا(8)
النص يتعامل مع بناء سردي يزاوج بين المجاز الرمزي والصورة الشعرية المباشرة باعتبار المجاز هو أساس تشكيل الصورة، والرمز بما يحمل من تأويلات يفتح للمجاز أفقا مغايرا عند التصاقه بالأدوات البلاغية التقليدية، ويأتي السياق الحكائى ليقدم البلاغة الجديدة للموقف الذاتي الذى يعتمد فيه الشاعر على عدد من مفرداته ورصد الصورة الكلية لحديث الأنا، والمراوحة بينها وبين الالتفات إلى ضمير يشير إلى الآخر، وصنع مسافة بين الضميرين هو الذى يرسخ للعلاقات السردية داخل السياق ويعتمد بدوره على عدد من آليات هذا الموقف:
1- التماس مع السياق الحكائى فى سورة الكهف بين موسى والخضر، وقد ظهر فقط فى صياغة الجمل السردية والمعنى العامم، مع الاختلاف الظاهر بين الموقفين التراثي- والذاتي القابل للتأويل.
2- الحوار المقفى جزء من تشكيل الرموز داخل السياق، ويبدأ بـ "السوسن- المقيد للرمز - ثم الآخر المكمل لدائرة التأويل ثم المرموز إليه وهى الصحراء (سيناء) وهو تقييد آخر للرمز وسماء وجبل، وإبل والطائرة الأمريكية وحمام وأناس، وواد ذي شجر وقطاف الوادي" رغم أن التقييد يشير إلى باقى سياق خاص داخل السياق الحكائى الشكل لبناء القصيدة إلا أنه فى الوقت نفسه يفتح أفق التأويل النابع من السياق الداخلي؛ إذ تغلب الرموز المشكلة للسياق الثاني على رموز التقييد، ولكن بلاغة الموقف تنبع من انسجام معطيات السياق الحكائى باعتباره مشكلا لمجمل الخطاب فى النص بل هو الخطاب، فلا تشذ جملة واحدة خارج الإطار الحكائى الذاتي وهذا يؤكد عملية الترابط السياقي بين مكونات الخطاب معتمدة علي: - صيغة قال وتعقبها مقول القول، وتمثل النسق الموجه للسياق. - صيغة القول، وتمثل النسق المكمل للحكاية والبادئ فى الوقت نفسه فى ربط أجزاء الخطاب عن طريق الروابط المعنوية التى تشيع فى الخطاب بشكل لافت. - الرموز الحرة، وهى إطار مكمل للسياق الحكائى ويمكن تأويلها إلى موضوعات كثيرة يرشد النص إليها من خلال مفردات حكائية تصل بالواقع، منها ما يشير إلى الواقع العربي والسياق النفسى للذات المنكوبة أو الذات الباحثة عن حريتها، وهذا يعنى أننا أمام نص ترتبط أجزاؤه ارتباطا عضويا يعطى تصورا مكتملا لموضوع الرمز أو لعملية التأويل (9) فالسرد فى الشعر سرد يوحد أطراف الخطاب ويشكل فى الوقت نفسه بنية معقدة، على عكس التشكيل فى السرد القصصي الذى يمثل بناء بسيطا فى أغلب الأحيان لأن العناصر المكونة للخطاب يسهل تفكيكها ولأن الأساس فيها هو المسرود أو المحكي عنه، ولا تشكل اللغة إلا دالا واضحا على ذلك.

السياق الحكائى واليقين الذاتي

تتخلق البلاغة من أدوات سياقية فى المقام الأول، ترتبط بمكونات الدلالة أكثر من كونها ترتبط بمكونات الصياغة المصاحبة لها، فالأولى هي الموجه لتنظيم الخطاب وربطه بالسياق العام، وهذا يخرجنا من الأدوات البلاغية المفردة إلى الأدوات البلاغية التى تعتمد على موجهات الخطاب من داخل السياق الدلالي، فإذا كان السرد هو الموجه لعملية التنظيم والترابط بين مكونات الخطاب، وإذا كان السرد هو ناتج سياق حكائى موحد، خارج من إطار الذات وملتحم بها فى صياغة لغوية جديدة تصنع سياقا داخليا للنص عبارة عن مركز دلالى واحد وأنماط تركيبية متعددة، فأين تكمن بلاغة الخطاب السردي فى هذه الكتابة؟ وأين يمكن أن نبحث عن الصورة الشعرية فى النص؟ ولأن الصورة الشعرية هي المكون المهيمن على النص وهى التى تعطى له أداة بقائه وتقوم بتحويله من داخل سياق الجمل النثرية المتشابهة الإيقاع فى الكثير منها والتي تعتمد على قوانين داخلية غير منظمة حتى الآن، فإن البحث عنها (الصورة) فى سياقها الجزئي لن يصل بنا إلى إطار قاعدي لبناء نص شعري يكون السرد فيه هو الموجه الأساسي لعملية التركيب. إن السياق الشعرى السابق رغم اعتماده على المزج بين السرد الذاتي والترميز السردي إلا أنه ما زال يحتفظ بمكونات البلاغة الجزئية، لأن الموجه للتراكيب سياق حكائى يحتفظ بمركز دلالي يرتبط بالذات، ولكنه فى الوقت نفسه يتحول عنه إلى سياقات حكائية جزئية ذات دلالة مفتوحة، أما عند الشاعر شريف رزق وهو أحد الذين يؤسسون لهذا النوع من السياقات الحكائية المنصهرة بالذات، حتى أصبحت لديه يقينا راسخا لا يتحول عنه إلا فى القليل، فقد قدم عددا من الأعمال الشعرية التى تسهم فى بناء صياغة بلاغية لا تعتمد على المفردة الحكائية بقدر ما تعتمد على التركيب السردي الطويل النابع من سياق الذات، فهو يحكى عن ذاته من خلال تحولات هذه الذات وعلاقاتها المجازية بالأشياء داخل دوائر سردية ثلاث:
الدائرة الأولي يحول الموضوع المسرود عنه إلى إطار الذات، سواء كان هذا الموضوع، ذات حالة أو ذات فعل، من خلال الإحالات التى يقدمها، أى بين القيمة المطلقة والقيمة الذاتية.

الدائرة الثانية تحويل الذات إلى موضوع قيمة داخل المفردات التى ترتبط بالخطاب الذاتي وكأن الإحالة إلى الذات هي محاولة للخروج منها إلى عالم آخر.
الدائرة الثالثة اللغة عبارة عن صيغ لذات الفاعل فى النص، وإذا وردت إشارات إلى ذات المفعول فإنها صورة أخرى من الصور التى تأتى عليها ذات الفاعل.
من هذه المعادلات فى بناء السرد فى القصيدة يمكن البحث عن الأسس البلاغية التى ترفع الخطاب من تشابه النثر إلى صياغة الشعر، وفى هذا الإطار لن نبحث عن صور المجاز والاستعارات وإنما سنبحث عن مفردات السياق والمواقف والتأويلات التى ترد إلى ما يحرر الخطاب ويسلمه إلى سياق بلاغي يقول الشاعر فى (20 يونيه 2001):

الليلة فجأة، صحوت على ظمأ وسعال، وخطوتُ - متعثرا - إلى زجاجة المياه غير أنها باغتتني قادمة فى الهواء كأن يدا، فى الخفاء، تحملها حتى استقرت على فمي فى هدوء شربت دونما ارتجافه واحدة كنت أعلم أنه بلا شك هنا ولكنني واصلت نومي العميق..
وفى (21 يونيه 2001):
الليلة، أيضا صحوت على ظمأ وسعال وتوجهت إلى الزجاجة، كما فى كل مرة على يقين بأنها سترتفع، وحدها، كما من قبل إلي فمى، وأنني لن أرتجف أيضا،
ورفعت يدي فى هدوء،
كإشارة مني،
سيعقبها ارتفاع الزجاجة، وحدها، غير أن يدى لم ترتفع، وحاولت مسرعا، مرة أخري، فلم أجدها..
وفى (23 أغسطس 2001): وبشكل عرضي على الجانب كلمة (أربعاء)
لا شك أن كثيرين، من قبلي، عاشوا، فى هذا الجسد، وأنني، بالتأكيد عشت قبل هذا الجسد فى كائنات أخري، من قبل، صحيح أنني لا أستطيع أن أتذكر من حيواتى المفقودة، على وجه الدقة أشياء، ولكنني على يقين بأن عديدين منى ذهبوا على التوالي، وبقيت وحدي، وأنهم يتوافدون علىّ ولا أراهم، ومع هذا فلم أزل قادرا على الحياة، وأحيانا أتطلع إلى صور قديمة لي، فى مناسبات مختلفة، وأستغربها، متأكدا من أنها لأشخاص وهميين، ويخيل إلى فى كثير أنني لم أظهر فى أى صورة لي، والغريب أنني كلما عثرت على كتابة لشريف منى تأكدت أكثر أن حرائقي لم تزل هي هي، وأن حرائقي الحالية تتطور تدريجيا صعودا إلى ما بددني مرارا من عهود، بائدة، شريفا، بعد شريف (10).

وهناك أيضا مسافات بيضاء بين المقطع الأول ص30، والمقطع الثاني ص 31
الدلالة فى نصوص حيوات مفقودة تتوزع على عدد من المحاور:
الأول: محور السرد الخالي من الأفعال الكبرى التى تشكل سياقا موحدا. الثاني: محور السرد الذى ينمى حركة السياق فى إطار فعل حدثي عام، يقود من موقف حكائى إلى موقف آخر ينتميان إلى السياق العام. الثالث: محور السرد عن الآخر، القيمة، ويمثل سرودا متناثرة بين المحورين الأول والثاني.
ففي السياق الأول تتمحور الدلالة حول الذات فى سياق حكائى واحد يعطى صورة عن موقف بين الواقعية والمجازية تحتل فيه المفردات البلاغية جزءا يسيرا من مساحة النص (ثماني مفردات بين إحدى وأربعين مفردة تمثل الدلالة العامة) كل المفردات الأخرى مفردات ذات مدلول حكائى تتصل بالذات وحركة الذات:
- باغتتني قادمة فى الهواء (إشارة إلى الزجاجة). - كأن يدا فى الخفاء تحملها (إشارة إلى الزجاجة).
النص فى الظاهر لا يحمل دلالة تشكل موضوعا شعريا ولكن ما وراء السياق الحكائى ينقل صورة الشعر النمطية القارة فى ذاكرة المتلقى والتي تتأثر بها الموضوعات ذات التوجه الخطابي والذي يقدم صورة عن الواقع أو القيمة أو ما يتصل بهما، أو حتى عن الذات بمفهوم الرومانسية، إلى صورة مادية عن هذه الذات، تقدم نفسها على أنها هي الواقع - وهى كذلك - وتطرح من خلال هذه الصورة التى تبدو بسيطة مجموعة من التساؤلات حول الإنسان والوطن والقهر وغيرها مما يمكن أن يؤول، فى سياق مسكوت عنه، إننا أمام ذات لا تعبر إلا عن ظاهرها، أو حتى باطنها بقدر ما تبتعد عن ما يربطها بالآخر بصورة مباشرة، نوع من محاولة البحث عن اليقين من خلال الذات فقط. وفى المقطع الثالث الشاعر يسرد عما وراء الصورة المادية للذات منفصلا عن ذاته ومتحدا بها فى آن، وفى الانفصال يتعلق بهذه الذات أكثر من صورة الاتحاد بها مشيرا إلى أن السياق الحكائى الذاتي يشكل الدلالة الأولى والأخيرة، ولا يمكن أن نعثر على بلاغة الخطاب إلا من خلال التضام الكامل لمعطياته سواء فى جانب التشكيل أم فى جانب الدلالة بعيدا على السياق الجزئي للصور البلاغية، إذ يتكون المقطع من مائة واثنتي عشرة مفردة تخلو كلها من صورة بلاغية جزئية مما يجعلنا أمام بداية طريق للبحث عن بلاغة الخطاب الشعرى المعاصر، فى جزء مهم يفرض واقعا لغويا وسرديا وتصويريا غير نمطي، ويعطينا ذلك فرصة للتأمل فى المفردات البلاغية الجديدة التى يمكن أن يعبر عنها هذا النوع من السياقات السردية المفتوحة. ففى إشارة إلى الاعتماد علي لغة الاستعارة فى تركيب سردي واحد لا يمثل إلا إشارة فى سياق نصي موسع يمكن القول إن هذا التركيب الاستعارى البسيط يدعم قوة الربط والارتباط داخل السياق، ويجعل الانسجام فى النص شيئا متحققا لأن الاستعارة تمثل لب الموقف(11) وهو يتمحور حولها، ولأنها جاءت جزءا مؤسسا من أجزائه التى تمثل دائرة معنوية واحدة وهذا يعنى أن الخطاب البلاغي الجديد الذى نبحث عنه فى الشعر يمكن أن يطرح نفسه من داخل البلاغة المؤسسة للغة العربية ومن جانب آخر يمكن أن نبحث عن معطيات جديدة للصور البلاغية القديمة من خلال السياقات التى تقدم فيها، ولنأخذ السياق السردي بما فيه من إمكانات فنية صورة لهذا التحول والبحث.
هذه المعطيات يمكن أن تتحدد وفق السياقين الخارجي والداخلي للنص على النحو التالي:
- الملامح العامة لذات الشاعر، وتقدم الباعث على مواصلة السرد. - الصورة التمثيلية التى تعامل معها. - المسكوت عنه فيما يتصل بإدراك هذه الذات. - اعتماد الرمز على صور واقعية/ محتملة/ غير محتملة.
السياق الحكائى بين الذات والواقع
يمثل السياق الحكائى الذى يعتمد على المواقف الحكائية التى تقدم مفرداتها بين الذاتي القائم على رصد الظاهر والباطن للإنسان المعاصر، والواقعي القائم على طرح قضية القيمة الموضوعية من خلال الرؤية السردية التى تعتمد على عناصر أكثر حكائية، بمعنى أنها تلفت إلى السياق السردى الموهم بالإطار الحكائى الحدثي، وهذا يعطى للأبعاد الزمانية والمكانية صورة أكثر وضوحا من السياقات السابقة التى استغنت عنها، وهنا يبنى السرد من خلال رؤيتين مكونتين للخطاب:
الرؤية الأولي: المزاوجة بين الذاتي والواقعي. الرؤية الثانية: رصد أبعاد الموقف الحكائى الذى يقترب من الحكاية المكتملة التى تحتمل بروز عناصر حكائية مؤثرة.
وقد ظهرت مجموعات شعرية كاملة قدمت هذا السرد الذى يقف بين البعد الحكائى الخالص والبعد الذاتي، والأخير يعتمد على الواقع كتصور سردى يمثل سياقا موازيا للسياق الذى تمثله الذات، والدلالة تكون أقرب إلى تبادل المواقع داخل مفردات الحكاية. ومن هذه الأعمال يأتي ديوان "الخيط فى يدي" للشاعر فتحي عبد السميع، وهو مزيج من المجاز الشعرى فى سياق سردى يقوم البناء فيه بدور كبير فى تحرير الدلالات الكامنة فى ذاكرة الراوي من عقال التداعيات والمعاني التى لا تشكل سياقا شعريا يعطى للخطاب عوامل انسجامه وترابطه. يقول الشاعر فى قصيدة "ذات مولد ما":
المولد ينفض والبلدية تفرط الهراوات كلهم عادوا بأكياس الحمص والحلوى والفول السوداني ولعب الأطفال الرخيصة ببهجة السرك وقرص النسوة المخطوف بأصداء المنشدين وبهجة الفيض أمام الضريح

***

كلهم عادوا مجبورين وأنت تحتضن خمسة عشر يوما من بحث بلا جدوى أسنانك مغروزة فى مرارة وعيناك معلقتان ببداية المولد القادم

***

قبل أن تنحرف عن الساحة التى تنطفئ تلقى نظرة أخيرة لعلك تلمح الصبيّة التى شغلتك وحين تخيب نظرتك تمضى مثل عمر ***
منذ مطلع المولد وأنت تبحث عنها منذ مطلع المولد لم تبلع ريقك ولم ينطبق جفناك نظرت إليها بكامل جوعك ونظرت إليك بكامل رغفانها لكن الزحام فرق بينكما كان ذلك فى مولد مضى(12)
التأسيس السردى فى النص يتجاوز مجرد السياق الحكائى الواضح، إذ يتخذ الراوي من الإحالة السياقية (المولد) تكئة للدخول فى عالم المفردات الحكائية التى تعمل كل مفردة عمل سياق حكائى منفصل عن السياق العام متصل به فى أن، لأنها تمثل إحالة إلى سياق جريء يخلو من المجاز الشعرى، يرتبط فيما بين بعضه البعض برباط حكائى يكاد أن يكون مؤطرا، وهذا يحيل السياق إلى مشهد حي يكون صورة واحدة عن واقع السياق الذى تطرحه ذاكرة الراوي الذى يظهر بوضوح فى المسافة الفاصلة بينه وبين المروى عنه. إذ يبدأ بالمنظر العام، وكأننا أمام "سيناريو تمثيلي": المولد ينفض- والبلدية تفرط الهراوات.
ثم يبدأ المنظر يتحول إلى مفردات صغيرة تمثل سياقا جزئيا:
- كلهم عادوا بأكياس الحمص والحلوى. - ببهجة السرك. - أصداء المنشدين. - الفيض أمام الضريح.
ثم يتحول إلى الذات فى قلب المشهد الواقعي الحي، ويتلو تقلبات هذه الذات بمجموعة إحالات تمثل كل إحالة سياقا خاصا. وهكذا يتخلى الشاعر عن الصور الجزئية فى مواضع كثيرة ليطرح مكانها مشهدا سرديا يحيل إلى سياقات حكائية تتولد عنه، وفى هذا التحول يجعل من الذات محورا لرصد واقع منسي يبدأ بالبحث عن فتاته وتحولات عشقه فى تبادل للدلالة بين أطراف الحكاية. يقدم الشاعر فتحي عبد السميع البناء الحكائى الكامل فى إطار الحديث عن الآخر الذى يمثل صورة واقعية لإنسان معاصر. وهو أسلوب بدأ منذ فترة طويلة فى الشعر العربي، ولكنه ظل قليلا فى الكتابة الشعرية، بينما يعمد الشاعر إلى جعل الشخصية هي مركز الدلالة ومن ثم تصبح أمامه الكثير من الاختيارات:
- الشخصية تتحول رمزا. - الشخصية تظل مؤسسة للسياق الحكائى. - يمزح الشاعر بين رؤيتها كرمز وبقائها كسياق.
ثم يتحول الراوي من نطاق المفردات الحكائية التى تنتمي إلى الذات بكل إحالاتها المفتوحة إلى مفردات مشاهد مجازية تمتد خارج الذات أو إلى حوار الآخر أو إلى السياق الحكائى الذى يتصل بالواقع بشكل كلي، وفى المجموعة الشعرية ذاتها. ربما يذهب المتلقى إلى اعتبار أن الآخر عند فتحي عبد السميع هو صورة منفصلة عن الذات الساردة ولكن يبقى الأثر الذى يتركه الآخر، هل يتساوى من الناحية الدلالية مع الأثر الذى تخلفه الأنا؟ عند هذا الحد تظل الذوات فى السياق الحكائى الشعرى معبرة عن وضعيتها المعنوية بشكل مستقل، وبخاصة إذا صنع لها الراوي ذاكرة تساوى الذاكرة التى يعمل بها. وفى قصيدة "عجائز إسماعيل" يقول الشاعر:
كان إسماعيل أول موظف يوقع فى دفتر الحضور رغم أنه لم يكن سعيدا بعمله كاتبا فى نيابة مركز قنا وكثيرا ما كان يعود إلى بيته وهو يفكر فى استقالته لم يكن جسمه النحيل على استعداد لحمل أكثر من مأساته حذره الأطباء من العمل بالفلاحة كيف لم يحذروه أيضا من النظر إلى أرضه وهى تبور ***
أعجبته الوظيفة بادئ الأمر قال: خدمة الناس حلوة واحترام شيخ الخفراء لي شيء كبير أسندوا إليه دفتر الشكاوى الإدارية تصفحه بحماس مكتوم وأخذ يترقب أول قادم (13)
البداية مع عنصر حكائى جاذب للدلالة، ويصلح لأن يكون مركزا لها من الناحية الموضوعية، ومن الناحية الشكلية، وهو الشخصية، يجعل خيارات الراوي مفتوحة فى بناء النص وتشكيلاته البلاغية، فالراوي الذى يقود السرد هو الراوي الواصف، الذى يكرس أحداثا وأفعالا صانعة للسياقين المصاحبين للدلالة، السياق الخاص بالراوي - وهو الشاعر - والسياق الداخلي الخاص بالذات، الأول يحول عملية التفكير من التداعيات والتفكير الرومانسي الخاص بها إلى صيغ تمثيلية تحول الإدراك الجزئي إلى إدراك كلي، والثاني (إسماعيل) يفرز صورة الواقع الحي للذات، والواقع المصاحب لها، الراوي يمزج بين العناصر المشكلة للسرد، والتحول إلى المكان وأثره فى الذات وامتداده مصاحبا لرؤية (إسماعيل) من خلال: - الصورة النمطية للحركة. - الصورة القيمية لعلاقة المكان بالإنسان. - جاذبية أحوال إسماعيل.
وداخل الإطار الحكائى المفتوح يقدم المشهد نوعا من التفكير بالدراما بعيدا عن المجازات، وفى الوقت نفسه يحول الصورة الكلية عن إسماعيل إلى مجاز كلى ليست علاقاته فى التشابه بين نمطين من أنماط التفكير، ولكن بالانتقال الحركي بين مفردات تعمل من داخل الحكاية، ولا تقدم - كما يفعل المجاز الجزئي- تشكيلات لغوية قصيرة المدي، بل تقدم تشكيلات صورية تحول النص إلى جملة سردية كبيرة فإسماعيل:
- يروح ويغدو كل يوم لعمله. - يفكر بالاستقالة. - لم يعد قادرا على العمل فى أرضه. - يحب خدمة الناس.
فأى جديد فى هذا إلا إذا تحول إلى رمز تمثيلي يمكن للمتلقي أن يبحث فى داخله عن إيقاعات متشابهة تتلاقى مع الأبعاد المكانية الزمانية، وتترك لعملية الإدراك فرصة التواصل الدلالي مع الآخر لإدراك العالم من وجهة نظر خاصة ممثلة فى إسماعيل كحالة للرمز، وممثلة فى السارد كحالة لموقف المشاهد.

الراوي وعلاقات السرد

الراوي فى ديوان "طرطشات الذات والبنات" للشاعر طاهر البرنبالى يتخذ عددا من الأشكال والأبنية النقية التى تتيح له الظهور ليقدم شبكة من العلاقات السردية التى تمثل النص، السرد الذى يقدمه ليس سردا حكائيا خالصا ينفصل فيه الشاعر من كل حلقات التماس مع نوازع الذات، وإنما هو سرد توهم حكائى يبرز فيه الراوي باعتباره محركا أساسيا داخل النص فى المفتتح، ثم يبتعد عن هذه الحركة ليفسح للعلاقات المجازية، والاتحاد بالذات الساردة والانفصال عنها فى مواضع كثيرة، ومن ثم تصبح الإحالات بين بعدين أساسيين.
الأول: البعد السردي، يتخلى الراوي عن ذاته ليقدم التوهم الحكائى. الثاني: البعد الغنائي المجازى الذاتي، حيث يتحد الراوي بالمروى عنه ليقدم رؤى متشابكة تقترب وتبتعد عن ذاته، ولذلك يبدو اتحاد السارد الفعلي للنص بصوت الراوي فى التوهم الحكائى مؤهلا لإقامة شبكة من العلاقات السردية التى تتراوح بين عدد من المواقف فى النص كالتالي:

1- السرد المجازى الرمزي "سرد توهم الحكاية"

وفيه يعمد الشاعر إلى استخدام مفردات حكائية وفى الوقت نفسه هى مفردات تقترب بشكل لافت من الرموز الشعرية أو لنقل الرموز الإرشادية التى تتخذ موقفا ذاتيا من ناحية، وموقفا قيميا موضوعيا يتخفى فى ظلال هذه الرموز المباشرة. فى قصيدة "على قرب المسافة":
إيه اللى خلانى شفتك امبارح على قرب المسافة وانتى ماشية فى شوارع مهجتى تايهة وكان من الممكن أسك الباب أو حتى أواربه إيه اللى خلانى فتحت الباب على آخره عشانك دليل وإيه اللى خلى الخيل وخيَّال الخيال ينطقوا ما بين شعر طالع من شقوق الروح وبين صهيل(ص 52)
ثم لا يذكر الشاعر هذا السكوت عنه فى قوله "إيه اللي خلاني" وكأن هناك محركا خفيا هو الذى دفعه وهو يخاطب هذه المعشوقة/ القصيدة/ الوطن/ الروح/ الذات/ وعدداً آخر لا محدود من التأويلات، والذي رشح لذلك كم المفردات المجازية التى تصلح لتكوين رمز كلى رغم عدم اتصالها بصورة شعرية واحدة مثل: "شوارع مهجتي، خلى الخيل، خيال الخيال، شعر طالع من شقوق الروح، صهيل"، ويتجلى هذا الطرح أكثر فى قصيدة "حضن شبابك الدافي"، ولكن بشكل مختلف عن القصيدة السابقة وهو انضواء المفردات الرمزية تحت صورة شعرية واحدة تشكل مفردات لمشهد شعري مجازى، فهو بجانب استخدامه لمفردات مجازية فى توهم حكائى يستخدم المفردات ذاتها فى مشهد يتذرع بالمجاز فى بناء الدلالات:
هافضل كتير مسكون بروحك الطفلة وبدهشة الملكوت اللى بيزغرد فى عبِّكْ وبحكمة الاكتمال والانصهار فى الواحد هافضل كتير والتهتهة م الخجل فى نشوة الهوى البكري (ص 58) هنا يمزج الشاعر بين عدد من الإحالات التى تمثل كل إحالة منها عالما سرديا مختلفا: - إحالة إلى القيم المطلقة التى تعبر عن روح شاعر مريد. - إحالة إلى قيم ذاتية تمثل عشقا يصل إلى حد التوحد بالمعشوق.
- إحالة إلى قيم موضوعية تشير فى بقية سرد القصيدة إلى حالة من الغضب حينما لا يبقى إلا أن يصبح الشاعر (فدائي).
فى مقابل:
أنا بحبك
قد عناقيد غضب مفروطة مفروطه منى بفعل أعدائي

2- السرد التشخيصي والمسافة الفاصلة بين السارد والمسرود

لا نعثر فى الشعر العربي بشكل عام على قصائد تتخذ شكلا سرديا واحدا إلا فى أعمال قليلة وعند شعراء عرفوا بهذا النوع من السرد الشعري، ولكن الأغلب أن الشاعر يعتمد على صورة سردية للقصيدة ثم يضفرها بسرود مختلفة، يغلب أحد هذه السرود على بناء النص بشكل يمكن أن نطلق على الصور أنها صور تشخيصية، أو صور حكائية، أو صور مشهدية. وعند طاهر البرنبالى على وجه الخصوص يزاوج الشاعر فى النص بين عدد من السرود التى تشكل الرؤية العامة، ولكنه يغلب أحد هذه السرود على الأخرى، فإذا قلنا السرد التشخيصي الموضوعي فإنه يتجلى فى عدد من القصائد منها هو "انتى مين فهيم"، "أنا باعيد اكتشافك". يقول الشاعر فى الأولي:
هو أنتي مين فيهم أم العيون الذكية اللى فيهم حزن رباني بيسرسب الأحضان واحد ورا التاني وكل حضن يلفني بالخيال والحسّ واللا انتى موجة جنون الجسد بالمس (ص 73)
فرغم ظهور الذات فى حركة القصيدة إلا أن السرد فيها سرد موضوعي فى المقام الأول يهتم بأسلوبين من أساليب التعامل مع الصورة الشعرية والوحدة اللغوية المكونة لها، وهما، التشخيص والتجريد للمعانى التى تمثل بؤرة حوار الشاعر مع ذات متوهمة (مفترضة) يجعل منها مدخلا للسرد، وفى الوقت نفسه يحولها إلى متكأ لكل الأساليب، الواردة إذ يكمل الشاعر:

واللا انتى صوت حرمان قديم
بيشدنى لبكره .. انتى هنايا اللى جىّ بالمجهول وبرغبتى الأولي واللا انتى أول حبيبة بجد
وفى المقام نفسه لا يتخلى الشاعر عن أسلوبه المفضل لديه، وهو ترميز الصور واللغة وتحويلها إلى لغة إشارية تشبه لغة الأقطاب والمريدين، ولكنه يتجلى فى هذ السرد الموضوعي بشكل أكثر انفصالا عن ذاته فى قصيدة "صحيفة أحوال الدنيا" التى رثي فيها الشاعر المرحوم محمد عبد المعطى إذ يتحول الشاعر فيها إلى ذاته فلا يمكن الالتباس هنا بين صوت راوٍ مفترض وسارد فعلي، وربما المقام الخاص بالقصيدة هو الذى صنع هذا الجو الخالى من الالتباس قول الشاعر:

من قلب صحيفة أحوال الدنيا أخبار بتشر ألم ودمار ورماد وعذاب
الشاعر عمك يا محمد سى الكداب
لساه بيغنى لكن مش معنى بالأجيال
ولا فتح طاقة نور لصحابك
ا سابهم حتى ف حالهم (ص 120)

وفى مثل هذه النصوص تغلب القيم الموضوعية ذات الإحالات السياسية والاجتماعية على لغة الكشف والترميز والاستبطان، وهو هنا ينسج مع مقام الشاعر داخل النص الذى أعلن فيه منذ البداية أنه بصدد صحيفة أحوال الدنيا. إن السمة الأسلوبية التى تغلب فى ديوان "طرطشات الذات والبنات" هو اعتماد الشاعر فى هذا السرد على الجمل الشعرية القصيرة، والطويلة نسبيا، وبالتالي فهو يلزم نفسه بطرح المعنى داخل التركيب من ناحية، ويوصل هذا التركيب بغيره من التراكيب الأخرى من ناحية، وهذا يعنى أن القافية التى يستخدمها تعد أداة وصل للقصيدة وليست أداة قطع، وهذا يعنى أن استخدام كلاسيكيات الشعر العربي فى غير موضعها من الناحية البنائية ومن الناحية الدلالية، وهو عادة لا يستخدم التجنيس فى القافية، ولكنه يستخدم حروفا متقاربة من حيث المخرج الصوتي، بالإضافة إلى ما يضفيه "تسكين الوقف" على الصوت، يقول الشاعر:
يا عدوى لسه روحى مرفرفه لسه شمع الحلم الاخضر ما انطفي واللى باع المر فى سنين الجفا مش هيسلم من عمايله عمره ما يدوق الصفا (ص 111)

استخدم الشاعر صوتا واحدا مشفوعاً بخروج مختلف:

- الفاء مع التاء المربوطة. - الفاء مع الألف المقصورة. - الفاء مع الألف الممدودة. - ثم الهاء الساكنة، وهذا التشكيل يعطى تقاربا صوتيا أثناء الإلقاء العالي أو حتى القراءة المهموسة.
وفى ديوانه "بنحب موت الحياة" يركز الشاعر عزت إبراهيم على سرد القيمة من خلال المراوحة بين مفردات حكاية القول، والمشهد المجازى المضفر بالمعاني المشخصة، التى تحول السرد من مجرد مفردات حكائية ذاتية إلى مفردات حكائية رمزية بلغة إرشادية تجعل من الراوي مركزا للسياق المفترض، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى السياق الحكائى الموصل للسياق البلاغي والذي بدوره يخلق آليات للبلاغة الجديدة التى نبحث عنها، ومن هذه الآليات الصورة الكلية للسياق داخل الموقف الحكائى الذى يربط بين رؤية الراوي الممثل للقيم الذاتية ورؤية الواقع الرمزي الذى يمثل الحالة السياقية التى تعمل عمل الصورة الشعرية الجزئية، ففي رباعيات عزت إبراهيم يجمع الشاعر عددا من المواقف الحكائية التى تخلو من أدوات البلاغة وهى جوهر عملية تحويل اللغة من إطارها العادي إلى إطارها المجازي، وهنا يجدر بنا البحث عن أدوات جديدة تصلح لرصد الشعر داخل اللغة العادية، فهي صور كلية، وهى صور حكائية، وتحمل مضامين سياقية تشير فى الكثير من الإحالات التى تتخلق فى جو القصيدة إلى سياق ما وراء اللغة العادية، يقول الشاعر: سيدنا قال:
الدنيا أخذ وعطا والدنيا أخدت مني مادتنيش سيدنا قال: الموت علينا حق وأنا كل ساعة باموت ونفسي أعيش

* سيدنا طارح شبكته وأنا لسه باطرح شبكتي سيدنا حلت بركته وأنا اللى قلت بركتي سيدنا باعت معونة ومعاها حبة سمك يا صيادين افرحوا سيدنا شاعر بحاجتي (14)

يقسم الشاعر إحالاته إلى ما يشبه المقابلة من الناحية التركيبية والدلالية، بين الأنا وتمثل الرؤية الذاتية للقيمة، والآخر: ويمثل تكملة الإطار السردى. ويطرح رؤية الرمز والواقع، فى سرد حكائى ناقص (سرد توهم حكائى) وفى أسلوب يخلو تماما من المجاز وينحاز إلى الصياغة المباشرة، وفى الوقت نفسه يشكل بهذه الصياغة الإطار الرمزي والمجازى من خلال المفردات التى ترشح لعمل الاستعارة التصريحية "سيدنا" وهى الكلمة المفتاحية فى الرباعيات، فلا يمكن تصور النص إلا بعد الانتهاء من قراءته وربط التصور الذهني للصورة الكلية بالدلالات المطروحة حتى تتحول عملية إدراك الأثر من التركيب السردى إلى دلالة الموقف الرمزي على النحو التالي: - يحول الراوي الرمز الحكائى إلى قيمة تجمع بين الهم الإنساني العام والرؤية الذاتية للواقع. - الدلالة العامة لا تدرك إلا بتضام الصور الجزئية. - يقدم البناء صورة الالتفات من المعنى إلى نقيضه فى الكثير من الحوارات التى تشكل أساس رؤية الشاعر.

الراوي والسرد بالرمز

تؤثر المساحة المكانية والزمنية على الراوي فى القصيدة مما يجعله أكثر قربا من التشكيل بالرمز فى إطار الحكاية الإشارية التى تتخذ من فضائها مدخلا لبناء النص فتأتى تحولات الراوي مرتبطة بمجموعة من الأدوات الأسلوبية التي تفتح أمامه أفقا تعويضيا عن الغنائية التى تعتمد على الصور الجزئية، وبرغم من محاوة الراوي الابتعاد عن نمط التعبيرات الجزئية إلا أنه وفى "النثر" على وجه الخصوص يصبح الرمز بديلا عن الصورة أو هو جزء منها، وهو بدوره يجعل الحكاية أكثر انفتاحا على التأويل، هذا ما يفعله الشاعر محمود قرني فى ديوانه "طرق طيبة للحفاة" وهو حافل بالسرود الشعرية المختلفة يغلب عليها سرد الحكاية المتوهمة أو المزج بين الحكائية وتداعياتها، ويظهر الراوي باعتباره فاعلا للنص ـ الراوي ـ الفعلي ـ الشاعر، فالحكاية عنده هي المظهر الأكثر تشكيلا للقصيدة وهى قابلة للتأويل لأن الإشارات التى تحمل مستويات متعددة للرمز هي لب البناء، بالإضافة إلى استخدام حكاية القول مضفرة بالرمز، وتمتد الصورة الكلية امتدادا يوحى بسيطرتها على تشكيل السرد، ولكنها تتحول فى مواضع كثيرة إلى صور جزئية يمكن أن تستعلى فى بعض مفرداتها على الإطار الكلى. يقول الشاعر فى "أسئلة نهائية أو فصل فى الجحيم":
- ماذا فعلت بحياتك يا عبد الله؟
- هكذا سوف يخرق الضوء المشتعل قاعة الإله. وعندما يندس عبد الله فى معطفه ويكون أكبر من الأفهام يمضى الروث الأخضر أمام السماء الغارقة فى النعاس التثاؤبات فقط يمكن أن تنبه الحراس إلى أسلحتهم وحاملاتهم الشرسة. - ماذا فعلت بحياتك يا عبد الله؟! أنهار من اللبن والعسل وأنهار من النار والدم لم أر الدخان يتطاير بهذه الفخامة من قبل فخلال أعوامي التى تبدو قليلة كنت أضع الحائط خلفى وأبسمل مكفهراً أضرب - منخطفا - فريستي ... - ماذا فعلت بحياتك يا عبد الله؟ - كانت الأشواق تحتضن ظهر امرأة ملفوفة ووحيدة وكانت تقول لى إننى كنزها الأسطوري ومتاعها الأخير(15)
الراوي يبدأ بالإشارة إلى الزمن ثم يتحول عنه إلى استخدام الرمز بديلا عن ما يمكن أن تقدمه الحكاية الكاملة للقصيدة، فيستحوذ الرمز على مساحة الدلالة بشكل لافت، ويحتاج إلى تأويل حتى يمكن ربط أجزائه المتشابكة والتى تعبر عن صورة مواجهة للبداية الحكائية، والتي تبدو خالية من الفعل الحكائى العام الذى يمكن أن نرد إليه مفردات السرد، والشاعر يستعيض عن هذا الفعل بالأفعال الكلامية المضافة إلى الذات، وينتقل من صورة ذاتية رمزية إلى أخرى وكأنه يقلب أحوال عبد الله - عندما يبدأ معه جولة الضوء الأخضر وهو يخرق قاعة الإله، فيندس فى معطفه، وحتى الحاملات الشرسة، فالدلالة هنا فى موضع مفارقة بين الضعف البادى فى عبد الله وهو يندس فى معطفه، أكيد هو يرتعش ويتلفت حوله مرتقباً من أين تأتى الضربة، والحاملات الشرسة التى أبادت حضارات بكاملها أمام أعيننا، وهكذا يأخذنا الراوي إلى قلب الواقع من خلال الإشارات الرمزية، أو يدسنا فى قلب همه الذاتي بين أنهار اللبن والعسل والنار والدم إلى امرأته الوحيدة الملفوفة، صور سردية تبدو فى ظاهرها متناثرة، ولكنها دلاليا تنحو إلى الانسجام بين رؤية الذات ورؤية الواقع بالرمز. أما السرد بالرمز عند الشاعر «شريف الشافعي» فهو يأخذ منحى آخر فى إطار عالم متداخل من الرموز والإشارات الحكائية الحرة التى تلفت إلى نفسها أكثر مما تلفت إلى السياق المصاحب لها، وهو سياق يتحول من تركيب إلى آخر مستغلا قوة الرمز الذى يستعلى على السياق المؤسس للسرد الشعرى فى الأصل إذ يحاول الراوي الملتبس بالصوت الفعلي للنص أن يجعل الرمز بديلا عن السياق أو يجعل منه سياقا مصغرا حتى يربط بين أجزاء النص ربطا عضويا يجعل من الصورة الجزئية البسيطة هي عماد القصيدة، حتى فى المقاطع المكتوبة على شكل النثر فإنها تحتفي احتفاء ظاهرا بتفكيك اللغة السردية، وتجعل منها، صورا مغلفة بالتصوير والمجاز وتقدم الرابط المعنوي على الرابط اللغوي. المجموعة الشعرية (وحده يستمع إلى كونشرتو الكيمياء) كلها قصيدة واحدة كتبها الشاعر بلغة تتفاوت مستوياتها بين المباشرة والرمز، والإحالات الواقعية والذاتية بصوت شعري واحد يمزج فيها بين العمودية والتفعيلية والنثر، يقول الشاعر: شعرة مضيئة فى ذيل حصاني تجعله يلتفت للوراء.

***

المروحة التى فى السقف تحرك الهواء الفاسد بيننا لم يبق لنا سوى أن نفتح النافذة. ***
أصابعها ليست كأصابع البيانو حينما تتوالى الضربات عليها يحتبس صوتها الداخلي ***
تخافين الأسئلة الخبيثة عن بقعة الفراولة التى أصابت فستانك الأبيض هل لهذا السبب فقط تخرجين عارية تماما

***

كلما أموت فى الميدان العام تنسحب حبيبتى من ضلوعي كى تموت على سريرها(16)
اللغة السردية التى تحيل الرمز إلى موقف موضوعي هي الإطار الأساس لنص شريف الشافعي، لأنه يتجاوز الرمز كإحالة واحدة إلى الرمز كحالة ممتدة فى ثنايا القصيدة، ولأن الرمز نوع من التجاوز الذى يتيح للعلاقة بين المرموز وبين السياق المصاحب أن تتحول إلى إشارات حكائية حرة تحمل فى طياتها علامات الموقف ضمن ثلاث دلالات مركزية فى النص: - الاعتماد على مفردة حكائية مفتاحية كتأصيل لحالة الرمز. - الصورة الشعرية تمثيلة تميل إلى المجردات والاعتماد على اللغة التى تلفت إلى ذاتها. - الارتكان إلى السياق الغريب فى فهم السرد الشعري. يقول الشاعر:
أنت ذا تخرج من عنق امرأة ضيقة، أغلقت تسع بوابات على أصابعك التسعة/ أين إصبعك العاشر/ شهيقك المتجدد: طعنة متجددة/ هذه الألوان على الحائط ترتعد بشراهة/ طيور جميلة تحاول أن تغمس أنابيبها فى عروقك الباردة/ أين براويز الطفولة/ أخاف التورط فى زحام الكائنات الحية/ السماوات خالية من المارة، لكنك/ وهكذا يتكون الأثر الكلى بمجموعة من الإحالات التى تنقسم بين ذاتين، ذات الراوي، وذات المخاطب، وذات المخاطب صورة أخرى من ذات الراوي، وكلتاهما تمتزجان برموز سردية يحتاج كل رمز منها إلى سياق خاص. - تسع بوابات، وتسع أصابع. - ألوان ترتعد بشراهة - براويز الطفولة. - زحام الكائنات الحية - السماوات خالية. وبقليل من التأويل والتأمل يمكن ربط كل رمز بحالة الراوي ذات الخصوصية التى تمتاح من سياق غرائبي موسع.

السرد الحكائى

يصبح النص حالة متفردة إذا اعتمد على سياق حكائى مقيد، بمعنى أن تكون كل مفردات السرد والسياق الحكائى المصاحب ترتبط ارتباطا مباشرا بإطار زماني ومكان محددين، يخلو أحيانا من أحدهما أو يشير إليه، ولكنه يبقى مرهونا بسياق بأطر سردية ثلاثة: - السياق الحكائى التراثي. - السياق الحكائى الواقعي. - تداعيات شعرية مؤولة للحكاية. وتختلف الحكاية المقيدة فى النص الشعرى اختلافا بينا عن الإشارة الحكائية، إذ يعتمد النص فى الحالة الثانية على جذب دلالة الحكاية فى سياق آخر مرتبط بشكل أو بآخر بالسياق القديم أو الجديد. يعتمد فيها على ذوات أو أفعال أو حتى شكل استعارى لمضمون الحكاية، وهى تجعل السرد بين حالتين: الحالة الأولى التى تمثل الأصل السياقي، والحالة الثانية التى تمثل الإطار الجديد له، موزعة بين الوصف والتداعيات وتمثل البناء الأساسي للقصيدة(17). وهنا تكمن بلاغة الحكاية التى نحاول التأصيل لها لتكون بديلا عن البلاغة التراثية إذ يعتمد التشكيل فى النص الشعرى الجديد على أدوات مختلفة، ولا يقتصر الحديث عن النص على القصيدة، بل يمتد ليشمل النص القصصي والمسرحي وغيرهما من خلو السياق الحكائى فى السرد الشعرى على وجه الخصوص من صور جزئية نعتمد عليها فى تفسير النص أو تأويله، وإنما يطرح رؤيته معتمدة على سياق مصاحب للسياق الداخلي فى السرد. هكذا فعل الشاعر عادل عزت فى ديوانه (العرب القدماء) وهو مقسم إلى أربع حركات كل حركة تختص بسياق حكائى يميل إلى الرمز فى الكثير من الأحيان، ولكنه مقيد بالسياق الذى يستدعى دلالاته كامنة، أدرك تماما أن الشاعر وهو يتجول فى هذا اليم الحكائى - بسرد شعري يمزج بين الإحالة إلى أفعال معرفية فى سياقها - التاريخي وبين ذوات ومشاهد حكائية مجازية، لا يريد لهذا المزج إلا أن يمثل سياقا إشاريا للواقع، وصنع مدركات ودلالات ترتبط ذهنيا بالإنسان المعاصر وتفعل التاريخ والحاضر تفعيلا جمالي. يقول الشاعر فى الحركة الثانية:
أكاد أجزم أن الليل كان ملكا للجن فى الزمان القديم. يتقافزون، ويتصارعون، ثم يختفون فى نور النجوم أو فى الريح، وكانت الصحراء نسيا. الصحراء أحلاما تحت آلاف النجوم هى الصحراء رمالاً مستقرة من عواصف الهجير.. أقدارا وظلمة كثيفة
وأنا فى التيه جسد وحيد بغير أنثي، أنام فى السعير، وأبكي شغفا. أتذكر.. قالت: فى كل ليلة وأنت جانبي أشعر أنها أول ليلة خلقها الله.
أبدأها وأنا عذراء ثم نرحل معا حتى تسلمني للفجر امرأة كاملة تغسلها الأنداء. كأنني آتيك شجيرة وأذهب عنك خميلة. فى كل ليلة. أنا عذراء. فلماذا ستنأي؟! قلت: «أصوات غامضة نادتني كأنها خيوط تجذبني. سأرحل إليها. لا أملك منها هربا» وها جئت إلى بيد أحاطها الله ببحر وخليج، ومحيط، فما خففوا من بطش حرها بل جعلوها أكثر بعدا (18).
الراوي يعمق رؤيته من خلال الانغماس الكامل فى الرؤية الحكائية التى يبدأها وكأنه يقص عن بداية الكون، وأحوال الحياة، وما علق بها من سياقات جزئية، وهو بهذا لا يقدم بناء حكائيا محكما، وإنما يقدم سياقا حكائيا موسعا وفى الوقت نفسه يقيده بالحالة الأولى التى يستقى منها هذا السياق، الذى يمثل إطارا أفقيا يوجد الصورة التى تحيل بدورها إلى صورة مكملة، فليس هنا وظيفة مركزية كما فى السرد القصصي، أو وظائف سياسية مكملة لها، (19) وإنما سياق مقيد يحول اللغة إلى أداة توصيلية فى المقام الأول. ويصبغ الصورة القديمة بإطار من التأويل الجديد، مما يجعلنا نقف للبحث عن بلاغة النص بعيدا عن اقتطاع تركيب أو مفردة وبيان أثرها. وإن كان هذا سيظل من مقتضيات البحث الأدبي إلا أنه بجانب ذلك لا بد أن ندرك عدداً من المحددات المفسرة للخطاب الشعرى الجديد:
- أن الراوي يتحرك داخل سياق حكائى مقيد. - أن إدراك المفردات والتراكيب الصغيرة لن تمثل النص. - السياق المؤسسي للحكاية يطرح نفسه بديلا طبيعيا لرؤية كلية للقصيدة. - المراوحة بين راو أول يحمل سياقا معاصرا وراو ثان يحمل سياقا تراثيا جزء من الدلالة المكونة للسرد. - المفردات الحكائية هي أجزاء الصورة الشعرية الجديدة التى نطمح لجعلها جزءاً من البلاغة الجديدة للنص.
- النص يحفل بالكثير من الأفعال الحركية المؤسسة لدراما الموقف؛ مما يجعلنا ندرك أثر الحكاية داخل السياق وكأنها حركة ذاتية تصلح للوصل بين السياقين، الأول الظاهر فى النص (التراثي) والثاني المشار إليه فى تأويل المتلقي. وعند الشاعر حلمي سالم يقيد السياق الحكائى بالذات أو المكان أو الحدث ويجمع مفرداته الحكائية من خلال ربط السياق الأول بالثاني مستغلا الإطار الثقافي للسياقين الحكائيين، فعل ذلك فى ديوانه السردى (الغرام المسلح) والذي يزاوج فيه بين رؤيتين تماسا فيما بينهما لينتجا سياقا ثقافيا محددا فى زمان ومكان محددين، لأن السياق الحكائى المقيد يجعل من الإطارين السابقين بناء رئيسيا للنص. كما فعل عادل عزت حينما أشار إلى السياق المكانى باعتباره مكونا من مكونات السياق. كذلك يفعل حلمى سالم ذلك فى قصيدة (طه حسين):
يدعك عينيه لينزل من قاعها الزيت الوسخ هنا فكر أن التعليم هواء الصدر وماء الأفئدة وحين تراءت مونبلييه على مرمى الشعراء ارتعش القلب، فرنت ضحكته وتعثرت الخطوة فوق رصيف الحرم هنا مر صبى مغاغة، يتأبط شرا، يتأبط ديكارت ومخطوطات معرة نعمان، وبلاغات علي. سيعاين حوض المتوسط فيشير: الحوض هو المستقبل لم يك يعرف وهو يضم السيدة الباريسية أن الطلبة سيعودون به فوق الأكتاف وأن الفنانين سينتحلون طريقته فى وضع الكف على الكف(20)
القصيدة تتخلى عن تكثيف المعنى لتؤكد على مباشرة الدلالة من خلال السياق الثقافي المركب الذى يتبنى موقف الحكاية عن الذات والمكان والواقع، يأتي ذلك باستدعاء أربعة أطر حكائية متداخلة:
1- السياق الذى يمثل ثقافة مصر زمن طه حسين عندما فقد عينيه فى مغاغة. 2- السياق المقابل فى باريس حيث الحياة مختلفة فى أبعادها المؤسسة للواقع. 3- السياق التراثي فى الإشارات الحكائية عن علي، وتأبط شرا، وديكارت. 4- السياق الذى يمثل ثقافة الذات عند طه حسين (الثقافة الدينية) وما أتى به بعد رحلته العلمية وأثاره وتمرده على الواقع التاريخي والسياسي.
وعند شعراء قليلين يمثل النص الرؤية الحاضرة بإطار حكائى مقيد فى زمان ومكان يجذبان دلالة السياق القديم للسياق الجديد، فنجد على سبيل التمثيل نصا شعريا مطولا للشاعر حسن طلب بعنوان (هذه كربلاء وأنا لست الحسين) يستدعى فيها سياقا حكائيا مقيدا من ناحية الإطار القيمى والدلالي، وحرا من ناحية التداعيات التى يمكن أن تقدم بها سياقات فرعية قديمة وجديدة داخل السياق العام، وبأسلوب مباشر يدل دلالة صريحة على سياقه القديم، ودلالة أكثر صراحة على سياقه الجديد، ففي الأول يقدم الراوي حالة حضارية تتضمن الزمان والمكان والأحداث، وفى الثاني يقدم حالة حضارية أكثر تعقيدا عن الزمان والمكان والأحداث، إلا أن بناء النص يخلو من السياق الحكائى الذى تم تقديمه فى العنوان وقدم بدلا منه سياقا جديدا للحالة الثانية بكل ما فيها من إحالات وإشارات حكائية تمثل هي الأخرى سياقا موازيا للسياق الثاني. العلاقات الجزئية هي الشكل البنائي للقصيدة من الناحية الظاهرية، والرؤية المركزية توحد هذه العلاقات وتقدمها فى إطار رؤيتها الأولي، كربلاء المدينة صورة للمكان، والحسين الشهيد صورة للذوات، والخيانات صورة للحاضر والماضي. يقول الشاعر:
أشهد أن آخر السفوح أول القمم لذا على الآن أن أخرج من حاضركم وأختفي على أن أهجر مستقبلكم وأنتفي على أن أطفئ تلك الشعلة السوداء. من شمس (قفا نبك) إلى البرق الذي (أومض فى الظلماء من إضم) أشهد أنى قد شهدت: أول التوبة آخر الندم أشهد أن ليس على الشاهد إلا ما رأي وعلى الصامت إلا ما وصم فكيف لى أن أمسح الوصمة؟ يا للذل بل كيف لمثلي وهو فى الجنة أن يرضى بغير العدل؟ ويلي كيف أستمتع بالحور وبغداد دهاها ما دهم وتحت أقدام المغول الجدد البصرة ديست وأهين النجف الأشرف واستحل كربلاء هؤلاء من جند إله الحرب شر ما أعدته لنا حضارة الغرب وما قد أنجبته من نسم (21)
لا يخفى أن صوتا سرديا واحدا هو الذى تحكم فى الدلالة ومن خلال الإشارة إلى زمان ومكان محدد محررا الخطاب من استخدام البلاغة الجزئية برغم اعتماده على مجموعة العلاقات والإحالات داخل الإطار العام الذى حدده فى السياق الحكائى المؤسس (كربلاء - المكان - الحسين - الذوات - والأنا الحاضر الحال فى السرد)، فمن ناحية التقييد استغل الراوي المفهوم المؤسس للسرد اللغوي مازجا بين بناءات متعددة للتراكيب:
الأول: اعتماده على الإشارات الحكائية التى تتماشى سياقيا مع الحالة المحكي عنها. الثاني: تكمن بلاغة النص فى الربط بين السياق المؤسس والإحالات الداخلية. الثالث: التراث حاضر فى السرد ويشكل البناء الأساسي له.
وتحت وابل من الحمم تفحمت ذخائر الشرق بيت الحكمة انهار هوى كما هوى البرج البابلي احترقت آخر مخططات المعتصم.
نستطيع أن نحول نظر المتلقى فى مثل هذه النصوص للتلاحم مع البلاغة الجديدة التى يؤسس لها، ليصبح السؤال المنطقي: تعرف على السياق المؤسس للقصيدة بدلا من: استخرج صورة شعرية، ويكون البحث عن مفردات هذا السياق الهم الكامن فى ذهن الراوي والمتلقي فى آن لنستطيع استبدال مفردات السياق المؤسس والسياق التابع له داخل القصيدة بالمشبه والمشبه به ووجه الشبه، ليتحول المنطق الجزئي إلى منطق كلي، ويكون إدراك الواقع هو الأهم من إدراك صورة صغيرة من صوره.


الهوامـش

(1) ابن منظور: لسان العرب، دار المعارف، الجزء الثالث.
(2) بول ريكور: الحياة بحثا عن السرد، ترجمة: سعيد الغانمى مجلة نزوي، إبريل - 1997م.
(3) Encyclopedia of paetry and poetics. New gercy - 1965p.541.
(4) Robert scholes. Robert kellogg. the nature ot narrative. oxford uni. 1966 p.3-7.
(5) أبو الحسن بن رشيق القيرواني: كتاب العمدة، تحقيق: محمد محيى الدين، دار الجيل، لبنان، ط1 سنة 1972م، ص162.
(6) منى بيكر: ترجمة السرديات/ سرديات الترجمة، ترجمة: حازم عزمي فصول - ربيع سنة 2005م.
(7) شلوميت ريمون كنعان: التخييل القصصي - الشعرية المعاصرة، ترجمة: لحسن أحمامه، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، سنة 1995م، ص71.
(8) حسن طلب: مواقف أبى على وديوان رسائله وبعض أغانيه. المجلس الأعلى للثقافة - سنة 2002م، ص52-72.
(9) محمد خطابي: لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي ط1، سنة 1991م، يراجع، ص18.
(10) شريف رزق: حيوات مفقودة: مركز الحضارة العربية بالقاهرة، سنة 3002، ص03، 13، 93.
(11) جورج لا يكوف ومارك جونسن: الاستعارات التى نحيا بها، ترجمة: عبد الحميدة جحفة، دار توبقال للنشر، ط1، سنة 1996م، ص951.
(12) فتحي عبد السميع: الخيط فى يدي، الهيئة العامة لقصور الثقافة سنة 1997م، ص73- 83.
(12) المصدر نفسه، ص97.
(14) عزت إبراهيم: بنحب موت الحياة، الهيئة العامة لقصور الثقافة سنة 1999، ص95-16.
(15) محمود قرني: طرق طيبة للحفاة، الهيئة العامة لقصور الثقافة سنة 2000م، ص92.
(16) شريف الشافعي: وحده يعزف كونشرتو الكيمياء. الهيئة العامة لقصور الثقافة سنة 1996م، ص17.
(17) د.محمد زيدان: الراوي فى النص الشعري، دار الوثائق الجامعية سنة 2006م، ص061.
(18) عادل عزت: العرب القدماء، دار الثقافة الجديدة، ط2، سنة 1996م، ص13، 23.
(19) سعيد يقطين: قال الراوي، المركز الثقافي العربي سنة 1997م، ص53.
(20) حلمي سالم: الغرام المسلح: المجلس الأعلى للثقافة سنة 2005م، ص14.
(21) حسن طلب: هذه كربلاء وأنا لست الحسين، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط1، سنة 2005م، ص82-03.

***

آليات تداخل الأنواع الأدبية والفنية
في الشِّعر العربي المعاصر

شريف رزق

إن القول بتداخُلِ الأنواع الأدبية والفنية، في الشِّعر، لا يعني – بالضرورة – نفيَ نظرية النًَّوع على الإطلاق، وتجاهُل الانتماء الأجناسيّ الأساسي، وإنّما يعني انفتاح النّوع الشّعري على مختلف آليات الأنواع الأدبية والفنية في مشهد النّص الشّعريّ، لتؤديَ أدواراً شعريةً في بنية ِ النّص.
وتؤكد نظرية الشّعر- منذ أرسطو – على انفتاح الشّعر على مُختلف الفنون المجاورة له؛ بحيث يظلّ فناً جامعاً، يتبدَّى فيه الغنائيّ والدّراميّ والملحمي، وقد زاد الوعيُ بانفتاح الشّعر على مختلف آليات الأنواع الأدبية والفنية، منذ تسعينات القرن الماضي- مع انتشار رؤى ما بعد الحداثة – فتجلَّى انفتاحه على فنون السَّرد وفنون الصّورة البصرية في السِّينما وفنّ التّصوير.
ويسعى هذا البحثُ إلى الإلمام بهذه الظّاهرة، عبر محورينِ أساسيينِ:
1- محور نظري: يعرض لنظرية التداخُلِ بين الأنواع الأدبية والفنية، عبر العصور.
2- محور تطبيقي: يتناول هذه الظّاهرة، في مجموعةٍ من النّصوص الشّعرية، التي أنتجتها، منذ تسعينات القرن الماضي، حتَّى الآن.

الإطـار النظـري:
تداخلاتُ الأنواع الأدبية والفنية
وتشكُّـلات النَّـصِّ الجامـع

خلص جيرار جينت من مناقشته لقضية (الأجناس) الأدبية عند أفلاطون وأرسطو، إلى (النص)، وأوضح أن (النصَّ) لا يعنيه إلاّ من حيث "تعاليه النصيّ" وهو ما يعني عنده معرفة كل ما يضعه في علاقةٍ - ظاهرةٍ أو خفيةٍ – مع نصوص أخرى، ويُدرجُ ضمنه "التّناص" ويضع في "التعالي النصيّ"، كذلك ضروباً من العلاقات، ومن أهمها: علاقات المحاكاة والتحويل، ويضع فيه، أخيراً، علاقة "التضمُّن"، تلك التي تربط كلّ نص بمختلف أنماط الخطاب، التي يتعلق بها، ويُسمّي ذلك: "النّص الجامع" و "النّصية الجامعة" أو "النّسيج الجامع" (1).
وقد أشار جينت إلى أن مصطلح النَّسيج الجامعَ، ونعْتَ " النَّص الجامع" قد استعملتهما ماري آن كاوس، من قبله ، في معنى مختلف تماماً عمّا يقصده (2)، ولم يُحدَّدْ جينت هذا المعنى المختلف.
ونحن بدورنا لا نرى في المصطلح علاقة النصّ بالنّصوص الأخرى المتفاعلة معه، فحسب، وإنما نراه يتعدَّى هذا إلى علاقة النَّوع الأدبي بغيره من الأنواع، فيتخطى مفهوم "التَّعالي النّصيّ" إلى " التعالي الأجناسي"، حيث يُصبحُ النّصّ فضاءً تتجاور فيه إجراءاتُ الأجناس المختلفةِ، وتتفاعلُ في بنيةٍِ نصيةٍ واحدةٍ، تشي بتعدّدِ تجليات الشّعرية، وآلياتها، مُتجاهلةً الحدود الأجناسية الموضوعة، فقد كان "التّناص" بداية ( لكسر النَّوعيةِ )، حتى أصبح التداخلُ النصيّ تداخلاً بين أجناس الإبداع القولية وغير القولية، بل أصبح تداخلاً بين الخطاب الإبداعي وغير الإبداعي، كخطاب السحر والنّجوم وخطاب التّصوف وغيرها" (3).
وجينت في استعراضه لتقسيم الأجناس إلى غنائيّ وملحميّ ودراميّ، منذ أفلاطون وأرسطو، لم يُنكرْ إمكانية مزج هذه الأنواع الثلاثة؛ فقد أورد اقتراحا لجوته بإمكانية "توليف هذه العناصر الثلاثة: (غنائيّ،ملحميّ، دراميّ) وتنويع الأجناس الشّعرية إلى ما لا نهاية له" (4).
والواقع أن جوته (1749- 1832) قد توصَّلَ بالفعل، بهذه التوليفة التي تدمج الغنائيّ بالملحميّ بالدرامي، إلى تصوّر لشكلٍ جامع، أسماه(البالاد) ورأى أننا كثيرا ما نرى هذه الأنواع مجتمعةً في أصغر قصيدة، وكأنما هي مجتمعة في بيضةٍ أصيلةٍ حيةٍ، بحيث تبرز من خلال هذا التّجميع، في أضيق حيّز مُمكن، أروع بنية أدبية على نحو ما نلمسها في (البالادات) الجديرة بأعظم التقدير عند الشعوب كافة"(5)، وحدَّد عبد الغفار مكاوي (1930) (البالاد) بأنها " مجمع فنون أدبية مُختلفةٍ تؤلّفُ بين أساليبها التعبيرية وموضوعاتها وأشكالها وموادها في وحدةٍ غنائية تنتظر دائماً من يستمع لها ويُنصتُ لألحانها، ففيها السَّردُ الذي أخذته من الملحمة والقصة والرواية، وفيها الصّراعُ والحوارُ اللذان استعارتهما من الدراما، وفيها العاطفةُ الأسيانةُ والشَّجنُُ العميق الرقيق اللذان يجريان مجرى الدم في عروق الشّعر الغنائي، وفيها – قبل ذلك كله – نصيب موفور من التأثر بالأغنية الشّعبية، بتراثها العريق وأشكالها ومضامينها البسيطة المؤثّرة تأثيراً مُباشراً على الوجدان، وهو تأثير تظل محتفظة به مهما تعقد شكل بنائها في مقطوعات وأوزان مختلفة الأطوال، ولوازم غنائية مُتكرّرة، وحرص على الإيقاع"(6).
وهناك محاولة شبيهة للتّخلّص من حدودِ الأشكال وأُطُر الأجناس المعروفة والمعتمدة، قام بها بورخيس (1899-1986) " مازجاً الشّعرَ بالقصة بالمقال، مُنتجاً شكلاً جامعاً أسماه (الفيسون) (7).
وأسهم توفيق الحكيم (1898- 1987)" في إزاحةِ الحدودِ القائمة بين الأنواع الأدبية وإقامة جسور بين جزرها فوضع عمله الأدبيّ "بنك القلق" وأطلق عليه (مسرواية)، على أساس نحت المسمَّى من كلمتي: مسرح + رواية، مع إجراء المزاوجة من خصائص النوعين المنفصلين، من حيث البناء الشخصي لكل منهما"(8)، كما أسهم في ترسيخ شكل (المسرواية) في مشهد الأدب العربي لويس عوض(1914-1990) حين كتب "محاكمة إيزيس"، ويوسف إدريس (1927-1991) حين كتب "نيويورك 80".
وللشّاعر عزرا باوند (1885- 1972) محاولاتُ ُمهمّةُ ُ ، في هذا المجال، منها نصه الشّعريّ (موبرلي) الذي مزج فيه الشَّعريّ الغنائيّ بالسّرديّ بالدراميّ المسرحيّ بالإضافة إلى الأغاني الشّعبية الصّينية والبوذية وفواتير الكهرباء والماء وغيرها مما هو مصدر فوضى كاملة في مدركات الحواس، فهيَ قصيدةُ ُ(كتابية/ بصرية/ سمعية/ حوارية) (9).
وهذه النّصوصُ ومثيلاتها تتخطّى فرضية نقاء الجنس الأدبي، وتكشف مأزق التّسكين الأجناسيّ لها، وقد برزت هذه النصوصُ مع انتقال العملية النقدية من الاشتغال على"التّجنيس الأدبي" إلى قضايا "الشّعرية"، وتجليات الأدبية وتنوّعات "الكتابة عبْر النوعية".
ولم يكن الأدبُ العربيّ عبْر تاريخه الطويل بعيداً عن هذا السّجال؛ فإذا كان الدارسون قد دأبوا على توزيع الأدب العربيّ إلى جنسين ِأساسيين ِهما: (الشعر)و (النّثر)، فإنّ الإبداع الأدبي ظل يتنوّع ويتخطّى هذه الثنائية، في أشكال ونماذج ظلت تؤكّدُ على اتساع مفهوم (الشّعرية)، كما ظل النقد العربي مستغرقاً في (قضايا)الشَّعرية عامة، فيما يتناول جنس ( الشّعر) تحديداً (10)، ورغم الحفاظ على السّمةِ الأجناسية النوعية لكل شكل، فقد ظلت الأشكال تتلاقحُ وتتداخل إجراءاتها الإبداعية وتتواشجُ وهو ما ظلَّ ينتجُ- باستمرار- أشكالاً أخرى، تصطفي من شتَّى الإجراءات المتاحة ما يتلاءم مع طبيعتها ويسهم في تشكيل بُناها الجامعة، وتنوعت الأشكالُ ، وتعدَّدت تجلياتها الإبداعية، فكان (النّثر الفني)، وكان (النّثر الصّوفيّ الشّعري)، وكان (النّثر الشَّعريُّ)، وكان ( الشَّعر المنثور)، ثم كان( الشَّعر الحرّ) ، ثم كانت (قصيدة النّثر) (11)، ثم كانت الأشكالُ الأكثرُ تركيباً في بناها، الجامعة لإمكانات الشّعر المختلفة مع أشكال السّرد الشّعريّ والقصّ والمسرح والخبر والفن التشكيليّ وتقنيات السينما.
وموضوع التَّفاعُل بين الأنواع الأدبية ليس بهذا القِدَم فحسب، وإنما هو أبعدُ من هذا بكثير، وقد اعتبرَ أرسطو (384ق .م-322ق.م ) المحاكاة هي الأساس، وإن اختلفت الأنواع، ويُسمّي شاعراً كلّ من يأتي بالمحاكاة وإن كان في مزيج من الأشكال (12)، ومن (وحدة الأنواع الأدبية)، في جنس الشّعر، انطلق أرسطو إلى (وحدة الأنواع الفنيّة)؛ فاعتبرَ الرسمَ والنّحتَ والموسيقا والرقص أشكالاً شعرية.
وتتفق الدّراساتُ الجمالية منذ أفلاطون (427ق.م-347ق.م) وأرسطو حتى هيجل(1770-1831) وكروتشه (1866-1952) وسوزان لانجر (1895-؟)، على وجود جوهر فنيّ واحد، في مختلف الفنون القولية والبصرية والسّمعية، واعتبار كل منها "كائنا" ينتمي إلى "مملكة الفن الواسعة" كما عبَّرَ هيجل.
وهكذا تقاربُ الفنون وتتواشجُ، في علاقاتٍ مُتعددةٍ، تؤكد أن جوهر الفن العميق واحدُ ُ في شتَّى الفنون، وأن تعدُدَ الأشكال والفنون هو- في جوهره- تنويعُ ُعلى هذا الجوهر العميق، في خريطة الفن الواسعة، فالكتابة تنزع إلى أن تَكون تصويراً ، والتصوير ينزع إلى الموسيقا والموسيقا تنزع إلى الدراما، وهو ما يجعله (جنساً جامعاً) ، كما بدأ في مفهوم أرسطو، وكانت أقدم إشارةٍ إلى علاقة الشعر بالتصوير هي " المنسوبة إلى سيمونيدس الكيوسيّ (من جزيره كيوس في بلاد اليونان ، وقد عاش نحو سنة 556 إلى نحو سنة 486 ق.م) التي يقول فيها: إن الشعر صور ناطقة، أو رسم ناطق، إن الرسمَ أو التصوير شعر صامت، ولا تلبث أن ترد على الخاطر تلك العبارة من كتاب (فنّ الشّعر) للشّاعر الرّوماني هوراس (65- 8 ق.م) وهي التي يُشبّه فيها القصيدة بالصّورة: كما يكون الرسم يكون الشعر(13)، كما ترد على الخاطر أيضا مقولة الجاحظ (159- 255 هـ) إنما الشّعرُ صناعة، وضرْب من النسج، وجنسُ ُ من التصوير(14)، وتتواصل علاقة الشّعر بالتصوير، حتى نقرأ لبيكاسو (1881-1973) قوله : "الفنّ واحد، فأنت يمكنك أن تكتب الصّورةَ بالكلمة، كما يمكنك أن تُصوّر إحساساتك في قصيدة بالكلمات"، وقوله: " إني لو كنت قد وُلدتُ صينيا، فلم أكن لأصبح مُصورا، بل خطّاطاً، إنني أكتب لوحاتي (15).
أما علاقة الشعر بالموسيقا فهي من العمق، بحيث نجد الفنينِ قد امتزجا عبْرَ العصور امتزاجاً لافتا ، وعلاقة الأدب عموماً بالموسيقا علاقة عميقة، ويعكس هذه العلاقة محاولة أندريه جيد (1869- 1951) أن تكون الموسيقا لغته، وتساؤله: "بالفرنسية؟، كلا . إني أودّ أن أكتب بالموسيقا (16) ، أما مارسيل بروست (1871-1952) فقد دفعه تأثّره العميق بفاجنر(1813- 1883) " أن يتبع في روايته الضخمة " بحثاً عن الزمن المفقود" أسلوب اللحن المميز leitmotiv المشهور لفاجنر" (17).
أما علاقة الموسيقا بالعمارة، فتبدو، واضحة، في موسيقا يوهان سباستيان باخ (1685- 1750) ذات البنيان المتماسك، المشيد بدقةٍ وإحكام طابقا ًفوق طابق (18).
وتتّضح علاقة الموسيقا بالتّصوير في وصف نيتشه (1844- 1900) لفاجنر ، بأنه " من حيث هو موسيقي، ينبغي أن يُدرج ضمن المصورين" (19)، وينطبق هذا الوصف على الكثير من الموسيقيين، ومنهم : ليست، وديبوس، وسترافنسكي، وغيرهم.
كما تتضح علاقة الموسيقا بالتصوير في تأكيد ميكل أنجلو (1475- 1564) أن "اللوحة َالجيدة َ ينبغي أن تكون موسيقا ولحناً" (20)، وفي رسالة فان جوخ (1853- 1890) لأخيه ثيو- في عام 1888- التي جاء فيها "أن التصويرَ كما هو عليه الآن يبشر بأن يصبح أكثر رقّة، وأقرب إلى الموسيقا، وأقل شبها بالنحت" (21) وفي تأكيد فاسيلي كاندنسكي (1866- 1944) أن " الموسيقا خير مُعلّم للجميع، لهذا يتجه الرسام الحديث إلى استعارة مناهج الموسيقا، من نغم، وإيقاع، كما يستعير البناء الحسابي التجريدي، وفي تكرار "نغمات" الألوان، وفي إدخال الحركة على الألوان (22)، وكان شوبنهور(1788- 1860) هو أول من قال: "إنّ كلّ الفنون تطمح إلى أن تكون مثل الموسيقا " كما ذكر هربرت ريد (1893- 1968) (23).
كما يؤكَّدُ على علاقة الفنون بعضها ببعض أن الكثير من الفنانين قد تنقلوا بين الأشكال الفنية المختلفة ليقدّموا تجاربهم المختلفة، ذات النبع الواحد، ويبرز بينهم من جمعوا بين الشّعر والتصوير، ومنهم وليم بليك ( 1757- 1827) وهنري ميشو (1899- 1984) وبول فاليري ( 1871- 1845) وباول كلي ( 1879- 1940) وجبران خليل جبران ( 1882- 1931).
وإذا كانت العلاقة بين الفنون بهذا العمق ، فإن العلاقة بين الأنواع الأدبية لا تقل عمقاً كما أن العلاقة بين كل فن من الفنون الأدبية (القولية) والفنون البصرية والسّمعية لا تقل عُمقاً وتفاعُلا؛ فهي جميعاً تتبادل التأثير، وهو ما يقودُ إلى تطوُّرها، جميعا، باستمرار، ولاحظ رومان ياكوبسون (1896- 1982) أن طبيعة كل مرحلة تُعطي الصَّدارة لنوع محدد من هذه الأنواع، وتجعله مُهيمناً علي غيره"، فالفنون البصرية هيمنت – مثلاً- على فنون عصر النهضة، وهيمنت الموسيقا على الفن الرومانتيكيّ وهيمن الفنُّ اللفظيّ على الواقعية (24)، بينما تُهيمنُ على عصرنا الحالي جماليات الصوّرة (البصرية).
وأرسطو حينما وسّع مفهوم (الشَّعر) ليشملَ الفنونَ المختلفة، واعتبر الشاعر شاعراً، سواء حاكى باللغة المنثورة أو المنظومة، وسواء جاء شعره من جنسٍ واحدٍ من الأعاريض ِأو من جملة ِأعاريضَ مجتمعة (25) فإنه قد عبّر عن (وحدة الأنواع الفنية) و(وحدة الأنواع الأدبية) على السَّواء، وهو أيضاً ، لم يقصر (الشِّعر) على المنظوم، وإنما جعله يتّسع للمنثور وما يجيء على وزن واحد أو عدة أوزان، وهو، بهذا يقترب من الموقف الجديد القائم على تجاوز (الجنس) إلى (النّص)، بعد أن تساقطت، تدريجياً، الحدودُ بين الأجناس.
وقد حلّت (نظرية النّص) محل (الجنس الأدبيّ) مع صعود النَّقد البنيويّ وما بعد البنيوي، وبينما كان (الجنسُ) يمثل الشكل القاعديّ ، المستقرّ- نتيجة لـ "انتقاء المجتمع لخصائص أدبية بعينها ورفعها من مستوى العمل الفردي الذي وُجدتْ فيه أولاً إلى مستوى من التعميم يحوّلها من كوْنها نتاج عمل فردي إلى منظومة من التقاليد المحدّدة لنوع ٍمعين من الممارسات الإبداعية (26) جاء (النّصّ) ليمثلَ محاولات لانعتاق، تخرج عن إطار الشكل القاعدي إلى خصوصية الحَدَث الفرديّ.
فإذا كان(الجنسُ) يُمثلُ الشكلَ، فإنّ (النصّ) يمثلُ التشكّلَ.
وقد رأى البعض في مفهوم ( النّص) بسطاً اتّساعاً، وعدم الدلالة على منطقةٍ مُحدّدةٍ في خريطة الأدب وعجزاً عن تقديم مفهوم بديل ومُحدّد للنوع (27) غير أنّ مفهوم( النَّص)، نفسه يُمثلُ الثَّورة على هذا التَّحديد، ويتخطَّى المحددات الثابتة، والدلالة الاصطلاحية لا تبتعدُ عن الدلالة اللغوية (العربية)، على وجه العموم؛ فمّما ورد في معنى النَّص – في (لسان العرب) – أن "النَّصّ أصلهُ منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها، ومنه قيل: نصصتَ الرجلَ إذا استقصيتَ مسألتَهُ عن الشيء حتى يستخرج كل ما عنده" (28).
وتعتبر جوليا كريستيفا (1941) النّص "أكثر من مجرد خطاب أو قول إذ أنَّه موضوع لعديد من الممارسات السيميولوجية التي يُعتد بها على أساس أنها ظاهرة عبْرَ لغوية" (29)، بينما اعتبر رولان بارت (1915- 1980) – في حديثه عن الانتقال من العمل الأدبي إلى النَّصّ- أنَّ النَّصَّ "قوَّةُ مُتحوّلة تتجاوزُ جميع الأجناس، والمراتب المتعارف عليها ، لتُصبحَ واقعاً نقيضاً يُقاومُ الحدودَ وقواعد المعقول والمفهوم فالنصّ مفتوح" (30)، واعتبر (النَّص) "ممارسة تهدفُ إلى خلخلةِ الأجناس الأدبية" (31).
وإذا كان مصطلح (النّصّ) يعني أنه اختراق لمنظومة الأجناس الأدبية، وتجاوز للحدود الموضوعة بينها، فإن نعته بـ (الجامع) يعني أنه ملتقى لشتَّى إمكانيات الأجناس معاً، واتّساعه لتفاعلاتها.
وقد كان لبحوث (الشَّعرية) أثر واضح في تراجُع الاهتمام بنظرية الأجناس، والاشتغال على جماليات (النص).
فقد التزمت (الشعرية) بمنهج لا يميّزُ بين (الشّعر) و(النّثر) حتى إن تودوروف (1939) رأى أن (الشَّعرية) " تكاد تكون متعلّقةً، على الخصوص، بأعمال نثرية" (32)، تتحقق فيها "الوظيفة الشَّعرية" (33) وقد تنبه نقادنا القُدامى إلى هذه الخاصية، ومنهم ابن طبا طبا العلوي (322هـ)، الذي رأى أن "الشّعرَ رسائلُ ُ معقودة، والرّسائل شِعر محلول، وإذا فتّشتَ أشعارَ الشّعراء كلها وجدتها مُتناسبً، إما تناسباً قريباً أو بعيداً، وتجدها مناسبة لكلام الخطباء وخُطب البلغاء، وفِقرِ الحكماء" (34)، ومنهم كذلك ابن خلدون (808هـ) الذي بيّنَ أن العرب قد استعملوا أساليب الشَّعر وموازينه في المنثور، من كثرة الأسجاع والتزام التّقفية وتقديم النّسيب بين الأغراض، وصار هذا المنثور إذا تأمّلته من باب الشّعر وفنه، ولم يفترقا إلا في الوزن وهذا الفن المنثور المقفّى أدخل المتأخّرون فيه أساليبَ الشّعر" (35)، ومنهم كذلك السّيوطي (611هـ) الذي لاحظ أنه إذا قوى الانسجام في النثر جاءت قراءته موزونة ًبلا قصد لقوة انسجامه (36)، ومنهم كذلك أبو حيّان التّوحيدي (403هـ) الذي رأى أن "في النّثر ظلّ من النّظم، ولولا ذلك ما خفّ ولا حلا ولا طاب ولاتحلّى، وفي النظم ظل من النّثر، ولولا ذلك ما تميَّزتْ أشكاله ولا عذُبتْ موارده ومصادره ولا بحوره وطرائقه وائتلفت وصائله وعلائقه" (37).
ومن نُقادنا المحدثين زكي مبارك ( 1891- 1952) الذي لاحظ أن ابن دريد ( -321هـ) قدّم نصوصاً لا تضع حاجزاً بين الفكر والتّاريخ والشّعر ، وكانت هذه (الخلطةُ السَّريةُ) سبب نبوغ ابن دُريد (38).
وقد اعتُبرت (المقامةُ) نوعاً جامعا؛ لجمعها بين النّثر (الفنيّ) والنّظم، أو بين الشّعر محلولا ًومعقوداً، وظلَّت هي الصيغة التاريخية الأساسية المستقرَّةُ لـ (النصّ الجامع) قروناً عديدة، كان مبدعوها يتنقَلون – في فضاءاتها – بين الشّكلين، هكذا كان بديع الزمان الهمذاني (393هـ)، في ترسّله ومقاماته (40)- وقد ذكر الثّعالبي ( -429هـ) في ترجمته للبديع، في (يتيمة الدّهر)، أنَّه كان "يُوشّحُ القصيدة الفريدة من قوله بالرسالة الشريفة، من إنشائه، فيقرأ من النّظم النّثر ومن النَّثر النَّظم" (41)، وهكذا كان أبو بكر الخوارزميّ (383هـ)، والصَّاحبُ بن عبَّاد (385هـ) وأبو إسحاق الصَّابي (184هـ)، وأقرانهم من مبدعي القرن الرابع الهجري، وهكذا كان القاضي الفاضل (596هـ)، وهكذا كان الوهراني – في مناماته ومقاماته (42)، كان المبدعُ من هؤلاء يمزج الشَّعرَ بالنّثر، في مقاماته وفي تُرسُّله، وأحياناً في نصوصه الشعرية، ومن ذلك ما كتبه بديع الزمان الهمذاني، لأبى بكر الخوارزمي عند قدومه عليه بنيسابور، وكان قُطّاعُ الطريق من الأعراب قد سلبوه ماله وثيابه:

أَنَا لقُرب الأستاذ أطــالَ اللهُ بقاءه ********** كما طَـرَبَ النّشـوانُ مـالت بـه الخمرُ
ومـن الارتــــــياح ِللقـائــهِ ********** كمـا انتفـض َالعصفــورُ بلّله القطـْرُ
ومن الامتـــــــزاج ِبـولائـهِ ********** كمـا التقت الصّهبـاءُ والبـاردُ العـذبُ
ومـن الابتهـــــــاج ِبمــرآه ********** كما اهتزَّ تحت البارح ِالغُصـنُ الرّطبُ (43)

وهذا (النَّصُّ)- كما هو واضحُ- شطرُهُ (الأوَّلُ) نثرُ، وشطرُهُ الثَّاني شعرُ موزون على بحر(الطويل)، ومن ذلك، أيضا، نماذجُ عديدةُ ُ للقاضي الفاضل، منها هذا (النصُّ) الذي صدرُهُ نثر، وعجُزُهُ شعرُ ُموزونُ ُعلى بحر(الطَّويل)، أيضاً، والذي يستهلُّه هكذا:

وَصَلَ كتابُ مولاي بعدما.... ********** أجـابَ المنـــادي للصـَّــلاةِ فأعتمـا
فلما استقرَّ لديَّ ... ... ... ... ********** تجلــى الـذي من جانب البـدر أظلمــا
فقرأتُهُ ... ... ... ... ... ... ... ********** بعينٍ إذا استمطرتُها أمطـــرت دَمَـــا
وساءلتُهُ ... ... ... ... ... ... ********** فساءلتُ مصروفاً عن النُّطـق أعجــــما
ولم يردّ جواباً، ... ... ... ********** وماذا عليــه لــو أجابَ المتيَّمَـــا؟
وردَّدتُه قراءةً ، ... ... ... ********** فـوجلتُ دون الحـم أن أتحـــلَّمـــا
وحفظتُهُ، ... ... ... ... ... ********** كما يحـفظُ الحــرُّ الحديثَ المُكتَّمـــا
وكرَّرتُهُ ، ... .... .... .... ********** فمـن حيــثُ ما واجهتُـــهُ قد تبسَّما
وقبَّلتُهُُ ، ... .... .... ..... ********** فقبّلـتُ دُرّاً فــي العقــود مُنظّمـــا
وقمتُ له، .... .... ..... ********** فكنتُ بمفـروض ِ المحبــــَّـــة قيّمـا
وأخلصتُ لكتابه، .... ..... ********** وليس على حكم الحــوادث ِمحكمـــــا
ولم أصدقه ! ... .... .... ********** ولكنَّه قـد خالـطَ اللحـمَ والدّمـــــا
وأرَّختُ وصوله، .... .... ********** فكـانَ لأيـدي الــــوسِائمِ موسمـــا
وشفيتُ به غليلَ ... .... ********** فؤادٍ أُمنيــّه وقـد بلـــغَ الظَّمــــا
وداويتُ عليلَ ... .... .... ********** حَشاً ضرَّما فيه من النَّـــــار ضرَّما (44)

وإذا كانت هذه النٌُّصوصُ (الجامعةُ) ومثيلاتُها تقومُ على بنيةٍ شعريةٍ يتجاورُ فيها (الشَّعر) ي و(النثر) ي ، في وحدةٍ نصيَّةٍ خالصة، فإننا، في أشكال أخري لـ (النَّصِّ الجامع) لن نستطيع أن نفصل (الشِّعر)ي عن (النَّثر)ي؛ حيثُ انصهرت عناصرهما معاً، وتذاوبتا، في (نسيج جامع) وأبرز هذه الأشكال: (النّثر الصّوفيّ الشّعريّ) و(النّثر الشّعريّ) و(الشَّعر الحرّ) و(قصيدة النّثر)، وكانت هذه الأخيرةُ إيذاناً بانفتاح آخر، تتواشجُ داخله طرائقُ ذات مرجعياتٍ أجناسية عديدة، ضمن البنية الشعرية الشَّاملة، أما (القصةُ القصيدةُ)، فهي شكلُ ُ ذو أواصر عميقةٍ بهذه الأشكال، غير أنّه يقع ُخارج دائرتها، ويحتاج وقفةً أخرى، خاصة.

الإطـار التطبيقي:
تداخُلاتُ الأنواع الأدبية والفنية
في فضاءِ الشِّعرية العربية الجديدة

تكشف العديد من النصوص الشّعرية المنجزة منذ أواخر القرن الماضي، عن ولعٍ حقيقي، بتطويع آليات الأنواع الأدبية والفنية، في فضاء النّصّ الشّعريّ، ويُلاحَظُ أن هذا الولع جاء مُواكباً للانتقال من تداخُل النّصوص إلى تداخلُ الأنواع، وهو ما تمثلَ في الانتقال من (التَّناص) – الذي تنبَّهت إليه جوليا كريستيفا، وهي ترصد عملية التَّفاعل النَّصي، وتربط مشهد النّصّ بتاريخ النّصوص الأسبق، لتصل إلى أنَّ النَّصَّ هو فضاء تتقاطع فيه نصوص عديدة، وأنه يتشكّل ويُبنى مثل فسيفساء من الاستشهادات، فكل نصّ هو امتصاص وتحويل ُ لنص آخر(45)، ومن (التَّناص) انطلق جيرار جينت إلى (التعالي النّصي أو عبر النّصية) و(جامع النّص)، وهو ما يعني – عنده – تضمُّن النّص مجموعة من الصِّيغ والأجناس والخطابات، وانطلق رولان بارت (46) خطوةً أخرى، بانطلاقته (من الأثر الأدبي إلى النَّصِّ)، وهو ما مثَّلِ الانتقال من الجنسِ إلى عبور النَّوعية، وهو ما آذن بانفتاح النّص، على الأنواع الأخرى، ونستطيع أن نلحظَ أنّ الانتقال من تداخُلِ النصوص إلى تداخل الأنواع مثَّل الانتقال من أفق (الحداثة) إلى أُفق (ما بعد الحداثة).
ونستطيع أن نلحظ َ أن أبرز الآليات حضوراً في الشِّعرية العربية الجديدة هي: آليات السَّرد – آليات فنّ السّينما – آليات فنّ التّصوير.

1- آلياتُ البنية السَّردية في النَّصِّ الشّعريّ الجديد

إن علاقة الشّعر (العربيّ) بالسَّردِ قديمةُ ووثيقة، وترجعُ إلى أقدم مراحله؛ فقد تضمَّنَ الشّعرُ الجاهليُّ عناصرَ سردية كالوصف والحوار والسّرد؛ ظهر هذا في شعر امرئ القيس(542م) وعنترة العبسيّ (600م) والأعشى (630/8هـ)، ثم ظهر بوضوح شديدٍ في شعر عمر بن أبي ربيعة (23-93هـ)، وفي مطالع القرن الماضي ارتبط شكل (الشّعر المرسَل) بالقصائد القصصية، وقد بدا هذا الارتباطُ واضحاً في شعر عبد الرحمن شكري (1886-1949) (47) المرسَل، ثم في شعر أحمد زكي أبي شادي (1892-1955)المرسَل (48)، وقد واصل بعض شعراء (أبوللو) كتابة القصيدة القصصية (49)، كما ارتاد بعضهم شكل القصيدة المسرحية (50)، كذلك اعتمدت حركة (شعر التّفعيلة)- في خمسينات القرن الماضي وستيناته- يشكلٍ بارزٍ على البُنىٍ السَّردية، وهو ما ظهر في شعر صلاح عبد الصبور(1931-1981) وأمل دُنقل(1940-1983) على سبيل المثال، ومنذ تسعينات القرن الماضي حاولت (قصيدة النّثر) الاستفادة القصوى من شتَّى آليات البنية السَّردية؛ ضمن انفتاحها على آليات الأنواع الأدبية والفنية المجاورة لها، وانفتاحها على آفاقِ نظريات السَّرد الحديثة، فظهرت طرائقُ عديدةُ ُ للسَّرد، تؤدِّي أدواراً شعريةً، ضمن خِطابِ (السَّردِ الشِّعريّ)، ومن هذه الطّرائق:

أ‌- السَّردُ الغنائي للحكاية

هو سردُ ُ شعريّ يتخذ شكل المنولوج الشّعريّ الغنائي ويتضمّنُ شكل الحكاية، في تدفقه الشّعريّ الغنائيّ، ويتعلّق المتن الحكائيّ هنا بإجراءات السَّارد الشعرية البنائية، ومنه هذا النّصُّ لمحمود قرني (1961)، بعنوان: (المِيتة الثَّانية للجنرال نفسه) (51):

"عاد الجنرالُ إلى الحياة
مُرتدياً بزةً طويلةً وفضفاضة
كُمَّاها يبدوان أقصر ما فيها
بينما تُثقلها عشراتُ النياشين
كان يستيقظُ – كعادته –
قبل طلوعِ الشَّمس
يسنده جنديُّ الخدمةِ
إلى الحمَّام
ثم يُعِدُّ له قهوةَ الصَّباح
وقبل أن يهمَّ بالخروج
يقفُ أمام المرآةِ
ليُصفِّفَ شعره الأجعدَ
ولا يُلقي بالاً لأشياء َ تبدو مُهمَّة
بالأمس كان يقفُ في تقاطعِ شارعيْ
طلعت حرب و 26 يوليو
يسأل المارة مُساعدته على العبور
لكنه كعادته
في إضاعةِ الفُرصِ السَّهلة
كان يسألهم
عن أشياءَ لا تعنيهم البتَّة،
وبدورهم اعتبروه رجلا فضولياً
يُحاول إثارة الضَّجيج
كان كُمَّاهُ القصيران
يكشفان ِ عن رصاصاتٍ قديمةٍ
اخترقتْ ساعديه
وهو أمرُ ُ أثار الكثير
من القرفِ والدهشةِ
لكنَّه تغاضى عن قسوةِ تلك النظرات
دَلَفَ إلى "إكسلسيور"
مكانُ ُ نصف أنيقٍ
اعتاد أن يقضي فيه سهراتٍ
مفعمةٍ بالكلامِ والذّهول
كانت رائحتُهُ النَّفاذةُ
مثار سخرية من الجميع
كان يبدو مغبراً وأشعثَ
لا يقوى على تحريك ِ سبابتيه،
النَّادلُ يعرفه جيداً
ففي المكان نفسه
رأى على طاولته العديدَ من الخططِ الحربيةِ
المكتظَّة بالشَّفرات
ومن دون أن ينظرَ ناحيته
عاد إليه بقهوته المفضَّلة
حاول استدراجه إلى الكلام
لكنه لم يكنْ يقوى على فعلِ شيء
نزعَ سلاحه منْ جانبه
وحاول أن يدسَّ في فمه
كوباً من الماءِ والسُّكر ِ
لكنّ عظامه تداعت
مثل كومةٍ من الرمالِ
أما رجالُ الأمنِ الكريهونَ
رغم أنهم تأسَّفوا على مصيره
فقد ألقوا سلاحه وعظامَه
في عربةٍ تكتظّ بالمجرمين،
لكنهم قالوا :
إنَّهم سيشيعونه
كما يليقُ بجنرال".
هكذا يتبدَّي المتنُ الحكائيُّ، في تدفُّق المنولوج الشِّعري، في تواشُجٍ ٍكامل ٍ لهما معاً؛ يستخدم الشَّاعرُ، فيه، آليةَ السَّاردِ الـ (هو)، العليم؛ ليُحققَ ما يُعرَفُ بـ (الرؤية من الخلف) (52)؛ حيثُ يمتلكُ الشَّاعرُ السَّاردُ علماً كاملاً بظاهر الحكاية وباطنها، وإنْ كان يُركّز، هنا، على العناصر الخارجية، الظَّاهرة، بتفاصيلها المتدفقةِ الدالة، في خِطابٍ شعري يتمتَّع بدرجة عالية من التّكثيف اللغوي والإيقاعي.

ب- السَّردُ الوقائعي للحكاية

هو سردُ ُ يحتفي بتفاصيل الحكايةِ وعناصرها وأحداثها ، في تدفُّقها داخل البنية الشّعرية المركزية، وغالباً ما يتّسمُ ساردُ هذا السَّردِ بدرجةٍ واضحةٍ من الحيادية، ومن هذا السَّردِ نقرأ، من قصيدة (عجائز إسماعيل) (53)، لفتحي عبد السَّميع (1963):

"كان إسماعيلُ أول موظفٍ
يوقّعُ في دفتر الحضور
رغم أنه لم يكن سعيداً
بعمله كاتباً في نيابة ِ مركز قنا
وكثيراً ما كان يعودُ إلى بيته
وهو يفكّرُ في استقالته

لم يكنْ جسمُهُ النَّحيلُ
على استعدادٍ لحملِ أكثر من مأساته
حذَّره الأطباءُ من العملِ بالِفلاحة
أعجبته الوظيفةُ بادئ الأمرِ
قال: خدمةُ النَّاسِ حلوةُ ُ
واحترامُ شيخُ الخُفراءِ لي
شيءُ ُكبيرُ ُ
أسندوا إليه دفتر الشّكاوى الإدارية
تصّفحه بحماسٍ مكتومٍ
وأخذ يترقّبُ أولَ قادمٍ

عاملها كضيفةٍ
وهو ينظرُ إلى تجاعيدها بودٍّ ومَهَابةٍ
لماذا تأتينَ يا جدّتي بمفردك؟
عثر على اسمها في الدفترِ
وأخبرها بحفظِ الأوراقِ
ولأنَّه كان موظَّفاً جديداً
تطوَّعَ زميله وشرح الأمر
لم تُصدِّقْ أنَّها خسرت القضية
وأخذتْ تصرخُ في وجه إسماعيل
تتَّهمه بالرّشوةِ
وتدعو الله أن لا يأخذ روحها
قبل أن تراه مشلولاً
هكذا، تستَّرَ إسماعيل بالذّهول
وأخذ يُحدِّقُ في باب السَّماء
وغابت العجوز في باب الزّحام
لكنّه ظلَّ يسمعُ صوتها
كُلَّما نام
وكُلَّما استيقظ".
نلاحظُ على أداءِ السَّرد، هُنا، نزوعه إلى الشَّفاهية وتداولية الخطاب، التحاماً بطبيعة المتن الحكائيِّ ويُقاربُ (زمنُ السَّردِ) (زمنَ المتنِ الحكائيّ) في خطيته، ورغم اعتماد السَّرد، هنا، على وقائعية الحكاية، وتسلسُلها، فإن الوعي بطبيعة الإيقاع في (قصيدة النَّثر) يبدو واضحا، وهو ما يُسهم في تكثيفِ لغةِ السَّرد، وإبراز شعرية (السَّرد الشّعريّ).

جـ- سردُ استبطان الحكاية

هو سردُ ُ لا يقتصر على وقائعية الحكاية، وإنَّما يتعداه إلى استبصار وقائعها، وسبرِ أغوارها، ونظراً لاعتماد البرنامج السَّردي، هنا، على زمن الماضي، يُعرف هذا السّرد بـ (السَّرد الاستذكاري)، وفيه – أحياناً – يتدفق السَّردُ، بسرعة؛ ليُحدِثَ ما يُعرف بـ (القفزة)، أو يتباطأ ليُحدِثَ (المشهد) (54)، ويحدُثُ أحياناً أن يقوم السَّاردُ بانتقالات مُتكررةٍ من الخارج إلى الداخلِ، والعكس، ومن هذا السَّرد نقرأ، من قصيدة: (كائنات الغرفة) (55)، لعاطف عبد العزيز (1956):
"حلمتُ في صبايَ أن أكون واحداً من سُكانِ وسط البلد، أعني القاهرة، القاهرة التي تراءت للخديوي إسماعيل في ساعة سُكْر، فعقد العزمَ على سبكها من أجل عيون حبيبتهِ جامدةِ القلبِ.. أوجيني.
اخترتُ بناية لها مصعد من الموبيليا ومن الحديد الزُّخرفي، لها دَرَجُ ُ من رُخامٍ أبيضَ، وشرفات على الطَّراز القوطيِّ تُطلّ على دار القضاء العالي، بما يُمكِّنني من مشاهدةِ التَّظاهرات التي سوف تخرجُ مُطالبةً بعودة الوفدِ، أو مشاهدة الغوغائيين وهم يسحبون أخشاباً مُشتعلةً باتِّجاه الأمريكيين عندما سيشرعون في حرق العاصمة، قُلتُ لتكن 28 شارع فؤاد الأول.
في الطَّابق الرابع كان لنا جيران يونانيون: الرجلُ يُضاربُ في البورصة، والمرأة تُدخّنُ سيجارتها من مبسم طويل، كان يحلو لها أن تزور أُمي الريفية السّمينةَ وهيَ ترتدي روباً منزلياً من الحرير الأحمر، ينحسر ُعن ركبةٍ بيضاء كُلّما وضعتْ رِجلاً على رجل.
كان من اللازم درامياً أن أحبّ كاترينا، بنت نيكولا، بنت نيكولا مُضارب البورصة، التي تكبرني بسنةٍ واحدة، إذْ سمحَ لنا الجوارُ أن أرتاد غرفتها من آنٍ إلى آخر، فأتأملها غارقةً في العزفِ على البيانو، أو قراءة أشعار ليونانيين موتى، فيما أتظاهرُ بملاعبةِ مارجو، قطتها النَّظيفة، وأنا أختلس ُ النَّظرَ إلى سوتيان تدلَّى من دولابٍ موارب.
من اللازم درامياً أيضاً، أن تتلهَّى فتاةُ ُ كتلك بالصبيِّ العاشقِ في أوقاتِ الفراغ، أن ترى فيه أداةً مأمونةًً لعادتها السِّرية، أو غطاءً لغيابها في المشاوير الخَطرةِ، هذا دون أن تُحطمَ حلمه في أن يكون صهراً لكفافيس ذات يوم".
يستخدم الشَّاعر، هنا، إمكانات السَّرد، بلا قيد، ويديره في حركة النَّص الشَّعري، إدارةً شعرية، تحًُقِّقُ (السَّرد الشِّعريّ)، ويقوم الشَّاعرُ بالتَّحكُّم في حركة (زمن السَّرد)؛ فيُسْرعُ أحياناً، ويُبطئُ أحياناً كما يقومُ أحياناً بتثبيت حركة الزمن، عن طريق استخدامه للوصف، ليشكِّل إيقاع السَّرد.

د – سرد تشظي الحكاية

هو سردُ ُ تتشظّى فيه الحكاية، وتتداخل أجزاؤها وأزمنتها، دون تتابع ٍ منطقيٍّ لأحداث الحكاية، لتشكِّلَ واقعاً فوق واقعي، وعَبْرَ ما أسماه كمال أبو ديب بـ "التَّشابُكِ الاختلاطي وانهيار المعقولية والممكنية والنّزوع السِّيريالي" (56) تتحقّقُ شعرية ُهذا السَّرد، ومن هذا السَّرد نقرأ لفتحي عبد الله ( 1957):

"إن ما حدث
لم يكن صُدفةً
فقد وقعتُ في خزانة
الملابس
وشاركني مُمثِّلون كثيرون
ولولعي بهم
أشاعوا بأنَّ أبقاري
التي تعهَّدتُها بالرعاية
لم تُعجبْ لابسي الكاوبوي
خاصة وأن لحيتي
لم تدلّ كثيراً
على مهارةٍ في الملاكمة
ولا سرعة في حشو
المسدَّس
فالمخرجونَ أنفسهمْ
زودوني بآلةٍ حادةٍ
وصرخوا أمامي
ولإنقاذِ جُثَّتي
عرضتُ عليهم
أن أذبحَ الممثلةَ
الصَّغيرة
في حرارةٍ
تُناسبُ أدوارهم
المليئة بالصُّراخ" (57).

يعمل السَّردُ، هنا، عبْرَ فجواته وانقطاعاته، على إقامةِ رؤى كابوسية لا معقولية، يتبدَّى الفعل الإنساني فيها أدواراً وتمثيلاً، تجسِّدُ واقعاً غرائبياً وعبثياً.

هـ – من سرد التَّفاصيل المعيشة إلى أُسطورةِ السِّيرة الذَّاتية

انطلاقاً من تركيز (قصيدة النَّثر) على الشَّخصي، والمعيش، والتَّفاصيلي، تقاطعت مع شكل (السِّيرَّة الذَّاتية)؛ في اعتمادها على نفس الإجراءات، وجاء هذا التَّفاعلُ الحقيقيُّ بين شكل (قصيدة النثر) وشكل (السِّيرة الذاتية) في عدَّة أعمال، اشتغلت على تفاصيل التَّاريخ الشَّخصي، وسبر أغواره، ومن أبرزها: (سيرة ذاتية لملاك)، لفريد أبى سعدة (1946)؛ وهو نص شعريّ يقوم على شكل المتواليات الشِّعرية، والحلقات السَّردية، التي يتضامُ فيها التَّاريخ الشَّخصيّ ليضعَ أسطورةً شخصيةً من شخوصٍ ومواقفَ وتفاصيلَ حياتيةً حقيقيةٍ وحميمةٍ، يجمعها خطّ روائيّ داخلي، ومن ذلك السَّرد، هذا النَّصّ الذي يرصدُ فيه السُّاردُ ذاتهُ (الصَّغيرة)، وهو تلميذ، في سردٍ استذكاريِّ، يحتشدُ بالتفاصيلِ الخاصَّةِ التي تصنع أسطورة واقعٍ إنسانيٍّ حقيقيٍّ وبسيطٍ، وتحفظُ هذا الواقعَ من الزوالِ والنِّسيان:

"في الطَّريق إلى المدرسةِ
بمريلة مُبقَّعةٍ، وشنطةٍ من الخشبِ
أمضي إلى عمّ "شرامة"
فيلفّ لي سندوتشاتي، ويُسجِّلُها على الحسابِ.

في الطَّريقِ إلى المدرسةِ
أرى الرجالَ بعضلاتهم المفتولةِ
يُعلَّقونَ"العسلية" في المسمار،
ويُلينونها بضربها في الحائطِ.
أرى الإسكافيّ يُشمِّعُ خيوطهُ والصَّبي يُجهِّزُ إبرَهُ المقوَّسة.
أرى الأمهات المستحمّات يتهامسنَ، ويضحكنَ،
ويَسُقنَ أطفالهنَّ كالدَّجاج إلى المدرسة
أرى على الرّصيفِ "بحبح العبيط"،
بأسماله التي تُظهرُ عورته"(58).

ويستعيد، هذا السَّاردُ، طرفاً من سيرةِ أمِّه، بنفس التَّفاصيل المعيشةِ البسيطةِ الحقيقيةِ:

"ابنةُ الشَّيخِ، وزوجةُ السَّائقِ الوسيم
المحظوظة ُ بين أخَوَاتها
فقد تفسَّحت معه ذات صيف
في القاهرةِ والإسكندرية،
(في عربتةِ الفورد المكشوفة)
عندما كان سائقاً لأحد الخواجات.
حين عاد من الحرب،
أحضرَ لها فواكه لا تعرفُها
وحكايا عن " الضَّبع الأسود" وحصار الفالوجا،
والعساكر الذين ينعسون في نوباتجية الليل
ثُمَّ يُطلقونَ النَّارَ فجأةً
على أشباحِ التِّين الشَّوكي!!
تنحني على ماكينة الخياطة
(ماركة سينجر)
لتخيط َ لنا، وتُساعدَ في مصروفِ البيت"(59).

2- آليات السِّينما في النَّصِّ الشِّعريّ الجديد

من آليات السَّرد السينمائي، التي ظهرت بوضوح في (قصيدة النَّثر) الجديدة ، تقنيةُ (المشهد)؛ وفيها يتمُّ تركيز الموقف السَّردي، في أداء بصريّ مُركز، وتُستخدمُ هذه التقنية في بناء صورةٍ بصريةٍ كُليةٍ دالة، تُحقّقُ المجاز البَصَري، كما عند أمين صالح (1950) في هذا النَّصِّ:

"الطائراتُ الورقيةُ الجميلةُ
التي تتهادى برشاقةٍ في الفضاءِ المَرِحِ
يُحرَّكُها أطفالُ ُ بوجوهٍ مُغبَّرةٍ وملابس رثَّة" (60).
ومن آليات السَّرد السينمائي، أيضاً، طريقة سرد السِّيناريو، وتنقلاتِهِ البصريةِ الدالةِ، بين الخارج والداخلِ، ومنه هذا النَّص لكريم عبد السَّلام (1967):

"في حرِّ الظهيرةِ، الصبيُّ واقف أمام البيت
والفتاةُ بالدَّاخل ترقبُ حركته
ثُمَّ تخرجُ الفتاةُ مُبتسمةً، وتسيرُ على جانب الشَّارع
وعلى الجانب الآخر يسير الصَّبيُّ، فيما يتبادلانِ النظرات،
الفتاةُ تتعثَّرُ خطواتها، والصَّبيُ يعبر إليها،
بعد خمس عشرة خطوة تشتبكُ أصابعهما" (61).

ومن آليات الأداء السَّينمائيّ في السّرد الشِّعري، تقنيةُ تحريك الكاميرا؛ لرصْدِ عناصر المشهدِ، كأن ْ تقتربَ تدريجياً، ببطء، من المشهدِ، فتكشفَ – على مَهَلٍ- تفاصيلَه؛ بإيقاعٍ هادئٍ، كما نرى لدى بسَّام حَّجار(1955- 2009) في هذا النَّص، الذي يرصدُ ذاته كآخَر:

"يدي العسراءُ
على جبيني،
قطراتُ ُمن عرقٍ باردٍ

يدي الأخرى
تلمسُ الأنفَ
والفمَ والعُنقَ

وإذْ تهتدي إلى الصَّدر
تمكُثُ
هُنيهةً ًهُناكَ

عينايَ
تلمحانِ الطَّيفَ بعيداً
والضَّوءَ المتصابي
لصباحٍ عتيقْ"(62).

وتُعرَفُ هذه التقنيةُ، أحياناً بـ (الصُّورة عن قرب) وأحياناً بـ (اللقطات البطيئة) (63).
ومن الآلياتِ السِّينمائيةِ الرئيسيةِ) :المونتاجُ) – بنوعيه (المونتاج الزماني) و (المونتاج المكاني)(64)، وبالمونتاجِ تتوالى اللقطاتُ المتجمِّعةُ الدَّالةُ، وبتتابعها يتجلَّى إيقاعُ السَّرد، كما يبدو في نصٍّ ليحيى جابر(1961) بعنوان: (سيناريو- شعريّ)، وهو عنوان – كما يبدو – يُؤكّدُ على علاقةِ النَّصِّ الشِّعريّ بفنِّ السِّينما، ومن هذا النّص:

"الخطَّاط منهمكُ على لافتة لصرَّاف
تحت قدميه يافطة بالية لتظاهرة.
رغوة صابون تترسَّخ على زجاج مقهى.
طاولة مُربّعة لمُجتمعينَ تحت قبعات.
رجلُ يحملُ دجاجة تُفرفرُ بينَ يديه
يتناقشُ بحدَّةٍ مع آخرٍ يحملُ بيضة.
رجل يُمزِّقُ أوراق روزنامة
ويرميها في صحن مُتسوِّلة.
نادلُ يكنسُ حروفاً وأوراقاً.
صيصان بين الطَّاولاتِ.
على طاولةٍ مُستطيلةٍ
حقيبةُ سمسونايت
نظارة سوداء، قفَّازات بيض
دمية مانيكان، عكَّازات
ضمادات ملفوفة حول الكراسي
في الخارج
تنزلق عربة مقعد بين السّيارات"(65).
إن النَّصَّ يقوم بتفتيت اللحظة، وتحويلها إلى مجموعةٍ من اللقطاتِ، التي تتابعُ وتتداخلُ؛ لتُحيطَ بأبعادِ اللحظةِ عَرضياً، مُعتمداً بشكلٍ رئيسيّ على تقنية المونتاج.

3- آليات التَّصوير في مشهد النَّصِّ الشعريِّ الجديد

لم يحظ َ هذا الجانب، بوقفةٍ لائقة، إلى الآن، رغم تميُّز حضوره في الشِّعرية الجديدة؛ فثمة نصوصُ ُشعريةُ تُبنى على طريقة بناء اللوحة، وثمة نصوصُ ُتتشكَّلُ بصرياً كلوحات، ومنها هذا النَّصُّ لخزعل الماجدي (1951):

"في أُفُقِ البحر
أجنحةُ السُّفن
وفي ساحله أجنحة الطّيور.

من الواضحِ، هنا، اعتماد النَّصّ على مجازٍ بصريّ؛ ببناء صورةٍ بصريةٍ "ثابتةٍ،تنقلها العينُ بموضوعيةٍ وحياد، إنَّها منظرُ ُطبيعيُّ مأثور: بحرُُ ُ ممتدُ ُ في أفقه المفتوح سفنُ ُ تستعدّ للإبحار، فيما تظلُّ على السَّاحلِ الطيور، وكأنّها تنتظر سفناً أخرى.
هذه (الصورةُ العيانيةُ) ترتكزُ شعرياً على تقنيةٍ تستعيرُ من الرسم عناصره التّصويرية، ولكن َّ الشعرَ موجودُ ُُ في أغشيةٍ خفيفةٍ سرعان ما نتعرَّفُ عليها؛ فالأجنحةُ التي أسندها الشَّاعرُ للسُّفن وهو يُطلقُها في الأفقِ البحري، توازي أجنحة الطيور المقيَّدة على السَّاحل"(66).
ويرسم سعدي يوسف (1934) لوحةً، قريبةً من هذا البناء؛ تجمعُ بين طيرٍ في الفضاء وآخر في يده، على وَشْكِ الطَّيران، في نصٍّ بعنوان"طيور بحرية"، جاء على هذا النَّحو:

"الحصا يترقرقُ في الماءِ
عاريةًَ كنتِ
ممتدةً أنتِ ، والبحر...
... ...
... ...
... ...
في البُعدِ، يمرقُ طيرقٌ
وفي راحتي يتراجفُ نهدُكِ
مُنتظراً أن يطير" (67).

ومن التقنيات المعروفة في التَّصوير، ما يُعرفُ بـ (الطَّبيعة الصَّامتة)؛ وفيها يتمُّ وضع بعض العناصر والأشياء الجامدة، غير الحيَّة، في بناءٍ دالٍ ومُعبّر عن حس إنساني، دون أن يكون للحضور الإنسانيِِّ أي وجودٍ، سوى ما يتولَّد من علاقة العناصر والأشياء.
ومن صّور(الطّبيعةِ الصّامتة)، في الشَِّعرية الجديدة،هذا النَّصّ لمحمد الحمامصي(1964):
"وجها الباب يُفتحان على مقعدٍ فارغ" (68).
ولنُلاحظ الإيجاز الشَّديدَ للعناصر، في فضاءِ النَّص؛ وهي خاصيةُ أساسيةُ في بناءِ مشهدِ (الطبيعة الصَّامتة)، وهو ما يؤدّي إلى إنتاج نصٍّ شعريٍّ شديد الايجازِ والتَّكثيفِ؛ كهذا النَّصِّ لبسَّام حجَّار:

"كرسيُّ الخيزرانِ
مُستقيمُ الظَّهر قُربَ الياسمينةِ على الشُّرفةِ"(69).
ويستخدم بسَّام حجَّار، أيضاً، آلية (الضَّوء والظل) في بناءِ نصوصٍ شعريةٍ، كهذا النص:

"كانوا ساهمينَ
يُحدقونَ في الفراغ الذي أمامهم
على العتبةِ
تجلسُ ظِلالٌ لهم
فتيةٌ
كأنَّها أشباح عُمرٍ سابق"(70).

إن اعتمادَ النَّصِّ على تقنيةِ (الضوء والظَّلِّ) يُحدثُ نوعاً من التَّوازي والحوار بين المجالين، تتولَّدُ عنه دلالات الغياب والخواء.

الإحالات والتعليقات

(1) راجع: مدخل إلى النص الجامع لجيرار جينت- ترجمة: عبد العزيز شبيل، مراجعة: حمادي صمود – المجلس الأعلى للثقافة – 1999- ص:70- 71.
(2) السابق- ص: 71.
(3)محمد عبد المطلب – النّص المُشكل- كتابات نقدية – ع: 92- الهيئة العامة لقصور الثقافة – يوليو 1999- ص: 10-11.
(4)مدخل إلى النص الجامع- سابق – ص 36.
(5)عبد الغفار مكاوي- حكايات شاعرية: قصائد قصصية من الأدب الألماني الحديث- آفاق عالمية - ع: 39 – الهيئة العامة لقصور الثقافة- 2004- ص: 7.
(6)السابق- ص: 6
(7) مقال بعنوان: " ظهر منذ عهد المفكرين اليونانيين النّص المفتوح " – جريدة: البيان – دبي - دولة الإمارات العربية المتحدة - الأحد 28 مايو 2000م.
(8) إبراهيم حمادة- على هامش الأنواع الأدبية – مجلة: القاهرة-ع:84- 15 يونيه 1988 ص:4-5.
(9) عبد الله نور- ضمن تحقيق )التّصنيف الإبداعي)، لهدي الدغفق – مجلة: الحرس الوطني – أكتوبر/ نوفمبر 1996-ص: 79.
(10) يتجلَّى هذا بوضوح، في نظرية (النّظم) لعبد القاهر الجرجاني ( -471هـ ) ، التي جاءت تتويجاً لجهود كثيرة ، في هذا الشأن، أسهم فيها بلاغيون ومتكلّمون لمدة تتجاوز القرنين والنصف، ومنهم: الجاحظ (-255هـ ) وأبو عبد الله محمد بن يزيد الو اسطي ( -306هـ) والرّماني ( - 384هـ) والخطابي ( -388هـ) والباقلاني (-403هـ) والقاضي عبد الجبار ( -415هـ) وقدامة بن جعفر ( -337هـ) وأبو هلال العسكري ( -395هـ ) وابن رشيق ( - 463هـ)، ومن بعد عبد القاهر، شدّدَ على ( النّظم ): ابن الأثير ( -637هـ) وابنُ خلدون (... -808هـ).
(11) يلاحَظُ أن هذه المصطلحات – ما عدا الأخير منها – تجمع في علاقةِ النعتِ بالمنعوتِ، بين الجنسِِ والصيغةِ، لتحديد طبيعة كل نوع؛ حيث يُمثّل الجنس منعوتاً – والصّيغةُ نعتا، والنعت تابع يأتي لإبراز صفة المنعوت (الجنس) وتوضيحه، أما الأخير: (قصيدة النّثر )، فيتأسّسُ على علاقة الإضافة في التعريف.
(12) أرسطو طاليس – كتاب أرسطو طاليس في الشعر – تحقيق وترجمة: د . شكري محمد عياد – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1993- ص: 30.
(13) د.عبد الغفار مكاوي- قصيدة وصورة: الشّعر والتّصوير عبر العصور – عالم المعرفة – ع : 119 – الكويت- تشرين الثاني 1987- ص:9.
(14) الجاحظ – الحيوان – جـ3- تحقيق عبد السلام هارون- القاهرة – 1965- ص:131.
(15) د.شاكر عبد الحميد – عصر الصّورة- عالم المعرفة- ع: 311- الكويت – يناير 2005- ص: 195.
(16) فؤاد زكريا – مع الموسيقى – مكتبة مصر- د.ت- ص:64.
(17) السابق- ص:64-65.
(18) السابق- ص:67.
(19) السابق- ص:70.
(20) السابق – نفسه.
(21) جي- أي – مولر، فرانك ايلفر- مائة عام من الرسم الحديث- ترجمة: فخري خليل – دار المأمون- بغداد- 1988-ص:65.
(22) فاسيلي كاندنسكي- الروحانية في الفن- تعريب: فهمي بدوي- مراجعة: مرسي سعد الدين- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1944- ص: 56.
(23) هربرت ريد – معنى الفن – ترجمة: سامي خشبة- مراجعة: مصطفي حبيب – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1998- ص: 9.
(24) ورد في: ( تداخل الأنواع في القصة القصيرة 1960- 1990)، للدكتور: خيري دومة – الهيئة المصرية العامة للكتاب -1998- ص: 62.
(25) كتاب أرسطو طاليس في الشعر- سابق – ص : 30.
(26) د-محمد فكري الجزار – فقه الاختلاف : مقدمة تأسيسية في نظرية الأدب – كتابات نقدية – ع: 87- الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة- أبريل 1999- ص : 113.
(27) من هؤلاء: عبد الفتاح كليطو، ومحمد برادة- راجع: (تداخل الأنواع القصة القصيرة 1960- 1990) – سابق- ص:28.
(28) ابن منظور – لسان العرب- جـ 14 – دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي – ط3 – بيروت – لبنان- 1999- ص :163.
(29) د. صلاح فضل – بلاغه الخطاب وعلم النص – عالم المعرفة – ع:164-الكويت – أغسطس 1992- ص :229-230.
(30)السابق – ص: 231،ويراجع النص الكامل المعنون بـ (من الأثر الأدبى إلى النص) ، فى كتاب: درس السّيميولوجيا – لرولان بارت – ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي – دار توبقال للنشر – الدار البيضاء – ط 3 – 1993- من ص :59-67.
(31) درس السّيميولوجيا – سابق –ص :48.
(32) تزفيتان تودوروف – الشّعرية- ترجمة- شكري المنجوت ورجاء بن سلامة – دار توبقال – الدار البيضاء – المغرب – ط1 – 1987- ص:24.
(33) فاطمة الطبال بركة – النظرية الألسنية عند رومان جاكوبسون : دراسة ونصوص – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – بيروت – 1993 – ص ص : 74- 75.
(34) أبن طباطبا العلوي – عيار الشّعر – تحقيق: عباس عبد الستار – دار الكتب العلمية – بيروت – ص:81.
(35) عبد الرحمن بن خلدون – مُقدمة ابن خلدون – جـ2 – دار إحياء التراث العربي – ط 1 – بيروت – 1999- ص : 567.
(36) السّيوطي – الإتقان في علوم القرآن – جـ2 – مطبعة حجازي بالقاهرة – 1941- ص: 147.
(37) أبو حيان التوحيدي - المقابسات – تحقيق: حسن السندوبي – دار سعاد الصّباّح – 1992- ص: 245.
(38) ( ظهر منذ عهد المفكرين اليونانيين النص المفتوح) – سابق .
(39) عبد الفتاح كليطو – المقامات : السّرد والأنساق الثقافية – ترجمة : عبد الكبير الشرقاوي- دار توبقال- المغرب- 1993- ص :73.
(40) انظر : ( مقامات بديع الزمان الهمذاني): شرح وتحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2002- من ص: 209: 224، علي سبيل المثال.
(41) عن: ( تاريخ آداب العرب )، لمصطفى صادق الرافعي – جـ1 – مكتبة الإيمان – 1997 – ص: 150.
(42) أنظر: (منامات الوهراني ومقاماته ورسائله): تحقيق: إبراهيم شعلان ، محمد نغش – مراجعة: د . عبد العزيز الأهواني – الهيئة العامة لقصور الثقافة – 1998- ص 2 : 9، 16، 17، 25 ، 65، 66، 67، 76، 113 ، على سبيل المثال.
(43) أبو العباس أحمد القلقشندي – صُبح الأعشى – جـ1- دار الكتب الخديوية – 1913- ص: 280- 281 وقد وردت كذلك ، في (رسائل بديع الزمان)- طبعة بيروت – 1921 – ص128، ويُنظر النّصُّ ومناسبته في ( المنتخب من أدب العرب) – جـ 2 – جمعه وشرحه: طه حسين، أحمد السكندري، أحمد أمين، علي الجارم، عبد العزيز البشري ، أحمد ضيف – مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة – 1350هـ - 1931- ص: 327.
(44) (صبح الأعشى) – سابق – ص : 277 – 278.
(45)عمر أوكان- مدخل لدراسة النّصّ والسّلطة – أفريقيا الشّرق، الدار البيضاء، المغرب- ط1- 1991- ص: 60.
(46) رولان بارت – درس السّيميولوجيا – ترجمة: عبد السّلام بنعبد العالي، تقديم: عبد الفتاح كليطو – دار توبقال للنشر، المغرب – ط3 – 1993 – ص:61.
(47) في ديوانه الثاني (لآلئ الأفكار)، الصادر في عام 1913، قصائد قصصية من الشِّعر المرسَل، هي: (نابليون والسَّاحر المصري)، (واقعة أبي قير) ، (عتاب الملك حجر ،لابنه امرئ القيس).
(48) في ديوانه (الشفق الباكي)، الصادر في عام 1927، نجد العديد من القصائد القصصية مثل (الرؤيا): ص ص: 658 – 659، (مملكة إبليس) ص ص 1023- 1024، (ممنون الفيلسوف) ص: 625.
(49) انظر، على سبيل المثال، (قصة اليخت النائم) لعثمان حلمي، أبوللو، مج2، ص :888 ، ص: 104، ص:109، وانظرْ:(في الصّحراء) لسيد قطب، أبوللو، مج1، ص: 746 ، وانظر: (الدخيل المعتدي) لمختار الوكيل، مج2 – ص :842.
(50) انظرْ، على سبيل المثال (حديث الآلهة) لمحمد سعيد السّحراوي، أبوللو،مج2، ص :506، وانظرْ: (يومان)لصالح جودت، أبوللو، مج3، ص 773.
(51) محمود قرني – قصائد الغرقى – دار التلاقي للكتاب، القاهرة – ط1 – ديسمبر 2008- ص:53-56 ، ويحضر النّصُّ كاملاً، هنا ، نظراً لطبيعة السّرد في المتن الشّعريّ.
(52) د.حميد لحمداني – بنية النّصّ السّردي – المركز الثقافي العربي بيروت، لبنان – ط2-1993- ص:47.
(53) فتحي عبد السَّميع – الخيط في يدي – إبداعات ، ع 48،الهيئة العامة لقصور الثقافة – نوفمبر 1997 – ص 77-79.
(54)حسن بحراوي – بنية النّصّ السّردي – المركز الثقافي العربي – بيروت ، لبنان – ط 1 -1990- ص:119 وما بعدها.
(55) عاطف عبد العزيز – خيال الأمكنة – الناشر : هامش – ط 1 – 2005 – ص :42-45.
(56) كمال أبو ديب – اللحظة الراهنة في الشِّعر- مجلة: (فصول) – المجلد الخامس عشر، العدد الثالث – خريف 1996- ص:18.
(57) فتحي عبد الله- سعادة متأخرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1998- ص: 23-24.
(58) فريد أبو سعدة – سيرة ذاتية لملاك – مركز المحروسة، القاهرة – 2008- ص:113.
(59) السَّابق- ص:123.
(60) أمين صالح – موت طفيف – المؤسسة العربية للدّراسات والنّشر – بيروت – ط1 2001- ص: 110.
(61) كريم عبد السَّلام- فتاة وصبيّ في المدافن – دار الجديد – بيروت، لبنان- ط1 1999- ص: 11.
(62) بسَّام حجَّار – بضعة أشياء – منشورات الجمل – كولونيا، ألمانيا – ط1 – 1997- ص :28.
(63) روبرت همفري – تيار الوعي في الرواية الحديثة – ترجمه وقدَّم له وعلق عليه: الدكتور محمود الربيعي – دار الهاني للطباعة – 1973 – ص:74.
(64) السَّابق – ص:75.
(65) يحيى جابر – الزّعران – د.ت- بيروت – 1991- ص: 39.
(66) حاتم الصكر – من مقترحات الحداثة الراهنة – مجلة (شئون أدبية)، السَّنة السَّادسة – العدد 21 – صيف 1992- ص :22.
(67) سعدى يوسف – إيروتيكا – دار المدى للثقافة والنشر – سوريا – 1995- ص:15.
(68) محمد الحمامصي – موت مؤجل في حديقة- أصوات أدبية ،العدد 394، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2008- ص: 7.
(69) بسَّام حجَّار – بضعة أشياء- س ابق- ص:60.
(70) السَّابق – ص:70

***

المحور الرابع

المشهد الشعرى/ الظواهر والتلقى

الشعر المصرى فى اللحظة الراهنة
تساؤلات حول عيون مغلقة على اتساعها

كريم عبد السلام

مدخل أول

هل هناك شعرية جديدة؟ وهل هناك إلا شعرية جديدة؟ هكذا أنظر فى بيت عنترة الشهير "هل غادر الشعراء من متردمِ أم هل عرفت الدار بعد توهمِ"
إن تاريخ القول الشعرى يتوازى ويتماس مع تاريخ الغابة.. أشجار تُقتلع بفعل العواصف والرعود والحرائق الذاتية لتنطمر مخصبة الأرض، بينما تقوم أخرى فى اللحظة نفسها، وتغور بجذورها فى التربة.

جديد فى كل وقت جديد ودائم وإلا فانعدام وموت

مسمى "الشعرية الجديدة" هائل الاتساع، لكنه يمكن أن يصبح عديم المعنى وعبثيا، نقول "الشعرية الجديدة" بثقة، عيوننا لا تدرى إلا الإطار الخارجى من زمان ومكان ثابتين على عكس ما هما عليه، قد عمينا عما بداخل الإطار من حقيقة وجوهر، من لحم ودم لا يبلى ولا يشيخ، هو نفسه بداخل الأطر جميعها أو عبر الأزمنة والأمكنة.
ما الذى يشغل الشاعر فى كل حين؟ ما الذى يعصره ويستنزفه غير أن يصعد على سلم الألوهة مع يقينه بعجزه وقصوره عن الصعود؟
أهناك حقيقة وجوهر خارج هذا الجوهر وبعيدا عن تلك الحقيقة؟
أهناك عجز خارج هذا العجز القديم؟
أهناك جديد فى هذا الجديد الدائم؟
أرى فيما أرى المغايرة تحمل القدر الحقيقى، من الجدة وهى أدق وأرحب، أدل على تصارع الأطر وأكثر إنسانية بمعنى قابليتها للتوارى بمغايرة تغايرها، هذه الصيرورة أما يجب أن تجعلنا أكثر تواضعا وأكثر قلقا وتوجسا، إذ نطلق الشعرية الجديدة بألف ولام التعريف على قصائد بعينها، أو على كتابة بعينها، غافلين عما يدبج من كتابة جديدة أو عما سيدبج من كتابة أجد؟
هذه الصيرورة يجب أن تدفعنا لنبذ كل إطلاق وتهويم نازعين لتحليل وتفسير القضايا المتناهية، والمتعينة التى تخصنا نحن – شعراء هذه اللحظة، بل إن تناول شاعر أصيل بارز بعينه، والعكوف على منجزه بالدراسة والتفسير لأكثر فائدة من السجال حول المفاهيم.
فى أى لحظة يلتفت الشاعر إلى الرديء من الشعر؟
ما هى الحال التى تكون عليها خريطة الإبداع فى كل زمان؟
هل تعدو أن تكون جيشا من الكتاب الأدعياء يضم بين صفوفه أصلاء قلائل ؟
الكثرة من الأدعياء والرديئين أم المبدعون المعدودون، أى الفئتين أحق بالوجود على الورق كمادة لمقال نقدى أو لدراسة أو لتعليق من شاعر أو حتى رسالة من متذوق لصديقه فى البلد البعيد؟
حسن جدا ،سنعيد السؤال، فى أى لحظة يلتفت الشاعر إلى الرداءة متجاهلا التمايز والاختلاف والإضافة؟
الإجابة تقول: فى مقلوب لحظته الإبداعية، أى فى تشوشه وقلة تركيزه، وفى بحثه عن التعضيد من الخارج.
فى أى لحظة يلتفت الشاعر إلى الرداءة متصديا لدحضها؟
الإجابة: عندما ينزل درجة أو درجات فلا يعود نموذجا مهيمنا وقائدا لروحه وكلماته ومنصتا لحدسه، الإشارة تصدر أول ما تصدر عن مؤشره الخاص لكنه، كرد فعل غريزى، يدافع عن مكتسباته، رافضا التنازل عن شبر واحد من إقطاعيته، حسب قانون الغابة الذى أشرنا إليه فى الأول، فيفقد عندئذ ذلك الترفع الرحيم الذى يشى يصلته الجوهرية بمسار الإبداع وحركيته وانقلاباته، يهتز ويرتبك بدلا من يثبت ثبات الصوفى الموقن بأن الأمر بينه وبين خالقه، أو بينه وبين مخلوقاته.

مدخل ثان

عندما نتناول اللحظة الشعرية المصرية الراهنة؛ يكون لزاما علينا أن نعود للوراء خمسة عشر عاما تقريبا، مع بدايات عقد التسعينيات من القرن الماضي الذي شهد مخاضا حقيقيا لقصيدة مصرية جديدة يكتبها عدد كبير من الشعراء في القاهرة والإسكندرية، ويدور بشأنها الجدل والمشاحنات على المقاهي والمنتديات وفى الغرف الضيفة لمجلات وزارة الثقافة التي كان يشرف عليها آنذاك شعراء على المعاش ونقاد على المعاش يبدون واهني الصحة ولكن يشع من عيونهم هذا البريق المخيف الذي يشير إلى التشبث بشبح السلطة.

سنوات قليلة وتنشأ منابر مستقلة يصدرها شعراء وكتاب على نفقتهم الخاصة ليعبروا عن قيم جمالية بديلة وليصلوا جسرا مباشرا بين تجربتهم الجديدة والمتمردة وبين تجربة جيل الماستر "الطباعة الذاتية الفقيرة" في السبعينيات. كانت هذه المنابر إذن وفى مقدمتها " الكتابة الأخرى" و"الأربعائيون" هي المعمل الذي شهد تفاعلات القصيدة المصرية الجديدة، أو بمعنى آخر شهد انفجارها.

عشرات الشعراء، ارتفع العدد تدريجيا ليتجاوز المئات من الشعراء يكتبون قصيدة النثر المتمردة والطازجة والمجانية أحيانا والركيكة أحيانا أخرى، بعضهم يكتب بجماليات قصيدة سابقة وبعضهم يكتب حالما بقيم جمالية جديدة والبعض يكتب كنوع من التعويض الاجتماعي أو السياسي وحتى الجنسي، لكنهم جميعا يشكلون جيشا جرارا جميلا ويعدون بغد إبداعي مغاير. أو سرعان ما تعثرت "الأربعائيون" في الوقت الذي واصلت "الكتابة الأخرى لعشر سنوات متواصلة ترافق معها عديد من المجلات غير الدورية التي لم يمتلك القائمون على إصدارها مهارة "هشام قشطة" الذي استطاع استقطاب عدد مضمون من الأدباء والمثقفين كممولين مستمرين لمجلته، وكان من بين المجلات التي صدرت وتعثرت مجلة "شعر" التي كانت الأولى الموقوفة على قصيدة النثر وتقاطعاتها وكنت ومعي عدد من الشعراء الشباب العرب نحررها في طبعتين ورقية وإلكترونية، لكن سرعان ما صدق حدس الشاعر قاسم حداد الذي أخبرني أن التجارب النوعية مثل "شعر" سرعان ما تتوقف لأسباب لا علاقة لها بالإبداع ودعاني إلى العمل على نشرها إلكترونيا.
بعد خمسة عشر عاما من انطلاق الموجة الكبرى للقصيدة المصرية الجديدة يمكننا أن نلاحظ الآتي:
ـ أن القصيدة النثرية المصرية الجديدة سرعان ما احتلت المتن الشعري المصري وأزاحت الأصوات التي كانت تشكل فيما مضى هذا المتن إلى الهوامش، أو في أحسن تقدير إلى تنويعات معدودة بثلاثة أو أربعة شعراء على هذا المتن.
ـ أن القصيدة النثرية المصرية الجديدة أصبحت تشكل رافدا غنيا من روافد الشعر العربي الحديث على مستوى الكم والكيف، بل ويمكننا القول ـ دون مبالغة أو شوفينية ـ إن القاهرة تحتضن الآن المشهد الشعري العربي الأغنى والأجد.
ـ الموجة الشعرية المصرية الحديثة من الضخامة بحيث تضم ـ دون مبالغة ـ مئات الشعراء، ومثل هذا العدد الضخم من الشعراء ليس كله جيدا متمايزا في تجربته وليس معظمه وليس إلا أقله القليل من قدم جهدا خلاقا يضاف إلى مسار القصيدة العربية الحديثة وهذا شيء طبيعي لكنه يولد التباسا مغلوطا لدى كثير من المتابعين المشغولين ـ على هدى المخبرين التقليديين ـ بتتبع التشابه والتكرار والمجانية والركاكة والخيال الفقير، في هذا الرافد العريض المسمى بالقصيدة المصرية الجديدة وهو ما يجرنا إلى محنة النقد الأدبي في مصر
ـ بدال من أن يرتفع النقد الأدبي في مصر إلى مستوى التجربة الشعرية التي تحققت خلال الخمس عشرة سنة الماضية عبر متابعة وتقصى الأعمدة الرئيسية في هذه التجربة والانطلاق من أن الشعر فردى مثل البصمة وتجربة الموت، ينطلقون من التعميم السهل أو المقارنات التقليدية الممجوجة بين الجيل الحالي والأجيال السابقة أو بين القصيدة الحالية والقصيدة السابقة وبعضهم ما زال أسيرا للعبارات المحفوظة البالية حول صعوبة انتساب قصيدة النثر إلى الشعر العربي لتخليها عن العروض.
- الضعف الشديد للدرس الأكاديمي في كليات الآداب وفى أقسام اللغة العربية ينتج مسوخا متمسكة بالرطانة غير المفهومة، وهى تلوى أعناقها إلى الوراء وتلوك جملا غير مترابطة من النقد العربي القديم فيما يشبه المحفوظات المدرسية، تنال عليها إجازات علمية باهتة، وتؤكد مناخ الانحطاط العلمى الذي يبدأ وينتهي بغياب حرية الرأي والتعبير والإبداع.
من هنا عزّ أن نرى نقادا مفكرين أصحاب وجهات نظر وفلسفة تجاه العالم والإبداع ،تتفق أو تختلف معها، إن هم إلا ببغاوات فارغة من كل حس أو روح أو بصيرة، وهم جزء صادق معبر عن واقع الحياة الفكرية المصرية والعربية ومثل هؤلاء لا بد وأن يؤجلوا، أو يعطلوا عملية الفرز والغربلة للمشهد الشعري المتكثّر والعارم والمضطرب، بدل أن يكونوا حملة رايات الإرشاد، المساهمين في بلورة التجارب الخلافة بالجدل معها وإضاءتها.

التقسيم العقدى للشعراء

فى الحركة الثقافية المصرية كثيرة هى التأويلات والتنظيرات التى تبعث على الحيرة؛ لعل أبرزها وأكثرها غلوا هو التقسيم العقدى للشعراء.
مستخدمو مصطلح "الجيل" دائماً ما يصدّرون كتاباتهم بالتنصل من المصطلح نفسه معلنين رفضهم له وشجبهم لبساطة إحالاته وقصورها، لكننا ـ والكلام كما لو على ألسنتهم ـ "نجد أنفسنا مضطرين لاستخدام هذا المصطلح فقط لأنه امتلك شفرة الإشارة إلى ما أصبح متعارفا عليه،" وهكذا وُجدتْ المفارقة الناتجة عن نفى المصطلح واستجدائه دون أن يتساءل أحد من أين جاءت وإلى أى شيء تسير؟
ربما نتجت عن مفهوم تلفيقى يخص الثقافة، هو المسيطر الضمنى مهما أُعلن من بيانات وانتماءات إذ إن العبرة ليس بما يُعلن بل بما يتضمنه الخطاب وما يوجد بين اللفظة واللفظة، هذا المفهوم التلفيقى الواضح فى صياغات ظاهرها الوسطية وباطنها قلة الحيلة من قبيل "الأصالة والمعاصرة، واشتراكية الإسلام، ودولة العلم و الإيمان"، يتخفى واضعوها وراء فعل استدراكى قابل للاتساع ليضم المتناقضات غافين عن صيرورة دائمة تعمل بمعزل عن المهادنين والمجترحين.
ربما تأتت هذه المفارقة من العلاقة المقلوبة بين الإبداع والسياسة، الإبداع تابع والسياسة مهيمنة واضعة للاتجاه راسمة للخطوط، خطوط التلاقى وخطوط الاختلاف والمقصود بالسياسى هنا ليس الفكر السياسى كخلفية للممارسات السياسية بل الارتجالات مقطوعة النفس التى تتسق وهوى النظام.
ربما نتجت المفارقة عن سعى للفردية عبر صيغة مقلوبة تعتمد التكثير على أنه حشد أكبر عدد من المؤيدين لهؤلاء المتدرجين فى إطار جمالى بعينه بدلا من السعى لاكتشاف العالم خارج الشاعر وداخله، الأمر الذى أدى إلى بروز المعسكرات بدلا من بروز الأقطاب، وإلى تساند الذوات، بدلا من بروز الشعراء الأفراد ،لأنه لا بد من ذات كبيرة تشغل الحيز نفسه سواء أكانت لفرد او لمجموعة من الأفراد
أيمكن الخلوص إلى أن المفارقة الناتجة عن استخدام المصطلح العقدى للشعراء والتنصل منه بفعل واحد، هى التعبير عن محنة ثقافة كسلانة، مستنيمة لا يعكف رموزها على أنفسهم وعلى الظواهر المحيطة بهم بالمراجعة والتمحيص بل يسقط معظمهم بين التنابذ والانزواء؟
وإذا كان لكل فرض أو فكرة أطوار نمو، تبدأ من الوجود الجنينى، ثم الانتشار باعتمادها من قبل قطاع المتلقين، ثم تصل لذروتها عند تحولها إلى منهج فى التفكير وبإمكاننا القول إن التقسيم العقدى للشعراء هو الآن فى أوج ازدهاره بمعنى تحوله لآلية تفكير.
لو نظرنا لكيفيات تناول الظاهرة الشعرية الآنية، لوجدنا سقفا من الماضى يحدد ويحجم آفاق هذا التناول ،فالمنطلقات الجمالية ليست من داخل النص الذى يتصدى له النقد بل تقع خارجه كاعتبارات راسخة، لا يهم بعد ذلك أن يثبت الناقد الهمام استلاب النص للجماليات القديمة أو انفكاكه عنها، فالأجدر بالإشارة ،هو وقوع الناقد فى تبعية جماليات شائخة وانعدام قدرته على النظر خارجها.

الفراغ النقدى

يتحدث بعض النقاد الطاعنين فى السن وكذلك بعض الشباب منهم عن "قصيدة النثر" مثلما يتحدثون عن شخصية تاريخية، عاشت فى زمن محدد، ويختلف على عطائها، فالنقاد الطاعنون فى السن يجهدون أذهانهم فى إثبات كذا وكذا حول "قصيدة النثر"، مستشهدين بما ينتج من شعر فى "البلاد الأوروبية المتقدمة" وكيف لا تمثل قصيدة النثر سوى هامش هذا الشعر، فيما يدافع بعض النقاد الشباب عن "قصيدة النثر" ويحاولون استنباط سمات وملامح خاصة بها لكن أياً من الفريقين لم يسأل نفسه ولم يوضح لقرائه المفترضين عن أى قصيدة نثر يتحدث؟
يتحدث النقاد الطاعنون فى السن ـ من الرافضين التخلى عن العروض الخليلى ـ عن قصيدة النثر بوصفها حركة شعوبية يمتلك أصحابها أو القائمون عليها آلة للطباعة، يطبعون كل يوم البيان نفسه الذى هو قصيدة النثر الثابتة التى لا يدخلها التطور والتغير والتنوع والاختلاف والتضاد فيما بين شعرائها، كما يفترض المدافعون عنها ـ بعد انزلاقهم للرد والمدافعة على أرضية المحافظين نفسها ـ وجوداً مصمتاً اسمه قصيدة النثر، حتى ولو كان ذلك بالمعنى الإيجابي، فيدافعون عنها مستخلصين بعض الملامح والسمات من سوزان برنار أو من استخلاصات نقدية عشوائية حول ذلك الشاعر أو ذاك من شعراء قصيدة النثر، إلا أن المنطق فاسد فى الحالتين والمنطلق لا يفضى على نقد فعلى حول القصيدة أو الشاعر.
إن قصيدة النثر العربية بتياراتها وأجيالها ونماذجها المضيئة واحتمالاتها المتعددة، تظل كياناً مجرداً لدى هؤلاء أو أولئك طوال الوقت، وهو ما لا يفيد فى النهاية سوى فى ملء الفراغ النقدى الذى يستشعره الجميع!
ويبدو أن هذا الفراغ النقدى، أو الانحدار النقدى يستلزم بالضرورة وجود سجالات مغلوطة من هذا النوع، بأن يدير أحد المفلسين شبه معركة، فلا يواجهه أحد بفساد منطلقاته، بل يندرجون معه فى اللعبة الفاسدة، ويبدو السجال حول ما لا يجب الاختلاف عليه وما لا يمكن أن يفضى إلى نتائج يعتد بها، تعيين الشاعر على أسئلته وتحفزه على الإبداع ومعرفة موطئ قدميه!
إن التنوع والاختلاف الشديدين بين شعراء قصيدة النثر العربية ـ أفقياً على مستوى البلد الواحد ورأسياً عبر أربعين عاماً أو يزيد ـ، لم ينعكسا على الفعل النقدى الموازى، بل ظل الشعراء يتقدمون مثل حركة الحياة نفسها بينما ثبت النقاد مقولتهم واختزلوها فى خلاف غوغائى حول "مجرد" قصيدة النثر هل هى طيبة أم شريرة؟!

"الوصاية على الشعر"

ينطلق أغلب الشعراء الرجعيين فى هجومهم على تيارات التجديد من مقولة أساسية، أن هذه التيارات التجديدية وشعراءها سوف يفسدون الشعر وأنهم ـ الشعراء الرجعيين ـ ينافحون عن هذا الكائن الجميل كي لا يطاله شرر هؤلاء وركاكتهم وخرقهم لكل ما هو ثابت من جماليات وأخلاقيات وأساسات للنظام الاجتماعي نفسه! بل إنهم قد يقبلون كل ما يقدمه هؤلاء المجددون بشرط أن يسمى المجددون إنتاجهم أى أسم آخر غير "الشعر" وأن يتركوا الشعر لأهله وناسه (هم) لأنهم أدرى به وأحرص على الحفاظ عليه وصونه!
هل يعقل مثل هذا المحتوى؟! يتصور هؤلاء الشيوخ أن الشعر شئ أو كيان عضوى قد انتهى عندهم أو آل إليهم وأن مهمتهم هى حمايته، بينما الشعر أرحب من ذلك وأقوى، أعمق وأصلب وأسهل وأبسط وأبدع وأمهر وأجمل وأكمل وأبلغ وأشمل، الشعر يوصى ولا يوصى عليه، يحاج ولا يُحاج عليه، يحيط ولا يُحاط، هو المتعدد المتنوع المتجدد المتجذر المتفرع، هو النسغ الحى فى النبات، وهو الشوق إلى المجهول لدى الإنسان، تجدونه أيها السادة فى نظرة المرأة الملتهبة كما تجدونه فى عينى طفل رضيع، تجدونه يانعاً فى تسافد هرتين، كما تجدونه فى قبلة مختلسة، فى رائحة التراب المبلول عند الفجر وفى قيظ الصحراء، وأقرب شبيه به هو البحر المحيط القاموس!
فلتضم أيها الوصى المزعوم المحيط بذراعيك، لا، أنت كاذب، ولا تدافع عن الشعر، بل تدافع عن صورة الشعر التى تعتنقها أنت وترى من خلالها ـ أو كنت ترى من خلالها ـ وعندما ضاقت الرؤية أو انعدمت، تدافع الآن عما اكتسبته من ضجيج وإعلام، ولكنك أيها المسكين، يا من تزعم الدفاع عن الشعر، لا تعرف الشعر أو ربما تكون الحياة بضجيجها قد أعمتك عن معرفته وإدراكة ومحبته.
الشعر، إن لم يكن فى قلبك فلا وجود له، تراه فترى به كل جوهر، كل قانون جمالى، كل صفاء وكل تماسك، فإن لم تره، إن لم تدركه، لن ترى أى جوهر، وإن لم تره وزعمت أنك تدافع عنه، فلن يصدقك أحد، لأن أول سر من أسرار الشعر، أنه من يدافع عن الشعراء وليس العكس، وإن زعمت أنك أدركته وامتلكته للأبد على الصورة التى أدركته عليها، فإنك واهم، لأنه المتجدد دائماً ، لن يخلف بين يديك سوى قشرة، إطاراً ثم يمضى إلى نفوس منذورة له، ولتكن قشرة العروض ما يخلفه الشعر ـ ساخراً ـ بين يديك أيها الوصى المزعوم!

المقاومة المتحايلة

تتمثل "المقاومة المتحايلة" ـ وذلك فيما يخص القصيدة الآتية ـ في الربط الشرطي بين قصيدة سالفة كوجود أول، وبين القصيدة الآتية كوجود تالٍ مترتب على الوجود الأول، نقطة الانطلاق إلى الربط الشرطي هذا، واضحة في المقارنة بين نموذجين شعريين متخيلين "سبعينيات ـ تسعينيات" مع اعتماد العمومية المخلة في إجراء المقارنة، النموذج الأول مستقر، يقابله النموذج التالي، الوافد، غير المتعين بالكامل، تتجلي الحيلة في إبراز مجموعة من السمات للنموذج الأول وإبراز نقيضها عند النموذج التالي، مع الاعتراف ـ بكثير من السماحة ـ بالجهد الانقلابي للنموذج التالي. في ظل سماحة كهذه، يتم تغييب أشياء عديدة، بل يتم تجريد الوجود الحي النامي وحصره في صورة ثابتة، بحيث لا يسأل أحد عن مسميات من قبيل "القيمة"، "الفاعلية" أو حتي "الفردية" غير المنفصلة عن فعل الإبداع نفسه، بمعني آخر، لا يسأل أحد عن مصداقية النموذج العام الذي تندرج تحته الأسماء، وكأنها أسماء حزبية تحني رؤوسها أمام الشعار المختزل لأيديولوجيتها.
"المقاومة المتحايلة" تمضي في طريقها لإنجاز المفارقة التي تأتي من الكلام عن الفردية والتعددية بصيغة مفرطة في عموميتها، صيغة سالفة، تستمد وجودها من الحركية السياسية في حقبة سابقة، وعندما تظهر كلمة "تسعينيات" الضخمة الرنانة، وبعدها تتري مجموعة مواصفات ونتائج عشوائية، تبرر ظهور الجيل الجديد، عندئذ، تجد الأسماء المحصورة في مسمي الجيل أنها مطالبة باكتشاف وتبني السمات والنتائج المستخلصة من أعمالها، والتي أوردها "الناقد السطحى"، فتبدأ دورة من التمثل اللاواعي لمقولات لا تستأهل أن تقود، لبساطتها، لكونها لا تعين شاعراً على أسئلته، مع دورة التمثل اللا واعي، تبدأ دورة أخرى من الإجهاد، إجهاض الصيغة الكتابية المكتشفة، بدلاً من توسعتها والإضافة إليها، يتحول الفردي والشخصي إلى العام والمشاع، إذ يتم الاتفاق الضمني حول "فردي" بعينه و"شخصي" بعينه، تصبح الإيروسية ـ مثلاً ـ غرضاً شعرياً مستهدفاً أو أيديولوجيا بديلة في ظل غياب فجائي للأيديولوجيات المتعارف عليها، فالاستخدام الحرفي لمجموعة من المفاهيم والموتيفات التي تخص طريقة في النظر إلى الجسد باعتباره كل ما يمتلكه الفرد من العالم، أحال هذه المفاهيم وتلك الموتيفات لمقولات صماء، يرددها شعراء ونقاد "حزبيون" لإثبات الولاء لآخر مراقب ومقيّم ، آخر متفق عليه، داخلي وذلك سعياً لإثبات المواكبة.
أيضاً يصبح "الاعتراف" زاوية النظر الوحيدة، كما يصبح السرد الآلية الوحيدة للتعامل مع اللغة، مما يمكن اعتباره الوجه الآخر للمفارقة الناتجة من الكلام عن التعددية بصيغة مفرطة العمومية.
العمل هنا، لا ينصب على المادة الخام التي اكتشفها الشاعر، بل ينصب على المقولة التي يسوقها ناقد يكثر من الكلام ويجنب الحدس، أو بالأحرى لا يثق في حدسه فينكسه أمام الضجة والحماسة المقترنين بكل نتاج طالع، الناقد المرتبك ليس فردا بعينه في هذا السياق، بل نموذج ونمط يكفيه ارتباكه ورغبته الملحة في الوجود لكي يطلق مقولات التقريظ السطحية، التي يهدف من ورائها إلى إجابة جميع الأسئلة، أسئلة النص، وتلك التي يطرحها بدوره على النص، ذاهباً في إجابته لآفاق تحول الأسئلة الحذرة إلى كيانات كاريكاتورية من النظر والموقف الفلسفي والجمالي تجاه العالم واللغة!
إذا كانت نقطة الانطلاق إلى الربط الشرطي، التي تعتمدها "المقاومة المتحايلة" تتمثل في عقد المقارنة بين نموذجين شعريين هيكليين، فإن حركية المقاومة المتحايلة نفسها تتجلي في "السجال": بوابة واسعة تنفتح بعد نقطة الانطلاق مباشرة، تدخل إليها القصيدة ولا تنتهي منها إلى مخرج، بعد نقطة الانطلاق يسيل التقسيم العقدي، كما يسيل التفسير التاريخي ثلاثي المراحل للقصيدة الآنية، بكل ما يحمل من طرافة وخفة "أبولو ـ سبعينيات ـ تسعينيات" وما يمثله من وجود كاريكاتوري لحلم الثورة المتجدد أبداً في الفن، ذلك الحلم الذي تم استيعابه مختلطاً بقدر من الغوغائية، كافٍ لإخراج الثوري من حيز الشعر إلى حيز الكلام عن الشعر.
أهناك تبرير لمصطلح "التسعينيات" الذي هو قياس مجاني لصيغة سابقة غير البحث عن مفجر للسجال؟ وهو الفعل الذي يتجاوز جدل شاعرين ينتمي كل منهما لكيفية بعينها، في الكتابة وصولاً إلى طريقة التفكير التي تحكم أدمغة، وتستبعد كل ما يمت إلى التفسير والتحليل والنظر، بقدر ما تزدهر في حضور موجات من ردود الأفعال، التي تصطدم بموجات أخرى من ردود الأفعال، وهكذا في متوالية لا نهائية، تفتقد نقطة الارتكازز
مع انعدام الثقة، تسير الذات غير الممتلئة بنفسها، الملتفتة للحلول تأتي من خارجها، تسير عكس أحلامها، تتواطأ ليبقي غبار السجال عالياً، من أجل أن توفر انفعالاً دائماً لنفسها، أو هرباً دائماً.

الاحتماء لأطول وقت ممكن

يبدأ السجال بالقصيدة، ثم لا يلبث أن يتجلي كوجود منفصل، بمعزل عن القضية التي هي محور الاشتباك، تتراجع القصيدة، حتي تكاد تختفي أمام الموجات المتلاحقة من المناقشات، حول مصطلح يُساء استخدامه، أو حول تفسير لتاريخ الشعر المصري، تتسع موجات السجال لكل جديد ووافد، اكتسب مشروعية إعلامية، ما بعد التصنيع، النظام العالمي الجديد، الكوننة، الإطارات العامة للسجال تزداد تمدداً، بينما القصيدة تتجه إلى التقوقع وحماية نفسها بهامش واقعي، لا يعدو إدراك الحواس لبعض الخارج المحيط.
تشبع المناخ الأدبي باجترارات حول الوجود الشرطي للقصيدة الآنية، لكن الوعي الفردي لم يتبلور يعد كملمح يمكن تلمسه، لم يخض الشاعر صداماته التي يجب أن يعبرها من أجل امتلاكه لوعيه الخاص، في مجتمع لا يسمح بنمو الوعي الخاص ولا يشجع عليه، بل يسوق الفرد إلى صيغ جمعية خالية من نزعة المسؤولية والمبادرة، على العكس، خاض الشاعر سجالات وسيخوض سجالات أخرى.
أعني بالصدام هنا: الحركة الإيجابية التي تعقب التمعن في أشكال المقاومة الواقعة على المبدع، ومنها بالطبع "المقاومة المتحايلة" التي تعمل على استيعاب كل خروج ودفعة باتجاه سكونيتها وركودها.
الصدام هو الفعل الأكثر كلفة، فالواعد بكتابة مغايرة، لا بد أن يمتلك القوة والجرأة للانقلاب على النقد التقريظي المجاني وغير المبرر، مثلما يمتلك قوة الصمود أمام هجمات المتكلسين والراكدين من النقاد والكتاب، بذلك يؤكد امتلاكه للوعي المغاير، الوعي بضرورة اجتراحه هو لمسمياته وتفسيراته وفهمه لإبداعه، يعي بمسئولية مغايرته، كما أنه يسير في اتجاه المحافظة على وعيه من الانجراف، وهو أيضاً ما أعنيه بـ"الفردية" إن حدوث عكس ذلك كفيل بإنتاج مناخ متواطئ، يسمح ببروز الصيغ المشتركة للإبداع، مع الفروق الطفيفة، التي بررها عدم التطابق البيولوجي بين الذوات، وهي الصيغة التي يقوم عليها المجتمع في بقية قطاعاته، الصيغ المشتركة للحياة، تغييب الإرادة والفردية لصالح السائد المتعارف عليه، من ثم، لا معيارية، بل تبادل الاحتماء بين أفراد القطيع الذي تحكمه آلية تسير لا يعيها المندرجون في السير، في مناخ متواطئ كهذا تشيخ مقولات سجالية بعينها، فتسحبها آلة السجال لتطرح مقولات جديدة، براقة، مستمدة ـ على سبيل المثال ـ من آخر بيانات "ما بعد الحداثة" حسب ما وصلنا متأخراً عن مراكز الإنتاج.
عندما تشيخ هذه المقولات الجديدة ويتشبع بها المناخ الشعرى، ستعمل آلة السجال على استنباط مقولات أكثر جدية، يتغذي عليها المتنابذون، بحيث يتوقف تأثير الشاعر على الدفاع عن إضافته المزعومة، فاقداً أو متنازلاً عن مسئوليته تجاه نفسه، وعن فعل المراجعة والنقد الذاتي، منزلقاًً إلى أنانية عدمية، متعامياً عن الخارج الذي يموج بالحركة من حوله وفيه، ومتعامياً بالتالي عن جزء كبير من تكوينه، فلا يتبقى له سوي أنا متعاظمة بالسلب، أنا منسحقة تتاجر بانسحاقها وضعفها فتجعل منه موضوعاً للمزايدة، لا يتبقي له سوي محاولات مستميتة للدفاع عن هذا الانشطار والفقدان بتعبيرات طنانة تصب في التنصل من كل مسئولية تلزم الكاتب أو الشاعر.
هذا النموذج "الأناني" ينساق في حقيقة الأمر وراء آليات ومفاهيم يصدرها مجتمع لا يمتلك عافيته، في حين يتنصل من كل شبهة تربطه أو تقربه من المجتمع نفسه، عبر الصيغة المثلي، التي يتولي، من خلالها تحمل مسئوليته، وذلك في مفارقة أخرى كبيرة!

الشعر باعتباره سلطة

"لا شعر على الساحة" عبارة كررها شاعر مستمر فى كتابة القصائد، مرة فى إطار الحكم على مجموعة من القصائد المنشورة فى إحدى الدوريات، ومرة ثانية خرجت العبارة من فمه محملة بقدر من الأسف والرغبة فى الإصلاح، إصلاح ماذا؟
"لا شعر على الساحة"، نحن فى زمن الرواية ، كمن يقول: "أتمنى أن أفعل شيئاً ولكن الوقت قد سبقنا، انتهى الأمر!" فى المرة الثالثة التى سمعت منه هذه العبارة، لم أجد فى نفسى الرغبة فى مناقشته حول عبارته الإطلاقية والتى يمكن أن تتساوى مع العبارة المقابلة لها "الشعر مزدهر على الساحة!"
الأمر الذى شغلنى يتعلق بتلك الطيبة وذلك الأسف اللذين أبداهما الشاعر "المحترف" أثناء نطقه للعبارة، ماذا تعنى تلك الطيبة؟ وماذا تعنى مع استمراره فى كتابة قصائده ونشرها؟ هل تعنى مثلاً وعياً بالأزمة؟ لم تكتب أيها الشاعر؟ هل تستثنى نفسك من السياق الذى تنفيه؟ إذا سألته سيجيبك بلهجته التى تعتمد الطيبة والصراحة لا أستثنى نفسى ولكنى مستمر فى الكتابة، لا أستطيع النظر إلا من هذه النافذة النفسية، أشر لى على طريق أمشى فيها، أشر لى على علامات أستضئ بها، أشر لى على نموذج اعتمده براحة خالصة، أشر لى على وسيلة للاندراج فى صيغة أدافع عنها، وساعتها سأقول الشعر مزدهر على الساحة.
إن وعى هذا النموذج إن ينطق يقل ما مؤداه " لا تطلب منى بذل الجهد فى معرفة غاياتى أو حتى معرفة نفسى، أو حتى إدراك معنى امتلاكى لوعيى، لا تطلب منى ذلك لأننى فى جميع الأحوال لن أفعل! بل لا تطلب منى أن أحب الشعر، أى نموذج شعرى عربى أو غربى أو مشرقى، أن أحب شعراً يعيننى على الحياة وعلى حركتى البسيطة وسط أهلى، فربما يدلنى ذلك على الجدوى الحقيقية للفن كمرآة لمعانقة الوجود الإنسانى فى جميع أشكال تبديه.
لا تطلب منى ذلك لأنى لا أستطيع امتلاك هذه الفضيلة، هذا الوعى ولا أسعى باتجاههما معاً. أنا أطفو، هذه كل مهارتى، إننى تعس وأعى جزئياً بتعاستى وهذا ما يؤلم حقاً، أن تعى نقصانك وأن تقوم بتعميمه، باعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة لإخفائه!"
إن المتشبث بمقعد الشعر رغم إعلانه عن صيغته الجمعية النافية لكل ما يكتب من شعر، إن هو فى حقيقته إلا باحث عن سلطة، يعينها فى سلطة الشاعر الكاريكاتورية عندما لا يكون الشعر خيار حياة، كما يجب أن يكون فى وضعيته المثلى، بل وسيلة للارتفاع الطبقى، أو للوجود الطبقى بمعنى أدق. الأزمة تتعين بتعين هذه الطبقة الوهمية وتحديد شروطها ومكتسباتها وحركتها بتحديد أفرادها ومواصفاتهم، إذ يجب أن يكونوا متساوين فى الموت والرطانة، فى الزيف والصراخ كذرات تراب تحت صخرة!
مأزق هذا النموذج يتزايد مع اتضاح أن الطبقة الوهمية (طبقة الشعراء) التى اخترعها لا تمتلك أى سلطة، كما أن الحياة نفسها فى مكان آخر، وأنه كلما أوغل فى نفى الفن الذى يتشبث به ليحقق وجوده الحياتى البسيط، إنما يفقد كل علاقة بهذا الفن (الشعر) ولا يعود قادراً على استيعابه أو تذوقه، كما يفقد كل علاقة بالحياة نفسها، وفى هذا قدر من الغباء وقدر من الزيف وقدر من التشوه وقدر من الخمول وقدر من التقاعس وقدر كبير من الموت!

الوعى الفردى مقابل الجيتو

تشبع المناخ الأدبى باجترارات حول الوجود الشرطى للقصيدة الآنية، لكن الوعى الفردى لم يتبلور بعد كملمح يمكن تلمسه، لم يخف الشاعر صداماته التى يجب أن يخوضها من أجل امتلاكه لوعيه الخاص، فى مجتمع لا يسمح بنمو الوعى الخاص ولا يشجع عليه، بل يسوق الفرد إلى صيغ جمعية خالية من نزعة المسئولية والمبادرة، على العكس خاض الشاعر سجالات وسيخوض سجالات أخرى لا تفضى إلى بلورة فرديته بقدر ما تملأ الفراغ فى ذهنه وفى محيطه.
أعنى بالصدام هنا الحركة الإيجابية التى تعقب التمعن فى أشكال المقاومة الواقعة على المبدع، والتى تعمل على استيعاب كل خروج ودفعه باتجاه سكونيتها وركودها.
الصراع هو الفعل الأكثر كلفة، فالواعد بكتابة مغايرة لا بد أن يمتلك القدرة والجرأة للانقلاب على النقد التقريظى المجانى وغير المبرر، مثلما يمتلك قوة الصمود أمام هجمات المتكلسين والراكدين من النقاد والكتاب، بذلك يؤكد امتلاكه للوعى المغاير، الوعى بضرورة اجتراحه هو لمسمياته وتفسيراته وفهمه لإبداعه، يعى بمسئولية مغايرته، كما أنه يسير فى اتجاه المحافظة على وعيه من الانجراف، وهو أيضاً ما أعنيه "بالفردية".
إن حدوث عكس ذلك كفيل بإنتاج مناخ متواطئ يسمح ببروز الصيغ المشتركة للإبداع مع الفروق الطفيفة، التى بررها عدم التطابق البيولوجى بين الذوات، وهى الصيغة التى يقوم عليها المجتمع فى بقية قطاعاته، فالصيغ المشتركة للحياة تعمل على تغييب الإرادة الفردية لصالح السائد المتعارف عليه، من ثم لا معيارية، بل تبادل الاحتماء بين أفراد القطيع الذى تحكمه آلية سير لا يعيها المندرجون فى السير!
فى مناخ متواطئ كهذا، تشيخ مقولات سجالية بعينها فتسحبها آلة السجال لتطرح مقولات جديدة، براقة مستمدة ـ على سبيل المثال ـ من آخر بيانات ما بعد الحداثة حسب ما وصلنا متأخراً عن مراكز الإنتاج.
عندما تشيخ هذه المقولات الجديدة ويتشبع بها المناخ وتزداد القصيدة تقوقعاً، ستعمل آلة السجال على استنباط مقولات أكثر جدة، يتغذى عليها المتساجلون، بحيث يتوقف تأثير الشاعر عند الدفاع عن إضافته المزعومة، فاقداً أو متنازلاً عن مسئوليته تجاه نفسه فعل المراجعة والنقد الذاتى، منزلقاً إلى أنانية عدمية، متعامياً عن الخارج الذى يموج بالحركة من حوله وفيه، ومتعامياً بالتالى عن جزء كبير من تكوينه، لا يتبقى له سوى أنا متعاظمة، أو أنا منسحقة تتاجر بانسحاقها وضعفها، فتجعل منه موضوعاً للمزايدة، لا يتبقى له سوى محاولات مستميتة للدفاع عن الشعر بألف ولام التعريف، أو الدفاع عن الانشطار والفقدان بتعبيرات طنانة تبالغ فى مسئولية الشاعر لتصل به إلى الديكتاتور الفاشى أو تصب فى التنصل من كل مسئولية تلزم الشاعر.
هذا النموذج "الآنى" ينساق فى حقيقة الأمر وراء آليات ومفاهيم يصدرها مجتمع لا يمتلك عافيته، فى حين يتنصل من كل شبهة تربطه أو تقربه من المجتمع فى مفارقة كبيرة.
يتخفف النموذج "الأنوى" لكنه لا يفلت من وعى غير معلن بالنقصان والعجز الذى يظهر فى رغبة دائمة متسلطة فى نفى العجز بتضخيم الذات والدفاع عن أصالة لا تاريخية للنوع الشعرى بتحليلها لا تصب إلا فى شعر الشاعر نفسه ، أو الانتماء لكل مبهر وجديد بقدر كبير من الغوغائية والسطحية .
إذا يتم ذلك يتراجع الشاعر مختاراً من الطليعة إلى الصفوف الخلفية مندرجاً وطائفته كإحدى الطوائف الآخرى المكونة للمجتمع، شأنه شأن الحرفيين بتنوع حرفهم، فيكون قد هُمش مرتين، مرة من المجتمع المتخلف الذى لا يرى قيمة فيما ينتجه، ومرة ثانية بسب اعتماده الحركة السجالية، مما يترتب عليه غياب الإضافة، غياب الطموح والقدرة على المجتمع.

أخلاقيات العمى .. استعراضيون صغار

"ليس عندى مشروع"، "لا أعد أحداً بشيء"، إلى آخر هذه العبارات الرنانة التى تحمل قدراً كبيراً من الاستعراض المجانى ولا تحمل جديداً، شاعت مؤخراً حتى بدأت تترسخ كطريقة فى التفكير!
الحقيقة أن لا أحد يطلب من الكاتب أو الشاعر شيئاً ولا أحد يريد منه تعهدات بعينها، الكاتب أو الشاعر نفسه هو الذى يختار بين مجانية التقليد ومسئولية الابتكار والإضافة غير المقترنة بالاستعراض والتباهى وغيرها من الشوائب المقيتة، فانعدام المشروع، ناهيك عن إعلان ذلك والتباهى به لا يستقيم مع بزوغ كاتب أو شاعر، فكل مبدع يبدأ من التساؤل والسؤال فى ذاته مشروع وسعى إلى الاكتشاف والمعرفة.
العدمية الظاهرية هذه ترتكز على أخلاقية للعمى ـ إذا جاز التعبير ـ معها لا يتم التساؤل، بل يتم التكيف مع النموذج الذى أصبح إعلامياً فجأة، نموذج القصيدة أو نموذج السلوك، وفى هذه الحالة لا يكون الخروج على صيغة سالفة خروجاً حقيقياً، ولا يكون خرق أشكال السلوك القائم حقيقياً، بل يكون احتذاء سلفياً فى جوهره.
لا تسمح أخلاقية العمى بالاختلاف، والاختلاف يعنى جدلاً وتساؤلاً، يعنى الفردية كأساس، من هنا فإن من يعتمد "العمى" كأخلاقية وطريقة فى النظر، يعتقد يقيناً أن المخالفة تهديد لوجوده، وإن أعلن فى كل مناسبة مبدأ المخالفة لأنه ليس وثيق الصلة بما يعتقد، ليس نفسه!
هل تخرج عملية الكتابة عن تقريب الكاتب من نفسه ودفعه لمحبة ذاته محبه سوية بمحبة المجموع الذى ساهم فى تكوينها، والذى يشمل المكان والناس والتاريخ والتأثيرات الخارجية المتعددة؟
إن عكس ذلك تماماً ما يمارسه عدد كبير من المبدعين تجاه أنفسهم من عملية خصاء عبر تحجيم هذه الغايات وقصرها فى مظهر سطحى للتمرد هو الصراخ، وهنا لا يمكن التنبؤ بأية إضافة أو تعيين لأسئلة تساعد على عيش الحياة ومحبتها!

موضة اللغة الأحادية البعد

أسهمت بعض التصورات النقدية الهزيلة التى راجت خلال السنوات القليلة الماضية فى تكريس التعامل مع اللغة على صورة "الموضة" (أو الصرعة بتعبير إخواننا الشوام)، فكان أن اجترأ أصحاب هذه التصورات الهزيلة ليقدموا تعريفات وبيانات حول اللغة المثالية للشاعر ما بعد الحداثى (أى الشاعر الذى يمثل اللحظة الراهنة والذى يمتلك لياقة القصيدة)، دارت حول ضرورة التزام "الشاعر اللائق" باللغة المحايدة، غير المتقعرة السهلة، البسيطة، التى تعكس حركة ذاته فى حياتها المعاشة، لغة تقرب الفصحى إلى العامية، وذلك تحت وهم مؤداه أن اللغة ما بعد الحداثية ضد اللغة الحداثية التى سادت الشعر المصرى فى فترة السبعينيات، والتى اعتمدت الزخرفة والشقشقة حيناً، أو اعتمدت الضبابية والتهويم الصوفيين حيناً آخر.
والحق أن كلاً من التصورين ـ التصور الحداثى السبعينى والتصور ما بعد الحداثى التسعينى ـ عن اللغة، وعن اللغة الشعرية بصفة خاصة، قد أفقر اللغة وحصرها فى شكل الوعاء الذى يُملأ بالفكرة أو بالخاطرة الشعرية، وهذا ضد منطق اللغة أصلاً وضد طبيعتها، اللغة هى كل شيء هى الفكر، هى ما نعتقده، ولا وجود للأشياء خارج اللغة، وبقدر كثرة الاعتقادات والذوات، تتعدد صور وتجليات اللغة، وبقدر تعدد الشعراء تتعدد اللغة الشعرية.
كان من نتيجة سيادة التصورات الفقيرة المستلبة عن اللغة، أن أصبحت التصورات نفسها نوعاً من الوعى الشعرى المغلوط الرائج، وكثيراً ما تصادف شاعراً له تجارب عدة ويحاول أن يكون مواكباً للحظة الراهنة فلا يجد أمامه من تكآت سوى استخدام بعض التعبيرات العامية وتعمد الركاكة واستخدام ألفاظ الحياة المعاشة الأجنبية وحشرها حشراً داخل قصيدته، الأمر نفسه تجده لدى الشعراء الطالعين الذين يقدمون قصائدهم للقراءة بثقة لا تستند إلا إلى رضائهم عن كتابتهم حركه حياتهم على أسطر متفاوتة الطول مثلما يتحدثون عن هذه الحياة شفاهة على المقهى!
أيضاً أصبح لفظ "اللغة لفظاً سيئاً إذ تم ربطه بتجل من تجليات اللغة مثل الزخرفة أو التهويم اللغوى الصوفى، ومن ثم ضعفت تلك العلاقة الراسخة بين الشاعر الطالع وبين عيون الشعر فى لغته، كما أصبحت طريق البحث والترقى بحثاً عن الصوت الخاص طريقاً وعرة لأنها لا تمر بالمجالدة والمجاهدة والاختيار، بل تمر بأرض "الموضة" الشائعة، المشاع، ويكفى أن يدرك الشاعر أنه كى يكتب قصيدة نثر مواكبة عليه أن يتابع حركته اليومية وأن يقوم بتسجيلها فى كلمات: أى إفقار!
لقد وصل الأمر بتأثير شيوع المغالطة الخاصة باللغة الأحادية إلى نزوع عديد من شعراء الفصحى إلى كتابة قصائدهم استناداً إلى روافد الوعى العامى بالأشياء والعلاقات وترجمة هذا الشعر إلى الفصحى مما ينتج شعراً ركيكاً يذكرنا بركاكة العصرين المملوكى والعثمانى!

العقل الناقل

المفاهيم ليست آلات مصمتة يمكن تشغيلها بالكفاءة نفسها خارج الوسط الذي أنتجها، أو يمكن الاستفادة منها بإطلاق، بل يجب التعامل معها بتصرف وليد اختلاف المشارب والحاجات، فهي بالأساس وليدة حاجة آنية لحضارة ومجمتع مختلفين عن الحضارة والمجتمع الناقلين لهما، من هنا فإن الخطأ الأول الذي تبني عليه سلسلة من الأخطاء تقود إلى الضبابية، يكمن في آلية العقل الناقل، سواء انطلق من شوفينية ورعب، يزينان له تثبيت مرحلة من تاريخه بوصفها الأحسن والأكثر فاعلية، والأصلح لمواجهة الحركة الدائمة من حوله، ومن ثم يتقاعس عن خوض معركته مع لحظته، والتي يتوجب عليها خوضها ليبرر وجوده، أو اعتمد على قناعة يصدرها الآخر المتفوق الذي يقدم تفوقه على أنه المعيار، وبالتالي فإن العقل الناقل يفقد مبرر وجوده ويصبح أشبه بالنباتات المتسلقة التي ترتفع بالالتفاف على دعامات.
مرد ذلك، يكمن في غياب الوعي بالتشابك بين قضايا الفكر وسياق تطور المجتمع وحاجاته، الانفصال بين مجال فكري أو حقل نظري، وبين المجالات الأخرى، وهم ينبغي التخلص منها، كما أن مجالات الفكر النظري لا تكاد تنفصل عن مجالات الحياة العملية، فالتناغم، هو الذي يحكم العلاقة بين الحقلين، النظري والعملي، وكل منهما يدفع الآخر إلى الاطراد والنمو، فيمكن قراءة الخط البياني لمجتمع بالتمعن في تفصيل أو جزئية في هذا المجتمع، سواء في علم الأحياء أو النقد الأدبي.
في مقدمة "معذبو الأرض" لفرانز قانون، يصف سارتر ـ بكثير من السخرية ـ تكريس أوروبا لاستلاب طلائع الشعوب النامية تجاهها بقوله: "من باريس ولندن وامستردام، كنا نهتف قائلين: "بارتنيون، أخوة" فإذا بشفاه تنفرج في مكان من الأمكنة بأفريقيا أو آسيا لتقول: "نيون.. خوة!" كان ذلك بالأمس، أما اليوم، فعندما يتكلم فردريك جمسون عن طرز العمارة في المجتمع ما بعد الصناعي، انطلاقاً من منظومة شاملة، ترتبط فيها المظاهر الاجتماعية بأنماط التفكير والحاجات الملحة للمجتمع الأمريكي، أو عندما تتري التحقيقات عن التقدم المذهب في وسائل الاتصال والمعلومات وواقع القرية الكونية التي كان اسمها الأرض، فإن بعض الأفواه تمتلئ بكلام عن الثورة المعمارية الجديدة، التي يجب مواكبتها أو عما تمثله ثورة المعلومات من حلم كل فرد يعيش داخل القرية الكونية!
عندما يقدم إيهاب حسن مجموعة معطيات وصفية متخيلة للنص ما بعد الحداثي انطلاقاً من الاتساع الهائل للوعي الأمريكي وتحلله أيضاً، والمرتبط بمنجزات تكنولوجية أصبحت حجر الأساس للمعرفة، حيث أصبح يُنظر للوعي على أنه نسق معلوماتي، تصبح هذه المعطيات الوصفية خطة عمل لانجاز النصوص، بمظهر غافل عن أن بقعة مثل مصر، هي إحدى المناطق القليلة في العالم، التي لم تتخلص بعد من بلهارسيتها وإنكلستومتها.
إن إيهاب حسن في انجازه لمعطياته الوصفية للنص ما بعد الحداثي، إنما ينطلق من شبكة علاقات ودرجة تصارع تخص مجتمعاً بعينه، تخص عقول بعينها وحدوث بعينها، تخص مبدعين لهم حاجاتهم ومعاناتهم.
إن إمكانية أن تصب هذه النتاجات في الإنسانى العام، لا تتعارض، بل تشترط نقطة ارتكاز مؤداها: علاقة هذه النتاجات ببقعة معينة من الأرض. لا نستطيع الزعم بأننا، هنا، في مصر نستنشق هواءها. في الوقت نفسه، لا يصب هذا الكلام في تسكير أدمغتنا أمام الوافد، فليس هذا مقصدي، إذ إن الفكر الموصوف بالوافد، هو نتاج الحضارة الأقوي، المهيمنة، لا يمكن الإعراض عنه، حتي لو أردنا، أو تراجعنا درجات إلى الخلف، وإنما الهدف الأساسي يتلخص في كيفية النظر إلى الوافد، والأخذ منه بشروط الآخذ، وليس شروط المنتج، الذي يسعي ـ ككل منتج ـ إلى رفع ما ينتج إلى درجة المعيار.
الوعي النقدي، هو ما يجب التحلي به، بأن يوجد المبدع نافذته، التي ينظر من خلالها إلى التيارات المتلاطمة من حوله، كما ينظر من خلالها إلى مسار تطوره وتاريخه، ومن ثم، توجد قدرته على الفرز والاختيار دون خجل، وبجرأة تساوي تخصيص الأمراض.
المفارقة الدائمة، أن كل خطاب غير أصيل "مقلد" إنما يحمل في ذاته كعب أخيل الثغرة التي ترشد الوعي، بعد لحظة أو بعد حين إلى زيف هذا الخطاب، بل إن هذه الثغرة نفسها، لكونها متنامية، تأخذ في ابتلاع الخطاب نفسه، في حيز زمني متسارع، بحيث لا يتبقي منه سوي دلالة الثغرة على وعي مزيف ومتكالب، يجلب السخرية وعلى نمط من التفكير يخص كائنات أدني درجة كالقردة أو الببغاوات وقد اعتمدها آدميون!

لحظة ضد الكتابة .. بحثا عن الأمل

كتبت فى موضع سابق أننا فى لحظة ضد الكتابة، ضد مطلق الكتابة والإبداع، لحظة انحطاط للإنسانية تتراجع معها كل الغايات النبيلة التى دفعت عملية الكتابة باطراد إلى مراكمة النتاج فى أنساق وأغراض وأنواع متباينة كما دفعتها إلى التطور والنماء، وهو ما يعطى الكاتب والشاعر قبلا، مكانة الشهداء أو حراس الثقافات الذين يحفظون ثقافة أمتهم وينقلونها من جيل إلى جيل سابحين ضد التيار.
الأحداث ومعظمها لا عقلانى، عبثى، وحشى، لا إنسانى (بمعنى أنه مخالف للصورة المثالية التى ينشدها الإنسان عن نفسه، لا مخالف لطبيعة الإنسان التى هى فى جانب منها وحشى وبربرى) ـ هذه الأحداث أبلغ من آلاف الكلمات التى من الممكن أن تُكتب، وتصل هذه الأحداث بفعل التطور التكنولوجى إلى الناس أسبق من آلاف الكلمات، عبر الفضائيات والقنوات الأرضية والإذاعات والعنف فى الشارع والبيت والمدرسة والماء والهواء!
لم يعد الناس يصدقون فى مسميات مثل "القيم الإيجابية، الغايات، الجدوى، المستقبل، وذلك لأن الحضارة المهيمنة بربرية فى جوهرها، ووحشية فى ممارساتها من فيتنام إلى كوسوفو مروراً بأفغانستان وليس انتهاءً بالعراق. هذه الحضارة قد فرضت قيماً بالسلب على العالم كله لم يعد من الممكن تجاهلها لا فى الممارسات الحياتية البسيطة مثل تبادل حوار بين شخصين فى شارع ما، مروراً بالكتابة والعلاقات الدولية والنظر إلى المستقبل!
أصبحت القيمة متركزة فى القوة الغاشمة، وفى القدرة على فرض الإرادة على إرادات الآخرين، وأصبحت كلمة "المصلحة" التى تقتضى "العنف الوقائى" أو سحق الآخر المحتمل أن يكون عدواً بعد سنوات، دستوراً كونياً، وهذا ليس إغراقاً فى السياسة، ولكنه نظر ،من موضع العجز والسحق، إلى العالم!

ما الذى يمكن أن يقدمه عاجز أو مسحوق أو مظلوم يشعر بالغبن والقهر إلى العالم؟ خاصة وأن هذا العالم لم يتحرك لإنصافه، وهو لا يتحرك لإنصاف الضعفاء؟!
هل هناك فارق جوهرى بين أن يكون هذا العاجز المسحوق كاتباً أو بائع بطاطا مثلا؟
المفترض أن الكاتب يبحث عن أفق، عن حلم، عن أمل ويتوجه إلى جمهوره بما هو أبعد من حاجاتهم المادية، بينما لا يفعل ذلك بائع البطاطا، إذ يبحث بين جمهوره عمن يشترى سلعته قبل أن تفسد ليجد قوت يومه، ولكن هل من الممكن أن يتحول الكاتب إلى بائع للبطاطا؟!
عندما أفكر فى "الكتابة الآن"؛ أرى جسداً تتفشى فيه الغنغرينا، يتلف شيئاً فشيئا ولا علاج له إلا هزة عنيفة تعيد روح المقاومة إلى الكاتب وتعيد مناخ المقاومة إلى البلد، وتعيد علاقات الجدل والاحتكاك بين أصحاب الرؤى والمواهب، وتعيد الأمل إلى المبدع، وتبنى النزعة الثقافية من جديد فى الأجيال الطالعة.

***

رحيل الشعراء وسؤال الموت
لماذا يرحل شعراء العامية مبكرا؟
مسعود شومان

"كلما كانت كتابتك سيئة، زادت احتمالات بقائك على قيد الحياة"
الشاعر فرانز رايت (*)

"إننى قد أموت فى أى لحظة، ومن ثم فإن الموت هو الإمكانية التى أحملها الآن وفى أى وقت، إنه بمثابة الشرك الذى يمكن أن تنـزلق إليه قدمى فى أية لحظة "
هيدجر (**)

تطمح هذه الورقة إلى طرح سؤال الموت؛ أعنى موت الشعراء، وتتوجه بالسؤال مختصة شعر وشعراء العامية فى محاولة لمعاينة واقع الحال برحيل عدد كبير من شعراء العامية فى سن مبكرة، لذا سيكون سؤال الدراسة لماذا يموت شعراء العامية مبكرا، وكى يخرج السؤال من مباشرته التى قد تبدو إعلامية فإننا نرى اشتباكا بين عدة علوم (الطب ـ الاجتماع ـ النفس ـ الأدب ) لا بد أن تتشارك للإجابة عن سؤال الموت المبكر للشعراء، وسوف تحاول هذه الورقة أن تمسك بطرف من الإجابة حين تقوم بالتركيز على شعراء العامية فى مصر وإلقاء الضوء على عدد من شعراء الثمانينيات الذين يمثل موت عدد كبير منهم ظاهرة تحتاج للدرس، سواء على المستوى الاجتماعى أوالجمالى ربما انكشف سؤال الموت من داخل البنى الشعرية ليضع أيدينا على بعض الإجابة، كما يحتاج هذا النوع من الأسئلة مطالعة الببليوجرافيات ـ عمل لم ينجز بعد ويحتاج لجهد المؤسسات الثقافية (1) ـ ورصد تواريخ ميلاد ووفاة الشعراء، فضلا عن الدرس الإحصائى الذى سيعين الباحث على اكتشاف المشتركات فى ظاهرة كبيرة هى ظاهرة الموت لتخرج من أسطوريتها أحيانا وميتافيزيقيتها أحيانا أخرى؛ لتتحول إلى ظاهرة يمكن دراستها ومعاينة الإجابات عن سؤال الموت الغامض الذى ظل سؤالا شعريا نبحث عن إجاباته فى السياقات والأنساق والأبنية اللغوية والموسيقية التى تشكل العالم الشعرى لشاعر أو عدد من الشعراء، كما يحتاج هذا النوع من الدرس إلى إعداد استبيانات علمية دقيقة يمكن قراءتها لتتواشج مع الدرسين الاجتماعى والجمالى.
حين طرحت السؤال على نفسى ـ مهتديا بموت عدد كبير من شعراء جيلى والجيل الذى سبقه مباشرة ـ لم أكن أعلم أن ظاهرة موت الشعراء مبكرا قد طالها الدرس فى بعض البلاد الأوربية وأمريكا، وهو ما يدعونا للاهتداء بما أنجز منها للوقوف على هذه الظاهرة الإنسانية والاجتماعية والشعرية، وظنى أن النتائج التى توصلت إليها هذه الدراسات ـ قليلة العدد ـ كانت ستتغير لو أدخلت ضمن حساباتها عدد الشعراء الذى رحلوا من العرب، من هنا فإننى أدعو أقسام علم النفس والاجتماع واللغة العربية للاجتراء على موضوعاتها الساكنة، وطرح سؤال موت الشعراء المبكر لتقدم هى الأخرى محاولاتها للإجابة.

إطلالة على دراسات موت الشعراء
هل حقا يموت الشعراء مبكرا المعاينة الأولية تشير إلى ذلك، لكن هل هذا يشير إلى حقيقة ثابتة مدعومة بمستندات علمية، وهل لذلك علاقة بمجتمعاتنا العربية وحدها، وكيف نتتبعها فى الواقع الثقافى المصرى، وما مدى صحة السؤال عن موت شعراء العامية ـ تحديدا ـ فى سن مبكرة؟
إن المتتبع لهذا النوع من الدراسات سيتوقف أمام دراسة "جيمي س. كوفمان"، مدير معه بحوث التعليم بولاية كاليفورنيا، في سان برناردينو، التى ركزت على ظاهرة موت الشعراء في سن مبكرة. وقد تناولت الدراسة 1987كاتباً بارزاً راحلاً وسجلت متوسط الأعمار عند وفاة الروائيين والشعراء وكتاب المسرح والمؤلفين الآخرين، ذكوراً وإناثاً، من بينهم كتاب كنديون ومكسيكيون وصينيون وأتراك وأوروبيون شرقيون، إلى جانب كتاب وشعراء أميركيين. وقد أفادت الدراسة بأن متوسط عمر الشعراء كان 62.2 سنة، بالمقارنة بالكتاب غير الروائيين، الذين عاشوا حياة أطول، 67.9 سنة. بينما بلغ متوسط عمر الكتاب المسرحيين 63.4 والروائيين 66 سنة. وقد تأكدت الفروق بين الشعراء والناثرين وسط الأميركيين، حيث عاش الشعراء في المتوسط 66.2 سنة، وعاش الكتاب غير الروائيين 72.7 سنة(2).
والسؤال هل لموت الشعراء علاقة بنوع الكتابة، أم بوضعية هذا النوع فى سياق الكتابات النوعية الأخرى، أم بانحصار أماكن النشر والعامل مع هذا النوع من الشعر بوصفه "درجة ثانية" على أحسن تقدير، أم بحصار هذا النوع من الشعر ومحاولة تثبيته عند حدود الإلقاء فى الندوات والأمسيات، أم من قلة الجوائز الممنوحة له، أم بالنضج المبكر، أم بالوعى بالمجتمع أم بتحقيق الشهرة فى سن صغيرة، أم له علاقة بالتكون الاجتماعى، أم تقف العلاقة عند المستوى الطبقى الذى ينتمى له الشاعر، وهل يؤثر المستوى اللغوى وطرائق الإبداع والبحث عن الجديد فى الوصول للموت بوصفه أحيانا ليس نهاية للحياة، لكن بوصفه بداية الخلود واللمعان والاهتمام بالراحل، وهل الرغبة فى التجاوز وتفجير اللغة والخروج عن الثابت والمألوف يصل الشعراء بطريق الموت أم أنه يضعهم فى قلب الحياة؟
إن هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة التى يمكن أن تنضاف من المهتمين والشعراء يمكن أن نجد لبعضها إجابة فى دراسة "كوفمان" التى تؤكد أن صورة الكاتب كشخصية ابتليت بالشقاء وفي بعض الأحيان سنجدها صورة تراجيدية، قدر لها الموت مبكراً، كما يمكن أن يؤكدها البحث الذى استمد بياناته عن الكتاب والشعراء من كتب السير الذاتية (البيوجرافيات) والموسوعات الأدبية، وهى قد تمنحنا مؤشرا إحصائيا لا بد من اكتماله بالدرس الميدانى والقراءات التحليلية للمنتج الشعرى الذى يمكن أن يكون مرشدا فى تنبؤه بالموت أو ما يتشاكل قى سياقاته من دلالات كالعجز والانطفاء والقهر والاختفاء والغربة والوحدة وانتهاء بالموت والانتحار.
نحن إذن أمام مجموعة من الطرق المؤدية إلى الإجابة من خلال البحث عن الأسباب، ففى مقابلة مع فيليشيا ر. لي، يقول " إنها مجموعة كاملة من الأسباب. إذا تأمل الإنسان أكثر، زاد احتمال إصابته بالاكتئاب، والشعراء يتأملون. والشعراء ينضجون في سن مبكرة. وهم يكتبون على انفراد وحدهم" (3) وهو ما يتأكد حين نبحث فى النوع الأدبى ومعدلات الموت فمعدل الموت في سن مبكرة بين الشعراء ربما كانت له علاقة بطبيعة الإبداع الشعري في حد ذاته. وقد وجد الباحثون أن التواجد في حقل عاطفي ذاتي يرتبط بالاضطراب العقلي. مقارنة بالكتابة النثرية، حيث يميل الشعراء ـ غالبا و بدرجة أكبر ـ إلى الاستبطان والتعبيرية، وهو ما قد يؤدى إلى استنتاج أن معدلات موت الشعراء الأكثر إرتفاعاً ربما كان لها علاقة بزيادة معدلات إصاباتهم بأمراض عقلية، لكن هذه النتيجة تجافى أسباب موت الشعراء عندنا، حيث إن معظمهم قد ماتوا نتيجة المرض (4) ، أما العلاقة بين نوع الإبداع والخلل النفسى والعقلى فقد أشار إليه "أرنولد لودويج"، أحد أبرز الباحثين في هذا المجال، حيث رصد في كتابه ثمن العظمة الصادر فى عام 1955 حيث حاول "حل الجدل حول القدرة الإبداعية والجنون" من خلال درسه لمسار حياة أكثر من ألف شخصية بارزة في ثماني مهن تتعلق بالفنون الإبداعية ومعها عشر مهن أخرى، وقد استنتج أن الاضطرابات النفسية كانت أكثر شيوعاً بين الفنانين، كما وجد "لودويج" أن نحو 20% من الشعراء المرموقين قد انتحروا، بالقياس إلى معدل الانتحار فى المهن الأخرى حيث بلغ 4 %، كما يضيف أن استنتاجات كوفمان تؤكد إلى حد كبير بعض الاستنتاجات التي توصل اليها بنفسه. فقد ذكر في دراسته، على سبيل المثال، أن متوسط عمر الشعراء 59.6 سنة، بالقياس الى 73.5 سنة للعلماء الاجتماعيين. وأن متوسط عمر الكتاب غير القصصيين 70.6 سنة بالقياس إلى الفنانين الموسيقيين الذين بلغ متوسط عمرهم 57.2 سنة (5).
إن القراءة لحال الشعر المصرى خلال ربع قرن مضى ستؤكد على عدد من الظواهر لعل منها ظاهرة رحيل شعراء العامية فى سن مبكرة، وسيقف المتتبع مندهشا أمام رحيل عدد كبير من الشعراء، وستزيد الدهشة حين نطالع أسماء شعراء العامية من الراحلين سواء من حققوا شهرة ومكانة كبيرة أو من لم يقدر لحياتهم أن تمنحهم الذيوع، ويمكن أن نرصد أسماء: "فؤاد حداد، صلاح جاهين، حجاج الباى، فؤاد قاعود، زكى عمر، مجدى الجلاد، محمد إبراهيم أبو سعدة، محمد النبوى سلامة، محمد حمد، محمد صابر مرسى، كامل حسنى، عبد الدايم الشاذلى، أحمد عبيدة، عمر نجم، خالد عبد المنعم، مجدى الجابرى، إبراهيم عمر، عصام رخا، ليلى محمد على، فنجرى التايه، إبراهيم رضوان مجاهد، إبراهيم غراب، السيد الغواب، فاوى الشريف، أسامة الدناصورى(6)، محمد عبد المعطى، عصام حجاج، محمد الحسينى، كامل عيد رمضان، عصام العراقى، صابر فرج، عبد الرحمن درويش، محروس الصياد، محمد العتر، الشربينى خطاب".
وتشير القائمة إلى رحيل عدد كبير من شعراء العامية فى جيل الثمانينيات فى سن مبكر، فمعظم من رحلوا لم يكملوا 50 عاما، بل إن بعضهم لم يكمل عامه الثلاثين، وهى ظاهرة تستأهل الدرس مع هذا الجيل تحديدا الذى يمثل قنطرة بين جيلين؛ قنطرة عبرت عليها التغيرات السياسية والاجتماعية الحادة، فضلا عن الإهمال النقدى الذى لقيته هذه المرحلة، فظل النقاد يتابعون شعر السبعينيات والتسعينيات وكأن جيلا كاملا قد سقط من حسابات التأريخ والمتابعة النقدية، من هنا أود أن ألفت النظر إلى أن ظاهرة موت عدد كبير من الشعراء فى هذا الجيل ربما ترجع فى أحد أسبابها إلى هذا النفى الذى تم بقصد أو بسوء نية، وينضم إلى ذلك غياب عدد من الشعراء الذين بشرت كتاباتهم فى أوائل ومنتصف الثمانينيات بشعرية جديدة لكنهم آثروا الانسحاب أو اعتزال الحياة الثقافية أو اللجوء لنوع آخر من الكتابة، و تدلنا القائمة الموثقة لميلاد ورحيل عدد من شعراء العامية إلى عدد من الملاحظات منها:
- إن البيانات الخاصة بميلاد ورحيل الشعراء تعانى من إهمال ونقص شديدين، وهو نقيض الحمى التى تطالعنا يوميا عن عصر المعلومات والتوثيق، وقد كابدنا كثيرا لنحصل على بعض هذه البيانات، عن طريق الببليوجرافيا التى أقوم بإعدادها أو من خلال الاتصال الشخصى، ولولا مجموعة من الشعراء والكتاب المخلصين لما استطعنا توثيق عدد من تواريخ ميلاد ورحيل هذه المجموعة من الشعراء (7).

- رحيل شاعرين كبيرين من رواد شعر العامية وهما (فؤاد حداد – صلاح جاهين) فى سن مبكرة نسبيا، رغم أنهما قد تركا لنا إرثا كبيرا ومتنوعا يمثل شهادة متسعة للحراك الاجتماعى والسياسى، فضلا عن التطور الجمالى لهذا النوع من الشعر.
- إن معظم الشعراء الذين اقتربوا من الكتابة التقليدية، ومارسوا كتابة الزجل كانت أعمارهم طويلة نسبيا، فمعظمهم قد تجاوز السبعين قبل أن يترك دنيانا.
- إن عمر شعراء العامية بدأ فى التناقص بداية من عام 1950 – يمثل الشاعر أحمد عبيدة استثناء لأنه مات منتحرا حيث ولد عام 1940، ورحل وهو في ذروة شبابه عام 1974عن 34 عاما.
- إن الشعراء الذين رحلوا عنا فى سن مبكرة ممن تم رصد بياناتهم ينتمون لجيلى السبعينيات والثمانينيات، وقد عاش أطولهم عمرا (51 عاما) وأقصرهم عمرا رحل عن 29 عاما.
- إن كل شعراء العامية الذين رحلوا من جيل الثمانينيات قد رحلوا بعد معاناة مع المرض، عدا الشاعر محمد عبد المعطى الذى رحل عن دنيانا إثر حادث أليم.
- إن هذا التتبع قد يمنحنا مؤشرا على الوضع الاجتماعى الذى عاشه هؤلاء الشعراء، بل لا نستطيع أن نتعامل مع رحيلهم بمعزل عن هذه الفترة التاريخية وانعكاساتها على المجتمع المصرى عامة.
- إننا بحاجة إلى تتبع السير الذاتية الخاصة بكل شاعر للكشف عن المشتركات والاختلافات، وقراءة المنجز الشعرى فى ضوء البيوجرافيا، ولا يجب فى هذه الحالة التعامل مع النص الشعرى بوصفه ذاتا مستقلة عن حياة الشاعر.

قائمة بيانات بميلاد ورحيل مجموعة من شعراء العامية المصرية

م

سنة الميلاد

الاسـم

اليوم

الشهر

المحافظة

تاريخ الوفاة

سن الوفاة

1 1924 حامد البلاسى     بورسعيد 2000 76 عاما
2 1928 فؤاد حداد 28 أكتوبر القاهرة 1 نوفمبر1985 57 عاما
3 1928 محمد النبوى سلامة 20 يناير دمياط 16أكتوبر2001 73 عاما
4 1929 السيد الغواب 16 يناير دمياط 2001 72 عاما
5 1929 كامل حسنى 14 أبريل الإسكندرية 18أغسطس2008 79 عاما
6 1930 صلاح جاهين 25 ديسمبر القاهرة 21 أبريل 1986 56 عاما
7 1931 حامد أبو يوسف     دمياط 1996 65 عاما
8 1933 عطية عليان 22 نوفمبر السويس 1 يناير 1986 53 عاما
9 1935 حجاج الباى     أسوان 1991 56 عاما
10 1936 فؤاد قاعود     الإسكندرية 17 يناير 2006 70 عاما
11 1936 كامل عيد رمضان 23 يونيو السويس 22 أبريل 2009 63 عاما
12 1937 محمد أبو سعدة 15 نوفمبر دمياط 16 يناير 2002 75 عاما
13 1938 إبراهيم غراب 4 أكتوبر كفر الشيخ    
14 1938 زكى عمر 23 نوفمبر الدقهلية 24 يوليو 1987 49 عاما
15 1939 محمد صابر مرسى 12 مايو القاهرة    
16 1940 أحمد عبيدة     القليوبية 1974 34 عاما
17 1940 محمد العتر 8 سبتمبر دمياط 29 نوفمبر 2009 69 عاما
18 1941 فاوى الشريف     الإسماعيلية 2002 61 عاما
19 1942 إبراهيم رضوان مجاهد 11 مارس الدقهلية    
20 1943 صابر فرج 13 نوفمبر الإسكندرية 27 سبتمبر 2008 65 عاما
21 1944 محروس الصياد 29 أغسطس دمياط 29 سبتمبر 2007 63 عاما
22 1948 الشربينى خطاب 2 ديسمبر الدقهلية 2 ديسمبر 2009 61 عاما
23 1950 إبراهيم عمر     الإسماعيلية 1999 49 عاما
23 1952 عبد الدايم الشاذلى 30 مارس كفر الشيخ 2 مارس 1997 45 عاما
25 1953 فنجرى التايه 14 يونيو اسوان 2002 49 عاما
26 1954 مجدى الجلاد     دمياط 7 مايو 2008 54 عاما
27 1955 ليلى محمد على 10 يوليو الجيزة 25 ديسمبر 2001 46 عاما
28 1956 عمر نجم 21 سبتمبر سوهاج 1995 39 عاما
29 1957 عصام العراقى 23 مايو القليوبية 14 يوليو 2008 51 عاما
30 1957 محمد الحسينى 9 مايو الفيوم ديسمبر 2008 51 عاما
31 1958 عصام حجاج 4 نوفمبر القليوبية 18 مايو 2008 50 عاما
32 1959 عصام رخا 26   الدقهلية 13 نوفمبر 1999 40 عاما
33 1960 أسامة الدناصورى     كفر الشيخ 4 يناير 2007 47 عاما
34 1961 مجدى الجابرى 15 أغسطس الجيزة 23 مايو 1999 38 عاما
35 1963 محمد عبد المعطى 27 أغسطس الفيوم 3 أغسطس 2007 44 عاما
36 1965 خالد عبد المنعم 25 أكتوبر القاهرة 1 أغسطس 1994 29 عاما
37   عبد الرحمن درويش     الإسكندرية    
38   عصام عبد الله          
39   نبيه محفوظ     القاهرة 2003  
             

• رؤى الموت فى عناوين الدواوين
هل يمكن أن تكون عناوين الدواوين مفتاحا لمكاشفة إنشغال شعراء العامية بالموت كظاهرة، وهل هذا الإنشغال يمثل نوعا من النبوءة، أم أن هذه العناوين تمثل تجسيدا جماليا للهروب من سطوة الموت الذى يهيمن على رؤى الشعراء، وما هى تجليات الموت وأنواعه التى نحتشد بها القصائد، وهل تتكاثر صور الموت وتتعمق فى دواوين شعر العامية؟ خاصة وأن الأمر لا يقتصر على الموت كمفردة ظاهرة كما نلمح فى عناوين عدد من الدواوين ـ رتبناها حسب تاريخ الصدور وفى ضوء ما تمكنا من جمعه، نذكر منها: الموت في عز الفجر، زكى عمر، 1968- ما بين الشعر والحب والموت، نبيل عريضه، 1979 - موت شهرزاد، مختار عبد الفتاح، 1983 - الموت على الأسفلت، عبد الرحمن الأبنودى، 1988 - صاحب جلالة الموت، أشرف الفرانى، 1991 - أيام العجب والموت ـ فؤاد حداد، 1993 – السكته.. الموت علي الطريقة المصرية، أحمد الصعيدى 1993- الحياة. الحب. الموت. الحياة، ناهد السيد، 1998 - بنحب موت الحياه، عزت إبراهيم، 1999- قلم الموت، طارق بركه، 2001 - من ليالى النزيف والموت، السيد عباس، 2002 - شاعر ومات، عيد السويفى - 2002 - لسه ما متناش، عبد الرحيم طايع، 2002 - الموت حليف الأوليا، بكرى عبد الحميد، 2003 - اكتب شهادة وفاتك، على شيحه، 2003 - مقتول بيحاول يصحى، محمد على النجار، 2004 - طعم الموت، سيد سلامة، 2004 - صهد الموت، أشرف عبد المنعم ، 2006 - ورده بتنـزف ريحة موت، السعيد المصرى، 2008 - أخرك سكوت ولا موت، هيثم منتصر (د. ت) - أول خطاوى العشق موت، محمد حسنى إبراهيم، (د. ت)، إلى جانب مجموعة من الدواوين التى تتساوق عناوينها مع حالة الموت فنرى فى عناوينها مفردات الشهادة، الرحيل، الوداع، النزيف، القتل، الحزن، الجنازة، المشنقه، الروح، النزع الأخير، مرثيه، الإعدام، نذكر منها: الدنيا هى المشنقه، إبراهيم رضوان، ط2، 1968 - الجنازة، إبراهيم رضوان، (د.ت) - حزن العنب رجب الصاوى، 1982 - الوداع يا جرح الزمن، عشرى عبد الرحيم ،1986- استشهاد فؤاد حداد، عمر الصاوى، 1987- رد الروح لطير الدوح الجريح، محمد هاشم زقالى، 1990- مكان مريح للحزن، مدحت منير، 1997 - إنزفنى، عبد الناصر علام، 1997 - حلاوة الروح، أمين حداد، 1998 - اخر أغانى الرحيل، الأمير العسيرى، 1998 - قتيل المحبة ، فؤاد حداد، 1999 - اقتلونى واقفا، فريد طه، 1999 - انكسارات الولد البعيد ، عصام حجاج، 1999- - شهيد الوطن، متولى عبد اللطيف، 2000- مرثية الولد المفتون، شاكر المغربى، 2000 - إعدام جيل، أحمد سليمان .2000 - خمس رقصات فى جنازتى، محمد البيه 2000- مواسم الأحزان، أحمد الشربينى، 2000- حلاوة روح، محمد جمال أمين، 2001 - النزع الأخير فى السفر، عبده العباسى، 2002- بينطفى بالتدريج، محمود بطوش، 2002- الروح اللى طلعت النهارده، عزت إبراهيم، 2003- سلفنى روحك يا إبراهيم ، جمال عدوى، 2003- حلم بيطلع فى الروح، فتحى بكر 2004- مشهد الوداع الأسبوعى، مجدى عبد الرحيم، 2004- المشنقة نازله من سقف الأتوبيس، رحاب صابر، 2006- واحد بيتفرج على روحه، صابر فرج، 2006- وداع حزين لروح ممله، السيد عباس، 2006- بنعيش بــنص روح، عبد الناصر حجازى، 2007 - مقاتيل العشق، فريد رمضان مجاهد، 2008- جايز ترتاح.. جايز، السعيد المصرى، 2009- عطش الفراق، رمضان عبد العليم (د. ت) (8).
إن تأمل تواريخ صدور الدواوين وعددها سيجد سيطرة لمفردة الموت وما يتساوق معها من مفردات فى دواوين شعراء العامية الذين ينتمون لجيل الثمانينيات، وهو ما قد يمنحنا مؤشرا يدعم قاعدة البيانات، ولعل التتبع النصى قد يمنح القارئ تأكيدا لهذه الدلالة المتكاثرة بشكل يجعلنا نظنها ظاهرة تحتاج إلى عكوف نقدى، وهو ما سيجد عدة مستندات نصية تشير إليها عناوين القصائد وأبنيتها وصورها التى تعكس تنوعات موتية تلقى بنا فى قلب الشعر حين يصبح نصا إنسانيا واجتماعيا يؤرخ ـ نعنى هنا التأريخ من خلال السياقات الجمالية ـ لمرحلة كاملة ويشير إلى كبواتها وخللها وانعكاسات هذا التغير على الشعر والشعراء فى مرحلة من المراحل المفصلية .
من هنا سوف نحاول أن نتشوف الأوجه المتعددة للموت داخل عدد من دواوين الشعراء الراحلين وعدد من الشعراء الأحياء أمد الله فى أعمارهم، كما نرصد نبوءات القصائد بموتهم المبكر، مركزين القراءة على جيل الثمانينيات الذى تناساه النقد وغفل عن دراستهم وتتبع أشعارهم المتابعة الجادة التى تليق بمنجزهم الشعرى الذى يمثل مرحلة فارقة فى تطور القصيدة الشعرية عامة وقصيدة العامية على نحو خاص.
" أنا عريس الدنيا زفونى .. زفونى بره الكون "
(من قصيدة: موسيقى التكوين، 1987)

• الاستشهادى خالد عبد المنعم (9)
ينتمى الشاعر الراحل خالد عبد المنعم لجيل الثمانينيات، وقد رحل عن دنيانا بعد رحلة قصيرة مع المرض ولم يكمل عامه الثلاثين، تاركا ديوانين هما: موسيقى التكوين، و حمار البحر، وقد صدرا بعد رحيله(10) والمتأمل للديوانين سيجد أن القصائد كله تنذر بالموت، تتشوفه، وتناوشه، بل تطمح إليه حيث تراه "الإمكانية المطلقة للوجود الإنسانى، فالإنسان يستطيع أن يتجاوز كل أحزان القلب، حتى موت هؤلاء الذين نحبهم، لكنه لا يستطيع أن يتجاوز حقيقة أن موته يضع نهاية له "(11) من هنا سنجد تعالقا بين دالى الحياة والموت بوصفهما حدى الوجود، وستتعمق رؤية الشاعر لوجوده بوصفه وجودا من أجل الموت، وهو ما يطلق عليه هيدجر "الوجود الأصيل" لذا سنجد حدى الوجود بين هذين الدالين ومعهما أو بهما الشعر يتشكل، لذا فالشاعر يرى الشعر وميلاده ميلادا أسطوريا، تنشق له البطون، حيث يصوره فى شكل ميلاد غير معتاد، لذا يأتى فاردا دمه/ حيويته/ تجدده/ خلقه على السموات، وتستيقظ له مكونات وظواهر الطبيعة: الأرض – السماء – الريح، وحين يولد وتستيقظ الدنيا فلابد أن يستقبل بالترانيم والصلاة وهو ما يتأكد فى قصيدته الأولى "ليلة ميلاد الشعر" حيث نرى:
الريح بتغنى أوبرا الملكوت
الدنيا سكوت
بتصلى بالترانيم التل
الليل
بيلم عبايته يضم الأرض
كل الشمع المتبعتر فى الفضا
يتشعلل
ويسقط فى البحر نهار
كان قلبى (قصيدة: ليلة ميلاد الشعر، ص 7)
وكما أن الميلاد يتشكل فى رحم الأسطورة فإن الموت لا يبرحها أيضا، لذا سنجد أن ديوانيه حافلين بالسطور التى تصدر الموت بمعناه المباشر أو تحلق حوله حين تتراكب معه مفردات: "السفر – التبخر – التوابيت – العضم – الرماد – الانتحار – البرودة – الجحود – الجروح – الدم – الاختناق – الغياب – الجنايز – الغرق – الاستئصال – الفناء – القتلى" ، لكن مفردة الموت هى أجلى مفردات شعره، فنراها وقد تصدرت القصائد لتصبح بمثابة المفردة المشعة على سياقات وأبنية القصائد، والديوان كله يمثل حالة موتية تتغنى بالموت بوصفه الخلاص، أو المحرر من ربقة الاكتئاب وتفاهات العالم وضعف القدرة على مواجهة قسوة الحياة، وبالتالى فإن الموت يمثل الدرجة القصوى من الحرية، حيث معه يكون الشاعر قد تخلص تماما من كل آلامه:

- أسافر للبعيد عنى
اتو وارجع
انط لفوق فمنزلشى ولا اطلع
اعوم بعيونى تتجرح .. اصرخ
ما فيش صوتى
احط ايديا على راسى ومالقتهاش
بدون جسمى ويتبخر
ويتكاسف
فى وسط سحاب جبل ناشف
ياريت انزل مع المطره (قصيدة: جواز سفر، ص 10)

إن مفردة "التبخر" هنا تريد أن تصلنا بالتحول من صورة إلى أخرى، حيث تكمن الأمنية فى الذهاب عن هذا العالم بصورة تعيد إلينا فكرة العود الأبدى، حيث يمارس الشاعر تحولاته لأنه لا يفنى وإنما يستعاد فى صور أخرى، هكذا تتبدى الأمنية حين يتبخر الجسم فيعود ثانية مع المطر ملتحما بالأرض وبمفردات الطبيعة، وهو الملمح الذى يمكن نراه متكاثرا فى عدد من قصائد الديوان:

بعترنى وارجع لمنى
اغسلنى من زمزم دفا
ساهينى مر وخضنى
زلزللى جسمى النحيل
زقه خليه ينكفى
ارفعنى تانى وردنى
إجدللى عودى لفنى
احدفنى فوق سطح السما
اعصرنى انزل حليب الشمس صبحيه (قصيدة: الحضن مش دافى، ص 18)

فالشاعر ومفرداته يلتحمان بالطبيعة بوصفها مكمن الرواح والعودة، من هنا سنرى مفردات الطبيعة وقد التحمت بالموت ليقيم حوارا معها، بل ليغرق فيها إلى درجة التوحد: روحى كانت فى السما.. أما السما.. غرقت فيَّا.. قصيدة علاقه، ص39.
لقد كان خالد عبد المنعم يسعى بصوره إلى الخروج من أسر الرواسخ الشعرية، مجربا حتى الموت، لأنه كان يدرك أن "كل الحواديت اتسرقت من دهشتها"، لذا فقد كان بحثه عن صوته الخاص، فهل عثر عليه أم أن القدر لم يمهله للعثور عليه:

كل الحواديت اتسرقت من دهشتها
الشمس انقطعت عنها أشعتها
كانت مرميه جنب الشط
ومتغطيه بورقة توت دبلانه (قصيدة: العزف على مشارف غريبه، ص 11)

كما أنه يتبنى خطابا يحمل رسالة نبوية، حيث نراه وهو يقســّم العالم إلى قوى شريرة وأخرى خيـرة، ويندب نفسه للدفاع عن الفئة المستضعفة وعن قيم الحق والخير والجمال في القرية الظالمة، ويختار بإرادته أن يذهب بعيدا وراء الأشباح ـ كل الأشباح ـ لا تخونه شجاعته، ولا يتزعزع إيمانه ولو لحظة قد تكفى ليتراجع قليلا، أو حتى ليعيد النظر في ما هو مقبل عليه من أهوال.. هو الشهيد المنتظر، الطفل الملحمى الذى يذهب بعيدا، وحده، وبصدر مفتوح، ليفجـّر نفسه في قلعة الغيلان، وهو موقن تماما بأن موته "استشهاده" سيخلص الأميرة من الأسر لتعود مجلوة وحرة من جديد (12):

"هاركب حصان الجن
وأعفرت الشياطين
وهطيـّر دمى نساير نار"
……
"انزع فتيل الدم من جوفهم
وانت بتتفجـّر تشوفهم
قابضين على قهر الزمن
حالة صرع نشوانه جمر"
……
"من فوهات بحر الخطر
يوماتى
لحظة ما باصحى من مماتى
بينطلق قلبى"

هو إذن يمارس نشوة الموت، مواصلا رؤيته وهو "يطيّر دمه نسايم نار" معلنا عن مفارقاته الشعرية وصوره التى تتكثر دوالها فيتسع التأويل، لكنها تحيل للموت مع كل سطر، حيث يحيطه الشاعر بأجواء احتفالية تستدعى عناصر أسطورية وفولكلورية مثل "خنقة القمر"، حيث نراه وهو فى هذه الأجواء يعزف وصولا إلى نشوة الموت الذى يتخذ صورة تحيل على رقة الشاعر وتعيدنا لمفردة التبخر من جديد حيث تنتظره الطبيعة فى رحلته للعودة إلى الكون:

وهاطير دمى نسايم نار
واطبل فوق القمر بعلبه صفيح
وتسيب خنقتها
وتنزف زى ما بعزف
نشوة موت
كل الدنيا صراخها سكوت
قلبك دلوقتى بيتبخر
وبسرعه لا السما تتأخر
ورجوعك للكون يتأخر (قصيدة: العزف على مشارف غريبه، ص 12)

إن رصد السياقات التى وردت فيها مفردات الموت يؤكد ملامح متعددة لعل أهمها دلالة التبخر والتفجر، وكذا تعالق الموت بالنشوة "نشوة الموت، صرع نشوان، شجن فرحان سكران بنبل الموت"، كما أن الموت يمثل طقس عبور من مرحلة لأخرى، والذات تمارس هذا الطقس بمراحله الثلاث "طقوس الانفصال- "طقوس التحول أو الانتقال" – "طقوس الإدماج" (13)، وهو ما تكشف عنه مجموعة من المجتزآت فى متن الدراسة، و يمكن تصنيف السياقات التى تشير للموت على النحو التالى:

(الموت/ الصراخ )
- فى العتمه رمادى اللى بيصرخ (ص 14)

(الموت/ الانطلاق )
- وانت بتتفجر تشوفهم
قابضين على مهر الزمن
حالة صرع نشوان جمر
نشوانه عمر جناح وريش
من فوهات بحر الخطر
لحظة ما بصحى يوماتى
بينطلق قلبى (قصيدة: العادى، ص 22)

(الموت/ الظلمة)
- كانت بتطلع فى الروح
فوانيس الشتا فى الشارع (قصيدة: من تاريخ المطر، ص 24)

(موت الخوف )
- من طرطشات البحر
دم بينطلق
سكران بيشرب م الجبل
ملحه وغناه
ويسقَّط الخوف فى الحياه
بيحب موَّات القطط خناق (قصيدة: قرايه فوق ضريح مجنون، ص 27)

(الموت/ العشق )
- قلبى سواحل عشق موت البحر فى الورده
انزعنى من الهوا الحجر.. إبدأينى
رواح براحك
لو أموت (قصيدة: قرايه فوق ضريح مجنون، ص 27)

(موت الصوت)
- العود بيخنق بالوتر صوتى (قصيدة: قرايه فوق ضريح مجنون، ص 27)
-
(الموت/ الوجود)
- قطَّر..
من جواك الموت الزاهى (قصيدة: من أوليات البدايه، ص 29)

(الموت/ البداية )
- عينه فى بير الشمس المسافره تفجره
مساحات رحيل
زغاليل بدايه (قصيدة: من أوليات البدايه، ص 30)

(الموت/ الاستئصال)
- يتسحب الكون كل مره وينفلت
يستأصلك
من حلم البدايات بخروجك (قصيدة: تعب، ص 34)

(الموت/ النهاية)
- عمال تتطوح فى الأساطير حدوته
مافضلش كتير (قصيدة: تعب، ص 35)

(الموت/ النشوة)
- النشوه فى النفس الأخير
بتطير..!
نخجل نبحلق فى الطيور
عايز إجابه يا صنم على حزننا (قصيدة: الحلم والأسفلت، ص 37)

(الموت/ الهوى)
- الجبل إن يئز
الموت إذ يفن
يدِّفن
لا تطمئن
اطمعن فى هواك/ الهلاك (قصيدة: من آية الحرف البدائى، ص 40)

(الموت/ النشأة)
- الكون بدايته من الفنا (قصيدة: من آية الحرف البدائى، ص 41)
-
(الموت / الاعتياد)
- قلبك بينزف كل صبح قتيل (قصيدة: موسيقى التكوين، ص 43)
-
(الموت/ اللارؤية)
- الدنيا لسه مسبله عيونها
والشفتين فى الشفتين
دخلو ضلام أزرق (قصيدة: موسيقى التكوين، ص 45)

(الموت/ التحقق)
- البحر يرفض يموت
طول ما الأمانى معلقه (قصيدة: صلاة العشق، ص 47 )

(الموت/ البصيرة)
- طلعنى م الجسد الملل
خلينى اشوف (قصيدة: صلاة العشق، ص 47 )

(الموت/ النبل)
- حزن الختام قلبى
مستنى يرحل بى
غنوة شجن فرحان
سكران بنبل الموت
طبطب على الملكوت
تلاقينى عند البحر
مسى لى ع الأوطان
اللى ما عرفتنيش (قصيدة: حزن الختام، ص 49)

(الموت/ الختام)
- يا نعش إنعاشى انتعاشى
هيه
قلت اللى عندى وادينى ماشى
هيه
يا قلبى يا ابن الإيه
بعد اشتعالك بالأحلام
مش باقى غير
إنك تفجر نشوتك
حزن الختام (قصيدة: حزن الختام، ص 49)

(الموت/ الوعد)
- أما أنا
ما أقدرش أوعدكم بغير موتى (قصيدة: نزيف نهايات الصيف الزيف، ص 58)

هكذا سنرى أن جميع القصائد تنحصر بين قوسين هما الميلاد والموت وفيهما يتشكل العالم، فنرى الكون يتهيأ بمفرداته (البحر – الشمس – الطين – النار ـ الأرض) لاستقبال نبوءة الموت التى يعلنها الشاعر فى سن مبكرة جدا، كأن الموت غاية تسعى الذات للوصول لها، وتتنبأ بها فى عدد كبير من القصائد حيث الموت "أكثر إمكانات الإنسان اتصافا بالذاتية والصميمية لأن ببساطة لا يوجد إنسان آخر يستطيع أن يموت لى" (14) وعلى أن أختاره، وهنا ستتهيأ الطبيعة لاستقبال النبوءة:

"وبيتفتح فم ويبلعنى
ويغوص فى الأرض
ويتحول لتابوت من عضم
ويتنفس صهد الأسرار
المطويه بترحال فى عنيه
اللى بتخرج لنبوءتى بموتى"

هو محاصر بالثلج الذى يشبه الطواحين الدوارة وبالحزن وبالريح المجنونة التى تدور دورتها لتختاره مؤكدة له رؤيا الموت:

ف أحلامنا اللى تملى تسافر
وبترجع جايبه لنا جماجم
بترفرف فوقنا وحوالينا (ص 14)

نحن إذن أمام ذات تتقطر حزنا، تدرك أنها فى عالم مقبض ، فتشعر بقسوته ويتأكد ذلك من خلال عناوين القصائد التى تعمق هذا الحس: الخروج من توابيت القرنفل – الرواح الباهت- الحضن مش دافى – قرايه فوق ضريح مجنون – تعب – حزن الختام – نزيف نهايات الصيف الزيف ، فقد "آمن الشاعر بأن الموت هو السبيل الأكيد وربما الوحيد للخلاص، هو السبيل للميلاد الجديد.. فضرب بنفسه المثل موقنا بأن الحياة ـ بألف ولام التعريف ـ الحياة التى طالما تخيـّل صورتها وعاش معها في أحلامه.. الحياة التى تنعم فيها عشيرته من الطيبين، بالحرية والفرح، تستحق أن يضحى من أجلها بنفسه ففعلها ومضى.." (15):

"ولا حد يقدر يشق البحر ويعدى
ولا حد عايز يموت وبيحب الحياه قدى

وفى قصيدة أخرى يقول:
مبروك عليك نشوتك وانت بتتفجـّر
فرعون مسافر للخلود بشموخ
ثم يعود ليؤكد هذا المعنى من جديد فيقول:
من شموخ الموت
مبنيه أهرام التاريخ
بردية الموتى بتشهد إنهم عايشين"

فهل تلقـّى الشاعر البشارة فراح يتبع النداء مرتديا حلة العرس التى يخفى تحتها حزامه الناسف:

"ياقلبى يا ابن الإيه
مش باقى غير انك تفجر نشوتك"

هذه مجرد أمثلة من كثير دالة بشدة على خطاب الاستشهاد الذى يشكل بؤرة التجربة التى أنجزها "بروحه" خالد عبد المنعم من الأول للأخر(16)، هكذا سنرى المفارقة بين حدى الوجود/ الموت، الحزن/ الفرح، حزن الختام/ نشوة البداية، ليزف الشعر خالد عبد المنعم إلى نهايته/ بدايته على إيقاع العدودة التى كتبها ليودعنا ويودع ذاته:

"أنا عريس الدنيا زفونى
زفونى بره الكون.. أنا قلبى ما لهوش لون
ياقلبى يا صغير.. نفس الصبا قصيـّر
ياقلبى يا مجنون.. طبل الفرح محزون
يا قلبك المفطوم على دبحه.. مانتاش سجين المستحيل
ولا أسير جرحه..

لقد امتلأ خالد عبد المنعم بنبل المعنى فتفجر شعره ملتهبا، حارا، شجيا، صادقا، يمتزج فيه الفرح بالشجن، وتدق معه في لحظة واحدة أجراس الحب والميلاد، الموت والخلود، في حضرة صوفية يهتز لها البدن (17):

"حزن الختام قلبى
مستنى يرحل بى
غنوة شجن فرحان
سكران بنبل الموت.

"فتركب دماغى.. فكره خبيثه.. إنى هاموت قبل اكتمال القصيده"
(من قصيدة: صلاة الغايب، 1986)

• مورِّد الجثث مجدى الجابرى

يمثل الشاعر مجدى الجابرى ركيزة أساسية فى حركة شعر العامية على وجه العموم وفى جيله على وجه أخص بوصفه أحد كبار المجددين فى الشعر المصرى ـ رحل عن عالمنا عام 1999 بعد معاناة مع مرض سرطان الرئة تاركا لنا خمسة دواوين مهمة هى: أغسطس، 1990 - بالضبط وكأنه حصل، 1994- عيل بيصطاد الحواديت، 1995- الحياة مش بروفة، 1999 - طرطشات موجة حلم، 2001، فضلا عن دراسة فولكلورية بعنوان - حكايات شعبية، 2000ـ (18) وتمثل تجربة الجابرى الشعرية عينة دالة على جيل بكامله لأنها تلخص عدة مراوحات فى الكتابة الشعرية، بدايتها كانت مع المباشرة والقصيدة الموجهة التى ربما اقتربت من روح الزجل، وهى القصائد التى لم تظهر فى الدواوين المنشورة، ووسطها مع القصيدة التى تحفل بالمجاز والصور الشعرية المجردة ساعية للخروج من مأزق تبعية الشعرية للسياسى، وآخرها كانت تجربته فى قصيدة النثر، هذه المراوحات جعلت تجربته الشعرية من أكثر التجارب إثارة للمشاكل، بل وتعرضت للاتهامات السائدة بلا أدلة نقدية تدلل على ما تقول، وزادت هذه الاتهامات مع بداية كتابته لما عرف فى العرف النقدى بقصيدة النثر، وجاءت هذه التهم فى إطار(الحملة القومية لمكافحة قصيدة النثر) قياسا على الحملات المنتشرة لمكافحة الأمراض مثل (الحملة القومية لمكافحة البلهارسيا)(19)، فضلا عن ذلك فإن مجدى الجابرى كان أكثر شعراء التجربة الجديدة تمردا ليس على تراث من سبقه وحسب، وإنما على تجربته الأولى التى استمرت حوالى عشر سنوات، وتمثل بعضها فى ديوانه الأول "أغسطس"، وديوانه "طرطشات موجة حلم" الذى صدر بعد رحيله(20)، إضافة إلى أنه واحد من ألمع وأهم كتاب هذه القصيدة، وتصلح قصيدته كتمثيل دال على حيوية وجدة، بل وشعرية القصيدة الجديدة التى تقدم بالفعل شعرية أخرى مغايرة.
إن تجربة الجابرى تقدم تقاطعا، بل قطيعة مع التراث المتعارف عليه لشعر العامية، بل مع تراثه الشعرى، من هنا يمكننا أن نلتقط الخيط الرابط بين هذه الدواوين ممثلة فى ثلاثة، هى طرطشات موجة حلم، عيل بيصاد الحواديت، الحياه مش بروفه، حيث سنجد الموت يمثل دالا مركزيا فى الديوانين الأول والثالث، بينما تتكاثف دلالات الحياة، والانشغال بتفاصيلها فى تعالقها بالذات فى الديوان الثانى، كما نلمح أن الموت فى الديوان الأول لا يأتى بمعزل عن الحياة التى تتكاثف فى مفردة "البنات" – "الحنه" – "الشهوة" فكأننا بين موتين وبينهما حياة، نعم مليئة بالكبوات والالتباس واليأس أحيانا، لكنها حياة دفع الشاعر ثمنها من أجل حريته ورغبته المستمرة فى أن تكون هذ الحرية ملكا للقارئ أيضا، كل المطلوب منه أن يكون حذرا "وقد يكون مطلوبا منه أن يعيد تشكيل المشهد ضمن قناعاته ومعرفته والتجارب التى عاشها" (21).
أما ديوانه "الحياه مش بروفه"؛ فهو يمثل نهاية القوس حيث يتجلى فيه الموت بشكل واضح، فاجع ومدهش، فالجابرى كان يؤمن بأن الحياة "هنا والآن، "الحياه مش بروفه" وفى إطار هذا التصور "كان انحيازه للأشياء الصغيرة والشخصانية القريبة، يصنع منها عالمه ويعرف نفسه وجسده من خلالها.. كان انحيازه لجسده الخاص، وكان دائما يردد جملة "ما يخصنى" فهو يكره النمط، والحياة المتشابهة المستنسخة، كراهيته للصمت.. يعتبره نوعا من النفى والعدم.
هى الحرية إذن! عشقها ولم يخشها، مستجيبا لإيقاع قلبه، يصدقه ويمشى وراءه غير هيـّاب وعورة الطريق أو انقضاضات أصحاب المصالح فى استمرار الأوضاع على ما هى عليه، والفخاخ المنصوبة فى الأشكال المستقرة التى دأب على تحديها والخروج عن ـ وعلى ـ أطرها الجاهزة كان رهانه كليا وشاملا، لذا فقد انغمس فيه ليس بصوته وكتابته فحسب، ولكن بجسده أيضا، كأنه يقول: إن ما لا يجرب بالجسد لا تصح شهادته.. ولا تصدق!، وهكذا ورط جسده كله بخلاياه وأعصابه وعظامه ودمائه فى ألعابه الخطرة، ومغامرته البكر.." (22)، لذا سنرى الموت وهو يتحرك بين سطور القصائد معلنا عن وعى عميق به، من خلال تعدده وتجليه بأكثر من صورة تتساوق مع رؤية كل ديوان شعرى، ففى ديوان طرطشات موجة حلم وبداية من التصدير الذى يتقدم القصائد سنجد نصا عن الموت يقودنا لقلب الرؤية:

"الموت آت
يا إلهى لا تدعنى أموت
الموت أمام الباب
اختبئ تحت السرير
يا إلهى لا تتركنى أموت شابا"(23)

ثم يتلو هذا التصدير جزءا من كتابة نثرية لمجدى الجابرى تعكس وعيه الحاد بالحياة/ الموت ومحاولة تفكيك كل ما هو مصنوع فى مصنع الآخر، فيؤكد قائلا: أكتب لتظل طاقتى الروحية الشريرة تغذى وعيا بضرورة تفكيك الموت بمهارة. وعلى أهمية هذه المقدمة وما تحمله فى كليتها من دلالات تلقى ضوءا على رؤية الجابرى للحياة والشعر إلا أنها كانت ابنة لأفكاره التى تتساوق مع ديوانيه الأخيرين اللذين كانا يسعيان للهدم، ويتسقان مع فكرة تفكيك "كل ما يقف عقبة فى سبيل حياتى التى أحب، حياتى التى لن يحياها غيرى، حياة شخصية مليئة بالجروح والإهانات (تبعات الاختيار)" حياة قادرة على اليأس حتى أقصى حدود الكسل الخاص عن المشاركة فى إدارة عجلة الموت (24)، بعيدا عن فكرة الرسالة المشفرة التى يحملها الشاعر إلى مريديه ليفكوا شفرتها، من هنا فإن وضعها فى مقدمة هذا الديوان سيصبح لصيقا بالتجربة كلها لا بهذا الديوان وحده، حيث يأخذ الموت أشكاله وصوره المتنوعة والتى نرصدها بداية فى ديوان طرطشات موجة حلم على النحو التالى:
إن أول سطر فى القصيدة الأولى التى كتبت 1987 تدخلنا مباشرة لجوهر ثنائية الموت/ الحياة طارحة تعريفا جماليا للموت يعكس المفارقة التى تمثل واحدة من الآليات التى يعتمدها الديوان:

الموت/
لحظة دخولنا.. فى الجوابات الحبيبه..
بلا استئذان
لحظة ما بتملى البنات.. تسريحات شعرها.. لشهوة المرايات (ص 11).

فالموت إذن هو مفتاح الدخول للحياة، بل هو لحظة حياة حقيقية تتسم بالحيوية لنراه/ نراها فى مفردات البنات، تسريحات الشعر، شهوة المرايات، من هنا سنرى الشاعر وهو يتغنى بمن يبدأ بالموت كأنه استهلال لأغنية أبدية أو مطلع وجودى لن تكتمل الحياة إلا بإنشاده:

- الله عليك الله
يا مبتدى بالموت
نفسك بيسمح للفرس يرتاح
وبيرمى فى صدر البنات
مرجيحة الحنه (ص 12)

وتتناثر مفردات الموت عاكسة الثنائيات التى تحكم عالم القصائد، بل تحكم الرؤية حين تجمع بين الكلام والجسد أو المناحة والفرح أو الحناء والقبر الجديد، وهو ما سيتكرر فى أكثر من موضع فى الديوان، كما سنرى القصائد/ الشاعر وهو يستعرض وجوه الموت واحدا تلو الأخر ليضعنا فى قلب التشكيل الجمالى الذى يعكس الوجود بحديه المتناقضين المتحدين: الحياة والموت، ولنرصد هذه الملامح فى عدد من سطور الديوا على النحو التالى:

- اسمع كلامى يابدن واقلعنى، (ص 14).
- ابعت عزايا لفرن مش قايد، (ص 21).
- بين المناحه والفرح ريحة نتايه، (ص 21).
- نزل النبى بالشمعدان
وجهه كما الحنه فى القبر الجديد
- فريت وشوش الموت واحد ورا التانى
لـ صفر/ غزال مضروب شعاع للنور
لـ حمر/ عمود نار مغروز فى حشا القاتل
لـ خضر/ وتر مطفى فى ربابة صيف
الحنه دى حنتك.. يا قبر يا كداب، (ص 33).

وفى مشهد يجمع بين المولد بمفرداته: الزفه – دق الصلبان على الصدر – السيف المشقوق الطرف فى رقاب الدراويش – الدوسه – الشربات المكبوب ع الأرض سنجد الموت وقد طل برأسه فى صورة نعش تحوم فوقه حمامات ترفرف بعد أن طالها العطش، وهو ما يشير إلى اللعب على المفارقة التى تجمع بين الأضداد فتصهرها فى بوتقة الشعر:

عطشت حمامات كات حايمه ترفرف ع النعش
ناديتك
والنعش بيرفض يتحرك
غزتنى
اتدحرجت تحت الرجلين
استحلف القاتل والمقتول يستنو (قصيدة: النبى، ص 35).

وفى صورة أخرى سنراه وكأنه يقدم مفاهيم جديدة للكائنات أو تعريفات مفارقة لما اعتدنا عليه فنتوقف عنده وهو يقدم محاولات للتعريف، وهى محاولات لا تملك اليقين، لأنها تخايل القارئ بـ "يمكن" لتتيح فرصا أخرى أمام القارئ لإنتاج بدائل جمالية على نفس الشاكلة:

النطره دى
ماهيش عصارة زهرتين م الفل
يمكن أرواح بتتسرسب
من بين
صوابع
ضل (قصيدة: صلاة الغايب، ص 38).

وتتوالى الصور جامعة بين الحياة والموت، لتشير إلى عناصر فولكلورية، أكثرها يتعلق بالأنطولوجيا الشعبية فى محاولة لإيجاد تفسيرات أو تعريفات للغموض الذى يحيط ببعض العناصر الاعتقادية، كما سنلمح إيقاع العدودة وقد تسرب لبعض المقاطع ليتواشج مع هذ الرؤية التى تتسلح بما يخصها من عناصر التراث والمأثور الشعبى الحاشد بالحياة حتى وهو يمارس لعبة الموت:

حلى رباط الكفن
وارمينى فى عنيكى
طرف الصوابع وطن

مين قصقصه ورماه؟ (ص 39)
أصبحت غصن يتيم
فى شجره مجنونه (ص 44)

وغابه من الجنس وقت اشتباك الدلاله
بتخرج تهيج طيور التذكر
تشعلل صوابع صديقى الخفى
فتركب دماغى.. فكره خبيثه..
إنى هاموت قبل اكتمال القصيده (ص 45)

للبت ريحه تشد
تسحب مشاعرك للكهوف بالليل
لحفيف ورق الشجر لحظة طلوع الروح (ص 69)

البنت بتخرج خبلى من الشق
والصخره
وشى المحفور
أطرافى
النور المطفى
يمام بيكن ما بين الشطين
ويموت (ص 75)

غطينى بلحافى
واعمل لى خرجة ولى
دا انا عشت بيك مبتلى
راح اطير ما يلحقنى
إلا قليب ريانى
إن وقعت اسنانى
تنبت سنابل ضى
لون الورود عينى
آهين وآه يابا
الخرجه كدابه وانت سبب شينى (ص 79)

أما الموت فيتخذ شكلا آخر حيث نراه فى الحياة نفسها، ولا يتجه للمجاز لكن تصنعه الصورة المشهدية التى تتراكب فى قصائده النثرية، ولذا لن نلمح مفردة الموت بشكل ظاهر إلى فى مقطع واحد، بينما سنجد فى باقى قصائد الديوان إشارات للحياة بتفاصيلها المختلفة لتعكس لنا القطيعة مع المقولات التى تعلى من قدر اللغة؛ اللغة التى تناست الذات التى تعمل خلف النص، لذا فقد ابتعدت قصائد الجابرى عن فكرة وجود لغة معيارية وحيدة تصبح عملة مشتركة، فاللغة المعيارية مجرد وهم، فكل لغة فعلية تتراكب من مجموعة بالغة التعقيد من الخطابات لذا فقصائد الجابرى تقدم محاولة مهمة تعكس هما مختلفا هو محاولة ابتلاع الهوة بين الذات والعالم بعيدا عن أقنعة التمثيل، أو التزيى بالتراث، أو بأى شىء لا يمر عبر جسد الشعر/ جسد الشاعر (25).
هذه الشعرية لن تجهد ذهن القارئ فى أن يتخيل، ويحلق فى فضائها، ويفك شفرتها المركبة، لذا فنص الجابرى سيتيح نفسه بلا أقنعة، وسيتعرف القارئ من خلال قراءته على شاعر افتقده كثيرا فى اللغة، إنه شاعر يصنع حوارا بين الأنا والآخر بعيدا عن لغة التفوق والدونية، وعن طنطنات الموسيقى ليقدم نصا مفتوحا يطرح آخريته بعيدا عن المشترك بين الأنوات؛ نصا غير مكتمل دائما لأن الاكتمال (اكتمال الذات/ اكتمال الشعر) لا يتم سوى بالموت"فالحياة الإنسانية محصورة بين قضيبين: ذلك الذى تغزو فيه الأنا العالم، و ذلك الذى ينتهى العالم فيه باستيعاب الأنا على هيئة جثة أو رماد" (26)
فالشاعر فى هذا الديوان لا يرى الموت متعالقا بالثنائية الوجودية، ولا يراها مجازا يزداد غموضا كلما صورناه شعرا، لكنه يراها فى قلب الحياة، بسيطا، لذا نراه وقد تمناه وهو يمارس الحياة ضحكا أو فرحا، دونما أى نوع من المخايلة التى تجعل منه كائنا أسطوريا غامضا يستعصى على الفهم:

عصفور ،
إوعاك تصدق إن انا وانت دايما واحد
أنا عارف إنك بسيط بساطة الموت تحت
عجلة الأتوبيس
وانا نفسى أموت فجأة وانا باضحك أو وانا بابكى (ص 99)

وتواجه قصائد "الحياه مش بروفه"الموت بضرواة ، لأنه وجود يحيا فى الحاضر، خاصة وأن الإنسان يعيش الحياة مرة واحدة، فالحياة لن يتم إعادتها لأنها ليست قابلة للتكرار:

طبيعى
إنك تقول لصاحبك ع القهوه
الحياه مش بروفه
وطبيعى
إن ابوك يخاف عليك وعلى اخواتك
م الموت
ليشوش مخزونه الهايل من المشاهد اللى
كان نفس يكون فيها (ص 13)

وفى قصيدة "الواحد" سنواجه بحالات من الانتكاسات الروحية والاجتماعية، فتواجهنا مشاعر الخوف والارتباك، التعب وعدم القدرة على إقامة حوار، الفلس، العودة من الإسكندرية بتجربة جنسية مجهضة، مواجهة الذات لنفسها وهى تعاين فوضى مشاعرها وفتورها وجميعها تهيئ للموت هربا من الإحباط المتواصل:

الواحد
خايف ومرتبك
الواحد تعبان وهمدان وما عندوش روح للمناقره... إلخ (ص 21)

كما يواجه المعتقد الشعبى متمثلا فى خرافاته المتعلقة بالموت ليواجه السائد بعنف حين يؤكد للجموع:

ياولاد الكلب.. ده مش نعش.. دَنَا رايح أقول ما اقدرش أعمل لك حاجه.. غير انى أحط إيدى على خدى وانتى بتحكى لى عن العفريت اللى قعد يطول لحد ما حصلك وانتى واقفه بتذاكرى فى بلكونة سعاد صاحبتك (ص 60)

وتمثل قصيدة "شتويه" نبوءة الشاعر بموته حين يرصد موت أقرانه من الشعراء راصدا جلسة لستة شباب (جميعهم شعراء) هم: عبد الفتاح شهاب، خالد عبد المنعم، عمر نجم، إبراهيم عبد الفتاح، عصام العراقى، ومجدى الجابرى، يجلسون على سطح بيت فى "أبو زعبل" وبينهم جهاز تسجيل يسجل بحذر، وإذ يمارسون حياتهم فى إنشاد الشعر والغناء والسخرية يلمحون/ يلمح الشاعر الذى يرى موت أصدقائه فى نبوءة نادرة تؤكد على شفافيته وحدسه:

"وفيه حد غريب
مش منتبهين لوجوده
حد نحيف جدا.. ف رجله الشمال زك خفيفه
طول القعده عمَّال يتحنجل بين الغنا والضحك
وريحة العرق الشتوى وطرقعة الصوابع
وبيضحك بصوت مكتوم من الشباب اللى بيتحدوه بالشاى والشعر والتدخين والغنا وجهاز التسجيل" (ص 66)

هكذا سنرى الشخص النحيف/ الموت وهو يخطف عبد الفتاح شهاب ومن بعده خالد عبد المنعم وعمر نجم وكاتب هذه القصيدة، ولا تندهش إذا شاهدت بعد موت الجابرى موت عصام العراقى هو الآخر بعد أن رحل الجابرى، ويمثل نص الميلاد شهادة مهمة على رؤية الجابرى لذاته وتاريخه الشخصى فى ضوء جماعته الاجتماعية ليصلنا بقصيدته الأخيرة فى الديوان "مورد جثث" التى تعد رابطة العقد التى يقدم فيها جوهر تجربة الموت حيث يعقد فيها صفقة مع ملك الموت حيث سيقوم بتوريد جثث أحبائه: الأب، ليمنحه مقابل ذلك بضع سنوات، والقصيدة تمد ظلالها على كل قصائد الديوان، بل على تجربته بكاملها لأنها تمثل وثيقة جمالية تقدم رؤية الجابرى للحياة والموت ولجماعته الإنسانية العامة ولجماعته التى ينتمى لها طبقيا، وكما بدأ الحياة بمفارقاته الصادمة فإنه قد أنهاها متحديا الموت:

طظ
أعلى ما ف خيلك اركبه
برضه مش ها تنازل عن حقى.

إن مراوحات الجابرى سواء التى تحيل إلى الموت فى شكله المجازى، المجرد، أو إلى حالات الانغماس فى الحياة بتفاصيلها التى تبتلع الإنسان فتصل به لحالة من التمرد عليها ومجابهتها حد الموت أو الموت بمعناه المباشر الذى يشير بقوة إلى أنه الإمكانية التى تبتلع كل الإمكانات البشرية، ففى كل الحالات سنجد معنى التباس الذات فى قراءتها لنفسها وللآخرين، ومراوحات بين حرية بل ضفاف ورغبة فى السيطرة على الذات ومعرفة تفاصيلها وتعريتها من هواجسها وضعفها ومكبوتاتها، بل ومعرفة التباسها وفك غموضها ومحاولة فهمها، بين سلطة الذات وتسلطها على نفسها وسلطة تتحكم فى الذات وتحاول السيطرة عليها (سلطة القيم – سلطة المعرفة – سلطة صاحب العمل – سلطة الزوجة – سلطة الأصدقاء – سلطة الموروث – سلطة الموت) وفيها جميعا سيجد ان الصور تتداخل وتتزاحم، ويصعب على القارئ أن يختا، ويصعب عليه أيضا أن يكون متأكدا، ويصعب أكثر من ذلك أن يكون بلا عواطف أو غير منحاز، لذلك لا بد له أن يكون حذرا، وقد يكون مطلوبا منه أن يعيد تشكيل المشهد ضمن قناعاته ومعرفته والتجارب التى عاشها (27) .

"وباوصيكم لما أموت تدفنوا وياياقصايدي عشان اتطمن"
• محمد عبد المعطى نبوءة الموت فى قصائد تضج بالحياة

محمد عبد المعطى أحد أبرز شعراء الثمانينيات، وصاحب تأثير شعرى وثقافى كبير فى حركة الأدب فى أقاليم مصر، وعميق فى محافظة الفيوم، وقد رحل عن عالمنا إثر حادث أليم على طريق بحيرة قارون بالفيوم في 3 أغسطس 2007 عن عمر بلغ 44 عاما، تاركا ثلاثة دواوين هى: رحيق الشهد والمحاياه، بنت ما ولدتهاش ولادة، صندوق روبابيكيا، فضلا عن عدد هائل من الأغانى، ومجموعة من التجارب المسرحية التى لم يقدر لها النشر حتى الآن، وحين نطالع تجربته الشعرية سنجد أنه كان عينا ترى مالم نره، يرى موته وفقره، يحاصرهما، ليس بوصفه الشاعر، إنما بوصفه "ابن الناس"، هكذا تراه سارحا وراء الشعر/ الناس، منشدا إياه كواحد منذور للشعر والموت، يجربهما معا، بوصفهما صاحبين، هكذا كان محمد الساخر دوما، العاشق دون تكلف:

"الفيوم أغنية حب رومانسيه باشكلها انا زي ما اكون مجنونها وباعشق تواهانها وسرحانها وجنونها انا حتي نخاع الروح الفيومي وليه الفخر اني أكون وأعيش واحلف بحياتها زي امي وحلمي ونور عيني إوعوا تأخذوني
أنا أصلي باحب قصيدتي زي بلادي".
لقد كان محمد عبد المعطى يغنى لـ "رحيق الشهد والمحاياه" وهو يعى موته ويستشرف خطواته، يتغزل فى قصيدته الزاخمة بالحياة/"بنت ما ولدتهاش ولاده"؛ أى البنت التى لا تشبه إلا قصيدته، لكنه ذلك الغزل المحاصر بالذبول والانطفاء والموت، هل كنا بحاجة لرحيله كى نرى، ألم نكن بقادرين على رؤية كل هذا الموت فى شعره، أكانت نبوءته مختبئة وراء سخريته المرة، ونكاته المصرية المليحة، وهل كان وجهه الطيب المبتسم دوما يبعدنا عن أننا نرى موته/ موتنا، ربما، لكن كيف نمر فى شوارع الفيوم دون أن يصحبنا محمد، ودون إحساس عميق بالغربة، ودون أن نستمع إلى صوته:

"غني غني
ياه.. باموت (قصيدة: غنى، ص 9)

فالرؤية فى قصائد محمد عبد المعطى تتحرك بين عالمين، أو بالأحرى بين تصورين للكتابة، الأولى فى ديوانه "رحيق الشهد والمحاياه" ، وهى تتشح بالهم التشكيلى، يحاول أن يصنع باللغة وتشكلاتها نصا مغايرا قادرا على ملاحقة الصور المدهشة والمفارقة عبر التجريب فى اللغة ومعها، معتمدا على آلية تضع العالم على قضيبين، فهو يراه متجسدا فى ثنائيته بين: الحياة/ الموت، ولقد كان شديد الذكاء فى اختيار عنوان ديوانيه، فكلاهما يشير إلى الحياة لكنه يضمر الموت، فالأول: رحيق الشهد والمحاياه الذى يحمل عصارة التشكيل الشعرى متمثلا فى الشهد والحياة، لكنه لا يبرح كونه "رحيقا" يخرج من وردته/ الشعر لا يعلن عن موت الوردة، بل حياته، وبين الموت والحياة يكون تشكل العالم فى ثنائيته حيث يقوم على قطبين رئيسيين، الثانى: "بنت ما ولدتهاش ولاده" وبه إشـارة إلى الولادة بوصفها مقدمة الحياة، لكنها الولادة التى تضمر موتا بالوجود فى الحياة.

• دال الموت

إن تأملا لديوانى محمد عبد المعطى يؤكد على أن الذات تصوغ لنا العالم على طريقين أولهما: مجازى مفارق، ثانيهما: مشهدى، وكلاهما يصور لحظات الوداع، الغياب، الذبول، الانطفاء، والهجرة، والاختناق، السقوط، الارتحال، القطف، الخطف، والموت، والقصائد هنا وهناك تسعى إلى الإمساك بأثر الأشياء، واللحاق بلحظات الحياة فى تجسدها، فهى تعاين الرحيل و تختار لكل حالة موتية مكانها تبعا لدرجة موقعها منتجة شبكة من العلاقات تبدأ فيها الذات تحديد موقعها لتقيم علاقة جديدة/ مكانا جديدا تعاين من خلاله الذات وعلائقها.

وتتعدد السياقات المرتبطة بدال الموت عبر تنويعات تتبدى فى عدة صور منها الصورة الفيزيقية ـ المجازية أو المعنوية، فالموت هو الدال المركزى على المستوى الرأسى متمثلا فى نص بأكمله، أو حتى على مستوى البنى الصغيرة التى تتراكب لتصنع البناء الكلى للنص، ويرتبط بدال الموت عدة دوال أخرى تتحلق حوله، نستطيع تسميتها بالدوال المساعدة، وهى تسهم معه فى جلاء الصورة، وتعميقها، من هذه الدوال: الحزن، الشجن، الرحيل، الغربه، الخيانه، وتدعم هذه الدوال مفردات تتناثر فى القصائد لتشع ـ بدورها ـ على الدال المركزى فى الديوان، من هذه المفردات: الجماجم، أسماء الأصدقاء الراحلين، الدم، العضم، التابوت، العتمه، الممات، الغُسل، النزف، الفراق، الغياب (خنق الطريق بالضلمه وخطاوي السفر.. رجعني للتوهه في محطات الغياب (قصيدة: عطش، ص 13) ـ صوتك بيوهبني الغياب ـ بادرني صوتك بالغياب وانا كنت لسه بابتدي أول حضوري. فانطفيت"، وحين نعاين دال الموت داخل القصائد سنجدها شديدة التنوع حيث تتحلق حول معان أثيرية، لكنها لا تبرح مشاهد الموت وهو يتحصن بموسيقاه وألعابه اللغوية الماهرة التى تعكس موهبته الكبيرة:

 موت الرمز
-
- متدروخ. . مايل. . شايل ميت ملكوت
أنا ريحة موت. . والدم بيوت وفي بطن الحوت
أنا يونس متمزع في تابوت (قصيدة: حالة غياب، ص 17، 18)

 موت الأسطورة
-
- تكب العتمه علي دمي السنابل يتقصف عودي
يموت ف الضي ميت حورس وتتسمر إيدين آدم (قصيدة: حاذر، ص 21)

 موت/ الحرية
-
- غسلني من الموت. . . إبريني . . وخطي
زحزح صوتي. . . إفتح لي مدار (قصيدة: استنى، ص 29)

 موت الخريف
- طريقي سبيلك وصوتي دليلك
تخطي فى ضلوعي . . يشكل ملامحك

- يموت الخريف (قصيدة: دليل، ص 37)

 الموت/ الاكتمال

- ولا عدت اسلسل دمي في عروقي واموت
ولا الم حلمي وارتحل من غير ماابوح
وافرش بساطي في العيون
واصب نيلي واكتمل آية خصوبه ف ارض بور
وأثبت الصوره . . . اشتعل
. .. . . أحلم
أغيب (قصيدة: بحلم اغيب، ص 14)

 الموت/ المعرفة

وتنتشر عبر قصيدة "بس انت حاول تفتكر" من ديوان "بنت ما ولدتهاش ولادة "مفردات وسياقات الموت لتتوزع بين مناهضة الموت، والإيمان بأن الروح لا تفارق الجسد، والتعرف على الوطن/ المعنى حينما يكون الموت هو السبيل للمعرفة:

- مين اللي زرع المسافه بيني وبين عيني جماجم ....
- وعرفت معني الموت وف عنيك الوطن
حدوته متكرره (قصيدة: بس انت حاول تفتكر، ص 23)
- لا العين بتهوي الجماجم ولا بتفارقني الروح (قصيدة: بس انت حاول تفتكر، ص 23)
- إنت ف طريقك للحياه بتنور السكه
- وانا مضطر أموت فيا (قصيدة: مااعرفشي افتكرتك ليه، ص 27)

ولا يقتصر تشكيل القصائد على الجمل الطويلة التى تبوح بهواجسها تجاه العالم بما يكتنفه من زوال وانمحاء ، لكنه يسجنه فى رباعية تحاصر الموت فى قوافيها المحكمة:

عليك الحلم والملكوت
ما بتكلش ولا بتموت
وفاكر خطوتك لـسه
دا سرداب الليالي تابوت (قصيدة: مااعرفشي افتكرتك ليه، ص 28)

 الموت/ النبوءة

هل كنا بحاجة لأن نرى الصورة بوضوح طاغ كما ترينا هذه الصورة، وهل كانت غائمة لم تفصح عن نفسها إلا بعد الموت، إنها تعكس حقيقة نبوءة الموت وشكله، كأنه كان يصف ما حدث بدقة:

آه .... إ .. ن .. ش ... ر . خ . ت
وبراح يخطى فى نص قلبى ويرتحل
وانا باتنفض ويا الطريق
متبعتر الأشلاء
ولسانى متدلى النفس
متبخر الأحلام.. عيونى ملحتك
صوت ارتطام الحلم بعضامى صليل الوهم بدور ع الرجا
لم العضام لملم
الحلم نز الدم جرعات النذير
بركان غضب

صوت انفجار (قصيدة: حوار، ديوان: رحيق الشهد والمحاياه، كتبت القصيدة، 1986)
وتكتمل عناصر الصورة لتمنحنا قدرته على التنبؤ بالموت شابا عبر عدد من الصور والسياقات الشعرية الدالة:

- ولا فكرت فى العمر اللى ها يودعنى فى شبابى
ولا فى اخويا اللى ها يغنى وصوته انحاش (قصيدة: ساعتها كنت طفل عبيط، ص 43)
- بادرنى صوتك بالغياب
وانا كنت لسه بابتدى أول حضورى.. فانطفيت (قصيدة: نفس الشوارع، ص 35)
- ولا فكرت فى العمر اللى ها يودعنى فى شبابى (قصيدة: ساعتها كنت طفل عبيط، ص 43)

- بلاش تاخدي علي خاطرك
أنا بس افتكرت محمد اللي انداس
وضاع مني قصاد عيني
ورحمة ابويا ما انا ناسي
مرارة حلقي قبل ما اموت (قصيدة: ساعتها كنت طفل عبيط، ص 43، 44)

- قصيدة بعنوان (بين الحياه والموت حكايات تتقري، ص 45)
- وكأنى باطبطب على قلبى واعزيه فى شبابه (قصيدة: البنت اللى زارتنى فى أحلامى، ص69)
- طب بس ازاى وانا لسه ما عشتش ولا شفتش دنيا (قصيدة: البنت اللى زارتنى فى أحلامى، ص70)
كما يعاين استشرافه للموت عبر استدعاء أصدقائه من الشعراء الراحلين، ليطرح علينا سؤال الكتابة محاطا بالموت، معلنا عن تحديه مرة بالكتابة، وأخرى عبر ضحكة البنت الشقية "اللى ما جبتهاش ولادة" وهى ما نتصورها على مدار الديوان البنت/ الرمز/ البنت/ القصيدة، أى التى تكتسب فرادتها من تميزها، حيث لم تلد مثلها ولادة:

- إنت بتكتب ؟
طب عن إذنك ها اتوضي
وهامسك وياك قلمك واكتب سطرين
مجدي الجابري زي عوايده
بيصطاد الحواديت
عيل شايل قلب ملاك
ما بيعرفشي الموت (قصيدة: عيل شايل قلب ملاك، ص 64، 65)
- البنت شقيه وضحكتها بتسحرها بلاد
. كما لو كانت موناليزا
بتتحمي علي زهور الخشخاش
وغناها بيشبه ترانيم فيروز وتحدى منير الموت (قصيدة: بنت ما ولدتهاش ولاده، ص76)
-
 الموت/ الوصية

ولأنه يدرك موته، ورحيل جسده فإنه لا يعدم وصية إلى الأصدقاء والمحبين أن يدفنوا معه قصائده، داعيا إياهم بجمع شتاتها، موجها خطابها للجميع بأن يتحدوا التطبيع، وتربية الأبناء على رفض الاستسلام، إنها وصية العاشق الذى يدرك بوعى مكمن الوجع، وموطن ضياع الأوطان:

وباوصيكم لما أموت تدفنوا ويايا
قصايدي عشان اتطمن اتونس وأعيش من تاني
ف عالم مرتاح البال
يمكن محتاج دلوقتي تحبوني وتلموا *
سطوري المنسيه وتتحدوا التطبيع وكلابه وتغنوا
ومش عيب " يا حبيبتي يا مصر " . . . وتكسروا
شوكة علي سالم والخولي وأشكالهم وتربوا اولادكم
علي رفض الاستسلام ومقاومة بيع الأوطان
بيني وبينكم حاسس إني تقلت عليكم لكن *
قبل وداعي هاأكد علي حاجه مهمه . . . أنا قلبي
. . .
يساع الكون ببراحه ولا يعرفش يشيل من حد أنا مصري حتي طلوع الروح (قصيدة: أنا يمكن محتاج دلوقتي أغير دمي، ص 96)
رحم الله محمد عبد المعطى الشاعر الحقيقى الذى كان يرى مالم نره بعين بصيرته الرهيفة وهو لا يرى الموت مجردا لكنه يتعالق دوما بالشعر الذى أحبه فأحبه الشعر ومنحه قدرة على رؤية المكنون من أسرار الكتابة.

"- مين القتيل يا عمنا ما تقول؟
- أنا القتيل يابنى / وانت اللى بحت باسمى للقاتل"

• صابر فرج ومخايلة العود الأبدى

شاعر سكندرى، رحل تاركا ديوانين من الشعر وقد صدرا فى السنوات الأخيرة من حياته، وقد كان مثالا للدأب والمتابعة لأجيال الشعراء، خاصة الأجيال الجديدة وارتبط بعدد من شعراء الثمانينيات ارتباطا إنسانيا وشعريا كبيرا، كما ربط بينه وبين عدد من الشعراء الشباب فى الإسكندرية لينقل لهم خبراته التى لم تكن تكف عن الاستزادة من كل جديد على المستويين الشعرى والنقدى.
إن القارئ لأشعار صابر فرج سيجد انتشارا لمفردة الموت وما يتحلق حولها من مفردات تشع بظلالها عليها (القبر – النعش – العديد – القتل – ضياع العمر – الدفن - الدبول)، كما سيجد المتأمل تعالقا بين الخوف والموت فى أكثر من موضع، لكن فى الوقت نفسه لن نرى عدما أو موتا مجانيا، فالشاعر يرصف الطريق للتأمل، ليس تأمل الموت بوصفه نهاية الحياة ، لكن مطالعة الحياة بتفاصيلها وناسها إلى أن يعرج على الذات وما تحمله من خبرات مؤلمة وأحلام مجهضة، بل وأفراح لا تكف عن القفز بين السطور التى تجتذب الموت بمفرداته، وسوف نقف عند المقتطفات الموتية
- تعالق دال الخوف بالموت
"عصفورها تبدأ نهارها/ بالزقزقه والطير/ وبخاف عليها قوى/ م البوم اللى فى السكه وغراب ليفرد جناحه/ ويخبى ضحكتها (قصايد للبنات ص 7)

- الحياة فى الموت

وفى قصيدة "دى بس رايحه زياره للجنه" سنجد مقطعات جنائزية شفيفة تمثل كل واحدة منها "عدودة"، وهى لا تأخذ قالبها، وإن كانت تستعير بعض عناصر البناء متمثلة فى "العتبة" التى تتوالى فيها مفردة "يا عم" جارة وراءها مجموعة من التفاصيل التى تسرد لحركة البنت التى رحلت ليأخذنا فى رحلتها التى تمثل زيارة للجنة، والأبنية المنفصلة المتصلة لا تنشغل باستدرار شفقة القارئ أو إبكائه ، لكنه تدخل به وصف البنت وما يحيط بها من حيوات، فالبداية وصية لمن يقوم بدفنها بأن يترفق بها حين يدليها القبر، وتتوالى التفاصيل لتستعير من مطالع المراثى الشعبية فواتح المقاطع، لكنها تحتفظ بالجملة التكرارية التى تمثل خصيصة أسلوبية شعبية ليلقى بنا فى قلب الموت وطقوسه ومفرداته لنشارك هذه البنت موتها أو على وجه الدقة حياتها، ولندلل بهذه التكرارات التى تمثل ملمحا ـ ليس فى هذه القصيدة وحدها ـ فى معظم قصائد الديوان:
"يا عم حاسب وانت بتدليها ـ يا عم دى كانت لما تفتح الشباك ـ يا عم ليه القبر ريحته هافه علينا ـ يا عم سمى ع اللى نازله الموكب"، فكل واحدة منها تفتح بعدها أفقا لنطل منه على تفاصيل هذه البنت التى تتجلى عبر هذه التفاصيل فى صورة تجعلنا لا نصدق موتها أو أنها "دى بس رايحه زياره للجنه" وهو الإيهام الذى تحدثه حتى لا نؤكد موتها الواضح، بل قسوة الموت الذى سرق براءتها، وقد نلمح فى هذه العتبات بعض التهشيم العروضى كأن الشاعر يقيس على ما تفعله العدودة لنمارس التنغيم كما تمارسه الجماعة الشعبية حين تودع راحلا ونحن نسير خلف هذه البنت فى طريقها للجنة. ولا يكتفى الشاعر بالمماثلة التى يصنعها مع العدودة، لكنه يبدأ بعض المقاطع مستلهما بوضوح مطلع إحدى العدودات المتواترة "ده قبر مين اللى البقر هده" لنجد مقطعه يقول "ده قبر مين اللى ملان بالزينه" ويتأكد الملمح الأليجورى حين يخاطب القبر ملقيا الوصية إليه "اوسع يا قبر حبيبتى واوعى تضيق.. دى الحلوه واخده ع البراح واللمه" وفى القصيدة التى عنوَّن بها الديوان سنلمح اللعب على أوتار العدودة عبر التكرار:
"يابنت حزنك شفيف ـ يا بنت حزنك وقور ـ يا بنت حزنك وليد ـ يا بنت ما تعلقيش الحزن قدامك ـ يابنت قولى لأحزانك اللى فى الصندوق"، وتظل هذه النغمة التكرارية تتنامى متصاعدة وكأنه كريشندو لا ينتهى إلا بعد أن تتلبسنا حالة "حزن البنات" ليؤكد لنا أن الحزن أصلى بينما الفرح عابر "يابت ما تعلقيش الحزن قدامك/ وتفرى أوراقه/ وكأنه نتيجة حيط/ دا الحزن زى الغيط/ والفرح عصفوره".

- مواجهة الموت

إن القارئ سيجد الموت مجسدا يلعب ألعابه مخايلا مرة ومختبأ مرات، ترى هل كان الشاعر يشير إلى الموت بوصفه النهاية التى يخافها وعليه أن يواجه مقاوما موته، أم أن الاستدلالات المتراكبة تؤكد شيئا مختلفا: "للموت فاتحه له الصدر/ مش خايف/ بلاش مخايله ياموت/ شايفك وجايلك قصد وناويلك" (قصيدة: الجنة فاتحه الباب)، ويتأكد معنى المواجهة حين يكرر علينا أن الحياة لن تعاش إلا فى كرامة، وهو المعنى الذى تواتر فى الشعر حتى قارب أن يكون مثلا: عشان تعيش/ لازم تموت/ وان مت/ كون عالى الجبين/ ماتموتش محنى القامه/ وافردها/ والكلمة مهما تكون/ ترددها/وتكون مخارج حروفك/ واخده راحتها" (قصيدة: إمبارح الطيب). هكذا ستتنوع المحاور التى يشع بها دال الموت، فلن نجد أنفسنا أمام جنازة تشيع راحلا من بنى جنسنا، لكننا سنشهد وداعا لأشياء جميلة ترحل تاركة قبح العالم، وأزمنة تأتى لتشارك العزاء فى قتيل، إنه التنوع الذى لا يقف عند سكونية الموت، بل يحركه ليصل به إلى تفاصيل الحياة، بل أجد أن نقول إن الشاعر يقتنص حياة الصورة الشعرية من مفتتح الموت ومفرداته التى تصيد فى غالب الوقت وتتصيد فى بعضه الحياة ليست بوصفها مقابلا للموت، لكن كتجلٍ فى عالم تتجاور فيه المفردات والظلال والدوال والبنى وما تحمله من تفاصيل حياة تحتشد بالأصوات والخبرات، بالأحلام والمكبلات، إنها حياة كاملة يعايش فيها الموت الحياة وتعايشه مثل ابن وأخته فى بيت واحد.
إن دال الموت هو الدال المهيمن على قصائد صابر فرج، لذا سنرصد بعض تجلياته فى تضاعيف القصائد، لعل الرصد وحده يكون دالا على العناوين التصنيفية لهذه التجليات التى تتسع وتضيق لتنقل الموت من مجرد مفردة نلمحها فى قصائد بعض الشعراء إلى عالم كامل تشتبك فيه العناصر فيتحول الموت إلى عنصر منها:

- الموت/ السؤال
" وسع يا واد لأمبارح الطيب/ جايلك يعزى/ والعزا واجب/
- مين القتيل يا عمنا ماتقول؟
- انا القتيل يابنى/ وانت اللى بحت باسمى للقاتل/ وزرعت فوق قبرى/ صباره ورخامه" (قصيدة: إمبارح الطيب)
- الموت عبر الزمن/ الحياة عبر الحب
" الكل داخل مهالك السراديب/ وانت اللي ساكن مدخل الفردوس/ خدني وعديني صوتك داخلني/ كنبض الروح في شراييني/ واموت بفعل الزمن/ وانت بتحييني" (قصيدة: جامع الياسمينات)

- موت الأصدقاء والأحبة
- كنت هربت من الموت/ لجل عنيكى/ كنت اعيش لك/ وأفكك وياكى العالم/ حته ف حته/ ايه حكاية العدوده/ ناويه تنوحى عليا من تانى يا بنت/ " دا قبر مين اللى البقر هده"/ " دا قبر مجدى الجابرى يا سعده"/ " دا قبر مين اللى الزهور حواليه"
" قبر اللى كنا كلنا حواليه "(قصيدة: فينكس)
- موت السابق/ خيانة اللاحق
- انا عنخ توت ممقوت/ لافف على كعابى/ وخلودى بعد ما اموت/ مرهون بأصحابى/ يا صحبتى يا كرام/ أنا جثتى بينكم/ حاتوزعوها بكام/ لو بيعها حا يفيدكم
انا عضمتين دايبين/ لكن تاريخى طويل (قصيدة: السابق واللاحق)

الموت/ العود الأبدى
- باتمنى/ ينزل مطرنا/ يطهرنا قصاد الموت/ ويرجع العاصى من الاخوات
والروح إلى الأموات (قصيدة: جرنيكا واقفه تبص ع المنظر)

الأمثلة كثيرة متعددة وزاخمة بالتنوع لكننى مضطر لضيق المساحة أن أمنع نفسى من التعريج على المقتطفات الكثيفة التى زادت عن عشر صفحات كلها تنتمى إلى هذا العالم الموتى الذى يؤكد على اتساق بين صابر فرج الشاعر والإنسان، فأمام الموت تتعرى كل الأشياء وتتضاءل النزعات الإنسانية، ونرى الزهد والاكتفاء بالذات وما تجنيه من أفراح صغيرة، والتسلح بالعناصر الأليفة الملآنة بالحياة من تراث ومأثورنا الشعبى، فالتجليات التى نراها فى الديوان هى دوافع ضد الموت، أو على وجه الدقة محفزات الحياة واقعيا وعلى المستوى الشعرى، لذا سنجد تأملا عميقا للذات فى ديوانه الأخير "واحد بيتفرج على روحه".
إن معاينة ظاهرة الموت فى قصائد شعراء العامية الراحلين تدعونا لاستكمال قراءة أشعار "عبد الدايم الشاذلى، محمد الحسينى، عصام رخا، عمر نجم، عصام حجاج، ونبيه محفوظ"، ربما منحتنا أدلة جديدة للإجابة عن أسئلة الموت، وعن السؤال الشائك الذى لن يكف عن الدوران لماذا يموت شعراء العامية فى سن مبكرة وهو ما يطمح الباحث لاستكماله فى دراسة موسعة بعد أن توفرت لها شواهد غنية وكثيرة بحيث يصعب لم شتاتها وتنوعها فى هذه الدراسة ـ ولا يقتصر الأمر على الراحلين لكننا نلمح الشواهد بقوة فى عدد كبير من دواوين العامية المصرية خاصة فى أشعار "صلاح جاهين، فؤاد قاعود، حامد البلاسى، عبد الرحمن الأبنودى"، وتتكاثر بشكل مدهش فى دواوين بعض شعراء الثمانينيات نذكرـ قمنا بدراسة ومعاينة دواوينهم ـ منهم: "مدحت منير، محمود الحلوانى، يسرى حسان، خالد محمود، عزت إبراهيم، عبد الناصر علام، إبراهيم الملاح" ومن الأجيال التالية الشعراء: "محمد عزيز، عبير نصر، محمد فاروق(***)، فالقصائد تحفل بتصوير لحظات الوداع، والذبول، والاغتراب، والإحساس بالوحدة، الانطفاء، والهجرة، والرحيل، والموت، كما تمثل شهادة جمالية على رؤية الموت وتنوع أشكاله التى تضعنا فى قلب التخييل المنتج، وهو ما نعد بدراسته بشكل متسع لنعيد طرح السؤال من جديد حول ظاهرة الموت فى الشعر لنعاين من خلالها السؤال: هل حقا يموت شعراء العامية فى سن مبكرة؟


المراجع والحواشى

(*) شاعر أميركي، مولود عام 1953 في فيينا، والده الشاعر الكبير جيمس رايت، الذي حصد نجاحا هائلا في الخمسينات والستينات، والذي قال له عندما قرأ قصائده الأولى: "هكذا إذا ً! أنتَ شاعر! أهلا بك في الجحيم". أحد أبرز أصوات الشعر المعاصر في الولايات المتحدة، ترجم رينه شار وايريكا بيدريتي وراينر ماريا ريلكه إلى الإنكليزية، ونال بوليتزر الشعر عام 2004. كتب "السير إلى كرْم مارتا" و"ما قبل الحياة" و"الأرض من دونك" و"الجحيم وقصائد أخرى"، راجع ، أنا نذل في طور الـشفاء، ترجمة جمانا حداد ـ مدونة سريب ضمن مدونات مكتوب ، كتبهاafaitouri ، في 30 مارس 2007.
(**) راجع، د. حسن حماد، الإنسان وحيدا، دراسة فى مفهوم الاغتراب فى الفكر الوجودى المعاصر، مكتبة الشباب، ع (39) الهيئة العامة لقصور الثقافة، ديسمبر، 1995، ص 107.
(1) راجع، أحمد مرسي، نيوويورك ، المستقبل، 2004، راجع موقع الإمبراطور، وعنوان الصفحة http://www.alimbaratur.com/StartPage.htm
(2) المرجع السابق .
(3) السابق .
(4) نذكر ممن سبق المرض موتهم: عمر نجم، عبد الدايم الشاذلى، خالد عبد المنعم، مجدى الجابرى، إبراهيم عمر، عصام حجاج، محمد الحسينى .
(5) راجع ، أحمد مرسي ، مرجع سابق .
(6) بدأ الكتابة بالعامية، ثم كتب الفصحى، رحل عن عالمنا تاركا أربع مجموعات شعرية بينها ديوان بالعامية المصرية، وهي: حراشف الجهم -1991- مثل ذئب أعمى (طبعة محدودة) – 1996 - على هيئة واحد شبهي (بالعامية) – 2001- عين سارحة وعين مندهشة – 2003.
(7) يتوجه الباحث بجزيل الشكر للأصدقاء الباحثين والكتاب والشعراء: د. يسرى العزب، سمير الفيل، طاهر البرنبالى ، جمال حراجى، ماهر المنشاوى، أحمد عامر، محمد عبد الغفور على ما قدموه من بيانات أسهمت فى اكتمال المعلومات عن الشعراء الراحلين.
(8) اعتمد الرصد على الببليوجرافيا التى يعدها الباحث عن شعر العامية بداية من 1952 حتى الآن .
(9) الاصطلاح للشاعر والناقد محمود الحلوانى، راجع دراسته خالد عبد المنعم الطفل الملحمى وخطاب الاستشهاد، نشرت بجريدة القاهرة، وأنظر مدونة الشاعر http://hlwany.maktoobblog.com/
(10) موسيقى التكوين ، سلسلة أصوات أدبية ، (76)، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، 1994، حمار البحر ، دار شرقيات.
(11) انظر، د. حسن حماد، الإنسان وحيدا، دراسة فى مفهوم الاغتراب فى الفكر الوجودى المعاصر، مكتبة الشباب، ع (39) الهيئة العامة لقصور الثقافة ، ديسمبر ، 1995.
(12) راجع ، محمود الحلوانى ، الطفل الملحمى وخطاب الاستشهاد، مرجع سابق .
(13) لمزيد من التفصيل، راجع الدراسة القيمة والعميقة للشاعر فارس خضر، ميراث الأسى، تصورات الموت فى الوعى الشعبى، سلسلة مكتبة الدراسات الشعبية،ع (39)، الهيئة العامة لقصور الثقافة، أغسطس،2004.
(14) انظر، د. حسن حماد، الإنسان وحيدا، مرجع سابق.
(15) انظر، محمود الحلوانى، مرجع سابق.
(16) راجع، السابق.
(17) السابق.
(18) قامت شريكته الكاتبة صفاء عبد المنعم بإعداد كتابه حكايات شعبية، وديوانه طرطشات موجة حلم للنشر، وننتظر نشر باقى دواوينه ودراساته التى ستلقى الضوء بشكل مكتمل على واحدة من التجارب الإبداعية الثرية فى حياتنا المعاصرة.
(19) راجع، د. يسرى العزب، الواقع الشعرى فى الفيوم، (شعر العامية)، أغنية للاكتمال، كتابات نقدية،ع (35)، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ديسمبر، 1994، ص 246.
(20) من المفارقات الدالة أن الشاعر الراحل مجدى الجابرى كان قد قدم هذا الديوان لسلسلة إشراقات أدبية فى أوائل صدورها لكنه رفض لغموض قصائده، وبعد أن تجاوزه الشاعر، بل وكان يرفض - فيما بعد – هذه الطريقة فى الكتابة، بل مارس السخرية منها فى قصائد "عيل بيصطاد الحواديت" فى سياق جملته الساخرة عن شعراء "المدى والوردة" (فلعنت سنسفيل الفقرا والأغنيا، وبتاع العيش، والصراف، والشعرا بتوع المدى والورده)، ومما يعلى من قيمة المفارقة أن ديوان طرطشات موجة حلم قد صدر بعد رحيل الشاعر من نفس الهيئة بعد أن تغير الحال فى النظر إلى هذا النوع من الشعر وأصبح فى باب الاعتياد، وحين بدأ بعض الشعراء يكتبون ما يسمى بقصيدة النثر بدأت مجابهة جديدة ، انظر ، طرطشات موجة حلم، سلسلة كتابات جديدة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002.
(21) جزء من التصدير الذى صدّر به مجدى الجابرى ديوانه "عيل بيصطاد الحواديت"،سلسلة إبداعات، ع (11)، 1995، والتصدير لعبد الرحمن منيف، ص 5.
(22) انظر، محمود الحلوانى، مجدى الجابرى شاعر الألعاب الخطرة، مجلة الثقافة الجديدة، ع ( ) ، 1999.
(23) نظن أن التصدير من وضع الكاتبة صفاء عبد المنعم.
(24) راجع نص مجدى الجابرى النثرى الذى يتصدر ديوان طرطشات موجة حلم ، ص 7.
(25) راجع ، تيرى إيجلتون، مقدمة فى نظرية الأدب، ترجمة ، أحمد حسان، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1991. وراجع، مسعود شومان، قراءة لا تبحث عن المشتركات، أغنية للاكتمال، كتابات نقدية، ع (35)، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ديسمبر ، 1994، ص
(26) ، 254.
(27) تودروف، جزء من التصدير الذى صدر مجدى الجابرى به ديوانه "بالظبط وكأنه حصل"، (طبعة محدودة)، 1994، وقد طبع طبعة محدودة أخرى فى 1995، وطبعته الثالثة صدرت فى سلسلة إبداعات.
(28) راجع، تصدير ديوان "عيل بيصطاد الحواديت".
(***) زادت الاستشهادات على سبعين صفحة واضطر الدارس لإرجاء عدد كبير منها مكتفيا ببعض الراحلين مؤجلا دراسة الأحياء – أمد الله فى عمرهم ـ للدراسة الموسعة .

***

مستويات تلقى الفراغات والنفى ()
فى النص الشعرى على ضَوْء نظرية التلقي

ناهد أحمـد

ظلت الرؤية النقدية للنص الأدبى – أمدًا طويلاً – تنطلق من مستوى جزئي، يتناوله فى حد ذاته، أو ربما تعاملت معه فى حدود مرجعيته، أو من موقعه فَحَسْبُ ضمن تطور الجنس الأدبى الذى ينتمى إليه. غير أن نظرية التلقي فتحت أفقًا جديدًا للتعامل مع النص، يعتمد – بشكل أساسي- على المستوى الواحد للقراءة إلى مستوياتها المتعددة، حيث يعطى لعناصر بناء العمل الأدبى قيمة وضعها فى كل عمل، وهو الذي لا يفرض نفسه ولا يستمر فى الحياة إلا من خلال الاهتمام بالمتلقى ودوره الحيوى فى دوام التواصل اللُغوى والأدبى.
ولأن النص الأدبي نوعٌ من أنواع الإبداع الإنسانى بوصفه خصيصة علائقية تُجسِد شبكة من العَلاقات(*)، يظهر متجسداً فى أثر مادى وتكوين شكلى نوعى، فإنه يتسم بالقدرة على التعبير وليس الوصف المحدد فيترك عناصر كامنة ومواطن غير محددة وفراغات أو ثقوبا أو فجوات أو مساحات بيضاء أو خالية فى النسيج الفنى، ولكونه لا يراعى قواعد المنطق عند كتابته فيترك فراغاً أيضاً، ولأنه يقوم بعملية تفكيك ثم إعادة تركيب وترتيب لمفردات الواقع وَفْق قواعد وقوانين مغايرة لما هو سائد ومألوف، أى دون الالتفات إلى الكلام الصريح والعبارات الواضحة والتقريرات العلنية، هى قواعد قوانين الخيال التى لا تُبلَّغ إلا به، فبالتالي يترك فراغاً فى نسيجه، ولأنه لا يُبدع بهدف التأثير المباشر فى المتلقى فيترك فراغاً ذا مرجع مكانى غير مباشر.

ويرجع هذا المرجع المكانى - إلى حد بعيد - إلى لغة النص، تلك التى تتجاوز مفهوم الأداة أو سلطة الفعل إلى التحويل الحر، المنفتح على التعدد، والتى تجعل النص منفتحاً على عوالم متشابكة تجعل منه بنية سيميولوجية معقدة التركيب لا تسمح بدلالة متعالية أو بقراءة أحادية، بل تشرع تعدد القراءات والرؤى النقدية، التى تؤكد عدم ضرورة تضادها أو تنافرها للنص الأدبى الواحد، بحيث تكون القصيدة الواحدة مائة قصيدة لمائة قارئ، بل للقارئ نفسه؛ حيث تدل كل قراءة على كيفية متغايرة تتجاوز إطلاق الرأى والشهادة- المهم أن تحتفظ في النهاية بالانسجام والتماسك النصي، فـ (...)" ليس هناك قصيدة واحدة قد ثبت معناها عبر الزمن، بل يتباين هذا المعنى على الدوام، لا لأن القصيدة اختلفت ـ فشكلها الكتابي يظل فى الأغلب ثابتاً ـ بل لأن قراءها أنفسهم اختلفوا"( ) الذين يتناولون القصيدة نفسها، سواء أكانوا متزامنين أم غير متزامنين.

ومن هنا تبرز ذاتية ووحدانية وبصمة إعادة الإنتاج لدى المتلقى وتفرده وخصوصيته، حتى لو تناول وجسَّدَ مضامين وردت فى النص المكتوب نفسه؛ لأنه ليس بمرآة تعكس الأشياء نفسها التى يعكسها عمل المؤلف تكتفى بوضع تصور خيالى يجسد محتواه. ذلك لأن كل العناصر الداخلة فى بوتقة العمل، تُعاد صياغتها وإنتاجها بحيث تتحول إلى مُركَب جديد تماماً من خلال مقاربة التفاعل بين بنية النص وبنية الفَهم عند المتلقى؛ ومن ثَمَّ فـ (...)" النص فى وجوده الجديد بعد فعل القراءة، ليس عملية التفاعل المتبادل بين النص والقارئ أو حتى فعل القراءة (...)، ولكنه ما ينتج عن القراءة. ثم إنه يرفض مبدأ التفاعل هذا على أساس أن النص الجديد يجيء إلى الوجود "كرد فعل": فعل داخل مناطق الفراغ والنفى الموجودة بالفعل فى النص، والتى يقوم القارئ، استجابة لوجود تلك الفراغات، بملئها وكتابة النص الجديد" ( ) بتقديمه بنية تأويلية جديدة. فالنص- قبل قراءته - فضاء مثقوب؛ ولذا فإن محمد عبد المطلب يقول: "إن قيمة النص تتمثل فيما تتيحه للقارئ من محاولة كتابته مرة أخرى"( )؛ بمراجعته من خلال استخراج المعانى المغيبة المستترة خلف النص الظاهرى، تلك المعانى الباطنية العميقة التى لم يوضحها المبدع - كما ذكر آنفا - إن اللغة الأدبية لغة متوارية غير مباشرة تفصح عن مكنونها وتبين مقصدها، وبهذا تتجلى العَلاقة التكاملية بين الإنتاج والتلقى الأدبيين بوصفهما كيانا واحدا. إلا أن الجدل حول سلطة المتلقى اتخذ مجرى سياسيًا.

وعلى هذا انتقلت بؤرة التركيز من النص إلى المتلقى فلا يكون للقراءة كينونة حين يتسلط النص عليها. ومعنى تسلط النص، هنا، اكتماله بصفته بنية للمعنى. فكمال النص لا ينشئ عَلاقة قراءة به وفيه، إنه ينشئ فقط عَلاقة عملية، تستحيل اللغة فيها إلى وعاء للمعنى، وتغدو عملية التلقى فعلاًَ نثرياً (***) استهلاكياً هو أشبه شىء بالترجمة، حيث المعنى الحرفى المباشر للنص هو الهدف وليس فى اللفظ فائض فى المعنى وراء المعنى المباشر كما ترى السيميولوجية المعاصرة( ). أو ما يمكن تسميته بالنص السالب، بينما ما يمكن تسميته بالنص الموجب هو الذى يترك فراغًا. فـ (....) "الجنس الشعري ليس نسقـًا مغلقـًا. بل عنقود عادات يضفي انتظامـًا مستهدفـًا على التوصيل ويظل منفتحـًا على الضغوط المتحولة للتاريخ والحياة اليومية. إنه عنصر ذاكرة والذكريات تتغير بمرور الزمان "(2)، وبذلك يكون النص من حيث المبدأ ناقصًا ويظل فى حاجة إلى إضافة تالية، ولكن هذه الإضافة لا يمكن الفصل فى إكمالها من جهته، ولكن عبر العودة إلى المتلقى. ومن هنا يغتدى دوره مركزيًا بنائيًا؛ ذلك بأن النص الذى يقدم إليه ليس نظامًا داخليًا مغلقًا أو كاملاً ولا جاهزاً ولا معلباً، ولكنه كيان مفتوح ينتظر من قارئه أن يبذل فيه جهداً يعاد به خلقه، أو ترسيخه.

ولم يكن هذا النقص أو الفراغ موطن ضعف أو نقيصة أو قصور يُحسبُ نقدياً على النص، بل يُعَد طاقة تعبيرية لا غنى عنها وسمة رئيسة فيه ونشاطًا قصديًا فى فنيته. يتحول لدى المتلقى إلى فاعلية بنائية تكميلية جدلية تقيم حواراً مع النص على كل من المستوى الجمالى والتاريخى.
وإلى هذين المستويين المعتمدين على مبدأ التآزر والتعاون بين نص المبدع ونص المتلقى يشير"أيزر" إلى أن للنص الأدبي جانبين: الأول يكون بفعل الإبداع والثانى بفعل القراءة، وكلاهما يسهم فى إنتاج النص وَفْق رؤية معينة، فيقول: "إن للعمل الأدبي قطبين، قد نسميهما: القطب الفنى والقطب الجمالى، الأول هو نص المؤلف، والثانى التحقق الذى ينجزه القارئ"( )، بتمثله للنص نفسه فى مقاطعه الغامضة وإشاراته الملتبسة.
وينبثق هذا التحقق المنجز بصيرورته الناتجة عن زاوية نظر المتلقى له مما لم يقله النص من خلال ما يقوله. باعتبار أن الفراغ أو ما لم يقله النص يُعَد فى الوقت نفسه معطى يتسرب فى جسده دون أن يفصح عن نفسه أو يبين، مساعداً المتلقى أن يتمم وحدته بربطه بين مختلف أجزائه.
ومن هنا يُعَد الفراغ لحظة من لحظات اللغة أو نوعًا من الكتابة لها معناها ودلالتها الخاصة، بل يصبح جزءاً عضوياً من شاعرية النص؛ لأن الفراغ ـ كما سبق وأن أشير إليه ـ لا يَعنى السلبية ولكن يَعنى رفض الشرح والتعليق والإخبارية. بل من وجهة نظر أكثر اتساعاً يعمل على تأييد الدلالة والقراءة الإيجابية، فتبدو تلك الدلاله فى الظاهر مجردة من الدوال ولكنها فى الباطن موحية بالدلالية فى إطار معين. وهو موقف مختار فى لحظة معينة مثلما يختار فى لحظة أخرى المَلْء.

وتفرض هذه الفراغات، أو فجوات النص، أو مناطق القناع، أو الغموض الفنى، أو الالتباس والتورية على المتلقى مهمة الأثر بين ذات ذلك المتلقى وموضوع العمل الفنى، أو قيام عَلاقة تكافلية؛ فيكون المتلقى بذلك مفعولاً به وفاعلاً، سلبيًا وإيجابيًا، منفعلاً وفاعلاً فى الآن نفسه.

ولن يتحقق هذا التكافل، أو تسد وتكتمل تلك الفراغات إلا من واقع خِبْرَة المتلقى و"أفق توقعاته"() أو "أفق انتظاره" أو "أفق انتباهه". فالقارئ يقرأ النص الأدبي بتوقعات معينة وافتراضات للقيم فيه اشتقت من قراءاته وممارساته ورياضته ودربته للنصوص السابقة للطبيعة النوعية: (قصيدة- قصة- مسرحية). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فى قراءة العمل الأدبي ذاته، وعليه، فإن حركات المتلقى ثلاث، تتجه أولاها إلى الجنس الأدبى كافـًة، وثانيها إلى القصيدة المتلقاه، وثالثتها إلى إبداعه الخاص، أو أن يحل محله فى عناصر العمل الأدبى بما يعادله. أو يشابهه فى معايير أفرزتها الأعمال المشابهة أو الوعى بالأصول الفنية أو ما يطلق عليه بـ "الرحم التقليدي" (*).

وعلى هذا الأساس تتجسم مهمة الأفق التوقعى بتغيره وتعارضه مع المعايير الجمالية الشعرية ولبنائه من جديد، وطبقًا لهذا (...) "تتم عملية بناء المعنى وإنتاجه داخل مفهوم أفق الانتظار حيث يتفاعل تاريخ الأدب والخبرة الجمالية بفعل الفَهم عند المتلقي، ونتيجة لتراكم التأويلات (أبنية المعاني) عبر التاريخ نحصل على السلسلة التاريخية للتلقى التى تقيس تطورات النوع الأدبى وترسم خط التواصل التاريخى لقرائه، وإن لحظات (الخيبة) التى تتمثل فى مفارقة أفق النص للمعايير السابقة التى يحملها أفق الانتظار لدى المتلقى هى لحظات تأسيس الأفق الجديد" ( )، ذلك الذي يسمح أيضًا بأفق توقعى ومستقبلى لإدراكه.

وبذلك يضمن هذا الأفق درجة من العَلاقة والتواصل الحميم مع النص. إذ لا بد من تأمل دقيق من قِبَلِ ذلك المتلقى لذلك الانتقال من النص الْمُحْدَثِ ومدى المعرفة والخبرة التاريخية لدى العمل الفنى هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يزداد هذا التلاحم بين النص والمتلقي، بوصف الثاني بنية نصية وعملية إنتاج للمعنى فى الوقت نفسه، ذلك عندما يحدث انزياح للعمل القرائى عن أفق توقع القارئ، تتعدد مواطن الفراغات مما يكتسبه المتلقى من وعى جديد يؤدى بدوره إلى قراءات تتغاير عندما تتعاقب.
ووَفْقًا لهذا اهتم "ياوس" فى المنهج الذى اتبعه إزاء جماليات التلقى بالتاريخ الأدبي()، فيقول إن:"الاستقبال نفسه الذى يحظى به العمل (الأدبي) لدى قرائه الأوائل يفترض حكم (قيمة) جمالياً تم إصداره بالإحالة (إلى) أعمال أخرى سبقت (فى) قراءتها"( ). وبهذا لم يكن تلقى الفراغات أو ملؤها أية استراتيجيات محددة أو أية نماذج تأويلية عامة تصلح لكل النصوص فليس هناك نمطية للقراءة تمنحها شكلا ثابتًا، وإنما هى قراءة قابلة للتغيير والتبديل، ولا يكون الأداء النقدى صانعًا معتمدًا على أشكال معينة يقسم بها معادنه فى كل اتجاه، فتبعده بذلك عن فنيته؛ لأن حساسية الإبداع والغوص فى متن النص ليس لها أدوات ثابتة يعتمد عليها المتلقي، وإنما عليه أن يربط النص بأمثاله ويقيسه بها، أو يكتشف النموذج الذى ينتظمها والأنساق العليا التى تندرج فيها، فـ (...) "العناصر التى تختار فى الغالب مدخلا إلى باطن النص عناصر تستعصى على الضبط وتبقى أهميتها رهينة المكانة التى يمكن أن تجعلها فى القاع التخييلى للناقد"( )، فهي تتحدد فقط بما يقرره هو أن يضعه فيها. بمعنى أن تاريخية الأدب مرتهنة بالعَلاقة الحوارية بين النص والمتلقي.

وتبعًا لهذا التاريخ الأدبي يتجلى الأفق فى الاستجابة والتواصل ما بين الذاكرة التى تتعلق بالشعور بالماضى والانتباه بالنص فى الحاضر وآفاق التطلعات والتوقعات فى المستقبل متأرجحاًَ هذا الأفق ما بين أفق توقعات النص بأفق توقعات المتلقى.

ولأن الشاعرية أو النص الشعرى قدرة أدائية وليست قدرة كامنة،ومادام الفيصل فى التأتى بالدلالة وتقويم النص هو المتلقى.فكل من النص والقارئ يفترض الآخر ويتطلبه، وهذا الافتراض التفاعلي يؤدى إلى صيغة تركيبية (...)"لا ينتجها خيال القارئ وحده. ومن ثَم، فهذه صيغة تركيبية مزدوجة الطابع: فهذا التركيب يحدثه القارئ ولكنه فى الوقت ذاته يكون محكوماً بمجموعة الإشارات التى يطرحها النص"( )، أي إعادة خلقه وتجسيده بشكل يتسق مع معطيات الموضوع أو النص الأدبي؛ ـ لأنه ليس كل هذا الخلق أو التجسيد اختلاقًا ذاتيًا للمتلقي ـ، ومن هنا فـ (...) "الناقد أحياناً ليس هو الذى يَرى النص، بل إن النص أحيانا يُرى إلى الناقد فيدعوه"( ). ولعله بذلك يرجع تحقيق الوصول إلى مشاركة المتلقى إلى سياستين متمثلتين فى: اجتذابه للنص فى موقعه أو إجتذاب النص إليه فى موقعه هو. أى إن لم يجبه حوارًا، أجابه اعتبارًا؛ لأنه يُعَد واسطة لإيصال رسالة إليه ليتمعن جوهره الماثل أمامه. المهم أن تتم بينهما عَلاقة الأثر العكسى للخط المزدوج:
نص بينهما تأثير وتأثر قارئ.

وفى ضَوء ما سبق يمكن القول بأن الفراغات هى نقطة انطلاق التلقي. كما أن هذه الفراغات تتسم بعدة خصائص يكون هدف الدراسة أن تجيب عن التساؤلين التاليين: ما هي الكيفية التي يمكن بها تلقى الفراغات النصية؟ وهل كان تلقى الفراغات أو ملؤها يشكل جزءاً من مهارات التذوق الأدبى أو يمثل أحد أشكال مستويات التلقى أم لا؟.

كما وقع اختياري فى استخراج الفراغات وملئها على قصيدة النثر ممثلة فى ثلاثة شعراء من السبعينيات: رفعت سلام، وحلمي سالم، ومحمد فريد أبو سعدة. وكان سبب الاختيار يرجع إلى أن قصيدة النثر خلقت أشكالاً لانهائية غير مرصودة بشكل معين معلوم سلفًا مع كل نص شعرى، ومن هنا تعددت الفراغات التى أتاحت فكرة التأثير والتأثر لكل من النص والقارئ، فكانت هذه الدراسة مُشكَّلة لفراغات جديدة فى التعامل مع النص وبجدلية التلقى التى لم تكن مألوفة فى القصيدة العربية.
ويمكن إيجاز بعض خصائص فراغات التلقي، على النحو التالي:
فراغات تقدم نفسها للمتلقى وأخرى يكتشفها المتلقى ناتجة عن القدرة على التعبير:

لأن النص الأدبي ليس نمطاً من العدوى الانفعالية أو إسقاطا لها؛ لذا فهو يقوم بوصل الانفعالات أو الوجدانيات والمشاعر وليس التعبير عنها، أي استحضار لفعل معين، وليس الفعل ذاته، وذلك بصياغاته التخطيطية فى الوصف الذى يتعدى الدلالة السطحية المباشرة، فحروفه فى حركة دائمة بين التغير والثبات؛ لتحرر الأشياء من دلالتها الوضعية وتناسبها المنطقي. بل تكتشف ما بينها من عَلاقات خفية، فبذلك يتجاوز المتلقى الحكم والتميز إلى إدراك العَلاقات الخفية بين التراكيب، ومن هنا (...) "تصبح الكلمة فى التجربة الجمالية إشارة حرة، تم تحريرها على يدى المبدع الذى يُطْلِق عتاقها ويرسلها صوب المتلقي، لا ليقيدها المتلقى مرة أخرى بتصور مجتلب من بطون المعاجم (...) وإنما للتفاعل معها"( )؛ ولذلك تصبح الكلمة حرة فى النص فى حالاتها الإبداعية وتصبح حرة أيضا عند المتلقى بتأثيرها الجمالى فيه.
يقول محمد فريد أبو سعدة (2):
" أََمْ تَرَاهَا سَتُوْلَدُ مِنْ نَفْسَهَا كُلَّ آنٍ، كَأْنَّ لا نِسَاءَ سِوَاهَا تَعْشَقُهَا الله، خَبَّأَ فِيهَا كَمَالَ الأُنُوثَةِ، ثُمَّ تَرَاجَعَ يَنْظُرُ مُنْدَهِشًا لِيَديَهِ...".
فى هذا المناخ الجمالى تتجلى فراغات لغة الشعر من خلال ثنائيتين:
الأولى ثنائية الإلهي والإنساني، حيث اكتسب معجم محمد فريد أبو سعدة دلالات جديدة خفتت بها المعانى الدينية التقليدية ذات الكلمات الثابتة، فأفرغت كلمات مثل لفظ الجلالة (الله) من معناها الديني المحدد إلى سياق أدبي، واكتسب دلالات ذات صلة بالإبداع الشعري، وأعيد شحنها بطاقة جمالية محضة؛ حيث أخذ المادة الخام للكلمة وأعاد تشكيلها فقام بعملية توحد وتماه بين الفعل العلوى القدسى الخالق (الله) والعنصر الإنساني من خلال الأفعال والضمائر (تراهَا – ستولَدُ – نفسهَا – نساءَ – سواهَا – تعشقُها – فِيها – الأنوثَةِ).

والثانية: ثنائية الجنس، المتمثل فى الوجود الذكورى والوجود الأنثوي. ومن منطلق هذه الثنائية التى تأخذ طابع المقارنة غير المباشرة، يصبح الشوق من العاشق (وهو مذكر) مقابلا العشق للمعشوقة (وهو المؤنث) وكأنه لا يكون إلا للأنثى. والواقع أن تراثنا الشعري العربي يؤكد تلك الحقيقة. ولكن الشاعر هنا جعل عَلاقة العشق بين الذكورى المتمثل فى الإلهى والأنثوى المتمثل فى المرأة، التي لا انفصال بينها والتاريخ (سَتُوْلَدُ مِنْ نَفْسِها كُلَّ آنٍ).

كما يتجسد التناص فى السطور السابقة فى استحضاره جسد المرأة استحضارًا أسطوريـًا كما فى حالة "بجماليون" الأسطورة ذات الأصل اليوناني، تلك التي تنص على أن الفنان "بجماليون" ينحت تمثالاً من الرخام لامرأة جميلة عذراء مثالية يضع فيه كل مواهبه وإبداعه حتى إنه على الفور ليعشقه ويقع فى حبه ويفتن به و يبتهل ويتذلل إلى الآلهة أن تمنحه الحياة، وتستجيب "منيرفا" لتضرعه فتنفخ فى التمثال روح الحياة وتعطيه اسم "جاليتيا" ويسعد "بجماليون" بامرأته الحية التى تزوج بها، والتي صنعها بيديه وقتاً قصيراً ولكنها لا تلبث أن تخضع لغريزة المرأة الطائشة فتخونه مع "ميليتوس" ربيب أو صاحب "بجماليون"(*). وهذا الاستدعاء الذى يحققه النص يحفز المتلقى على المقارنة بين النصين دلالياً، وتؤول هذه المقارنة إلى كشف عن حركة الدلالة ومداها فإذا كانت فى النص الشعرى تعبر عن ندم الإله ودهشته، ففي النص الأسطوري تعبر عن ندمه أيضاً؛ بسبب عبثه في البحث عن الكمال. وبهذا يتجلى تعاون أفق توقعات المتلقى مع ذاكرته من خلال هذا التناص ليكونوا نصف تلقٍ. أو كما يرى "ياوس" أنه (...) "يتشكل معنى العمل على نحو جديد باستمرار نتيجة تضافر عنصري: أفق التوقع (أو السنن (الأول) ) الذى يفترضه العمل، وأفق التجربة (أو السنن الثاني) الذي يكمله المتلقي" ( ) من واقع خبرته.
ولعله فى تنقل اللغة من مستواها المستقر إلى مستواها المفتوح(الإبداع) أو فى تشكيلها المعمارى بتنقل مفرداتها فى أكثر من موضع من واقعها إلى واقع متن النص إلى حاشيته، بوصفها وسيلة من وسائل التشكيل اللُغوى للنص، تملك حشدًا من التحرر. وبذلك تحيط اللغة فضاءات واسعة من احتمالات المعنى وفيض الظلالات الدلالية، بما يمثل تجسيدًا شكليًا للدلالة على مستوى الإحساس البصرى بالكلمة من قِبَل المتلقى، أو تراسل المتن باعتباره حاشية وتراسل الحاشية بوصفها متنًا وتبادل مدركاتهما. بل يحدث نوع من التماس بين خطابين يشير كل منهما إلى سياق معرفى وجمالي، محدثًا ازدواجية تذوقية ورؤيوية فى عملية التلقي، ويتضح ذلك فى تركيب تجربة "إشراقات" من خلال حوار ثنائية متن النص مع حاشيته أو ما يمكن تسميته بالنص المخالف أو نص الاختلاف أو النص داخل النص من حيث الشكل والمعنى والمضمون المختلف، فهو" صوتان متجاوبان، أحدهما أصل والآخر الصدى. لكن معاودة التأمل فى جملة الخطاب جملـةً يمكن أن تجعل من الحاشية متنًا، ومن المتن حاشية، وذلك بـتأثير العَلاقة الجدلية بينهما "( ).
ومن ثَم يترك النص للمتلقى فراغًا مرئيـًا متمثلاً فى التركيب المادى الموضعى للنص بجمعه بين المتن والحاشية، وفراغًا غير مرئيّ فى خيال القارئ يتخلل النص، مما يجعل القارئ يلتفت التفاتًا بصريًا من متن النص إلى حاشيته ثم إلى متنه مرة أخرى؛ بسبب إدراكه للتغير الحادث فى النسق اللُغوى للخطاب.
ولعله فى مجيء النص بهذا الشكل منقسمًا إلى متن وحاشية ما يوحى للقارئ للوهلة الأولى أن هذه الحاشية، استخلاص للمعنى أو تعليق على النص، لكنه فى غرضه يتضمن مفاجأة المتلقى فيكسر الإيهام وينحرف عن أفق توقعه ويعمل على إثارته ومجادلته وحواره، فيأتى بنص آخر متمثلاً فى حاشيته غير نص المتن يتجادل معه ويحاوره. فيتم الانسجام والتوافق والتضافر بين الشكل والمضمون، أو ما يمكن قوله مع عبد الرحمن بدوى: "مضمون تلقى الشكل اللائق به"( ).
وهذا التعدد فى الصيغ الشعرية يصحبه جدل الثوابت والمتغيرات فى التشكيل اللغوي، مما يجعل من تجربة النص شبكة من العَلاقات اللُغوية والمضمونية، التي تعلى من كفاءة النص وفاعليته مع المتلقى وفاعلية المتلقى معه، حيث إن خط القصيدة يتوقف فجأة ويستمر من منظور آخر أو اتجاه غير متوقع، والنتيجة فراغ يجب على القارئ ملؤهُ من أجل ربط الأجزاء بعضها ببعض، يقول رفعت سلام فى متن "إشراقاته"(2):

"فابْتَعِدْ يَا أَيُّها الْعُقَابُ، (*) عَنْ طريقي الْمَرِير ابْتَعِدْ إِلََى أَنْ أَنْتَهِى مِنْ عَشَائِى الأَخِيرِ فَأسْتَنِدُ إِلَى الْهَاِويَةِ أُسَمَّيهَا امْرَأتى الْمَلْعُونَةَ الْمُتْخَمَةَ بمُوشََّحَاتِ الشَّر والشَّخِيرِ الْمُرِّ والصُّرَاخِ وَأَسْتَدِيرُ لِلْوَرَاءِ تِلْكَ آَفتِى الْمَجْنُونةُ الَّتى لا تَنْطَلِى عَلَيْهَا فَكَيْفَ وَقَدْ انْكَسَرْتُ إِلى شَظَايَا مِنْ زُجَاجٍ أَوْ رَصَاصٍ كَيْف".
ويقول فى حاشية هذا النص:

كَيْـفَ كَيْــفَ ؟
لَمْ أَكُـــنْ صَخْـرًا،
لِيَنْبُتَ فَوْقَ أَقْدَامِى الصَّهِيلْ.
لَمْ أَكُـنْ قـَبْرًا ،
لِيهطِلَ فَوْقَ أَعْضَائِى الْعَوِيلْ.
لَمْ أَكُـنْ نَهْـرًا،
لأعْدُو فِى حُقُـولِ الْفُـول.
كَالظََّلَّ الْقَتِـيلْ.
فَكَـيْف
كَـيْف.

فتركيب نص الحاشية يتراوح ما بين ثلاثة أزمنة: الماضي – المضارع – المستقبل.
ومن أمثلة الفراغ ما يسببه التركيب النحوى ذاته من تحويل زمن الفعل من المضارع إلى الماضي، وذلك بإدخال أداة النفى القالبة "لم"؛ وذلك لتحقيق معكوس الظل الدلالى فى قوله: (لينبتَ فوقَ أقدامِى الصهيلْ – ليهطلْ فوقَ أعضائِى العويلْ – لأعدُو فِى حقولِ الفول كالظلَّ القتيل).
والمعنى المشُكَّـل فى القصيدة، المعبر عنها بالتكرار الملح الذى يلجأ إليه رفعت سلام فى قوله: (لم أكنْ) يترك فراغًا للمتلقي، والذي يصبح من نتائجه الدلالية تأكيد مدى الإحساس بالحصار والضيق.
ويتجلى فى هذا السياق، التلقي السمعي من خلال الإيقاع المفاجئ؛ بالتوقيع على جَرْسِ بعض الحروف بالموازنة بينها كما فى: (صخْرًا – قبْرًا- نهْرًا)، كما يتركز جزء من المعنى المراد الذى يدل على صوت الشَّخِيرِ - وهو صوت بمتن النص، والمرتبط بالنوم أيضًا، فهنا يتم الحوار بين أصوات المتن وأصوات الحاشية؛ ذلك "لأن أكثر من حاسة تقوم بالاستقبال وكأنها تعيد البناء التأويلى للنسق الإبداعى الكائن فى القصيدة التشكيلية وهو نسق يستعير دلائل غير لُغوية، مما يجعل القصيدة التشكيلية تحول المتلقى من موقع التجاوز لقيم جمالية تقليدية"( ).

كما أن هذا التقطيع للمسافة المكانية للقصيدة يولد إحساسا بالتعادل المكانى، الذى هو هنا، وفى الوقت نفسه تعادل زماني، هذا التعادل المتكرر هو تواتر يمنح الصوت المتلفظ الإيقاع الزمنى.

على أن مثل هذه التكرارات، وغيرها لا تقتصر وظيفتها على توليد الإيقاع الموسيقى بل هى تولد دلالاتها فيما هى تولد إيقاعها:
فالإحساس بالسكون الصوتى فى تلفظ: (صخْرًا- قبْرًا - نهْرًا) يوحى باليأس والقنوط وكذلك الإحساس بالامتداد الصوتى فى أصوات المد فى تلفظ: (الصهيلْ- العويلْ- الفولْ- القتيلْ) هو أيضا وفى الوقت ذاته إحساس بالامتداد وبالبُعاد يتصور الذهن فى عدم التحقق.
وكذلك تنوع الصوت ما بين الصهيل والعويل إنما هو درجات من "الصمت" لا "الصوت"؛ لأنها أصوات لم تصدر أساسًا، كما تظهر فى سياق النفي.
كما يقول رفعت سلام فى" إشرقاتِهِ"(2):

هَا إِنَّى
حَجَر.

تَخْطُو الْفُصُولُ عَلَى جِسْمِى
وَتَنْحَدِرْ.

وَتَنْحَدِرْ.
وَتَنْـ
حـَ
ِـد
رْ.

اعتمدت الفراغات النصية هنا على التفتيت اللفظى للكلمات إلى النسق الهندسى المتمثل فى حروف مرسومة بخط مائل، مما يفرغ اللغة من دلالاتها الوضعية الثابتة إلى الدلالة الشعرية المعتمدة على الشكل المرئى المائل وتقطيع الفعل هنا، يدل على بطء تنفيذه مع الوقفة النهائية (.) التي تلتقي عندها الفصول المنحدرة، وكذلك البعد الصوتى الذي يزيد معنى الانحدار للفصول، وتوقف ذلك الانحدار على جسم الحجر الرامز للشاعر.
فاعتمد تلقى الفراغات هنا على النشاط العصبى و الفيزيائى للقراءة، فالقراءة (...) "قبل كل شيء فعل مادي ومحسوس يمكن ملاحظته ويعبئ ملكات محددة فى الكائن البشرى (...) وقبل أن تكون تحليلاً لمضمون هى إدارك حسى لرموز الخط و تعرف عليها وتذكر لها"( ).
يقول حلمي سالم:

وَإِذَا أَطْرَقَ طَرْقًا ثَقِيلاً تفتحُ الأَبْوَابُ فُوْهَةً وَغُمُوضًا
فَأَعْطَى لِكُلّ كَائِنٍ حِزْمَـةً مِنَ الضَّـوْءِ الْمُعْتِمِ( ).
ينطوي الجمع هنا بين الوسائل التعبيرية المتنافرة فى وحدات منسجمة على فراغ جدلي، ينتج عنه فاعلية خاصة من النص وحيوية دلالية لافتة، كما اكتسب الاسم فى تعريفه بالألف واللام قدرًا من التفرد والخصوصية فى وعى المتلقى: (الضَّوْءُ المُعتمُ).
ويقول أيضا فى قصيدته"تمرين فى النحو"( ):

يَنْتَفِضُ، انْتَفَضَ، الْفَاعِلُ مُنْتَفِضٌ، وَمُثَنَّاهَا مُنْتَفِضَانِ، هُمَا مَرْفُوعَان بِأَلفِ التَّثْنِية، فَإِنْ كَانَا مَنْصوبين نقولُ: حَسَدْتُ الْمُنْتَفِضَينِ، لأَنْهما مَفْعُول بِهِمَا، وَعَلامةُ نَصْبهمَا الْيَاء، فَإن كَانَا مَجْرُورين نَقُولُ: حَزنتُ عَلى الْمُنتفضين، عَلامةُ جرهُمَا الْيَاءُ أَوْ الجرَّارَاتُ، وَجَمْعُ الْمُنتفض الْمُنتفضون، الرَّفْع هُنَا بالواوِ أُوْ النَّعْش، فَإِنْ كَان بحالةِ نصبٍ قِيلَ: زَفَفَنا الْمُنتفضينَ إِلى العُرس اليومىّ، عَلامةُ نَصبِ الْجَمْع هِي الْيَاء أَوْ الصلبانُ: فَإِنْ كَان الْجَمعُ بحالةِ جرًّ قُلنَا:
هَطل عَلى المنتفضينَ رَصاصٌ كالطُّوفَان الدَّافِق، أَوْ قُلنَا: أَجْسَادُ الْمُنتفضينَ هِى السدُّ الْمانعُ، أَجْسَادٌ موقعُها فِى الإعرابِ مُضَافٌ وَالْمُنتفضينَ مُضَافٌ فِى الْحُبَّ إِليهِ، عَلامَةُ جَرَّ الْمُنتفضينَ الياءُ أَوْ الدَّباباتُ.

فخرج المصطلح النََّحْوىَ هنا من معايير اللغة المستعملة ليضع استعمالاً تطبيقيًا يخرق الدلالة الوضعية وينتج الدلالة الإبداعية من خلال السياق الذى أكسبها أبعادًا خاصة انتقلت من السكون إلى الفعل.

فراغات يكتشفها المتلقى وأخرى يقدمها له النص؛ بسبب طابعه اللاتصويرى
لأن النص الأدبى ليس تقريرًا أو بثًا مباشرًا يقوم على الخطابية أو تثبيتًا لشىء أو محاكاة أو إسقاطًا وخضوعًا لما هو واقعى أو استنساخـًا آليّـًا أو مرآويًا لهذا الواقع أو صورة فوتوغرافية، أي ترجمة حرفية للواقع أو تطابقٍ أو تلازمٍ له أو نقلٍ ومطابقةٍ للأشياء تقوم على العيان والمُبَاشَرة، وإنما يقوم بعملية إعادة خلق للعالم، بنزعه له من الإحالة إلى الإمكان بكشفه عن المدلولات والإشارات التي لن تبوح بوحًا مباشرًا بالحدث وانحرافه بالمعنى عن دائرة التقرير، مرتفعًا به إلى مستوى الإبداع الفني. فإنه يترك المفاجأة بالانحراف عن أفق التوقع ومن ثَم (...)" تكون عملية القراءة هى التشكيل الجديد لواقع مُشَكَّل من قبل هو العمل الأدبى نفسه. وهذا الواقع المُشَكََّل فى النص الأدبى لا وجود له فى الواقع، حيث إنه صنعة خيالية أولاً وأخيرًا، وذلك على الرغم من العَلاقة الوثيقة بينه وبين الواقع. وعندئذ تنصب عملية القراءة على كيفية معالجة هذا التشكيل المحول من الواقع، وتتحرك على مستويات مختلفة من الواقع: واقع الحياة، وواقع النص، وواقع القارئ، ثم أخيرًا واقع جديد لا يتكون إلا من خلال التلاحم الشديد بين النص والقارئ"( ) الذي يكمله من مخيلته حسب ما يظهر له على أنه محتمل أو قريب الوقوع.
يقول الشاعر رفعت سلام فى قصيدة "مراوحة"( ):

"أَنَا الَّذِى مَرَّتْ خُيُولُ الْوَقْتِ فِى جَسَدِى وَئيدًا (*) َأَبقَى وَحِيدًا أُعابِثُ (•) الوَاقِعَ الرَّاهِنَ فأصْفَعُ الْكَلْبَ عَلَى خَدَّهِ الأَيْسَرِ بَعْدَ أَنْ أَدَارَ الأَيْمَنَ لِلطَّائِرَاتِ الحَربِيَّةِ َالأمرِيكيَّةِ لِيَشُعرَ بِمَزِيدٍ مِنَ الأسَى والأَسَفِ الكَسِيحِ وأَشُقُّ الْبَحْرَ الْمَالِحَ بِعَصَاى وَأَرْمِى بِالْوُزَرَاءِ وَبِالشُّعَرَاءِ وَبِالْقَادَةِ وَالْكُتَّابِ وَرُؤَسَاِء الأحْزَابِ وَأَجْهِزَةِ الإعْلامِ وَبِالتَّصْرِيحَاتِ وَبالْقَاهِرَةِ الْعَاهِرَةِ وَالْمُرَاسِلين الصَّحفِيّين والْمُتَلَقّينَ وَمُكَبّرَاتِ الصَّوْتِ وَمَحَلاتِ الْفُولِ وَالطَّعميَّةِ وَالسَّائِرِينِ جَنْبَ الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْحَبْلِ وَغَيْرِ الضَّالينَ آمِين".

يتجسد التناص هنا فى قول الشاعر"فأصْفَعُ الكَلْبَ عَلَى خَدّهِ الأَيْسَرِ بَعْدَ أَنْ أَدَارَ الأَيْمَنَ لِلطَّائِرَاتِ الحَربِيَّةِ وَالأمرِيكيَّةِ لِيَشُعرَ بَمَزِيدٍ مِنَ الأسَى والأَسَفِ الكَسِيحِ"، وذلك مع العهد الجديد فى إنجيل لوقا فى قوله: "وَمَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدّكَ ، فَاعْرِضْ لَهُ الْخَدَّ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَن انْتَزَعَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْ عَنْهُ ثَوْبَكَ أَيْضاً( ).

ويتناص قولُه: "وأشق البحر المالح بعصاي" مع قوله تعالى فى سورة "طه": ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى﴾( ).

وهو يتناص أيضًا مع الآية فى الكتاب المقدس للعهد القديم من سِفر الخروج: "فَقَالَ الرَّبُ لموسى مالَكَ تَصْرخُ إلىَّ (*). قلْ لبنى إسرائيلَ لأنْ يرحلوا ● وارفَعْ أَنْتَ عَصاك وَمُدْ يَدَكَ عَلى الْبَحْرِ وَشقُّه فَََيدْخُلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِى وَسطِ الْبَحَرِ عَلَى الْيَابِسَةِ ●"( )
كما يتناص قوله: "وغير الضالين آمين" مع الآية الكريمة فى سورة الفاتحة: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾( ).

فاعتمد تلقى الفراغات هنا على نشاط القراءة الرمزى الذى ينهض على ثقافة القارئ.

يقول محمد فريد أبو سعدة(7):
"رَأَيْت يَدَ اللهِ تَأْخُذُ مِنْ طِينَتِى وَتُكَورُ نَهْدَيْكِ
تَأْخُذُ مِنْ طِينَتِى وَتُدَوّرُ فَخْذَيُكِ
تَأْخُذُ مِنْ طِيَنِتى وَتُقَبّبُ سُرَّتِك"
فالنص يكتفي بذكر أجزاء من الجسد الأنثوي، تاركًا فراغًا للمتلقي، متطلبًا إسهامه؛ لذا يقوم المتلقي بتخيل الخلق الإنسانى تلقائيا.
يتجسد التناص – هنا – فى التصور الدينى: للعهد القديم فى الكتاب المقدس للنشأة الإنسانية (خَلْقِ الإنسانِ)، وذلك فى إصحاحه الثانى من سِفر التكوين، فيقول: "فأوقعَ الرًّبُ الإله سُباتًا(1) عَلَى آدَم، فَنَام. فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاعِهِ وَمَلأَ مَكانها لحمًا • وَبَنَى الرَّبُ الإلهُ الضَّلع التى أَخَذَهَا مِنْ آدَم امْرَأةً وَأَحْضَرَها إِلى آدَم•"( )، وكانت حواء.
ويقول حلمي سالم: فى قصيدته "بطاقة"( ):

اسْمِي أَنَا الدُّرَّةْ
أُهْدِى دِمَائِى إِذْ تَسِيلُ مِنَ الْفَمّ الْمَنْزُوفِ
حَتَى عَقْدةَ السُّرَةْ:

لِنَدَى الْبَنَاتِ وَهُنَّ يَدْرُسْنَ التَّوارِيخَ الْقَدِيمَةَ
وَالْجَدِيدَةَ،
عَلَّهُنَّ يَعِينَ فَحْوَى الدَّرْسِ(*):

بِدْءُ السَّيْلِ قَطْرةْ
لِنَدَى الْبَنِينِ وَهُمْ يَخطُّونَ الْخَرائِطَ
عَلَّهُم يَجِدُونَ أَنَّ خَرَائِطَ الأوْطَانِ سُخْرِيَةُُ ُ
وَسُخْرَةْ
اسْمِى أَنَا الدُّرَّةْ
أَُهْدِى سُكُوتَ الْقَلْبِ لِلْبترُولِ وَالْفِكْرِ
الْحَكِيمِ وَلِلْكَلامِ الْحُلُوِ وَالطَّبَقَاتِ وَالزَّهْرةِ لِلأزْهَرِ الْمَكْرُومِ
حَتَّى يُدْرِكَ الْخَيْطَ الرَّفِيعَ الْحَىَّ بَيْنَ تَسَلُّطِ الَّلاهُوتِ فِى
عَلْيَائِهِ وَتَسَلُّطِ النَّاسُوتِ فِى وَطْيَائِه،
ويقول حلمي سالم في القصيدة نفسها:

أُهْدِى شُجُونَ أَبِى لآِبَاءٍ يُحَركهُم أَنِينُ الْعُمْرِ
عَلَّهُمُو يُزِيلُونَ التُّرَابَ عَنِ الشَّفَاه
وَيَكْشِفُونَ مَكَامِنَ الْجَمْرَةْ
أَوْ يَرْفَعُونَ عَلَى النُّعُوشِ بَنِيهُم الْقَتْلَى
فَرُبَّ مِنْ الْقَتِيلِ سَتُوْرِقُ الثَّورَةْ
اسْمِى أَنَا الدُّرَّةْ.

فيشير النص هنا إلى شىء آخر غير ما يظهره أو غير ما يظهر أنه يعنيه. وهنا ينبغي للطرف المتلقى أن يفك ألغازه؛ فالهدايا الثلاث المتمثلة فى الطفل "محمد الدرة" هي الشكل الفني لمشاعر المحتل.
كما يقدم النص هنا صورة مادية، صورة تخاطب مخيلة المتلقين وتحفزها مكونة معالم مرئية تتبدى فيها ثلاث هدايا مأساوية معبرة عن صورة غير واقعية من خلال الواقع. وإن تقدير الوصف هنا بهذه الهدايا ولو شاء المتلقى أن يتعرف عليها من خلال الأوصاف والنعوت لم يخرج بتصور واحد، بل بتصورات عديدة تحاول كلها الإحاطة بهذا التعرف المهدي، معبرة عن استشهاد الطفل "محمد الدرة".

وتتجلى الهدية الأولى فى دماء "الدرة" فى شكل هدية لأطفال وطنه الدارسين من البنات والبنين، الدارسين للتاريخ والجغرافيا، متمثلة دراسة التاريخ فى دراسة البنات له سواء أكان ذلك التاريخ حديثًا أم قديمًا، كما تدل دراسة التاريخ القديم على أنها تظل الذاكرة على مدى العصور يقظة تربط بين العلم وحالة الطفل المستعمر. كما يتناص هنا بحكمته: "بدء السيل قطرة"، مع المصراع الثانى من بائية البحتري، فى قوله:
وَأَزْرَقُ الْفَجرِ يَأْتِى قَبْلَ أَبْيَضِهِ، وَأَوَّلُ الْغَيثِ قَـطْرٌ، ثُمَّ يَنْسَكِبُ (1)
مما يدل أيضا على إحساس المتلقي بغلبة الحس السلبي وهيمنة روح التشاؤم والانكسار؛ بسبب استمرار الاحتلال الأجنبي وسفكه للدماء. وذلك عبر الجملة الاسمية الخبرية "بدء السيل قطرة" فللأسلوب الخبري هنا قدرة على إكساب المعاني المصوغة فيه دلالة المسلَّمَة والبداهة وتقريرها في نفس المتلقي، وعدم اعتماد الجملة الاسمية في بنائها على فعل مرتبط بزمن يجعل الدلالة المستقاة منها بمعزل عن التحول والتبدل. ومتمثلة الجغرافيا فى دراسة البنين لدراسة جغرافيا الأوطان، حتى إنهم يجدون خرائطها سخرية. بل يجد اسمه"درة" أي شيء ثمين صار رخيصاً فى يد الأوغاد، بل أصبح سخرية. وهى دلالة مستفادة أيضًا من اطراد التقديم الذاتى "اسمي أنا الدرة".
كما تتجسد الهدية الثانية فى سكوت القلب أى موته لبلاد الخليج بلاد البترول والفكر. كما تتجلى الهدية الثالثة فى شجون وأحزان الآباء على أبنائهم القتلى.

ويلحظ أنه مع كل هدية من هذه الهدايا تُخلقُ مفاجأة لنقلةٍ جديدةٍ للمتلقى بتحولها من المادى إلى المعنوي، مما يؤدى إلى خيبة انتظاره، تاركًا فراغًا له يستوجب عليه ملؤه.
وترك جواب التساؤل الملتبس لماذا هذه الهدية المفعمة بعاطفة قوية، عاطفة الآباء وليست عاطفة الأمهات؛ ترك الجواب مفتوحًا وإن أشار إليه خير ما تكون الإشارة.. أراد أن يبقى للمتلقى دورًا إيجابيـًا يشكله بنفسه كى يتواصل ويتمعن فى استجلاء معانى النص.. ويمكن أن يضع المتلقى عددًا من الأجوبة فى صياغات متعددة وفى إطار المعنى السياقي، منها:

- لأن "محمد الدرة" مات فى حضن أبيه.

- أو أن حزن الآباء يماثل حزن أبيه.
كما أن مشاركة المتلقى بالجواب عن هذين التساؤلين كان مدعاة للتفاعل بينه والنص.
فراغات يكتشفها المتلقي وأخرى يقدمها له النص؛ بسبب تعبيره عن العام من خلال الخاص:

إذا كان العمل الأدبي وحدة وكلية غير منقسمة إلى عدد من الأجزاء أو المراحل المتتالية وإذا كان أيضاً لا يمكن للخيالي ولا الرمزي إدراك الواقع إدراكاً كاملاَ، فتكون الألفاظ بذلك (...) "(مقصورة) على تشييد فضائها الخاص بسبب طابعها المحدود الناقص"( ). ومن ثَمَّ تتحقق المتعة الجمالية العامة للمتلقى التى تتجاوز حدود الثقافة إلى كل ما يتجاوز المعنى المفرد الشفاف، أو المدى أو الإشارة حينما يقرأ، فهذا الانتهاك للتدفق المتتابع للنص هو ما يمنحه المتعة الجمالية العامة، فـ (...)" إن المعنى فى العمل المكتوب أكبر من الواقع التى يقصها ويتجاوزها. بمعنى أنه يتحرر من صفة العرضية التى تميز الحديث الشفهي. فالكلمة تخرج من الشفتين ثم تختفى إلى الأبد. ولكن الكتاب ينقذ المعنى عن طريق أربعة أشياء. فهو يصونه من الضياع عن طريق تثبيته كتابة. وهو يعزله عن مؤلفه فيطلقه من نية الكاتب. وهو ينتزع من حدود موقف المحادثة الشفهية الضيقة فيفتحه على العالم الواسع. وهو يرتقى به إلى الشمولية إذ يجعل له جمهورًا لا ينفد من القراء على مر العصور"( ).
ومن ثَمَّ فالمتلقي فى حدود رؤيته للنص يتجاوز حدود التعرف السيميوطيقى (علم العلامات)، الذي يعرض علامات ومواداً أصلية أو معلومات خاصة محددة يجب استرجاعها؛ وذلك بتسهيله عملية تجانس الحقيقة والخيال، وباستدعائه المعلومات المختزنة ذات الأهمية الكبري فى منظومة الذاكرة استدعاءً حرًا. بل يجرى التذكر دون أية إشارات أو تلميحات معينة؛ لأنها ليست من صميم التجربة على العكس من التعرف. بل يدفع هذا الاستدعاء الشخص أو المتلقي" أن يبحث ضمنيًا فى الارتباطات الذاتية (المثيرات الداخلية) التي رَكََّبَها وشكَّلها خلال عملية التعلم" ( )؛ ليجمع فيها بين المعانى المدركة فى نسق معرفى واحد يؤلف منه معنى عامًا.

ولأن الخيال يحفظ الإدراكات الحسية للحواس الخمس ليستخلص منها الوهم المعنى الجزئى الخاص بها، ولأن النص لا يأتى بالشرح وإنما يأتى بالعام من خلال الخاص؛ لذا فالمتلقى يتلقى نصف تلقٍ؛ لأنه يتجاوز النصف الأول من عملية التلقى وهو التعرف إلى النصف الثانى وهو الاستدعاء الحر المتمثل فى أفق التوقعات أو وجهات النظر المتغيرة، فهى ليست شيئًا ثابتًا مكتمل المعنى فى كل وجهة نظر على حدة. محولاً النص إلى تجربة خاصة به.
يقول حلمى سالم فى قصيدته" الحبس"( ):

فَيَمْشِى الْقَصَاصُ عَلَى بُخَاريةٍ يَنْتَقِى مِنْ كُل زَوْجَيْنِ.
وَاجَهْتُ حَنْظَلا سَيَطْبُخُهُ النَّاجُونَ فِى قِدْرِى،
لِذَا: تَقَهْقَرَ الْمُلَثَّمُ الَّذِى رَشَّ عَلَى الْمَدَارِسِ سُّخَامَا.
كَانَ يخْتَبِئُ خَلْفَ: كهيعص،
لَكِنَّ فَأْسَ أَبِي أَجْرَتْ الْمَاءَ فِى الْمَاء.

فالنص هنا تعبير عن المستحيل الممكن أو تعبير عما تذهب إليه رؤية "أرسطو" فى أن الفن تعبير عن المستحيل الممكن وليس عن الممكن المستحيل؛ وذلك من خلال التعبير عن العام فى قصيدة واحدة، وليست عبر مراحل متتالية فى صورة خيالية قاتمة تدل على أن الناجين من الحبس أو من غرق البحر هنا المعبر عن الحبس، سيطبخون حنظلا للشاعر، إن ثمة انفتاحًا فى مدى الدلالة ينبثق للمتلقى من دخول السين على الفعل المضارع؛ مما يجعل الدلالة ممتدة صوب المستقبَل المستكن فى إطار الغيب المطلق، فسرعان ما يستحضر المتلقى قصة سيدنا نوح (عليه السلام) فى أخذه من كل زوجين اثنين ليعمر بهما الأرض فى قوله تعالى فى سورة "هود":

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾( ).
والمعنى نفسه فى قوله تعالى فى سورة "المؤمنون":

﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾( ).

إن هذا التداخل النصى بين الخطاب القرآني والخطاب الشعرى ميزة خاصة وسمة من سمات تفاعل النصوص داخل النص الشعري. فيقف المتلقي متأثراً مفكرًا فى الكلام نفسه وفى أبعاده القصية التى تظل لصيقة بالذاكرة ومدى انحرافها عن أفق توقعاته.
كما يستلهم الشاعر كلمة "كهيعص" ممثلة للآية الكريمة" فى التـنزيل العزيز فى سورة "مريم": ﴿كهيعص﴾( ). وهو ما يمثل هنا فراغًا مقصوداً فى فنية النص ليعطى للقارئ فرصة المشاركة فى استحضار الآية التى تعبر عن هذه المفردة.

فراغات يقدمها النص للمتلقى وأخرى يكتشفها المتلقى بذاته؛ لتأكيد القيمة الاستاطيقية (الجمالية)
يتجلى الفارق الأساسى بين العمل الأدبي وسائر الفاعليات الإنسانية فى المتعة الجمالية بتأكيدها على قصدية الفن لذاته وليس وسيلة لغاية أخرى.

ومن هنا كان التوظيف التاريخى للأعمال الفنية يثير قضية التحليل التاريخى للتصنيفات الحيوية الثلاثة للمتعة الجمالية لدى "ياوس"، وهى "إنتاجية الخبرة الجمالية، استقبالية الخبرة الجمالية، اتصالية الخبرة الجمالية"(4).

ولذلك يرى صلاح قنصوة أن المتعة الفنية ليست متعة استهلاكية، فالتذوق الفنى لا يشبه استهلاك المتع الحسية الأخرى؛ لأن تلك المتع تولد إشباعاً مكتملاً، ولكنه سرعان ما تصل إلى الامتلاء والسأم، وتخضع لما يسمى فى الاقتصاد بـ"معايير المنفعة الحدية". لكن الإشباع الفنى إشباع متوتر، ناقص، ولكنه مستمر، لأنه يخلق الاحتياج المتصل للإشباع والارتواء، ولكن على مستوى يخالف المستوى البيولوجى؛ لأنه إشباع لا يقترن بعملية الاستهلاك المباشر ولا يفنى موضوعه" (5).

وهذا المفهوم كان من قِبَل أصحاب نظرية التلقى حيث أقاموا التلقى على (...)" مفهوم التجربة الجمالية بأبعادها الثلاثة: البعد الاستقبالى والبعد التطهيرى(•) والبعد التواصلى"( ). يتمثل الأول فى: الاستقبال والاستجابة؛ فإذا كانت الصياغة الفنية تنفصل عن الصياغات الفنية كافـًة - كما سبق وأن أشير- فإن استقبال النص أو إدراك جوانبه الإيصالية تختلف أيضًا؛ لأنها تعتمد على النواحى التخييلية للمتلقى. وبالتالى فـ (...) "الكلام الأدبي دلالته غير مباشرة، أى لا يدل عليها باللفظ وحده ولكن يدل عليها بما خلف اللفظ، بما وراء السطور، ومن هنا فإن تلقيه أشق وأعقد، وهو قابل- بتعبير البنيويين- للتفجير، أو لإعادة القراءة، واستخراج أسرار جديدة من داخل النص لم يفطن إليها متلق سابق"( ). أو كما يقول رمضان الصباغ:" ليست مهمة الناقد أن يرى الحقيقة، وإنما أن يخلقها"( ).

ويتجلي البعد الثانى: فى التطهير، حيث ينهض النص الأدبي على وظيفة لا تنحصر فى أن تنقل خبرًا أو أن تصف واقعة وإنما هى وظيفة مزدوجة للغة، تبرز الأولى فى الرمزية والإشارية، وهى وظيفة ثانوية بوصفها مجرد أداة، أو وسيلة تخدم الوظيفة الثانية. أما الثانية فتتجلى فى الاستعمال الانفعالى. فمن ثَمًّ تترك فراغاً للمتلقى فى إثارة الحالة السيكولوجية لديه، ورغباته ومشاعره بوسائل غير مباشرة والتى مردها خبرته. ومن هنا تتجلي وظيفة المتعة الجمالية لهذا البعد، بوصفها عنصرًا فعالاً في عملية التلقي كما يري "ياوس" (4) بأنها تتضمن لحظتين: الأولي تنطبق على جميع المتع حيث يحدث استلام غير تأملي من الذات للموضوع؛ أي "من القارئ للنص" والثانية تضمن اتخاذ موقف يحدد (به القارئ) وجود النص باحتمال معين ويجعله جماليـًا.

وفى هذا البعد يصير القارئ جزأً من الحدث الذى يحدثه النص فيه من تغير. أو فيما يتمثل من ضروب الاستجابة العاطفية للأدب.
ويتجلي البعد الثالث في : التواصل والاستمرار.

فإذا كانت طبيعة النص الأدبي، وهى طبيعة عدولية مجازية تخيلية واسعة الآفاق مطلقة الإمكانات، تجعله نشاطـًا تواصليـًا مؤجلاً غير مرتبط بقارئ واحد، تفرض عليه تأويلاً وحيدًا أو قراءة أحادية، ومعنى واحداً لا يتجاوزه، بمعنى أن "النص الأدبي بطبيعته المجازية، نص مفتوح يسمح بتعدد القراءات وهذا التعدد هو الذى يخصب النص ويغنيه"(1). بل يتحول بدوره إلى قطب فنى يأخذ منعطفًا جديدًا. أو ما يمكن تسميته بالنص الافتراضي. الذي يلجأ فيه المتلقى إلى إجراء الاختيار لينتقى أنسقة دلالية محددة.
أو كما يرى "ياوس" أنه (...) "ليس العمل الأدبي موضوعًا موجودًا فى ذاته، ولا شيء يبدو للمؤرخ بنفس الهيئة فى كل الأزمنة "؛ (2) ولذلك فإن عملية القراءة تستلزم التعديل المستمر للتوقعات بشكل يبعد عن الوحدة التاريخية(3) كما أن "التفسير ينطوي على مجاوزة ضرورية يشعر من خلالها القارئ بضرورة القراءة الثانية والثالثة للنص. وما من شك في أن كل قارئ يشعر أن عملية التفسير أشبه بالعود المستمر"(4). فالمتلقى لم يبحث عن معنى وحيدٍ وإنما يعمل على بناء المعانى المتعددة وملء الفراغات فى دائرة لا ينغلق فيها النص، وذلك الانفتاح النصى للقراءة يجعل(...)" المكتوب بدايات لا تنتهى إنها تكور المكتوب على نفسه فهو (لم يزل) بها يدور حتى لكأن كل بداية فيه تظل بداية" (5). ومن ثَم تتجلى خصوصية التواصل الكتابي، بل أن هذا التحقق الكتابى يحتوى بدوره فراغًا جديدًا وعليه (...) "فإن التاريخ الأدبي هو تاريخ جماهير القراء المتعاقبة أكثر من تاريخ العمل الأدبى بحد ذاته"(6)، إلا أنه بكليهما تتحقق استمرارية النص إدراكـًا وتأويلاً.
وتتجلى القيمة الجمالية بأبعادها الثلاثة فى قول رفعت سلام فى"إشراقاته"(7):

والْمَآذِنُ تَرْتَوِى دَمًا فَتَعْلُو كُلَّ يَوْمٍ تُمْـطِرُ الْجَحِيمَ.
وَحِجَارَةً مِنْ سِجَّيلَ فَوْقَ رُؤوُس السَّائِرِينَ الْقَاعْدِينَ
الْمُصلّينَ النَّائِمِـينَ السَّاعـِينَ الَّلاهِـينَ الشَّارِبِينَ
الْمُدَخِنِينَ الْقَارِئِينَ الْكَاتِبِينَ الْأمِيـين إِلا السَّارِقِينْ.

يؤول النص فى مستوى من مستوياته الدلالية إلى توظيف طاقاته الصياغية الشعرية بصورة مجازية تخيلية قاتمة وضعت المتلقى بسبب نظامها الخاص أمام سياق يشد الانتباه العقلى ويذهب عميقًا فى الوجدان. فجعلته يستجيب لها بصورة إيجابية تخيلية منتجة؛ فتلح سطور النص على التعاطف والتماهى و"التطهير" من قِبَل المتلقى؛ حيث تعرض الواقع المر، المعيش عبر التنقل والتبدل من نقيض إلى نقيض ومن حال إلى مغايره؛ فتصبح المساجد مناقضة للحياة مجسدة للموت مبلورة حسًا سلبيًا حاداً لدى المتلقي. بل اعتمد تلقى الفراغات هنا على النشاط العاطفى للقراءة فـ(...) "إذا كان تلقى النص يعبئ عند قارئه ملكاته الفكرية فإنه يهيج كذلك، وربما على نحو أشد ، نزعاته العاطفية".
كما أن الصورة الخيالية التى يقدمها النص تتماهى عكسياً مع الآية القرآنية فى قولة تعالى فى سورة "الفيل" ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾(8). لعقاب اليهود. وذلك فى سطوة المآذن نفسها على المصلين وعقابها لهم، بأنها تمطر عليهم الجحيم والحجارة من سجيل مستثنية السارقين. وهذا التماهى العكسى مع النص القرآنى والمزج بين العناصر المتباينة يشكل مواطن إبهام فى النص، وفجواته تشكل استفزازًا للقدرات القرائية للمتلقى، وينشأ فيما بينهما جدل ما يشبه التحدى من النص والاستجابة من القارئ بوصفه ليس ظاهرة عارضة. وذلك التحدي يتيح سلسلة من القراءات الممكنة. مما يضفى على النص عدم النفاد أو الوجود المطلق.
فإذا قرأت تلك السطور قراءة أخرى، فإنها تثير قدرًا من الانطباعات والأفكار التى تصور نسيج المتناقضات والعناصر المتنافرة المتباعدة وقد اتحدت في نهاية المطاف، مؤكدة وحدة وتناسب الكون بكل تجلياته الإنسية والمادية من خلال رمز المآذن.
وإذا قرأت تلك السطور قراءة ثالثة، فإنها تثير قدرًا من الانطباعات التى يتجسد فيها نسيج المتناقضات بوصفه شخصية متعددة الأبعاد من خلال رمز المآذن، مما يعكس الصورة والمعني تبعـًا لذلك.

وتتجلي القيمة الجمالية أيضاً بأبعادها الثلاثة في قوله في قصيدته "زوبعة"(1):

تُبعِثُرنى.
وَتُشْعِلُ نَارَهَا فِي الذَّاكِرَة.
تَقُولُ: أَنْتَ بَاحَةٌ مُبَاحَة،
وَأَطْلالٌ حَلال.
مَا قُلْتُ أننِي وَقْتُ الزَّوال.

ينطوى العدول هنا عن ذكر الفاعل إلى الصيغة التى جاء الفاعل فيها ضميرًا مستترًا في الصورة المجازية "تبعثرني، وتشعل نارها في الذاكرة. تقول: أنت باحة مباحة، وأطلال حلال" على قيمة تأكيدية، وهذه القيمة تقترن بما يجده المتلقي من غموض فني؛ بسبب غياب الفاعل ولهذا الغموض تأثير كبير على طبيعة توظيف هذا الفعل (تُبعِثُرنى)؛ فهو غموض حافز لطاقات المتلقي ومثير لها، فالمتلقي لا يقنع بغياب الفاعل ذى المنزلة الأساسية في الجملة الفعلية، فيشرع في البحث عما يصلح أن يسد هذا الفراغ الذي يتمثل في اختفاء هذا العنصر الجوهري في الدلالة، وهذا يضمن قدرًا لا بأس به من التواصل مع النص، والاجتهاد في توضيحه، وذلك لعدم كفاية المستوى السطحي الظاهر في إشباع حاجات المتلقي، مما يشتد به التعاطف والتطهير والتماهى مع هذه الصورة المجازية.
ولصيغة الضمير المستتر هنا قدرة على تحريك قدر من التساؤلات المصاحبة لوقوف المتلقي على الدلالة حال تحركه عبر رحاب النص، فيقف على العنوان فيجد الفاعل "زوبعة" وهى أيضاً جاءت نكرة، فيتساءل عن ماهيتها، فيتم تواصله مع النص.
وبناءً على ما سبق، يتضح جليًا أن دلالة الفراغات, ومنزلتها فى النص وجماليات تلقيها تتخذ مظاهر عدة تدفع المتلقى إلى متابعة مكوناتها التركيبية التى تصبح عندئذ كيانًا ذا أبعاد كثيرة, يشرع فى إقامة عَلاقات من التداخل والتفاعل الناشئ من الانحراف والعدول فى استخدام اللغة مع سائر وحدات النص الأخرى, بما ينجم عنه فى النهاية الدلالة الكلية الكبرى التى لم يتم تعيينها لدى المتلقى إلا من خلال السياق.
كما أنه على الرغم من أن "تلقى الفراغات والنفي فى النص الشعري" لا يبدأ فى نظرية التلقى من فراغ، بل من موضوع واقعى حقيقى هو الظاهرة باعتبارها واقعا معيشا، فإن فاعلية ذلك التلقى (من اكتشاف له إلى ملئه دلاليا) هو الذى يضع "بالمعنى المنطقي" الموضوع ويحدد له معناه الماهوى، ممثلة بذلك دلالة تلقى الفراغات والنفى مستويات عدة من مستويات التلقى للنص الشعرى.

***

المحور الخامس

الإبـداع الشعـري في الإسكنـدرية - حرافيش في سكة اللَّمَّـة
قراءة في نماذج من الشعر اللهجي السكندري
الطرح الجمالي والأداء الموضوعي

علاء الدين رمضان

مهـاد

للإسكندرية طعمها الجمالي الخاص، الذي تصطبغ به كل مظاهر الحياة فيها؛ مادياً وجمالياً، ومن ثم فإن البحث عن خصيصة للشعر السكندري، سيكون ضرباً من أضرب تعريف المعروف، فالإسكندرية المدينة المصرية الأوروبية الإفريقية العربية الإغريقية، فيها جماع الشتات، وحصيلة الاجتماع، فيها فوضى الموسيقا، وموسيقا الفوضى، فيها للخوف بهجة وللوحشة أنس، كلها متناقضات يمكننا أن نعيشها – نحن أهل العطش والصحراء – إذا سرنا في شوارع الإسكندرية، عند هبوب نوّة، أو صياح ذئب الرعد، وانكشاف خبيئة البرق، ستكتشف أن الإسكندرية هي القمر الأنثى، الذي يُصارع السحبَ الكثيفة، التي تَحُول بينك وبينها؛ لكنها هي التي تنتصر في الصباح من أجلك، في صورة شمس دافئة حنون، تنذر بقمر ليلي غنج، وذي دفء مختلف..

وإن كان من كلمة أولى، عمّا بين يدي من نماذج لشعر العامية السكندري، التي تفضلت إدارة المؤتمر الموقر بوضعها بين يدي، تلك التي أضحكتني وأحزنتني، وأمتعتني وأرضتني، وفي كل تجلياتها قَضَّتْ مضجعي؛ فأقول لقد أحزنتني الوحدة والأسى عند وفاء بغدادي، وأضحكني غراب تامر أنور، وفتنتني قصائد أمل درويش، وأطربتني أشعار محمد محمود طعيمة وعلاء إبراهيم، واستثارت خيالاتي صور جابر سلطان..، فاستمتعوا - ما وَسِعَكُم - بما بين أيديكم من قصائد.. تظفروا..
فالقصيدة العامية في الإسكندرية، هي ابنة ذيّاك المناخ؛ تُعطي وتمنع، وتَبْعُدُ وتَقْتَرِب، وتُبْهِجُ بالحزن وتُحْزِنُ بالبهجة (كشعر وفاء بغدادي)، فيها يُسر الطرح وفطرية التجربة والتنكر للتكلف والافتعال (كشعر جابر سلطان) الذي يقول:

الشعر مش مشكله.. ولا بحث في ملفات
الشعر عيّل شقى.. يتشعبط النخلات
يرمى الدياب بالطوب.. تِعْوى الدياب وتئن
الشعر عيّل جِن.. م يحبش البشوات

وهذه الورقة، من هذا المنطلق، وتلك الرؤية الخاصين، تحاول أن تستقرئَ مشهداً شعرياً – أو تُقارب حول ذلك – للقصيدة اللهجية السكندرية المكتوبة بعاميتها، لاستدناء إجابات أو إقامة جدليات للأسئلة الموضوعية والجمالية التي يطرحها هؤلاء الشعراء، عينة الدراسة.
ارتباط التعبير بالنوع الفني
لقد انقسمت أشكال المعالجة الفنية للقصيدة العامية السكندرية، إلى ثلاثة أنماط رئيسة، شأنها شأن أية بيئة فنية أخرى: القصيدة النثرية وقصيدة التفعيلة والفنون الكلاسيكية العامية من زجل ومربعات وغيرهما؛ ثم يُضاف نمط رابع إلى هذه الأنماط، هو الترجمة إلى العامية، كما فعل أحمد مسعد في ترجمته لرباعيات الخيام، مستعيداً ظل فؤاد حداد إلى هجير الشعر، مترسماً خطاه وناهجاً نهجه، حيث ترجم فؤاد حداد من قبل نماذج من الشعر الفيتنامي إلى العامية المصرية، في ديوان "قال التاريخ أنا شعري اسود"(1). وأضيف أيضاً إلى هذه الأنواع: الأغنية عند أحمد سلطان والكتابة للأطفال كما في تجربة الشاعر أحمد زغلول.
وقد أحدثت قصيدة النثر العامية السكندرية ـ على مستوى الأداء الفني للتجربة ـ إرباكاً حقيقياً للتاريخ الموضوعي، وذلك بوساطة استخدامها للرؤية الآنية الانفجارية التي تؤسس لاستخدام نوع من الرؤية الذاتية، أو الخطاب الهامشي بوصفه كياناً رئيساً، مُؤَسِّساً وفاعلاً، وقادراً على توجيه الوجدان لدى الشاعر، كما هو الحال عند الشاعرة أمينة عبد الله؛ وهو ما يتضح جلياً فيما بين داخل وخارج الزمن النصي في بنية التجربة وعلاقتهما بمثيليهما في التجربة الموضوعية.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك؛ ما يطرحه موضوع هامشي، جعلت منه الشاعرة أمينة عبد الله قيمة دلالية رئيسة، داخل عدد من نصوصها، ثم عمّقت استخدامها له؛ بأن جعلته عنواناً على المجموعة الشعرية كلها، إنه "رغاوي البيرة"، وهو ما يمكننا أن نجده في أكثر من نموذج داخل ديوانها "ألوان رغاوي البيرة الساقعة"، فتقول مثلاً:

رغاوي البيرة الساقعة.. وعرق الكُبَّاية
بِيْرُدُّوا عَلَيَّا سُخُنِيِّة جُوفِي..
يقَلِّبُوا مواضيع متْعَتَّقَة بالألم.

فالشاعرة تستخدم في تجربتها التيمات الهامشية، بحيث تتحول إلى قيم رئيسة، في نصوصها، فمثلاً تتحول من الحديث عن بائعة الهوى، إلى بارفاناتها التي لا تملك القدرة على إخفاء رائحة العفن من جسدها، كما تتحدث عن الشَّعر، بوصفه حدثاً رجولياً صادماً، عند ظهوره للمرة الأولى، في جسد البنات، بينما هو نفسه يُعد حدثاً سعيداً في حياة الأولاد، بوصفه عتبة الرجولة، إنه التحول نحو الهامشي، وتخليق القيمة الدلالية له، تمهيداً لتقعيد قيمة معيارية لهذا الحدث الهامشي، في وجدان المتلقي.
وإذا حاولنا تجريد الاستخدام الموضوعي، في عينة الدراسة، سوف نجد أنه بمَلْكِنا أن نختزل البعد الموضوعي للتجارب الشعرية المطروحة هنا؛ في لونين رئيسين:

اللون الأول: التخلص من التاريخي والجماعي، والإيغال في الذاتي والشخصي، بمستوياتهما المتعددة، وترسيخ الهامشي وتكريسه، طموحاً للحرية التعبيرية والإنسانية، أو طموحاً لتحصيل مكاسب نوعية جمالياً وموضوعياً. يقول الشاعر إبراهيم محمد منصور:

أوزع نفسي ع الأحلام واخطي أزمتي بضحك هستيري
تاخدني آخر ضحكة لميدانك
أدخل شوارع فاضية مرصوفة بحواديتك معايا
رصيف شقا .. ناصية فراق..، وعطفة للنزوات الدنيئة
شوارعك الفاضية.. حريقة
ما يطفيهاش غير دمعتين من ضحك هستيري

لقد انتخبت من بين النماذج الكثيرة المطروحة ، هذا النموذج، لأسباب من أهمها على الإطلاق أن الشاعر تخلص من التاريخي والجماعي، موغلاً في طرحه الذاتي والشخصي، بأدوات مستمدة من هذه المتروكات، فقد حوّل البيئة السكندرية وتاريخها، إلى بُعد ذاتي، أسمى ما يطمح إليه هو التعبير عن الحالة الشخصية والرؤية الذاتية، مرسخاً للهامشي، ممثلاً في أفعاله التي كانت لا تُمثل من قبل قيمة لكيان شوارع وميادين الإسكندرية وعطفاتها، لأنها كانت من قبل تؤخذ من منطوق الرصد الخارجي للمكان، لكنها هنا والآن ترصد التحولات النفسية لهذا الهامشي، الذي صار في بؤرة الفعل، فامتلك القدرة على التعبير عن داخله الوجداني، وما يطرأ عليه من تمثُّلات لعلاقته بالخارج، بما في ذلك ما يُسْبِغُه على هذا الخارج من تاريخ شخصي ووجداني، بقصد تحقيق حريته التعبيرية والإنسانية.

اللون الآخر: الاستدعاء النشط للتقاليد والطقوس الجمالية والموضوعية، في التحام مع النسق الموروث للتجربة الفنية، بالآليات المعاصرة للطرح الفني والموضوعي، مع مراعاة تقاليد الأداء الفنية، من أشكال أداء وموسيقا، وهي أمور من خارج الموضوع؛ لكنها تتدخَّل في مساره، واتجاه نتاج الدلالة. فمثلاً يقول الشاعر الكبير محمد محمود طعيمة:

انسحابي مش هزيمة:. قد إيه أحتاج عزيمة
انسحـابي كان لا بــد:. انسحـابي أقــوى رد
إني لسه ليَّ قيمة

فشطر "قد إيه أحتاج عزيمة"، استكمال صوتي لشكل الأداء الفني للنص، وهو ما تخففت منه قصائد التفعيلة إلى حد ما، كما تخففت منه القصائد النثرية تماماً، وكذلك قوله "لا بد" هو مواءَمَة للقافية في "رَدّ"، لكنها في الوقت نفسه استضافات موضوعية مقبولة من خارج المتن الوجداني، على الرغم من كونها طروحات من خارج النسق الوجداني والموضوعي معاً، وذلك لأن المتلقي سيظفر بأبعاد شكلية أخرى، هي النسق الموسيقي، والشكل الخماسي للنص الشعري.
أساليب التعبير عن الموضوع
تدلنا العاطفة المتأججة في القصائد التي بين أيدينا – على اختلاف اتجاهها ونزوعها – أن الشعراء يراوحون في منطقة الوعي الأدائي، بعيداً عن تيار ما بعد الحداثة، الذي شاع في القصيدة الشعبية الغربية الآن، والذي يعتمد اعتماداً رئيساً على جمود العاطفة، إذ استبدلوا بها مجموعة من التكثيفات التعبيرية المتحررة من الشخصي والجماعي معاً، طموحاً إلى ما يسمى بتجديد اللذة، أو طموحاً إلى تجريد البهجة؛ وهي لما تزل سياقات بوضع الاختبار، ومن غير المتحقق نجاحها بعد؛ وهي في حال نجاحها؛ لن تناسب بقوالبها الآلية والبلاستيكية المفرغة وجداناتنا الشرقية، حتى وإن تجادلنا طويلاً حول هذه الوجدانات، ودافعي لطرح هذه الإشارة ظهور آثار لهذا الاتجاه لدى بعض الشعراء، تقول أمينة عبد الله:

باسأل نفسي
عن علاقة البطء والتأني ف اتخاذ القرار
و الحكاية دي
كات بتشبه التأني ف صب البيرة
لو صبيت ببطء اختفت الرغاوي
لو صبيت بسرعة الرغاوي تسرق منك نص البيرة
ف الحالة دي ألاقى نفسي مضطرة
للأخذ بنظرية التأني.

ومن الوقفات المدهشة في أساليب التعبير، كما تطرحها نماذج الدراسة؛ الخروج من عباءة المعجم إلى براح الدلالة، خروجاً واعياً وفاعلاً، وقد التقيت وجهاً لوجه مع عدد من النماذج الدالة على هذا الثراء التعبيري لدى الشعراء، فلو تأملنا على سبيل المثال دالاً معجمياً مثل (إزاز)، سنجد له تجليات مختلفة متباينة من تجربة لتجربة، ومن شاعر لشاعر، ونكتفي هنا أيضاً بالأبعاد الثلاثة الرئيسة لاستخدام الألفاظ، الاستخدام الصفري المجرد، والاستخدام الإيجابي، والاستخدام السلبي؛ يقول الشاعر ميسرة صلاح الدين:

اشتعل تلج الفراغ
شعر في عنيكي اللذاذ
والخجل شباك إزاز
من وراه طليت عليكي
وتقول أمل درويش:
كل اللي حبوني
شايفيني ف عيونهم رسم ف جدار.. برواز
......
واتناسوا إني إزاز...، نسماية تجرحني
تقول أمينة عبد الله:
الريحة اتاكدت
رشت اخر برفان زهق من انفها
طلعت منها ريحة شياط ممزوج بعفن
وعنين إزاز
مرميين حياد
ع الأرض.

لقد تعامل الشعراء الثلاثة مع دال (إزاز) باتجاهات دلالية مختلفة، فـميسرة صلاح الدين جعل من الزجاج دلالة مجردة، بينما أمل درويش ذهبت بالدال في اتجاه إيجابي، تصف بوساطته نفسها بفرط الرقة، وأنها كيان قابل للجرح من رقته؛ بخلاف دلالة أمينة عبد الله التي نكصت بالدلالة إلى معنى سلبي، حيث وصفت بائعة الهوى بالتسطيح الوجدانى؛ فهي لا ترى، ولا تقيس الأمور وفق قاعدة للمفاضلة الوجدانية، إنما ترى كل الأشياء بحياد تام، هو حياد العمى لا الرؤية، هذا أسلوب في التعامل مع المفردة، يؤكد لنا التنوع اللانهائي للطرح الدلالي من خارج المعجم، وهي طروحات مرتبطة بالرؤية والاتجاه الوجدانيين للشاعر، وتختلف باختلاف الشعراء، وما يعالجونه من تجارب وجدانية وموضوعية.
وقد تأخذ اللغة اتجاهاً حميماً، شديد الشفافية والصدق، ممزوجاً بفنيات الصوغ وبلاغيات الأداء الشعري، وعلى الأغلب فإن المثال الحي لهذه الشفافية والصدق، ما يتغلغل في وجدان التلقي عند قراءة أعمال الشاعرة وفاء بغدادي، تقول مثلاً في ديوانها "مش ملك لحد":

إِلحق...
النِّنّي اللي ف عينك
شايفاه واقع مع آخر دمعة شعر
نزلت ع الأرض
استنى... مدسهوش وحياتي
يمكن تحتاجه

فالشاعرة بينما هي منطلقة في طريقها الفني لتشكيل لغة النص، إذا بها تطعم صياغاتها بعبارات شديدة الهامشية والقيمة الفاعلة معاً، كما هو الحال هنا، فيما تسميه الذهنية الشعبية بالتحليف: "وحياتي"، حيث تنطلق في الصوغ شحنة من الحميمة، تجعل المتلقي أقرب ما يكون من روح الأداء، والحماس للتلقي المشارك للتجربة، ويشيع لدى الشاعرة هذا الأسلوب في الصياغة، من خلال تعليقات، أو جمل اعتراضية مفسرة، وغير ذلك، من قبيل "يمكن بس ساعتها تحب تشوفه"، فهي عبارة فيها تحميس ذهني، واستثارة وجدانية، والعبارة مستمدة من التعبير الشعبي الدارج "بس تحب تشوفه"، كما استمدت من تعبير "عينك في عيني" قولها:

"طب قوللي إزاي
ح أقدر أبص ف عينك
وتقوللي عنيكي ف عيني
زي زمان"؛

فالشاعرة تستمد مادتها الأولية للتشكيل اللغوي وصياغاتها، من الواقع الذي تحمله غضاً طرياً ندياً بالصدق والشفافية؛ كما أنها تشكل عبارات ذات مسحة نفسية خاصة، فيها الذاتية والصدق معاً؛ فتقول: "أصلي بجد نفسي أسمع صوتك بتدندن"، فاقتران "بجد"، مع "نفسي"، يخلقان حالة من الصدق والحميمية أيضاً، بما في هذا الأسلوب من فطرية في الأداء، قد تصل أحياناً إلى حد تجسيد الحيرة الإنسانية، لتكشف عن قيم تعبيرية وأدائية، يمكن أن نسميها بعد اكتشافها بالسهل الممتنع؛ فتقول مثلاً في ديوان "مش ملك لحد":

اوعى تقول روحك..
ما هي قدامك أهي
لا هي عايزة تعيشك
ولا قادرة تموت بَرَّاك

فالجملة التقريرية "ما هي قدامك أهي"، أضفت روح الاستحضار الدلالي؛ وكأنها تبني التجربة بناءً عياناً، أمام مشهدية التلقي، ثم إتباع ذلك بحيرة الاستحالة الدلالية، بين نفيين، يجعل الصوغ متجهاً نحو قمة درامية مؤثرة، تأخذ بوجدان التلقي، وتهيئ المتلقي لاستثارة ذهنية، باحثة عن الحل المستحيل؛ فالشاعرة وفاء بغدادي على الرغم من فرط الحزن في أعمالها؛ لكننا نتنسّم في أفياء قصائدها، عبير اللغة الطازجة، والفطرة السليمة، التي تصل إلى حد السذاجة، التي هي روح الجمال في الأداء العفوي، وتصل إلى حد الصنعة، التي هي مهارة الشاعر المتمرس الذي تحققت تجربته ورسخ عطاؤه؛ فما بالنا إذا كان الأداء مركباً، فيه قوة الأداء الفني الواعي، وطزاجة الفطرة الواعية.
أما إذا دققنا في الاستخدام اللغوي هنا، لدى شعراء العينية البحثية، بحثاً عن اللهجة السكندرية الخاصة؛ فلا نكاد نعثر عليها إلا نادراً – مع الأسف – وهو ما يجدر بنا التوقف عنده وقفة صارمة، تدرأ عن وجه الشعر اللهجي السكندري هذا التماهي الذي يغرق فيه، فإن من حق هذه الدلالات السكندرية الخاصة، والروح السكندرية الخالصة، أن يصبها شعراؤها في قوالبها السكندرية، من خلال التعبير عنها بتعبيرات سكندرية، ومن المرات النادرة التي عثرت فيها على تعبير سكندري ما، في ديوان "إنما الأشعار بالنيات" للشاعر محمد محمود طعيمة، فيقول مثلاً:

فيه ناس تِحَضَّر روح زعيم لُهْ عصر
وناس تِحَضَّـر روح مليك والقصـر
إن كان ضـروري نحضـروا أرواح
ما تيجـو بينا نحضـروا روح مصر

فلا يخفى عند التلقي، تلك الظلال والفضاءات التي يفتحها لفظ "نحضَّروا"، في مقابل لفظ لهجي آخر مثل "نحضّر"، كما في اللهجة القاهرية، التي تكتفي بمعنى الجمع، بينما اللهجة السكندرية تستخدم للجمع أداته وهي الواو إلى جانب معناه.
وهناك من الشعراء من استخدم تعبيراً شعبياً، مثل قول ميسرة صلاح الدين في ديوانه "شباك الخجل":

يمكن أصادف واحدة بياعة هوى
وهوا العصاري ياخدني للتفكير
فتعبير "هوا العصاري"، تعبير سكندري قُحّ، على الرغم من انتقاله لبيئات أخرى، كانت تملك الجرأة على ادعائه؛ لكنها لم تملك القدرة على إثباته في دلالاتها، بوصفه حالة من حالاتها طبعياً واجتماعياً.
ومازلت أقول إن الإسكندرية - معشوقة الدنيا - جديرة باهتمام شعرائها على نحو أكبر مما هي عليه الآن، حيث إن حضور الإسكندرية وبحرها وأهلها، في أشعار شاعر جنوبي أقصري مثل مأمون الحجاجي مثلاً، أكبر من حضورها لدى شعراء الإسكندرية أنفسهم، هل لأن الألفة تذهب بالدهشة ربما، لكن أنى لهذه المظاهر من موج وبحر، وشتاء بسماء بين الصفو والغيم، أنى لها أن تذهب بعيداً عن وجدان الشعراء ودفاتر أشعارهم، بل أين النَوَّات وصياح البحر وزمجرة الأثباج ووشوشة الأمواج، أين هاته المعاني من القصائد العامية المكتوبة بلهجة وروح الإسكندرية..، بل أين تلك القصائد منها، فهناك ندرة حقيقية في استحضار ذاك المناخ هنا، هناك أزمة تعبير عن مظهرية البيئة الخاصة، ومن المرات النادرة التي نلحظ فيها وجوداً للإسكندرية، ذلك الحضور الذي بدا ضعيفا في قول الشاعر ميسرة صلاح الدين:

الليلة دي من غير قمر
من غير نجوم من غير سما
إحساسي رغم الخوف نما
كالوردة ف غصون الشتا
أحلامي شابة مكلفتة
ضحكتها أهداب الندى

يستمد الشاعر هنا مناخ الإسكندرية، من خلال عدد من مظاهره في موسم الشتاء، وهي دلائل ومظاهر عامة، تشترك فيها بيئات عديدة؛ ويقترب نحو الإسكندرية على نحو أكبر الشاعر أحمد كامل في "مشاهد من حدوتة عجوزة"، فيقول مثلاً:

لما النوارس قررت تهجر سماية المفتوحة
.....
اتسربت أحلامي مني زي حبات المطر....
كل الشطوط مكسية مدّ إلا شطِّي
جزره هدّ الحلم لحظة الارتحال
ويقول:

مديت إيديه
أمسح طرطشة انفعال البحر
على وشي
البحر مالح
ولاّ طعم أحزاني؟!

وللشاعر قصيدة بعنوان "سوناتا البحر وآمال"، وتظهر لديه مفردات هجرها جل زملائه، مثل: "الجزر – المد – النورس – طرطشة – المالح.. إلخ.
ومن هنا أشير إلى أن تآكل جانب الخصوصية البيئية للهجة الأداء، كان مكرساً لصالح الانطلاق إلى الداخل، وهو ما أخذ الشاعر الذي اصطفى اللهجة لغة لأدائه الفني داخل الكتابة، إلى اللهجة الثقافية لا الاجتماعية، وهو ما برز بوضوح، في تجارب فنية مختلفة، لدى معظم الاتجاهات الشعرية في القصيدة السكندرية، منعكساً في صورة تعبيرات موغلة في التطرف، ما بين ألفاظ أجنبية ، وتعبيرات عربية فصيحة، من خلال تضمين الحكم والأمثال أو التعبيرات الشاعرة وغير ذلك.
فالشاعر علاء إبراهيم يسمي قصيدة له باسم (Visa)، ويصر على استخدامه للتعبير الأجنبي، مستحضراً إياه بحروفه اللاتينية في العنوان، وفي درج القصيدة، والشاعرة أمينة عبد الله استخدمت الشكل الجرامافولوجي للفظ الأجنبي كما هو الحال عند علاء إبراهيم و أمل درويش، تقول أمينة عبد الله:

قلبك يوجعك
تبعت message وتصرخ
بحبك

لكن الشاعرة أمل درويش كانت أكثر إقناعاً في استخدام الألفاظ الأجنبية حيث استطاعت أن تستحضر لها البيئة الملائمة لها، في قصيدتها تكنولجيا الحب مات، تقول:

دق ع "الماوس" بصباعه لفتح ملف الحب وقال لي:

أيوه بحبك وباموت فيكي
وكل ما فيا ينادي عليكي
وخدني معاه على خلفية شاشة نبيتي
ف وقت غروب وف طقس خريف
وبحر بيضرب موجه شفايفي بمد وجزر
لحد ما دوخت
وفجأة!!
رماني ف آخر خط ف طرف الدنيا
قمت ألملم روحي لقيته دق "كليك"
وقال لملف الحب "close".

فالشاعرة استخدمت ألفاظ (ماوس، وكليك، و Close)، وإن كنتُ مأخوذاً بهذا التضفير الذي ينم عن وعي فني حقيقي لدى شاعر متمرسة، إلا أنني أيضاً لا أتقبل إيراد اللفظ الأجنبي "Close"، بحروفه الجرامافولوجية، وكان عليها كتابته بحروف عربية، كما فعلت مع الألفاظ السابقة عليه.
ويستخدم الشاعر ميسرة صلاح الدين لفظ كتالوج "بقيت كتالوج بُكا وأحزان"، وكذلك الشاعر تامر أنور مولع بالمصطلحات النفسية والفلسفية، التي يستمد منها عناوين قصائده؛ ومنها: (سايكوبات – شيزوفرنيا – برانويا – سادية – فوبيا).
والشاعر محمد صلاح عطيطة يجمع بين استخدام الألفاظ الأجنبية والألفاظ الفصيحة، فيقول في ديوانه "مصر بتلعب":

لما الدموع وشرخ النفس يبقوا "أنتيمك"
و "مود" العزلة يستهويك
وتجيب ببان نفسك عليها
رَجَّعْ لها الذكرى

فبينما يستخدم هنا لفظي "أنتيم"، و"مود"، نجده يستخدم ألفاظاً وتعبيرات من قبيل "تنوء"، و"أولي القوة"، يقول:

لو عملتلّهم حصر.. ح تملي سجلات
تنوء بحملها الرجال أولي القوة
وده راجع لأن كل اللي بيبص ف عنيكي
بيرمي نفسه ف حضن شباكك

ويقول في ديوانه "برغوت":

من فرط اللذة المؤلمة....
دايماً يحول بين امتلاك الرغبة والشفايف

ويقول:

كل أطراف المؤامرة اتجمعت ضدي
نسجت سياج الرهبة والترغيب
واللافتات على جنبين الطريق
منتهى الإحكام
تطبيع مع مرتبة ترويض
واما ابتديت أدخل حزام الهذيان
قرر المسئول عن دماغي غسيل مخي
جهزوا كل اسطواناتهم المدمجة
المُدْخَلات ف الحاسب الآلي
مرضيتش تخرج معطيات
بعدها أعلنوا موت الحقيقة

ويقول الشاعر محمد محمود طعيمة، في ديوانه "إنما الأشعار بالنيات":

قـالولي طلبك عـند الفَـظْ :. لو مش ح تدفـع راح تُلْفَظْ
دُولْ هُمَّا "باكْـوِينْ" وِيْلَبِّي:. جَمَّعت " باكْو " بـ دِما قلبي
ما بقيتش عارِف على طلبي:. أم ع اللي طَيُّه كَتب "يحْفَظْ"
فيستخدم ألفاظاً موغلة في درجتها من الفصحى، مثل: (تُلْفَظ – يلبي – دِماء – أم – طيُّه – يُحْفَظ)، وفي الواقع فاستمداد الألفاظ الفصيحة في القصائد الكلاسيكية والأزجال ربما يعد مغالبة لانغلاق الصوغ، فإذا أرتج على الشاعر في تكميل دلالة، أو إلحاق قافية، لجأ إلى مدد من الفصحى كي يقيل نصه من عثرته، بخلاف استراتيجية النثر أو التفعيلة من الفصحى غالباً؛ وهذه الظاهرة موجودة في قصيدة النثر بقوة، فتقول الشاعرة أمينة عبد الله:

ملايكه أطلعوني ع السر قبل ميعاده
طفت سدرة المنتهى انتظارا
لحد ما عرفت الحاجات قبل ما تحصل
بخبث رميت الصخرة من فوق كتافى
وفتحت لهم باب للفتنة الكبرى .

وإذا كانت الألفاظ الفصيحة تستشري في قصيدة التفعيلة، ثم بكثافة أكبر، تظهر في قصيدة الفصحى، نجد أن استمداد الحكم والأمثال الفصيحة موجودة بكثافة أكبر في الرباعيات، وقصيدة الشكل الكلاسيكي.
ثم تبرز لدينا قضية ذات خطورة في مسيرة الكتابة بالعامية واستخدام اللهجة لغة للصوغ الفني، هذه القضية هي قضية تدوين النص، حيث إن الأصل في الثقافة العربية أنها ثقافة مشافهة، ولعل المعنِيّين أدركوا أهمية المشافهة في الثقافة العربية، حتى بعد دخولها إلى مرحلة الكتابة، سواء مع تحمس الإسلام للتعليم الكتابي، أو مع اكتمال الوعي الكتابي في نهاية القرن الثالث الهجري، ودخول الثقافة والوعي العربيين إلى مرحلة التدوين.
فالأذن هي الطريق إلى وعي التلقي للقصيدة، في بعدها الشفهي، بينما للبعد الكتابي تستخدم العين طريقاً للتلقي، وهنا تفقد الكتابية عالماً قائماً بذاته في الشفهية، هو عالم الصوت والجرس والأثر النفسي والوجداني المصاحب، أو المحتمل مع الصوت، فالشفهية تنقل مع النص جانباً من نفسية الشاعر، بينما الكتابية تُحَمِّل النص جانباً من نفسية المتلقي، وهو بالضرورة جانب وهمي تصوري، بينما يكون هذا الجانب في الشفهية جانباً واعياً، مشاركاً في تشكيل الأبعاد الوجدانية للنص الشفهي.
وهو ما يستدعي صورة متممة من صور الصراع بين الشفهية والكتابية، على هذا الصعيد أيضاً، إنه صراع التدوين الصوتي للقصيدة، وهو ما يجب أن يكون محاكاة خطية للنطق الشفهي، وهذه قضية كبرى، تُعَدُّ من أبرز قضايا الأدب العامي المطروحة.
فنجد مثلاً أمينة عبد الله تُدوِّن معنى عمياء على النحو التالي "عامية"، ووفاء بغدادي تدون مثلاً النهي متصلاً بالفعل "مدسهوش"، حيث حذفت الألف من "ما" الناهية واستبدلت "تاء" المضارعة "دالاً"، فتحولت من الكتابية إلى الشفهية أو تدوين الصوت، وكذلك الشاعر أحمد كامل آثر تدوين الصوت في قوله: "مش أد مشوار الوجع"، بينما قبل ذلك بعدة أسطر يسيرة، في القصيدة نفسها، نجده استخدم لفظ "قلبي"، بشكله الكتابي، وهو ما يعني أن الشاعر لم ينطلق في تدوين "أد" من قاعدة ما، وهو ما نجده قد أصبح فارقاً في الاستخدام بين الشعراء، فمثلاً محمد صلاح عطيطة في ديوانه "مصر بتلعب" يُدوِّن لفظ "قزاز" بالقاف، بينما أمل درويش تكتبها بالألف "إزاز" على الحكاية الصوتية، كما هو الحال عند ميسرة صلاح وأمينة عبد الله.
وأشير أيضاً إلى ضم حاء الاستقبال السكندرية إلى بنية الفعل بعدها، "حَتِتْقَفَلْ بينا البيبان"، والأفضل فصلها، وكتابتها مستقلة.
إن مثل هذه الاستخدامات الصوتية اليسيرة، قادرة على الفصل المعرفي بين حدين، أو بين بيئتين لهجيتين، فهي مثلاً – من داخل عينة الدراسة - تدلنا على إمكان انتماء الشاعر علاء إبراهيم لبيئة لهجية غير سكندرية وتأثره بها، من خلال استخدامه لأداة الاستقبال، فهو يستخدم "الهاء"، التي هي في اللهجة السكندرية "حاء":

... لو سابني هدوس كل الأحلام وأعدي لها
بس الحظ ما لوش رجلين
ملعون يا حصان الحظ يا متزوق بالطين

فإن استخدام المظاهر اللهجية مثل "هاء" الاستقبال أَدَلّ على الانتماء اللهجي من الاستخدام الدلالي، فالهاء هنا عند علاء إبراهيم أدل على تغايره الانتمائي اللهجي من دلالة "الطين" التي تُخالف الاتجاه الدلالي للبيئة السكندرية، التي لن تتحدث عن الطين أو تستحضره قدر استحضارها للرمل.
الموضوع/ المجتمع
البعد الاجتماعي من الموضوعات التي اهتم بها شعراء العامية في الإسكندرية، بأجيالهم المختلفة، فديوان "تحميض الصورة" للشاعر جابر سلطان يحمل البعد الاجتماعي على نحو شديد التميز، ربما لدخوله إلى أغوار مجتمع هو به خبير، أو ربما أكبر خبرةً به عن غيره من الشعراء، فيتميز جابر سلطان بالبعد الاجتماعي المتعلق بالناس، وتراكيبهم الاجتماعية، وعلاقاتهم وسلوكهم؛ بينما الشاعر محمد محمود طعيمة يقدم الصور الاجتماعية المتعلقة بالسياسة الاجتماعية، والتعبير عن المطحونين والسلبيين، عن المستلب المهزوم، عن القمع والترصد، يقول طعيمة:

كُنْت حَالف إنّي أقـول ع الحقـيقــة مقَـشَّـرَة
طايرة راس الديـب صابتـني بالزهايمـر.. معـذرة

ولقد تنوعت التجليات الاجتماعية في نماذج عينة الدراسة، ومن ذلك حديث جابر سلطان عن عدد من الموضوعات الاجتماعية، التي ترصد جوانبَ من حياة الإنسان البيئي، ابن المجتمع بخيره وشره، أو تصور نخوة "ابن البلد"، الذي يحمل في داخله سمات الفارس، كما في قصيدته "تحميض الصورة"، أو يُصور الخيانة، التي تُعد من التيمات الشائعة في شعر العامية السكندري، إلى حد ما، وتُعد معالجة جابر سلطان و تامر أنور من أهم المعالجات الفنية لهذا الموضوع، بينما يغلب على ديوان "حدوتة قبل الموت" للشاعر تامر أنور جوُّ الخرافة، الذي يستعين به الشاعر لرصد الوقائع الضمنية للفساد القيمي والاجتماعي والسياسي، وهو الأمر الذي يبرر الإزاحة في العنوان، القائمة ما بين النوم والموت، حيث إن هذا المجتمع النائم/ الميْت، الذي يقص عليه الشاعر "حدوتةً" قبل أن يدخل إلى دهليز الموت.
الموضوع/ الذات والنوع
هناك تعبير أنثوي عن الأنثى، بوصفها النوعي والموضوعي، في مقابل غياب حقيقي للتعبير الذكوري؛ نوعاً وموضوعاً، فبينما نجد الشاعرة أمل درويش تسمي ديواناً لها باسم (وجع البنات)، لا نجد لذلك نظيراً في الدواوين الرجالية، التي لا تبحث عن وجع الرجال بقدر بحثها عن أوجاع الذات المجردة، وفي الدواوين التي بين أيدينا، نجد الشاعرة أمينة عبد الله تُعبِّر عن المرأة، في مقابل الرجل، داخل بيئة اجتماعية خاصة، وهي الحال نفسها عند الشاعرة وفاء بغدادي ، التي تطرح نموذجها الاجتماعي الخاص للمرأة الحزينة المتوحدة، التي تطمح إلى كسر نموذج الانكسار، وتتطلع للاتصال مع الآخرين بشروطها الخاصة، والورقة قد تتناول مقارنة بين تلك التجارب النسائية، واتجاهها الموضوعي والأدائي إن أتيح لها الوقت.
قدمت الشاعرتان أمينة عبد الله، ووفاء بغدادي في معظم قصائدهما، صرخة مكتومة، نتجت عن جرح؛ إما عاطفي أو اجتماعي، أمينة عبد الله تتصادم مع البعد الوجداني الذي ينحو نحو التخلص من المجتمع، بحثاً عن الاستقلال أو القيمة الذاتية المفردة؛ أما وفاء بغدادي فهي تعيش وحدتها، وتبحث عن مجتمع يستطيع احتواء قيمتها الذاتية، جوهرها النقي الذي تجرحه القيمة المجتمعية المطروحة؛ لأنها قيم مغشوشة، لذا فهي تصبو إلى تخليق هذا الكيان المجتمعي في سياق "يوتوبيا" خاصة بها، وهو بُعد فطري اجتماعي، أكثر منه فلسفي رؤيوي ، لأنها تريد أن تعيش في واقعها المبتغى.
في تجربة وفاء بغدادي هناك صراع حقيقي بين انكسار الذات والتعايش، أو الانفتاح على المجتمع المحيط، فالشاعرة طرحت رغبتها الفطرية في التعايش غير الناقص، في ديوان "مش ملك لحد"، بذريعة أن "الحب أعمى"، بينما يقوم في نفسها صراع مع الانكفاء على الذات من خلال حزنها عندما يرى الناس إعاقتها، إنها تعيش حالة من الألم الممتد داخل دائرة من العذابات، تقول في ديوانها "الحتة اللي بتحلم فيا":

من قلب الدايرة المرسومة
سكة أحزاني
بالمحني حروف مفروقة
بتحاول تشبك بعضيها.. كلمة صبر
وألمح ألمي.. ساكن قلمي
كل ما يكتب ينزف مر

ربما هذا الكم من الأسى والمرارة التي تشيع في كتاباتها، هو دافعها الأول إلى رغبتها في إحراق أمها لأشعارها بعد موتها، في مطلع ديوانها "مش ملك لحد"، هي رغبة معنوية للخلاص من الألم والحزن، أو بمعني أدق تخليص الآخرين من اطراد ذاكرة الألم والحزن، إنه نوع من السمو والصفاء وجمال الروح، فهذا لا يدل على التنازل عن وسيط التلاقي بالآخرين بقدر ما يدل على التشبث بهذا التلاقي، وإلا فقد كان من الممكن أن تحرق هي نتاجها بنفسها وتطهر نفسها لا من الشعر، وإنما من تفوقها الحقيقي على هؤلاء الذين لا ترى الناس لهم نقيصة، لأنهم كلهم في الهَمِّ خُلْفُ، فالمُعاقون الحقيقيون هم المعوِّقُون، الذين تخلفت بهم عن الركب الرؤى، وتخاذل طموحهم عن الغايات، فاستبدلوا بتخاذلهم رجم الآخرين، تقول وفاء بغدادي في ديوانها "الحتة اللي بتحلم فيَّا":

أكيد محتاجه للكلمة لكن صدقني.. مش منك
لا أنا محتاجه يوم عطفك
ولا محتاجه يوم مَنّك
أنا محتاجه للأيام تنسّيني فـ يوم.. إنك
بكلمة وهم بتقولها
بتحلم أرتوي.. واطرح
يا ريت تسمعني لو تسمح

وتستشري الروح المصدومة وانكسار الوجدان، في أعمال الشاعرة لحد كبير، يتناسخ في متوالية لا نهائية، حتى عندما نظفر في قصائدها بتعبير من قبيل: "عرفت إزاي السور المبني بطول الهم.. ممكن يتهد"، يصدمك أنها تمهد لاستخدام المفارقة لتغلق الدائرة من جديد "مديت إديه أفتح قلبك../ كان قلبك سد".
ويُعد استحضار الذات اتجاهاً موضوعياً تطرحه البنية الأولية لديوان "ألوان رغاوي البيرة الساقعة"(2) للشاعرة أمينة عبد الله، فتتناول بوساطتها جدلية العلاقة الوجدانية الإنسانية، بجُلِّ تحولاتها داخل الذات، وعلاقتها بالعالم الخارجي، أو المجتمع المحيط بعامة، ثم على نحو أخص: العلاقة القائمة بين امرأة ورجل؛ لكن البنية العميقة للنص تطرح أفكاراً ورؤى متغايرة ومتداخلة ومتوافقة، حول جملة من الدوافع النفسية، التي تدفعنا لملاحظة الحديث عن الذات، أو الانسلاخ من الذات، والانقسام الشيزوفريني للحديث عن الأخرى (التي هي الأنا في الوقت نفسه)، واتجاه الرغبات والملاحظات الانتقادية، ومؤاخذة الأخرى (الأنا بالضرورة)، تلك الطروحات التي تستخدم لها الشاعر ضمائر النتاج في كل نص؛ إما بفطرةٍ شاعرةٍ سليمة، أو بدقة الوعي الذهني المدرك، والتي تدفعنا بالضرورة لمساءلة النصوص، في أدوار زمنية، ما بين الماضي والحاضر، أو الاستحضار والترقب؛ وغواية البعد النفسي للطرح، يؤكدها لنا عدم وجود قصيدة، كما هو متعارف عليه، داخل الديوان، إنما مقاطع سمَّتها الشاعرة (بازل)، والبازل Bezel هو المساحة اللازمة من الفراغ لكي تسمح لعواطفنا أن تتمدد أو تنكمش، في تقليدها أو لنقل محاكاتها للأدوار الوجدانية، التي تقترحها علينا مقاطع الديوان.
والشاعرة أمينة عبد الله تجسد الصراع الحقيقي بين ذاتين، تطغى إحداهما على الأخرى، ثم تعود التي طغت للتراجع وتطغى الذات المتراجعة، انتصاراً على الذات الأولى؛ لتعود فتطغى بدورها من جديد؛ إنهما ذاتا الشخصية المثقفة التي ترفض الوصاية عليها، أو مراجعة أفكارها ورؤاها، والشخصية الأخرى هي الذات الاجتماعية التي تعيش داخل نسق اجتماعي محدد، قد تضطر الذات المثقفة للخضوع لآلياته وتقاليده أحياناً؛ لكنها تظل هي هي، تلك المثقفة التي تراجع أفكارها ومواقفها، وأيضاً أفكار ومواقف المجتمع من حولها؛ وترفض إخضاع أفكارها ورؤاها للمراجعة؛ وقد استطاعت تلك الثنائية أو الإشكالية أن تتسيَّد المشهد، في آلية نتاج النص لدى أمينة عبد الله؛ والإشكالية نفسها نجدها قائمة في معظم النماذج التي تدرسها هذه الورقة البحثية.
وإذا كنتُ انتخبتُ الذاتَ من بين عدد من التجارب الموضوعية؛ فلأنها ذات حضور كثيف، أو موغل في الكثافة، على خلاف ما كنتُ أتصور من حضور صورة البحر؛ حيث إن تيمة البحر، من خلال صورته أو استدعاء وجدان البيئة المكانية له، تكاد تكون خافتة أو دون المتوقع، على خلاف المرجو؛ لكنها على أية حال قائمة في الخلفية، هناك وجود ما للبحر أو بمعنى أدق للإسكندرية، إنما بحذر خجل، أو على مضض، أو لنقل على نحو نادر نسبياً.
البلاغـة
ويأخذنا الحديث عن أساليب الصوغ إلى جانب شديد الأهمية، هو السؤال عن مدي علاقة الشاعر المعاصر ببلاغة الأداء داخل النص، عند الإجابة عن هذا السؤال سنصطدم مباشرة، في قصيدة النثر، بانفراط عقد الصوغ البلاغي لصالح الصدق الأدائي وانسيابية التعبير وتدفق الدلالات، بحثاً عن جمالية الصدق، وعدم الافتعال الذي ربما يصل إلى حد ما يسمى باللغة الإعلامية المحايدة، وهذا المستوى من التعبير – من وجهة نظري - مستوى غير مستحب في صوغ القصيدة، إلا بين يدي شاعر واعٍ، يعرف موطن الشعرية في الدلالة المطروحة؛ تقول أمينة عبد الله:

ما تضحكوش
كل واحد حر ف ذكرياته اللى يخترعها..
و يصدقها..

لكن قصيدة النثر السكندرية بعامة، والشاعرة أمينة بخاصة، استطاعت أن ترقى فوق هذا المستوى الحيادي المسطح، في مواطن كثيرة؛ أما على مستوى القصيدة الموزونة، فهناك حضور فعَّال لتلك الجماليات التعبيرية وبلاغة الأداء والتعبير، في تلك النصوص التي اختار لها أصحابها قالب التفعيلة أو القالب الكلاسيكي، لأنهما يستمدان من تراث مُقَدَّر في تجاربهما الفنية، التي يمثلون في نطاقها حلقة من سلسلة عميقة الجذور، ومن ثم هم معنيُّون بتراث أسلافهم، بخلاف قصيدة النثر، التي تبني عرشاً، وتنسج ملامحها بعيداً عن الإرث الجمالي والموضوعي.
ومن هؤلاء الشعراء من استخدم الطاقة الصوتية للألفاظ؛ ليستمد منها بلاغة شكلية لها دورها في تخليق الأثر الوجداني لدى المتلقي، كما فعل أحمد كامل الذي جنَّد الطاقة الصوتية لإقامة علاقات دلالية مثيرة، تدفع القصيدة صوب تكثيف من نوع الاحتشاد: صوتاً ودلالة، يقول:

حبيبتي الغربة مش لينا
ف ليه نبعد ونتفارق
وانا وانتي اللي مالينا
حنين لرجوع

فالعلاقة الصوتية هنا قائمة بين "لينا" الدالة على الملكية، و"مالينا" الدالة على الامتلاء والتشبع؛ وكان يستطيع الشاعر أن يجعل اللفظة الأولى "لينا"، المنفية بأداة النفي "مش"، منفيةً بـ "ما"، لتصير "ما - لينا"؛ فَيُحدث جناساً تاماً بينها وبين "مالينا" الأخرى؛ لكن إذا حدث ذلك سيكون أقرب إلا الافتعال والصنعة والتكلف، وإنما تركها الشاعر بعفوية لتصبح جناساً ناقصاً، وهو ما عمَّق أثرها في التلقي.
ويستخدم أحمد كامل التلاعب بالألفاظ أحياناً، فيقول مثلاً:

اعترافِك باحتياجِك ليَّا مهوش خطيئة..
اعترافِك أقصى لحظات اكتمالِك..
واعترافي باجتياحِك ليّا مش هزيمة

فبين احتياج واجتياح تقارب صوتي مُلْبِس يخلق ثورة ذهنية عند التلقي، استخدمه الشاعر في حشو السطر الشعري، بينما استغل تلك الطاقة الصوتية الشاعر أحمد زغلول في ديوانه "قصاقيص أحلام"؛ لإحداث تقفية أشبه بمحطات لاستراحة واستثارة النفس في آن واحد ، عند التلقي، فيقول:

حاسس بطير الموت بيحوم على رْغِيفي
منقاره نقّر ع البيبان شرّخ حيطان خوفي
من بين شقوق الحيط لامح أنا نابه
مخايلني مخلابه
شايف ربيع عمري بتمزّعه نيابه

فالشاعر هنا يضيف الصوت إلى البلاغة الدلالية، فهو يبني بلاغته على الاستعارة والتصوير، وفي الصورة مزج بين الأبعاد الذاتية والأسطورية، فـ"طير الموت" تشكيل أسطوري، و"ربيع العمر" تشكيل اجتماعي، فاستطاع أن يُكَوِّنَ مُركباً لغوياً، فيه عدد من الإزاحات ذات الاتجاهات المنوعة والمستويات المختلفة، ثم أضفى عليها بعداً صوتياً باستخدام المقاربة الصوتية القائمة بين "رغيفي" و"خوفي"، وأيضاً بين "نابه" و"مخلابه" و"نيابه"، حيث تُشَكِّلُ القافيةُ حالةً خاصة ومكثفة للتوازي الصوتي، الذي يُعَدُّ مسألةً رئيسةً من مسائل الشعرية، لأنها ليست مجرد تتطابق جزئي بين الألفاظ أو تطابق صوتي في المسيرة الصوتية للنص؛ بل هي من أبرز سمات البناء الإيقاعي، الذي تقبله القصيدة العربية في كل تجلياتها النوعية، بشرط ألا تتدخل في مسيرة الدلالة، التي تقدمها الأنواع غير الكلاسيكية على الصوت المجرد.
وقد تبدو بلاغة النتاج الفني في قصيدة النثر مختلفة بعض الشيء، لكنها قد تتفق في بعض الاهتمام بالتعالق الصوتي، ففي ديوان "ألوان رغاوي..."؛ على خلاف القصيدة الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة، تستخدم الشاعرة أمينة عبد الله لغة صافية، غير مثقلة بالإزاحات والبلاغيات الكلاسيكية؛ المقصود نتاجها في ذاتها لأداء أدوار جامدة، كأنك تستأجر شخصاً تدسه بين الجمهور"ليمصمص شفتيه ويقول يا سلام"، كلما أحدثت صوتاً؛ أو أن يَطْفُرَ بِمُكَائِهِ وتَصْدِيَتِهِ، كلما أومأتَ برأسك، وأنت تجر أذيال الكلمة الأخيرة من النص.
فالبلاغة لبديلة، التي تقترحها التيارات الحديثة، هي البلاغة التي أنقذت الشعر العربي قديماً، إنها بلاغة العفوية، والبحث عن نتاج الدلالة في البنية، بلاغتنا هي القيمة التي ارتضاها النص دوراً له ، قيمة الجرح أو المداواة، القيمة الإنسانية التي يحملها النص؛ فتأتي تلك البلاغة الرقراقة طوعاً إلى النص؛ فتُلَوِّنُ فرشاتُها الدالَ والمدلولَ معاً، ومن ذلك ما تسرب إلى نصوص أمينة عبد الله من إيقاع صوتي، مثل ما بين كلمتي (حرمان، و تبان)، وبين (الكام، والأهرام) وبين (دلُّه، وأمه) وأيضاً بين (انفعالاته، وخيالاته – عنيه، ورجليه)، من جرس غير مقصود لذاته، في عدد من المواطن المتفرقة في ديوان الشاعرة، تقول في إحداها:

بحكم شغلتى اتفقت أنا والسفنجة ع الزبون
أمتص انفعالاته،
اسمع قصصه ، و أطاوع خيالاته.
أمسح دمع عينيه
أنشف رجليه
لما يرجع كل مشاعره ف كوباية.

وقد استمدت الشاعرة بعضاً من فنيات البلاغة الكلاسيكية دون افتعال، مثل الاستعارة والتكرار وغيرهما، كما في قولها:

الناس بيوت بس البيوت مش دايما شبه اصحابها
ما تخدعكمش الألوان بصفاتها العامة.
الناس بيوت أبوابها مقفولة
بابتسامات محايدة, ووشوش فلات.
الناس بيوت لو حررتكم بسكانها
ما ينفعش تحتل.
الناس بيوت بحبها.

كما استعانت الشاعرة بتجارب بلاغية حديثة، منها بلاغة القناع حيث استخدمت عدداً من الأقنعة، ووظَّفتها داخل نصوصها، من بينها قناع "عم محمد"، الذي هو من علامات بار الوطنية، بحسب القصيدة، التي استخدمت فيها الشاعرة بلاغة الإسقاط أيضاً، وهي من لوازم بلاغة القناع، واستخدمت أقنعة أخرى تُسقطها موضوعياً على الواقع المعاصر، مثل قناع "عم السيد سليمان"، وقناع "إيمان" بائعة المناديل الورقية.
واستخدمت الشاعرة أيضاً بلاغة التشكيل بالمساحات البصرية، ومن ذلك إتمام دلالة النص، كما في قولها:

سبت آخر
حتة بازل ف العلاقة
تكتبها
بايديك....
..
...
....
..........
................!!

حيث إن تنامي النقاط، يدل على تنامي الجزء المحجوب من التجربة، إنه محجوب عن الرؤية؛ لكنه غير محجوب عن التلقي، وكأنه السر القائم بين الشاعرة والمتلقي المثالي.
ولعل من أبرز العناصر البلاغية التي تستخدمها القصيدة العامية السكندرية، عنصر التصوير، إذ يستخدم الشعراء الصورة بمستوياتها المتعددة، الصورة الجزئية والصورة الكلية، ومن الصور الجزئية قول الشاعر أحمد كامل في ديوانه "مشاهد من حدوته عجوزة":

والمحتمل..
من بين ضلوع المستحيل
لسه ما ظهرش

إنها صورة ساكنة طرحها الحقيقي، أو المشهدي، غير قائم حقيقة في النص، وإنما هو طرح استحضاري تصوّري، لأن كل لفظ في النص يستدعي دلالة، حتى وإن كان "لسه ما ظهرش"؛ وهذه الصورة تنتمي إلى النوع الساكن من أساليب التصوير الدلالي، ومن هذا النوع أيضاً، صورة أوقفتني في ساحتها طويلاً، هي صورة كلية، أعدها من أبرع الصور الشعرية التي قرأتها فيما بين يدي من نماذج، هي صورة كلية أنتجت قصيدة، قصيدة "شرخ"، للشاعرة وفاء بغدادي، من ديوانها "الحتة اللي بتحلم فيّا"، حيث تقول:

الشرخ اللي ف سقف الحيطة
راسم بير مقلوب
بيشدّ فضولي لآخر نقطة فـ قلب الطوب
ألمحني غرقانه فـ أبيات الشِّعْر
باستنجد بيّا..
تتمد إيديّا فـ محاولة لإثبات الذات
فـ محاولة لإحياء الحلم فـ واحد مات
أسقط فيّا
من تاني باغرق
لكن.. جوه البير المعدول

فالشاعرة تكتشف بوساطة التشكيل بالصورة، شاعرية الأشياء من حولها، لأن الصورة في الأصل، هي حلم الوعي الاتصالي للغة، حيث أنارت الشاعرة بوساطتها، مناطق داخلية موغلة في أعماق النفس، لا الواقع الغفل وحسب، معتمدة في ذلك على الطاقة الإشارية والبعد الإحالي للغة، وقد شكّلت الشاعرة صورتها/ قصيدتها، بأسلوب جمالي خاص، بدأت فيه باستخدام البعد الاتصالي للغة ببنية لغوية أولية واقعية، فلا مجاز ولا إزاحة: "الشرخ اللي ف سقف الحيطة/ راسم بير مقلوب/ بيشدّ فضولي لآخر نقطة فـ قلب الطوب"، حكاية عن واقع ثم أثر الواقع على الشاعرة، وهو أثر نفسي أولي أيضاً، حتى تبدأ في تسريب دلالة الإحالة والإشارة وتكثيف الآثار الوحدانية والنفسية المعقدة داخل القصيدة، بوسيط لغوي شديد السلاسة، يتمثل في قولها: "ألمحني"، وتؤكد الدخول إلى بنية الإزاحة في التعبير، واستخدام الطاقات المجازية، وتجاوز الدلالات الأولية الواقعية إلى دلالات إبدالية تحويلية، بقولها "غرقانه فـ أبيات الشِّعْر"، فإذا كان الغرقُ فعلاً مادياً؛ فإن أبيات القصائد لا تُغرق إلا مجازاً؛ لكنه المجاز الذي يُسيغ التحول من "بير مقلوب" إلى "بير معدول"، تَغرقُ فيه غرقاً نفسياً، يُجسِّدُ الغرقَ الماديَّ، ويدلُّ على تحصيل أثره، لأنها أرادت أن تُثبت ذاتها، وأن تُحيي الحلم في ميْت، وهذه صورة ساكنة، فعلى الرغم من بعض السمات الحركية؛ إلا أنها تظل حركيّة محدودة، ذات نطاق ضيق، فالصورة – على الإجمال – بوصفها جوهر الشعر ومحك مقدرة الشاعرة، هي محاولة لبناء نسق وجداني، ذي بعد لغوي، يُجسِّد التجربة، ويقيم لها أبعاداً وملامح مميزة، تثير في المتلقي نزعة التلقي بكل أدواتها، كما تُيَسِّرُ عليه بعد استثارة الوجدان بما عليه أن يُقيمه من مقاربة وجدانية بين ما يصل إليه من الصورة، وما يثور في نفسه من وجدان مماثل، والصورة على الإجمال، تُعد مكتشفة بوساطة الشاعرة أكثر منها مصنوعة من مادتها اللغوية.
أما الصور المتحركة فقد وردت بتجلياتها المختلفة في شعر العامية السكندري، وقد قدّم الشاعر أحمد كامل صورة متحركة فيها حيوية الانفعال، حيث يقول:

واما كل الجيفه تتحول ديابة
تشرب دمك.. تسكر بدمعك..
تبرق عيونك.. تنطفي
تلمع عيونهم..
تبرق عيونك.. تنطفي
تلمع نيابهم..
تبرق عيونك.. تنطفي
روحك تفارقك.. ينهشوك

فالشاعر يحشد لصورته طاقة حركية، من خلال الفعل ورد الفعل، متوسلاً بالاستقصاء والتفصيل ورصد الانفعالات، ثم يدعمها بالتكرار والاستلاب بين البرق والانطفاء؛ ليوائم بينه وبين الاستلاب الكلي في التجربة الموضوعية، ذلك الاستلاب الذي بلغ قمته وذروة عمله بمفارقة الروح له، لكنه أيضاً خَلَّقَ استئنافاً للاستلاب بالنهش بعد الموت.
الموسيقا
النماذج التي تدرسها هذه الورقة غنية بالتيارات المختلفة، والملامح المنوعة في الاستخدام الموسيقي، وأشير إلى أن تلك النماذج هي في ذاتها تُعد مجموعةً عشوائيةً صالحة للاستدلال على الحالة العامة للظاهرة الموسيقية هنا، لتمثيلها جُل التيارات السائدة، ومن هذا المنطلق، أجدني مقتنعاً بأنها نماذج تُمثل بدقة نسبية، الصورة الحقيقية للشعر اللهجي المعاصر في الإسكندرية؛ وبالتالي فهي تصدق على ما تطرحه من أساليب ورؤى ومقدمات، وما تصل بنا إليه من نتائج، ومن ذلك ما يتعلق بحقل الموسيقا، حيث العناية بالموسيقا الكمية يغلب بصورة قد تبدو متوسطة، فيها الغلبة للتيار التفعيلي، على حساب التيارين الكلاسيكي والنثري؛ فالتفعيلة تعتني بالموسيقا الكمية، كما تعتني بالموسيقا الداخلية والإيقاع.
أما القصيدة الكلاسيكية، ولها نماذجها وحضورها القوي هنا، فهي تقدم البعد الكمي على أية أبعاد موسيقية أخرى،لم تغفلها أيضاً، وذلك على عكس قصيدة النثر، التي تقدم الدلالة الهدف، والبعد الباحث عن الكيف؛ على الموسيقا الكمية لتي أغفلتها تماماً، إلا ما حضر منها متسللاً في غفلة من كل آليات وعناصر الوعي لدى الشاعر، إلا الفطرة، فمالت قصيدة النثر إلى الموسيقا الداخلية غير المقصودة أيضاً، بإيقاعاتها المختلفة وتَمَثُّلاتها المنوّعة، وأبرز صورة من صور إيقاعها الداخلي هي الصورة بوصفها إيقاعاً، سواء منها الصورة الجزئية أم الصورة الكلية؛ لكنني ألاحظ أيضاً أن التيارات المطروحة هنا، تسير متوازية أفقياً، حيث ينتج جيل واحد كل هذه المتغايرات الدلالية والأدائية، أو لنقل اتساعاً: المرحلة لا الجيل، لأنني لا أملك معرفة وثيقة وقاطعة تدلنا على الشرائح العمرية للشعراء عينة الدراسة؛ إنما أستقرئ ذلك وأتكهن به من خلال الاطلاع على صورهم الشخصية المنشورة على بعض الأغلفة؛ لكن هذا الحضور الكثيف للموسيقا الكمية ليس مثالياً مبرأ بالضرورة؛ بل إننا نلمس شيوعاً للسقطات العروضية، وبخاصة لدى الشعراء الجدد.
وإذا كانت الموسيقا الكمية وبحورها العروضية تُعد لدى شعراء الشكل الكلاسيكي لبنة رئيسةً في بناء قصائدهم، فإننا نلمح مدى عناية شعراء التفعيلة بهذه الموسيقا، عناية قد تصل ببعضهم إلى تخليق موسيقا عالية وصارخة في قصائدهم، وتكون راقصة أحيانا ، تقول الشاعرة وفاء بغدادي:

يا ريت تسمعني.. لو تسمح
كفاية بقسوتك تجرح
لا انا محتاجة إحساسك
ولا عطشانة أيَّامي
وغاوية الشرب من كاسك
ولا حلمي بيكبر بيك
ولا طول وقتي فيك.. باسرح
يا ريت تسمعني...
لو تسمح

فالشاعرة إلى جانب موسيقية (مفاعيلن //O/O/O) العالية، استخدمت موسيقية تتالي القوافي، ما بين قافية الحاء ذات الصوت الاحتكاكي، الذي يجر آهة الألم وراءه على الرغم من الوقف، وكأن الوقف على الحرف لا يستجيب له المَخْرَجُ، وإنما تمتد الحركة امتدادَ إسماع الألم في الجرح، ثم يعقب تتالي قافية الحاء قافية أخرى تستمدها الشاعرة من كاف المخاطب الساكنة، وكأنها وإن كانت تُعَبِّرُ عن جرحها النازف؛ إلا أنها لديها قوة التصدي والصمود، وإيقاف هذا الجارح عند حد لا يستطيع تخطيه، وقد ساعدها على تحقُّق ذلك صوت السين المفتوحة، صانعاً فرقاً كبيراً في التعبير بين كاف الخطاب في القافية: "إحساسك" و"كاسك"، وبين كاف الخطاب المسبوقة بحرف مد "بيك"؛ ففي جملة "ولا حلمي بيكبر بيك" تجسيد صوتي للدلالة؛ فبينما لفظ "يكبر" يدل على الارتفاع والعلو فإن نفيها يتسق مع لفظ "بيك"، الذي تأخذ فيه الياء بعد حرف الجر الدلالةَ للأسفل متدنية حتى تصل إلى كاف الخطاب، وفي الحقيقة فإن دراسة أعمال الشاعر وفاء بغدادي دراسة صوتية ستقدم لنا فتوحات غير متوقعة في التعرف إلى عالم تخلّق من جوهر الشعر، وسيتجلى ذلك بخاصة في التمثيل الصوتي للدلالة، وعلاقة الدلالات بدوالها ، وتجسيد الألفاظ لأهدافها التعبيرية، وهو باب قائم في الفطرة العربية، وإن ذهل عنه الذاهلون، وقد ورد لهذا الاتجاه أمثلة كثيرة في القرآن الكريم، مثل كاف الردع في قوله (فسيكفيكهم الله)، وقسوة الإلزام باحتمال التبعة في (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون)، أو حكاية الصوت في قوله (فبعث الله غراباً يبحثُ في الأرض)، حيث يجسد لفظ "يبحث" الحفر بساق الغراب؛ ثم تستخدم الشاعر فنية إيقاعية أخرى هي التكرار، حيث وردت في مقطع الاستشهاد، أداة النفي لا "مرة دون عطف، وثلاث مرات معطوفة على ما قبلها بالواو: (لا)، و(ولا)، كما كررت جملة الاستهلال: "يا ريت تسمعني لو تسمح"، في تضاعيف النص ثلاث مرات ، منها مرة في الخاتمة(3).

وأخيراً:

إن قواعد وجماليات ومزاج البحر الجغرافي، كانت هي الآلية التي تحكم البنية الفنية، في نطاقها النثري بخاصة، لدى شعراء القصيدة العامية السكندرية، في تقلباتها واستقرارها، غير أن الملمح الرئيس للمشهد الشعري لقصيدة العامية السكندرية، هو التكثيف الشديد، وانطلاق روح الموجة بين النصوص، ما بين نص قصير، وآخر شديد القصر عند أمل درويش وأمينة عبد الله وميسرة صلاح الدين وعلاء إبراهيم؛ ونص طويل عند وفاء بغدادي ومحمد صلاح عطيطة، وآخر أكبر طولاً، كما في نصوص جابر سلطان وتامر نور، وتنامي قيمة الذات الفردية، وطغيانها على كل الموتيفات التعبيرية الأخرى، ولاسيما البحر الجغرافي نفسه، كما أن أهل الإسكندرية – بوعي أو دون وعي – هم مخلصون تماماً لتاريخهم العريق الذي مزج وجدانهم من ريادة الزجل، وهو الأمر الذي أورثهم فنيات إضافية، تتعلق بموسيقا الأداء، كما تتعلق بما تُرجم فيما بعد بالسهولة واليسر وعدم الافتعال .
لذا من ناحية أخرى أجدها أكبر أهمية؛ نجد في تلك القصيدة بحمولتها الفنية التاريخية العريقة الممتدة منذ النديم وبيرم، صراعاً بين الشفهية والكتابية، فهي بالضرورة تمثل انعكاساً للوضع القائم من حولنا على أشده، في وسائل وآليات الإعلام والتعليم والاتصال، بل والفن أيضاً في الواقع، حيث تُعَدُّ الرسالة الشفهية قائمة؛ لكنها مُسْتَلَبَةْ بالكتابة، ولو تأملنا ما بين أيديننا من نماذج لشعر العامية السكندري، وهو ما يجب أن يكون الأقرب إلى الشفهية، بحسب نوعه اللهجي وتاريخه النوعي، سنجد أن مصر من أقصاها إلى أقصاها، في عصرها المترهل هذا، تعتمد نموذجاً شفهياً أحاديّ اللهجة، هو نموذج اللهجة القاهرية، بينما اللهجات الأخرى مغلوبة، غائبة أو مُغَيَّبة، إلا من رحم ربي، عند المتحققين من الشعراء الأصلاء، الذين حافظوا على لهجاتهم المحلية، سواء بدافع الوعي المجرد، كما عند بعض شعرائنا المعاصرين الواعين، أو بدافع الوعي العصبي العنصري، كما هو الحال في البيئات المغلقة كبيئة البدو؛ فبينما تُعد اللهجات البيئية لدى الشعراء وعياً مجرداً، كما هو الحال عند شعراء العامية، الذين ينطلق عمادهم الشعري من اللهجة؛ نجد أن هذا الوعي الشفهي تغزوه الكتابية كثيراً، فعلى شعراء العامية تحديداً أن يجعلوا اللهجة حاضرة في نماذجهم، فإخلاصهم للهجة، وللجانب الشفهي فيها، هو الحصن الحقيقي للهجة، وإلا فمن سيحفظ على بيئاتنا لهجاتها وخصوصيتها اللهجية.

• المصادر:

1 – إبراهيم محمد منصور: ذكريات بتموت كل يوم، سلسلة أدبيات – مختارات شعرية، إقليم غرب ووسط الدلتا، العدد العاشر 2008.
2 – أحمد زغلول: قصاقيص أحلام، سلسلة أصداف سكندرية/11، فرع ثقافة الإسكندرية2003.
3 – أحمد كامل: مشاهد من حدوتة عجوزة، ( د. م. – د. ن.) 2004 .
4 – أحمد مسعد: في ظِلّ إلهام رباعيات الخيام،(ترجمة إلى العامية)، الناشر: المؤلف، 2009.
5 – أمل درويش: وجع البنات، الناشر: المؤلفة، 2008 .
6 – تامر أنور: حدوتة قبل الموت، مركز المحروسة للنشر، ط- 1 ، القاهرة 2009.
7 – جابر سلطان: تحميض الصورة، سلسلة أصداف سكندرية/ 5 ، فرع ثقافة الإسكندرية [ تاريخ الدراسة المنشورة في مقدمة الديوان 7/12/2001].
8 – علاء إبراهيم: حاجة ضد الوسوسة، الناشر: رواد قصر ثقافة القباري، الإسكندرية 2008.
9 – محمد صلاح عطيطة: برغوت ، سلسلة أدبيات – مختارات شعرية، إقليم غرب ووسط الدلتا، العدد العاشر 2008.
10 – محمد صلاح عطيطة: مصر بتلعب، إصدارات هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالإسكندرية، 2008.
11 – محمد محمود طعيمة: إنما الأشعار بالنيات، مؤسسة حورس الدولية، الإسكندرية 2009.
12 – ميسرة صلاح الدي : شباك خجل، سلسلة مواهب شابة/2، وزارة الشباب واتحاد كتاب مصر، القاهرة 2006.
13 – وفاء بغدادي: الحتة اللي بتحلم فيّا، سلسلة أصداف سكندرية/6، فرع ثقافة الإسكندرية 2002.
14 – وفاء بغدادي: مش ملك لحد، الناشر اتحاد كتاب مصر ، القاهرة 2005.

• هوامش وأسانيد

1 - فؤاد حداد: قال التاريخ أنا شعري اسود، دار الكاتب العربي، القاهرة 1962.
2 - لاحظت في ديوان أمينة عبد الله "ألوان رغاوي البيرة الساقعة " إهداءَ شكرٍ للفنان ماهر شريف، ثم الإشارة إلى أنه قد سبق طباعة الديوان للمرة الأولى ضمن كراسات يدوية، والفنان ماهر شريف صاحب تجربة رائدة ومميزة وتحيي تقاليد مميزة في الفن الإسلامي رائدها الروحي محمد راسم وممن قبله المنمنمات الفارسية، مما جعلني أتصور أن الديوان في طبعته الأولى، في كراسات يدوية، خرج في شكل يُعد من أنسب الأوجه التي يمكن أن يُقرأ الديوان في صورتها؛ لأنه يؤكد ويدعم المعنى النفسي والوجداني الذي أجدني مشدوداً إلى معاملة الديوان بوساطته، إنه التلقائية والفطرية وملامسة الوجدان مباشرة دون وسيط طباعي كأنك تقيم حواراً حقيقياً وحياً بينك وبين الشاعرة.
3 - راجع حديثي حول تكرار الاستهلال في متن النص: حشوه وخاتمته، في: ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث – سوريا: اتحاد الكتاب العرب– دمشق 1996م.

***

شعرية الإقليم - قراءة نقدية في جماليات القصيدة السكندرية

شوكت المصري

يعدُّ المكان – بوصفه علامةً نصيّةً – أكثر مفردات الواقع تجلياً وتعددية في القصيدة العربية على امتداد تاريخها وأنماطها وتحولاتها، فمنذ أن شُغِل الشعراء ببكاء أطلال محبوباتهن في مطالع قصائدهم الجاهلية، مروراً بالاسترسال في تفاصيل القصور والبحيرات والحدائق في الفرائد الأندلسية، ووصولاً إلى الاغتراب والكشف عن علاقة الذات بعالمها المحيط فيما أنتجته الحداثة العربية من نصوصٍ شعرية، وليس انتهاءً بما تقدِّمه قصيدة النثر من الاستغراق المضني في سرد المكان ومفرداته بصورةٍ تفصيلية – منذ تلك البدايات الممتدة وحتى هذه النهايات المفتوحة والمكان يحقق عبر حضوره النصيّ نسقاً فكرياً شديد الخصوصية في الشعرية العربية على امتدادها واختلاف منتوجها النصيّ والجمالي، فالمكان ليس فقط ذلك الكيان الحامل لتواريخ الذات المتمركزة فيه فحسب، وإنما هو اللحظة الزمنية التي تُجلّي فيه الذات تلك التواريخ والوقائع داخل رؤيةٍ منتظمة ومتراتبة يحقق صيغَتَها النصُّ.

وانطلاقاً من هذا التحقق النصيّ تجلت محددات الشعرية في علاقتها بالمكان/العالم واقعياً كان أم متخيلا، وثابتاً كان أم متحولا، وهي رؤى تبنتها المدارس النقدية المختلفة، كالمدرسة الطبيعية ومن بعدها الرومانسية التي نظرت للمكان باعتباره إما واقعيا وإما متخيّلاً، والمدرسة الواقعية التي نظرت للمكان باعتبار ثباته وتحوّله، ونحن هنا لا ننظر إلى المكان بالاعتبار الأول ولا حتى الثاني؛ وإنما نقصد إلى اعتبار المكان دالاً نصيّاً له أبعاده الثقافية والاجتماعية، وله حضوره النصي الذي تختلف مدلولاته وجمالياته ونواتجه، تبعاً لاختلاف المحددات الفنية والنوعية التي يحققها النص عبر انتمائه لوجهاتٍ شعريةٍ أو تقنياتٍ كتابيةٍ بعينها، بل ونطمح إلى المقارنة بين هذه النواتج الجمالية، حيث البحث عن المكان عبر كيفية الخلق الحسي للصورة الشعرية وتوليد جمالياتها داخل النصوص الشعرية المختلفة، وبخاصةٍ لدى الشعراء السكندريين المعاصرين، في مقابلةٍ بين مدرستين شعريتين: الأولى يمثلها نموذجان من شعراء التفعيلة وهما: الشاعر أحمد فضل شبلول في ديوانه "امرأة من خشخاش"، والشاعرة رضا محمدي في ديوانها "البلاد التي أشتهيها وجعٌ أخير"، أما الثانية فيمثلها نموذجان من شعراء قصيدة النثر هما: الشاعر علاء خالد في ديوانه "كرسيان متقابلان"، والشاعر صالح أحمد في ديوانه "الرائي وقداس الحجر". والملاحظ في هؤلاء الشعراء انتماء كل اثنين منهما –على اختلاف الانتماء الفني – إلى مرحلة عمرية واحدة، حيث يتشارك شبلول وعلاء خالد في مرحلة عمرية متقاربة، وكذلك الأمر بالنسبة لرضا المحمدي وصالح أحمد، حتى لا يظنّن أحدٌ أن قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر هي اختياراتٌ ضرورية لجيلٍ بعينه، وإنما كلا الاختيارين هما وجهةٌ نصيّة تحتكم فقط للرؤى الجمالية والفنية التي يتبناها الشاعر ويطمح إلى تحقيق ذاتيته وفرادَتِه داخلها.

ولعله من الواجب علينا قبل الولوج إلى عالم هذه النصوص الشعرية المتميزة الوقوف على بعض المحددات الرئيسة فيها، وأولها مفهوم الشعرية الذي يختلف على مستوى الممارسة النقدية طبقاً لاختلاف التجربة النصية التي هو بصددها، فالشعرية كما يرى أستاذنا الدكتور محمد فكري الجزار "سمة نصٍ ونتاجه، أما كونها سمة نص فلكونها تقيم مسافة اختلاف ومغايرة بين لغة النص واللغة عموما في مجمل أداءاتها، مسافةٌ تسمح باستثمار إمكانات العلوم والمعارف اللغوية وتحويلها إلى أدوات قراءة. وأما كونها نتاج النص فلأنها إجرائياً مصطلح يحيلُ إلى حركة بعض عناصر النص اللغوي باتجاه عناصر النص الأخرى كافة، لتعطّل فاعلية النظام اللغوي عن إنتاج الدلالة الشعرية، وتحفِّز إمكان وجود نظام آخر (ثانوي) خاص بعملية الإنتاج هذه."( )، ويخلُص الدكتور الجزار إلى حقيقةٍ مؤداها أن الشعرية تعدُّ سمةً نصية على مستوى التنظير، ومجموعةً من الاستراتيجيات على مستوى الإجراء، فحين تناولنا لتحليلٍ نصٍ شعري على وجه الخصوص، نجد أن لكل نص شعري استراتيجياته الخاصة ، التي تجعل من شعريته نتاجاً غير قابلٍ للتكرار، إلا إذا وضعنا، والكلام نقلاً عن أستاذنا بالنص،" إلا إذا وضعنا للتكرارِ مفهوما ينفي عنه مفهوم النسخ، ويجعله محيلاً إلى عددٍ من الخصائص العامة، داخل نصوص معينة، يجمع بينها معيارٌ ضابطٌ لاختلافاتها ومؤوِّلٌ للخصائص الأخرى بها"( ). إذا فالشعرية مجموعةٌ من الاستراتيجيات المحدِّدَة لسمات النص ونواتجه الدلالية والجمالية، تلك السمات التي تحقق عبر تكرارها (تواجدها في مجموعة نصوص متعددة) خصائص عامة تضبط الاختلافات بين النصوص.

ولكن هل ثمة علاقةٍ بين مفهوم الشعرية ومفهوم الإقليم؟! إن علينا بدايةً تحديد مفهوم الإقليم، وهو مصطلحٌ جغرافيٌ تتعدد تعريفاته تبعاً للوجهة النظرية التي تتبناه، فللإقليم مفهوم ترابي أو مناخي أو نباتي أو تضاريسي أو اقتصادي أو سياسي، لكن الإقليم كما تعرِّفهُ الموسوعات الجغرافية بشكله المتسع "هو المدلول الشامل للعناصر الجغرافية، سواءً العناصر الجغرافية الطبيعية وما تتضمنه من مدلولات مناخية وترابية ونباتية وتضاريسية، أو العناصر الجغرافية البشرية وما تتضمنه من مدلولات اقتصادية واجتماعية وسكانية مختلفة الجوانب. إنه مدلول لا يرتبط بالمفهوم النطاقي ولا يتقيد به، أي إنه لا يرتبط بالضرورة بأشرطة أو أحزمة أرضية تتفق مع عروض جغرافية أو نطاقات مناخية أو نباتية أو طبيعية أخرى محددة، بل يرتبط بمساحة معينة من سطح الأرض لها خصائص واحدة أو متقاربة جداً وفيها مواصفات طبيعية وجغرافية أخرى تميزها عن إقليم جغرافي آخر."( ). ولعل هذا التعريف الشامل يحيلنا -انطلاقاً من المدلولات الاجتماعية -إلى البنية المعرفية التي تحققها مجموعة العناصر الثقافية التي تميّز إقليماً جغرافياً ما عن غيره من الأقاليم المجاورة له، على أن هذا الفصل الدقيق والمحدد صعبٌ جدا في مجال الثقافة والفن إن لم نقل باستحالته المطلَقَة، وذلك لأن العناصر الثقافية لا تعرف التحديد القطعي الذي تحققه الحدود الجغرافية المحدّدة بدوائر العرض وخطوط الطول، فثمة اتساعٌ مفروضٌ بديهياً للإقليم الثقافي وحدوده الافتراضية على حساب الإقليم الجغرافي بحدوده المتعيَّنة.
من هنا كانت ضرورة تحديد المكان (مكان الذات) كضابطٍ لاتساع مفهوم الإقليم حال كوننا في إطارٍ فنيّ يمثله الشعر وتعبِّر عن حدوده القصائد، فلا محيص عن وجود مؤثرات إقليمية عامة تفرضها التضاريس والسمات الجغرافية العامة التي تميِّز بقعةً جغرافيةً ما عن غيرها من البقاع والأقاليم، وفي المقابل لا محيص أيضاً عن وسم كلِّ ذاتٍ لمكانها دليلاً على مركزية وجودها فيه وخصوصيّة رؤيتها له، ذلك التقابل الذي تكشف عنه النصوص التي بين أيدينا، إذ نجد مفردات الإسكندرية مبثوثةً في مفتتح قصيدة أحمد فضل شبلول "الظلام أميرٌ على العالمين" إذ يقول:

" لماذا تهبُّ الرياحُ على أبحري
وفي الموجِ بعضُ الرماد
وفي الأفقِ كلُّ الغمام " ( )

وهو ما تبثُّه أيضاً الشاعرة رضا المحمدي في القصيدة الافتتاحية لديوانها، إذ تقول:

"على شطوطِ الوهمِ
تمثالُ الحقيقة من بعيدٍ..
قد تراهُ ملوّحاً
قد أسقمتهُ عواصفٌ
ألقت به الأمواجُ..
تشربُهُ الهزائم.."( )

إن المكان في المقطعين الشعريين السابقين يوهم بالمركزية عبر الحضور الغالب لمفردات: الرياح، الموج، الأفق، الغمام (لدى شبلول) والشطوط، العواصف، الأمواج (لدى رضا)، لكن هذا الإيهام بالمركزية ينكسر عبر ما تقدمه الذات من تصورات شديدة الخصوصية عن تلك المفردات داخل نصها الشعري، وذلك عبر العلاقات الإسنادية التي تنخرط فيه هذه المفردات، فشبلول يضيف ياء الملكية إلى الأبحر لتصبح "أبحري" ويكشف عن رؤيةٍ مغايرةٍ لموجٍ احترق فامتزج به الرماد، بينما وصفت رضا المحمدي شواطئها بالوهمية، وألقت لها أمواج بحرها تمثالاً لحقيقةٍ أسقمتها العواصف وشربتها الهزائم.
وبالمقابل قامت شعرية قصيدة النثر بنقيض ذلك، فبينما أوهمت دوالها بمركزية حضور الذات وتصوراتها عبر رصدٍ شديد التفصيل لمفردات مكان الأنا وعالمها الخاص، إلا أن مفردات واقعٍ عام لم يغب عن ذلك الحضور النصي للمكان، فلا نفتأ أن نجد بين حينٍ وآخر إطاراً مكانياً عاماً يفرض حضوره داخل فضاء النص، وإن كان غير مصرحٍ به في ظاهر النص، يقول علاء خالد في قصيدته "كرسيّان متقابلان":

" كانت أمّهُ قد ماتت،
وبقي هو يتتبّعُ آثارها
في هواءِ الصباحِ الباكرِ
في حنانِ الشايِ
في قطعةِ البِسْكِويتِ
التي كانت تدفعها دفعاً إلى فمهِ
فينفرطُ جزءٌ منها على الأرض.
.. ..
وعندما تصلُ الشمسُ إلى حافةِ الإفريزِ
ويتبدّل الهواءُ الأموميُّ
وتنكشِفُ تلكَ الطبقةُ الحزينةُ من الغبار
عندها يقفُ في مهبِّ أحزانٍ صباحيةٍ
لا تُقاوَمُ بالحنين."( )

ها هو المكان يتجلى لنا داخل النص خاصاً ومغايرا، إنه آثار الأم التي يتتبعها ابنها في تفاصيل صغيرة ليس فقط تعبّر عن المكان وإنما تحمله (هواء الصباح، حنان الشاي، قطعة البسكويت المفتتة على الأرض، الكرسي الفارغ، حافة الإفريز، طبقة الغبار الحزينة)، مكانٌ يحمل تفاصيله الخاصة لكنا لا نعدم أن نلمس طابعاً عاماً (سكندرياً) تحمله مفردات (الهواء، الشمس، المصب) مفرداتٌ قائمة بالفعل داخل اللاوعي التعبيري –إن جاز هذا الاستخدام -تفرض وجودها في ثنايا المشهد، وهو ما نلحظه أيضاً لدى صالح أحمد وبنفس التقنية، وإن بشكلٍ مغاير في قصيدته "الرائي وقداس الحجر" إذ يقول:

" إن بلدتنا وهي التي
ربما درجت صوبنا ناضرةً..
يطيفُ بها البرفانُ
أو أرسلت بسمةً وانيةً والهواءُ الساحليُّ يحف بأطرافِ
فستانها الروز..
لم تكن تظهرُ لي إلا كاملةً
بهيكلها العظميّ
والشرايينِ
والأحشاءْ. " ( )

من هنا يتبدى المكان دالاً مركزياً في القصيدة السكندرية، فمفردات تلك المدينة تفرض طابعها الخاص على نصوص مبدعيها ولكن بأشكال مغايرة ومتباينة، وذلك ما يدفعنا للشروع في الكشف عن طبيعة حضور ذلك الدال الوجودي (المكان) داخل القصيدة السكندرية، والوقوف أمام الفوارق المائزة بين حضور المكان داخل قصيدة التفعيلة وحضوره داخل قصيدة النثر، وهي مقاربةٌ وليست مقارنة، فليس مناط الأمر إعلاءٌ من تقنيةٍ كتابية على حساب أخرى، ولا مفاضلةٌ بين توجّهين شعريين لكلٍ منهما محدداته الفنية الخاصة ونواتجه الجمالية المغايرة، وإنما هي قراءةٌ تحاول الوقوف على مجموعةٍ من الخصائص الفنية والجمالية المميّزة لكلا الاتجاهين، بهدف الكشف عن شعرية كلٍّ منهما لحظةَ تجسدها نصاً، عبر دال المكان الذي يعبّر ليس فقط عن المساحة المحيطة بالذات والتي تشغلها تجربتها، وإنما عن العالم والوجود الذي تحقق فيه الذات صيغة وجودها وإمكانات تحققها وفاعلية حركتها. وذلك عبر ثلاثة محاور تؤطر حضور دالّ المكان، هي:

أولاً: التجربة المكانية (جدلية الذات والموضوع).
ثانياً: الصورة والمكان (مشهدية التخييل وتفصيلية الواقع).
ثالثاً: الشعرية والمكان (الوسيلة الدلالية والغاية الجمالية).
أولاً: التجربة المكانية (جدلية الذات والموضوع)

يتبدى الفارق الأول بين تناول القصيدة التفعيلية للمكان وتناول قصيدة النثر له في موقع المكان من التجربة الوجودية التي يعبِّر عنها النص الشعري، فبينما يستخدم الشاعر التفعيلي المكانَ باعتباره موضوعاً حاملاً للتجربة الذاتية؛ فإن شاعر قصيدة النثر يستحضر المكان بوصفه ذاتاً حاملةً لتجربتها الوجودية، وهو أمرٌ أشبه بالفارق القائم بين التجريب والتجريد، إذ ينحو الشاعر في التجريب نحو استحضار بعدٍ وجودي جديد للمكان عبر استخدامه الافتراضي له داخل سياق نصه، مما يجعل من المعنى الكليّ رهنا بما يمكن لهذا الاستحضار من تحقيقه داخل موضوع القصيدة/ النص، بينما في التجريد ينحو الشاعر إلى عملية اختصار واختزال المفردات والأبعاد العامة للمكان والاحتفاظ فقط بخصوصية محتواه آن ارتباطه بالأنا وتجربتها، مما يجعل من المعنى قرينةً نصيّة يفرضها المبدع وليس احتمالا قرائياً يستخلصه المتلقي أو يؤوله تبعاً لتأويلاته ورؤاه.
إن أحمد فضل شبلول ورضا محمدي يقدمان داخل نصوصهما المكان في صيغته التجريبية، أي بوصفه موضوعاً حاملاً للتجربة التي تخوضها الذات، وهو ما نلحظه في توظيف المكان لخدمة موضوع النص في قصيدة شبلول "كفٌ وسيف" التي يقول فيها:

" كيفَ أقولُ بحاري جميلةْ
وبيروتُ تجهلُ أين تنامْ..؟
وكيف أغني: بلادي.. بلادي
وبيروتُ ليست على ما يرامْ..؟
وكيفَ سأسبح ُ في "المنتزه"..
ولبنانُ يسبَحُ تحتَ الركامْ..؟
وكيفَ سأدعو لحبِّ السلامْ
ونحنُ نعانقُ هذا الظلامْ..؟"( )

وكذلك تفعل رضا محمدي في قصيدتها "تفاحة السلوى" حين تقول:

" يا عينَ حُسّادِ البزوغْ،
موتوا بغيظكم اللئيمْ ،
إسكندريةُ ..
بحرها ملكُ الجميعِ ،
ودُرُّها.. وقفٌ على فردٍ أحد
إسكندريةُ –فورةُ الأشعارِ-لا تسقي
لأربابِ الهوى خمراً
فموتوا .. أو تمنوا صفحها
فهي الرؤومُ..،
ولو يجورُ الطفلُ أو يلقي الحجارةَ،
حِجْرُها .. دفءُ المدائنِ
شِعرُها .. بيت القصيدِ المستحب" ( )

إن شبلول يستحضر بيروت في نصه السالف استحضاراً يهدف إلى الكشف عن الموضوع عبر المقابلة، ويهدف أيضاً إلى تجلية موقف ذاته المبدعة من الأحداث الواقعية الدائرة، وكذلك تفعل رضا المحمدي إذ تستحضر الإسكندرية كما تراها هي أو لنقل كما تريد أن تراها (سدرةٌ سحريةٌ، ملكٌ للجميع، فورةُ الأشعار، بيتُ القصيد)، هذا الاستحضار الذي يتبدى فيه المكان موضوعاً حاملا للتجربة التي تعيشها الذات المبدعة.
وفي المقابل نجد الشاعرين علاء خالد وصالح أحمد يقدمان المكان داخل نصوصهما في صيغته التجريدية، أي بوصفه ذاتاً حاملةً لتجربتها الوجودية، ذاتاً تقف بموازاة الذات المبدعة، فارضةً نفسها ومستقلةً بحضورها داخل النص، وكأن الذات المبدعة لا تتحكم مطلقاً في آليات ذلك الحضور أو طبيعته، وهو ما يتبدى فى نصوص علاء خالد وبخاصةٍ في قصيدته "قلب البصل" التي يقولُ فيها:
" أعيشُ على ذكرى مكانٍ آخرٍ ولدتُ بهِ، ولِدتُ بدمشقَ في الفجرِ، كانَ أبي مبعوثاً هناكْ، وفي شهادةِ ميلادي كلمةٌ غريبةٌ وهي "الإقليم الشمالي". لا أذكُرُ أيةَ تفاصيلَ عن هذا المكان، ولكن ربما رائحة منهُ تنفستها وتسربت عبر هذه السنين، رائحةُ جليدٍ يصعد الجبل.. هكذا حكت أمي، أن يومَ ميلادي صادفَ تكاثرَ الجليدِ فوق الجبل. هذه الرائحةُ تجعلني أتخيّل المستقبل ولهُ أبجديةٌ مُناخية مختلفة. ثلجٌ فوقَ الأشجار، أو رملٌ يعلقُ بذيلِ حذائي عند دخولي البيت.... آلافُ الأمكنة التي تتخلّقُ في رمل الذكرى. حتى أنسى المكانَ الوحيدَ الذي كان السببَ في كلِّ هذا الحزن، في هذا الانقسامِ الذي لا يسقطُ بالتقادم."( )
وهو ذات التجريد الذي يقدمه صالح أحمد للعالم كله في رؤياه الثانية من قصيدته "الرائي وقداس الحجر" إذ يقول:

" الشعراءُ أولادُ سفاح
خطأً أنجبَهُم العالمُ
يتبرؤون من أبوّته فيُعْلِنَهُم ملعونين،
يكفرونَ بمعبوداته المطاطية فيطرُدهُم خلعاءَ
يتسللون في الليلِ إلى غرفته
ليحطموا النياشينَ والأوسمة
(كانَ يشدُّ قامَتَهُ
ويجهرُ بالأناشيدِ الحماسيّةِ
وهو يفخَرُ بها أمام الضيوف)
...
وذاتَ صباحٍ يجلُسُ إلى مكتَبِهِ
ليدوِّنَ في الكتب المدرسيةِ:
أرأيتم يا أولادي ، كم أن أباكم عظيمٌ .. لينجِبَ مثلَ هؤلاء العباقرة. "( )

إن صالح أحمد يقدم تجريداً للمكان (العالم) داخل نصه الشعري، فيتبدى ذلك المكان ذاتاً مستقلةً بتجربتها الوجودية، ذاتاً لها ملامحها التي يوهم النص بعدم تدخل كاتبه في رسم تفاصيلها، وإنما هو فقط يرصدها ويحاول الإمساك بتفاصيلها داخل نصه، وهو ما يوهم به نص علاء خالد أيضاً في رصده للمكان (دمشق)، وتحديداً "الإقليم الشمالي" الذي فرضَ حضوره المستقل على الذات المبدعة التي تصرّح (لا أذكر أية تفاصيل عن هذا المكان)، بينما المكان ذاتٌ تتسرب إلى قلب النص وتفرض مفرداتها عبر (رائحة الجليد، الجبل، ثلجٌ فوق الأشجار، رملٌ يعلق بذيل حذائي)، بل إن ذلك المكان/ تلكم الذات تتأبى على النسيان فلا (تسقط بالتقادم).

ثانياً: الصورة والمكان (مشهدية التخييل وتفصيلية الواقع)

يحقق حضور المكان تمايزاً آخرَ بين النصوص التفعيلية ونصوص قصيدة النثر التي بين أيدينا، وذلك على مستوى آخر من مستويات حضور دالّ المكان داخل القصائد الشعرية، ألا وهو صورة المكان داخل هذه النصوص وطبيعة تناوله فيها. والملاحظ في هذا الجانب أن النصوص المنتمية للشعر التفعيلي تجنح نحو المشهدية والتخييل في تصويرها للمكان، بينما تجنح النصوص المنتمية لقصيدة النثر نحو التفصيلية ورصد الواقع في تصويرها له، ونقصد بالمشهدية والتخييل تقديم المكان عبر إطارٍ كليّ يحمل داخله كافة العناصر المكونة لذلك المكان، حتى تلك العناصر غير المذكورة نصاً (غير المنصوص عليها داخل القصيدة)، والاعتماد على العلاقات المجازية والوصفية في إحداث الترابط بين تلك العناصر وبعضها بعضاً ومن ثمّ بين المكان وبنية النص الشعري ككل. وهو ما تجسّده رضا المحمدي ببراعةٍ في قصيدتها "عودة"، والتي تقولُ فيها:

" الشمسُ صالحَتِ المدى
فتألّقت كلُّ الفراشاتِ، انتعشْ
قلبُ الجليدْ،
أصبحتُ أشدو للمرايا غنوتي
.. ..
الكونُ عُرسي
والسماءُ وصيفتي
ويدايَ ضارعتانِ،
فامدد.. واسقني شهدَ القصيد،
أيقنتُ أن المنتأى.. عنك احتراق
آنستُ نارَكَ في دمي
ألفيتُكَ المهدَ – النشورَ
إلى الـوطن،
ألفيتُ في..
عينيكَ داري"( )

لقد أعادت رضا توصيف مفردات المكان عبر إدخالها في علاقات نحوية تُسهم في تغليب الطابع الذهني على الطابع الحسي داخل النص، بدايةً من سطر قصيدتها الأول (الشمسُ صالحت المدى)، ومروراً بالعلاقة الإسنادية (قلب الجليد)، ثم التوصيف الموجَّه للجملتين الاسميتين (الكونُ عرسي والسماءُ وصيفتي)، وحتى المنتهى بـ (ألفيتُ .. داري)، ذلك الطابع الذهني الذي يدفع المتلقي نحو إعادة تشكيل المكان داخل إطار مشهدٍ كلي لا تنفصل جزئياته عن بعضها بعضاً، وكأنها تتكامل وتتحد ضد أية محاولةٍ للاجتزاء أو الفصل أو تغليب عنصرٍ منها على حساب عنصرٍ آخر، وكأننا أمام لوحةٍ متكاملة أعادت الشاعرة ترتيب عناصرها وفق رؤيتها وعنونتها بعنوانٍ دالٍ على ذلك بـ "عودة". وبنفس التقنية المشهدية المستغرقة في التخييل نجد المكان لدى شبلول يتسم بالصورة ذاتها، كما في قصيدته "القيام الأخير"، والتي يقولُ فيها:

" أغني لكلِّ شهيدٍ
أزاحَ الترابَ عن الأحرفِ الشائهة
وحلَّقَ فوق سماءِ العلا
.. ..
أغني لكم أجمعين
فلا زالَ في النهرِ ماءٌ
يلاطفُ ماءً،
ولا زال في الفجرِ ضوءٌ
يغازلُ ضوءاً،
ولا زال في البحرِ موجٌ
يسابقُ موجاً
ولا زالتِ اسكندريّةُ
ترسلُ سِحرا وَوُدّاً
إلى العالمين.."( )

أما المكان في قصيدة النثر فيتميز حضوره بالتفصيلية الواقعية، بمعنى أنه يتبدى كمجموعةٍ من المفردات المتجاورة سواءً أكانت تنتمي لسياقٍ واحدٍ يجمعها أو ليست كذلك على الإطلاق، هذه المفردات تحقق عبر حضورها داخل النص بعداً دلالياً لا يعتمد على المجازية وإنما يعتمد على تحقيقه لصيغةِ الواقع أو تطابقه معها، وهو حضورٌ ربما يوهم بالمباشرة والسطحية، لكنه يحمل على العكس من ذلك تماماً إعادةً لقراءة المفردات (المكوّنة للمكان) من وجهةِ نظرٍ خاصة، إنه أمرٌ أشبه باللقطة السينمائية التي تتجه فيها الكاميرا راصدةً تفاصيل المكان الذي تدور داخله الأحداث، وهو ما يمثله تصوير الشاعر علاء خالد للمكان في قصيدته "خطوةٌ معلَّقَة" والتي يقول فيها:

"يقولونَ عنهُ
أصبحَ يكلِّم نفسَهُ كثيراً،
يفتحُ الصنبورَ وينتظِرُ أمامهُ،
لا يقفُ في طريقِ المياه.
يجلِسُ لساعاتٍ على كرسيّ،
لا يقوى على تحريكِ أفكارِهِ
أبعدَ من النافذةِ المغلقةْ.
يقولونَ عنهُ
أصبحَ يتحسَّسُ الجدرانَ الباردةَ بأذنيه
بحثاً عن لصٍّ قريب
يؤنِسُ وحدَتَهُ الملساء.
.. ..
وعندما يقومُ من كرسيِّهِ
لا يعرفُ مصيرَ الخطوةِ المعلّقَة،
كأنهُ دخلَ متاهةً بلا قدمين" ( )

إن علاء خالد ينقل أدق تفاصيل ومفردات المكان داخل قصيدته، لكنه نقلٌ منضبط يحتَكمُ إلى زاوية الرؤية التي تنظر منها الذات إلى المكان المستَهدَف، وذلك بإلقاء بقعٍ من الضوء على عناصر بعينها لتشغل وحدها مركزية الوجود والتدليل داخل الصورة (الصنبور، الماء المتدفق، الكرسي، النافذة المغلقة، الأفكار الثابتة [أيضاً]، الجدران الباردة، الوحدة الملساء)، وكأن الشاعر في قصيدة النثر يعمد إلى بعثرة المكان ثم إعادة التقاطه مرةً أخرى داخل النص، وهو ما يقوم به أيضاً صالح أحمد داخل نصوصه ولكن عبر تقنيات مغايرة، وإن كانت تقنياته في تصوير المكان لا تنتمي بكلّيتها إلى تقنيات قصيدة النثر، فبعضها ما يزال منتمياً لتقنيات القصيدة التفعيلية، ربما لأن هذا هو ديوان صالح أحمد الأول، وربما يكون المزج بين تقنيات المدرستين متعمَّدٌ من الشاعر، وهو أمرٌ موقوتٌ بما سيقدمه من نصوص شعرية قادمة، يقول صالح أحمد في قصيدته "في سدوم":

"إنني أضحكُ!
الزجاجةُ قامت على حافةِ المنضدة
نصفها قلقٌ..
نصفُها الآخر تُغريهِ نقشَةُ سجادةٍ في الفِراش.
.. ..
ها أنتَ تطرُقُ باباً فبابا
كلُّ وجهٍ خلائطُ ألوان،
كلُّ لونٍ وقد صيغُ من ناحية
كيفَ تُقرَاُ هذي الوجوه؟!
وسدومُ تدبِّجُ ضحكتها
خلفَ خطوتيَ الخائبة.. "( )

إن نقل مفردات المكان (الزجاجة، حافة المنضدة، نقش السجادة) ينتمي إلى آليات رصد المكان في قصيدة النثر، وبالمقابل نجد (الباب، وخلائط الألوان، والسدوم، والخطوة الخائبة) عناصر تم توظيف حضورها عبر التخييل والمشهدية اللذين تحدثنا عنهما سابقاً في معرض تصوير المكان داخل القصيدة التفعيلية، وصالح أحمد يراوِحُ بين التقنيتين في ديوانه هذا، بل ويعلن ذلك من أول عنوان الديوان مجاوراً بين عنصرين هما: "الرائي" بكل ما يحمله هذا التعبير من خصوصية الرؤية للمكان وارتهانها بوجهة نظر الذات، و"قداس الحجر" وما يحمله هذا التعبير من أفق مجازي له أبعاده المعرفية والدلالية الخاصة.

ثالثاً: الشعرية والمكان (الوسيلة الدلالية والغاية الجمالية)

يحقق حضور المكان في هذا المحور الثالث تمايزاً آخر بين نصوص قصيدة التفعيلة ونصوص قصيدة النثر، ذلك التمايز الذي يتبدى هنا في الناتج الدلالي والجمالي الذي تطمح النصوص إلى تحقيقه، فالمكان في القصيدة التفعيلية هو وسيلةٌ لإنتاج الدلالة ومن ثمّ تحقيق الجمالية، بينما المكان في قصيدة النثر هو غايةٌ في حد ذاته، حيث يعمد الشاعر إلى إعادة صياغته وتفعيله داخل نصِّه الشعري ليشكّل ـ بوصفه عنصراً من عناصر النص ـ وجوده الدلالي والجمالي المستقلّ، وليس فقط التعامل معه كوسيلة لفتح الأفق الدلالي على مستقبليات قرائية وتحقيق البعد الجمالي داخلها كما هو الحال في القصيدة التفعيلية.
ولذلك نلحظ في عناوين الدواوين المنتمية لقصيدة النثر استهدافها المكان كعنصرٍ نصيّ مستقل بذاته، يفرض حضورَه الدلالي الخاص داخل بنية النص الشعري، ففي ديوان صالح أحمد نجد ثلاثة عناوين، من أصل ستة هي عناوين قصائد الديوان، قد احتوت على مفردات خاصة بالمكان وهي (الحجر، حاجز، سدوم)، بينما شغلت مفردات المكان معظم عناوين ديوان علاء خالد، بدءاً من العنوان الرئيسي للديوان "كرسيان متقابلان"، وحتى آخر قصيدةٍ فيه "حافةٌ مضيئة"، بل إن الديوان نفسه انقسم إلى جزءين رئيسين احتويا قصائده، جزءين أو لنقل إنهما كرسيان كما أعلن علاء في عنوانه، اختار لهما الشاعر عنوانين يحملان مركزية حضور المكان كغايةٍ دلاليةٍ في حد ذاتها، هذان العنوانان هما: (جيرة دافئة) و(سنواتي الجميلة)، وإذا كان عنوان الجزء الأول (جيرةٌ دافئة) قد أعلن صراحة عن حضور المكان كدال شعري مستقل، فإن الجزء الثاني (سنواتي الجميلة) حمل هو الآخر البعد ذاتَه، ولكن من خلال إضمار لشرعية حضور المكان عبر المدة الزمنية التي يُقاسُ بها، فالمكان في الفلسفة الوجودية يحمل بعداً زمنياً يتحدد فيما يُقاس به سواءً في طول المكان أو في عرضه بل وحتى ارتفاعه، ولا يمكن لنا الحديث عن مكان لا يرتبط بزمان محدد إلا إذا اخترقنا حدود الجاذبية الأرضية ونفذنا عبر أقطار المجرّة. ولذلك فقد اتسمت عناوين علاء خالد بتحقيقها للمكان كعنصرٍ دلالي مستقلّ يفرض نواتجه الجمالية الخاصة، وهذا ما يُلحظ في عناوينه: (المهام الخشنة للبيوت، ماراتونات ضاحكة، جيرةٌ دافئة، 9 شارع قرداحي، سنوات الطفولة العمياء، كرسيان متقابلان، خطوةٌ معلّقة، الجدران الخشنة للمستقبل، قلب البصل، حياةٌ تسيرُ على الجدران، حافةٌ مضيئة).
وبعيداً عن عناوين القصائد التفعيلية لشبلول ورضا التي جاءت كوسيلة لدخول عالم النصوص الشعرية، وكحاملٍ لموضوعات القصائد ورؤى الذات المبدعة فيها، فإن المكان داخل القصائد حقق أيضاً حضوراً أقرب إلى التوسل الدلالي بعناصر المكان ومفرداته لإنتاج المعنى الكلي للنصوص، وهو ما يتجسد في قصيدة "غضب" لرضا محمدي التي تقولُ فيها:

"يا لاحتضار الروحْ!!
كيفَ العيونُ الـ (عربدت)
فيها النصالُ بمذبحِ النجوى..
تَراني؟
-هل ترى –
نجماً هوى..
وحلاً تخضّبَ بالسفوحْ!!
يا قِبلَةً بيضاءَ دوَّت
في طرائقها الخطيئةُ
والقيـــوحْ
يا كعبَةَ الأقداس،
دنَّسَها الطغاةُ ، الفيلُ يرفُلُ
في الحريرِ.. بعينه
نهران من دفلى
وبحرٌ من عدمْ"( )

وهو ما يحققه أيضا الشاعر أحمد فضل شبلول في ديوانه وفي أكثر من نص وعلى مستوياتٍ عدّة، إذ يتم توظيف مفردات المكان داخل النص الشعري بغيَةَ الوصول به، متضافراً مع عناصر النص الشعري الأخرى، إلى تحقيق الدلالة الكلية التي ترغب الذات المبدعة في توصيلها للمتلقي عبر مرسَلَة النص، وهو ما تؤكده قصيدة شبلول التي يرسم فيها ملامحَ جغرافية خاصة للشرق، تختلف عن تلك التي تتبدى وسط الخراب الذي يعكسه الواقع الفعلي لهذا الشرق، يقول شبلول في قصيدته "شرقٌ جديد":

"سأمدحُ نفسي كثيرا
أقبِّلُ روحي طويلاً
لأني.. برغم الحصارِ
وعمق الدمارِ
وهذا الخرابِ المدوّي
تنفَّسْتُ يودَ البحارِ
ووردَ الجبالِ
وأرزَ الجنوبْ
وأعلنتُ أني سأحيا بقوّةِ زلزالِ "تدمرْ"
سأحيا هنا في بلادي
بنبض لغاتي
وفكرِ فؤادي
ودفء القلوب"( )

وفي مقابل ذلك التوسّل النصي بالمكان لإنتاج الدلالة وتحقيق خصوصية جمالية عبر النص الشعري التفعيلي، نجد شعراء قصيدة النثر كما أسلفنا يستهدفون المكان في حد ذاته، أي أنهم يجعلون منه غايةً وليس وسيلة، إنه دالٌ يُحقق جمالياته الخاصة المستقلة داخل النص، دونما انتظار لأفق قرائي مُنتَظَر إلا ذلك الأفق الذي يستطيع إعادة قراءة مفردات الواقع كما يقدمها النص الشعري وليس العكس، وكأن الشعرية هنا صوابٌ وحيد لا سبيل لمحاكمته أو مساءلته إلا بحيثياته التي يفرضها، ولننظر سوياً إلى استهداف المكان في آخر قصيدة بديوان صالح أحمد، والتي يقول فيها:

"يقعي على الناصية الكلبُ،
وهذي المرأة الشحاذةُ كم هي راغبةٌ في الحياة،
صاحبهُ الذي قرَّ في روحِهِ بعضُ جُذاذٍ
من الحلمِ الثوريّ ممتزجاً بدمه
صارَ يحيك التقاريرَ لأجهزةِ الأمنِ
ويعيشُ على الصدأِ المتجمِّعِ في قاعِ المدينة.." ( )

والتي يستمر صالح في استهداف المكان ومفرداته داخلها، معيداً ترتيب عناصره وأولويات حضورها، حتى نهاية نصّه ومختتم ديوانه الذي يقولُ فيه:

" هوت الشمسُ من بعدِ رقصتها الهمجيّةِ
متعَبَةً عند مضطجع البحرِ..
الميادينُ خبت ضجّتها،
العصافيرُ علا صوتُها من كلِّ اتجاه،
كانَ ضوءٌ خافتٌ
يسقُطُ في واجهةِ المحرابِ
عندما أُدخِلُ أوّلَ ساقٍ
إلى المسـجـد" ( )

وهو ذات الاستهداف للمكان، كغايةٍ دلاليةٍ وجمالية، الذي يحققه علاء خالد وبطول ديوانه "كرسيان متقابلان"، فلا يكاد يخلو مقطعٌ من قصائد الديوان من هذا الاستهداف الجمالي، وكأنما الشاعر يعمدُ عمداً إلى كشف المكان وتعريته كما هو على حقيقته بل ودونما أية رتوش ومساحيق تجميلية، وكأن علاء خالد يرى في كلّ مكان جمالياته التي تعلو على أيّة شعريةٍ مصطَنَعة، إننا نلحظ ذلك في كثيرٍ من قصائد الديوان، في وصفه لمحل جاره "المكوجيّ"، إذ يقول:
" كان عاشقاً للأخشابِ القديمة، يسيرُ بحذاءِ الحوائط، وعينُهُ على الأرض.. أيُ خشبةٍ ملقاةٍ في الطريق لها مكانٌ في خيالِه..
..لم يتخلّ يوماً عن كلمة "أستاذ" التي يناديني بها، لا يسهو أبداً عن الجدار الفاصل بيننا، عن البحث عن سببٍ ما لينقر ثقباً، ليرشقَ مسماراً يزيدُهُ تعلّقاً بهذا الجدار" ( )
وكذلك الأمر في قصيدته "الجدران الخشنة للمستقبل" التي يعيد فيها علاء للمكان جمالياته التي تعيشها ذاتُهُ واقعياً، إنه يعيد استقراء كل المفردات كاشفاً عن حقيقتها الكامنة خلف سطحها الظاهري المباشر، يقول علاء خالد في قصيدته:

"كانَ يأتي محتشداً بسلطةِ الصداقةِ الجارحة
تتحوّل الغرفةُ إلى أنقاضٍ من الكلام
وكتبٍ مفتوحةٍ عند المنتَصَف
واستشهاداتٍ من كلّ بقعةٍ ساخنة
نقلِّب معاً صورَ الموتِ المكتوبة.
عينُهُ كانت لا تستقرُّ إلا على درجةٍ عاليةٍ
من السلّم الموسيقي للبكاء.
نصعد لأعلى مختصمينِ في مرآةٍ الطفولة،
كنتُ أحبُّ دوراني ، التخبّطَ في الجدران الخشنةِ للمستقبل،
اتزانيَ المفقودَ وسطَ هذه الحقولِ الحزينةِ من الكلمات" ( )

هكذا فتح المكان السكندري على مستوييه العام والخاص أفقاً شعرياً متّسعاً، قابلاً للتوزع على كل التقنيات الكتابية وكافة التوجهات الفنية والأدبية، وقابلاً للقراءة عبر ذاتٍ تبحث عن خصوصيتها أو عبر أخرى تبحث عن خصوصيته هو، فبين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر شغل المكان مساحةً شعريةً لا تتسع لسواه ولا يستطيع أن يشغلها غيره، وسواءً أكان ذاتاً تحمل تجربتها في هذا أو موضوعاً حاملا للتجربة في ذاك، أو كان تفصيلياً واقعياً في هذا ومشهدياً تخييليا في ذاك، سواءً استُحضِر بوصفه وسيلةً لتحقيق الدلالة أو حضَرَ باعتباره غايةً ونهايةً لها، فإن تحققه كان وما يزال وسيكون ما دامت الإسكندرية تتمتع بذلك الطابع الخاص، تضعُ قدماً في اليابسة وأخرى يبللها ماءُ المتوسط، تفرض وجودها وثقافتها وجغرافيتها وعناصرها ليس فقط إقليمياً وإنما عالمياً ودوليا، يعشقها سكانها ومبدعوها وتعشقهم قدر ما يعشقونها، فلكل منهم فيها ومنها وبها نصيبٌ مفروض حسبما يرى وكيفما يشاء
وقدر ما يستطيع ويحتمل، عالمٌ خاص يراوحه مبدعون يتسع أمام أرواحهم البحر، وتتنفس خلاياهم هواءً أثقلته أفكارُ الفلاسفةِ وكثافة رائحة اليود.

***

إطلالة على مشهد شعر الفصحى السكندري

أحمد عبد الحميد النجار

كما جرت العادة، فإن المحور الإقليمي أحد محاور مؤتمر أدباء مصر الذي ينعقد سنويا، وتكون الغاية منه التلبث بإزاء المنجَز الأدبي لأحد أقاليم مصر، بوصفه كاشفا عن خصوصية الإقليم الثقافية في علاقتها بالخصوصية البيئية والاجتماعية، دون أن تكون هذه الخصوصية مدعاة للانفصال والفرقة، بل لإدراك التنوع والاختلاف في لوحة الفسيفساء المصرية العريضة. وأظن – وبعض الظن إثم – أن هذه الفكرة البسيطة – المبسَّطة إن شئنا الدقة – كان يتم التغاضي عن ذكرها وتفصيل القول فيها كونَها أحد المسلمات.
وحرصا من كاتب هذه السطور على الدقة العلمية وتوخي الأمانة المعرفية، فإن عدة ملاحظات جديرة بالتسجيل. ربما كان أولها أن إقليم "الإسكندرية" يختلف إلى حد كبير عن غيره من أقاليم الوطن؛ ففي حين ينتصر المحور الإقليمي في المؤتمرات السابقة لـ "الهامش" المنسيّ تحت وطأة صخب "المركز"، فإن الإسكندرية ليست بعيدة عن فكرة "المركز" تلك، فهي على الأقل العاصمة الثانية، صاحبة المحرِّكات المادية والثقافية المعتبرة. وفي حين يمكن أن تصطبغ الأوراق البحثية الخاصة بأقاليم أخرى بصبغة احتفائية تكون بمثابة الاعتذار الأخلاقي عن الإهمال النقدي، فإن هذه الصبغة ستكون – هذه المرة - نوعا من النفاق النقدي لا أظن أن أحدا سيرتضيه.
الملاحظة الثانية هي أن الطبيعة النوعية لشعر الفصحى تقتضي ضربا مغايرا من المعالجة، معالجةٍ لا تسعى إلى تبين الملامح البيئية والاجتماعية في النصوص على نحو مباشر؛ فمن ناحية فإن الشعر بوصفه فنا لغويا تخييليا لا تمثيليا ليس بوسعه أن يكون مرآة للخارج المجتمعي، إنه يحيل على ذاته أكثر مما يحيل على غيره. ومن ناحية ثانية فإن شعر الفصحى - بحكم الازدواجية اللغوية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية بأسرها – تقوى وشائجه بالتراث السابق عليه، أكثر من سياقه البيئي، في حين أن شعر العامية بحكم خصوصية الوسيط التعبيري يصلح لتبيان الخصوصية البيئية للإقليم. وليس ببعيد عن هذا السياق أن الدعوات لدراسة الآداب الإقليمية في الثقافة العربية لم يحالفها الحظُّ في إظهار الخصوصية المبتغاة لتلك الآداب.
أما الملاحظة الثالثة فهي أن الدواوين التي حاولت مقاربتها نقديا ما هي إلا عينة عشوائية من نتاج شعري خصب ومتسع، ومن ثم فهي – تلك العينة – غير دالة. وإذا كانت نتائج البحث في النقد الأدبي تقريبية وقابلة للتغيير على الدوام، فإنها في حالة هذه الورقة ستكون أكثر تقريبية ومتاحة – من ثم – للتعديل والإضافة، وهذه فضيلةُ إلقائِها في مؤتمر علمي، وعليه فإنني أتخلى طوعا عن سلطة معرفية مُغْرية لصالح توجه جمعي لإنتاج المعرفة.
بقيت ملاحظة أخيرة؛ هي أن المياه التي جرت في نهر "المدينة" المصرية إجمالا في العقود الأربعة الأخيرة، على المستويين الاقتصادي والديموغرافي، قد أنتجت ضربا من المدنية غير المتجانسة، لا تقبل القسمة التقليدية الشائعة بين الريف والمدينة، بين الثقافتين التقليدية والحديثة، فقد تداخلت الخطابات الثقافية إلى حد الفوضى والتشظي، ولم يعد بوسع أحد تقييم المشهد الثقافي – والأدبي بالتبعية – إلا بقدر كبير من التبسيط المخل، ناهيك عن التنبؤ بحركيته المستقبلية، وغدا الاعتراف بالتنوع المربِك في المشهد أمرا مسلما به. وعليه فإن هذه الورقة تعي أن تنوع المشهد الشعري السكندري نتيجة منطقية لتداخلات ثقافية يعيشها وطن يجمع بين أشتات من الحداثة وما قبلها وما بعدها.
وتعالج الورقة الدواوين التالية (وفقا للترتيب الأبجدي لأسماء الشعراء والشاعرات):
1. أحمد فراج – ديوان "المشاوير للبحر"
2. أحمد محمد حنفي – ديوان "الرياح أهدرت حقها في المجيء"
3. أشرف دسوقي علي – ديوان "ليس الآن"
4. جابر بسيوني – ديوان "حزني.. أنا أولى به"
5. رضا فوزي أحمد – ديوان "أنشودة الصمت"
6. شيماء محمد حسن – ديوان "رجال في بوتقتي"
7. عبد الرحمن عبد المولى – قصائد مجموعة
8. عبد المنعم سالم – ديوان "الآبق من حفل صاخب"
9. علي بدران – ديوان "فيتو"
10. عمر حاذق – ديوان "أصدق شمس الشتاء"
11. محمود أمين – ديوان "هودج حلو اللمى"
12. مصطفى تمام – ديوان "البحر في حقيبتي"
13. هدى عبد الغني – ديوان "أنا والسيجارة"
والملاحظة المبدئية هي أن الغالبية العظمى من الدواوين (عشرة دواوين) قد صُدِّرَت بمقدمات نقدية، وأن معظمها كذلك صادر عن جهات نشر حكومية بما يعني نوعا من الاعتراف النقدي الضمني بجودة ما تحويه من شعر، وكلها مؤشرات على أن تلك العينة – العشوائية كما أسلفت – تستأهل الدراسة بوصفها في صدارة المشهد الشعري (ولا أقول إنها طليعة المشهد، فهذا معيار غير موضوعي)، ومن ثم فهي تستأهل تمثيل شعر الفصحى السكندري. وعلى الرغم من تنوعها بين القالب العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر، فإن عشرةً من الدواوين تنتمي إلى شعر التفعيلة، وتتسم بقدرٍ كبير من الانضباط الموسيقي، متمثلا في الميل إلى التقفية بين الأسطر والمقاطع على حد سواء، والتقارب بين الأسطر في عدد التفعيلات في كل منها، ووضوح التشاكلات الصوتية. وهو ما يعني أن الشفاهية ما زالت سائدة في المشهد الشعري، وأن التقاليد الإنشادية لم تبرح موقعها السيادي في الذائقة العربية، ربما بتأثير من الشفاهية الثانية كما يسميها والتر أونج (مرئية ومسموعة). وعليه فإن ما يلحظه المتابِع للمشهد القاهري ينطبق على المشهد السكندري كذلك، وأعني به استعادة التجربة التفعيلية وإعادة إنتاجها دون فروق جوهرية تُذْكر، في مقابل تراجع قصيدة النثر التي كانت فرس الرهان في الثمانينيات والتسعينيات.
غير أن فارقا مهما يبدو من مقارنة المشهدين، يتمثل في الاعتماد الكبير على النشر الحكومي في المشهد السكندري (تسعة دواوين) في مقابل حدوث ما يشبه الثورة في النشر الخاص بالقاهرة، وهو ما قد نحتاج إلى بعض الوقت لتبين آثاره على النتاج الشعري، بعد أن ظهرت نتائجه واضحة فيما يتعلق بالنتاج السردي.
وستركز هذه الورقة على ثلاثة محاور:
أولا: تجليات الذات في الدواوين محل الدراسة.
ثانيا: الحضور النسوي فيها.
ثالثا: رمزية البحر في القصيدة السكندرية.
وقد تبدو المحاور ذات توجه صوب المضمون، مما قد يوحي بإهمال الأبعاد الشكلية والجمالية في القصائد. غير أن القراءة التالية ستعمل على ربط العناصر الشعرية بعضها ببعض، وإن بالانطلاق من تلك المحاور، إيمانا بالطبيعة الكلية للنص الشعري.
أولا: تجليات الذات في المشهد الشعري السكندري
تمثل "الذات" مقولة معرفية وجمالية مهمة في أية مقاربة للنتاج الشعري، إذ تعبر عن ماهية "الأنا" الناطقة في القصيدة وطبيعة علاقاتها بالعالم وزاوية الرؤية الشعرية، وتصبح من ثم إحدى الروافع الدلالية. كما أنها أحدى مناطق "الاختيار" التي يتحرك الشاعر بينها، وربما كانت تلك الحركة مؤشرا على توجه دلالي بعينه. ولا تتجسد مقولة "الذات" داخل القصيدة الواحدة فحسب، ولكنها تتشكل عبر الديوان في مجمله، ويغدو الاتساق بين القصائد في تشكيلها للذات أمارة وعي كلي لدى الشعراء المجيدين، وإرهاصا باستواء مشروعهم الشعري.
ويطالعنا عمر حاذق في ديوانه "أصدِّق شمس الشتاء" بتصور مركزي للذات، يتبدى بداية في حضور ضمير المتكلم في العنوان عبر الفعل المضارع (أصدق)، وتتعزز مركزية الذات بالمفارقة الكامنة في تصديق المراوغ والمتفلت (شمس الشتاء)، تلك المفارقة التي تعني انطلاق الذات "المُصَدِّقَة" من معرفة تخصها لا يشاركها الآخرون إياها.
غير أن عمر حاذق يخوض مغامرة إبداعية جديرة بالتأمل تعكس مركزية هذه الذات، حين يضع نفسه وجها لوجه أمام المتنبي، معيرا إياه، كاشفا عن فارقٍ لصالحه، في أولى قصائد الديوان "لو أني" التي – للمرة الثانية – يحضر ضمير المتكلم جليا في عنوانها:
لو أني ذاك المتنبي
ما كان القط البائس في قلبي
شمَّ بعينيكِ حليبا أبديا،
ما كان السمك المرمي على الرمل
رأى في كفكِ حنانا وولَه (1)
إن السياق الغزلي هنا لا ينفي أننا في التحليل الأخير أمام سجال بين شاعرين، لا يتبدى جزئيا عبر تناص التخالف مثلا، ولا يعيد إنتاج الموروث عبر "المعارضة"، لكنه يظهر في "الموضوع" نفسه الذي يتحول إلى "تقنية" الإنتاج الشعري الرئيسة عبر القصيدة بأكملها. وليس بوسعنا أن ننسى أن المتنبي كان صاحب الذات الأكثر تضخما – في قصائده بطبيعة الحال – عبر مسيرة الشعر العربي، وأن السجال معه يعني أن القصيدة تؤكد تضخم الذات الناطقة في مواجهة المتنبي. صحيحٌ أن الغزلَ يعبر عن توجه صوب الآخر الأنثوي، لكنه لا يعني بالضرورة حضور ذلك الآخر فاعلا. والنظر في أي مقطع من مقاطع القصيدة يبرهن على ذلك؛ فالفاعل هو الذات الذكورية، يتجلى ذلك في أن النسبة العظمى من الأفعال، فاعلُها المذكرُ لا المؤنث.
إن هذه المقارعة الشعرية تتجاوز الشعراء من قبل عمر حاذق، لتصبح سمتا مائزا للإنتاج الدلالي في الديوان، حيث تدخل الذات الشاعرة في حالة من التنافس مع معطيات الوجود... تبتلع الذات الوجود من حولها، وتحكم سيطرتها عليه، لا لتراه بعينيها فحسب، ولكن لتعيد تشكيل العالم داخل القصيدة. يقول من قصيدة "لو نفد البحر":
لو نفد البحر
لخطفت سمائي من زرقتها
لتبعت الأسماك الوردية حين تنام على موجتها
في بحر الشعر..

لو نفد البحر
لتركت كلامي تحت الشمس إلى أن يزرق
ويملأ قلبي ماءٍ
لمسحت النقطة عن ذيل السطر (2)
وعلى الرغم من التحية التي وجهها الشاعر إلى محمود درويش بقصيدة في ذكراه، والتي تدلل للوهلة الأولى على أن ثمة مشتركا بينهما يتمثل في مركزية الذات، فإن العلاقة بين الشاعرين مختلفة على المستويين المعرفي والجمالي. فمحمود درويش من أكثر المنشغلين في قصائدهم بالذات، لكنه حاول في قصائده أن يموضعها لتصبح الرائي والمرئيّ معا، عبر ما يمكن تسميته بـ "تخييل الأنا"، أي: تحويلها إلى موضوع شعري بعد إقامة مسافة بين الذات وذاتها، لذا اكتفى عمر حاذق باقتناص تناصٍ شكلي في نهاية القصيدة يحول دفة القصيدة من الرثاء إلى النقد الاجتماعي المشعرَن:
أب وابنه وقفا ساعتين – امتهانا –
ليشتريا الخبز هذا الصباح
هنا اكتشفا وطنا في اهتزاز الشباك
فأي مجاز سيرسم تلك الحقيقة؛
أي قواف سأعصر ليمونها؛
أي شعر سأكتب عن ذلك الشعر…
فاقبله مرثية أيها الأم
إني شربت حليبك
أعرف
لكن في "هذه الأرض ما يستحق الحياة"
وما يستحق الممات……
ينقسم ديوان "الرياح أهدرت حقها في المجيء" للشاعر أحمد محمد حنفي إلى ثلاثة أقسام / كراسات: على قارعة السماء – هكذا أتحدث – ذاكرتي في رأسك أنت، وثانيها (هكذا أتحدث) هو أكبرها من حيث مساحته النصية وعدد قصائده، ويدل عنوانه على المنطقة الأكثر حميمية في حوار الذات عن نفسها وعن الآخرين، مما يجعله مهيَّأ أكثر من غيره لاكتناه طبيعة الذات في القصيدة. يقول الشاعر في قصيدة "انتظار":
تداعت المآذن المشوقة
وداهمت جنازتي صفوف يوم الجمعة
قد نسي المؤذن الأذان بابتسامة مخنوقة
انطلق الخطيب نحو منبر فضي
وقال:
"لا إله إلا الله
انفلتت حروف خطبتي
…………………..
فلنقم الصلاة"
تزاحم الجميع في الخروج للإجازة
وقال شاب لأخيه:
"إن يومنا خميس"
وما تزال جثتي..
تنتظر الجنازة! (3)
قد يوهم هذا النموذج بمركزية للذات كتلك التي عهدناها في الديوان السابق؛ فها هي الأنا الشاعرة تتحدث عن موتها. لكن الذات – كما تقدمت الإشارة – ليست مقولة تجريدية، ولكنها جمالية بالأساس، تتشكل عبر الجماليات وتهب جماليات القصيدة خصوصية التأثير. إن موت الذات لا يصطبغ بصبغة وجدانية غنائية، ولكنه يتخلق دراميا عبر التفاعل بين الذات والمجموع الذي يجسِّده الحوار؛ فـ "الموت" متحقق لكنه مؤجل بسبب "الموات" الجمعي الذي أفقد المجموع قدرته على الوعي بحركة الزمن... إن دراما القصيدة تقوم على مناجزة ناعمة بين ثلاثة من الذوات: الأنا – المجموع – الزمن، ووسط هذه المجاذبة تضيع الذات، ولا تقدر – حتى – على تشييع جنازتها، وبذلك تتقوض مركزية الذات داخل القصيدة.
إن الذات المركزية تتكئ على كتف "الحقيقة" كمقولة مطلقة تبتلعها، فتنطق باسمها، ولذا يصير الحديث عن "الحقيقة" في الخطاب الشعري أحد المجسَّات التي يتحسس بها الناقد / المتلقي طبيعة حضور الذات. يقول عبد المنعم سالم من قصيدة "فرار ليلي من مدينة القبور":
والآن
ها أنا سقطت يا نجيمتي
ولم يعد سواي من يسير في جنازتي
فرددي أيتها الشواهد العتيقة
العمر كان للحقيقة
ثم يقول في مختتم القصيدة:
وكان ياما كان فيما فات من زمان
يطوف طيف عاشق
- بخرجه اللازاد فيه غير طيف – مجاهلَ الأوجه والبلدان
يسأل كل عابر: أشفتها؟
يقول: من!
ريحانتي العشيقة!
وما اسمها ريحانة الفتى العشيقة!
ويمسح العاشق غصتين:
إنها الـ حقيقة (4)
إن البحث عن الحقيقة الضائعة لا يعني غيابها، بل يعني على العكس تجدد حضورها عبر الغياب، وعليه لا تنبني الدراما في القصيدة على تحلل حضور الذات المعبَّر عنه مجازيا بالموت، فـ "لم يعد سواي من يسير في جنازنتي" بما يعني أن الذات تحتل – وحدها – المشهد الشعري، ولكن تبنى دراما القصيدة على المفارقة بين الماضي والحاضر، بين "كان" و "الآن". إن الاقتباس السابق يعني – ببساطة – أن حضور الذات ليس ذا صلة مباشرة بثنائية الانتصار - الانكسار، أو ثنائية القدرة – العجز.
ثانيا: الحضور النسوي في الشعر السكندري
كانت القراءة النسوية للأدب وللمعرفة الإنسانية برمتها أحد تجليات ما بعد الحداثة في الفكر الإنساني. حيث تمت التفرقة بين وعيين؛ ذكوري وأنثوي، وأضحى السعي من أجل المساواة بين الجنسين رهنا بتغيرات على مستوى رؤية العالم للنساء ورؤية النساء لأنفسهن، دون الاكتفاء بتحقيق تغيرات قانونية ومؤسسية. وسريعا يمكن القول إن القراءة النسوية للنتاج الأدبي قد ترتكز على أحد المرتكزات الثلاثة التالية:
1 – نسوية الإنتاج، وهنا يعنى الناقد بالأنثى من حيث هي مبدعة منشغلة بقضايا بعينها، وصاحبة رؤية مغايرة للذكوري السائد.
2 – نسوية النص، وذلك في النصوص الأدبية التي تعالج قضايا المرأة على وجه التحديد، بغض النظر عن منتج النص، ذكرا كان أو أنثى.
3 – نسوية التلقي، وهذا ضرب في البحث يستوجب درجة أعلى من الجهد، إذ يكون مبتغاه التعرف على طبيعة الميول الأنثوية في الاستجابة للنصوص: أي الانواع الأدبية تفضلها المرأة؟ ما طبيعة تلقي العمل الأدبي لدى النساء؟ وكيف تختلف عن نظيرتها لدى الرجال؟
ولم يكن مدهشا – على مستوى نسوية الإنتاج - أن يكون للشاعرات نصيب قليل من الدواوين محل الدراسة (ديوانان من بين ثلاثة عشر ديوانا)، فهكذا الحال عبر التاريخ الأدبي للعربية، وإذا كان النتاج النسوي في السرد قد شهد ارتفاعا ملحوظا في العقود الأخيرة، فإن شيئا مشابها لم يحدث على مستوى الشعر.
وللشاعرة شيماء محمد حسن ديوان حمل عنوانا جريئا: "رجال في بوتقتي" (لاحظوا هنا أن وصف العنوان بالجرأة ذو صلة بكوني رجلا يمتلك وعيا ذكوريا، فما كنت – بالقطع – لأقول الشيء نفسه عن ديوان لرجل يحمل عنواناً من قبيل "نساء في بوتقتي") تخالف دلالته صورة الغلاف، وهي لوجه امرأة، تلتئم حولها وجوه ذكورية متعددة في دائرة يحتل وجه المرأة مركزها؛ ودلالتها أن الرجال يمثلون البوتقة، وأن المرأة محل تجريب بوصفها موضوع الرغبة.
وليس غريبا حينئذ أن يكون "الحب" وعلاقة الرجل بالمرأة المحورَ الموضوعي في الديوان، لكن ما طبيعة تلك العلاقة؟ تفتتح القصيدة الأولى بعنوان "كلانا" بهذا المقطع:
أنت الذي ....
وأنا التي ....
والعالم المنسوج دفئا حولنا
لن يهتدي (5)
يشي العنوان بامتزاج الذاتين عبر علاقة الحب في ذات واحدة، ثم يوحي التناظر التركيبي بين السطرين الأولين بالقسمة العادلة بين الطرفين: "أنت الذي / وأنا التي"، وبذلك تتأسس بلاغة التوحد على قاعدة المساواة. غير أن الذات الأنثوية التي يفترض أنها المتحدثة في القصيدة تترك جزءا من المشهد الشعري للصوت الذكوري (حوالي ربع القصيدة تقريبا على هيئة مقاطع متفرقة تتوزع على القصيدة) للإعلاء من شأن الحوارية وتخليق دراما حية متجسدة، ويغدو الصوت الذكوري فاعلا في غير تلك المقاطع كذلك. تقول:
في حينها..
أكثرت من قلب الأواني،
وانتهاك الحجرة،
الصمت،
التحدث في متاهات الحياة
ونزعت عني بسمتي
ودنوت مني ثائرا
"إياك من رفض وصد"
وزعمت أنك مستعد
وصرختَ:
......................... (6)
تظهر الحركة في المقطع السابق من خلال الأفعال والمصادر المتعاقبة، وتبرز فعالية الذكر التي تطول الموجودات من حوله بما فيها الذات الأنثوية نفسها. في المقابل يغدو الفعل الأنثوي معلَّقا بالكامل في فضاء الرجل:
أمعنت قبلك ..
في طقوسك ..
نبرة الحس الرخيم المنتشي
في صوتك الرنان يهتف:
............................ (7)
هذا التعلق في الفضاء الذكوري يتحول من وجهة للفعل الأنثوي إلى توجه لدلالة الديوان؛ ففي قصيدة "لن ترفضني" تصبح النبرة النسوية أكثر انفعالا وحماسا، لكنه الحماس المتعلق بأهداب الرجل. تقول:
رغما عني ...
أرفع رأسي
في إصرار
في إعزاز
وأقول أحبك في فخر
ليتك تدري معنى الحب !!! (8)
ولا يختلف الديوان السابق من حيث طبيعة التصور النسوي للمرأة فيه عن ديوان هدى عبد الغني "أنا والسيجارة"؛ فقصيدته الأولى التي تحمل عنوان الديوان تقوم على مقارنة هي في حد ذاتها مفارقة بين الذات الأنثوية والسيجارة:
أراها..
تعانق – في متعة رائعة –
شفاهك دوني!!
أراني شريدة...
فأشعر أني وحيدة...
بعيدة...
وأن لديك التي قاسمتني حياتي السعيدة!! (9)
يمكن أن نرى في وضع الذات العاشقة في مواجهة السيجارة ضربا من الاستعارة الموسعة، ينصهر في بوتقتها الحي بالجماد. هذه الاستعارة هي الباب الذي دلف منه المجاز إلى القصيدة، وفتح القول على شعرية الخطاب. لكن من حقنا أن نتساءل: ألا يأخذ الحي من الجماد تشيؤه مثلما يستعير الجماد من الحي حياته؟ بعبارة أخرى فإن الاستعارة التي بنيت عليها القصيدة لم تكن تقنية شعرية فحسب، ولكنها كانت تصورا معرفيا يحمل بذور التصور الذكوري السائد للمرأة بوصفها جسدا متشيئا. إنه ذات التصور الذي قدَّمه نزار قباني في قصيدته المغنَّاة بصوت ماجدة الرومي "مع جريدة"، وكلنا نتذكر: "مخلفا وراءه الجريدة / وحيدة / مثلي أنا".
ليس مستغربا أن تهدي الشاعرة حينئذ قصيدتها "وداعا.. أغنيةَ العاشقين" إلى نزار قباني، تحية واعترافا بالتبعية الإبداعية؛ ففي نتاجها – كما في نتاجه – تفتح الأنثى فاها لتتحدث لكن بصوت الذكر.
في مثل هذا الركاب يسير إبداع الرجال أيضا، وفي ديوانه "هودج حلو اللمى" يعاد إنتاج التصور الغزلي التقليدي للأنثى، وواضح من العنوان أن الديوان يمتح من بئر التراث، ليقدم أنثى يُتغزَّل في حسنها الحسي "حلوة اللمى"، ممنَّعة مقصورة في "الهودج"، وإذا كان التصور المشهدي للمرأة يُتَرْجَمُ في صورة الهودج الحامي لجسدها، فإن المعادل الشعري له هو الصمت. يقول من قصيدة امرأة:
امرأة
لا قبل
ولا مثل
تشير إلي بأصغرَ قلبٍ
من عينيها
ليساورني شجن طيب
.............................
امرأة
إن همست
كسرت أنثى الناي خلاخلها
وانحل رماد النور
على كأس الشفتين
فهارس من عنب
وكلام
إنها الصامتة المعبرة بالعينين فحسب، والتي إن رامت نطقا همست، وتكفل حسنها الحسي (فعل الجسد) متمثلا في خلاخلها بالتأثير والتغيير "كسرت أنثى الناي خلاخلها". أما الشجن (فعل الفكر) فهو من اختصاص الرجل. وهل قول الشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الرمادي ببعيد:
قَد وَضَع الكَفَّ عَلى خَدِّهِ مُفَكِّراً مِن غَيرِ أَشجانِ
فالمرأة لا تفكر، ولكنها هكذا تبدو.
إن التصور الشيئي للمرأة لا يتولد من الغض من شأنها، بل على العكس قد يخلقه الإعلاء المفرط من شأنها بوصفها "ملهمة" ومحركة للإبداع؛ ففي الحالين تُمْنَع المرأة من الفعل الوحيد المجدي داخل حدود القصيدة: الكلام. إنها "الحوسلة"، أي: التحويل إلى وسيلة تنتهك الوجود الإنساني. هذا التصور مبثوث بصراحة في قصيدة "أحبك لا ..." للشاعر عمر حاذق. يقول في مفتتحها:
أحبك
لا بل أخافكِ
لا بل أعاديكِ
لا بل أخبئ عنك القصيدة حتى تموتي وحيدة
ويقول في ختامها:
أحبك
لا بل أحبك حتى أكون فحسبُ
وحتى أقول فحسب
وحتى ترفرف نورسة فوق شمس الغروبِ
وحتى تلوح قصيدة.
توضع القصيدة في مقابل الأنثى، والحياة في مقابل الموت. إنها ذات الفنان الاستعلائية التي ألفناها مع الحكيم في مسرحه الذهني في بداياته، حين رأى في الأنثى (الأرضية / الفانية / المغوية) مشغلةً عن الفن (المتعالي / المقدس / الذكوري حتما). أليس من حقي أن أتساءل: هل تقدَّم الزمن بمفرده وبقيت ثقافتنا في مكانها تعيد إنتاج الأنساق الثقافية نفسها؟!
ثالثا: رمزية البحر
للبحر في الشعر السكندري حضور لا يخفى بحكم السمت الإيكولوجي المائز للمدينة المتوسطية الأشهر، وهو حضور لا يقف عند حدود تأكيد علاقة الشعراء ببيئتهم الطبيعية، ولكنه يتجاوزها بحكم الطبيعة النوعية والجمالية المخصوصة للشعر إلى تحويل المفردة إلى رمز يستدعي الماهية الأنطولوجية للموجودات. ولست أعني بهذه التقدمة احتكار شعراء الإسكندرية لرمز البحر، أو أن غيرهم من شعراء الوطن – والعالم بأسره – لا يستدعون هذا الرمز في قصائدهم، ولكن العلاقة بين الشعر ورمز "البحر" تغدو أكثر بداهة في الحالة السكندرية، وأوسع استخداما دون شك.
واللافت أن من بين دواوين العينة ديوانان يحملان دال "البحر" في عنوان كل منهما: "المشاوير للبحر" لأحمد فراج، و"البحر في حقيبتي" لمصطفى تمام. أما الأول فتشهد قصائده على تحولات سيميولوجية للبحر تؤكد شاعرية صاحبه؛ ففي قصيدة "أفق... في زمن الأغنيات الحزينة" مثلا يتجسد البحر رمزا على المطلق والمثال الذي تعيش الذات مُمَزَّقَةً بين غيابه وحضور نقيضه في الواقع، لتتشكل نزعة رومانسية. يقول:
هكذا
كنت أنتظر البحر في أول الحلم
حتى يعود وبين يديه السلال المليئة
من ثمر الضحكات
فينسحب الليل من ليلنا (10)
إن البحر هو تلك الطاقة الإيجابية المطلقة، المحملة بوعود المستقبل الطيبة، ولأن المطلق لا يجابه إلا بمثيله، يحضر "الليل" رمزا على المطلق السلبي، فيتأسس التعارض بين "الليل" و"البحر"، ليس على أساس الماهية الأنطولوجية في الوعي الإنساني لكل منهما، لكن على أساس التعارض اللغوي بين المكاني في الأول، والزماني في الثاني كذلك. غير أن الرمز الأثير نفسه تصيبه التحولات ليغدو "علامة" على تحولات الذات على محور الزمن. يقول من قصيدة "زمن الياسمين":
كان ينبت ..
من بحرنا شجر ويمام ..
ومن أرضنا مطر وغمام وفضه
ها هو بحرنا دامع وثرانا حزين (11)
ويقول من قصيدة "الرقص ... حول مائدة سوداء":
بحر يغادرني
وشواطئ من ملحٍ..
تولد في دمي سرا..
وتحت أظافري مستودعات الحزن (12)
وليست الماهية الأنطولوجية للرمز الشعري منبتة الصلة عن الحضور النصي اللغوي؛ فالماهية تتأسس عبر حضور اللغة بالأساس لأنها – كما يقول الفلاسفة - بيت الوجود، وبالتالي يصيب الرمز تحولات عبر الانتقال من التعريف إلى التنكير. يقول من قصيدة "المشاوير للبحر":
في عصرنا
كل من يعشق البحر متهم بالجنون
أنا عاشق
ضيعته المشاوير للبحر
ضيعه الرقص عند التوجس في جسد النهر
ضيعه القفز حول الورود
وضيعه الانصياع لأمر النخيل (13)
يصطدم السعي نحو المطلق الفلسفي – إذا - بالوجود الاجتماعي الذي يمارس سلطته من خلال الاتهام بـ"الجنون"، ويسعى هذا الوجود الاجتماعي "المُعَقْلَن" للمصادرة على رمز البحر، فينشأ التقابل الدلالي بين "البحر" و "بحركم". يقول:
فاشهدوا أيها الشرفاء
بأني تعلمت فن السباحة في بحركم
وبأني تعلمت فن الركوب على خيلكم
وبأني تعلمت فن الرماية في رمحكم
بأني تعلمت فن القتال على سيفكم (14)
ويسهم التشاكل التركيبي بين السطور الأربعة الأخيرة في إسباغ قيمة دلالية متساوية على الدوال الأربعة (بحركم – خيلكم – رمحكم – سيفكم)، فتتلاشى خصوصية الرمز، ويتحول إلى مجرد دال.
تتغير الصيغة قليلا مع مصطفى تمام في "البحر في حقيبتي" لكنها تظل داخل الإطار الرومانسي، حيث نبصر البحر (بصيغة الجمع هذه المرة) بوصفه المثال والمطلق. يقول من قصيدة "جدل":
حلمت كثيرا بأن أرتوي
من بحوري
لكي يستمر.. الأمل (15)
وبدلا من تخليق دراما شعرية بين الواقع والمأمول، بين المطلق والنسبي لدى أحمد فراج، تختصر الصيغة لدى مصطفى تمام لتصل إلى النتيجة الأخيرة: سقوط الحلم الرومانسي. يقول من قصيدة "البحر في حقيبتي":
والبحر في حقيبتي
من الحصار .. والدموعِ
قد غرق (16)
تعزز المفارقة المتمثلة في غرق البحر (وهي مفارقة ستتكرر) الحسَّ التشاؤمي المسيطر على القصائد، ويجسد المجاز اللافت "البحر في حقيبتي" نزوعا رومانسيا يجعل من الطبيعة مجلىً للحالة الوجدانية للذات. لا تقف الذات هنا على مبعدة من الرمز الشعري لترصد تحولاته كما هي الحال في الديوان السابق، ولكنها تبتلع العالم داخلها وتصير – من ثم - علةَ صيرورته. يقول من قصيدة "معنى الرفيق":
مشيت نحو النهر ..،
والبحر ..،
وجدت النهر مقتولا..،
وجدت البحر في كفي
غريق (17)
لقد شهدت الساحة النقدية والأدبية سجالات طويلة حول التحولات التي شهدتها القصيدة العربية عبر مسيرتها الطويلة، وتركزت على الأشكال الثلاثة: القصيدة العمودية، ثم قصيدة التفعيلة، وأخيرا قصيدة النثر. غير أن الغالبية العظمى من تلك السجالات وجهت طاقتها التحليلية إلى الأشكال بوصفها قوالب موسيقية، في حين أن التصور الأقرب لطبيعة النتاج الأدبي هي أن الخصوصية الموسيقية (والتصويرية والدلالية كذلك) انعكاس لرؤية العالم التي تحملها القصيدة، ومن ثم فقصيدة النثر – مثلا – ليست قولا شعريا تخلى طوعا عن الوزن والقافية ولكنها شكل تعبيري ورؤية معرفية للعالم في الآن ذاته. ولنأخذ مثالا بديوان أشرف دسوقي علي "ليس الآن" من حيث حضور البحر فيه. يقول الشاعر من قصيدة "تخطيطات يمكن أن تكتمل":
أنا والبحر متوازيان
العنقاء والمستحيل
لا رؤى البحر لي
ولا له رؤاي
ندان .. تجمعنا زقزقات النوارس والشجن
البحر آثر أن يغيم
.. ..
غِم. (18)
ما زال البحر حاضرا بوصفه رمزا يتجاوز وجوده الفيزيقي، لكن الذات الشاعرة لم تعد تراهن عليه، بل وضعت نفسها في مواجهة ندية معه. صحيح أن ثمة مشتركا بينهما (زقزقات النوارس والشجن)، لكن الذات لم تبتلعه لتنفصل كينونة العالم عن الذات، وهذه دلالة التوازي. لا بد إذاً من أن ينتهي الموقف الرومانسي المدجج بكل الأسلحة التفعيلية، ويغدو اختيار النثر وسيطا تعبيريا.. ضرورة فنية وبلاغية، وليس محض اختيار:
فلقد خدعني العندليب
بوجهه الحليب
وشدوه الجسور ..
"كلنا بنحبك ناصر" (19)
لقد تحولت تلك "الندية" إلى مقولة بنائية تنظم لغة القصيدة ودلالتها، وهذا هو سر استحضار العبارة العامية المغنَّاة دون تعديل لتصطدم بالفصحى، وتتولد صدمة التلقي التي ستعادل صدمة تحطم الموقف الرومانسي التقليدي. لذا تأتي خاتمة الديوان كاشفةً عن سقوط الرِهانات القديمة عبر تناص بديع مع واحدة من روائع أدب العبث، مسرحية "في انتظار جودو":
لا تنتظر .. لن يعود!
فلاديمير..
فلاديمير..!
جودو
لن يعود!
....
إمضاء
....
وأخبر الجميع (20)


الهوامش

1. أصدق شمس الشتاء – أرابيسك – القاهرة – 2009 - ص 18.
2. السابق – ص 39.
3. الرياح أهدرت حقها في المجيء – سلسلة إبداعات – الهيئة العامة لقصور الثقافة – 2006 – ص 55.
4. الآبق من حفل صاخب – سلسلة لآلئ الإسكندرية – فرع ثقافة الإسكندرية – 2001 – ص 28.
5. رجال في بوتقتي – حقوق الطبع محفوظة للمؤلفة – 2007 – ص 11.
6. السابق – ص 12.
7. السابق – ص 13.
8. السابق – ص 95.
9. أنا والسيجارة – سلسلة شواطئ سكندرية – مطبوعات قصر ثقافة الحرية – د. ت - ص 27.
10. المشاوير للبحر – الهيئة العامة لقصور الثقافة – فرع ثقافة الإسكندرية – د. ت - ص 9.
11. السابق – ص 13.
12. السابق – ص 85.
13. السابق – ص 21.
14. السابق – ص 22.
15. البحر في حقيبتي – سلسلة لآلئ الإسكندرية – فرع ثقافة الإسكندرية – 2002 - ص 61.
16. السابق – ص 23.
17. السابق – ص 57.
18. ليس الآن – سلسلة تغيير – حقوق الطبع محفوظة للمؤلف – 2007 – ص 74.
19. السابق – ص 75.
20. السابق – ص 78.

أعلى