|
| نجــيب: |
أيها الثائر..لم لُذت بدارك؟ |
 |
| أبو العلاء: |
"أُولو الفضل فى أوطانهم غرباء!" |
| نجــيب: |
لم لم ترحل.. |
| أبو العلاء: |
إلى أين الرحيل؟ |
|
أى فرق بين أن أُنفى بعصري، لو تروم الصدق أو أُنفى بداري، أو أراني ضائعا فى غير داري؟! نجيب سرور (لزوم ما يلزم) |
قائمة المحتويات
المقدمة
"أولو الفضل في أوطانهم غرباء!"، لكم تصدق تلك العبارة العلائية الرائعة أكثر ما تصدق على هذا الكتاب القيم وصاحبه الراحل النبيل نجيب سرور. وقصة ذلك أن الكتاب الماثل ظل حبيس الأدراج لسنوات طوال، تربو على الثلاثين عاما تقريبا، عانت خلالها أرملة الكاتب الروسية السيدة ساشا كورساكوفا الأمرين في سبيل إخراجه للنور ككتاب مكتمل، بعد أن نُشرت بعض أجزائه متفرقة في مجلات مختلفة، وذلك قبل أن يرحل نجيب سرور عن دنيانا ـ أقول إن السيدة ساشا أبت إلا أن يُنشر الكتاب مكتملا، تنفيذا لوصية زوجها الراحل من ناحية، وإدراكا منها لأهمية الكتاب وأهمية موضوعه لنجيب سرور من ناحية أخرى. فلطالما كرر الرجل على مسامعها إعجابه الفائق بثلاث شخصيات، رآها تجسيدا حلوا لعالمه المنشود، أولها المسيح عليه السلام، وثانيها دون كيخوته الشهير بطل رواية ثربانتس الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه، وثالثها أبي العلاء المعري شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ولنا معه حديث يطول. المهم إلى هذه الدرجة أحب نجيب سرور أبي العلاء، حتى أنه أنزله تلك المنزلة الكريمة في عقله وقلبه.
بيد أنه قد يكون ملائما قبل التطرق إلى الحديث عن الكاتب الراحل وموضوع كتابه المهم، اطلاع القارئ الكريم على طبيعة علاقة كاتب هذه السطور بنجيب سرور، وكيفية وصول مخطوطة هذا الكتاب القيم إلى يده. كنت قد فرغت لتوي من (الإنسان هو الحل)، الصادر عن دار سطور للنشر، وهو كتاب أودعته رؤيتي للنهج الإنساني أو الأنسنية Humanism كما يحلو للبعض، وأنا منهم، أن يسميها. تلك الرؤية التى تجسدت فى قولي بأن تطور التاريخ الإنساني لا يعدو كونه نتاجا لصراع ثقافي معقد بارد، أطرافه الذات الأنسنية والذات المغتربة والآخر! وذلك استنادا لتعريف إليوت الأنثروبولوجي للثقافة بأنها طريقة شاملة للحياة ، وهو ما يعني كون الصراع أعم وأشمل منه عند الماركسيين، فاحتياجات الإنسان ليست مادية فحسب، فهي تتجاوز الاحتياجات المادية، على أهميتها وخطورتها.
المهم، أخذت أبحث عن شخصية أطبق عليها ذلك النموذج الأنسني التفسيري، إيمانا مني بعلميته وواقعيته، فقادتني خطاي إلى نجيب سرور. فرحت أجمع المعلومات والوثائق عن الرجل علاوة على إقبالي على اقتناء وحصر أعماله المنشورة. والحق أني وجدت في أرملته السيدة ساشا كورساكوفا خير معين، فقد فاجأتني في لقائي الأول بها بمقهى ريش الشهير بأن دفعت إلى بحزمة من الأوراق، قالت لي إنها مخطوطة دراسة قيمة غير منشورة، كتبها زوجها الراحل عن أبي العلاء المعري، وطلبت مني تحقيقها وإعدادها للنشر! وبقدر ما أثلج الطلب المفاجئ صدري بقدر ما أخافني لوعورة الطريق وثقل العبء..
وأراني مُجبرا، قبل المضي قدما في الحديث عن الدراسة وصاحبها أن أستطرد بعض الشيء للتعريف بالأنسنية، في عجالة، عسى أن يدرك القارئ الكريم دوافع إقبال كاتب هذه السطور على تحقيق هذه المخطوطة المهمة واعدادها للنشر وعسى أن يطمئن القارئ نفسه إلى أمانة الجهد المبذول لخروج المخطوطة إلى النور على النحو الذي أراده الراحل الكريم نجيب سرور، فالنص الأصلي لم يُمس من قريب أو بعيد، ولسوف أتحدث عن ذلك لاحقا، بشيء من التفصيل.
الأنسنية نهج يحترم الإنسان ويُنزله المنزلة اللائقة به، فهي تقول بالإنسان كأعلى قيمة في الوجود، وهدفها هو التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. ففي رحاب الأنسنية لا يوجد سوء تأويل لا يمكن مراجعته وتحسينه وقلبه رأسا على عقب، و لا يوجد كذلك تاريخ لا يمكن استعادته، إلى حد ما، وفهمه بشغف بكل ما فيه من عذابات وإنجازات. وبعبارة أخرى، تنسف الأنسنية جذريا الأطروحة القائلة بان تبجيل ما هو تراثي أو إتباعي يتعارض حتما مع التجديد المستمر للمعطيات المعاصرة. وإذا اتخذنا التاريخ كمثال، نجد أن الأنسنيين يرونه مسارا غير محسوم، قيد التكوين، لا يزال مفتوحا على حضور الناشئ والمتمرد وغير المستكشف وغير المقدر حق قدره وما يطرحه من تحديات. كما أنهم يرون أن الإنسان هو صانع التاريخ، ومن ثم فهو قادر على اكتناهه عقليا، وفق المبدأ القائل بأننا كبشر ندرك فقط ما نحن صانعوه، أو بالأحرى، نراه من وجهة نظر الإنسان الصانع، فأن تعرف شيئا ما يعني أن تعرف الكيفية التي بها صنع ذلك الشيء.
وطبقا للأنسني الفذ إدوارد سعيد، ليست الأنسنية طريقة لتدعيم وتأكيد ما قد عرفناه وأحسسناه دوما، وإنما هي وسيلة تساؤل وإقلاق وإعادة صياغة للكثير مما يقدم لنا اليوم على أنه يقينات مسلمة، معلبة، مغلقة على النقاش، ومشفرة على نحو غير نقدي، بما فيها تلك الموجودة فيما اصطلح على كونه آراء وأعمال خالدة يجري تغليفها برقائق المحرمات الثقافية. فثمة صعوبة في القول بان عالمنا الفكري والثقافي كناية عن مجموعة بسيطة وبديهية من خطابات الخبراء، فالأرجح انه تنافر مضطرب من المدونات غير المحسومة. ولكل حضارة أن تلبي روحها هذا النهج الأنسني المنشود. ولهذا علينا أن نلتمسه في الحضارات المختلفة، فخصائصه العامة تكاد تكون واحدة بين جميع الحضارات:
- معيار التقويم هو الإنسان.
- الإشادة بالعقل ورد التطور إلى ثورته الدائمة.
- تثمين الطبيعة والتعاطي المتحضر معها.
- لقول بأن التقدم إنما يتم بالإنسان نفسه.
- أكيد النزعة الحسية الجمالية.
والسؤال الذى لابد أنه جائل بصدور الكثيرين، خاصة ممن لم يعاصروا نجيب سرور، أو حتى عاصروه ولم يسمعوا بحكايته المحزنة وهم كثرُ!: من هو نجيب سرور؟ وما هي حكايته المحزنة والفاجعة؟ وما هو سر هذا الصمت الاعلامي الرهيب والتجاهل التام لمكانة الرجل فى الفكر العربي فى وقت لا يتوقف فيه ضجيج احتفاء الإعلام العربي بالأقزام من كل حدب وصوب؟ والجواب: نجيب سرور هو ذلك الأنسني الفذ الذي لم يقنع على الأرجح بشذرات من الطوبائية، وأبى إلا أن يبلغها، فاحترق ببلوغه إياها! وترك لنا ميراثا يصعب على المسافر في أراضيه البت فيه برأي، فهو خليط من الكبرياء الشهي والكرامة الجريحة، لا يملك المرء إزاءه إلا أن تتنازعه مشاعر الإعجاب والشفقة تجاه صاحبه. الإعجاب بإيمانه الجميل بنفسه، والشفقة لما تكبده من أهوال وعذابات.
وُلد نجيب سرور عام 1932 في قرية إخطاب بمحافظة الدقهلية، وهي احدى أهم قلاع الاقطاع المصري فى ذلك الزمن. وقد ظلت إخطاب بفلاحيها ومآسيها وغيطانها، متغلغلة في نسيج حياة نجيب سرور وفي الكثير من كتاباته ومسرحياته. منها استخرج المادة البشرية والحياتية الأولى لأدبه، وفيها تلقى معارفه الأولى، إذ تشرب بالموروث الشعبي من عادات وحكايات وأمثال واعتقادات وأساطير. وفيها قرأ ما ألقت به الأيام بين يديه، خاصة وأن والده محمد سرور امتلك مجموعة من الكتب يُعتد بها، وكانت له محاولات شعرية وقصصية. وكثيرا ما حث الأب ابنه نجيب على القراءة والكتابة، على خلاف الحال مع ثروت الأخ الأكبر لنجيب الذى اختصته الأسرة بأعمال "الغيط"، والذي أكمل تعليمه لاحقا، على أمل أن يحقق الابن نجيب سرور حلم الأب محمد سرور، بأن يصبح كاتبا وأديبا يُشار إليه بالبنان، فلم تكن المناقشات الأدبية بين الابن نجيب سرور ووالده لتنقطع يوما فى تلك المرحلة. وبالفعل التحق نجيب بالمدرسة الابتدائية وبدأ رحلته التعليمية، وتفوق وشُغف بالقراءة، وتمتع بحس نقدي راق، حتى أن الكتاب لم يكن ليفارق يده. ومرت الأيام ونجح نجيب فى الابتدائية، ثم التحق بالمدرسة الثانوية، فلم تكن على أيامه المرحلة الاعدادية. وبدأ الصبي نجيب ينضج، كان لا يترك كتب الشعر من يديه وخاصة كتب أبي العلاء المعري ـ موضوع هذا الكتاب ـ على صعوبتها، خاصة لمن هم في مثل سنه آنذاك.
وطبقا لرواية نجيب سرور (فارس آخر زمن!) وهى رواية غير منشورة تجسد السيرة الذاتية لنجيب سرور، حال رحيله دون اكتمالها، كان الوالد محمد سرور بحكم وظيفته دائم التنقل من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة بين الوجهين البحري والقبلي، فقد ترك التدريس الالزامي والتحق بمدرسة الصيارفة، وأصبح يملك ثلاثة عشر فدانا. وفي مدرسة مغاغة الثانوية اشترك نجيب لأول مرة في تمثيل مسرحية (أصدقاء السوء). وفي كلية الحقوق التى اختارها له والده انضم نجيب الى فريق التمثيل، واشترك مع زميله كرم مطاوع فى تمثيل مسرحية (نهر الجنون) لتوفيق الحكيم من اخراج سعد أردش الطالب آنذاك.
وبدأت اهتمامات نجيب تزداد بالتمثيل، فالتحق مع كرم مطاوع، وفي عام واحد، بالمعهد العالي للفنون المسرحية مع كلية الحقوق، بيد أن نجيب لم يلبث أن ترك دراسة الحقوق فى السنة النهائية ليتفرغ للمعهد. ولكم أغضب ذلك الأب، الذى لم يبث أن غفر لابنه فعلته تلك بعد أن عرف أن هناك نية لايفاد بعثات إلى الخارج، وإلى روسيا بالذات، فقد كانت طرق البعثات إلى لندن وباريس مغلقة عقب حرب 1956. بعثة إلى الخارج ودكتوراه قد تحمي ابنه من الضياع فى عالم الفن والأدب بين أذرع الأخطبوط الذي كان يوشك هو ـ الوالد نفسه ـ أن يضيع بينها فى مطلع شبابه حين كان يكتب الشعر والمسرحيات!..ويحمل مجرد شهادة مدرسة المعلمين. وبالفعل فاز نجيب بالبعثة، وكان قد أقسم بينه وبين نفسه على ألا يعود إلى مصر، فيما لو اتيحت له فرصة الخروج منها، لما سادها آنذاك من قمع شرس لأصحاب الرأى وسجناء الضمير. وراح الأب محمد سرور يشترى لولده لوازمه، وأوصاه فى قصيدة الوداع التى ألقاها بين المودعين أن يعيش دائما بعقله وقلبه ووجدانه فى وطنه مصر مهما باعدت بينهما المسافات والسنوات!
وفي موسكو ضرب نجيب على نفسه عزلة، لاقتناعه ـ كما قال لصديقه أبو بكر يوسف فيما بعد ـ بأن المبعوثين المصريين آنذاك (عام 1959) كانوا منتقين بعناية من أجهزة المباحث بحيث لا يفلت منهم تقدمي واحد. أما هو فأفلت بأعجوبة، لأنه وصل إلى موسكو فى قمة الحملة المعادية للشيوعية فى الجمهورية العربية المتحدة، وهي حملة صاحبت إقامة الوحدة بين مصر وسوريا. ولعبت دورا مأساويا في حياة نجيب سرور في موسكو. فما ان أفصح نجيب سرور عن انتمائه للفكر الماركسي، وأشاع انه كان عضوا بأحد التنظيمات الشيوعية في مصر (جماعة حدتو) حتى وجد نفسه محاصرا بشكوك وريب قوية من قادة التنظيمات الشيوعية العربية في موسكو، وخاصة تنظيم الحزب الشيوعي السوري الذي كان يقوده في موسكو أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب اللاجئين الى الاتحاد السوفيتي. وكان مبعث الريبة هو: كيف يتمكن شخص يقول انه شيوعي من المجيء الى موسكو في هذه الفترة بالذات، ويفلت من أجهزة المباحث المصرية التى كانت في أوج عنفوانها، بل وفوق ذلك يأتي طالبا فى بعثة حكومية!
وفي محاولة منه لتبديد هذه الشكوك جنح نجيب الى التطرف، فلجأ الى تشكيل مجموعة من "الديمقراطيين المصريين" لإصدار البيانات واتخاذ المواقف المعادية للنظام الحاكم، واستغل ذات مرة فرصة انعقاد أحد المؤتمرات التضامنية مع الشعب الكوبي في جامعة موسكو فقفز إلى المنصة واستولى عليها، وأطلق بيانا ناريا ضد "النظام القمعي الديكتاتوري" في مصر وسوريا. وبينما هدرت القاعة المملوءة عربا وأجانب بالتصفيق ظهر الحرج والضيق على أوجه المسئولين في الجامعة، الذين وضعهم نجيب في ورطة شديدة. ونجحوا أخيرا في تنحيته عن المنصة ولكن بعد فوات الأوان! ففي اليوم التالي احتجت السفارة المصرية على جامعة موسكو، وفُصل نجيب من البعثة (هو وماهر عسل الذي ترجم له البيان وألقاه بالروسية) وأُلغى جوازا سفرهما، وطالبت السلطات المصرية المسئولين السوفيت بترحيل نجيب سرور وماهر عسل إلى القاهرة فورا!.
بهذه الحركة نجح نجيب في كسب ثقة الشيوعيين العرب في موسكو فدافعوا عن بقائه فيها وتكللت مساعيهم لدى السلطات السوفييتية بالنجاح فظل نجيب في موسكو، ولكنه نُقل إلى مدينة جامعية أخرى حتى لا يحتك بالمبعوثين المصريين الهائجين ضده. وبمرور الوقت أدرك نجيب انه ارتكب حماقة، ولم يعد يدري ماذا يفعل بهذه المجموعة الصغيرة التى التصقت به. واعترف لأعضائها صراحة بأنه لا يفقه شيئا في السياسة، وأنه لا يريد أن يلحق بهم الضرر، ولذلك قرر تركهم والانصراف إلى الدراسة، ونصحهم أن يحذو حذوه.
وبالفعل، وفي الوقت الذي بدا وكأن أمور نجيب سرور تسير إلى الأفضل، بعد تبدد سحب الشكوك فيه وانتصاره في المواجهة مع السلطات الحكومية المصرية آنذاك، سواء برفضه أمرا منها بالعودة إلى مصر بعد ثلاثة أشهر من وصوله إلى موسكو، أو بصموده أمام الضغوط التى مورست ضده بعد فصله من البعثة، أخذ نجيب يبتعد عن مجموعته الصغيرة ويغرق في الشراب والديون. وفى هذه الفترة بدأ يكتب قصيدة "العودة" التى أورد مقاطع منها في ديوانه "لزوم ما يلزم" وهى قصيدة مغرقة في اليأس والضياع والحنين إلى الوطن:
"يا مصر يا وطني الحبيب! يا عش عصفور رمته الريح في عش غريب، يا مرفئي..آت أنا آت.. ولو في جسمي المهزول آلاف الجراح.. وكما ذهبت مع الرياح.. يوما أعود مع الرياح.. ومتى تهب الريح..أو هبت.. فهل تأتي بما يهوى الشراع؟ ها أنت تصبح في الضياع.. في اليأس..شاة عاجزة.. ماذا لها، إن سُلت السكين، غير المعجزة؟!.."
وهجر نجيب سرور المسرح الذي كان يدرس فيه تحت إشراف المخرج الكبير نيكولاي أخلوبوكوف متعللا بأن أخلوبوكوف مخرج شكلي يهوى المؤثرات الصوتية والضوئية ولا يغوص في أعماق النص المسرحي. وبالطبع لم يكن هذا هو السبب الحقيقي الذي نفر نجيب من دراسة المسرح، ودفعه للتفكير الجدي فى اعداد اطروحته للدكتوراه عن ثلاثية الروائي المصري نجيب محفوظ، وإنما كانت الأزمة الحادة التى أخذت تتفاعل في أعماقه، والتي لم يجد سرور سوى الاغراق في الشراب كوسيلة للهروب منها. وذات مرة سأله صديقه أبو بكر يوسف مستنكرا ـ وكان يجالسه في أحد المطاعم ـ:
ـ لماذا تفرط في الشراب إلى هذا الحد؟ فأجاب: ـ لكي أنسى! قال له: ـ وما الذي تريد أن تنساه؟ فأجاب بروح دعابته الحاضرة دائما: ـ وهل تراني أذكر!
في أواخر فترة وجوده في موسكو، حوالي عام 1963 بدأ نجيب يُكثر من الحديث عن النفوذ الصهيوني في الاتحاد السوفيتي. واستنكر من حوله منه ذلك بشدة، ولم يصدقوا أن الاتحاد السوفيتي يمكن أن يكون خاضعا للنفوذ الصهيوني، واعتبر زملاء نجيب أنه يغالي كعادته، وخاصة في ظل تفاقم أزمته الشخصية.
ثم وقعت الحادثة التي وضعت نهاية لبقاء نجيب سرور في موسكو...
كان نجيب يسامر أحد الأصدقاء اليمنيين فحدثت مشاحنة بينه وبين أحد الرواد الذي ظنهما يهينانه. وتدخل رجال الشرطة وحاولوا اقتياده بلي ذراعيه. وكان نجيب قوي البنية، فتخلص منهم بقوة اعتبروها مقاومة، فاجتمعوا عليه واقتادوه إلى مبنى الشرطة حيث أوسعوه ضربا. وقال نجيب لصديقه أبي بكر يوسف وهو يروي هذه الواقعة: لقد بكيت آنذاك ليس من الألم بل على انهيار المثال ـ يقصد المثال الشيوعي بالطبع ـ، وأحسست أنه لا فرق بين شرطة سوفيتية ومباحث مصرية، فكلها أجهزة قمع، وإنما نحن الذين صدقنا الأوهام عن "الإنسانية الاشتراكية"..
وسافر نجيب إلى بودابست بدعوة من أحد اللاجئين السياسيين المصريين هناك، حيث عمل في القسم العربي بإذاعة بودابست، وواجه هناك الغيرة والحقد من جانب الشيوعيين السوريين الذين كانوا فى معظمهم غير مؤهلين لمجاراة نجيب فى قدراته وابداعاته فناصبوه العداء. فعاودت نجيب سرور أزمته التي لم يفلح تغيير المكان في إطفاء جذوتها، وكان يتصل بزوجته طالبة الآداب الروسية ساشا كورساكوفا وصديقه أبي بكر يوسف من هناك، مؤكدا لهما على معاداة الشيوعيين السوريين له وسعيهم لابعاده والتخلص منه، علاوة على تأكيده على استفحال النفوذ الصهيوني لا في القسم العربي في إذاعة بودابست فحسب بل وفى معظم أوجه الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في المجر.
وذات مرة اتصل نجيب بصديقه أبي بكر يوسف من بودابست، وكان ذلك في ربيع عام 1964، وطلب من عاملة البدالة أن تكون المكالمة على حسابه، فوافق صديقه مستغربا، وعندما تم الاتصال أخبره نجيب أنه طلب ذلك لأنه لا يملك ثمن المكالمة، وقال بصوت متهدج أفجعت نبرته المتهالكة أبا بكر يوسف إنه جائع ولم يأكل منذ أيام، وسيذهب اليوم التالي إلى السفارة المصرية "ليسلم نفسه" (كما قال) لأنه لم يعد يحتمل الزيف المحيط به، ويريد أن يعود إلى مصر ليموت فيها، مثل سنوحي!
رجاه صديقه أن يهدأ وألا يتسرع على أمل تدبير الأمر، ولكن نجيب أصر قائلا إنه لم يعد ثمة معنى للاستمرار في لعبة الخداع، فالعالم كله لصوص ومخدوعون، وما المذاهب إلا أساليب يلجأ إليها اللصوص لتغطية سرقاتهم. وبهذه المناسبة فقد كتب نجيب سرور في بودابست قصيدته الشهيرة "المسيح واللصوص" حيث "اتهم" فيها المسيح بأنه السبب في ظهور اللصوص الذين أخذوا يتاجرون باسمه، وباسمه يحكمون!
وحين يحاول "مسيح نجيب سرور" أن يرد على الشاعر بأنه سيعود ليصحح الأوضاع يجادله الشاعر:
ـ هل تصدق ما تقول؟ ـ الآب قال بأنني حتما أعود ملكا على أرض البشر لتسود فى الناس المسرة والسلام! ـ لو عدت..من ذا يعرف؟ ـ سأقول: جئت أنا المسيح! ـ سيطالبونك بالدليل ـ ستكون في جيبي البطاقة والجواز ـ هذا قليل.. ما أسهل التزوير للأوراق في عصر اللصوص ولديهم (الخبراء) سوف يؤكدون إن الهوية زائفة! ـ لكن عليها الختم..ختم الآب!! ـ يا بئس الدليل! سيؤكد الخبراء أن الختم برهان على زيف الهوية! ـ سأريهم هذى الثقوب.. في جبهتي ـ أنظر ـ وفى الكفين، في الرجلين.. جئت أنا المسيح! سيقول لوقا: قال مرقص إن متى قال، يوحنا يقول: "في البدء كان الأمر "اصلب والآن صار الصلب أوجب!" حتما ستصلب من جديد هم في انتظارك ـ كل أتباعك، قطعان اللصوص ـ هم في انتظارك بالصليب.. ماذا؟ أتبكي؟ كل شيء مضحك حتى الدموع! ألعصر يضحك من دموعك، من دموعي، عصرنا عصر اللصوص، بل أنت..حتى أنت لص! لو لم تكن ما كان في الأرض اللصوص! حتى أنا لص..ألم أخدع طويلا باللصوص؟!
فى هذه الأثناء كتب الناقد المصري رجاء النقاش فى جريدة الجمهورية مقالا بعنوان "مأساة فنان مصري في بودابست"، تحدث فيه عن معاناة نجيب وتعرضه لمخاطر جمة وشبهه بأنه "قط فوق سطح من الصفيح الساخن" على حد تعبير تنسي وليامز، وهذا السطح ـ طبقا للنقاش ـ هو القلق الذي لايرحم، ولا يتيح لاصحابه عمرا هادئا، أو حياة بلا تقلبات عنيفة مرة! وبدا واضحا حرص الناقد المصري على استمالة النظام الحاكم آنذاك للسماح لنجيب بالعودة إلى مصر، حتى أنه قرر صراحة فى نهاية مقاله: "إن حنين هذا الفنان ـ يقصد نجيب ـ الى وطنه ليس جريمة، وتفكيره في بلاده عندما تأزمت به الأمور وانسدت في وجهه الطرق هو نوع من التوبة الصادقة ينبغي أن نقبله منه ونساعده عليه"!
وبالفعل عاد نجيب سرور عام 1964 لأرض الوطن يحمل صك الغفران الذى نجح رجاء النقاش فى استمالة النظام المصري الحاكم آنذاك ليمنحه للفنان التائب ـ على حد تعبير رجاء النقاش فى مقالته الشهيرة ـ نجيب سرور!! كان واضحا ان نجيب يحمل مخزونا كبيرا من المعرفة والخبرة الدراسية والحياتية، والمشاريع والأفكار، مع تقلص واضح فى الفجوة ما بين أقواله وأفعاله. دخل نجيب رأسا في قلب الأحداث، وبشكل عاصف، ومتدفق، ومتعدد المجالات: في الاخراج المسرحي، والتمثيل، وكتابة الأغاني، وكتابة الشعر الحديث الذى يتميز بتركيبه الدرامي ـ على الأخص فى ديوانه الشيق "لزوم ما يلزم"، وكتابة المسرح الشعري، وهو مجال نشاطه الابداعي الأساسي فى هذه المرحلة. فقد جاء نجيب سرور حاملا للمسرح الشعري نقلة الى مرحلة جديدة، مختلفة، وكان عمله التمهيدي لهذه النقلة الرائعة هو ملحمته الشعرية الشعبية (ياسين وبهية)، وكان قد وضعها وهو فى موسكو ثم بودابست. هذه الملحمة استطاع المخرج كرم مطاوع أن يمسرحها بمهارة وابداع، فكانت حدثا مهما يكشف قدرات الاخراج على مسرحة الشعر عندما يتضمن الشعر عناصر الدراما.
وفي المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث كان يدرس، كان نجيب سرور يقول ما يريد كما يريد، ويلقي دروسه في المسرح وتاريخه من وجهة نظره العلمية الثورية. لهذا طُرد نجيب من المعهد الذي كان يقوم فيه بتدريس مادتي التمثيل والاخراج، وكان يلقى فيه المحاضرات بكل صراحة وشجاعة عن أزمة المسرح في مصر. وعن محنته تلك يقول نجيب سرور فى استغاثته الى محرر مجلة الكواكب عام 1968 ما نصه: "..في تقرير للخبير الفرنسي السيد توشار شهادة لي بأنني أحسن أستاذ بالمعهد العالي للفنون المسرحية، عرفت هذا من السيد الوزير نفسه ومن الدكتور مصطفى سويف. ومع ذلك وبعد عامين من التدريس في المعهد، وبعد هذا التقرير، فوجئت باستبعادي من المعهد! كيف؟ ولماذا؟ وهكذا..لا معهد..ولا عمل بالمؤسسة..ولا تعيين..ولا دخل منتظم..ولا مرتب ثابت..ولا اطمئنان إلى اليوم والغد وما بعد الغد!..ولا يمكن طبعا الاعتماد على فرص العمل المتباعدة وغير المنتظمة في الإذاعة والتليفزيون. وأنت تعلم لماذا؟"!
وتتكاثر الحوادث المؤلمة ويتشرد نجيب سرور ويجوع، ويحاولون استيعابه باغرائه بأن يقدم للتليفزيون أعمالا ترفيهية لا تقول شيئا ولا تتعرض لشيء مقابل آلاف الجنيهات. فيتعفف نجيب سرور وهو الجائع المشرد، ويقول لعارض الصفقة هذه: "قل لوزيرك إن هذه اللعبة القذرة يجيدها غيري، وهم أكثر من الهم على القلب. أما أنا فلن أقبل هذه الرشوة المقنعة"!..ويعود نجيب إلى الجوع والتسكع، بل والاستجداء! ويتهمونه بالجنون، ويرسلوه إلى مستشفيات المجانين!
ولندع الرجل يصف لنا واحدة من تجاربه المخيفة والمرعبة في تلك المسشفيات التى يقرر، فى رسالة استغاثة أرسلها إلى يوسف إدريس، أن مجموع المدد التى قضاها فيها بلغ أربع سنوات ونصف!! المهم يقول نجيب عن تجربته المريرة واللاإنسانية فى مستشفى الأمراض العقلية الشهيرة بـ (العباسية): " لقد تلقفوني فور عودتي من دمشق وأرسلوني.. لكن مهلا، ليس في معتقل من المعتقلات الحكومية المعروفة والمزدحمة بالنزلاء، وإنما في مستشفيات المجانين، مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية!!...المهم أنني خرجت من مستشفى الأمراض العقلية بمعجزة حطاما أو كالحطام! خرجت إلى الشارع.. إلى الجوع والعري والتشرد والبطالة والضياع وإلى الضرب في جميع أقسام البوليس المخلص في تنفيذ أغراض الأعداء والمحسوب علينا من المصريين أو نحن العرب!خرجت أدور وأدور كالكلب المطارد بلا مأوى، بلا طفلي وزوجتي..وظللت مجمدا محاصرا موقوفا. وبعيدا عن مجالات نشاطي كمؤلف مسرحي ومخرج وممثل، وبعيدا عن ميادين النشر كشاعر وناقد وزجال ومؤلف أغان"!!
ويموت نجيب سرور جائعا مشردا، فى غيبة زوجته وولديه، فقد اضطرت زوجته للذهاب إلى موسكو مع ولديها شهدي وفريد لارسال الأول الى المدرسة الثانوية الداخلية بموسكو لعدم وجود مرحلة ثانوية بالمدرسة الروسية بالقاهرة آنذاك، وعدم إتقانه للغة العربية اللازمة لالتحاقه بمدرسة ثانوية مصرية، ورغم أنها أوصت الكثيرين على زوجها إلا أن غيبوبة السكر نالت من الرجل، وكان قد غادر شقته بالهرم إلى بيت أخيه ثروت بمدينة دمنهور. رحل نجيب سرور عن دنيانا باكيا حزينا عاتبا على مجتمع لا يجد الشجاعة حتى الآن لرثائه. وذهب الجثمان إلى قرية إخطاب، تلك التى لطالما تغنى بها نجيب فى مسرحياته وأشعاره، واتشحت القرية بالسواد، وكُتب على قبره بالبنط العريض..
قد آن يا كيخوت للقلب الجريح أن يستريح فاحفر هنا قبرا ونم وانقش على الصخر الأصم يا نابشا قبري حنانك هاهنا قلب ينام لا فرق من عام ينام وألف عام هذي العظام حصاد أيامي فرفقا بالعظام ! ..
تلك هى حكاية نجيب سرور، دون كيخوته المصري، سردتها بأمانة وايجاز ليعلم القاريء الكريم لمن يقرأ، فهذا الكتاب عمل نقدي متميز آثر نجيب أن يودعه ذاكرة الزمن، وها نحن نحقق له ما تمنى! وجدير بالقاريء الكريم أن يعلم بأهمية وخصوصية هذا العمل لنجيب سرور، فقد ربطت بين نجيب وموضوعه صلة فكرية وروحية وطيدة، يندر تكرارها. ويكفي أن نعلم أن رحلة نجيب سرور مع كتابات أبي العلاء بدأت فى فترة مبكرة من حياته، ففى رسالة منه إلى الناقد والأديب أنور المعداوى بمجلة الرسالة الشهيرة آنذاك، وهو بعد طالب بمدرسة مغاغة الثانوية، بدا جليا مدى تأثره بالنهج العلائي، حتى أنه يستشهد بأشعار وآراء أبي العلاء، على صعوبتها، خاصة لمن هم في مرحلته العمرية آنذاك. ليس ذلك فحسب فقد أخبرتني زوجته السيدة ساشا بأن نجيب لم يكن ليمل مجالسة أبي العلاء، فهو حين يقرأ له يسمع منه، وهو حين يكتب عنه يتحدث اليه! فيالها من صداقة ويالهما من صديقين حميمين! والواضح أن نجيب لم يجد بين الأحياء خلا وفيا، فآثر صداقة الراحل أبي العلاء! وكم كانت زوجته تسعد حين تراه فى معية أبي العلاء التماسا للسكينة والصفاء! فهى تعلم ولع زوجها وشغفه واطمئنانه لأبي العلاء، حتى أنها لما دفعت إلى بنسخة قديمة للزوميات، لأستعين بها فى تحقيق الكتاب الماثل، وجدتها مليئة بالخطوط والعلامات، دلالة على تكرار نجيب لقراءتها وتعمقه في فهمها. والحق أنه ليس لصداقة كتلك أن تدوم لولا صفاء الصديقين، ولولا أن أحدهما ـ وهو الحي ـ يجد فى معية أخيه ما يهديء روعه.
والآن لنتحول إلى أبي العلاء المعري ليعلم القاريء الكريم أي رجل هو، حتى أن نجيب سرور يذهب فى شغفه به وبقراءته الى هذا المدى البعيد؟ يقول طه حسين عن أبي العلاء في ختام أطروحته للدكتوراه التي قدمها إلى الجامعة المصرية عام 1914، بعنوان (تجديد ذكرى أبي العلاء): "...المسلمين لم يعهدوا بينهم في قديمهم وحديثهم فيلسوفا مثله ـ يقصد أبي العلاء المعري ـ، قد جمع بين الفلسفة العلمية والعملية، ثم بينهما وبين العلم واللغة. وأبو العلاء هو الفيلسوف الفذ الذي التزم مالا يلزم عند المسلمين: في سيرته ولفظه، فحرم الحيوان والتزم النبات وأبى الزواج والنسل، وأراد اعتزال الناس. ولأبي العلاء شدة غريبة في رفض الخمر. فقد حرمها من جهات ثلاث: من جهة العقل والصحة والدين. وألف في ذمها كتابا خاصا سماه (حماسة الروح). وأبو العلاء هو الفيلسوف الفذ الذي أنكر النبوات، واعترف بالإله وعرض بالتكليف، وعارض القرآن وهزيء بشيء من أحكامه؛ ثم بقى مع ذلك سالما لم يصبه أذى فى نفسه إلى أن مات. فإذا سألت عن علة هذه السلامة فإنا نحصرها في ثلاثة أشياء، الأول: مهارته فى الاحتياط وإخفاء الرأي. الثاني: أن أكثر أيامه كانت أيام اضطراب سياسي بين حلب ومصر والروم، فلم يفرُغ له الحكام. الثالث: أن الدولة التى غلبت على حلب أيام فلسفته، وهي دولة بني مرداس، كانت دولة بدوية خالصة، لا تحفل بمثل هذه الموضوعات ولا تفكر فيها، وإنما كل همها القهرُ والسلطان".
ويستمر طه حسين فى تعريفنا بفلسفة أبي العلاء قائلا: "على أن أبا العلاء كان يدفع الحكام عنه، بكتب في اللغة يعنونها بأسمائهم، فيتخذ له بذلك منهم أصدقاء، ولم يقصر هذا على حكام المرداسية، بل فعله مع الدزبري. فألف له كتابا خاصا وهو نائب الفاطميين الذين يكرههم أبو العلاء؛ لذلك سلم من الأذاة الدينية في القرن الحادي عشر للميلاد، مع أن أمثاله من الفلاسفة الفرنج، كانوا يُقتلون ويُعذبون في القرن السادس عشر في أوروبا"!
ذلك هو الإمام الضرير، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، الذي اشتهر، أكثر ما اشتهر، باعتزاله الناس ولزوم بيته لا يبرحه، والاستقرار ببلده ـ معرة النعمان ـ لا يعدوه، حتى أنه قال في رسالة إلى خاله أبي القاسم: "إنه وحشي الغريزة أنسي الولادة"، إضافة إلى حديثه الشهير في لزومياته عن محابسه الثلاثة:
أراني في الثلاثة من سجُوني فلا تسأل عن الخـبر النبيث لفقدي ناظري ولزوم بيتــي وكون النفس في الجسد الخبيث
وهكذا لم يكن أبو العلاء فيلسوفا فذا فحسب، وانما كان شاعرا وأديبا أيضا، فله شعر ونثر. ولا شك ـ طبقا لطه حسين ـ في أنه قد نظم كثيرا من الشعر، وأن ما ضاع من نظمه أكثر مما بقى؛ فإنه بدأ يعاني صناعة القريض فى الحادية عشرة من عمره، وقد نيف على الثمانين وما ترك القريض، وما أعرض عنهُ. فمن المعقول أن يُنتج هذا العمر الطويل والعمل الكثير شعرا كثيرا، بيد أنه ليس لدينا من نظمه الآن إلا شيء لا يُقاس إلى ما يروي التاريخ من كثرة نظمه.
ويقول طه حسين إن الأمر فى نثر أبي العلاء كالأمر فى شعره، بل هو أشد غرابة، وأدعى للعجب، فلا يوجد من نثره إلا رسالة الغفران، ورسالة الملائكة، وطائفة من صغار الرسائل. ويحدثنا التاريخ بأن ديوان رسائل أبي العلاء الخاصة كان ثمانمائة كراسة، فأين ذهب سائرها؟ على أن لأبي العلاء كتبا أدبية ذهبت جملة، ولم يعرف التاريخ إلا أسماءها، ككتاب (الصاهل والشاحج)، وكتاب (تاج الحرة)، وكتاب (الفصول والغايات)، وغيرها من الكتب، التى كانت تعيننا على فهم القيمة الكتابية، لأبي العلاء، لو سمح بها الزمان!!..
تلك كانت نبذة موجزة عن أبي العلاء المعري، أوردناها ليعلم القاريء الكريم أي رجل شغف بفكره وشعره نجيب سرور، ولو أن الموضوعية تفرض علينا تهيئة القاريء الكريم لمعالجة جديدة وشيقة لكتابات أبي العلاء، يقدمها نجيب سرور فى كتابه هذا. فهو وان اعترف بفضل السبق للأساتذة الأفاضل الذين عنوا بدراسة أبي العلاء وفى مقدمتهم عميدي الأدب العربي طه حسين وعباس محمود العقاد، إلا أنه يصر على تقديم معالجة جديدة، يكشف بها ما أسماه "الطبيعة الشفرية لكتابات أبي العلاء النثرية والشعرية"، وهى معالجة مغايرة ـ بحق ـ لما اعتاد أن يقدمه دارسو أبي العلاء، قديما وحديثا، من معالجات تقليدية! ولعل هذا هو السبب الذى لأجله تمنى نجيب سرور أن يقرأ له الكبار على حد تعبيره، ما كتبه عن أبي العلاء، تلك الأمنية التي عبر عنها نجيب سرور في إحدى مقالاته بقوله: " إن الكبار لا يقرأون ـ عادة ـ للصغار!..وكم أتمنى أن يقرأ طه حسين والعقاد، كما أتمنى أن تقرأ بنت الشاطيء ولويس عوض ما كتبته حتى الآن عن أبي العلاء وعن ابن القارح! كما أتمنى لو أنهم لو أنهم أخذوا العبرة مما أورده أبو العلاء على لسان ابن القارح، حين قال له رؤبة بن العجاج متفاخرا: أليس رئيسُكم...كان يستشهدُ بقولي ويجعلُني له كالإمام؟.. فيرد ابن القارح قائلا: لا فخر لك أن استُشهد بكلامك. فقد وجدناهم يستشهدون بكلام أمة وكعاء (حمقاء)...وكم روى النحاةُ عن طفل، ما لهُ فى الأدب من كفل! فلأكن مثل تلك الأمة الوكعاء أو مثل ذلك الطفل الذي ليس له في الأدب!".
حسبك يانجيب! فأنت أجل وأسمى من أن تكون كأمة حمقاء أو كطفل ليس له فى الأدب! وأنا على ثقة كبيرة أن القاريء الكريم سيشاركني الرأي عندما يقرأ هذا الكتاب الشيق وسيعلم إلى أي مدى أدرك نجيب سرور أهمية كتابات أبي العلاء النثرية والشعرية، بوصفها تجسيدا لثورة عقلية فذة، لطالما سعى نجيب سرور للفت الأنظار إليها ودعى لمحاكاتها، باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتطور وتجاوز المحن الحياتية فى عالمنا العربي المغبون. ثورة عقلية تدعو ليس لنقد التراث العربي فحسب، ولكن لنقد التراث الإنساني كله! وهو ما يمكن أن يسهم في إقالة أمتنا من عثرتها. ولندع نجيب سرور يحدثنا عن ذلك صراحة بقوله: "إذن فصعوبة قراءة وفهم أبي العلاء صعوبة متعمدة واضطرارية وتكتيكية أملتها دوافع التخفي والتنكر والتغطية، الأمر الذي يجب أن يدفع القاريء (أظنه يعني القاريء العربي) إلى الاصرار على الصبر عليه والتصميم على فهمه لا الانصراف عنه ولا الزهد فيه ايثارا للراحة وجريا وراء السهولة، خاصة وأن فهم أبي العلاء بالذات والآن بالذات هو ـ كما اتضح وسيتضح أكثر ـ مسألة حياة أو موت بالنسبة للقراء العرب فى ظل المتغيرات الجديدة فى وطننا العربي الذبيح".
قارئي الكريم، أراني ملزما الآن بتوضيح نهجى فى إعداد مخطوطة الكتاب الماثل للنشر، وكنت قد ذكرت سلفا أن السيدة الفاضلة ساشا كورساكوفا قد أعطتني فى لقائي الأول بها في مقهى ريش حزمة من الأوراق، أخبرتني بأنها عمل مهم لنجيب سرور عن صاحبه ورفيق دربه أبي العلاء! وهو ما حدث بالفعل، حيث اصطحبت الأوراق معى إلى المنزل ورحت أتصفحها. فوجدت أنها عبارة عن جزئين. يضم الجزء الأول سبع مقالات، تناقش فى مجملها الفكر والشعر عند أبي العلاء. أما الجزء الثاني، فهو عبارة عن دراسة طويلة تضم سبع حلقات، بعنوان "دليل القاريء الذكي إلى عالم أبي العلاء"، تعالج بالتفصيل ما أسماه نجيب سرور بالطبيعة الشفرية لكتابات أبي العلاء. ولم تكن هناك عناوين لتلك الحلقات.
وبدا واضحا أنه سبق نشر بعض تلك المقالات والحلقات فى مجلات عربية مختلفة، وهو ما أكدته السيدة ساشا كورساكوفا، فقد أخبرتني بأن نجيب بدأ فى ارسال بعض المقالات والحلقات إلى مجلات عربية مختلفة بعد عودته مع أسرته الصغيرة من الإسكندرية عام 1975، حيث أقامت الأسرة هناك لمدة ثلاث سنوات تقريبا، رغبة منه في الحصول على عائد مالي يساعده على إعالة أسرته الصغيرة. وبدا واضحا كذلك أن نجيب سرور اعتمد فى مخطوطته على تحليل الكتابات الشعرية والنثرية لأبي العلاء. وتضم الكتابات الشعرية لأبي العلاء:
ـ سقط الزند: وهو ديوان يشتمل على أشعار نُظمت في أيام الصبا.
ـ الدرعيات: وهو ديوان، صغير، يشتمل علىأشعار وُصفت فيها الدرع خاصة، ونُص فى ثبت الكتب على أنه كتاب مستقل، أُلحق بسقط الزند.
ـ اللزوميات: وهي أكبر الدواوين الثلاثة، وأجلها خطرا، مثلت حياة عقل أبي العلاء، ووجدانه وخلقه أحسن تمثيل.
أما الكتابات النثرية لأبي العلاء التي اعتمد عليها نجيب سرور في هذا الكتاب، فهي رسالة الغفران، ورسالة الملائكة، وطائفة من صغار الرسائل.
وجاء التعامل مع مخطوطة هذا الكتاب على مستويين: الأول، تقسيم الكتاب لجزئين، يضم الجزء الأول مجموعة مقالات تُعنى بالفكر والشعر عند أبي العلاء. ولحسن الحظ ترك لنا نجيب سرور عناوينا بعينها لتلك المقالات، أبقينا عليها بالطبع، غير أن نجيب لم يختار عنوان للجزء الأول فى مجمله، ومن ثم اخترنا أحد عناوين المقالات المذكورة، كعنوان لهذا الجزء، وهو "الفكر والشعر في منظور أبي العلاء"، باعتباره الأكثر تعبيرا عن مضمون الجزء الأول في مجمله.
أما الجزء الثاني، فهو دراسة طويلة من سبع حلقات، بعنوان "دليل القاريء الذكي إلى عالم أبي العلاء". وللأسف لم يضع سرور عناوينا لتلك الحلقات، فكان علينا اعتبار كل حلقة فصل مستقل، وكان علينا أيضا اختيار عنوان لكل فصل من واقع مضمون الفصل نفسه، حتى تظل الروح السرورية مهيمنة على النص.
وعلى المستوى الثاني، حرص كاتب هذه السطور على مراجعة النص كلمة كلمة، وحرف حرف، وكذا مراجعة المصادر العلائية للتأكد من دقة الاقتباسات السرورية، فلنا أن نعرف أن نجيب سرور وضع هذا الكتاب القيم والشيق، وهو فى وضع لا يُحسد عليه وفى ظل ضغوط نفسية رهيبة، نحمد الله أنها لم تؤثر تأثيرا ملحوظا على رصانة هذا العمل القيم. فقد كان نجيب حين يكتب يتمتع بصفاء ذهنى يحسده عليه الكثيرون، ممن يعجزون عن الإبداع وهم في وضع أفضل منه، وهو الإنسان الذي لطالما عانى الجوع والتشرد والظلم!..
وليس لنا أن ننسى أن مخطوطة هذا الكتاب، فى جزء كبير منها، كانت صورة ضوئية باهتة للنسخة الأصلية التى لا أدري مصيرها ولا فى أي يد وقعت.
ولقد ألحقت بهذا الكتاب ثبتا بأعمال ومؤلفات نجيب سرور، استندت فى اعداده للثبت الذي أورده الأستاذ محمد دكروب فى ختام دراسة نجيب سرور القيمة "رحلة...فى ثلاثية نجيب محفوظ"، الصادرة عن "دار الفكر الجديد"، ضمن سلسلة "الكتاب الجديد"، بيروت 1989، بيد أنني حذفت وأضفت الكثير من المعلومات التى لم تدركها الطبعة المذكورة، ولم يُحط بها الأستاذ محمد دكروب.
على أية حال، يظل هذا الكتاب القيم الجميل نثر ثقافي رائع، ودراسة جديدة من نوعها في النقد الأدبي والفكري العربي، نتمنى أن تتبوأ هى وصاحبها المكانة اللائقة بها فى الذاكرة العربية، وكذا المكتبة العربية. على أمل أن يتسنى لكاتب هذه السطور في المستقبل القريب وضع دراسة، يخصصها لتحليل النزعة الإنسانية (الأنسنية) عند نجيب سرور، فى اطار سعيه الدءوب لإرساء دعائم تيار ثقافى أنسني فى هذه المنطقة المضطربة والمليئة بالصراعات والهموم. ولكل من ساعد على إخراج هذا العمل القيم للنور عظيم الشكر وجزيل الثناء، خاصة السيدة الفاضلة ساشا كورساكوفا أرملة الراحل النبيل نجيب سرور، فقد احتفظت بتلك المخطوطة طوال تلك السنوات الطويلة، وأصرت على أن تُنشر مكتملة تنفيذا لوصية زوجها الراحل، فلطالما كرر نجيب سرور على مسامعها إعجابه الفائق بثلاث شخصيات بعينها، رآها تجسيدا حلوا لعالمه المنشود، أولها المسيح عليه السلام، وثانيها دون كيخوته الشهير بطل رواية ثربانتس الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه، وثالثها أبي العلاء المعري شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء.
د.حازم خيري سراي القبة في 11/11/2007
***********
الجزء الأول
الفكر والشعر فى منظور أبي العلاء
محنة هى ومتعة أن ترفض العالم الذي لا يعجبك من أجل عالم تتمناه، ومحنة هى ومتعة أن تتحدى كل قوى الشر والقهر والاستبداد. ومحنة ثالثة أن تعاند قوى اليأس والتثبيط والاحباط فى كل ما حولك. ومحنة أن تقف من العالم المحيط بك موقف النقد، رغم أمراض البدن والروح. ومحنة أن ترى نفسك عملاقا وسط أقزام، ونابهة وسط أغبياء ونابغة بين أوساط الناس وجهلائهم. إنها محنة ومتعة لا يحسها إلا العمالقة من بني الانسان والعباقرة منهم على التخصيص حين يفسد الملح، كل الملح، تُطبق الظلمات وتتضافر قوى الشر على قهر الفرد والجماعات. وقلة من بني الانسان هي دائما الطلائع، وهي دائما التى تقف في وجه كل قوى الحصار، وخاصة حين لا يبدو هناك بصيص من نور، وحين يتردد الانسان بين قوى الترغيب وقوى الترهيب.
هذه فى العادة وقفة لا يقفها إلا أولئك الذين يُولدون أو يعيشون أو يموتون على الحافة، حافة الانتقال من عصر إلى عصر، الانتقال من مجتمع الى مجتمع، ميلاد علاقات وموت علاقات أخرى، قيام أبنية وانهيار أبنية أخرى. قد لا تكون هذه العملية ملحوظة ولا ظاهرة للعيان ولا مكشوفة بالدرجة الكافية، ولكن رصدها هو مهمة الطلائع والنوابغ فى كل العصور، وهم في هذا لا يعبرون عن وجدان خاص متفرد ولا متميز ـ وان كانوا كذلك بالفعل ـ ولكنهم يعبرون، شاءوا أو لم يِشاءوا، عن حركة التاريخ ووجدان الجماهير. وليس أمر على النفس الكبيرة، والكبرياء المتمرد، الذي يميز هؤلاء عادة على كل العصور، من أن تجد نفسها في دوامة الاغراء والارهاب والمساومة والتسليم والاستسلام والتحدى والعناد والاصرار..إلى آخر ما تثيره المعركة عادة من آلام النفس والروح.
وليس ثمة نموذج لكل ما قلناه أروع من الحوار الذي دار يوما ما بين المعتزل المنتمي فى نفس الوقت: الزعيم الامام أبي العلاء العري، وبين "داعي الدعاة". لقد بدأ داعي الدعاة مراسلة أبي العلاء من منطق مختلف تماما، وموقع مختلف تماما عن منطق وموقع رهين المحبسين بل رهين الثلاثة محابس. واضطر أبو العلاء إلى الرد، والرد والرسائل وثيقة ضميرية هامة وشيقة ونموذجية، تعتبر درسا فى الصمود وفي أخلاق الرجال وفي كبرياء النوابغ.
قال ياقوت (الحموي) في معجمه (معجم الأدباء): "إن أبا نصر بن أبي عمران داعي الدعاة بمصر لما قرأ قول أبي العلاء:
غدوت مريض العقل والقلب فالقني لتُخبر أنباء العقول الصحائـــح
كتب إلى المعري يقول له: أنا ذلك المريض رأيا وعقلا، وقد أتيتك مستشفيا فاشفني. ودارت بينهما مراسلات فى ذلك..
ولما وقفت على ذلك (والكلام هنا لياقوت) اشتهيتُ أن أقف على صورة ما دار بينهما على وجهه، حتى ظفرتُ بمجلد وفيه عدة رسائل من أبي نصر هبة الله بن موسى بن أبي عمران إلى المعري فى هذا المعنى، وانقطع الخطابُ بينهما على المساكتة. ونقلُها على الوجه يطولُ، فلخصتُ منها الغرض دون تفاصح المعري وتشدقه"!
بدلا من السخرية
اما أن "المساكتة" تمت بعد تمام التراسل بين أبي العلاء وداعي الدعاة، بمعنى أن يكون داعي الدعاة قد اقتنع بردود أبي العلاء كما هو متوقع وبمعنى أن يكون قد فهم ما يقصده أبو العلاء بالبيت المذكور فى اللزوميات، واما أن تكون المساكتة كما يغلب الظن عندنا راجعة إلى عجز داعي الدعاة عن استنطاق أبي العلاء واستبطان داخلته ومعرفة سره، واما أن تكون المساكتة من جانب ياقوت نفسه، خاصة وأنه يشير إلى مجلد من الرسائل بين أبي العلاء وبين داعي الدعاة ويشير إلى أنه اختصره اختصارا يبدو فيه العمد وسبق الاصرار أكثر مما تبدو فيه العفوية. كما لا ننسى دلالة هجوم ياقوت على أبي العلاء بالذات لا على داعي الدعاة وذلك حين اتهم أبا العلاء بالتفاصح والتشدق، مما يدل على الرغبة فى الترضية وذلك بغير موجب يستدعي الهجوم مما تقرؤه فى ردود رهين المحبسين على داعي الدعاة، بل الأوجب والأقرب إلى المنطق أن يقف ياقوت إلى جانب أبي العلاء بدلا من السخرية الصريحة منه.
هذا موقف تمليه الاعتبارات الانسانية قبل كل شيء مهما كانت ردود رهين المحبسين. ومهما يكن الأمر فلنترك داعي الدعاة يتكلم بنفسه ولنطرح المسألة برمتها أمام محكمة القراء وهي لابد عادلة ولابد أن تقف إلى جانب أبي العلاء البريء تماما من التفاصح والتشدق، والبريء تماما من كل التهم الأخرى التى طالما وُجهت إليه على مدى ألف عام. إن داعي الدعاة يبدأ رسالته بالنفاق الظاهر والثعبانية ليُزهد أبا العلاء فى الأدب ويُحبب إليه الدنيا ويعرض عليه نوعا من الترغيب: "الشيخ ـ أحسن الله توفيقه ـ الناطقُ بلسان الفضل والأدب، الذى ترك من عداهُ صامتا، مشهود له بهذه الفضيلة من كل من هو فوق البسيطة. غير أن الأدب الذى هو جالينوسُ طبه، وعنده مفاتيح غيبه، ليس مما يفيده كبير فائدة فى معاشه أو معاده سوى الذكر السائر به الركبان، مما هو إذا تسامح المذكور به علم أنه له بمكانه الجمال والزينة ما دام حيا، فاذا رمت به يدُ المنون من ظهر الأرض إلى بطنها فلا بحُسن ذكره ينتفع، ولا بقبحه يستضر".
استدراج
ثم يستطرد داعي الدعاة فى زعزعة ايمان أبي العلاء بجدوى اعتزاله وزهده وعذاباته بطريقة عدمية صارخة، فيقول: "وإذا كانت الصورة هذه كان مستحيلا منه ـ أيده الله ـ مع وفور عقله، أن جعل مواده كلها منصبة إلى أحكام اللغة العربية والتقعر فيها، واستيفاء أقسام ألفاظها ومعانيها، ووفر عمره على ما لا نتيجة له منها، وترك نفسه المتوقدة نارُ ذكائها خلوا من النظر فى شأن معاده...".
ثم يستطرد داعي الدعاة فى الاستدراج البوليسي لرهين المحبسين، فيقول: "فاذا هو ـ حرسه الله ـ بمقتضى هذا الحكم مرتو من عذب مشرب هذا العلم، وإنما ليس يبوح به لضرب من ضروب السياسة. والدليل على كونه ناظرا لمعاده سلوكُهُ سبيل العيش والتزهد...".
ويخلص داعي الدعاة بطريقة ماهرة خبيثة بعد هذا التكتيك إلى ما يريد فيستطرد قائلا: "...ولما رأيتُ ذلك وسمعتُ داعية البيت الذي يُعزى إليه، وهو:
غدوت مريض الدين والعقل فالقني لتعلم أنباء الأمور الصحائـــح
فشددتُ إليه راحلة العليل فى دينه وعقله إلى الصحيح الذي ينبئني أنباء الأمور الصحائح. وأنا أولُ ملب لدعوته، معترف بخبرته، وهو حقيقُ أن لا يوطئني العشوة، فيسلك بي فى المجاهل، ولا يعتمد فيما يورده تلبيس الحق بالباطل. وأول سؤالي عن أمر خفيف، فإن استنشقتُ نسيم الشفاء، سقتُ السؤال إلى المهم..."
إنه التمهيد إلى انزلاق أبي العلاء إلى الفخ...
أبو العلاء يدرك
ولنستمع إلى الصوت الآخر، صوت أبي العلاء، المدرك جيدا للفخ المنصوب له وللطريق إليه، والمصر على ألا ينزلق واضعا في حسابه قرب داعي الدعاة من السلطة: "قال العبد الضعيف العاجز....
إني أعد سيدنا الرئيس الجليل المؤيد في الدين ـ أطال الله بقاءه ـ ممن ورث حكمة الأنبياء، وأعد نفسي الخاطئة من الأغبياء...
وهو بكتابه إلى متواضع، ومن أنا حتى يكتب مثلُهُ إلى مثلي؟! مثله فى ذلك مثل الثريا كتبت إلى الثرى. وقد علم الله أن سمعي ثقيل، وبصري عن الأبصار نقيل (غريب)...
إن الله جلت عظمتُهُ حكم على بالإزهاد، فطفقت من العُدم فى جهاد، وأما قول الضعيف العاجز:
غدوت مريض العقل والدين فالقني
فإنما أخاطب به من هو في غمرة الجهل، لا من هو للرياسة علم وأصًل.......
فلما بلغ العبد الضعيف العاجز اختلافُ الأقوال، وبلغ ثلاثين عاما، سأل ربه إنعاما، ورزقه صوم الدهر، فلم يفطر فى السنة ولا الشهر، إلا فى العيدين، وصبر على توالى الجديدين...".
على أنه لابد من ملاحظة أن أبا العلاء اُستدرج فعلا، وإلى درجة ما، إلى الفخ المنصوب واندفع بطبيعته العنيدة يدافع عن النباتيين ويثير قضايا كان يمكن أن تُطيح برأسه فى عصر المذاهب والطرائق والشيع، ولكن الأهم من ذلك أن أبا العلاء يختم رسالته بقوله: " ومما حثني على ترك أكل الحيوان أن الذي لي في السنة نيف وعشرون دينارا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب، بقى لى ما لا يُعجبُ، فاقتصرت على فول وبُلسُن (العدس) وما لا يعذب على الألسن..
فأما الآن فإذا صار إلى من يخدمني كبير عندي وعنده هين، فما حظي إلا اليسير المتعين. ولست أريدُ في رزقي زيادة، ولا أوثر لسقمي عيادة، والسلام..".
المصارحة المباشرة
ولكن داعي الدعاة أخطأ فهم رهين المحبسين، فبعد فشل التكتيك الخبيث الثعباني الماكر خلص من الحوار الضمني إلى المصارحة المباشرة ليعرض غرضه الأصلي على رهين المحبسين، فيقول فى إحدى رسائله إلى أبي العلاء: "...وقد كاتبتُ مولاى تاج الأمراء (يقصد الأمير ثمال بن صالح المرداسي وهو يُلقب أيضا معز الدولة) ـ حرس الله عزه ـ أن يتقدم بازاحة العلة، فيما هو بلغةُ مثله من ألذ الطعام، ومراعاته على الإدرار والدوام، ليتكشف عنه غاشية هذه الضرورة، ويجرى أمرُهُ في معيشته على أحسن ما يكون من الصورة...".
ولكن أبا العلاء رفض. وهكذا يكون موقف العبقرية، موقف الكبرياء والتحدي والصبري والاصرار ومواجهة كل الصعوبات وكل قوى القهر والترغيب فى سبيل الانتماء فى الاعتزال أو الاعتزال فى الانتماء، وذلك على الحافة بين عصر وعصر. إنه رجل لكل العصور.
*******
المقالة الثانية
"لا تولوا أموركم أيدي الناس إذا ردت الأمور إليكــــم" "تنام أعين قوم عن ذخائرهم والطالبون أذاهم ما ينامـونا" أبو العلاء
يسود الاعتقاد بين المثقفين العرب بأن طه حسين استقى منهج الشك الذى نظر به إلى "الشعر الجاهلي" من الفيلسوف الفرنسي ديكارت! ولعل طه حسين قد استمرأ هذه النغمة فراح يُرددها ويُكررها، ربما طلبا للسلامة ونوعا من الحذر والحيطة وحتى لا يُعرض نفسه لأخطار متوقعة!..
فهل صحيح هذا الاعتقاد؟!
الواقع أنه غير صحيح على الاطلاق. فطه حسين ذو طبيعة "فنية" كما أشرت إلى ذلك فى غير هذه المناسبة، وهو لايملك الطبيعة "العقلانية" ولا العقلية الفلسفية التى تمكنه من أن يطبق منهج الشك عند ديكارت على الشعر الجاهلى بالذات ويستنتج من التطبيق النتائج المنطقية اللازمة التى أثارت عليه الرأي العام العربي فى حينها.
ثم إن ديكارت بعيد تماما عن الموضوع والقفزة منه إلى الشعر الجاهلي قفزة مستحيلة. وما لم تكن الأفكار الأساسية التى قام عليها كتاب طه حسين "فى الشعر الجاهلي" جاهزة بين يديه وناضجة وواضحة وصريحة لما كان له أن يراها فى ضوء منهج الشك عند ديكارت فأين رآها طه حسين؟!
رآها جاهزة وناضجة وصريحة عند أبي العلاء المعري وفى رسالة الغفران على التحديد، وان كانت بذورها وأصداؤها مبعثرة فى مقدمتي سقط الزند ولزوم ما لا يلزم ومترددة بين الصراحة والضمنية كما فى الديوانين المذكورين. فلماذا لا نرد الأشياء الى أصولها الحقيقية.. ولماذا نتمسح بديكارت ونغمط سبق وحق أبي العلاء؟! ربما كما قلت ايثارا للسلامة، فمن الخطر على كل حال الاشارة الى أبي العلاء أو الاقتراب منه أو تبني أفكاره. وطه حسين بالذات كان رجلا يجيد الاحتياط لنفسه ويقدر الظروف المحيطة به.
المنحول والصحيح
فى السطور الأولى من رسالة الغفران يرد ذكر أبي زيد الأنصاري البصري الذى روى عن خلف الأحمر الذى أتى الى الكوفة ليكتب عنهم الشعر فبخلوا عليه به فكان يعطيهم المنحول ويأخذ الصحيح..فلما مرض قال لهم: "ويلكم..اني تائب الى الله. هذا الشعر لي". فلم يقبلوا منه فظل منسوبا الى العرب لهذا السبب!.. واذا كان هذا عن الشعر فيما بعد الاسلام فهو أصدق على الشعر الجاهلي. وعندما يصبح الشعر محلا للشك بين الصحيح والمنحول ـ الاسلامي والجاهلي بالتالي ـ فان هذا يُعرض التراث كله للشك. لأن الشعر الجاهلي هو المصدر أو المرجع اللغوي الأساسي. مما يشكك أيضا فى كل ما رواه الرواة من شعر أو من خبر! وما دام المنحول تسرب الى الشعر الجاهلي فمعنى هذا أنه تسرب الى كل التراث فيما بعد الجاهلية؟..فماذا نصدق وماذا نكذب؟ انه مأزق بديع الزمان الهمذاني القائل:
اياك واحذر أن تكون من الثقات على ثقة !
على أن أبا العلاء يلح على المنحولات فى التراث العربي الجاهلي والاسلامي والقديم والحديث الحاحا غريبا على طول رسالة الغفران، ولكن بذكاء نادر لأنه يعلم خطورة ما يقول.
يفعل الرجل ذلك من خلال لقاءات ابن القارح المتخيلة والمدبرة لمختلف النحاة واللغويين والرواة والشارحين والحفظة وشعراء الجاهلية والاسلام، ومن خلال سؤال ابن القارح عما ينسبه اليهم الرواه والمؤولون والمصحفون والناحلون، ومن خلال ما يورده ويحيل اليه من أسماء الشعراء أو من خلال استشهاداته بأبيات وقطع لهم.
ففي لقاء مع النابغة الذبياني يقول ابن القارح: "لله درك يا كوكب بني مرة! ولقد صحف عليك أهل العلم من الرواة. وكيف لى بأبوي عمرو المازني والشيباني وأبي عبيدة وعبد الملك وغيرهم من النقلة لأسألهم كيف يروون وأنت شاهد لتعلم أني غير المتخرص ولا الولاغ..".
ثم يسأل ابن القارح النابغة عن قوله:
ألمـا على الممطورة المتأبدة أقامت بها فى المربع المتجردة
فيقول النابغة فينكر نسبتها إليه: "ما أذكر أني سلكت هذا القرى قط!!". فيقول ابن القارح: "ان هذا لعجب! فمن الذى تطوع فنسبها اليك؟". فيقول: "انها لم تُنسب الى على سبيل التطوع، ولكن على معنى الغلط والتوهم، ولعلها لرجل من بني ثعلبة بن سعد". فيقول نابغة بني جعدة ـ وكان حاضرا المجلس ـ: "صحبني شاب فى الجاهلية ونحن نريد الحيرة، فأنشدني هذه القصيدة المنسوبة الى النابغة الذبياني لنفسه، وذكر أنه ابن ثعلبة، وصادف قدومه شكاة من النعمان، فلم يصل بها اليه". فيقول نابغة بنى ذبيان: "ما أجدر ذلك أن يكون!".
هنا يسجل أبو العلاء الشك، لا فى أخطاء لغوية أو نحوية أو لحنية مما تخطينا الكثير منه عمدا لضيق النطاق وكثرة الاستشهادات، وانما فى قصيدة كاملة من الشعر الجاهلي تُنسب ظلما الى النابغة الذبياني!
ثم يشير أبو العلاء الى النسيان الذي كان سببا فى ضياع الكثير من التراث العربي الجاهلى والاسلامي، مما أتاح الفرصة كاملة لتسلل المدسوس والمنحول والمغلوط والمصحف. وذلك فى لقاء ابن القارح بعوران قيس: تميم بن مقبل العجلاني، وعمرو بن أحمر الباهلي، والشماخ معقل بن ضرار، وراعي الابل عبيد بن الحصين النميري، وحميد بن ثور الهلالي. وذلك حين يقول ابن القارح للشماخ بن ضرار: "لقد كان فى نفسي أشياء من قصيدتك التى على الزاي وكلمتك التى على الجيم فأنشدنيهما لا زلت مخلدا كريما".
فيقول الشماخ: "لقد شغلني عنهما النعيم الدائم فما أذكر منهما بيتا واحدا". فيقول ابن القارح لفرط حبه بالأدب: "لقد غفلت أيها المؤمن واضعت! أما علمت أن كلمتيك أنفع لك من ابنتيك..وان القصيدة من قصائد النابغة لأنفع له من ابنته عقرب؟!"
انظروا الى أي حد يقدس أبو العلاء هنا التراث ويحرص على سلامته ويأسف لضياعه؟
ثم ينشده قصيدته التى على الزاي، فيجده بها غير عليم! ثم يسأل عن عمرو بن الأحمر، فيحضر فورا فيسأله عن أشياء فى قصيدته الرائية فيجده غير مبال. ويقول عمرو: "لم تترك فى أهوال القيامة غبرا للانشاد. وقد شهدت الموقف، فالعجب لك اذا بقي معك شيء من روايتك". والقيامة والموقف اشارتان رمزيتان لما عاناه الشعراء فى حياتهم من العذابات والأهوال.
فيقول تميم: "والله ما دخلت من باب الفردوس ومعى كلمة من الشعر ولا الرجز. وذلك أني حوسبت حسابا شديدا..وإن حفظك لمبقي عليك، كأنك لم تشهد أهوال الحساب".
ثم يشكك أبو العلاء فى الشعر العربي كله عندما يحكي ابن القارح قصته يوم الموقف ـ القيامة ـ ومحاولاته رشوة رضوان خازن الجنة وزُفر خازن النار بأشعار موزونة على طراز قصائد جاهلية شهيرة فلا تحرك أشعاره منهما ساكنا. ويسأله رضوان:
ـ وما الأشعار؟
ـ الأشعار جمع شعر، والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، اذا زاد أو نقص أبانه الحس، وكان أهل العاجلة يتقربون به الى الملوك والرؤساء.
ويقول زُفر: "لا أشعر بالذى قصدت..وأحسب هذا الذي تجيئني به قرآن ابليس المارد ولا ينفق على الملائكة، إنما هو للجان وعلموه ولد آدم ...فمن أين أنت؟ فيقول: "من أمة محمد بن عبد المطلب". فيقول زُفر: "صدقت، ذلك نبي العرب، ومن تلك الجهة أتيتني بالقريض، لأن ابليس اللعين نفثه فى اقليم العرب فتعلمه نساء ورجال".
ان نسبة الشعر العربي الى ابليس تشكيك ما بعده تشكيك فى التراث الشعري كله. وكذلك نسبته الى الجان، خاصة اذا وضعنا فى اعتبارنا الأشعار التى نسبها أبو العلاء الى الجن فى رسالة الغفران والتى هي من وضعه بغير شك، ثم إن العرب ـ كما يقول ـ كانوا يقولون الشعر على الغريزة والفطرة والعفوية، ولكن هناك أناسا أو قوما تعلموه رجالا ونساءا ولم يكن يتعلمه العرب؟! من هنا فُتح الباب على مصراعية أمام الشعر المصنوع المنحول المدسوس الذى يرفضه الحس العربي الأصيل..وأبو العلاء من القلة النادرة التى كانت تتمتع بهذا الحس. وماذا حين يُرد الشعر كله الى ابليس وأعوانه؟ ومن هو ابليس وأعوانه فى معجم أبي العلاء هذا ما نعد بالقول فيه قريبا.
الصافي والمخلوط
أين الخالص الصافي من تراثنا وأين المخلوط؟!
وهكذا يُشهر أبو العلاء منهج الشك كالسيف القاطع على طول رحلة ابن القارح فى رسالة الغفران وشعاره كما ورد فى اللزوميات:
وكيف أرجي من زمانـي زيادة وقد حذف الأصلي حذف الزوائد
وقوله:
فان تعهدينـي لا أزال مسائلا فانى لم اعط الصحيح فاستغني
ثم قوله:
تلوا باطلا وجلوا صارما وقالـوا صدقنا فقلنا نعم!
وكثير غير هذا..
ولكثرة الاستشهادات العلائية لا أملك إلا أن أحيل القاريء الى حديث ابن القارح مع حمزة بن عبد المطلب، لأنه كما يقول أبو العلاء: "شاعر، واخوته شعراء، وكذلك أبوه وجده، ولعله ليس بينه وبين معد بن عدنان، إلا من قد نظم شيئا من موزون". فأين شعر حمزة بن عبد المطلب وشعر أبائه وأجداده؟ ثم ما دلالة تأصل الشعر فيه أبا عن جد؟ وما هي النتائج المترتبة على هذا ان صح وهو لا شك صحيح؟!
ثم أُحيل القاريء الى مقابلة ابن القارح للنحوي أبي على الفارسي وقوم من الشعراء يحيطون به ويقولون: "تأولت علينا وظلمتنا!"، أي افتريت علينا ورويت عنا كذا زورا وبهتانا. ثم اذا جماعة من هذا الجنس، كلهم يلومونه على تأويله".
ثم هناك المقابلة مع حميد بن ثور. ثم الأبيات المنسوبة حتى الى الخليل بن أحمد، والتى يتبرأ منها الخليل:
ان الخليـط تصــدع فطر بدائك أو قع...الخ
ثم سؤاله لامريء القيس عن التسميط (القيام بضم شطر من عنده الى شطر من قصيدة كتبها غيره) المنسوب اليه ببعض الأبيات فيقول امرؤ القيس: "والله ما سمعت هذا قط، وانه لفرى لم أسلكه، وإن الكذب لكثير. وأحسب هذا لبعض شعراء الاسلام، ولقد ظلمني وأساء إلى...يُقال لي مثل ذلك؟ والرجز من أضعف الشعر، وهذا الوزن من أضعف الرجز". فيُعجب ابن القارح من امريء القيس! ثم لقاؤه مع عمرو بن كلثوم، ومع أوس بن حجر. ثم يروي فى نفس الوقت للنابغة، ثم لقاؤه بالمهلهل وتأبط شرا وما يُروى عنه من نكاح الغيلان. فيقول تأبط شرا: "لقد كنا فى الجاهلية نقول ونتخرص (نكذب)، فما جاءك عنا مما ينكره المعقول، فإنه من الأكاذيب، والزمن كله على سجية واحدة". أي:
كذب الظن لا امام سوى العقل مشيرا فى صبحــه والمساء
تُرى كم يتبقى من تراثنا، وماذا يتبقى اذا حكمنا فيه العقل والفكر أحرارا من المحاذير والمخاوف والروادع والقيود والأوهام وأوثان العقل والوجدان والضمير؟
ثم يأتى لقاء ابن القارح بآدم وسؤاله له: "يا أبانا، صلى الله عليك، قد رُوى لنا عنك شعر منه قولك:
نحن بنو الأرض وسكانُـها منها خُلقنا، وإليها نعــود والسعد لا يبقى لأصحابـه والنحس تمحوه ليالي السعود
وهنا يتج |