لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع









































 

بدر شاكر السياب

(دراسة في حياته وشعره)

احسان عباس

مقدمة

بدر شاكر السيابحاولت في هذا الكتاب أن أتحدث عن السياب في إطار من الشئون العامة والخاصة التي أثرت في نفسيته وشعره، ولهذا آثرت طريقة تجمع بين التدرج الزمني والنمو (أو التراجع) النفسي والتطور (أو الانتكاس) الفني، فكان السياب الإنسان والسياب الشاعر معا دائما عل المسرح المكاني والزماني، ذلك لأني أرى أن هذه الطريقة توسع مجال الرؤية لدى القارئ لأنها تقدم له زوايا ثلاثا لا زاوية واحدة. وأنا أعلم أن كثيرا من الناس يضيقون ذرعا بالاحتكام المستمر إلى التاريخ، ولكن هؤلاء ينسون أن التاريخ صورة الفعل الإنساني والإرادة الإنسانية على الأرض، وأن دراسة الشعر على مجلى من الحقائق التاريخية لا تعني انتقاصا من سماته الفنية، خصوصا حين يتفق الدارس والقارئ على أن ذلك الشعر كان جزءا من الحركة الكلية في التطور الجماعي، بل كان عاملا هاما في تلك الحركة، ولم يكن كله تهويما في دنيا الأحلام الدانية. كذلك فان دراسة دخائل النفس لا تعني

(1/3)

تشخيص " المرض " لدى الفنان من اجل التحليل النفسي ذاته وإنما هي وسيلة لفهم طبيعة المنابع التي فاض الشعر عنها. وقد خضع السياب في وقفته التاريخية والنفسية لعوامل عنيفة تركت آثارا عميقة في شعره ومن كان لا بد لاستبانة تلك الآثار من دراسة تلك الوقفة في موكب الجماعة وفي عزلة الذات على السواء. وكل فصل للشعر عن ذلك الموقف قد يعرض الدارس للتجريد أو للأخذ بالعموميات.
وقد بذلت جهدا غير قليل لأبرئ هذه الدراسة من التعميمات ومن انتحاء اللغة الشعرية الفضفاضة التي طغت على مناهج النقاد في هذه الأيام، ذلك لأني أومن إيمانا لا يدركه أي اضطراب بأنا حين نملك زمام الحقيقة نستطيع أن نعبر عنها بوضوح، وأننا حين نجد الحقيقة غائمة في نفوسنا نلجأ إلى المجازات، وأدهى من ذلك أن لا تكون لدى الناقد " حقيقة " يريد أن ينقلها إلى الآخرين فيهيم وراء عبارات شعرية سابغة الذيول يجرجرها لإثارة الغبار

(1/4)

ظانا بذلك ان تصاعد الغبار وحده كاف للدلالة على الفارس والفرس. وكذلك فإنني تعمدت ألا أمنح الشاعر الذي أدرسه نصيبا من المستوى الفكري والإنساني والنضالي اكبر مما يستطيع شعره نفسه أن يصوره لأني أكره أن أمنح أي شاعر " مركبا " فكريا لم يدر في خلد ولا يمكن أن يستنتج من شعره. وفي مثل هذه الدراسة المطولة تصبح المقارنات عبئا غير صغير، رغم إنها مفيدة في توسيع الآفاق وتوجيه الأنظار إلى المعالم المشتركة والمظاهر الهامة، ولكني لست ادرس الشعر الحديث في هذا الكتاب وإنما أحاول التركيز قدر المستطاع على شعر شاعر واحد هو السياب، ولهذا وحده لم يلجأ إلى المقارنات إلا نادرا.
وكنت اعد هذه الدراسة لتظهر قبل هذا الوقت بكثير، إذ كان معظم مادتها جاهزا ليدون في فصول قبل سنتين تقريبا. ولست احب أن اثقل على القارئ بالحديث الذاتي عن الشئون العامة والخاصة التي حالت دون ما أملت، وبعض تلك الشئون قد جعلني ؟فترة من الزمن

(1/5)

أشك في قيمة أية دراسة نظرية وأنا مشتت النفس تحت دوي الدعوة الملحة إلى الكفاح العملي المصيري؛ يكفي أن أقول أن كتبا ومقالات كثيرة ظهرت عن السياب في أثناء ذلك، وقد طالعت كل ما وصل إلي منها مطالعة مستفيد، ولمنها كانت متفاوتة في قيمتها وفي منحاها: فبعضها تأبيني لا تتطلبه هذه الدراسة، وبعضها نقدي إلا أنه لا يتلاءم والمنهج الذي اخترته، وبعضها أخباري ولعله كان أكثرها نفعا لأنه يقوي أجزاء الصورة التي أبنيها أو أضيف إليها.
وكثيرا ما وقفت وأنا اكتب هذا البحث لألقي على نفسي هذا السؤال: لماذا أتصدى لكتابة ما يحسنه كثيرون غيري ؟ممن عرفوا السياب وعاشروه - اكثر مما أحسنه؟ ثم تتضاءل حدة السؤال حين أذكر أن كثيرا من أولئك الناس لم يضنوا علي أبداً بجميع الوسائل والأدوات التي تمكنني من القيام لهذا العمل بل قدموها إلي راضين مشجعين. ولولا الشهادات الشفوية والوثائق الخطية التي حصلت عليها لم يتح لهذه الدراسة ان تتم على هذا الوجه

(1/6)

فأنا مدين بواجب الشكر لعدد كبير من الأصدقاء:
وفي طليعة هؤلاء، الشاعران: الأستاذ خالد الشواف والأستاذ علي أحمد سعيد (أدونيس) والدكتور سهيل إدريس فانهم جميعا قدموا لي ما في حوزتهم من رسائل السياب؛ وتلطف الأستاذ الشواف من بينهم فأرفق الرسائل بملاحظات تفسيرية قيمة، ونزولا على رغبته الكريمة أغفلت التصريح بأسماء من كان السياب يتغزل بهن، كما أغفلت ذكر أسماء أشخاص كان يشير إليهم في تلك الرسائل، ولم أخالف هذه الرغبة إلا مرة واحدة حين ذكرت اسم محبوبته الريفية؛ والأستاذ محمد علي إسماعيل صديق السياب الوفي، والأستاذ نجاح السياب إذ سمحا بتصوير ما لديهما من قصائد للسياب لم ينشر بعضها. والأساتذة: الشاعر الكويتي علي رفيق السياب في فترة استشفائه بالكويت، والدكتور عبد الله السياب ومصطفى السياب شقيقا المرحوم بدر، وعبد اللطيف السياب ابن خاله الذي كان رفيقا له في المرحلة الدراسية بالبصرة، فإليهم يعود

(1/7)

الفضل فيما تجمع لدي من شهادات شفوية؛ ومحمود يوسف الذي سمح باستنساخ دفتر يحتوي عددا من الموضوعات الإنشائية بخط السياب؛ ومحمد عبد الجبار المعيبد مدير ثانوية القرنة لأنه أذن بتصوير قصيدة " فجر الإسلام " من نسخة محفوظة بمكتبته؛ والصديق عبد الرزاق الهلالي الذي أرسل إلي نسخته الخاصة من كتاب الأستاذ عبد الجبار البصري عن السياب، والصديق الأديب خضر الولي الذي أمدني بعدد غير قليل من المؤلفات العراقية وخاصة كتاب الأستاذ محمود العبطة المحامي.
ولست أنسى الجهد المشكور الذي بذله صديقي الحميم الدكتور محمد الصفوري والأستاذ حسن عباس في استيفاء بعض المعلومات اللازمة عن مرض السياب وعن فترة إقامته الأخيرة في الكويت.
وأخيرا لا آخرا فان هذه الدراسة مدينة بأكبر الفضل لشباب ضحى في سبيلها بقسط كبير من راحته ووقته وهو يجمع المادة اللازمة متنقلا بين بغداد والبصرة، اعني ابن

(1/8)

أختي البار الوصول السيد فتح الله احمد عباس الذي لولا جده وحماسته في الجمع والتقيد وتصوير الأصول الخطية والمنشورة في الصحف، ومقابلته لكل من يستطيع أن يمده بمعلومات عن الشاعر الراحل لم أستطع أن أقوم بعبئها.
إن المعاونة الكريمة التي تلقيتها من هؤلاء الأصدقاء جميعا كانت عاملا هاما في إنجاز هذا البحث، وقد كنت أحس انهم قد أولوني ثقتهم حينما بذلوا ذلك العون، وكل ما أرجوه أن يكفل هذا الكتاب الحفاظ على تلك الثقة الغالية، فإنها طريق إلى مزيد من الثقة لدى سائر القراء، والله الموفق.

بيروت في 20 نيسان 1969
إحسان عباس

(1/9)

البحث عن النخلة

(1/15)

- 1 –

أحجار جيكور

على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، وعلى مسافة تقطعها السيارة في خمس وأربعين دقيقة تقع " أبو الخصيب " التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى، من بينها قرية لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة تقع على ما يسمى " نهر أبو فلوس " من شط العرب وتدعى " جيكور " ، تسلك إليها في طريق ملتوية تمتد بالماشي مدى ثلاثة أرباع الساعة من أبي الخصيب، وهي الزاوية الشمالية من مثلث يضم أيضا قريتين أخريين هما بقيع (بكيع) وكوت بازل ؟ قرى ذات بيوت من اللبن أو الطين، لا تتميز بشيء لافت للنظر عن سائر قرى العراق الجنوبي، فهي عامرة بأشجار النخيل التي تظلل المسارح المنبسطة ويحلو لأسراب الغربان أن تردد نعيبها فيها، وعند أطراف هذه القرى مسارح أخرى منكشفة تسمى البيادر تصلح للعب الصبيان ولهوهم في الربيع والخريف، وتغدو مجالا للنوارج في فصل الصيف، فكل امرئ يعمل في الزراعة، ويشارك في الحصاد والدارس، ويستعين على حياته بتربية الدجاج أو الأبقار، ويجد في سوق البصرة مجالا للبيع أو المقايضة، ويحصل على السكر والبن والشاي وبعض الحاجات الضرورية الأخرى لكي ينعم في قريته بفضائل الحضارة المادية، وإذا كان من الطامحين إلى " الوجاهة " فلا بأس أن

(1/17)

يفتح " ديوانا " يستقبل فيه الزائرين من أهل القرية أو من الغرباء ليشاركوه في فضائل تلك الحضارة المادية.
واكثر سكان جيكور إن لم نقل جميعهم ينتمون إلى عائلة واحدة هي آل " السياب " ، وتمتد منازل بعضهم إلى بقيع حيث تجاورهم عائلات أخرى تربطهم بها صلة المصاهرة، أما كوت بازل فان آل السياب ينظرون إليها بنوع من الشنآن الناجم عن أحقاد وترات قديمة، ولذلك كانت الروابط بينها وبين جيكور واهية أو عدائية. وحين ندرس مواقع هذه القرى الثلاث في شعر بدر نجد كوت بازل ؟للسبب المتقدم - ممحوة مطموسة المعالم، ونجد " بقيع " باهتة تتضاءل أمام لألاء " جيكور: التي كانت منزلا لجد السياب لأمه، ففيها نشأت أمه " كريمة " ، واليها كانت تتردد حتى ادركتها الوفاة.
وحين زفت كريمة إلى شاكر السياب ؟وهما ابنا عم - انتقلت من جيكور إلى بقيع وعاشت في البيت الكبير ؟بيت العائلة أو بيت الجد - عبد الجبار مرزوق السياب - وأبنائه عبد القادر وشاكر وعبد المجيد واخواتهم، وهو بيت أساسه مبني بالطابوق وسائره بالبن، وواجهته الشارعة على المجتمع القروي " ديوان " يفي الناس إلى ظله حيث يرتشفون القهوة والشاي ويتبادلون الأحاديث المختلفة، ويتناقلون الأخبار، وفي أمسيات رمضان يتحلقون حول قارىء أو رواية يقص عليهم قصة فتوح الشام أو يقرأ في سيرة عنترة أو غيرها من " ملاحم " شعبية تغذي مشاعر الريفيين، وتنقلهم من عالم الكدح وراء الرزق إلى دنيا البطولات؛ وكثيرا ما كانوا ينصتون إلى حديث مرزوق السياب (جد شاكر) وهو يتحدث اليهم عن نابليون الثالث وعن العرب في إيران وعن موضوعات أخرى أصبحت شريطا طويلا من الذكريات التي لم تفارق مخيلة والد الجد في سن كبيرة (1) . ولو أتيح لك أن تزور ذلك

(1/18)

" الديوان " في أعقاب 1930 لعلق نظرك بثلاث صور بين الصور الكثيرة التي كانت تزين الجدران هي صورة كل من أبي التمن وسعد زغلول وكمال اتاتورك، وهم جميعا يعدون طلائع حركات تحريرية أو على الأقل ما كان يعرف بالحركات التحريرية في ذلك الأوان؛ واذن لوجدت أن جو الديوان لا يعلق برائحة البن والشاي وحدهما، وإنما يتموج فيه دخان نقمة على الاحتلال المقنع بقناع الاستقلال، وميل إلى الثورة على الظروف السائدة. وكان اللسان المعبر عن تلك النقمة هو عبد القادر السياب، أكبر الاخوة من أبناء عبد الجبار، ولذلك فانه سرعان ما وجد نفسه عضوا عاملا في حزب سري، أطلق أعضاؤه على أنفسهم أسم " الحزب اللاديني " واخذوا يعقدون اجتماعاتهم في ذلك " الديوان " نفسه، وينشرون مقالاتهم في صحيفة لبنانية اسمها " الشمس " (1) .
ورزق شاكر وكريمة ثلاثة من البنين وبنتا واحدة توفيت كريمة بعد وضعها ثم لحقتها الطفلة بعد قليل (سنة 1932)، فلم ينعم بدر ؟وهو ابنها الأوسط بين عبد الله ومصطفى - في ظل أمومتها إلا قرابة ست سنوات (2) ، كان في أثنائها شديد التعلق بها، يصحبها كلما حنت إلى أمها في جيكور فخفت لزيارتها، أو قامت بزيارة عمة لها تسكن عند نهر " بويب " ولها على ضفته بستان جميل، يحب الطفل ان يلعب في جنباته أو يقطف من ثماره في ابان الثمر؛ وكثيرا ما كانت الام تذهب إلى أرض والدتها الواقعة على بويب أيضاً، فكان عالم الطفل الصغير يومئذ هو تلك الملاعب التي تمتد بين أحياء جيكور ومزارع بويب، وربما بقي هذان المكانان نصيبه من الحياة حتى النهاية، فبينهما غزل خيوط عمره وذكرياته وأمانيه، ومزج ثراهما بدموعه، وفي أعماق قلبه

(1/19)

حفر لهما صورة لا تنسى، وكان كلما مضى يشق دروب الحياة مثلا أمامه شاخصين يوهنان من عزمه ويردانه إلى الماضي ويجرانه إلى حلم طويل. وكان مما زاد في تعلقه بهما انه دفن في ثراهما أمه، فأصبح هذان المكانان هما الطبيعة - الأم، مجازا وحقيقة، وازداد إمعاناً في توثيق الوشائج بين قلبه وقلبيهما حين خيل إليه أن أباه قد أساء إلى علاقة مقدسة بزواج ثان، وشغل بزوجه الجديدة عن أطفاله، فدفع بالطفل إلى مزيد من التعلق بعرق الثرى، وفترت علاقته بوالده الذي يمثل الجحود والعصا وصوت المؤدب، ومضى يبحث عن أمه فوجد صورتها وقلبها الطيب في جدته التي تعيش في جيكور، وهكذا تضاءلت صلته ببقيع، فلم يكن يذهب إلى بيت أبيه إلا لماما، وكان أبوه يعتد هذا جفاء وإعراضا، لأنه كان يرجو لو أن أولاده ظلوا في كنفه وكنف " أمهم " الجديدة.
ولجيكور ميزة أخرى على بقيع لأن الطفل يحس كلما ذهب إليها انه منفرد أو كالمنفرد بعطف جدته وحنانها، أما بقيع فليست هي تجسيدا لزوجة الأب وحسب، بل أن بيت العائلة فيها يعج عجيجا بالناس من كبار وصغار ويلتقي فيه ثلاثة، وتحنو فيه كل أم على أطفالها، دون أن تجد متسعا في قلبها لطفل غريب، ويكبر الشعور في نفس الطفل ؟في ذلك الدور الغض - بأنه محروم مطرود من دنيا الحنو الأمومي، ولذا فهو يفر من بقيع فراره من الوحش الهائل الذي يكاد ينشب فيه مخالبه، وينأى عن ذلك الصخب الكثير، إلى طرفة تدسها جدته في جيبه، وقبلة تطبعها على خده، وابتسامة تنسيه ما يلقاه من عنت أو عناء.

(1/20)

والصخب يشتد في البيت الكبير الذي تتلاقى فيه الأجيال المتفاوتة حين تضيق الحال المادية بين أهله، ولا يجد الفرد فيه متنفسا لأحزانه وآلامه سوى التسخط على هذا التصرف أو ذاك، والحنق على هذا الشخص أو ذاك، ويصحب ذلك من شئون الصراخ و " النتر " ما يؤذي شعور طفل مرهف الإحساس؛ وقد كان آل السياب يعدون في بقيع ثالث ذوي الأملاك، وكانت أملاكهم مشتركة فيما بينهم يتقاسمون غلتها، ويقول بدر: " لقد تحدرت من عائلة تملك بستانين للنخيل يشتغل فيها فلاحون يتقاضون الثمن من النتائج " (1) ، ولكن هذا القول يشير إلى بقية " عز " قديم، إذ أن العائلة بعيد أن جاء بدر إلى هذه قد تورطت في مشكلات كثيرة ورزحت تحت عبء الديون، فبيعت الأرض تدريجيا وطارت الأملاك ولم يبق منها إلا القليل؛ وحين كان بدر في صباه الباكر كان والده لا يملك شيئا ولا يعمل شيئا وإنما يعتمد في رزقه على أخويه. وكل ذلك ينبئ عن أن الضيق المادي في العائلة الكبيرة ؟وهو ضيق متدرج حتى نشوب الحرب العالمية الثانية - كان يخلق النكد في جو البيت، ويؤدي إلى إهمال الأطفال أو التقصير في تلبية مطالبهم، ولهذا كان بيت الجدة في جيكور ارحب صدرا وأوسع أكنافا وابعد - نسبيا - عن شئون النكد والتنغيص.
غير أن الشاعر حين يتحدث من بعد عن بيت العائلة في جيكور فإنما يعني البيت الذي ولد فيه وعاش فيه سنوات الطفولة في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنباته، وهكذا ينبسط اسم " جيكور " على القريتين، إذ ليست " بقيع " في واقع الحال الا حلة من جيكور، وقد دعاه الشاعر في إحدى قصائده المتأخرة " بيت الاقنان " وجعل عنوان القصيدة عنوانا لديوان كامل، وهي تسميه غريبة حقا، سنرجئ الحديث عنها، لنتولى القول فيها حين يحين

(1/21)

موعدها، ولكن لا بد لنا من أن نشير إلى أن بعض الصحفيين زاروا هذا البيت في عام 1965 وكان مما قالوه في وصفه: " البيت قديم جدا وعال، وقد تحللت جذور (!) البيت حتى أصبحت كأسفل القبر، والبيت ذو باب كبير حصن كتب عليه بالطباشير اسم: عبد المجيد السياب، وهو الذي يسكن الآن في الغرفة الوحيدة الباقية؟ كان البيت قبل عشر سنين يموج بالحركة والحياة؟ أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفهم " (1) ؛ لقد انتصرت المدينة على القرية، رغم مقت بدر لهذا الانتصار، ولكنها سنة الحياة وشرعة الإنسان الذي تعود أن يطلب الرزق عند تزاحم الأقدام.

(1/22)

صورة
(1/23)

صورة السياب سنة 1934

(1/24)

- 2 –

صورة وذكريات

غلام ضاو نحيل كأنه قصبة، ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل، على عنق دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله أو تأمل العينين الصغيرتين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبرز " الضبة " العليا منه ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عمل اقتسامي، وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه " الحنطي " فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة، وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين.
ولو حفظ المرء حكمة " ضمرة بن ضمرة " التي يقول فيها: " إنما المرء بأصغريه، وإن لا تكال بالقفزان " وكررها على نفسه عشرات المرات، لم تغنه شيئا كثيرا عما يعتقده الناس إذا هم طالعوه منظره، وخاصة حين يبكون الأمر بحثا عن الطريق الموصلة إلى قلب المرأة.
وقد كان من شقاء بدر الذي ورث الضعف الجسماني عن أبيه أن انفق حياته القصيرة منذ أدرك الحلم إلى أن مات، وهو يبحث عن القلب

(1/25)

الذي يخفق بحبه، دون أن يجده، وكان افتقاره إلى الوسامة هو القفل المصمت على القلوب العديدة التي حاول ان يفتحها، وكم استأنس بومضة عين، ونسخ من شعاعها قصة حب يخدر بها اخفاقه، ولكنه كان في قرارة نفسه واعيا بأن الحب في كل مرة كان من جانب واحد.
وشوشة المراهقة في أذن بدر وحسيسها وهي تنساب في أعصابه، وألسنة لهيبها وهي تحرق زرع سكينته، هي التي جعلته يميز أبعاد الألم والحرمان والاخفاق، ويستسلم إلى السوداوية والدموع والحسرة واللهفة. غير أن المراهقة تمثل نهاية وبداية ؟نهاية لما قبلها وبداية لما بعدها؛ ومن الخطأ ان تتجاوز سنوات الطفولة والصبا الأول بهذه السرعة لنركز القول في الفترة المراهقة وما بعدها. لكن من يدرس حياة بدر يضطر إلى ذلك لأن الذين عايشوه لم يعودوا يذكرون منه إلا الشاعر المشهور؛ وهو نفسه حين يعود إلى ماضيه الأول لا يتذكر إلا أمورا بارزة منها فقد الأم وزواج الأب من امرأة أخرى؛ وفي إحدى الرسائل يقول السياب انه حرم عاطفة الأمومة وهو ابن أربع (1) ، غير ان أخاه مصطفى يذكر ان والدتهما توفيت سنة 1932، فإذا لم يكن الأمر سهوا من مصطفى فان " تصغير " بدر لسنه يدل على إمعانه في إثارة الشفقة على حال قلوب عارفيه. ويذكر بدر من أيام طفولته الأولى كيف بكى حينما قتل أحدهم كلبة ذات جراء وكان اكثر ما أبكاه منظر جرائها اليتامى؛ كما يذكر عطفه على زنوبة التي كانت تخدم في منزلهم حين سرقت حفنة من أرز، واكتشف أهله سرقتها، فنثروا الأرز في إحدى الغرف، وطلبوا إلى زنوبة أن تذهب لكنسها، فلما رأت الأرز علمت أن أمرها قد افتضح (2) .
وتشمل ذكرياته أقاصيص جده ؟على نحو مبهم - وقصص

(1/26)

العجائز من عمة وجدة وغيرهما، ومن أقاصيصهما حكاية " عبد الماء " الذي اختطف زينب الفتاة القروية الجميلة، وهي تملأ جرتها من النهر، ومضى بها إلى أعماق البحر وتزوجها، وأنجبت عددا من الاطفال، ثم رجته ذات يوم ان تزور أهلها، فأذن لها بذلك، بعد أن احتفظ بأبنائه ليضمن عودتها، ولكنها لم تعد، فاخذ يخرج من الماء ويناديها ويستثير عاطفتها نحو اطفالها، ولكنها أصرت على البقاء، وأخيرا أطلق أهلها النار على الوحش فقتلوه، أما الأطفال فتختلف روايات العجائز حول مصيرهم (1) . كذلك تشمل ذكرياته لعبة على شاطئ بويب، وهو لا يفتأ يذكر بيتا في " بقيع " يختلف عن سائر البيوت، في ابهائه الرحبة، وحدائقه الغناء، ولكن اشد ما يجذب نظرة في ذلك المنزل الإقطاعي تلك الشناشيل ؟وهي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف والزجاج الملون - وكم وقف يرقب تلك الشرفة التي تمثل الثراء والجاه بعين الفقير المحروم، من يدري لعل ابنة " الجلبي " ؟ذلك الزعيم الإقطاعي - تطل منها:
ثلاثون انقضت وكبرت، كم حب وكم وجد ... توهج في فؤادي؛ ... غير أني كلما صفقت يدا الرعد ... مددت الطرف ارقب ربما ائتلق الشناشيل ... فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي (2) . ... لكن ابنة الجلبي لم تطل ولم تقبل؛ ترى أكان للجلبي ابنة ام أن أحلام بدر خلقتها دمية تعبد دون أن ترى؟
أما عهده المدرسي في مدرسة باب سليمان الابتدائية بأبي

(1/27)

الخصيب، ثم في مدرسة البصرة الثانوية حتى 1942 فليس لديه عنهما الشيء الكثير من الخبر؛ ويفهم من كلام صديقه الوفي محمد علي إسماعيل انه قال الشعر وهو في المرحلة الابتدائية، وكانت قصيدته وصفا لمعركة القادسية، وقد حمله المدرس على ذراعه حين اخذ يلقيها (1) ؛ ولعله في هذه المرحلة من العمر، وهو يستشرف أحد الامتحانات، نذر شمغة " لصاحب الزمان " إذا هو نجح في الامتحان، فلما تحقق له مراده وحانت ليلة الثامن عشر من رجب، لم يكن معه فلسان يشتري بهما الشمغةالمطلوبة، وخشي من ان يخبر أهله بنذره لان النذر مما يقوم به النساء لا الرجال، وتفتق ذهنه عن ابتكار جديد، فقد احضر زجاجة فارغة وملأها بالنفط، ثم اخذ قطعة من القماش وضع فيها فتيلة ركبها في القنينة، وسد فوهتها بعجم التمر، ثم أوقدها وطرحها في الماء (2) . وفي المرحلة الثانوية بالبصرة سكن في محلة مناوي الباشا، ونظم قصيدة يحن فيها إلى جيكور، وكان محمد علي إسماعيل يساكنه فترة من الزمن، ويذهبان كل جمعة إلى ابي الخصيب، ومرة وجد أزهار الدفلى قد يبست فنظم قصيدة مطلعها:
لفح الأوام ازاهر الدفلى ... فذوت كما يذوي سنا المقل (3) وكان شديد الاحتفال بهذه القصيدة، يتغنى بها وينشدها لاصدقائه، حتى لنه عاد إليها سنة 1944 فزاد فيها الأبيات التالية (4) :

(1/28)

لرجوت لو دامت غضارتها ... وصل التي وعدت فلم تصل
وقد كان وشك ذبولها أجلا ... للملتقى ففجعت بالأجل
ولكنت آمل أن اقبلها ... واعب خمرة حسنها الثمل
أما وقد ذبلت فلا أمل ... لي بالقاء فكيف بالقبل غير انه ؟فيما يبدو - لم يحتفظ بشيء من هذه القصائد الأولى، وأقدم قصيدة مؤرخة من شعره تحمل تاريخ 1941، حين كان في ثانوية البصرة، وعنوانها " على الشاطئ " ومطلعها (1) :
على الشاطئ أحلامي ... طواها الموج يا حب
وفي حلكة أيامي ... غدا نجم الهوى يخبو عزاء قلبي الدامي ... وهي ركيكة النسج، فاستبقاؤها وحذف ما قبلها لا يثني بخير كثير على همهمات فترة القرزمة، وقد كتب بدر في نهايتها عبارة اعتذارية خشية من النقد فقال: " أتسجل هنا ما قلته في سن الخامسة عشرة؟ " . على ان القصيدة فيها جميع المواد التي كان علي محمود طه المهندس يصنع منها قصائده: فيها الفجر والشاطئ والأحلام وموكبها والموج والزورق والتسبيح وما إلى ذلك.

(1/29)

- 3 –

بواكير الشعر

يمكن أن يقال أن شاعرية بدر تفتحت مع بداية الحرب العالمية الثانية، غير متأثرة أو منفعلة بها، وكانت تلك الحرب قد فاجأت الحركة الشعرية في جميع أنحاء العالم العربي، وهي تنقلب على مهاد الأحلام وتسبح في الأضواء والعطور؛ كان محمود حسن إسماعيل قد بنى كوخه الريفي الجميل فجذب إليه كثيرا من الشبان الناشئين الذي يحبون البساطة ويؤئرون الحياة الريفية، وكان المهندس يتنقل تائها في زورقه بين عوالم تتدفق فيها الفتنة ويعج فيها السحر؛ وكانت قصائد هذين الشاعرين قد أصبحت نماذج تستهوي من يحاول ان يعزف على القيثارة الشعرية؛ وربما لم ينازعهما ثالث هذه المكانة، وان استطاع أنور العطار أن يستميل إليه عددا غير كثير من أنصار طريقته.
ولم تكن تلك الموجة الرومنطقية هربا من الحرب لأنها كانت راسخة الأصول قبل ذلك، ولا كانت تمثل مفارقة صارخة مع الحرب نفسها، لأننا حين ننزع عن عيوننا غشاوة التقليد ندرك أن الحرب لم تكن تمثل لدى الأمة العربية قضية إنسانية بين الظالم ومظلوم، وإنما كانت في البداية صراعا بين قوى الطغيان من الجانبين، فإذا اندحرت فيها بريطانيا لم تتحطم حضارة لتسود في موضعها همجية ضارية، ولم تهو مثل عليا ليحل محلها بناء لا أخلاقي؛ بل كان العرب قد عرفوا من

(1/30)

طغيان السياسة البريطانية ولا أخلاقياتها ما لم يعرفوه بالتجربة في التسلط الفاشي أو النازي، وما كان حديث ثورة الفلاحين في فلسطين (1936 - 1939) ببعيد عن الأذهان يومئذ.
ثم ان الأمر أدق من هذا بالنسبة للعراق أولاً ولبدر شاكر السياب ثانيا: أما العراق فقد حاول في حركة رشيد عالي الكيلاني تحدي بريطانيا وموالاة المحور، ورغم أن تلك الحركة كانت قصيرة الأجل فإنها كانت تجد التأييد الكامل لها في نفوس الفتيان الناقمين على السياسة البريطانية في البلاد العربية؛ ولهذا عدت ثورة الكيلاني انتفاضة قومية، ذات غاية تحررية، وأما السياب فقد فتح عينيه على دنيا الشعر في أعقاب فترة سئم الناس فيها في العراق مواعظ الرصافي باسم الشعر الاجتماعي ومنظومات الزهاوي باسم الأفكار العلمية؛ وكانت الرومنطقية هي اللون الجديد المستطرف حينئذ؛ وهي الغذاء الذي يناسب فتى مثله في تلك السن الموشعة لالاحلام والآمال: عن طريقها تستطيع حساسيته المسرفة ان تتشكل، ومن خلالها يستطيع أن يعكف على العناية بنفسه إذا أهمله الناس.

وكان العام المدرسي (1942 - 1943) وهو آخر مرحلة في ثانوية البصرة من أحفل الأعلام بالشعر، ولهذه الظاهرة أسباب عديدة، منها شعور بدر بأن الشعر لم يعد يتليا بالنغمات والقوافي ، وإنما اصبح قدره الذي لا محيد عنه، فهو في السادسة عشرة من عمره يحس انه لا يجد أمن نفسه ولا طمأنينة روحه إلا في حمى الشعر؛ والمدرسة تشجع على الشعر وتعقد بذلك المباريات، وتقرر الجوائز، وحوله من رفاق الدراسة عدد من الشعراء يتنافسون تنافسا وديا في عرض نتاج قرائحهم، ومن هؤلاء صديقاه محمد علي إسماعيل (أو السماعيل كما يكتبه السياب في رسائله) وخالد الشواف، وقد اضطر خالد أن يغادر البصرة إلى بغداد دون أن يكمل فيها السنة النهائية وبعض التي قبلها لأن والده

(1/31)

نقل إلى منصب قضائي ببغداد، وأخذ الصديقان يتراسلان، ويكملان العهد الشعري في البصرة بتبادل القصائد التي كانت تجد، ضمن رسائلهما، و كانت قصائد خالد من الحوافز على المعارضة، كما كان لآرائه النقدية أثرها في توجيه بدر؛ كان خالد يرى في تلك السن أن من شاء لنفسه الإعداد الشعري الصحيح ركب الصعوبة دون تهيب وبنى قصيدته على قافية واحدة، ولهذا نصح صديقه بأن لا يبني القصيدة على قواف مختلفة، فرد عليه بدر يقول: " قد والله تأثرت كثيرا بنصائحك فأخذت أحول بعض قصائدي من قواف مختلفة إلى موحدة القوافي.. " (1) وسماء أراعى بدر هذه النصيحة أم لم يراعها في المستقبل القريب، فأنها مفتاح لمظاهر كثيرة في شعر بدر. كذلك انتقده خالد في بعض الجزيئيات كقوله في مطلع قصيدة " الخريف " :
قاد الخريف مواكب الأيام ... فالمدح ناي في يد الانسام وليست رسالة خالد التي ورد فيها هذا النقد متوفرة لدي، ولكن يبدو أن نقده انصب على فقدان العلاقة بين " مواكب الأيام " ، وبين " فالدوح ناي " فرد السياب بقوله: " والذي جعلني أقول هذا المطلعهو بعض الحذف الذي جرى على القصيدة عند إلقائها إذ كان مطلعها " قاد الخريف مواكب الأنغام " (2) ، وهو اعتذار مضحك ؟كما ترى - والسر في الأمر أن " مواكب الأيام " أصح من الناحية الشعرية ولكنها أن بقيت كذلك لم تبق من علاقة بين الشطرين، ولهذا جعل بدر هذا الشطر في المجموعة الشعرية التي لم تطبع: " رقص الخريف بفائض الأنغام " ولا يخفى أنه شطر أشد قلقا من ذي قبل، ولفظة " بفائض " ترك مكانها خاليا ثم أثبتت من بعد، وكل ذلك يدل على مقدار ما عاناه الشاعر في سبيل ان يسلم بيته من النقد.

(1/32)

وتصلح فذه القصيدة نفسها نموذجا لبعض الاصطلاحات التي كان السياب يتناول بها قصائده، فهذا البيت:
ولعلها رأت المروج أمامها ... عريانة من ثوب عشب نام يصبح:
؟؟؟؟؟؟. ... قد جردت من برد عشب نام ولا ريب في أن كلمة " جردت " قد أكدت فيه معنى السلب؛ وهذا البيت:
فهوت تنبهها ولكن لا يعي الأموات لحن الحب والتهيام ... قد أصابه تغيير كثير فأصبح:
فهوت تشاركها الأسى وتبثها ... أشجانها قبلا ولحن هيام والتغيير يدل على انتقال من فكرة إلى أخرى مغايرة.
وثمة حادثة في هذا الدور كان لها أثرها البعيد في نفسية بدر، وهي فجيعته في صيف 1942 بفقد إحدى جدتيه: " أفيرضى الزمن العاتي.. أيرضى القضاء أن تموت جدتي أواخر هذا الصيف، فحرمت بذلك آخر قلب يخفق بحبي ويحنو علي.. أنا أشقى من ضمت الأرض " (1) .
ولم يرفق بهذا التفجع قصيدة في رثائها، وإنما ارفق به قصيدته " في الخريف " التي تقدم الحديث عنها وقصيدة أخرى بعنوان " يوم السفر " مطلعها:
من لقلبي على القدر ... قضي الأمر بالسفر ثم عاد بعد خمسة أسابيع فكتب إلى صديقه رسالة ضمنها رثاءه لجدته (2) :

(1/33)

أسلمتني أيدي القضا للشجون ... إذ قضى من يردني لسكوني وهي قصيدة " صبيانية " تماما في اكثر ما يحاوله الشاعر من معان وصياغة، كأن يقول:

رفعوا نعشها ونحن حيارى ... فاستفاضت نفوسنا بالجنون
لوددنا لو استطل الدجى أو ... رجع الفجر عودة المستكين
فبكائي على الحبيب بليل ... وهو قربي والدمع ملء جفوني

كان خيرا من الوداع صباحا ... وحبيبي اغتدى بركب المنون ولا يرتفع سائرها عن هذا النسق، وذلك أمر لا تفسير له إلا أن بدرا لم يستطع إن يتمثل تجربة الفقد لهولها وقسوتها فهوت شاعريته تحت وطأة ثقل ولا يستطيع الاضطلاع به، وإذا كان فقد جدته لم ينجب شعرا رثائيا صالحا، فانه عمق لديه منابع الحزن، وأشعره من جديد بحاجته الملحة إلى الحب والحنان ؟ كان قد مضى عليه بضع سنوا وهو يتفرس في كل وجه جميل يلقاه لعله يصرخ مثلما صرخ ارخميدس: " وجدتها! " وكان يتحدث في قصائده عن الهوى وروعه اللقاء وعذوبة القبل، بل انه حين دعاه صديقه خالد إلى زيارة بغداد تعلل بأن " الصبايا العذارى الريفيات يتشبثن ببقائه " (1) ، ولكن حين أرسل إليه صديقه قصيدة غزلية فيها ذكر لبعض الأسماء، وصرح له بأن مثل هذه الأسماء من نسج الخيال، جن جنون بدر دهشة، كيف يمكن ذلك؟ صديقه نموذج حي للوسامة والعافية وقوة الشباب، فتى ملء أهابه حيوية ونضارة وجمالا، ثم لا يعرف فتاة من لحم ودم؟ أذن ليس القبح هو العقبة الوحيدة في سبيل الحب. وبين الشك والقبول كتب إلى صديقه يقول: أحق أن كل الذي قلته في قصائدك خيال؛ أحق أن (؟) و (؟) عاشتا في بالك فقط؟ أأصدق أنك لم تعرف الحب؟ أأنت مثلي

(1/34)

لم تعرف فتاة بعينيها؟ ؟. أأنت مثلي محروم من العاطفة لا يرى قلبا يخفق بحبه؟ لا، فأنت وان صدقت في زعمك لست مثلي وأرجو إلا تكون مثلي أن شاء الله؟ مرت السنون وأنا إلى الحب ولكني لم أنل منه شيئا ولم أعرفه، وما حاجتي إلى الحب ما دام هناك قلب جدتي يخفق بحبي؟ (1) " وكان خالد ابعد إدراكاً لطبائع النفوس من بدر، ولهذا حاول أن يطب له في محنته،
لعل بدرا يجد في حال صديقه عزاء لنفسه، وكان عزاء ولو إلى حين. ترى ان خالدا سلك غير هذا السبيل، أكانت الصداقة قائمة بين الشابين يومئذ؟
كان بدر في هذه المرحلة شابا بسيطا لا يتعدى عالمه القرية وضواحيها ومدينة البصرة أو ما عرفه منها، أما بغداد فأنها لا تعيش في خياله، فهو يتهيب الحديث عنها أو الإشراف لزيارتها؛ ودجلة كيف حاله عند بغداد؟ أنه رآه في الحلم فعجز عن ان يقول فيه شيئا من شعر، فهل هو كما رآه في المنام (2) ؟ ولسنا نستطيع ان نحدد عالمه الثقافي الخاص حينئذ، ولكنا نتصور أنه كان يكثر من قراءة الشعر ؟وخاصة ما كان ينشر منه في الصحف - ولم يكن في أحداث الحياة العراقية أثناء الحرب ما يحدد له موضوعه الشعري المفصل، كان ريفه عالمه المحبوب، ولذلك فانه اتخذه مادة لشعره، وارتبط معه بعلاقات عاطفية رقيقة، إلا أن هذه الرابطة لم تجد امتحانا ولهذا اكتفى بدر بأن ينقل صورا ريفية كبرى، لأنه عاش تلك الصور واحبها، مهما يكن رأي النقد في صوره؛ ولولا قوة تلك الرابطة العاطفية بينه وبين الريف لاستطاعت الأحداث التي نجمت عن ثورة رشيد عالي أن تجره وشعره إلى منطقة السياسة، ولكن عدم تبلور فكرة سياسية غائية في ظروف من العسف والتنكيل قام بها

(1/35)

نوري السعيد برا بمصالح سيادته العظمى بريطانيا، جعلت المتحمسين من الشباب يصمتون على ألم، ويكتفون بالتلميح دون التصريح، وفي ماري (آذار) 1942 صدرت أحكام بالإعدام غيابيا ضد رشيد عالي واثنين من وزرائه هما يونس السبعاوي وعلي محمود الشيخ، إلى أحكام أخرى بالسجن؟ ثم قبض الإنكليز على بعض العراقيين في إيران وسلموهم إلى الحكومة العراقية، فنفذ حكم الإعدام في يونس السبعاوي وفهمي سعيد ومحمود سلمان فكتب بدر في رثاء هؤلاء الثلاثة قصيدة بعنوان " شهداء الحرية " ، وفيما يظهر لنا أن مشاعره كانت مع ثورة الكيلاني وان بذور النقمة على سياسة نوري والوصي تعود إلى هذا التاريخ، ومن أبياتها:

أراق عبيد الإنكليز دماؤهم ... ولكن دون النار من هو طالبه
أراق ربيب الإنكليز دماءهم ... ولكن في برلين ليثا يراقبه
رشيد ويا نعم الزعيم لأمة ... بعيث بها عبد الاله وصاحبه

لأنت الزعيم الحق نبهت نوما ... تقاذفهم دهر توالت نوائبه وهذا هو الصوت الوحيد الذي يتحدث فيه عن مشكلة وطنية فيما وصلنا من شعره حتى التحاقه بدار المعلمين.
غير ان اختيار مناظر الريف المسطحة لا يصنع شاعرا حتى ولا شاعرا للطبيعة، وكان لا بد لبدر من ان يخوض تجارب جديدة، وكانت التجارب المدرسية مضللة إلى حد كبير، فقد كان اكثر الموضوعات التي يقترحها مدرس الإنشاء من نوع الفواجع الميلودرامية، وكانت نفسية بدر شديدة التقبل للحزن، ولكنها حتى عهدئذ لم تكن تفهم أو تستسيغ الإغراق في صور الفجيعة، لذا فعندما اقترح عليهم المدرس الكتابة في أحد هذين الموضوعين: (26/1/1943) (1)

(1/36)

المفاخرة بين مصور وشاعر قرية كثيرة الرخاء شديدة الرحمة والعطف على غيرها من القرى اندلعت فيها ألسنة النيران؟ الخ، اختار بدر الموضوع الأول ليؤكد تفوق الشعر على الرسم بحجج إلزامية أو خطابية تمثل مستوى تفكيره في ذلك الدور من حياته. ثم كتب في موضوع " ضال في غابة جنه الليل وقد امتزج دوي الريح بصوت الآساد؟ " وبهذا الموضوع وجد الباب مفتوحا للحديث عن الموت مع أنه تجنبه في موضوع القرية التي التهمتها النيران، " اولئك الناس الذين ضلوا مثلي ثم تلاشوا أمام ظلمات الليل بعد أن أطلقوا صرخات الرعب التي لا تزال تطرق الغابة كلما جن الليل.. إنني اسمع حشرجتهم وأرى خلال الأغصان جماجمهم الصفراء تطل علي بمحاجر كأنها قبور مظلمة، وكأنني اسمع نداء خفيا من أولئك الأموات، انهم يقولون: إنني ضيفهم الليلة، يا للهول! " فلما طلب إليه أن يكتب " عن طبيب ذاع صيته ونبه ذكره أصيب بداء عياء حار فيه الأطباء " ، تقمص في بعض أجزاء الموضوع شخصية الطبيب واخذ يتحدث عن نفسه قائلا: " كم أتحسر على تلك القرية النائية الجميلة بحقولها الخضراء التي تتسابق فيها الجداول التي وصلت بين ضفافها جسور من جذوع النخيل، هذه الجسور تشبه قلبي، قلبي الذي تغير عليه حوادث الزمان ونوائبه، وهو معروض على ينبوع الحب ولكنه يرى المياه ولا يشربها؛ أني لأذكر الراعيات الريفيات الجميلات، أن نهودهن تسبق أجسادهن ولكن ألحانهن الوديعة العذبة تسبق الجميع، كم مرة حدوت أغنامهن لألحان مزماري ولكن قلوبهن لا تحركها أنغامي، وأذكر تلك الريفية الحسناء الراعية التي أحبها القلب مرة.. الخ " (1) ؛ ومثل هذا التقمص للضال الذي يترصده الموت وللطبيب الذي كتب عليه بدر أن يموت بالعدوى من الحبيبة اصبح أمراً سهلا على بدر لآن فكرة

(1/37)

الموت أصبحت تسيطر عليه بقوة، وتلاحقه في اليقظة والحل والترحال.
وتظهر في أحد موضوعات السياب الإنشائية نغمة دينية لا نجدها في غيره ولا تتضح ؟على وجه مباشر - فيما بين أيدينا من شعره، ولكنا نذكر أن بدرا كان شديد التأثر بشخصية أستاذه محمود يوسف الذي علمه العربية في مدرسة البصرة، وقد عرف الأستاذ محمود بالورع والتقوى، ويشهد الأستاذ عبد اللطيف السياب الذي عاش مع بدر في تلك السن ان بدرا وصديقه محمد علي إسماعيل كانا يخرجان من المدرسة إلى الجامع، ويحافظان على الصلاة في أوقاتها، وأن الأستاذ محمد علي إسماعيل ظل محتفظا بهذه الروح الدينية، أما بدر فربما أبعدته عنها مؤقتا تقلبات الحياة التي عاناها. ويضيف عبد اللطيف قوله: انه ما يزال يحفظ أبياتاً متفرقة من شعر بدر المبكر تومئ إلى ذلك الاتجاه الديني. أيا كان الأمر فان هذه الصلة الأولى من اليقظة على التقوى سيقوي من بعد الميل لدى بدر للعودة إلى جانب مما يمثل طفولته وصباه.

(1/38)

- 4 -

راع دون قطيع

نستطيع الآن أن نواجه طبيعة الاتجاه الشعري الذي عاشه السياب قبل ان ينتقل إلى دار المعلمين، فقد ألمحنا فيما مضى إلى بعض مظاهر ولكنا لم نجد معالمه الكبرى وخصائصه العامة. ولسنا بحاجة إلى أن نعيد الوقوف عند رثائه لجدته أو رثائه للشهداء الذين قاوموا الاستعمار الأنكليزي، ولكنا بحاجة إلى أن نكرر القول بأن الريف كان مجال هذا الشعر وموضوعه، ذلك لأن اتخاذ هذا المنطق يسهل علينا فهم التفريعات والدقائق التي قد تنجم عنه. وقد تحدد هذا الريف في خاطر بدر بأنه الطبيعة الجميلة الطاهرة الخيرة المعطاءة ولهذا تحدث عن ربيعه وخريفه، وصيفه وشتائه، محاولا أن يرسم لكل فصل من الفصول لوحة خاصة، ولم يكن همه في تلك اللوحات إلا إبراز قدرته على الرسم، فإذا استطاع ابتكار صورة جديدة أو وفق إلى تعليل حسن لصورة قديمة، أحس أنه مهمة الشاعر الكبرى، فهو يجهد الجهد كله ليقول شيئا لم يقله غيره في صورة قوس قزح من قصيدة الشتاء فيقول:
وكأنما قوس السحاب وقد بدا ... أوتار قيثار مضت تتنادم
فتقاربت حتى يعاود عزفها ... مرح الأنامل بالملاحن عالم وشبيه بهذا قوله في قصيدة الخريف يصف الأوراق الساقطة:

(1/39)

سقطت فكل وريقة قيثارة ... مقطوعة الأوتار والأنعام
عبرت أغانيها الفناء وأصبحت ... توحي إلى الفنان بالإبهام ولست تجد في هذه القصائد من روح الشعر سوى هذه المحاولة التصويرية، فهي تومئ إلى أن الشاب يتشبث بجدة الصورة، أما فيما عدا ذلك فأنها قصائد بليدة بطيئة لا تنبض فيها حياة. وأحيانا يحاول ان يطرح الصور العامة ثم ان ينكفئ على نفسه فيستخرج مواجده ويبسطها فوق مربعات الصورة الكبرى وإطارها العام، وكأنما يجمع بذلك بين شقي القصيدة، وهي طريقة اقتبسها من أنور العطار، وقصر عنه فيها تقصيرا واضحا، لأن العطار ذو أزميل حادة في التصوير واسثارة الدفائن النفسية معا، وذو قدرة على الصقل لا يحسنها بدر في تلك السن، فحتى ذلك الحين كان محصول بدر من الثروة اللغوية ضئيلا نسبيا، ولذلك كان إذا اختار بحرا يتطلب الجزالة أعيا قبل نهاية البيت وأصبحت قوافيه وجمله المكملة للمعنى مضحكة في مواقعها شاذة في صلتها بما قبلها، ومثال ذلك قوله في قصيدة " أصداء البعاد " :
أوام بقلبي للقا متزايد ... وشوق لسلمى ذكره متوارد
صرعت جوى لما رنت لي بمقلة ... يلم بها رسم الكرى ويعاود
ففتحت انخاء الفؤاد بناظر ... إلي غدت الحاظه تتوارد
وما كنت ادري ان عينا كليلة ... لتأسر قلبا في الهوى وتكايد فليس أشد إمعانا في الركاكة من " ذكره متوارد " " غدت الحاظه تتوارد " " وتكايد " في مواقعها حيث وقعت، ولهذا كتب بدر ملحوظة عند هذه القصيدة لعلها مما كتب من بعد: " تقليد للأقدمين لم يبلغ منزلة المقلد ولا يلائم روح العصر " . كان خالد ؟كما تقدم - يلح عليه ان يبني قصيدته على قافية واحدة، يريده ان يكون جزلا، ولكن الجزالة

(1/40)

تشترط قبل كل شيء السيطرة على اللغة، وأنى له ذلك؟ ولهذا كان أقدر على غنائيات علي محمود طه المهندس التي تبنى على عدد من القوافي، وتعتمد ألفاظاً سهلة وأوزانها خفيفة، وكان ينظم كثيرا من قصائده على النحو دون أن يطلع خالدا على هذا اللون من القصائد، قبل عام 1946، ولا تحس في هذه القصائد بأن التركيب متعب له كما في القصائد السابقة كقوله في قصيدة " يا قمر " :

كم غازلتك الأنجم الساهمة ... وارتعشت في نورك السلسل
وكم غفت انوارك الحالمة ... فوق مياه النهر والجدول
وزهرة في حجرها نائمة ... مكبرة للخالق الأول
قد هددتها النسم الناعمة ... ولم تزل في حلم معجل * * *
نجوى حسان الريف بين الربوع ... ورنة المزهر فوق الاكم
والزورق الساجي مصل خشوع ... محرابه الشط البليل النسيم
الكل مشتاق فجد بالطلوع ... وامسح على الكون جراح الالم
لو استطاعت قبلتك الفروع ... واسمعتك الريح عذب النغم وعندما احس بدر من نفسه القدرة على هذا اللون من الشعر اختاره لينقل مشاعره " الرعوية " .

ولكن كيف تأتى لبدر ان يهيم حبا بالرعاة وحياتهم وألحانهم وأغانيهم؟ من السهل التطابق بين حياة الريف وحياة الرعي، فالرعاة أيضاً جزء من الريف، وأغانيهم الحزينة وراء قطعانهم وألحان الشبابة التي تغزل الآفاق بحنينها الآسيان من السهل ان تجعل شابا حالما محبا للريف يتصوره " اركاديا " الساحرة ذات الحياة البسيطة البريئة والحب الطاهر والجمال الطبيعي، ولكن عاملا آخر دخل في حياة بدر هو الذي جعل الريف في عينيه مجتمعا للرعاء. ومفتاح هذا في قصيدة " مريضة "

(1/41)

التي أرسلها إلى صديقه خالد (1) ، وقد صدر تلك القصيدة بقوله: " إلى التي لا تفهم الشعر ولا تسمع قصيدتي هذه ولن تسمعها، ارفع هذه الآهات لعلها تنوب عن زيارتها وهي على فراش المرض " ؛ ومن تلك القصيدة:
مريضة؟ لك ربي يا (هويل) ولي ... وللقلوب التي ضلت مقاصدها
مريضة؟ لم ينلك الداء واحدة ... فالروح مثلك عاد الداء وافدها وكانت " هويل " هذه واسمها " هالة " (وتنطق محليا هيلة) بدوية من إحدى القبائل العربية التي تعيش في الحدود الايرانية، ثم انتقل أهلها فسكنوا في ارض لهم بأبي الخصيب وفي إحدى السنوات غطى الماء أراضيهم فأعطاهم السياب الجد قطعة من أرضه ليقطنوا فيها، وكانت هالة تراعي القطيع كل يوم، فتعرف إليها بدر وخفق لها قلبه، وهو في آخر عام دراسي بثانوية البصرة، فاصبح هو الراعي صاحب الناي والتلاحين الحزينة (2) :

لأجلك أطوي الربى شاردا ... أردد أنغامي الضائعه
وأسكب في الناي قلبي الكئيب ... فتغمره النشوة الخادعه
وكان لحونا دعتنا الربى ... فقرت بأحلامها الرائعه

يسلسلها الليل في صمته ... فتوقظ أشواقه الهاجعه ولكنه يحدثها انه ان يغني فلم يستطع: " خبا لحن قلبي ومات الصدى " ؟.. ولذا فانه يكتفي بذكريات الأمس:

وفي ذكر أمس عزاء لنا ... وما أعذب الأمس للذاكر
فكم قبلة ذاب فيها الغرام ... تطوف على قلبي الحائر
فيا لمحة من شعاع الخلود ... سرى الوجد في حملها العابر

(1/42)

ويا بسمة في قلوب الرعاة ... يفيض بأنغامها خاطري * * *
دعاك فؤاد طوى صفوة ... وكفنه بدموع المقل
أقام الهوى منه محرابه ... فرددت ثم صلاة القبل
ولكنك اليوم حطمته ... وأطفأت فيه شعاع الأمل

أينشد من راودته الشجون ... كمن أسكرته لحون الجذل؟ هل تغيرت " هيلة " عما كانت بالأمس، أو أن الشاب الواهم بنى قصة حب ثم وجدها تريد ان تنقض فبكى أحلامه؟ ان حقيقة العلاقة بين بدر وتلك الفتاة أمر محفوف بالغموض، وسنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى، ولكن يكفينا هنا ان نلمح قدرة الشاعر في هذا المجال " الرعوي " على أن يمنح قصيدته ما تتطلبه من انفعال عاطفي، وأن لا يشغله الرسم لأجزاء الصورة عما يريده من تعبير ينقل ذلك الانفعال. وفي ذات يوم عاد من المدرسة إلى قريته في إجازة قصيرة فصور " عودة الراعي " الذي رجع للمرعى القديم فرآه وقد غيرته الليالي وهجرته الراعية (1) :
لم تطل غيبتي عن الجدول الجاري وها إنني أراه يجف ... لم تطل غيبتي عن الطائر الممعن شدوا فما له لا يدف ... لم تطل غيبتي عن الزهر في الأكمام واليوم رنح الزهر قطف ... لم يطل عن حبيبتي أيها الروض غيابي فما لها لا تخف ... بل ربما صح ان نقول ان حدة الانفعال جعلت تجاربه في القصيد الجزل اكثر نجاحا، كما يتجلى ذلك في قصيدته " همسك الهاني " (2) :

(1/43)

خيالك أضحى لابسا من فؤاديا ... رداء موشى بالرؤى البيض حاليا
وكنت كذاك الطائر الخادع الذي ... يراه رعاة البهم في المرج هاديا
فيعدون بين العشب والزهر نحوه ... وان قاربوه طار جذلان شاديا

فما زال في إسفافه وانطلاقه ... فلا هو بالنائي ولا كان دانيا فهنا يتابع الصورة إلى نهايتها دون أن ينتابه ضعف في التعبير، ومن هذا القري قصيدة " ذكريات الريف " وفيها يقول (1) :

تذكرت سرب الراعيات على الربى ... وبين المراعي في الرياض الزواهر
ورنات أجراس القطيع كأنها ... تنهد أقداح على ثغر شاعر
أقود قطيعي خلفهن محاذرا ... وانظر عن بعد فيحسر ناظري
وما كنت لو لم اتبع الحب راعيا ... ولا انصرفت نحو المروج خواطري
إليها طويت الليل بالليل صابيا ... وطارتها (مستهونا) بالمخاطر
وقبلت حتى البهم لما رأيتها ... تقبل تلك البهم قبلة ثائر

فقد اهتدي في قبلة اثر قبلة ... إلى اثر من ثغرها غير ظاهر وعلى الرغم من أن مستوى القوة في تعبيره قد ارتفع، فان لمسات الضعف منثورة هنا وهناك؛ وفي هذه القصائد الأولى بذور قوته وضعفه معا، قوته في الانفعال أو تصيد الصور، وضعفه في التعبير، أو لجوءه إلى التضمين كما في قوله (2) :
وسرى الغمام على الحقول فرجعت ... أنهارها لحنا أهاج غرامه
وشجونه، فجرت هواطل دمعه ... وغذا يريق على الفروع مدامه أن ضعف التعبير سيقنعه عن قريب بأن البناء المتساوي في إيقاعاته ونغماته يلجئ الشاعر الاضطرار فيوقعه في ضعف، وأن حاجته

(1/44)

إلى التضمين ستقنعه بعد قليل ان ليس من الضروري ان يكون البيت وحدة قائمة بذاتها، ولم لا يكمل المعنى في خمسة اسطر ما دمنا نطلب صورة كاملة (انظر صورة الطائر السابقة). كل شيء ينبئ بأن الثورة على نصائح خالد آتيه لا ريب فيها، ولكن الصداقة ما تزال أغلى منها، كما أن مدى الاطلاع نفسه لا يسمح بكثير من الجرأة في مبارحة المألوف (1) .

(1/45)

- 5 -

بين الأقحوانة وذات المنديل

كانت النقلة إلى بغداد في مطلع العام الدراسي (1943 - 1944) والى دار المعلمين منها تحولا إلى عالم جديد يكفل للسياب مزيدا من الثقافة وقسطا من الشهرة الأدبية، وانفتاح العينين على صخب الحياة ومختلطات أحداثها في إبان الحرب العالمية الثانية، ويوسع الكوة التي يطل منها على العالم الخارجي، ويقرب إلى انفه الفاغر على روائح الأنوثة نماذج متنوعة من نساء يعشن في الواقع عيش الآدميين الذين يخطئون اكثر مما يصيبون، ويخضعون للنزوات العابرة، وتتحول بهم العلاقات حينا إلى اليمين وحينا إلى اليسار، ويفلسفون الهجرة المتأرجحة بهم بين الواقع والمثال.
ومن عجب أن " الراعي " الذي كان يهم بمفارقة المروج الحبيبة لم يبك لان القطعان ستغيب عن ناظريه، وإنما تغنى بالسلوان واشتق معنى شعريا من الفراق يحيله إلى حقيقة ضرورية. ها هو قد انفرد عن من يحب، وهل يمكن للنور ان ينفذ من بين دفتي النافذة إلا إذا انفردت إحداهما عن الأخرى، وهل يمكن للطائر ان يطير إلا إذا تباعد جناحاه من منشورين (1)

(1/46)

وكنا لوحتي نافذة في هيكل الحب ... فلو لم تفترق لم ينفذ النور إلى القلب ... وكنا كجناحي طائر في الأفق الرحب ... فلولا النشر والتفريق لآرتد إلى الترب ... ولكنه في ختام هذه القصيدة يشعرك بأنه يسخر من نفسه ومن قدره حين يقول:
وكنا شفتي هذا القضاء مفرق الصحب ... فلو لم تنفرج لم تضحك الأقدار من كربي ... وكان الشاب الضاوي يحمل في حقيبته بين مطوى الثياب مجموعة من الشعر الذي كان قد نظمه قبل تلك الرحلة، ويعلل الظمأ اللاغب إلى الشهرة بري وشيك؛ انه " الفتح " الذي تركع له بغداد راضية عن استسلامها، لأن الغازي الجديد لا يحمل لها دمار الغزاة السابقين. ولكن هذا " الفاتح " الرقيق الكئيب كان يحمل فوق عينيه وحول شغاف قلبه غشاوة من الرومنطقية الأولى، تحول بينه وبين رؤية المدينة على حقيقتها، وتشهد إلى الماضي وذكرياته، وتجعله وحيدا في زحمة الناس.

وحين هبط المدينة تلقاه صديقه القديم خالد، وأخذ بيده في تعريفه إلى زواياها ومنعطفاتها، ولم يطل به الوقت حتى تعرف إلى عدد غير قليل من الأدباء والمتصلين بالحركة الأدبية، وكان أول اثر لهذه المعرفة أن وجد نفسه واحدا بين كثيرين يخضعون حومة الادب، وانه ان شاء الظهور في خضم المنافسة فلا بد له من أن يتفرد، إذ لم يعد شعره قاصرا على التغني المنفرد في سكون الريف أو على المراسلات الدورية بينه وبين بعض الأصدقاء؛ فانه طالب في دار المعلمين العالية، والعيون تنفرس فيه بحثا عن الشاعر المستكن في مح عظامه؛ وهو قد اصبح عضوا في ناد أدبي صغير، يسمع فيه صوته: فاليوم هو الاحتفال

(1/47)

بذكرى الرصافي، وغدا احتفال بمرور أربعين يوما على وفاة عبد المسيح وزير، وبعد غد مقام تهنئة بفوز الشاعر خضر الطائي بجائزة أدبية (1) . دنيا مناسبات تفرض على الشاعر الذي لم يعرف سوى تصوير خلجاته الذاتية أن يصبح " خطيبا " أو " عبد قافية " ، ولكن لا بأس: أن للشهرة سحرها، ولو كان ذلك على حساب الإخلاص الفني، وستتيح له هذه الندوة الصغيرة أن يلقي شعرا غير معلق بمناسبة. هيئا له أحد أصدقائه الجدد ؟الأستاذ محمود العبطة - إحدى هذه الفرص، وجمع له عددا من الأدباء ألقى عليهم من شعره الذاتي ما يملك إعجابهم فقام إليه الشاعر هادي الدفتر وقبله، ودنا منه خضر الطائي مهنئا، وتحول عبد الرحمن البناء فجلس إلى جانبه (2) ؛ ذلك شيء لم يتح له في جيكور أو في البصرة، وها هي زاوية من بغداد تعترف به شاعرا ينتظره مستقبل عظيم.
ولو رددنا الأمور إلى أسبابها الحقيقية لوجدنا ان شعر بدر حينئذ لم يكن هو الذي يملك الإعجاب، وإنما هو ذلك التلاحم بين الإنسان والكلمات، تلاحما تضيع فيه الحدود بين الصوت والمعنى والملقي نفسه، ويغدو كل ذلك نبضات أو جيشانا من الدروع، أو حشرجات مختنقة في قبضة الكآبة والموت، وظلت طريقة بدر في الالتقاء على هذا اللون سواء أكان شعره هادرا أم خافتا، متحمسا أم باكيا، ولهذا عبر عنها من سمعوا إلقاءه، في فترات متفاوتة، تعبيرات متقاربة، فقال الأستاذ العبطة وهو يتحدث عن دور مبكر في وقفات بدر أمام مستمعيه " وأخذ يقرأ شعرا من أنماط شتى بأسلوب مؤثر وحركات غريبة، إذ كان يندمج في جو شعره اندماجا عجيبا ويؤشر إشارات تفصح عما في قلبه " (3) .

(1/48)

وقال الشاعر بلند الحيدري وهو يممىء إلى الانفصام القائم بين حقيقة الشعر والحركات التمثيلية: " ولم نكن لنمل من سماعه رغم ما في إلقائه من دراماتيكية لا تبدو مريحة في أحيان كثيرة " (1) . وتقول الأديبة السيدة خالدة سعيد متحدثة عن إلقاء بدر في فترة متأخرة: " كان يقف على منبر الندوة اللبنانية بهيكله الواهي وعينيه الصغيرتين يصرخ بصوت غريب تموجه قشعريرة مرعبة، يتفجر من أبعاد قصية " (2) ؟وتلك أقوال متقاربة في الدلالة، وان تفاوتت فيها الصياغة التعبيرية.
ومن رأى بدرا في تلك الفترة وهو يرتاد تلك الندوات الأدبية ويذهب في صحبة خالد إلى جمعية الشبان المسلمين ويزور جريدة " الاتحاد " في محلة الصابونجية ليلتقي بلفيف من الأدباء، ويعمد إلى مقهى " الزهاوي " لأنه يعرف أنه سيلقى فيه المشتعلين بالصحافة والأدب ويتمشى في شارع الرشيد مع فئة من الأصدقاء، ويضحك بقهقهة عالية في ساحة دار المعلمين، ويداعب هذا ويدبر (المقالب) المضحكة لذاك من رفاقه، وقدر انه سابح ماهر في تيار المجتمع، وأن بغداد استطاعت أن تكون أما رءوما تضمه إلى صدرها. ولكن الحقيقة كانت على خلاف ذلك، فقد كان بدر حينئذ ما يزال وحيدا تائها عن نفسه، لا يجد له منتمى، ولا يحاول الانتماء: فهو يطلب الوحدة لنفسه في مقهى " إبراهيم عرب " أو مقهى " مبارك " ومعه عدد من الكتب اغلبها من الدواوين الشعرية، فإذا سئم القراءة حومت به الذكريات حول الريف وحياته الوادعة لبريئة، وهالة أن يجد هوة قد أخذت تنفرج تحت قدميه بين هذه الحياة الجديدة وتلك الحياة التي عاش يتغنى بها، وأخذت مخيلته تقارن بين ما كان وما جد من سئون. وفي قصيدة " الذكرى " (3) نجده

(1/49)

يستعيد اللوحة القديمة، ويعود على غصنين من الذكرى إلى ماضيه إلا انهما يذوبان لدى حلول الخريف ويعجزان عن الطيران به إلى مرج الرعاة:

ودوحة الذكرى تسلقتها ... مجتذبا أغصانها المزهرات
مستقصيا ما بينها فجوة ... تمر منها النسيم الهائمات
أبصرت منها ذكريات الصبا ... على نجيل المرج مستلقيات
والبحر يسعى دونها زافرا ... فالموج آهات حطمن الصفاة
يا مرج هل تذكرني راعيا ... اعبد فيك الله والراعيات
والبحر ما كان سوى جدول ... ينير في الليل سبيل الرعاة * * *
قالت لي الدوحة لا تيئس ... ستهبط المرج ففيم الشكاة
هاك جناحين فطر وائته ... واستوح فيه المتع الطارئات
وقدمت بين دموع الندى ... فرعين من أغصانها المورقات * * *
غنى الخريف الغاب ألحانه ... فانتثرت أوراقه راقصات

وقبل أن أدرك ما أبتغي ... ذوى جناحاي مع الذاويات كان الحنين إلى الرعاة يؤرقه، وكانت صورة " هالة " ما تزال تعيش في قلبه، رمزا لكل ما يجب في الريف، ولهذا لم يكد يجد الفرصة سانحة في عطلة الشتاء (1943) حتى خف إلى القرية، ولكن قصيدة " تنهدات " (1) تنبئ انه لم يستطع أن يراها؟.. " انها لن تأتي " ذلك ما قاله في التوطئة للقصيدة: أكان ذلك لان فصل الشتاء حال دون قدومها

(1/50)

أم لأن العهد قد انتهى؟ انه يخبرنا في القصيدة أنها أصبحت نائية، حين يقول مخاطبا سعف النخيل:

من كنت أحذر أن تحجب طيفها ... عن ناظري نزلت بأبعد منزل

سيان عندي اليوم قفر موحش ... وظلال روض مستطاب المنهل وعلينا ان نقدر أن هذا النأي كان مكانيا، وكان طارئا، ولعل من أسبابه أن الراعية لم تعد راعية، بعد أن مات القطيع، وسأل عنها فقيل له أن المروج لن تحظى بعد بطلعتها الجميلة:

أحزنا على ما أصاب القطيع ... أليف الروابي اعتراك الألم؟

سأبكي وقد كنت تستضحكين ... إذا الدمع من ناظري انسجم (1) ومثل هذا التقدير ينسجم تماما مع قصائد نظمها من بعد يحن فيها إلى راعيته، حين عاد يستأنف العام الدراسي. وفي هذه الإجازة الشتوية لم ينس أن يقدم إلى القرية تحية إلا بن البار ويتحدث عن مواطن الجمال في جوانبها (2) :

صور تسجد النفوس لديها ... وتضج القلوب بالصلوات
أينما دار ناظري طالعتني ... فتنة تستعيدها نظراتي ولما عاد يجدد العهد بدار المعلمين، اخذ يحاول أن يخلق شيئا من المواءمة بين نفسه وبيئته الجديدة؛ وكانت الأسابيع القليلة التي قضاها في دار المعلمين قبل عطلة الشتاء قد عرفته إلى بعض الفتيات فيها، وكان قدر قليل من اللطف في المعالمة في لغة الخطاب والابتسامة عند التحية كافيا ليحمله على أجنحة الخيال، ويهيم به في مسارب الإلهام، وفجأة وجد نفسه أسير حب جديد: هنالك اثنتان تعاملانه بلطف

(1/51)

وتستمعان إلى شعره وتبديان إعجابهما بذلك الشعر ؟ وهذه كناية إذا ترجمت فهم منها انهما معجبتان به، أليس تقدير العبقرية تقديراً للعبقري نفسه؟ أما إحدى الفتاتين فتمتاز برقة وعذوبة وعينين وادعتين ونغمة حلوة وغمازتين لطيفتين، وهو يسميها " الأقحوانة " ؟مترجما اسمها الإنكليزي - وأما الثانية فإنها ؟في نظره - جميلة، أو بارعة الحسن، وإذا أراد أن يميزها بسمة فارقة سماها " ذات المنديل الأحمر " ، وقد عرف من الأحاديث المتبادلة في رحاب الكلية أنها تكبره بسبع سنوات؛ وتلك حقيقة لا أثر لها في الحب، بل لها كل الأثر إذا كان السياب هو المفتون، فهو ما فتئ يبحث عن " أم " ، وهذه أم وحبيبة معا، فهي أذن مطمح النظر، ومهوى الفؤاد، وكل المنى، ومن غير المستغرب أن يصف لها بدر في أول قصيدة ينظمها فيها غربته التي باعدت بينه وبين أبيه، وحاجته " لى ما يعوض عطف الأم (1) :

خيالك من أهلي الاقربين ... ابر، وان كان لا يعقل
أبي منه قد جردتني النساء ... وأمي طواها الردى المعجل

ومالي من الدهر إلا رضاك ... فرحماك فالدهر لا يعدل وحين ألحت على ذهنه حقيقة السنوات التي تفصل بينهما تألم لذلك (2) :

مشى العمر ما بيننا فاصلا ... فمن لي بأن اسبق الموعدا
ومن لي بطي السنين الطوال ... ستمضي دموعي وحبي سدى ثم تذكر أن الحب " حاسب ماهر " ، يستطيع أن " يطرح " السنين الزائدة جانبا فإذا العمر أخو العمر:

(1/52)

أراها فأذكر أني القريب ... وأنسى الفتى الشارد المبعدا
أراها فأنفض عنها السنين ... كما تنفض الريح برد الندى
فتغدو وعمري أخو عمرها ... ويستوقف المولد المولدا ومن هذه القصيدة نفسها نعلم أن الشاعر كان يتعذب بحبه في صمت وأن " ذات المنديل الأحمر " لم تكن تعلم شيئا عن هذا الحب:

أغض إذا ما بدت ناظري ... فهيهات تعلم كم سهدا
ولو أنها نبئت بالغرام ... - غرامي - لقربت المنشدا

وقالت أأعصي نداء المحب ... حرمت الهوى ان عصيت الندا وأما " الاقحوانة " فان إعجابه بها لم يرتق إلى مستوى الحب، ولكن رقتها حركت مشاعره بوجد المحروم، وإعجابها بشعره قد استثار رضاه؛ وحين استعارت منه ديوان شعره، ذهبت به الأخيلة مذاهب، وأخذ يترنم بالسعادة التي نالها ديوانه فهو حينا فوق النهدين، وهو حينا تحت وسادة إحدى الغيد، ان " الاقحوانة " لم تستعره لتنفرد بقراءته، ولكنه سيسافر في " رحلة معطرة " بين الايدي الجميلة الناعمة (1) :

ديوان شعر ملؤه غزل ... بين العذارى بات ينتقل
أنفاسي الحرى تهيم على ... صفحاته، والحب والأمل
وستلتقي أنفاسهن بها ... وترف في جنباته القبل
وإذا رأين النوح والشكوى ... كل تقول: من التي يهوى وسترتمي نظراتهن على الصفحات بين سطوره نشوى ...
ولسوف ترتج النهود أسى ... ويثيرها ما فيه من نجوى
ولربما قرأته فاتتني ... فمضت تقول: من التي يهوى

(1/53)

ومما يجري مع طبيعة هذا الحلم أن يتمنى السياب لو أنه كان هو مكان ديوانه:

يا ليتني لصبحت ديواني ... لأفر من صدر إلى ثان
قد بت من حسد أقول له ... يا ليت من تهواك تهواني

ألك الكؤوس ولي ثمالتها ... ولك الخلود وانني فأني؟! وكما ودع الشاعر ديوانه وهو يفر إلى أحضان العيد حياه لدى عودته بقصيدة وطأ لها بقوله: " إلى ديواني العائد من تجواله بين العذارى؟. إلى ذلك الزورق المتنقل بين موج النهود أرفع زفرتي " فكرر الحديث عن حسده له لتنقله بين مفاتن الحسان، وتمنيه لو كان هو مكانه، وشبهه بالزورق الذي كان ينتقل بين أمواج النهود ثم عاد إلى صدر صاحبه، إلى مرفأ موحش ؟ وقد مزق منه الشراع. وتسئل في لهفة قائلا (1) :

أنلت من عطفهن يا ورق ... ما لم ينله المسهد الأرق
فكنت منديل كل باكية ... منهم ينتاب روحها القلق
سددن أنظارهن نحوك يا ... ديوان شعري، ولست تحترق!!

أما تراني أكاد أن نظرت ... لي ذات حسن تذيبني الحرق والبيت الأخير هو سر المشكلة السيابية وهو يومئ إلى مدى ما يعانيه صاحبه من لهفة إلى نظرة حنو، ولهذا كان عطف " الاقحوانة " شيئا كبيرا كالحب نفسه، وبين ذهاب الديوان وعودته ؟حسبما يشير تاريخا القصيدتين - مدى أسبوعين، في أثنائهما كانت " الاقحوانة " تسير في ساحة الكلية وبيدها وردة، وأخذت على مرأى من بدر تنزع

(1/54)

أوراقها وتنثرها، فجن جنون الشعر في نفسه، وذهب ينظم قصيدة بعنوان " الوردة المنثورة " ويبدأها بمطلع يذكر بقصيدة للشاعر الروماني كاتولس حين أخذ يبكي موت طائر كانت حبيبته تدلله (1) ، يقول بدر: " أعولي يا قياثر الشعراء " ثم يقارن بين التي تحطم القلب وتنثر الوردة فلا يرى بينهما فرقا:
غير ان التي تحطم قلبا ... تنثر الزهر مثله في الفضاء وبعد أن يعدد ما لتلك الوردة من قيمة عند الروض والطير والنهر والراعي يعود فيندم على هذا الإغراق وينكر على نفسه ما بدأه، وينقض كل ما قرره:

فانثري الزهر كل يوم ليحيا ... في فؤادي ويرتوي بدمائي

أنثريه لتلتهمي قلبي الغض ... فيشدو لحون أهل السماء (2) وامتد به الوهم الملهم، فوقف ذات مرة أو تخيل انه وقف - أمام زهرة أقحوان، فأخذ يخاطبها بقوله (3) :
جاء الدجى يا زهرة الأقحوان ... فانسل نحو الموعد العاشقان وجمع بين الزهرتين في نطاق حين تمثل " الاقحوانة " وهي لا تعلم شيئا عن حبه الذي يؤرقه ولذا فهي لا تسمع ولا تمنح العطف المشتهى:
ماذا ينال القلب يا ويحه ... إذ يعطف الروض ولا تعطفان

(1/55)

وأي جدوى في أغاني الهوى ... إذ تسنع الدنيا ولا تسمعان
وأي خير في الهوى كله ... ان كنتما بالحب لا تعلمان
يا زهرتي قد مت يا زهرتي ... آه على من يعشق للأقحوان

لولا التي أعطيت سحر اسمها ... ما بت استوحيك سحر البيان ووقف سحر " الأقحوانة " عند هذا الحد إذ كانت " ذات المنديل الأحمر " تدفع صورتها من مخيلته وتحل محلها، وقد مرت به الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذه السنة الدراسية (نيسان وآبار وحزيران) وتباريح هذا الحب تعذبه، ولسنا ندري مبلغ ما أدركته ذات المنديل الأحمر من لواعج في نفسه، ومدى قدرته على أن يبوح بهذا الحب في غير الشعر، ولكن الذي ندريه انه اصبح يعاني حالة نفسية قلقة، فانكفأ على نفسه يتحدث لها عن " قبض الريح " (1) :
غنى ليصطاد حبيباته ... فاصطاد أسماء حبيباته انه محب لا يملك من كتاب الحب إلا الفهرست، ولا يرى في الكتب الواقعية التي تفرض عليه قراءتها في الكلية إلا قضبان سجن (2) :

سجين ولكن سجني الكتاب ... وأغلالي الآسرات السطور

فما بين جنبيه ضاع الشباب ... وفوق الصحائف مات السرور ولهذا فهنو برم النفس بمعايشة الموتى، وحق له الانطلاق، فان الشاعر يجب ألا يفني عمره في ظلمة الكتب وسواد حبرها:

عيوني بآفاقه ساهرات ... وحولي يبيت الورى رقدا
بأرجائه ألقي بالممات ... كأني على موعد والردى
وما بين ألفاظه القائمات ... أشعة عيني ضاعت سدى
وما بين أوراقه الصامتات ... تلاشى غنائي ومات الصدى

(1/56)

وما كاد يؤدي الامتحان النهائي حتى هرب من بغداد خفية دون أن يعلم بسفره أحد من اصدقائه، وهو يسمي هذه العودة المفاجئة " تلك المغادرة الشاذة " ويضيف مخاطبا صديقه خالدا: " ولكن الشاعر يقدر ظروف الشاعر فيعذره، ومع هذا فقد اصبح من الصعب علي أن انفي عن نفسي تهمة الشذوذ؟ لا سيما في الحب " (1) .
وحسب بدر انه هرب من بغداد أفلت من تلك الأغلال التي قيدته بها: أغلال الكتب وأغلال العواطف، ولكنه كان حليف كتاب،وما كانت ثورته لتنصب إلا على الكتب المقررة، وأما أغلال العواطف فانه هو الذي كان يلفها حول وجوده مختارا راضيا، ولذلك تبعته بغداد إلى الريف، وخالطت " الوحدة والنخيل والجداول والمد والجزر وليالي القمر والشط الجميل الساجي " (2) : فكان إذا تنسم عبير الأزهار البرية ؟بل إذا قرأ قصيدة زهرية - تذكر " عرف الاقحوانة " (3) ، وذات يوم كان يقلب جريدة " الزمان " فإذا به يقرأ: " تنعى بمزيد الأسف الآنسة (؟.) كريمة الدكتور (؟.) " انه اسم " الاقحوانة " واسم أبيها؛ هل من المعقول؟ " انا الآن في هم وقلق شديدين.. انا حائر.. لو عرف عنوان ابيها لسألت عن هذه العذراء التي أوحت إلي قصيدة " ديوان شعر " وقصيدتي " الاقحوانة " و " الوردة المنثورة؟ " (4) ولا ريب في انه عرف من بعد أن ذلك كان محض توافق بين اسمين، ولكنه لم يعرف انها ؟مد الله في عمرها - عاشت لتقول في رثائه كلمة وفاء نبيلة.
ولا ريب في أن " ذات المنديل الأحمر " قد كانت تعيش في خياله،

(1/57)

ولكنا يجب ألا نسرف في التصور، فان القصائد التي نظمها فيها تدل على أن الحب كان يتجه إلى الانحسار، ومثل هذا الحكم يبدو غريبا لأول وهلة، ولكنا نجده يذكرها في قصيدتين أرسلهما إلى صديقه خالد إحداهما " في المساء " (أو في الغروب) والأخرى " الشعر والحب والطبيعة " وكلتا القصيدتين تمثل ارتدادا إلى اللوحات المسطحة التي كان شغوفا بها من قبل، وليس فيها أية حركة انفعالية لا بالطبيعة ولا بالحب، أضف إلى ذلك ان ذكر الحبيبة فيهما يجيء عرضا، ويجيء موشحا بلون من التصور ؟أو الواقع - الصبياني؛ ففي قصيدة " في المساء " يتحدث عن صورة الشمس في الغياب، ثم يحاول أن يقرن ذلك بغياب شمس العمر فيعجز عن الإفصاح بالمعنى الذي يريده (1) ، ثم يتحدث عن سحابة اعترضت غياب الشمس، ثم يعود ليذكر وداعه لصاحبته (2) :

قسما بمن اذكرتني بوداعها ... لقد ابتعثت صبابتي وتحسري
هي ذي (؟) والقلوب تحفا ... من كل منكسر الجناح مسعر
جلست وما جلس الفؤاد من الجوى ... وتبسمت فبكى ولم يتصبر
وهبت تحيتها لآخر غيره ... فبكى وقال لعلها لم تبصر
وقد اكتفى لو أنصفته بنظرة ... لكنها حرمته طيب المنظر
فتحجبت بسحابة من صحبها ... وتسترت فصرخت: لا تتستري
لو كان يسعفني لصغتها ... مرثية لفؤادي المتفطر

(1/58)

فانتظر إلى الافتعال في ذكر السحابة ليصح له من بعد أن يقول على سبيل المقارنة " فتحججت بسحابة من صحبها " ، ولعلك ترى ان هذه الأبيات تشكو من ثلاث نقائض: ضعف التركيب، وافتعال المطابقات، وتفاهة الواقع الذي يريد الشاعر تصويره؛ ولا ترتفع القصيدة الثانية " الشعر والحب والطبيعة " عن هذا المستوى من الافتعال، وكل ما يهمه من حب " ذات المنديل الأحمر " هو: كيف يمكن أن يهتز للطبيعة دون أن تطأ هي السهول ولا تمشي فوق التلال:
أيهز قلبي جدول وبحيرة ... وأرى على قمم الربي ما يلهم
و(؟) لم تطأ السهول ولا مشت ... فوق التلول حبيبة تتبسم أما هي، أما ضرام النار المتسعر بين الجوانح، أما العذاب الذي كان يتحدث عنه من قبل فكذلك قد اختفى فجأة، كأن الريف قد ألقى على اللهب السابق حفنات من تراب. ولهذا قدرنا أن الهوى كان في انحسار وهو منحسر ولا بد، لأنه خفقة مكتتمة لم تثر أية استجابة، ولهذا ماتت وحدها، كما اتقدت ؟يوم اتقدت - وحدها. وحين غابت ذكريات تلك الخفقة وراء حجاب كثيف من الزمن (يناهز العشرين عاما) تناولها بدر بصراحة الإنسان الذي لم يعد يهمه ان يخدع نفسه فقال (1) :
وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا ... ولكن؟ كل من أحببت قبلك ما أحبوني ... ولا عطفوا علي، عشقت سبعا كن أحيانا ... ترف شعورهن علي، تحملني إلى الصين ...

(1/59)

سفائن من عطور نهودهن أغوص في بحر من الأوهام ... والوجد ... فألتقط المحار أظن فيه الدر ثم تظلني وحدي ... جدائل نخلة فرعاء ... فابحث بين أكوام المحار لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة ... وإذ تدمى يداي وتنزع الأظفار عنها لا ينز هناك غير الماء ... وغير الطين من صدف المحار فتقطر البسمة ... على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق ... لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني. ... وليس هناك ما هو اشد مرارة من تصوير ذلك التشبث بالوهم كما تنقله هذه القطعة، حتى إذا جاء دور " ذات المنديل الأحمر " في قائمة المحبوبات السبع قال فيها:
وتلك؟ لانها في العمر اكبر ام لأن الحسن أغراها ... بأني غير كفء، خلفتني كلما شرب الندى ورق ... وفتح برعم مثلتها وشممت رياها ... وأمس رأيتهما في موقف للباص تنتظر ... فباعدت الخطى ونأيت عنها، لا اريد القرب منها ... هذه الشمطاء ... لها الويلات؛ ثم عرفتها: أحسبت أن الحسن ينتصر ... على زمن تحطم سور بابل منه، والعنقاء ... رماد منه لا يذكيه بعث فهو يستعر؟ (1) . ... كل حظه منها أنها كانت جميلة، أما قلبها فلم يخفق بحبه، بل لم تتلق نظراته برقة كرقة " الاقحوانة " ، ولكنها استطاعت ان تشغله عن " هالة " وان تحجب صورتها؛ والحقيقة ان هالة قد ضاعت من عالمه

(1/60)

على نحو عفوي ؟ كما سيضيع المنديل الأحمر وصاحبته - ؛ ضاعت أو توارت في ثنايا الوعي الباطن سيان؛ إذ معنى ذلك أنها ؟بكل ما غرست من وجد في سريرته الخصبة - لم تعد هي نفسها مثار شعر أو منبع الهام. وهنا يعترضنا رأي لصديق من أصدقاء السياب، لعله كان من المطلعين على بعض ما كان يكنه من هوى، أعني بعض ما باح في ساعة من ساعات التناجي بالذكريات، إذ يقول في حديثه عن ذلك الحب الريفي: " وتمتد أواصر المحبة وتقوى، وتتعمق وشائج اللقيا وتتعدد أسبابها، وإذا بالمواعيد تضمنها معا عند شاطئ بويب حينا وفي منحنى طريق ريفي حينا آخر، وفي جوسق لبيادر التمور مرة ثالثة؛ ويأتيان إلا أن يعيشا الاماسي وأوقات الصباح معا يرسمان خطوط لوة الغد، وهما غارقتان في النشوة (بين) كوخ قصبي صغير يحميهما من أعين الرقباء؛ ويضيء الحب أمام السياب كل معالم الريف وشواهده فيجد من النخلة وأعشاش العصافير وقواقع النهر معاني جديدة لم يعرفها من قبل ان يتحابا؟.. وكانت سنوات دراسته في كلية التربية مليئة بحنينه إلى قرويته الحسناء، حيث ينتظر العطلة بفارغ الصبر.. وذات يوم بينما هو عائد من بغداد يلتقي بحبيبته لقاء شاحبا فتخبره بأنها لم تعد له وان قلبها لم يزل عامرا بحبه وهواه؛ ان أهلها عقدوا قرانها على شخص سواه؛ فتؤلمه المفاجأة إيلاما شديدا، ويجن جنونه ويشعر بالمرارة والقسوة، ويمنعه ذهوله وشرود عقله من تصديق الخبر؛ ويستمر بعد هذا اللقاء يندب الحظ العاثر ويتطلع إلى السراب والوهم لاعنا العادات الشعبية وكافرا بالتقاليد وباحثا عن ضوء لروحه في القرية المظلمة، وتلك هي أولى تجاربه المريرة " (1) .
وبعض هذه الصورة عامر بالصدق مؤيد بالوقائع، فأن هذا الحب

(1/61)

هو الذي جعل كثيرا من مظاهر الريف حافلا بالمعاني، بل هو الذي خلق ذلك الاتجاه " الرعوي " الذي وصفناه من قبل، ولكنه ليس هو وحده الذي أسلم السياب إلى معانقة الوهم والسراب، وتحول بشعره إلى " مرثية " مديدة النفس، وجعله صورة للبحث عن شيء ضائع إلى الابد؛ انما الذي فعل ذلك هو استقطاب التجارب مجتمعة بعد إخفاق إثر إخفاق، ولن تتجسم فكرة البحث عن " الزمن الضائع " لدى السياب، ولن ينضج تصوره العميق لأبعاد ذلك الضياع إلا حين يصطدم بحب من يسميها " المنتظرة " ، وتلك حقيقة لا تجعل انتهاء العهد بحبيبته الريفية نقطة تحول هامة، إذ مرت على السياب سنوات بعد فقدانه لريفيته السمراء وهو ما يزال يتشبث بالبحث عن فتاته المنتظرة، وحين وجدها وفقدها ؟حينئذ فقط - ارتسمت المسافة المديدة بينه وبين الدنيا التي تستطيع أن تتقبله عاشقا أو معشوقا أو طفلا في حاجة إلى حنان، فأخذ يمشي ؟وهو مسمر القدمين - ليعبر ذلك الجسر الذي يفصل ؟أو يصل - بينه وبين تلك الدنيا.
ومن الحق أن صورة تلك الفتاة الريفية لم تعد تخايله إلا حين فقد ذات المنديل الاحمر، هنالك وقف يتأمل الماضي ويؤرخ ذكرياته، فوجد نفسه أمام تجربتين هما في الحقيقة تجربة واحدة مكررة، فقد أدرك في لحظة من التأمل انه لم يحب فتاة الكلية إلا لأنها كانت صورة أخرى من فتاة الريف، وتمثل لنفسه انه هتف حين رأى ذات المنديل الأحمر (1) :
أما كنت ودعت العيون ... الظليلات والخصلة النافرة
كأني ترشفت قبل الغداة ... سنا هذه النظرة الآسرة
أما كان في الريف كهذا ... أما تشبه الربة الغابرة؟

(1/62)

ذلك هو أثر الحب الأول: انه استحال قوة داخلية، تيارا كهربائيا خفيا، طاقة غير منظورة، تشكل كل حب جديد، وتصبغه بسماتها، لا أن كل حبيبة ستصبح " هالة " جديدة، ولكن الحب دائما لا يفهم إلا في الإطار الريفي، لا أبعاد له إلا النخلة والنهر والمحار، والكوخ على مطلة على صفحة الجدول، أنها الاستحالة كاملة، أنها الطفولة دائما في أحضان الام وعالمها وعالمه الأثير، أنها اليقظة المستمرة للصلة بين الطفل والقبر المحفور في عقله الباطن. ولذلك كانت عميقة الدلالة تلك الصورة التي مثل فيها إخفاقه مع كل واحدة من حبيباته السبع:
؟.. أغوص في بحر من الأوهام والوجد ... فألتقط المحار أظن فيه الدر، ثم تظلني وحدي ... جدائل نخلة فرعاء ... فأبحث بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة، ... وإذا تدمى يداي وتنزع الأظفار عنها، لا ينز هناك غير الماء ... وغير الطين من صدف المحار، فتقطر البسمة ... على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق، ... لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني. ... عميقة هي لأنها تصور ذلك الإطار الريفي الذي كان يفرض على كل حب جديد ان يعيش فيه، فإذا لم يستطع أن يعيش فيه، فقد نبا به موضعه؛ هي صورة تجمع بين الحلم والحقيقة فتجمع بين طرفي العمر ؟النشأة والموت. ذلك لأنها ليست محض مجاز شعري، يستخدمه الشاعر كما تستخدم الصور في التوضيح والتبيان على نحو تمثيلي، وحسبنا دليلا ما نزعمه لها من أهمية أن نقرنها بفقرة من رسالة كتبها الشاعر إلى صديقه خالد ؟وهو يقضي الإجازة الصيفية (عام 1944) - يقول فيها: " اكتب إليك رسالتي هذه بعد عودتي من سفرة

(1/63)

- مضنية ولكنها جميلة - إلى الجانب الآخر من شط العرب؛ لو تراني وقد القاني الزورق على ارض رسوبية نبت عليها القصب والعشب المائي ؟إذ أن ماء الجزر لا يوصل الزورق إلى الشاطئ - لقد خلعت نعلي وسرت في الطين، وانا اشق طريقي بين القصب، ثم وصولي إلى الشاطئ؟ إلى ارض لا اعرف منها غير أسماء بعض ساكنيها. وقفت وقدماي داميتان، ويداي مزينتان بالجراح على الشاطئ المقفر، أتلفت فلا أرى صدى، وأنصت فلا اسمع غير انين الريح، لقد نسج الخيال رواية عنوانها " موت الشاعر " ؟. ولو تحدثت لطال الحديث " (1) .
هذه التجربة الصغيرة التي خرج منها الشاعر " دامي القدمين مزين اليدين بالجراح " ، على مسافة غير بعيدة عن النخلة الفرعاء والقبر الذي يقع على الجهة الأخرى من النهر لم توح له إلا بفكرة " الموت " ؛ وهي نفس الصورة التي استوحاها من قصص الهوى المخفق، كلاهما ؟اعني الحب وهذه الرحلة - سفرة قصيرة المدى، لكنها متشابهتان في نوع الألم والجراح، وما تنزه الأصابع عند تشبث الشوك والحصى بها، لأنهما متشابهتان في البعد عن النخلة الفرعاء والقبر الذي يقع على مقربة منها، وحين تحيا هذه الصورة نفسها في نفس الشاعر رغم السنوان الطويلة وعوامل النسيان الكثيرة على ظهر هذه الأرض فمعنى ذلك أن رحلة الحب ورحلة العمر - كانتا تنكمشان دائما إلى نقطة البداية، فإذا هما دائما عودة إلى الطفولة، إلى تلك النخلة الفرعاء نفسها التي ظلت تؤويه إليها وهو يبحث عن درة بين المحار فلا يجدها، وكل ما تجاوز هذه النخلة وظلها الوارف فهو ليس حبا، إنما هو إخفاق، أو موت على نحو ما؛ ولهذا كان كل حب مخفقا منذ البداية لأنه يمثل تجربة نمو، وكان الشاعر يقاوم هذا النمو دائما، لأنه يعني الانفصام

(1/64)

عن جذع النخلة، وحسبنا ان نورد قوله ؟وهو يشبه الفلتات النفسية ذات الدلالة العميقة - دون ان يهمنا كثيرا أية حبيبة يعني:
أنا أيها النائي الغريب ... لك أنت وحدك؛ غير أني لن أكون ... لك أنت ؟ اسمعها؛ وأسمعهم ورائي يلعنون ... هذا الغرام، أكاد اسمع ايها الحلم الحبيب ... لعنات أمي وهي تبكي (1) . ... لقد سجل الشاعر تجربتيه الأوليين في الحب في قصيدة عنوانها " أهواء " ؟فتخلى عن قصيدة له كان قد نظمها قبل حوالي ثلاث سنوات بعنوان " أراها غدا " واستعار منها بعض أبياتها، وضمنها القصيدة الجديدة، وهي تلك الأبيات التي يتحدث فيها عن فاصل العمر بينه وبين ذات المنديل الأحمر ولكنه أضاف إليها أبياتاً أخرى وسعت من معنى هذا الفاصل الزمني، إذ ليست المسألة سبقا في السنين فحسب، وإنما تلك السنين نفسها كانت قد منحت الفتاة ؟دونه - تجربة حب تسامع الناس به، وكانت تجربتها هذه قد جعلت مروره في دنياها عاديا لأنه لم يكن سوى واحد في قافلة طويلة من العاشقين:
وهل تسمع الشعر أن قلته ... وفي مسمعيها ضجيج السنين أطلت على السبع من قبل عشرين عاما وما كنت إلا جنين ...
وأمسى ؟ ولم تدر أنت الغرام ... هواها حديث الورى أجمعين
لقد نبأوها بهذا الهوى ... فقالت: وما اكثر العاشقين وبين هذه الاتهامات التجريحية ووصفه لها بالعجوز الشمطاء يوم لقيها عند موقف " الباص " ، كان الشاعر قاسيا في النظر إليها والحكم عليها، مفتونا حانقا، يسميها " الذئبة الضارية " ولكنه لا ينفك يقول:

(1/65)

وفي ثغرها افتر كل الزمان ... وما عمر آذار إلا شهر
وبالروح فديت تلك الشفاه ... وان اذكرتني بكأس القدر وفي قصيدة " أهواء " نفسها عرض لتاريخه مع فتاة الريف، في تدرج كالذي صوره الأستاذ عبد الجبار البصري: افترار الشفاه بما يشبه البسمة الحانية ثم اللقاء، وفي فصل الشتاء التالي اضطر ان يلجأ هو وإياها إلى ظل الشجر وهو يحتضنها لئلا يصبها بلل، ثم كان خصام أعقبه صلح ولقاء، وهي قد حجبت خديها بكفيها، ثم أرختهما، ومضى عام آخر من الهناءة وهما يلتقيان بالتحايا والبسمات، وهو قد حفر اسمها على جذع نخلة هنالك، ثم تزوجت الفتاة، وناداها وهي تعنى بالرضيع والزوج، غير ساه عن انه لم يعد له وجود في عالمها:

أناديك لو تسمعين النداء ... وأدعوك ؟ أدعوك؟ يا للجنون
إذا رن في مسمعيك الغداة ... من المهد صوت الرضيع الحنون
ونادى بك الزوج ان ترضعيه ... ونادى صدى أخفته السنون

فما نفعها صرخة من لهيب ... ادوي بها؟ من عساني أكون وعبارة " من عساني اكون؟ " تحمل الاعتراف باللاجدوى، وبأنه انما يراجع ذكرياته مراجعة التاجر المفلس للدفاتر القديمة.
ولكن لم هذه المراجعة؟ انه يقدم حسابه للمنتظرة، ليقف أمامها نقي الضمير، يستقبل حبها طرد جميع خيالات الماضي:

سأروي على مسمعيك الغداة ... أحاديث سميتهن الهوى وحين يمعن فب اللفتات الملتاعة يحس انه لم ينصف هذه المنتظرة " التي صورتها مناة " ؟فتاة الهوى والخيال - ولذلك يعاتب نفسه على ان المنتظرة ترفعه إلى السماء ما يزال يتحدث إلى " تراب القرى " :
نسيت التي صورتها مناي ... وناديت أنثى ككل الورى!
وأعرضت عن مسمع في السماء ... إلى مسمع في تراب القرى؟

(1/66)

أتصغي فتاة الهوى والخيال ... وأدعو فتاة الهوى والثرى؟ وهكذا يتضاءل ذلك الحب في نفسه حين يتشوف إلى حب جديد، دون ان يكون في الأمر صدمة عنيفة. وليست عودته إلى هذه الذكريات محاولة فحسب لاستقبال الحب الجديد بضمير نقي، وإنما هي وسيلة ينبئ فيها كل محبوبة انه لم يكن امرءوا دون تاريخ في الحب، ذلك شأنه كلما لاحت في الأفق فتاة جديدة، انه ينثر على مسمعيها قصص حبيباته السابقات، وهذا هو عندما تحدث إلى الباريسية عن السبع اللواتي احبهن (1) ، وهذا هو الذي كان سببا من أسباب القلق في حياته الزوجية، ومثارا للغيرة والنكد، وإلى هذا يشير ؟بصراحة - في قوله يخاطب زوجته من بعد (2) :
ربما أبصرت بعض الحقد، بعض السأم ... خصلة من شعر أخرى آو بقايا نغم ... زرعتها في حياتي شاعرة ... لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقى دمي ... أنها ذكرى ولكنك غيرى ثائره ... من حياة عشتها قبل لقانا ... وهوى قبل هوانا. ... ولا ريب في ان هذه الاعترافات ترمز إلى نقطة الضعف فيه لا إلى الثقة بالنفس، فقد كانت لذته الكبرى في ان يستعيد الماضي لا ليتخلص منه بل ليظل في صحبته، ومن الطريف الغريب في آن معا ان يقف امرؤ يقول لفتاة لم يرها بعد: " سأروي على مسمعيك أحاديث سميتهن الهوى " وان يؤكد لها نظرية تهدم معنى الانتظار وهو يقول:

(1/67)

وهيهات أن الهوى لن يموت ... ولكن بعض الهوى يأفل
كما تأفل الأنجم الساهرات ... كما يغرب الناظر المسبل

كنوم اللظى كانطواء الجناح ... كما يصمت الناي والشمأل وأية منتظرة هذه التي ترضى ان يقال لها: انك تقفين فوق بحر قد يثور بعد قليل، وفوق نار مكتومة قد تتوهج في لحظة، وعلى جناح مطوي، إذا امتد عنك صاحبه إلى الماضي؛ ان قصيدته " أهواء " هامة في تاريخ شعر السياب لأنها ترجمة جميلة لضعفه ولفترة من حياته.
ومما يلفت النظر ان القصائد الموجهة إلى ذات المنديل الأحمر ثلاث كلهن ينبعن وحدة يمثلها بحر المتقارب وهي " اغرودة " و " أراها غدا " و " خيالك " ومطالعها على التوالي:

كفى طرفك اليوم أن غررا ... بقلب جفا الحب واستكبرا * * *
أراها غدا هل أراها غدا ... وأنسى النوى أم يحول الردى * * *

لظلك لو يعلم الجدول ... على العذب من مائه منزل فلما اراد ان يودع هذا الحب وكل ما كان قبله بقصيدة تاريخية جامعة (قصيدة أهواء) عادت نفسه تجيش بتلك النغمة القديمة. ولست ادري سمة خاصة تميز نغمة المتقارب ولكن استغراق نفسه فيها يدل على أن كان كالعملاق في الردغة كلما حاول الخروج منها ازداد فيها غوصا. وهذه القصيدة بعد ذلك كله تشير إلى أن الفتى الذي درس الأدب الإنكليزي قد استطاع ان يستغل بعض ما درسه في سياقها، فهو في هذه القطعة:

وبالحب والغادة المستبد ... صباها به يلعبان الورق
وكيف استكان الإله الصغير ... فألقى سهام الهوى والحنق
رهان رمى فيه غمازتيه ... وورد الخدود ونور الحدق

(1/68)

إنما يترجم بعض القصيدة الإنكليزية:
Cupid and my campaspe playwd ... At cards for Kisses: Cupid paid: ... She stakes his quiver bow and arrows: ... His mothers doves and team of sparrows: ... Loses them too: then down he throws ... The coral of his lips the rose ... Growing ons cheek but none knows how ... With these the crystal of his brow ... And then the dimple on his chin. (1) ... ولكنا قد أمعنا في البعد عن السياب ابن السنة الجامعية الاولى، فلنعد إلى السياق التاريخي.

(1/69)

- 6 -

الهوى البكر

ربما كانت الرحلة القصيرة التي اجتاز بها السياب شط العرب أول تمرس عملي بالطبيعة يتجاوز حد النظر والتأمل إلى المغامرة والسير في المجهول ومعاناة الاعتماد على النفس في استطلاع جانب من الطبيعة قد يكون شيئا مختلفا عن الظلال الساجية والتعاشيب الخضيرة وتدلي القطوف. ولكن ماذا كان رد الفعل المباشر لتلك المغامرة الصغيرة؟ لم يكن شيئا سوى تمثل الموت، إلا أن الشاعر خشي ان يسترسل في هذه الناحية وهو يتحدث عنها إلى صديقه وبتر الحديث قبل تمامه. وحقيق به أن يفعل ذلك، لا لان هذا النوع من الاعتراف قد يثير الضحك من المغالاة حين يقرن المرء بين ضآلة المغامرة وضخامة التصور وحسب، بل لأن الشاعر كان يقضي صيفا مليئا بالعافية والحيوية والنشاط، صيفا لا تعكر صفوه ذكريات بغداد ولا ضياع الحب الريفي، وإنما يستمد وقدة لكيفة اللهب من الحنين الداخلي العميق، صيفا يتغلب فيه الوعي الخارجي على كل رواسب الباطن، وتسيطر فيه الحركة العقلية على أي جيشان عاطفي. ولهذا وجدنا أن قصيدتيه في ذات المنديل الأحمر صدرتا باهتتين حافلتين بوعي يجعلهما لوحتين ضعيفتي النبض بالحياة. وكان بدر لو يدرك أبعاد حالة النفسية جديرا بالراحة، والعزوف مؤقتا عن قول الشعر، ولكنه كان يخشى جفوة الإلهام

(1/70)

- ولو إلى حين - وكان هذا الشعور يدفعه إلى الإكثار من النظم بدلا من التوقف عنه. وها هو يتوسل إلى خالد في رجاء من يستمد الثقة: " ألا تنقذ هذه القصيدة (التي سأكتبها لك) ؟لقد مزقت أربع قصائد تبلها، ونويت أن أمزقها ولكني تذكرت نصائحك لي، فأبقيت عليها " (1) . وفي الرسالة نفسها: " بودي لو اكتب لك قصيدة أخرى.. فان عندي الآن قصيدتين: إحداهما " إلى العذراء المدنسة " كاملة وعدتها 25 بيتا، والثانية " الحب والشعر والطبيعة " وهي على وشك ان تكمل " . ثم في رسالة أخرى: " سأهمل قصيدة (إلى العذراء المدنسة) وان لم أمزقها؟ وعندي الآن قصيدة كاملة عنوانها (المحبوبة المدنسة) وقصيدة لم افرغ منها بعد عنوانها (العش المهجور) " (2) ؛ هكذا كان يكتب القصائد دون توقف، ولكنه مزق أربعا وأهمل خامسة، مما يدل على انه يقتسر الشعر، وكان حاد الإدراك بما يصلح للبقاء، ولهذا حذف جميع قصائد ذلك الصيف من بعد. على أنه لن يفوتنا أن نلمح ؟على وجه السرعة - كيف يلح معنى " الدنس " عليه، وان لم يكن ؟فيما أقدر - شيئا يتجاوز معنى الحب الذي داخله الشك، في لحظة ما، ولعله كان سببا ؟أو محاولة - لتهوين الأعراض الذي لقيه في دار المعلمين.
وكانت القراءة ؟بعد كتابة الشعر - هي المنحى الثاني من مناحي نشاطه؛ والحق ان لشواهد تشير إلى أن ثقافته أخذت تتسع وتؤثر في تفكيره ومقارناته، فهو يعرف ابن الرومي أو على الأقل يعرف من قصائده ما يعجبه وخاصة قصيدته في رثاء " بستان " المغنية، وقصيدته

(1/71)

في الاعتذار عن التفاوت في شعر الشعر " أما ترى كيف ركب الشجر " ، وهو يقرأ في ديوان مهيار الديلمي، ويحفظ كثيرا من الشعر الذي أورده ابن قتيبة في " الشعر والشعراء " ، ويطالع كتاب احمد الصاوي محمد عن شللي، ويحاول أن يتفهم بعض قصائد ذلك الشاعر في اصلها الإنكليزي (1) ؛ انه لم يتحول بعد دراسة الأدب الإنكليزي، ولكن هذا الاتصال المبكر بشعر شللي يدل على ان بذرة هذا التحول موجودة في نفسه، إذا وجد إلى ذلك سبيلا، وقد بدأ ينفعل ببعض أفكار " الديوان الشرقي " ويتعشق قصيدة البحيرة للامرتين، كما ترجمها علي محمود طه، أو كما يقول هو عن نفسه: " وعن طريق علي محمود طه وأحمد حسن الزيات في ترجمتهما للامرتين وألفريد دي فينيه ودي موسيه وبرسي شللي الإنكليزي أعجبت بالشعر الغربي وأخذت في مجازاته، وحاولت ان اقرأ الشعر الإنكليزي بعد الاستعانة بالقاموس عشرين أو ثلاثين مرة في القصيدة الواحدة " (2) . وعلى الجملة فهو يحب النسمات الغربية، ولكن صداقته للشعر العربي ما تزال اشد قوة ومتانة.
وتسعفه تلك الحيوية الذهنية في النقد أيضاً، فقد كان من قبل إذا عرض عليه إحدى قصائده، اكتفى بالتقريط، أما الآن فقد أخذ يرى هنا وهناك ما يمكن أن يرفضه في تلك القصائد، بلطف مشوب بالاعتذار، أو بثناء مسترسل في الموابة: أرسل إليه خالد قصيدة بعنوان " ذات الرقى " فكتب معلقا: " ولست إدري أأهنئك أم اكتفي أن أقول أن كل كلمة من قصيدتك تهنئة من ربة الشعر لك، ذلك انك أرضيت عاطفتك بها ثم عدت فأرضيت عاطفة غيرك، وكم كان جميلا

(1/72)

أن أقرأ ؟يوم وصلتني رسالتك - في ديوان مهيار الديلمي فأرى فيه:
بكيتك للفراق ولحن سفر ... - وعدت اليوم ابكي للإياب والخطاب لأطلال الحبيبة، ثم جاءتني رسالتك وإذا معنى كهذا ؟ولكنه أسمى وأصدق منه بكثير - يطالعني من قصدك:
ذرفت دمعي حين عز الملتقى ... وأراه منسكبا وقد عرض اللقا لقد بكى مهيار مرتين؟ وذاك مما اعتاد المحبون عليه، أما شاعرنا فما اقتصر بكاؤه على موقفيه، لقد ظل باكيا منذ يوم الفراق ؟وهذا حق - حتى يوم اللقاء، وهذا ما انفرد به وحده؛ فكنا نتوقع أن يجفف اللقاء دمعه ولكنه لا يزال منسكبا، ولكن الشاعر نفسه ؟ولكني مع الشاعر - لا أرى في ذلك شذوذا، أوليس من يهواها ملك غيره؟؟ (1) " فعلى الرغم من أن السياب لم يفهم بيت صديقه بوضوح، وحمله من المعنى ما ليس فيه، فأنه كان يحس انه أخذ معناه عن مهيار الديلمي. ولكن صديقه حين غالى، وجاء بشيء غير معهود، في الثناء المشوب، لأن الناقد يدرك تماما طبيعة الجمال في بيت مهيار.
ومرة أخرى وقف عند قصيدة لخالد بعنوان " ياسمين " فأثنى عليها كثيرا ثم قال: " ولكنك تطعن فجأة أفكار (القارئ) المتسلسلة حين تقول في وصف الفم؟ انه " كجرح الطعين " : أن جرح الطعين يرسم أمام القارئ صورة بشعة: صدر عريض مكسو بالشعر عليه طعنة تسيل دماؤها ويجتمع حولها الذباب " (2) . إن إيراد مثل هذه النماذج النقدية، لا يعني أن السياب قد اصبح ناقدا في تلك السن ولكنه يلقي ضوءا على ذوقه، وعلى ما كان يتكون في إحساسه تجاه أي عمل فني، حتى عمله هو نفسه.

(1/73)

وعندما انتزعه العام الدراسي الجديد (1944 - 1945) من أحضان الريف، عادت عجلة الحياة في بغداد تنقله بين كليته ومقاهيه التي ألفها في العام الأول؛ ولم تكن نقلة حافلة بالاستشراف لغير الزاد الثقافي، ذلك أن الصدمة في حب ذات المنديل الأحمر ؟ان صح أن نسميها كذلك - قد علمته أن يتردد في دق الأبواب العاطفية المقفلة، فأقبل على القراءة في الكلية وفي خارجها، ويصفه صديق كان يراه في تلك الأيام في أحد المقاهي بقوله: " فنراه جالسا في مقهى مبارك وأمامه قدح الشاي يرتشف منه ويعود إلى قراءة ديوان المتنبي أو أبي تمام أو البحتري وغيرهم من فحول الشعراء، ولكنه كان شغوفا لدرجة لا توصف بأبي تمام يحفظ مطولاته ويحلل صوره ويعيش في أجوائه، ولا أنس استشهاده بوصفه للثلج في إحدى رحلاته وقد غطى الأزهار، وكيف ان الشاعر عبد الرحمن شكري قد كتب في المقتطف انه لم يحس بحقيقة الصورة إلا بعد سنين طويلة، وعند سفره إلى انجلترة ومشاهدته الثلج وقد غطى الازاهير الجميلة " (1) .
ولنا على هذه العبارة المقتبسة تعليقان: أولهما صلة السياب بالمتنبي ؟وهي صلة خاصة ان وجدت حقا، ظلت سطحية الأثر؛ ولست أميل إلى إنكارها ولكني اعتقد ان التجاوب المصحوب بالتأثير، بين الفتى الناشئ والشاعر الكبير، لم يكن كبيرا، وثانيهما قول الكاتب " لدرجة لا توصف " فانه من المبالغات التي لا ترفض جملة، ولكني أخشى أن يكون هذا القول صدى " بعديا " لإقرار الشاعر ؟فيما بعد - بدينه الكبير لأبي تمام (2) .
في ذلك العام لم تكن الحرب قد انتهت بعد، وكان الفتى الذي أعلن رضاه عن ثورة الكيلاني في بواكير عهده بالشعر، لا يزال في حال

(1/74)

توقف، لا يستطيع ان يعلن انتمائه إلى فئة دون أخرى. ولعل خير ما يصور حاله قول الأستاذ العبطة: " كان هادئا وديعا ولم يرتفع صوته في هذه الأيام عندما كنا نتراشق ونتلاسن وننقسم إلى معسكرين: منا من يؤيد الحفاء ومعسكر الديمقراطية ومنا من يمجد النازية وهتلر؛ واذا ما احتدم النزاع ؟وكثيرا ما يحتدم - يستأذن في الذهاب إلى القسم الداخلي من الدار (دار المعلمين) تاركا النزاع وأهله " (1) .
ويمر هذا العام الدراسي كما مر أخوه السابق وينجح بدر في السنة الثانية بدار المعلمين، ويعود إلى الريف في إجازة الصيف، ولكنا نحرم كثيرا من المعلومات عنه، إذ ر شعر ولا رسائل تحمل تاريخ سنة 1945 (2) فأكثر شعره إنما كان ينظمه في فترات العطل المدرسية، وفي صيف ذلك العام سافر خالد في رحلة تنقل خلالها في ربوع مصر وفلسطين ولبنان وسورية، فلم يكن بين الصديقين مراسلات في ذلك الصيف، وذلك شيء حرمنا كثيرا من المعلومات عن بدر، في حياته ومحاولاته الشعرية.
وعندما عاد إلى السنة الثالثة بدار المعلمين، (1945 - 1946) كانت نفسه تعج بعاصفة جديدة من الإرادة الحازمة: أما أولا فانه لن يستمر في فرع اللغة العربية، فقد شبع من حفظ الشعر العربي، وازداد نمو الميل في نفسه لإتقان اللغة الإنكليزية كي يستطع أن يقلل من الاعتماد على القاموس حين يقرأ القصائد الشعرية، وأما ثانيا فان حياه السلبي يدل على انه كالصخرة الصماء الراسخة في وجه السيل، يزدهيها رسوخها، ولكنه لا يبلغ بها إلى أية غاية، ولذا فلا بد من الثورة على هذا الحياد الذي يشبه الموت.

(1/75)

وقد دهش أصدقاؤه للتحول الأول حتى قال بعضهم: " انه موقف عجيب من شاعر ناشئ لم يتعرف من العربية إلا نهلة لا تبل الشفاه " وتحدثوا إليه بدهشة فابتسم ولم يتكلم (1) .
وأما التحول الثاني فانه لم يكن قد تبلور بعد تمام التبلور، ولندع أحد شهود تلك اللحظات يحدثنا عنها فيقول: " وهنالك في بغداد الأمس كان الواحد منا يحاول أن يجد لما تراكم في نفسه من قلق وهلع وخيبة متسعا في الأدب يثبت فيه قيما جديدة تتناسب مع أحاسيسه وتفهمه العاطفي لمشاكل العالم؛ وكان العالم يتحدث بصوت مبحوح عن جريمة قتل مرعبة حدثت في هيروشيما، وعن انتحار كاتب ألماني في البرازيل، وعن طالب بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي يسأله عما إذا كان عليه أن يتم دراسته بعد أن اخترعت القنبلة الذرية؛ وكانت صحف بغداد تتحدث عن تاجر خلط الدقيق بنشار الخشب وقدم خليطه خبزا للناس. وخلال هذه الصورة القائمة كانت يد صغيرة متشنجة تشد على أيدينا بكثير من الإخلاص، هي يد بدر، وكان يتحدث عن كل تلك الأشياء كما لو انه جزء منها ولا أهمية له من دونها، وفجأة وبنفس الحماسة يبدي إعجابه بضحكة حسناء عبرت، أو بلثغة زميله له في الكتابة تصاقب مجلسه في عرفة الدرس؟ وكانت تحملنا قصاصات من ورق عبر أمسيات كثيرة من مقهى إلى مقهى لنسمع إلى هذه المحاولة الجديدة وتتقد تلك القصيدة ونحن نحاول أن نفلسف العالم من حولنا. وظل البعض منا يحاول يائسا ان يوفق بين ماركس ونيتشه لينتشل نفسه من صراع مر؛ أما بدر فقد بدا لنا كما لو ان كلا منهما يعيش في زاوية من نفسه في حياة لا تتطور " (2) .

(1/76)

إن هذه الصورة الشعرية المفلسفة لذلك الماضي ربما لم تنقل التاريخ حرفيا، وربما تجاوزت عام 1946 بمدلولها إلا أنها على أية حال تعطي فكرة عن مخاض كان يعانيه جيل بدر؛ فأما إلى اليمين وأما إلى اليسار، ولو أن كاتب هذه السطور المقتبسة تذكر ان بدرا اشترك في إضراب وقع في الكلية أواخر عام 1945، فصل على أثره منها، وعاد إلى قريته، لاستطاع أن يذكر أن الشاب الذي لم يكن يحاول التوفيق بين نيتشه وماركس، فكريا، كان قد أصبح يدرك عمليا انه لا يستطيع أن ينأى بنفسه كلما أشتد الصخب حول الموضوعات العامة، وأن يدخل إلى غرفته في داخلية دار المعلمين. غير أن هذه الصورة صادقة تماما في الحديث عن نفسية بدر الذي كان ما يزال يتحدث عن افتتانه بضحكة حسناء عابرة في حماسة مماثلة لماسه في الحديث عن اخطر الموضوعات الإنسانية، ولكنه رغم ذلك كان يقف على عتبة تحول خطير.
هل كان " الهوى البكر " أثر في هذا التحول؛ " الهوى البكر " ؟ ألست ترى، حين تعلم أن السياب هو صاحب هذه التسمية، كيف ان الشاعر أحس لحظة انه يولد من جديد، وان كل حب في الماضي كان عبثا؟ وبما أنه كان عبثا فكأنه لم يكن، ولتذهب كل ذكرى لهالة وذات المنديل الأحمر، ولكل أنثى خفق القلب لها من قبل، لتذهب كل هذه إلى جحيم النسيان. من هنا يبدأ التاريخ الذي يستحق التدوين، أما ما قبل ذلك فكله من أساطير ما قبل التاريخ وفرضياته ومزاعمه. كان القلب يحسب كل نور التمع في الدجى منارا يهديه، ولم يكن يعلم أن المغررات في أضواء الليل كثيرات، وبعضها كنار الحباحب، أما اليوم فقد وجد " المنارة " التي تومئ إلى المرفأ الآمن الأمين.
وكان ذلك النور الجديد إحدى زميلاته في الكلية تعرف إليها في مطلع العام الدراسي الثالث، ولا يميزها كثيرا أن تقول أنها ذات غمازتين لا لكثرة اللواتي يتمتعن بهذه السمة بل لآن كل فتاة احبها السياب

(1/77)

منحها غمازتين. غير أنها تمتاز عن كل من عرفهن بأمور: فهي ليست بكماء الاستجابة كالفتاة القروية، وهي ليست تنظر إليه نظرتها إلى غر كما كانت تفعل ذات المنديل الأحمر، وإنما هي فتاة تحب الأدب وتعجب بالشعر، وتحسن الاستماع إلى الشاعر إذا هو تحدث عن عاطفته، وهي لا تتحرج في أن تلقاه في رحاب الكلية وفي خارجها، وأن تمنحه الفرصة لكي يتعمق المعاني في عينيها وابتسامتها، وأن يلقي شعره ؟فيها - على مسمعيها. ولذلك لم يكن من الغريب ان يحص بأنه إنما يعرف الحب لأول مرة، ويكتفي من دنيا بغداد ؟على رحبها - بباحات الكلية، وباليسر في شارع " طه " ، لعلها تطل عليه، أو لهاها تحس من وراء الجدران بزفراته ولوعته. وربما شارك في الإضراب الذي ذكرناه لينبل في عينيها، ويرتفع عند نفسه وعند نفسها.
غير أن الإضراب جر إلى الفصل، والفصل أدى إلى الرحلة عن بغداد، إذ ليس في مقدور طالب فقير يجد مأواه في داخلية دار المعلمين أن ينفق على نفسه باستئجار مسكن في الخارج، وقالت له في آخر لقاء: " وافني بكل ما تكتب من الشعر.. عن طريق الآنسة فلانة " (1) . وعاد إلى " جيكور " وهو يحمل بين جنبيه وديعة حب جديد، ويصونها صيانة البخيل لجوهرة فريدة.
وكان شتاء قاسيا يجمع العبوس والحرمان من إتمام الدراسة والبعد عن الحبيبة الجديدة، وكان أول صدى لهذا الفراق قصيدة بعث بها " هواه البكر " عن طريق الآنسة فلانة؛ وكتبت إليه فلانة تقول: " يسرني أن أقول لك أن الآنسة (؟.) معبودتك قد أعجبتها قصيدتك تلك وهي متأسفة لما حل بك " (2) ولكنه كان يحس بوطأة من المعاناة العاطفية لم يشهدها من قبل، ولم تكن هذه الكلمات لتخفف

(1/78)

الحقيقة الراعبة، وهي ان ابن العشرين يحس بأنه يضيع العمر في ارتقاب الليل ليسفر عن صبح، وفي تشييع القمر وعد الساعات الطويلة الثقيلة؟ الريف بعيدا عن الحبيبة يغل النفس ويحرج الصدر، وخاصة إن كان المرء قد احتجب عنه وجه هدفه:
ماذا جنيت من الزمان سوى الكآبة والنحول ... أو ارقب الليل الطويل يذهب في الصبح الطويل ... وأتابع الشمس المرنحة الشعاع إلى الأفول ... وأشيع البدر السؤوم يغيب ما بين النخيل ... لا مأمل لي بالكثير ولا رجاء بالقليل ... وأعد أيامي لأسلمها إلى الهم الثقيل ... وأعيش محروم الفؤاد من الهوى، عيش الذليل ... وأسرح الطرف الكئيب من التلال إلى السهول ... وأصعد الآهات دامية وأمعن في العويل ... ضاقت بي الدنيا وضقت بها كأني في رحيل ... في وهدة قفراء بح بجوها صوت الدليل (1) .
وأرسل إلى صديقه خالد مع هذه القصيدة قصيدة أخرى بعنوان " زهرة ذاوية " يخاطب فيها زهرة أخذت في الذبول ويقول لها " تفردت كالشاعر المستهام " وتبدو في سياقها العام وكأنما هي ترجمة ؟أو معارضة - لقصيدة إنكليزية. تلك ثلاث قصائد في أقل من شهر، ومع ذلك فانه يضيف في رسالته إلى صديقه: " فلا تزال لدي قصيدتان اجتماعيتان إحداهما تقارب التسعين بيتا والأخرى تزيد على الثلاثين، عنوان الأولى " غادة الريف " والثانية " رثاء فلاح " (2) . وكم كنا نتمنى

(1/79)

لو عرفنا هاتين القصيدتين، لنرى السياب وقد اخذ في منحى جديد غير الحديث عن الحب وما يجره من يأس وتشاؤم، وقد وعد أن يكتب بهما إلى صديقه في رسالة ثانية، ولكنه لم يفعل، أو لعله فعل وضاعت الرسالة.
وقرر أن يخلد حبه الجديد في قصيدة طويلة، فأنصرف مدة من الزمن ينظم " نشيد اللقاء " حتى بلغت أبيات ذلك النشيد 119 بيتا، وأرسله إلى الآنسة فلانة لتوصله إلى معبودته، ولتسرع فتنبئه عما تركه ذلك النشيد في نفسها من أثر؛ ومرت أسابيع دون أن يرجع إليه جواب " لا من الآنسة ولا من الحسناء التي أخبرتها بعنواني في آخر صفحة من صفحات الكراس المنكود " (1) واشتد به الألم المغص فتصور أن حبه قد مات، وعبر عن ذلك بقصيدة له " خب يموت " مطلعها:

اليوم بين مصارع الزهر ... والصبح يطفئ جانب القمر

حبي يموت وأنت لاهية ... لم يدر سمعك ضجة الخبر وبعد أن نفس بها عن كربه تأمل فيها وقال: " أحق أن حبي مات؟ لا وحبي ما مات حبي " ثم نظم بعدها بيوم قصيدة على وزنها بعنوان " ما مات حبي " ، ويلفتنا في هذه القصيدة انه يعالج فيها تهمة تنقله من محبوبة إلى أخرى، فيجد أن النسيم أيضاً ينتقل ولكنه لا يستطيع ان يجاوز حدود الوجود:

أنت الوجود فحيثما انطلقت ... بي مقلتان ملكت منطلقي
سيان عندي مت من ظمأ ... ما دمت عبد هواك أو غرق
سيان عندي كنت في سحر ... ما زلت أنت سماي أو غسقي
روحي فداؤك بت راضية ... (2) أني فديتك أو على حنق

(1/80)

ولعل جسر العشرين كان من اصعب الجسور التي أجتازها بدر فقد أحس انه يعبر حدا فاصلا بين عهدين، وهو لا يدري إلى أين تتجه به الاقدار؛ كان قد سمى المجموعة الشعرية التي رتبها في كراس " أزهار ذابلة " ، وكان بعض رفاقه يلومه على هذه التسمية، وهو ما يزال في ريعان الشباب وعلى بداية الطريق المبلغ للآمال، ولكن حادثة فصله من دار المعلمين، قد ألقت به في مهواة يأس لا قرار لها، ولذلك فأن كلماته تنضح بالعذاب القاتل المروع وهو يخاطب صديقه خالدا بقوله: " أي خالد كم عاهدت نفسي في سكون الليل العميق أن اخفت نغمة اليأس في أشعاري وأمحو صورة الموت من أفكاري، حتى لا تسمع الآذان ركزا من تلك، ولا تبصر العيون خطأ من هذه، لكنني واحسرتاه عدت بصفقة الخاسر، وحظ الخائب، وقد نذرت نفسي للألم والشقاء واليأس والفناء؛ ما اجهل من لامني على ان سميت مجموعة أشعاري " بالأزهر الذابلة " ليته كان معي ليرى أن كل الكون: الأرض والسماء والتراب والماء والصخر والهواء، أزهار ذابلة؟ ذابلة في عيني الشاحبتين ونفسي الهامدة الخامدة " (1) .
ولم تسعفه القراءة كثيرا على العزاء، بل لعلها زادت في ألمه لأنها فتحت عينيه على مفارقة جديدة: كان يقرأ البحيرة للامرتين ويتنقل بين الخلجان والوديان والكروم وحوافي البحيرة وقنن الجبال والغيران الموحشة والشلالات الهادرة في صدوع الصخور من " سفوا " ويحس بضآلة الريف الذي كان يتغنى بجماله: " رباه اعطني مثل هذه السعادة وأن كانت قصيرة الأجل خائبة الأمل، فان من ذكرياتها ما يملأ فراغ الأيام وما يمنع الحب أن يزور من جديد " (2) .
وضاق صدر خالد ؟على سمعته - بهذا الوضع المتردي الذي

(1/81)

انتهى إليه صديقه: أي هوى بكر وأي خداع نفسي وأي انخداع طوعي؟ ولم يقدر خالد أن الآلام التي يعانيها الشاعر مجتمعة ؟ من إقصاء عن المدرسة ومن إخفاقات متلاحقة ومن فقر مستكلب القبضة ومن " فراغ وبطالة وسأم وخمود " إذا اقبل الصيف في منطقة البصرة - كلها كانت تتنفس دفعة وتنطلق تحت واحد اسمه " الحب " ، فإذا أضاف الشاعر إلى ذلك الحب صفة " البكر " فذلك شيء حدث قبل أن يقذف به الإضراب فوق شوك البطالة والفراغ والسأم؛ ذلك شيء أراد به أن يبدأ عهدا جديدا فما ذنبه إذا أخلفت الأيام تقديره؟ ولكن خالدا ظن انه صارحه بما يعده حقيقة فأنه إنما يسدي إليه يدا حين يوقظه من غفلته. أن ربة الهوى البكر تعبث به ولا تحمل في نفسها أي تقدير لعاطفته، فلم هذا المضي في الطريق الذي ينتهي إلى غاية، لم هذا التعلق بتلك التي تفتح الباب " آونة فلا يكاد الطارق يهم بوضع قدميه على العتبة حتى يغلق دونه؟! " (1) .
وكان الرد المباشر على هذه الملامة عفويا طبيعيا: لا بد أن تكون لدى خالد شواهد يقينية تجعله يرسل هذا الحكم ويبني عليه اللوم، وقال بدر: " قد لا يصل بك فكرك الشاعر وخيالك الطائر إلى أن تدرك الأثر الصادم والأذى الكالم الذي تركته في نفسي كلماتك الزاجرة وأقوالك الساخرة؟. أرضاني هذا القول في أول أمره، ولكن ليل الريف الندي، تهب عليه أنسام الشمال التي أحسبها آتية من بغداد، أقول: لكن هذا الليل تسرق فيه الأحلام خطاها الخفية الواهنة مفضضة بالشعاع الباهت ينطف من نهر المجرة المختفي وراء الأبعاد هاج لي الألم واستنزل على صدري الخافق حسرت راعدة وآهات صاعدة، ضاق بها صدر الأفق الأرقط. ليت لي براعة شعراء الأرض جميعا لأصور

(1/82)

لك حلمي المقطوع، الحافل بالثمار الخالي من القطاف الباكي على الصورة الهاربة من الإطار؟ " (1) .
أما الرد الذي جاء بعد ترديد الفكر وتقليب الهواجس، وتحليل الحاضر على ضوء الماضي، فهو رد طبيعي، ولكن حين يصدر عن نفس مريضة: وكأن السياب يقول لصديقه بطريقة غير عامدة: لا أستطيع أن أعيش دون حب، ولو كان من طرف واحد، ولو كان ؟كما تسميه - خداعا ذاتيا، أريد حبا، مهما يكن حاله، فإذا لم تتوفر لي هذا الحب فأنا ميت لا محالة. ولهذا السياب يتصور فقد هذا الهوى البكر ويمعن في تهويل ذلك على نفسه ويمد في أسباب اليأس بينه وبين قلبه، فلما استسلم للنوم لم يجد راحته إلا في العودة إلى الأم، فرأى نفسه ؟في المنام - يرقد في قبر: " ضباب شفيف ترقص فيه مقبرة القرية، كأنها فوق جناح جريح، بنفضه الشوق إلى موضع خلال التلال، ثم يركن الرقص إلى سكون كثيب يحتضنه الغبش الحزين، وهناك عند السدرة النائمة قبر مستوحد غريب رأيت أني راقد فيه تحت الحصى والتراب في ظلمة بلهاء، مت أسعفها لون من الألوان، يكاد ثقل الثرى يخنقني خنقا، لكنني من برجي الدامس استشرف الدنيا يدغدغها الربيع الباكر، فأبصر الأوراق تنمو بطيئا بطيئا، والبراعم تتثائب كسلى عن الزهر الأبيض وعن ألوان لا تحصى، والعروق دافئة، يسيل فيها ماء الشباب تزحم جوف الثرى، فأهتف من أعماق اللحد البارد: رباه، أفي الربيع النضير يطويني القبر؟! " (2) .
أن هذا الحلم يتحدث عن نفسه دون أن يحتاج تفسيرا، كل ما هنالك أن النخلة الفارغة أصبحت " سدرة نائمة " ؟وهما سيان - ،

(1/83)

وتتقابل في هذا الحلم صورتنا الموت والحياة، ولكن العقل الباطن يجد العودة إلى القبر ؟إلى الأم (أو السدرة النائمة) هي الحل الوحيد لما يعانيه صاحب هذا الحلم في الحياة؛ أن الكلمات الزاجرة التي أرسلها صديقه فوق رأسه، لا تحل مشكلة مستعصية، ولذا واجهها بعملية انكماش وتقلص وتقوقع في جوف الموت، في " رحم " الأرض حيث تنبعث الحياة أيضاً، " والعروق دافئة يسيل فيها ماء الشباب " .
وعندما أفاق لم تكن الحاجة إلى الانزواء المتقلص، إلى النجاة من الحاضر المؤلم (حيث خداع الحبيبة وزجر الصديق) ؟أقول: لم تكن الحاجة إلى ذلك قد فارقته، ولهذا شفع الحلم السابق بحلم آخر إلا انه من وحي اليقظة. أليس من الممكن أن يفر المرء من واقعه إلا إلى ذلك الكهف المظلم؟ أليس هناك ما يحل المشكلة دون موت؟ بلى؛ ليرجع بدر إلى الماضي الذي حاول أن ينساه فانه هو قوقعته الأخرى في حال اليقظة. اسأل نفسك ما معنى الحاضر تجده يتلخص في فتاة تنتمي إلى المدينة وتحسن من أساليب الأخذ والعطاء ما لا يحسنه ريفي ساذج، ومثل هذا الحب لا يفي بالنقاء والطهر، فما اجمل العودة إلى الريف، منبع الصفاء والنقاء والود الخالص؛ ومرت من أمامه ريفية حسناء فخفق قلبه: هذا هو ؟دون ان يحس بأنه يتداوى من الداء بالداء - شفاؤه من مشكلته التي تبدو مستعصية، وفي لحظة خيل إليه انه محب وأن حبيبته ريفية: " أجوز في هذه الأيام تجربة لذة أو قل: وقعت في حب جديد، من نوع جديد، لا خبرة لي به من قبل؟. انه الحب الريفي الخالص العريق في ريفيته يسف دون أن يلامس التراب، ويسمو فلا يجوز السحاب، هذا الحب الرائع تؤطره أجواء قروية من الطبيعة والأزياء والأساليب من مواضع اللقاء وخلوات الغرام، من مراحله اللذة إلى نهايته المتوقعة، زواج المعبودة، أو افتضاح الحب، وحبس الطائر في قفصه.. كل تلك الأشياء ابذل كثيرا من الوقت في

(1/84)

سبيل هذا النوع الساحر من العشق؟ آه لو فرغت من كل شاغل، لأبرزت هذا الحب في قصيدة تجعل ساكن المدينة يشتاق لو غاص بكل روحه في قرارة هذا الهوى الريفي؟ أنها الآن تمر أمامي رائحة من الحقل، اضطرت أفكاري فلا أستطيع إكمال الحديث " (1) .
وليس بعسير على من يقرأ هذه السطور أن يجدها تمثل أمنية أو حاجة إلى حب جديد يخلص الشاعر من تعقيد المدينة بل يجعل " ساكن المدينة " يحسده عليه، أما أنها كانت حبا حقيقيا فأن شواهد الحال ؟كما سيتضح في هذا السياق - لا تدل على ذلك؛ كان الحب الجديد " فكرة " أو موضوعا شعريا صالحا لأن يبرز في قصيدة، وكانت الدواعي تحفز إلى إبرازه في إطار شعري، بل أن السياب نفسه رسم هذا الإطار: " روضان جاران؟ وفتى وعذراء وطفلة أو طفل هذا مسرح القصة وهؤلاء هم ابطالها، وقد يزيد الأبطال عددا ؟غادة أخرى أو غادتين، زهرة في ورقتين عطريتين تحيطها الأكمام " (2) . أما الدواعي التي تحفز إلى تحقيق هذا الإطار في عمل فني متكامل فكانت تتصل بقصة سابقة لهذا التاريخ، أرجأنا الحديث عنها، لنكفل لها الوضوح عن طريق المقارنة.
وتتخلص تلك القصة في أن السياب كان قد تعرف ؟من خلال المترجمات - إلى الشاعر بودلير، فقرأ شيئا من قصائد " أزهار الشر " وشيئا من سيرة الشاعر نفسه، ورأى صورا فتنته وهالته في آن معا، ووجد تجربة حب لا عهد له بمثلها، فأوحى ذلك إليه ؟وكان سريع الاستيحاء - أن يكتب قصيدة يصور فيها الحب الآثم وينتصر في الوقت نفسه للحب الطاهر، وإهدأها " إلى روح الشاعر بودلير " ، فجاءت قصيدة طويلة قيل أنها تناهز ألف بيت؛ ويبدو أن القصيدة حين اكتملت

(1/85)

وتم لها ذلك الطول المرهق، نالت إعجابه ؟وربما نالت إعجاب من سمعوا بعض مقاطعها من رفاقه - فأحب ان تكون فاتحة شهرته على نطاق واسع وعنوانا على مقدرته وشاعريته، فأرسلها مع السيد فيصل جري السامر إذ كان مسافرا إلى القاهرة ليسلمها إلى الشاعر علي محمود طه؛ وكان الوجه الظاهري للأمر انه يريد رأي شاعره المفضل في قصيدته المفضلة، ولكن الحقيقة هي انه كان يرجو أن تنال القصيدة إعجاب المهندس فيقدمها إلى إحدى دور النشر. غير أن القصيدة نامت في أحد الأدراج بمنزل المهندس مدة طويلة من الزمن، إذ لعله تسلمها سنة 1944 وها هو بدر في 13 - 6 - 46 يقول لخالد: " لست ادري أتستطيع أن تكتب إلى فيصل جري كي يأخذ ملحمتي من علي محمود طه أو تكتب إلى الشاعر نفسه "
لقد بقي من هذه القصيدة (التي تحمل تاريخ 12 - 2 - 1944) أبيات غير كثيرة، يتحدث السياب في أولها على لسان الشاعر المفتون بالجسد والغواية الكافر بالفضيلة المؤمن بالشهوة المشبوهة، حتى إذا بلغ إلى قوله: " ولأحقرن الروح " جاءه الرد:
؟ لست بقادر ... فارجع بروحك عودة المتندم ثم تندرج بقية الأبيات في تقريع هذا الفاجر الداعر وإنذاره بعاقبة مشئومة؛ ولسنا نعتقد أن المهندس أهملها لأنه لم يعجب بمستواها الفني، وأن كانت الأبيات المتبقية لا تدل حقا على إنها كانت قادرة على أن تلفت الأنظار للشاعر الناشئ، وإنما قد يكون ذلك محض قلة اكتراث عارضة أو تهربا من المسئولية في تقديم شاعر لم يلمع اسمه بعد، أو عجزا عن إيجاد الوسيلة الملائمة لإظهار القصيدة؛ ويمكن أن يفترض المرء في هذا المقام فروضا كثيرة، ولكن مهما يكن حظ تلك الفروض فإنني اعتقد أن الشاعر الشاب اخطأ مرتين: مرة لأنه حاول موضوعا

(1/86)

غريبا عنه غير داخل في تجربته؛ صحيح انه انتصر للروح ولكنه كان يريد أن يصور بعنف موقف الجسد، وهو منطقة محرمة حتى ذلك الحين في نظرته الرومنطقية الحالمة، ومرة ثانية حين اختار شاعرا ليقدمه إلى المجتمع، وشاعرا مثل علي محمود طه بالذات، ليس ممن يؤمن بالمريدين والاتباع، ولا يهمه أن يعرف بتبني هذا الاتجاه الشعري أو ذاك.
وكان التفاته إلى الجسد في تلك القصيدة ثم شعوره بأن إهمال شاعره الأثير لها يعني إخفاقها، ثم حنينه إلى الماضي الذي فارقه قبل عام أو أزيد قليلا ؟كل تلك كانت هي الدواعي لأن يقوم بكتابة قصيدة جديدة يصور فيها نقاء الحب كما يمثله الريف الطاهر العفيف، فهو أقدر على تصوير ما يحب، وهو يحاول أن يتجنب ما قد يسمى إخفاقا في المحاولة السابقة، وهو بذلك يقيم التعادل الطبيعي في نفسه حين ينظم ملحمة تضاهي ؟بل تفوق - ما سماه " ملحمة " الروح والجسد.
وأغلب الظن أن القصيدة التي تصور الريفي ظلت خاطرة جميلة لم تتحقق فقد أدركه العام الدراسي الرابع في دار المعلمين، دون ان ينظم منها شيئا؛ كانت تعلة إلى حين تنسيه المدينة وفتياتها " العابثات " بالقلوب، فلما عاد إلى المدينة وجد نفسه أسير دروبها وشعابها وقواعد الحياة فيها.
غير انه قبيل هذه العودة كان قد حرر نفسه ؟في لطف ودون صحب ودون أن يخدش وجه المودة - من أستاذية خالد: وأحسب بأية افتراق الطريقين تبدأ من هنا، فقد كان خالد ما يزال يؤمن بالقصيدة ذات القافية الواحدة، فكتب إليه بدر قصيدة بعنوان " نهر العذارى " يعارض بها قصيدة " النهر المتجمد " لميخائيل نعيمة، وجعل كل

(1/87)

بيتين منها على قافية (1) ؛ وكان خالد يحاسبه كثيرا على ما يتلبس شعره من غموض، فما كان منه إلا أن كتب إليه بعد تلك الرسالة الزاجرة: " كنت في كثير من الأحيان تأخذ علي الغموض في شعري ولكني أدركت الآن ان ذلك الغموض كان العقدة المسحورة التي أوجدتها يد العاطفة في ساعة جنون، إذا انحلت فقد الطلسم ما كان يحمل من تتمان " .
وحين عاد إلى دار المعلمين، أحس بنفسه مبلغ الصدق في نصيحة خالد، ذلك أن عودته فتحت عينيه على آن " الهوى البكر " كان ضوءا خادعا في دجى اللهفة والحرمان والتعطش إلى حب؛ صدق خالد، هذه فتاة يهمها أن يكون أتحد المعجبين بها شاعرا يحرق نفسه وقريحته قربانا بين يدي جمالها على ان يظل هذا الجمال بمنأى عنه كالنصب النائي الذي لا تستطيع ان تلمسه أيدي العابدين. وفتر سطوع ذلك الضوء الخادع أمام عيني بدر، وانماثت قداسيه رويدا رويدا دون أن يترك ذلك في نفسه ألا ندبا صغيرا يرتسم إلى جانب تلك الندوب التي خلفها البحث المخفق عن الحب؛ ومن المفيد أن نتذكر آن بدرا لم يخص هذا الهوى الضائع (رغم انه كان بكرا في روعته عند البداية) بقوله رثاء آو بذكرى آسى، إلا حين عد سرب الحبيبات في صحوة الموت واسترجاع الذكريات؛ وإنما تحول في لطف يرتقب : " المنتظرة " التي لا بد أن ينفتح عنها ستار " المسرح " لتمثيل دورها المرموق في حياته. وحين وجدها لم يعد الحب لهبا وجدانيا وحسب، بل اصبح رابطة نضال، إذ أزاح الفتى جانبا من القناع الذي كان يستتر وراءه تحويله الخطير، وإذا هو يدين بالانتماء للحزب الشيوعي. إن قصة الحب لم تنته بعد، ولكن من الخير أن نعود قليلا في الزمن إلى الوراء، على أن نرجع إلى قصة الحب مرة أخرى.

(1/88)

- 7 -

الانتماء الشيوعي

لا يذكر بدر ؟فيما لدي من وثائق - تاريخ انتمائه للحزب الشيوعي، وقد سألت عنه أخاه مصطفى فصمت في حيرة ولم يجب. غير أن بدرا يذكر أنه ظل يعمل في صفوف الحزب مدة ثماني سنوات، وأن ارتباطه به بدأ يضطرب ويهتز بعيد حركة مصدق، فإذا صح ذلك كله كانت أواخر سنة 1945 أو أوائل التي بعدها تصلح تاريخا لبداية ذلك الانتماء، غير أن كلامه عن بعض ذكرياته يوحى بأنه انتسب للحزب قبل ذلك بكثير، أي في فترة حرجة من الحرب العالمية الثانية إذ يقول: " وصرنا نبث الدعاية وللشيوعية جنبا إلى جنب مع الدعاية للنازيين: سوف ينتصر المحور على الحلفاء وسوف تنتصر روسيا معه (؟) وستعم الشيوعية العراق فبشرى للفقراء، بشرى للفلاحين الجائعين؟ الخ " (1) . وربما كان هذا حماسة ساذجة لا تدل على انتماء عملي، لان فيه خليطا من المشاعر المتضاربة.
ويتحدث عن انتسابه للحزب ؟دون أن يعين تاريخا - بقوله: " وكان لعمي الأصغر (عبد المجيد السياب) صديق يتردد عليه في القرية بين حين وحين، صديق إيراني الأصل يحب أدب جبران خليل جبران

(1/89)

ومي زيادة ويتحدث عن الديمقراطية والشيوعية ودولة الكادحين؟ لقد كان حديث علوان الذي قتل فيما بعد في سجن الكوت طليا، وكنا نقره في كل ما يقول، وذات يوم سمعناه يتحدث إلينا عن الحزب الشيوعي العراقي الذي يعمل سرا، وعن قائده العظيم الرفيق فهد الذي لا يعرف اسمه ولا شخصه أحد؛ وفي أحد ايام الجمعة دعانا إلى بيته وأخرج لنا استمارات الانتماء إلى الحزب الشيوعي: استمارة لعمي عبد المجيد، وأخرى لعبد الدايم ناصر وثالثة لي، واخترنا لنا أسماء مستعارة وملأنا الاستمارات؟ وهكذا أصبحت لا مجرد شيوعي وإنما عضوا في الحزب الشيوعي العراقي " (1) .
وقد يصح ان اشتراكه في المظاهرة التي فصل على أثرها بداية نشاطه العلني في هذه الناحية، فأما إذا أوغلنا في التاريخ، فأننا يجب أن نفترض أن السلبية التي سجلها عليه عارفوه أول عهده بحياة بغداد ودار المعلمين إنما كانت دهاء عجيبا منه في اختفاء دوره الحقيقي، وهذا ما لا يتفق مع طبيعته الانفعالية التي تجر إلى إبراز منتماها بيسر وسهولة.
وكان وراء دخوله الحزب عوامل كثيرة، وربما لم تكن النقمة السياسية هي اقوى العوامل ولا كانت النزعة الإنسانية لإنصاف الفقراء والمظلومين من أقواها، وإنما يجب أن تتصور روعة الإقدام على المجهول والعمل في الخفاء، وعامل السأم من الموقف السلبي الذي كان يفرده بين أقرانه في الكلية، والإعجاب بشخصية احمد علوان، وسهولة انقياده لعمه عبد المجيد ؟الذي كان كما يروي مصطفى شديد التأثير في بدر رغم انه اصغر منه سنا - كل تلك مجتمعة هي التي حببت إليه ذلك الانتماء، وجعلته يرفع الشعار الجديد.
ويجب إلا ننسى أيضا الجو العام في الحياة السياسية بالعراق حينئذ

(1/90)

فانه كان يمهد الطريق أمام الشباب للاتجاه نحو اليسار؛ كان انتصار روسيا في الحرب قد وسع نطاق الملتفين إليها، وكانت السياسة العراقية مشلولة، والأحزاب معطلة، وكان الناس في كثير من نواحي العالم يتطلعون إلى حياة افضل ؟في فترة ما بعد الحرب - إلا العراق فأنه كان يزداد غرقا في الركود (1) فاستطاع فهد (يوسف سلمان سوسف) ان يعقد مؤتمرا للحزب عام 1945 وأن يصدر " البيان القومي " وأن ينظم لجنة مركزية أصبحت تضم بالإضافة إليه زكي بسيم وحسين محمد الشبيبي وكريكور بدروستان وعبد تمر ومالك سيف وملا شريف وسامي نادر (2) ؛ وكانت جريدة " الشرارة " ثم " القاعدة " هي التي تنطق بلسان هذه الجماعة. وفي العام نفسه تألفت عصبة من يهود العراق لمناهضة الصهيونية وكانت تصدر صحيفة علنية تسمى " العصبة " وغايتها ؟فيما أعلنته - أن توضح للشعب الفرق بين اليهودي والصهيوني وتعمل على تخفيف الكراهية بين الطوائف (3) ؛ وكانت لهذه العصبة جريدة سرية تسمى " وحدة النضال " ، تعبر عن المبادئ الشيوعية للعصبة؛ والحق أن تأليف هذا الحزب الشيوعي اليهودي إنما تم لعجز اليهود حينئذ عن الدخول في حزب " فهد " إذ كان " فهد " يتخوف من اليهود ويشك في إخلاصهم، هذا إلى ان انتماءهم للحزب قد يبعد ممثلي الأكثرية عنه ويجعله قاصرا على الاقليات. غير ان (فهدا) نفسه عاد ليعرض عليهم دمج الحزبين في حزب واحد، على ان يكونوا أعضاء بسطاء في الحزب الموحد، فلا يحتلوا مراكز هامة فيه. ووجد اليهود ان هذا الشرط لن يحول بينهم وبين ما يريدون إذا هم ضمنوا لأنفسهم سيطرة معنوية داخل الحزب، فقبلوا الانضمام إلى

(1/91)

حزب " فهد " ، وسرعان ما لمعت أسماء ساسون دلال ويهودا صديق وغيرهما، واحتلوا مراكز هامة في الحزب. وقد فسر بدر هذا خير تفسير حين قال: " فأصبحت ترى خلية شيوعية منظمها عبد تمر مثلا، وهو نقابي قدير لا أكثر، وتضم ساسون دلال عضوا بسيطا فيها، وكان ساسون دلال ممن درسوا الماركسية وتضلعوا فيها؟ وكان عبد تمر يقف مشدوها وهو يرى إلى معلومات ساسون أو ثقافته الماركسية الواسعة وإلى جهلة هو " (1) .
ولا ريب في أن بدرا كان عضوا في الحزب أثناء الفترة التي قضاها مفصولا من دار المعلمين (أي خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 1946)، بل هو يقول إن عمادة الكلية كانت قد عرفت فيه انتماءه للحزب وأنها كانت تشدد الرقابة عليه مما قد يشير إلى أن فصله نفسه اقترن بتهمة الانتماء إلى الشيوعيين.
وفي شهر تموز (يوليه) سنة 1946 (وكان السياب ما يزال قابعا في قريته) أعلنت الحكومة عدم شرعية العصبة، وعطلت صحيفتها واعتقلت رؤساءها، وكان من بين أعضائها البارزين نعيم طويق فأمره الحزب أن يلجأ إلى قرية السياب " وكانت يومذاك حصنا منيعا من حصون السيوعية " . يقول السياب: " وجاءنا نعيم فهيأنا له مكانا في أحد بساتين النخيل، وكنا نقضي كثيرا من أوقاتنا في الجلوس معه والاستفادة من معلوماته في المادية الديالكتيكية والشئون الحربية، وزعمنا لأبناء القرية انه صديق من أصدقائي في دار المعلمين وأن اسمه محمود؟ " (2) .
في ذلك الشهر نفسه كان بدر يتحدث في رسالة إلى صديقه خالد

(1/92)

عن حلمه وأنه رأى نفسه في القبر، ويتحدث عن الحب الريفي وأنه يريد أن يخلده في قصيدة طويلة، ويطلب إليه أن يخبره: " عنها وعنها وعنها، ألم ترهن أو تسمع عنهن ركزا؛ لعلي شوهت وجه الحقيقة بأن انقضت عددهن إلى ثلاث " . وفي ذلك الشهر نفسه نسمعه يقول عن حياته في القرية وفي صحبة الضيف المتوالي عن الأنظار بين نخيلها: " وفي ذات ليلة عقدنا مجلسا من مجالس الطرب في بستان آخر ودارت علينا الخمرة حتى سكرنا " (1) .
أن أي متأمل سيلحظ، ولا بد، ذلك الانقسام أو الازدواج في طبيعة بدر يومئذ، فهو ينتمي إلى حزب ينظر إلى المستقبل بتفاؤل، ويبني منهجه على قوة النضال، ويؤمن بالفرد ما دام في خدمة المجموع، ويتجه بكل طاقاته نحو الحياة، وبدر يمارس هذه الأمور " رسميا " باسم البطاقة التي يحملها، فإذا جن الليل وأخذ القلم ليكتب قصيدة أو رسالة تحدث عن الضياع أو عن الأحلام الفردية أو عن الموت، ونسي كل شيء سوى انه محروم من المرأة التي يحب. وفي عدم الاندماج بين هذين الطرفين يكمن السر كل السر في رفضه للشيوعية من بعد، وان تدخلت عوامل أخرى قوت لديه العزم على الانفصال.
على أنا يجب أن ننصفه، فانه رغم ذلك الازدواج، حاول جاهدا ان ينضوي تحت راية الحزب وان يعمل من اجل مبادئه بإخلاص، وكان في السنوات التي امتدت (بين 1946 - 1950) يستطيع أن يعيش ؟دون أزمة نفسية قوية - ممسكا رايتين متباينتين واضعا كل راية في يد، بعيدة عن الأخرى، وهو لا يحس بكثير من التناقض أو الاضطراب.
ولما انتهت العطلة الصيفية (1946) وانتهت معها مدة الفصل عاد

(1/93)

إلى بغداد وكان أول عمل قام به حين وصلها أن زار الرفيق حسين الشبيبي الذي كان موقوفا مع عدد من الرفاق، وتناول الغداء مع الموقوفين، وتحدث إلى حسين عن النشاط الشيوعي في البصرة وأبي الخصيب وزوده حين بنصائح وتعليمات وكان في ما قال له: " لقد تخرج جاسم حمودي فاستلم أنت مكانه في الدار " ، وفرح بهذه المهمة الموكولة إليه ثم وجدها عبئا أثقل من أن يحمله جسمه النحيل فذهب إلى الرفيق يهودا صديق وطلب إليه ان ينتدب لتلك المهمة طالبا غيره (1) ؛ وكان تخيله رغبة منه في أن يضمن لنفسه القدرة على الاستمرار في الدراسة، فاستطاع أن يفوت على سلطات الكلية الإيقاع به، ومارس نشاطه الحزبي بشكل هادئ لا يلفت إليه النظر، دون أن يتغيب عن اجتماعات الخلية الطلابية؛ وظل على صلة وثيقة بصحيفة " القاعدة " التي أصبحت تنطبق باسم الحزب، وبكل منشور من منشوراته (2) ؛ بل انه وفئة الرفاق في دار المعلمين نظموا مظاهرة حزبية (لعلها أواخر سنة 1946)، فذهبوا إلى مقهى على دجلة، ورسموا الخطة التي سيعتمدونها في توجيه المظاهرة، وكانت تقضي بأن يكون المتظاهرون مسلحين بالعصي ؟فاشتروا حزما كبيرة من الخيزران من السوق المجاورة للمقهى - وأن يتحشد عدد من الرفاق عند موقف أحد الباصات كأنهم ينتظرونه، حتى إذا جاء الباص تركوه يفوتهم وركضوا كأنهم يحاولون إدراكه، وعلت هتافاتهم وهم يجرون، وتساتلت إليهم من هنا ومن هناك جماعات عينت لها مراكزها، ولكن أخبار هذا الاستعداد تسربت إلى الشرطة، ففاجأت المظاهرة من المؤخرة، وقد تشابكت أيدي المتظاهرين كي لا يحدث أحد نفسه بالفرار، ولكن ما كادوا يحسون بالشرطة من ورائهم حتى ولى أكثرهم هاربا، وهرب الرفيقان اللذان كانا قد شبكا

(1/94)

يديهما بيدي بدر، في نترة مفاجئة، فسقط على الأرض وجرحت يده، ولما نهض رأى الرصيفين على جانبي الشارع يغصان بالشرطة، فتمالك نفسه وأخرج سيجارة وأشعلها، ودس يده المجروحة في جيبه، ومر في هدوء من أمام الشرطة فلم يلقوا إليه بالا، لآن هدوءه قد غطى على حقيقة موقفه (1) .
كان فهد خلال عام 1946 قد وقف جل جهده على تحقيق غايتين: أولاهما تقليل الانقسامات بين اليساريين أو توحيد الجماعات اليسارية معا في جبهة واحدة، وإحراز الاعتراف الرسمي بالحزب، وقد ظلت الخطوط تنعثر في تحقيق الغاية الأولى إلى أن اعتقل في أوائل 1947، فحدث تقارب بين حزب فهد وحزب الشعب (أو الأغلبية فيه)، والجناح التقدمي في الحزب الوطني الديمقراطي وجماعة زكي الخيري وشريف الشيخ التي كانت قد انشقت عن حزب فهد من قبل، أما الغاية الثانية فلم يتم له تحقيقها أبداً، وعندئذ لجأ إلى استغلال واجهة خارجية للحزب عن طريق ما يسمى بحزب التحرر الوطني (جماعة السبيبي)، فقد طلب إلى جميع الشيوعيين الانضمام إلى هذا الحزب، كما طلب إلى كل عضو عامل في حزب التحرر الوطني الانضمام إلى الحزب الشيوعي. وكان فهد يرجو ان يفيد من حزب التحرر في تنظيم لجان الطلبة واتحادات العمال (2) ، وقد جاء اعتقال فهد وكثير من أعضاء حزبه أثر تسلم نوري السعيد للوزارة (واستقالة وزارة أرشد العمري) في الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1946؛ فقد بدأ نوري عهده بسياسة قمعية شديدة غايتها استئصال الشيوعية من جذورها، وأطلق رجاله لمباغتة كل وكر من أوكارها في الألوية المختلفة، وكانت ثمرة هذه

(1/95)

الحركة اعتقال فهد والأعضاء البارزين من حزبه (1) . وقدم المعتقلون للمحاكمة في شهر آذار (مارس) من ذلك العام، وكانت التهمة الكبرى الموجهة إليهم هي الصهيونية، ولعبت شهادة مالك سيف أحد أعضاء حزب فهد دورا هاما في إدانة المعتقلين وفي كشف كثير من الأسرار، وصدرت الأحكام في حزيران بإعدام فهد واثنين من رفاقه ثم حول الحكم إلى السجن مدى الحياة. ومن داخل السجن أخذ فهد يوجه شئون الحزب معتمدا في ذلك على اتصاله بيهودا صديق وكان قد اصبح سكرتير اللجنة المركزية الثانية (2) ، ولكنا نلمح أهميته في التنظيم العام للحزب من قول بدر الذي أشرنا إليه من قبل: " وبعد أيام اتصلت بالرفيق يهودا صديق ان ينتدب لهذه المسؤولية غيري " (3) .
ولا نحسب ان بدرا في تلك الفترة فارق نشاطه اليساري أو فتر فيه؛ إلا أن الأحكام بالسجن على زعماء حزبه صدرت وهو يتأهب للعودة إلى قريته في إجازة الصيف، ثم تنبهم أخباره دون أعييننا في تلك الحقبة من السنة ؟على غير ما تعودنا - وذلك لان رسائله إلى خالد ؟أن كان ثمة رسائل - قد فقدت، ولم تبق منها إلا رسالة واحدة (بتاريخ 20 - 9 - 1947) يكلف فيها صديقه قضاء مهمة تتعلق بمصطفى السياب؛ ويهمنا قوله في آخرها: " عندي شعر كثير؟ جدا، سأقرؤه عليك في أوائل الشهر القادم، يوم 1 أو 2 منه " . وقد كانت تلك الرسائل حرية ان تحدثنا بشيء واضح عن نشاطه الفني وان كان يتجنب

(1/96)

فيها كل حديث عن الجانب السياسي، لا لأنه كان يخشى الرقابة وحسب، بل لأن صداقته لخالد بفكرة سياسية معينة، أو قل إن صداقتهما كانت خارج نطاق المشاركة في رأي سياسي واضح المعالم.
ولكن أين هو الشعر الكثير الذي قاله في هذا العام الدراسي وفي الإجازة اللاحقة به؟ إننا لو قدرنا أن كل ديوان " أزهار ذابلة " وبعض " أساطير " يمثلان هذه الفترة لما كان ذلك كثيرا، ومع فانا نصدقه في قوله ان لديه شعرا كثيرا، ذلك انه كان ذا قدرة عجيبة على الإكثار من الشعر، ولدينا من قصائده في هذه الفترة قصيدة بعنوان " هل كان حبا " ظهرت في ديوانه الأول، ولهذه القصيدة أهمية خاصة عند الشاعر فانه يؤرخ بها بداية اتجاهه إلى الشكل الحديث في الشعر (1) ، وهي إذا توخينا الدقة لا تمثل شيئا من ذلك، وكل ما فيها تفاوت بسيط في عدد التفعيلات كقوله:
العيون الحور لو اصبحن ظلا في شرابي ... جفت الأقداح في أيدي صحابي. ... فالبحر هو الرمل، والشطر الأول يحتوي على أربع تفعيلات والثاني على ثلاث، ومن طبيعة الرمل أن يتيح هذا التفاوت تاما ومجزوءا، وليس فيها بعد ذلك من حداثة الشعر الا هذا المظهر البسيط.
وفي ديوانه " أساطير " قصيدة مبكرة من نتاج العطلة الصيفية (1947) بعنوان " سجين " وهي تصور ان ذراعي الأب تحولان دون لقاء المنتظرة:
وطال انتظاري كأن الزمان تلاشى فلم يبق إلا انتظار ... وظل يتساءل " أألقاك " ، مؤمنا أن لا بد من ساعة.. من مكان " لروحين ما زالتا في ارتقاب " :

(1/97)

سألقاك أين الزمان الثقيل ... إذا ما التقينا وأين العذاب
سينهار عن مقلتيك الجدار ... وتفنى ذراعا أبي كالضباب ثم يهتف:
لينهد هذا الجدار الرهيب ... وتندك حتى ذراعا ابي
أحاطت بي الأعين الجائعات ... مرايا من النار في غيهب
إذا استطلعت مهربا مقلتاي ... تصدى خيالان في مهربي

فأبصرت ظلين لي في الجدار ... أو استوقفتني ذراعا ابي فهذه القصيدة معلم هام في حياة بدر النفسية، إذ فيه تستعلن الثورة على الأب دون مواربة أو رمز، وهي مقدمة لحفار القبور حيث الثورة على الأب تتسم بلباقة الرمز والكناية؛ وترمز سلطة الأب إلى الحواجز الكثيرة التي تحول دون لقاء المنتظرة وهي أيضاً كبش الضحية لتفسير ذلك الإخفاق المتوالي في الحب؛ فذراعا الأب قائمتان كالمقص تجذان كل علاقة، وكلما ظن الشاعر أن هذه هي المنتظرة تحركت ذراعا الأب فقطعتا حبل الرجاء الممتد نحوها، وتلك إشارة إلى أن الشاعر ورث كل ما يقصي المحبوبات عنه من ابيه، وفي طي ذلك معنى لا شعوري، وهو أن الأب القاسي هو الذي دفع بهذا الطفل إلى أحضان الأم دفعا حرمه القدرة على الانسجام مع أية امرأة أخرى. وربما تتضح المسألة تحت أنوار كاشفة أخرى إذا قلنا ان الأب كان ينتمي إلى حزب الشعب (وقد كان في البداية ؟وعندما نظمت هذه القصيدة - من ألد أعداء الحزب الشيوعي) وكان الشيوعيين يسمون قادته انتهازيين وجواسيس وعملاء (1) ، وهذا يفسر الإشارة الغامضة

(1/98)

إلى النزعة الاقتصادية التي كان بدر يتصور أباه ممثلا لها:
أما تبصرين الدخان الثقيل ... يجر الخطى من فم الموقد
تلوى فأبصرت فيه الظهور ... وقد قوستها عصا السيد

وأبصرت فيه الحجاب الكثيف ... على جبهة العالم المجهد فإذا تحطم رمز الإقطاع ؟سلطة الأب - تبدد الدخان الكثيف عن وجه العالم المجهد، وظهرت " المنتظرة " ؛ ولكن المنتظرة برزت فجأة وقبل ان يتحطم الإقطاع ان ينهد الجدار الأبوي، فكيف كان ذلك؟ لندع بدرا مؤقتا يحلم بهذه المحتجبة، ولنتوجه إلى أحداث العام الأخير من حياته في دار المعلمين.

(1/99)

- 8 -

من الوثبة إلى النكبة

كل الدلائل الظاهرة والخفية كانت تشير إلى أن العام الدراسي الأخير في دار المعلمين (1947 - 1948) سيكون عرضة لعواطف هوج، لأن دار المعلمين جزء من العراق القلق الذي تنذر الأمور فيه بالانفجار، ولم يكن ليعمى عن هذه النذر والمرهصات إلا السياسيون الذين شغلوا أنفسهم في التغزل بالصداقة العراقية البريطانية، وأتخمتهم مناصبهم واقطاعاتهم عن رؤية مواضع الألم في جسم الشعب المسكين؛ فقد حبست حكومة السيد صالح جبر انها بمصادرة الصحف، وسجن بعض الزعماء الوطنيين، وإيداع زعماء الحزب الشيوعي في قفص التأييد، ومهاجمة المكتبات بحثا عن الكتب الثورية والمنشورات، حسبت أنها ضمنت بذلك أقصى ما تؤمل من هدوء واستقرار، ولكن الطبقات الفقيرة كانت مهددة بالمجاعة، تفتش عن الخبز فلا تجده، وأهواء البلاد فارغة تصفر فيها الريح، ومشكلة فلسطين آخذة بالتعقد، متدرجة من سيئ إلى أسوأ، فكل اقتراب جديد من بريطانيا معناه محالفة الطغيان الاستعماري الذي تعاون مع الصهيونية تعاونا كاملا سافرا طوال ثلاثين سنة، وجثم على صدر العراق ردحا مقاربا من الزمن.

تلك الظروف هي التي مهدت لما يعرف في التاريخ العراقي الحديث باسم " وثبة كانون الثاني " (1948)، وذلك احتجاجا على معاهدة

(1/100)

بورتسموث التي عاد صالح جبر يزفها إلى الشعب العراقي زاعما أنها تخدم مصلحة البلدين. ولسنا بسبيل الحديث عن تلك المعاهدة وشروطها، ولكن الشعب العراقي واجهها بعاصفة شديدة من الاستنكار، وتضافرت الأحزاب على رفضها، وبدأ رد الفعل بإضراب طلاب الحقوق والهندسة، وبتنظيم المظاهرات الجماهيرية الكثيفة، وحدثت صدامات مروعة بين المتظاهرين والشرطة ذهب ضحيتها عدد غير قليل من القتلى، واستمرت التظاهرات التي بدأت في السادس عشر من كانون الثاني تزداد حدة وتصاعدا حتى بلغت ذروتها في السابع والعشرين من الشهر، واضطر الوصي ان يعلن بأن المعاهدة لم تكن مرضية، كما اضطر رئيس الوزراء إلى الاستقالة، ثم إلى الهرب من العراق نجاة بنفسه. وكانت مئات الألوف كل يوم تخرج لتشييع الشهداء، والخطاء ينادون بضرورة إلغاء المعاهدة، فما كانت حكومة السيد محمد الصدر التي تألفت بعد حكومة صالح جبر تملك سوى التراجع عن تلك المعاهدة.

انه ليس من السهل أن يحدد المرء دور الحزب الشيوعي في وثبة كانون، ولكن الحكومة العراقية تعتقد ؟كما يعقد الحزب الشيوعي نفسه - انه كان للشيوعيين دور قيادي في الوثبة (1) ؛ غير أن النظرة الفاحصة تنبئ أن الأحزاب الأخرى كالديمقراطي الوطني وحزب الاستقلال والأحرار كان لها دور هام في تلك الحركة، وإنها كانت هبة وطنية عامة، ولم ينفرد بفخرها حزب واحد. ولعل بدرا لو سئل في تلك الأيام لأكد أن الحزب الذي كان ينتمي إليه كان ذا دور هام في الوثبة، هذا إن لم يقل انه انفرد بمجدها كله، ولكنه حين سخط

(1) انظر Laqueur ص: 193.

(1/101)

على الحزب بعد سنوات أخذ يقول: " كلنا يذكر وثبة كانون المجيدة ويعرف أن القوى الوطنية جميعا ؟بل الشعب كله - هو الذي قام بها، ولعل دور الشيوعيين فيها كان أتفه الادوار، ولكنهم بعد النصر الساحق الذي حازه الشعب نسبوا إلى أنفسهم كل أمجاد الوثبة وبطولاتها " (1) ، ونحن لا يهمنا هذا إلا بمقدار ما يصور اندماج بدر نفسه في تلك الحركة، إذ نجده يقول بعد اسطر: " نشط حزبنا الشيوعي بعد أن أطلقت الحريات، فكانت مظاهراتنا تملا الشوارع حتى ينقطع السير والمرور فيها، وضجر الناس من هذا كله، ولكن الحزب الشيوعي كان يريد ان يعرض قوته على الناس. كنا نجتذب الكناسين والحمالين والمجرمين من نشالين وسواهم إلى صفوفنا بوعود معسولة نبذلها لهم؛ كنا نمنيهم بالقصور والآنسات الحور، ونجحنا في ذلك أيما نجاح. وأقام جماعة من أهالي الكرادة حفلة تأبينية لشهداء الوثبة، وقد دعيت للمساهمة في تلك الحفلة. لم يكونوا ليعرفوا أنني شيوعي، وكذلك شأن محمد شرارة الذي دعي إليها دون ان يعلم الداعون انه شيوعي. ان من يقرأ قصيدتي في تلك الحفلة وخطاب محمد شرارة فيها يلحظ الخط الشعوبي الشيوعي واضحا فيهما، فقد جاء في قصيدتي تلك:

ما زال يملأ مسمع الأحقاب ... ذاك الهدير من الدم المنساب

يعلو فيرتجف الطغاة وتمحي ... أسطورة الاحساب والأنساب ما علاقة الحساب والنساب بوثبة الشعب على ظالميه؟ انها الشعوبية التي يغيظها ويمزق أعصابها أن يقول العربي انه عربي؛ أما كلمة محمد شرارة فقد كانت كلها مخصصة للهجوم على الحجاج هذا البطل الذي أراد أن يحمي الكوفة من الغزو الفارسي الشعوبي؟

(1) الحرية، العدد: 1452.

(1/102)

الخ " (1) . وليس يهمنا من هذا النص تفسيرات السياب، فتلك أمور يختلف الناس حولها، ولكنا أوردناه ليصور مبلغ نشاطه الحزبي في تلك الايام، ثم لينقل لنا كيف انه اخذ يسخر شعره لخدمة الأغراض الحزبية، بعد أن مرت عليه فترة من الزمن وهو يفصل فصلا تاما بين فنه وحزبيته.

ولم تكد الحكومة العراقية تنعم بالهدوء الذي عقب تلك العاصفة حتى واجهتها مشكلة فلسطين؛ كانت الجامعة العربية قد قررت ان تقوم بخدعة كبيرة، حين طلبت إلى الجيوش العربية ان تدخل فلسطين محاربة؛ وجازت الخدعة على الجيوش وقادتها، إذ كانوا رغم قلة معداتهم وفساد أسلحتهم وضعف تدريبهم وبعد بعضهم عن مراكز التموين والإمداد، يظنون انهم يقومون بمهمة مقدسة، غير عارفين بالدور الخسيس الذي كان يمثله رجال السياسة العليا في كل بلد عربي. وكذلك كان دخولهم ؟من الناحية العملية - ترسيخا للحدود التي رسمها مشروع التقسيم، ثم حدثت خيانات وتنازلات ؟شهودها بين الأحياء كثيرون - أضافت إلى إسرائيل مناطق أخرى لم يكن مشروع التقسيم (وهو مشروع اغتصاب دبر في مدى ثلاثين سنة) يمنحها لها. ومهما يكن من شيء فقد كان دور الجيش العراقي في تلك الحرب ؟رغم ضعف معداته وقلة تموينه - دورا مشرفا، وكانت الحماسة بين العراقيين للقضية الفلسطينية متأججة. غير ان الحكومة العراقية حينئذ استغلت حالة الحرب لفرض القانون العسكري على البلاد، ومن خلاله استطاعت تقييد الحريات وتحيف الحقوق المدنية، وتحديد المجال النقدي للصحافة، وبالجملة شغلت الناس بالحرب وأظهرت أنها لبت نداء الواجب حين دعيت، واشتغلت بسلب البلاد ما حققته في وثبة كانون.

(1) الحرية، العدد السابق.

(1/103)

ذلك هو موقف الحكومة، فما هو موقف الحزب الذي كان ينتمي إليه بدر من القضية الفلسطينية ومن الحرب الفلسطينية؟

قد عرفنا فيما مضى أن العصبة اليهودية تغلغلت في الحزب الشيوعي، فأصبح يهودا صديق سكرتيرا للجنة المركزية بعد فهد، فلما اعقل يهودا خلفه ساسون دلال، ومهما يكن مبلغ عطف الشيوعيين اليهود على القضية الصهيونية فانهم لم يستطيعوا رسميا أن يتجاوزوا في بادي الأمر ما أعلنته روسيا، وهو تأليف حكومة ديمقراطية في فلسطين يشترك فيها العرب واليهود، فلما تورطت السياسة الروسية في الخطأ وحاولت منافسة أمريكا واعترفت بشرعية دولة إسرائيل، تحول الحزب الشيوعي العراقي عن موقفه تبعا لذلك، دون ان يكون بين الوقفين إلا فارق زمني بسيط.

في البداية وزع الحزب منشورا على أعضائه يشرح فيه شعاره الذي ينادي بتألف حكومة مشتركة من العرب واليهود، يقول بدر: " وكان الجواب الذي هيأناه لنجيب به كل معترض على ذلك الشعار هو: وهل تريد ان تتألف حكومة عربية خالصة فتكون مثل حكومة نوري السعيد مطية للاستعمار؟ وما ذنب اليهود المساكين القاطنين في فلسطين؟ أنلقيهم في البحر ثم نؤلف حكومة عربية خالصة؟ " (1) فلما تغير موقف روسيا اصدر الحزب منشورا يؤيد فيه التقسيم، وأخذت جريدة " القاعدة " تنشر المقالات العنيفة ضد الحرب الفلسطينية وتطالب بسحب الجيوش العربية من فلسطين (2) .

ولم يكن رجل الشارع في العراق قادرا على أن يهضم هذا التقلب في موقف الحزب الشيوعي، ولا كان يستطيع أن يستسيغ المطالبة

(1) الحرية، العدد: 1458.
(2) المصدر السابق.

(1/104)

بسحب الجيوش العربية، إذ كان يرى في الحرب ؟وهو يظنها حربا حقيقة - وسيلة لإحقاق حق ودفع ظلم؛ وكانت الحرب تعبيرا عمليا عن حماسته نحو اخوة مضطهدين مطرودين ؟ظلما وعدوانا - من ديارهم، فكل صوت ضد هذا الشعور خيانة آثمة، وانحياز إلى الصهيونية، ولهذا اصبح من السهل عليه ان يؤمن بأن الحزب الشيوعي العراقي صهيوني أو مؤيد للصهيونية. وحين استغلت الدولة هذه التهمة في محاكمتها للشيوعيين كانت تستغل فكرة من السهل ان تجوز على الفرد العراقي حينئ.

من هذا المنفذ نفسه اخذ القلق يتسرب إلى نفس بدر وشرع يحسس الانقسام في نفسه بين ولائه للحزب وإخلاصه لمشاعره العفوية. هل من الممكن ان يؤمن بالتقسيم، وهو يرى اللاجئين من أبناء أمته مطرودين من ديارهم؟ هل من السهل عليه ان يحقق ما يريده ساسون دلال (والخط الفاصل بين يهودي وصهيوني لديه خط وهمي) ويتغاضى عن سخط شعبه ؟سخط تلك الجماهير التي يتحدث باسمها - على الظلم الصارخ الذي يمثله ذلك الحل الجائر؟ إن مشكلة فلسكين لم تهز كثيرا من النظم البالية في البلاد العربية وحسب، ولكنها أيضاً عرقلت نمو كل حزب شيوعي فيها، وكانت رويا مسئولة عن ذلك الإخفاق الذي أصاب تلك الأحزاب، لأنها شاءت في لحظة لم تحسب نتاجها البعيدة ان تقوم بمناورة سياسية (1).

(1) بعد مدة غير قصيرة من كتابة هذه السطور نشرت مجلة الحرية البيروتية (العدد 454) بياتا للحزب الشيوعي العراقي (القيادة المركزية) يبين فيه آخر مواقف الحزب من القضية الفلسطينية، وقد جاء فيه: " أن الانجرار وراء اللعبة الاستعمارية الصهيونية الرجعية الخبيثة الماكرة بتأييد التقسيم أملاً في إيجاد حل سلمى يطفئ موقد التوتر مؤقتا كان خطأ تاريخيا " . وورد فيه أيضاً: " وقد ظل حزبنا حتى اللحظة الأخيرة ضد مشاريع التقسيم على نحو جدي قاطع ولكنه غير موقفه مع قرار هيئة الأمم المتحدة في أواخر 47 واستنادا إلى تقديرات ومنطلقات تبين ضلالها في التجربة؟. وقد أوضح الكونغرس الثاني (1956) خطأ تبني ونشر أفكار كراس " ضوء على القضية الفلسطينية " عام 48 الذي كان يعطي صورة وهمية خلابة عن حقيقية الكيان الإسرائيلي " ؛ والبيان وثيقة هامة من عدة وجهات.

(1/105)

ولنترك السياب يتحدث عن بعض أصداء تلك الأيام في نفسه: " لقد ظللت ليالي عديدة أعاني السهر والعذاب ؟يوم ان كنت ما أزال عضوا في الحزب الشيوعي - بسبب فكرة خطرت على بالي وأبت أن تفارقني: هناك صعلوك يهودي اسمه خضوري كان يطوف في قريتنا والقرى الأخرى فيشتري النحاس العتيق والزري العتيق وما شابه، ثم يبيعها بربح ويعتاش من ذلك. ثم (سقط) خضوري جنسيته وسافر إلى اسرائيل، وقد تبين انه كان يملك حوالي العشرة آلاف دينار، ولم يستطع خضوري أن يأخذ ماله معه، فتركه وسافر إلى وطنه القومي. وفكرت: ان الناس جميعا منذ القدم إلى الآن يحتقرون اليهود ويصفونهم بحب المال حبا جما، ولكن خضوري، هذا الصعلوك اليهودي الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة كما أعتقد، والذي كان يتحمل شمس الصيف ومطر الشتاء ونباح كلاب القرى وإيذاء سكانها في سبيل دريهمات يربحها، ترك حطام الدنيا كله ونزح إلى اسرائيل، في سبيل ماذا؟ ليعيش في بد يشعر بأنه واحد من أهلها في كل شيء ؟كما يتوهم - لقد جعله إخلاصه لقوميته - لهذه القيمة الروحية - يتنازل عن أمواله التي عانى حتى جمعها، وانا، أنا الذي أدعي بأنني أديب شاعر، بأني لست من عبدة المال، ولا المتهمين به، وأن قصيدة جيدة اكتبها احب إلى نفسي من آلاف الدنانير، لقد خنت قوميتي وتنكرت لكل القيم الروحية، في سبيل ماذا؟ أنني أمني نفسي بأن

(1/106)

دخلي سيكون أكبر، بأنني سأحصل على نقود اكثر، متى جاء الشيوعيون إلى الحكم. أذن فأنا أحقر من خضوري. وعذبتني هذه الفكرة؛ لقد حاولت الفرار منها بشرب الخمر والإدمان فيه، ولكنها ظلت تطاردني إلى اليوم الذي تخلصت فيه من الأفكار الشيوعية " (1).

ليس من حقنا أن نشك في هذا الاعتراف الذاتي، إذ حين يصبح الاقتناع شعريا يحجب وجه الخداع في المغالطات الذهنية، فمن المغالطة الدهنية ان يعتنق المرء مذهبا عريض المبادئ والغايات، لا لشيء إلا لأنه يرجو عن طريقه زيادة في دخله. ذلك تبسيط شديد، وتهوين للقيم، ولكن هذا لا يعني أن السياب كان كاذبا في إحساسه. ورغم هذا الصدق في الإحساس فأنه لم يخطر له الانفصال عن الحزب، إذ ان الانفصال ليس سهلا كالأنتماء، فهو يعني بلوغ الإرادة لحظة حاسمة لا محيص عنها ولا منفذ فيها للتردد، ولهذا فان مثل هذا الإحساس ما يزال بحاجة إلى عوامل أخرى تؤيد حتى يستطيع صاحبه أن يبلغ تلك اللحظة: لقد كان بدر يسمع رفاقه الشيوعيين يقولون عمن يفصل أو ينفصل من الحزب الشيوعي: أين يولي؟ وفهم بدر من هذه العبارة ان عضو الحزب الشيوعي كالطفل الصغير لا يستطيع ان يدبر شئونه دون أمه (2) ، ولكن دلالة تلك العبارة تختلف عما فهمه ؟فيما اقدر - ، أنها تعني أن العضو المنفصل سيظل حيثما اتج محاطا بتاريخه الحزبي، وسيظل مؤاخذا لدى الحكومة بذلك التاريخ حتى ولو أعلن براءته منه على رؤوس الأشهاد، وذلك يعني انه ؟في خارج الحزب - قد اصبح كالمنبت، لا أرضا قطع ولا ظهرا ولا ظهرا أبقى، ولو بقي في داخله لظل له شرف الغاية التي يجاهد من اجلها، مهما يكن مفهوم تلك الغاية في نظر الآخرين؛ ولا ريب ان بدرا ؟من بعد - وقع

(1) المصدر السابق.
(2) الحرية، العدد: 1443.

(1/107)

ضحية هذا الوضع في ظل لا يغفر للمرء ماضيه ولا يعترف بشيء اسمه " التوبة " .

على أي حال يجب ألا ننتقص من قيمة ذلك الإحساس فإنه يمثل ثلما في مشاعر الولاء الحزبي، ولكن بدرا كان ما يزال مندفعا بحماسته المستعلنة فيما يعده واجب الفتى المثقف ضد حكومة ونظام رجعيين، وكانت لذة المقامات الخطابية بين الجماهير ما تزال تأسره وتملك عليه إرادته، ولهذا ظل يشارك في المظاهرات، وإلقاء القصائد. وفي إحدى المظاهرات التي انتهت عند المقبرة في باب المعظم (من ذلك العام) كان بدر أحد الذين صعدوا جدار المقبرة من بين الخطباء الكثيرين، ليثيروا حماسة الشعب ويحركوا فيه روح الثورة على الأوضاع؛ وكان بين الخطباء " فتاة جميلة بيضاء مربربة في الخامسة عشرة من عمرها أو أزيد قليلا " فقد ألقت في الجماهير قصيدة حماسية، ولكنها ألقت في نفس بدر جذوة اشتهاء، تلك هي الرفيقة مادلين اليهودية التي سيكون لها في حياة بدر قصة عارضة نرويها في حينها (1) .

(1) الحرية، العدد: 1452.

(1/108)

- 9 -

المنتظرة

تلك صورة من نشاط بدر العملي والفني (عام 1948) في خارج دار المعلمين، ولكن الصورة لا تكتمل إلا إذا عرضنا إلى الجانب الآخر من سيرته في تلك السنة الدراسية الأخيرة.

كان قد ارتاح فنيا إلى شيء من الشهرة حين استطاع أن يطبع ديوانه " أزهار ذابلة " بمصر، حمله إخوانه البصريون إلى مطبعة الكرنك في القاهرة، وانفق عليه من المال القليل الذي كان يرسله إليه اهله، وكتب مقدمته الأستاذ الصحفي رفائيل بطي، وفي هذه المقدمة كلمات تركت أثراً عميقا في الوجهة الشعرية التي اختارها السياب من بعد، ولعل فيها من قوة التوجيه ما يسوغ ان نقتبس قوله فيها: " تجد الشاعر الطليق يحاول جديدا في إحدى قصائده، فيأتي بالوزن المختلف وينوع في القافية محاكيا الشعر الإفرنجي فعسى أن يمعن في جرأته في هذا المسلك المجدد لعله يوفق إلى أثر في شعر اليوم، فالشكوى صارخة على أن الشعر العربي قد احتفظ بجموده في الطريقة مدة أطول مما كان ينتظر من النهضة الحديثة " (1) ؛ وكان ظهور " أزهار ذابلة " في مطلع العام الدراسي الأخير بدار المعلمين، فتلقته الصحف بشيء

(1) العبطة: 10 - 11.

(1/109)

من التقريظ، ارتاح له الشاعر، واخذ يتردد على مقهى " حسن العجمي " حيث يجلس الأستاذ الجواهري وغيره من كبار الأدباء والكتاب (1) . وفي هذه الفترة توثقت صلته بالجواهري، وظل بدر يكن له شيئا كثيرا من التقدير والاحترام، دون ان يتغير فيه رأيه كثيرا من بعد ؟وان لم يتأثر بطريقته الشعرية تأثرا عميقا؛ وكان الجواهري من أقطاب حركة أنصار السلام، التي سيكون لبدر فيها دور أيضاً، سيجيء الحديث عنه في موضعه. وزادته الشهرة في المحافل العامة راحة نفسية، ولكنها لم تلهه عن شئون العواطف، ولا أغنى ضجيج الهتاف في أذنيه عن حاجة النفس بين جوانحه. فقد افتتح العام الدراسي باللهفة إلى المنتظرة (السمراء ذات الغلالة الزرقاء) وبالإلحاح على الليالي ان تقرب موعد الهوى، فلم يعد الريف مثوى جميلا، لان الغرام فيه مفقود (2) :

أيها الريف ما ذممت المقاما ... في مغانيك لو وجدت الغراما
إنما جنة الهوى حيث حوا ... ء وان كانت الجحيم اضطراما وهو يخشى ان يفاجئه الموت قبل ان يحقق له الحب، وهل من عجيب ان يعيد في القصيدة صورة الحلم الذي قصه قبل عام على صديقه خالد:

لقد سئمت الربى مللت الضفانا ... احسب الموج أو اعد الخرافا مثلما عد انجم الليل عراف فأنبت بموته العرافا ... أيها الشاطئان أوهى جليد الموت كفي فأرخت المجدافا ... وكأني بعيني غورا قائما احتسي دجاه ارتجافا ... أهبط الموج سلما بارد الألوان حتى أعانق الاصدافا ...

(1) المصدر السابق: 11.
(2) أساطير: 52.

(1/110)

يا لمثواي اعظما قضقضتهن الأعاصير والعباب اجترافا ... حيث لا نادب سوى اللج زخارا على أضلعي يعيد الهتافا ... إلا انه في هذا الحلم يموت غرقا، ويكون قبره قاع البحر حيث يعانق الأصداف، ويعب الموج فوق مثواه نادبا.

وهنالك شبح آخر يؤرقه قبل تلوح المنتظرة، وذلك هو شبح الخيانة ؟تلك السمة التي واكبت حب المرأة في العصور؛ ها هو ألفرد دي موسيه وجورج صاند في البندقية وهي تقسم له بالحفاظ على العهد، فأين ذهب قسمها؟ حذار أن تنخدع بعهد امرأة!! ولكن من هو الذي يحذره من ذلك: أنها عيون تطل عليه من الثرى، أفبعد ذلك يخفى على القارئ سر تمزق هذا الفتى؟ وهذا أيضا فتلى آخر ينقل الخطى على الرمل ليلقى ليلاه، ولكن أين ليلاه؟ ومن الكلمات التي تحمل صورة المبوة ان يقول الشاعر في تلك السن:

نقلتها على الثرى أرجل حيرى طواهن داؤهن الزمين ... غير ان صورة السائر الواقف الذي تعجز رجلاه عن النقلة ستواجهنا كثيرا في هذه المرحلة.

بهذه القصيدة استقبل عامه الدراسي الاخير في دار المعلمين، وهي تصور مدى تمزقه بين اللهفة إلى الحب والفرق من الموت. وبعد أقل من شهر على تاريخ هذه القصيدة، خيل إليه انه وجد المنتظرة في صورة فتاة ذات شعر مسترسل، وهم أن يهتف: هذه هي (1) :

أهم أن اهتف لولا خطى ... عابرة في الخاطر المجهد
أطياف حسناواتي استيقظت ... هاتفة بالذكريات اشهدي
ما نال غير أسمائنا ... تسخر من آماله الشرد
مكتوبة بالنار في شعره ... كالصورة الخرساء في معبد

(1) عبير (أساطير: 48) وتاريخها 10/12/1947.

(1/111)

ثم رأى عينين زرقاوين فاشتهى أن تكون هذه الزرقة هي التي تضيء أيامه وتقهر " أشباح الشتاء " فتفر هاربة.

إن رسم صورة كاملة لهذه المنتظرة التي كانت تداعب أحلامه ليس سهلا، ولكنه حين اخذ يتأمل الواقع وجدها سمراء ذات غلالة زرقاء وعينين زرقاوين وشعر اسود مسترسل (صورة لا تخلو من غرابة وربما كانت صورتين مجموعتين معا) ولا بد أن يكون فيها شبه من الحب الاول، لأنه كلما حاول الوقوع في حب جديد، استيقظت ذكرياته فوقعت حائلا دون ذلك، وتذكر الإخفاق المتوالي فارتجفت أوصاله بقشعريرة باردة. وهذه المنتظرة لا بد أن تكون هي نهاية المطاف، لا بد أن تكون زوجة لأن الحب لا معنى له إذا لم ينته بالزواج (1) :

الهوى بيت عاشقين اطمأنا ... لا سؤال أأنت قبلت فاها يشرف الحب جامعا بين زوجين يصفو الحياة أو في شقاها ... ينسجان الزمان من قبلة سكرى بكن الغد المرجى صداها ... ولهذا اصبح لقاء المنتظرة يعني تحقيق الحلم الأكبر وهو بيت على ربوة (وليكن كوخا) يشرف على النهر، وتحيط به من هنا وهناك أشجار النخيل الظليلة. ولم يكن استشرافه إلى هذه المنتظرة ناجما عن إخفاقه المتوالي في الحب وحسب، فلو اقتصر الأمر ذلك الإخفاق فأنه ربما أدى إلى ثورته المرأة ورغبته في التشفي والانتقام، وإنما كان العامل الأقوى الذي طوح بآماله إلى مسافة بعيدة، أعني نقلها إلى صورة مثالية، هو تجربته الواقعية في دنيا الأجساد، ذلك ان بدرا بعد عودته إلى المعلمين أثر حادثة فصله لم يعد يقنعه أن يحلم بدفء الجسد، ويتخيل لذة القبلات، بل أصبحت رجلاه جريئتين على تخطي الحاجز العذري إلى حيث يشتري اللذة بدراهم معدودات، وقد منحته

(1) أساطير: 56.

(1/112)

الحانات والمواخير شعورا بالراحة من عبء الفورات وحالات الكبت، وعززت شعوره بالاستقلال الذاتي وأضعفت من التردد والخجل اللذين كانا يقعدان به عن مواجهة أية فتاة بحقيقة ما في نفسه. ولكن هذه التجربة الجديدة كانت في كل مرة تنتهي إلى اشمئزاز لا بد منه، وثار الريفي المستكن في اهابه على هذا الانحدار في المجاري الدنيا من حياة المدينة. أيمكن أن تكون هذه هي الحياة الصحيحة للعلاقة بين المرأة والرجل؟ كلا؛ بل لا بد من حياة ينظمها الحب وتسيطر فيها الألفة لا " الأجر " المدفوع؛ وإذا كانت هذه التجربة قد أعجزت بدرا عن أن يحب امرأة معينة فأنها شحذت لديه الإحساس بحاجته إلى المحتجبة خلف أستار الغيب (1) . ولم يستطع انتماؤه وهتافه بالحرية والرجاء في المستقبل وإيمانه بأن " المنتظرة " كالصباح، لا بد من ان ينبلج ؟بل هو قد انبلج حقا - لم يستطع هذه جميعا أن تطرد صورة الموت من نفسه، ولما مات خاله بداء السل في حدود هذه الفترة تصور انه هو الذي مات بالداء نفسه، حين كتب قصيدة: " رئة تتمزق " : (2) :

الداء يثلج راحتي ويطفئ الغد في خيالي ... ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال ... تهتز في رئتين يرقص فيهما سبح الزوال ... مشدودين إلى ظلام القبر بالدم والسعال ... واحسرتاه ! أكذا أموت كما يجف ندى الصباح ... ما كاد يلمع بين افواف الزنابق والاقاحي ...

(1) يفهم من كلام الأستاذ العبطة (ص:75) أن بدرا كان يرتاد دور البغاء في وقت مبكر، ولكن الحكم الذي أوردته هنا مبني على تطوره الفني، فأن كانت تجربته في شئون الجسد قد تمت قبل ذلك فأنه كان يتلمس إخفاءها بحجاب صفيق من المثالية.
(2) أساطير: 43.

(1/113)

فتضوع أنفاس الربيع تهز افياء الدوالي ... حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح ... ولكنه لا يريد أن يموت؛ كان من قبل يتمنى الموت، كان يقول له: خذني بين ذراعيك، يوم كان الهوى وهما يعذبه الحنين إلى لقائه،أما اليوم، حين برزت السمراء كنجم تألق في مسائه، فليبتعد الموت عنه لينعم بحبها:

يا موت يا رب المخاوف والدماميس الضريرة ... اليوم تأتي؟ من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره ... انا ما دعوتك ايها القاسي فتحرمني هواها ... دعني اعيش على ابتسامتها، وان كانت قصيره ... كان في مطلع العام (1948) قد لقي المنتظرة، وقرأت ؟أو تخيل إنها قرأت - قصيدته " أهواء " التي سرد فيها تجاربه الأولى في الحب، فكتبت إليه ؟أو تخيل إنها كتبت إليه - تقول: " وها انا ذا ألقاك بعد بحث طويل (كانت هي أيضا تبحث عن المنتظر) ولكنني واحسرتاه لقيتك بعد فوات الأوان، لقد أحببت كثيرا من النساء حتى سئمت الحب، ووزعت قلبك بينهن، وسقيت التراب بالخمرة التي كانت في كأسك ولم تدخر لي منها قليلا " (1) . فذهب يؤكد لها انه نسي الماضي كله وليس في حياته سوى الحاضر:

وكان انتظارا لهذا الهوى ... جلوسي على الشاطئ المقفر
وإرسال طرفي يجوب العباب ... ويرتد عن افقه الأسمر
إلى أن أهل الشراع الضحوك ... وقالت لك الأمنيات انظري ولكن هذا الحب كان كالقنبلة الموقوتة بين القلبين، فهو مرهون

(1) أساطير: 18 وتاريخ القصيدة 16/2/48.

(1/114)

بزمن، وهو إذا تفجر وأهلك ما حوله. ولهذا كان كل منهما يحس ان هذا الحب يحمل في ذاته عناصر دماره؛ أما هي فلم يكد يمضي أسبوع على إعلانه فرحة اللقاء حتى طالعته بقولها: انه لا جدوى في هذا الحب ما دام خيطه القصير سينتهي بفراق وشيك، وكانت وهي تتحدث إليه بذلك يرتجف الحزن في عينيها ويضطرب اليأس في شفتيها، وقد سرت البرودة في يديها، وشحبت الظلال فوق جبينها (1) :

ثم انثنيت مهيضة الجلد ... تتنهدين وتعصرين يدي
وترددين وأنت ذاهلة: ... " أني أخاف عليك حزن غد "
فتكاد تنتثر النجوم أسى ... في جوهن كذائب البرد
لا تتركي لا تتركي لغدى ... تعكير يومي، ما يكون غدي؟
وإذا ابتسمت اليوم من فرح ... فلتعبسن ملامح الأبد

وكان عمري قبل موعدنا ... إلا السنين تدب في جسد وأما هو: فأنه كان يتمنى دوام هذا الحب ويخشاه في آن معا، وحين كان يستبد به حنين العودة إلى الريف، كان يهتف بالخشية التي تحبب إليه الفرار من اسار ذلك الحب (2) :

سوف أمضي.. اسمع الريح تناديني بعيدا

؟؟؟؟..

سوف امضي فهي ما زالت هناك
في انتظاري

؟؟؟..

سوف أمضي، حولي عينيك لا ترني اليا
أن سحرا فيهما يأبى على رجلي مسيرا

(1) قصيدة " لن نفترق " في أساطير: 21 وتاريخها 21/2/48.
(2) " سوف أمضي " في أساطير: 9 وتاريخها 30/2/48.

(1/115)

أن سرا فيهما يستوقف القلب الكسيرا

؟؟؟.

أتركني، ها هو الفجر تبدى، ورفاقي

في انتظاري.

وكان التباين في الدين من أقوى العوامل التي تجعل ذلك الحب ينحدر نحو يأس، ولهذا يضطرب هذا الشريط ؟على قصره - بشتى المواجد والانفعالات، فهو إذا استسلم للواقع ادرك ان حظه مما يعانيه سراب (1) :

سنمضي ويبقى السراب
وظل الشفاه الظماء
يهوم خلف النقاب
وتمشي الظلال البطاء
على وقع اقدامك العارية
إلى ظلمة الهاوية
وننسى على قمة السلم
هوانا؟ فلا تحلمي

بأنا نعود.

وإذا أخبرته أن آخر لقاء لهما، لان أهلها يمنعونها من لقائه اشتد به الذهول حتى ليعجز عن ان يحدثها حديثا مستويا لا يداخله التعبير الممزق المتردد؛ أنها التي انتظرها طويلا وفقدها ليس شيئا يسيرا يستقبله رواقي، لأنه يعني تحطيم الحلم الكبير، حلم الشباب (2) :

حدثني، حديثه عن ذلك الكوخ وراء النخيل بين الروابي ...

(1) أساطير: 24 (وتاريخها 27/3/48).
(2) أساطير: 38 - 39.

(1/116)

حلم أيامه الطوال الكثيبات فلا تحرميه حلم الشباب ... أوهميه بأنه سوف يلقاك على النهر تحت ستر الضباب ... واضيئي الشموع في ذلك الكوخ وان كان كله من سراب ... ورغم إدراكه بأن اللقاء محال بعد ذلك، فأنه ينادينا " اتبعيني " ؛ وقد تركت له من الذكريات الساخرة قولها له: " سأهواك حتى تجف الادمع في عيني وتنهار أضلعي الواهية " ، ولكن ذلك حديث الأمس، إذ أن الهوى ما كاد يبرعم حتى دب الملال إلى قلبها ؟أو كذلك خيل إليه - ولذلك فهو يسخر من قولها " أهواك " (1) ؟. :

دب الملال إلى فؤادك مثل أوراق الخريف
أهواك! ماذا تهمسين؟ أتلك حشرجة الحفيف
في دوحة صفراء يقلق ظلها روح الشتاء!!
لا تنظري! في مقلتيك سحابتان من الجليد؟

ثم هو يسخر مرة أخرى من هذا الذي قالته، في قصيدته " نهاية " (2) :

اضيئي لغيري فكل الدروب سواء على المقلة الشباردة
سأمضي إلى مجهل؟؟..
ثم يأخذ في تقطيع جملتها بنغمة تقطر بالألم والسخرية معا:

سأهواك حتى ؟.. نداء بعيد
تلاشت على قهقهات الزمان
بقايا، في ظلمة، في مكان،
وظل الصدى في خيالي يعيد
سأهواك حتى سأهوا ؟نواح

(1) أساطير: 58 (تاريخ 3/5/48).
(2) أساطير: 59 (تاريخ 26/5/48).

(1/117)

كما أعولت في الظلام الرياح
سأهواك حتى؟. س؟يا للصدى
أصيخي إلى الساعة النائية
سأهواك حتى؟ بقايا رنين
تحدين حتى الغدا؟!
سأهواك؟ ما اكذب العاشقين
سأهوا؟. نعم تصدقين!!!

وفي هذه القصيدة يتدحرج من قمة السلم الذي ارتقى درجاته نحو الأمل والحب إلى الهوة المريحة؟ إلى الموت. لقد ابتلع النهر الفتى (النهر هذه المرة لا البحر) وأخذ أبوه يجري هنا وهناك يسأل عنه المياه، ويصرخ في وجه النهر داعيا فتاه؟ وفي يده مصباح يرتعش ورعشاته ترسم هاتين الكلمتين: " محال يراه " ، وفي أثناء هذا البحث الملتاع أطلت من الماء صورتها تقول للوالد المفجوع؟ " لا لن تراه " ؛ هكذا يضطرب هذا الشريط اضطرابا شبيها بذبذبة المصباح المرتعش، وكأن الشاعر ما وجد المنتظرة إلا ليفقدها، فلو حاسبناه بحسب تسلسل قصائده لوجدنا ان حلاوة الوجدان لم تدم إلا أياما، ثم كانت آلام الفقد هي التي ترسم حروف هذا الشعر باللهيب والأنفاس المحترقة، ثم خلق الفقد معنى الملال بل معنى التغير والتلفت والخيانة والانطلاق إلى حبيب آخر.

وحين حمل الورقة التي جاهد في سبيل الحصول عليها خمس سنوات عائدا إلى قريته، كان يحمل معها أشلاء نفس هاوية، لا غذاء لها إلا الحسرة على ما كان؛ ليس الريف هو ذلك الريف الذي احبه، إنما هو خواء مقفر وخريف اصفر، يستيقظ الموتى فيه ليلا يتساءلون متى النشور؟ والردى يصيح في ضلوعه ليسمع التراب الذي كان " أمه "

(1/118)

ذات يوم، ويقول لها (1) :

غدا
سوف يأتي فلا تقلقي بالنحيب
عالم الموت حيث السكون الرهيب.

وإذا سمع أغنية في المقهى ثار به المجد وتساءل:

لم يسقط ظل القدر
بين القلبين؟ لم انتزع الزمن القاسي
من بين يدي وأنفاسي
يمناك؟ وكيف تركتك تبتعدين، كما
تترشى الغنوة في سمعي، نغما نغما!
وبهذه النفس الممزقة غادر الريف الجنوبي حين عين مدرسا في مدرسة الرمادي الثانوية، وتلك قصة أخرى، لم يحن حينها بعد.

تلك هي قصة هذا الحب كما يرويها الشعر، أما حظها من الواقعية فأمر محفوف بعلامات استفهام، ولكن مهما يكن حظها من الخيال، فأنها كانت ؟بعد الهوى الأول - أعمق العلاقات أثرا في نفس بدر، في حالتي الرجاء واليأس على التوالي، ولهذا خلدها في ديوان كامل هو ديوان " أساطير " وكانت آخر علاقة عاطفية قوية في حياته قبل الزواج.

وحين استيقظت ذكريات بدر بعد أعوام ؟وهو في الصحوة التي تسبق الموت - كانت " الشاعرة " هي الأخيرة ؟قبل الزوجة - في سلسلة اللواتي احبهن (2) :

وتلك؟ وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها

(1) أساطير: 68.
(2) شناشيل: 61 - 62.

(1/119)

شربت الشعر من احداقها ونعست في افياء
تنشرها قصائدها علي، فكل ماضيها
وكل شبابها كان انتظارا لي علي شط يهوم فوقه القمر
وتنعس في حماه الطير رش نعاسها المطر
فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسة
تؤج النور مرتعشا قوادمها، وتخفق في خوافيها
ظلال الليل. أين أصيلنا الصيفي في جيكور
وسار بنا يوسوس زورق في مائه البلور
وأقرأ وهي تصغي والربى والنخل والأعناب تحلم في دواليها
تفرقت الدروب بنا تسير لغير ما رجعه
وغيبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعه
فتذكرني وتبكي، غير أني لست ابكيها
كفرت بأمة الصحراء؟..

ويذكرها في قصيدة أخرى ؟وهو مريض بلندن - فيقول (1) :

ذكرت الطلعة السمراء
ذكرت يديك ترتجفان من فوق ومن برد
تنز به صحارى للفراق تسوطها الأنواء
ذكرت شحوب وجهك حين زمر بوق سيارة
ليؤذن بالوداع؛ ذكرت لذع الدمع في خدي
ورعشة خافقي وانين روحي يملأ الحارة
بأصداء المقابر، والدجى ثلج وأمطار.
وهنا وهناك تتأثر في هذه القصائد الأولى والأخيرة حقائق واقعية كبعض الصفات الحسية من طلعة سمراء وشعر اسود مسترسل، وزيارة

(1) منزل الاقنان: 71.

(1/120)

قامت بها " الشاعرة " إلى قرية السياب وركبت وإياه في زورق، ولهذا كانت صورة الشراع في ديوان " أساطير " هي احب الصور إلى نفسه.ولا ريب في أن بدرا صادق حين يقول: " واقرأ وهي تصغي " ، صادق فيما يذكره عن حديث السجن، ومن قبل ذلك كان يحدد عنصرا واقعيا هاما حين قال في ديوان " أساطير " : " وقف اختلافهما في الدين حائلا بينهما وبين السعادة " ؛ على انه بالغ حد السذاجة ؟وهو يحاول ان يؤكد واقعية ذلك الحب - في مقدمة الديوان: " وهناك شيء من الغموض في بعض القصائد ولكنني لست شاعرا رمزيا، وقد كنت مدفوعا إلى أن أغشي بعض قصائدي بضباب خفيف وذلك لانني كنت متكتما لا أريد ان يعرف الناس كل شيء عن حبي الذي كانت كل قصائد هذا الديوان صدى له، فقد كانت " موحية " هذا الديوان تغضب اشد الغضب إذا ذكرت شيئا عن قبلاتنا ومواعييدها، وكثيرا ما مزقت بعض القصائد التي كانت تشير إلى شيء تأبى هي ان يعرفه الناس، وقصيدة " أساطير " تكشف عن " العقدة " في هذا الحب ولكنها توحشت ببعض الغموض الذي تزيله المقدمة النثرية لهذه القصيدة (1) ، وكذلك الحال في قصيدة " اللقاء الأخير " ولولا أنها خانت هذا الذي كانت تسميه " النبي الوديع " لظلت هاتان القصيدتان غامضتين دون مقدمة يفهم منها القارئ ما اقصد " (2).

وان من السذاجة التي تشبه سذاجة بدر أن نتسائل عن مدى صدق تلك العلاقة، فالقلوب كوى مغلقة مظلمة حافلة بالأسرار مفعمة بالعجائب، ولكن بعض الناس يعتقدون ان الهوى يعمي ويصم، وانهم من موقف الخلي يستطيعون ان يروا ما لا يراه الشجي، (وويل للثاني من الأول) إذ لا تنسدل فوق أبصارهم غشاوة من شهوة أو هوى؛

(1) يعني إشارته إلى الاختلاف في الدين.
(2) أساطير: 7.

(1/121)

ولهذا زجر خالد صديقه ؟كما المحنا من قبل - لعله يرعوي عن الاسترسال في هواه ذات مرة لأنه فيه مخايل كاذبة؛ وقال مصطفى وهو يتشبث جاهدا بأهداب الموضوعية ليكون عادلا في حكمه عند الحديث عن حب بدر للشاعرة: " عاش أخي في قرية تنظر إلى المرأة نظرة محافظة، ولما هبط بغداد، لعله ؟أقول لعله - ظن الابتسامة تعني حبا؟. انني لا ادعي العلم بالمغيبات وأسرار الصدور، ولكن شواهد الحال كانت تقنعني انها تجامله أو أن شئت فقل: تعطف عليه " .

وقبل ان ينسدل الستار على هذه القصة كانت تجربة لقاء المنتظرة ؟ثم فقدها في سرعة - سبب خروج المرأة الواقعية من عالم بدر؛ لا اعني انه لم يعرف المرأة من بعد ؟عن طريق الحب قصيرا كان مداه أم طويلا - بل انه اصبح كلما خفق قلبه لطلعه جديدة هرب من بوادر الحب إلى فكرته الجميلة عن منتظرة تملأ الكوخ عند الروابي سعادة وهناءة، وأحيانا كان يتوهم ان هذه هي المنشودة ثم لا يلبث أن يدرك أنها ليست هي التي ينشدها. وقد لخص بدر هذا الصراع الطويل بينه وبين أحلامه بصراحة تامة فقال: " وكان عمري انتظارا للمرأة المنشودة وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة، وكنت اشعر أنني لن أعيش طويلا؟.. " (1) . ولكن الذي لم يقله بدر هنا هو ان هذا البحث عن المنشودة كان يحمل في ذاته عوامل الهرب منها ولهذا كان يسرع إلى تكذيب رائد قلبه أو يتعلل بتهمة التقلب والخيانة، وهو مشدود إلى وجه " الام " الذي يطل عليه متوعدا من تحت الثرى.

(1) أساطير: 8.

(1/122)

- 10 -

المعلم المفصول

بعد خمس سنوات دراسية نال بدر شهادة ب.ع. في اللغة الإنكليزية والأدب الإنكليزي من دار المعلمين العالية (لا تنس لفظة " العالية " فأننا سنحتاج إليها في المستقبل)، ويلخص بدر حصيلة ما درسه في القسم الإنكليزي بقوله: " فدرست شكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرومانتيكيين وفي سنتي الأخيرتين في دار المعلمين العالية تعرفت ؟لأول مرة - بالشاعر الإنكليزي ت.س. اليوت، وكان إعجابي بالشاعر الإنكليزي جون كيتس لا يقل عن إعجابي باليوت " (1).

لم اطلع على برنامج القسم الإنكليزي في دار المعلمين العالية، وعن عمد فعلت ذلك، لقلة احتفالي بما تمثله البرامج المكتوبة من فكرة إحصائية، فبين الجانب النظري والعلمي منها كثيرا ما يتسع البون. خذ عام الوثبة مثلا، وقل لي كم استطاع الطلاب أن يستوعبوا عمليا من البرنامج المكتوب؟ هذا شيء؛ وثمة شيء آخر، هو تفاوت الطلاب أنفسهم في القدرة على الاستيعاب؛ ولا ريب في ان بدرا كان ذا إحساس خاص نحو الأدب الجميل، ولذلك كانت قابليته لهضم ما يدرس أو يحفز التطلع إلى مزيد قابلية متفتحة إيجابية، ولكن ألا

(1) أضواء: 19.

(1/123)

يحق للمرء أن يتساءل كم كان نشاطه الحزبي يستغرق من وقته، وكم من الوقت كان يتبقى لديه لإشباع نهمته إلى الأدب؛ ثم لا بد ان يكون المستوى الذي يبلغه المتخصص في الأدب الإنكليزي محدودا بما تستطيع ان تيسره له دار المعلمين العالية حينئذ ولذلك يستطيع القارئ ان يسأل نفسه: ما معنى " درست شيكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرومانتيكيين " ؟ كم درس من شيكسبير، وماذا عرف من ملتون، وما مدى إلمامه بالفكتوريين ولم تجيء " ثم الرومانتيكيين " هكذا ضاربة وجه التأريخ الزمني بقوة؟ وليست هذه الأسئلة للتشكيك في معرفة بدر واطلاعه، ولكن ثقافة الشاعر أمر هام في تحديد المؤثرات التي تلقاها؛ ولو كنا نملك ان نحدد كل قصيدة قرأها، وكل كتاب درسه، لأفادنا هذا كثيرا في استبانة جوانب كثيرة من شعره، إلا أننا رغم ذلك سنشير إلى هذه المؤثرات حيث نجدها، حين نستطيع الكشف عنها،ويكفينا في هذا المقام ان نقول ان دراسته للأدب الإنكليزي ؟على تبعثر أجزائها وسرعتها وضعف مستواها - قد فتحت له نافذة يتطلع منها إلى غير الأدب العربي، اعني إلى الأدب الإنكليزي والآداب الأخرى المترجمة إلى الإنكليزية.

وكفلت له شهادته وطيفة معلم للغة الإنكليزية، فعين في مدرسة الرمادي الثانوية فانتقل إلى الرمادي وسكن في " احسن فندق بالبلدة " (1) . وبدأ نشاطه التدريسي (1948 - 1949)، ويقول بعض العارفين انه " كان له تأثيره الفعال على الطلاب لأنه كان يتحسس قضاياهم وكانوا هم يأنسون إليه وينصرفون بعد الصف إلى سماع شعره " (2) . أما هو فيقول شيئا آخر: " كان المفروض إنني مدرس للغة الإنكليزية ولكن الحق أني كنت اقضي اكثر من نصف مدة الدرس في

(1) الحرية، العدد: 1466.
(2) أضواء: 14.

(1/124)

التحدث إلى الطلاب عن الشيوعية؟. ورحت اشرح لهم مبادئ المادية الديالكتيكية وسواها من الأفكار الشيوعية، وكانت جميلة جذابة، فالشيوعية كما شرحتها ليست الذبح والحرق والنهب والقتل؟ الخ " . (1) وإذا لم يكن بين القولين من تناقض فانهما يتفقان في شيء من التعميم، فإذا عرفنا أن الفترة التي قضاها السياب في التعليم لا تتجاوز ثلاثة أشهر ونصف الشهر، أدركنا أنه لم يكد يثبت قدميه في هذا المجال حتى انتزعتا منه، قبل ان يكون له " الأثر الفعال في الطلاب " ، وقبل أن يجد الفرصة الكافية ليتحسس قضاياهم. وأما قول السياب: " ورحت أشرح لهم مبادئ المادية الديالكتيكية وسواها من الأفكار الشيوعية " ، فأنه قول موهم. نعم ان الطلاب في تلك السن يحسنون الإصغاء والتلقي، والانبهار بكل جديد مستطرف، ولكن يجب الا يخجل القارئ من ان يسأل: ما مدى ما كان يحسنه السياب من ثقافة شيوعية، لا المقدار الذي يكفي الطلاب وحسب، بل القدر الذي يجب أن يعرفه مفكر ؟لا شخص عادي - ينتمي إلى حزب ما. ان شواهد الحال المستمدة مما نثره السياب في مذكراته تدل على ان مفهوماته عامة في هذا الصدد، كانت خليطا مشوشا مما يقرؤه في " القاعدة " أو في نشرات الحزب، بل وفي الأدب المضاد للاتجاه الشيوعي، والمروجات العامة عما تعنيه الشيوعية؛ وهذا يؤدي بنا إلى القول بأن السياب كان مصابا بنوع من " التنفج " إذا تحدث عن الثقافة، أية ثقافة، فهو إذا افتخر على بعض رفاقه العمال قال: " أنني قد قرأت معظم ما كتبه شكسبير في لغة الأصلية " ؟ " ان الأدب هو (شغلتي) وقد تخصصت بالأدب الإنكليزي في دار المعلمين العالية " (2) ، وأظن ان المتخصصين في الأدب الإنكليزي من غير دار المعلمين لا يقولون انهم قرأوا " معظم " شيكسبير

(1) الحرية، العدد: 1466.
(2) جريدة الحرية، من مقال بعنوان " أخلاق الشيوعيين " .

(1/125)

في لغته الأصلية، لا لأن هذا عمل معجز، بل لأن هذا التوفر على شيكسبير يعني " الانقطاع " لدراسته والتخصص فيه لا في الأدب الإنكليزي عامة، حتى يكون لقراءته معنى غير معنى التسلية. ومن هذا القبيل حديثه عن " مكتبته التي كانت عامرة ذات يوم بمختلف الكتب الشيوعية من أدبية وسواها " (1) ؛ وقد طلبت إلى مصطفى أن يحدثني عن الجو الثقافي الذي كان يحيط ببدر في البيت، قبل الزواج وبعده، وإنما عمدت إلى هذا ليكون حديثه اخباريا وصفيا، دون أن أذكر له شيئا عما زعمه بدر، فإن ذكره على هذا النحو قد يثير فيه روح النقض بعد أن حدث بين الأخوين من التباين في الرأي ما حدث - فقال: " كانت اكثر قراءاته في الشعر، كان يكثر قراءة ت.س. اليوت، وشيكسبير، وكانت لديه مكتبة بسيطة؟ " ، ولست أجد سببا للطعن في رواية مصطفى، لأنها كانت عفوية نابعة من الاسترسال في الخبر غير مدفوعة بروح النقض أو التحدي.

ولم يكن للحزب الشيوعي في الرمادي من اتباع ولذلك كان بدر وزميل له في التدريس تخرج وإياه في دار المعلمين، وطبيب غير عراقي، هم كل من يمثل الاتجاه الشيوعي فيها حينئذ، وسرعان ما أخذ أهل البلد يتحدثون فيما بينهم بأمر بينهم بأمر الأستاذين الشيوعيين، والشابان غير ملقيين بالا لما يقال عنهما، مندفعين في سبيل إقناع الطلبة باعتناق المبدأ الذي يبشران به (2) .

وحين رأت الحكومة أن الذكرى الأولى للوثبة (27 كانون الثاني 1949) قد أصبحت وشيكة، لجأت إلى حيلة تتفادى بها ما قد يقوم به الطلبة من عنف أو اضطراب، فأوعزت إلى وزارة المعارف أن تمنح

(1) الحرية، العدد: 1469.
(2) الحرية، العدد: 1466.

(1/126)

المدارس عطلة ربيعية مبكرة، بحيث تحل الذكرى والطلاب بمنأى عن التجمهر، وقد آب كل منهم إلى بلده؛ وهكذا كان، فحزم بدر أمتعته عائدا إلى قريته، وبينما كان في محطة القطار سمع الناس يتهامسون بأن وزارة المعارف قد فصلته من وظيفته، وحسب ذلك شائعة تتردد على الأفواه لأنه لم يبلغ بشيء من ذلك.

وما كاد يصل القرية حتى أنبأه أبوه بأن الشرطة جاءت تسأل عنه، وربما كانت لها عودة، فليحتط للأمر، وليحاول الاختفاء إن قدر على ذلك، غير أنه اطمأن إلى الجو الماطر، وحسب أن الشرطة لن تتجشم البحث عنه مخترقة الأزقة القروية الموحلة، إلا أنه فوجئ بهم في اليوم التالي يطرقون عليه الباب، وقادوه معهم إلى المخفر موقوفا، فقضى يوما في أحد سجون البصرة ونقل من ثم إلى بغداد، وإلى موقف الكرخ بالذات، حيث وجد كثيرا من الرفاق ومن أعضاء حزب الشعب ومن أعضاء حزب البارتي الكردي (1).

كانت الحكومة العراقية عام 1948 قد أعادت محاكمة " فهد " ورفاقه موجهة إليهم تهمتين: اولاهما أنهم ظلوا يوجهون الحركة الشيوعية من داخل السجن، والثانية أنهم تبعا لذلك مسئولون عن أحداث الوثبة في كانون. وفي شهر شباط (فبراير) 1949 نفذ حكم الإعدام في كل من فهد والشبيبي وزكي بسيم ويهودا صديق، وبينما كان بدر والرفاق من حزب فهد يقضون ايام التوقيف ولياليه في الأناشيد والأغاني وممارسة الألعاب ومطارحة النكت، بلغهم النبأ ذات يوم بأن قادتهم سيشنقون غدا (ولم يذكروا يهودا صديق بين من سيلحقهم الإعدام لأنه كان قد خان مبادئ الحزب في نظرهم) فسيطر عليهم الوجوم؛ لم يبك بدر رغم أنه حاول البكاء فاستعصت عليه الدموع؛ كان البكاء حينئذ يعني أنه

(1) الحرية، العدد: 1471.

(1/127)

جاوز مرحلة الصدمة إلى مرحلة التأمل فيها والحسرة بسببها، وكان ؟وهو الشيوعي المخلص يومئذ - لا يصدق أن حكم الإعدام سينفذ حقا، لأن الجماهير الغاضبة لن تتخلى عن قادتها، وإنما ستهاجم السجن وتحطم أبوابه وتطلق سراح المعتقلين، وتفوت على الحكومة الرجعية مآربها.

وفيما هو غارق في هذا البحران الذي يمثل حمأة من اليأس المتفائل سمع في إحدى جهات المعتقل أصوات غناء ورقص وتصفيق، ولما استوضح حقيقة الأمر عرف أن أعضاء حزب الشعب كانوا يعبرون بذلك عن شماتتهم بفهد ورفاقه: " كانت صفاقة منهم ما بعدها صفاقة، فسبحان مغير الأحوال، لقد أصبح قادة حزب الشعب (الانتهازيون، الجواسيس، العملاء، كما كنا نسميهم ؟نحن الشيوعيين - آنذاك) هم قادة حزب الرفيق الخالد فهد الذي ما زال الحزب الشيوعي العراقي يعتز به، فصورته ؟مكبرة - معلقة في إدارة جريدة اتحاد الشعب؟ " (1).

أصيب الحزب الشيوعي بانتكاسة شديدة اثر إعدام قادته في شباط، وفي حزيران من نفس العام أعدم ساسون دلال، وفيما بين التاريخين، أخذت الدولة تعتقل كل من كشف عنه شهادة مالك سيف؛ وعاد بدر إلى قريته بعد أن قضى في الموقف حوالي ثلاثة أشهر، فاقدا وظيفته، فوجد يد الحكومة قد امتدت إلى قريته أيضا، فاعتقل عمه عبد المجيد ؟معتمد الحزب الشيوعي في ابي الخصيب - ثم حكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات، ثم سيق بدر بعد فترة قصيرة إلى المجلس العرفي ببغداد، وقد حكم عليه بالربط بكفالة شخص ضامن، مقدارها خمسة آلاف دينار، وكان الضامن هو والده؛ وعاد مرة

(1) الحرية، العدد السابق.

(1/128)

أخرى إلى القرية، ليجد أن أخاه مصطفى هو الذي يتولى القيام بأمر الحزب بدلا من العم السجين، ولكن دراسة مصطفى بمدرسة البصرة كانت تحتم عليه الابتعاد عن القرية، فلم يكن تحضر إليها إلا مرة في الأسبوع؛ وهكذا أصبح بدر هو المنظم الفعلي للشئون الحزبية.

تلك فترة حرجة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي كانت تنذر بتصدعه تماما، ولم تكن الروابط العقائدية والحماسة النظرية كافية للم الشمل والحفاظ على تماسك الحزب، وخاصة لمن مثل بدر يعمل في منطقة من الريفيين البسطاء الذين لا يدركون شيئا من المادية الديالكتيكية والصراع الطبقي وحتمية التاريخ؛ وكانت الوطأة التي صبتها الدولة على الحزب لحل روابطه وتفكيك عراه قادرة على أن تخفيف أولئك البسطاء وتجعلهم يفصمون علاقتهم به، ولهذا كانت أية وسيلة تسوغ الغاية، والغاية في هذا المقام هي الاحتفاظ بكل عضو منتسب والحيلولة دون انفصاله، ولم يتردد بدر نفسه في التهاج هذه المكيافلية، فأخذ يجزل الوعود ويبذلها دون حساب للفلاحين، ورسم بمعاونة بعض الحزبيين الكبار خريطة لبساتين البلدة، وعين لكل فلاح حصة فيها، وأخذ يدور بهذه الخريطة على الفلاحين، فاقتنوا لسذاجتهم وطيبة قلوبهم بتلك الوعود (1) ؛ أقول: إن بدرا نفسه يعترف بأنه لم يستنكف من انتهاج هذا الأسلوب المكيافلي، وهو مدرك تمام الإدراك أنه قائم على الزيف والكذب، مقدما على ذلك لحراجة الظروف التي يمر بها تنظيمه الحزبي، وفي التنظيمات الحزبية أشياء كثيرة من هذا القبيل، حيث يضحى ببعض القيم العقائدية تحت وطأة ظروف واقعية، لا تقبل الانصياع لمنطق تلك القيم.

وهبط القرية ذات يوم " رفيق " من أعضاء اللجنة المركزية للحزب

(1) الحرية، العدد: 1472.

(1/129)

ينوي السفر إلى إيران، وهو يحمل مالا وعناوين ورسائل ومنشورات حزبية، فقام بدر مع رفاقه الآخرين باستقباله ةتهيئة الوسائل الكفيلة بإبلاغه آمنا إلى هدفه، يقول بدر: " وعلمته ثلاث طرق لإخفاء الرسائل الحزبية التي تكون صغيرة الحجم عادة: في قفل شنطته بعد أن يخرج محتوياتها أو أن يلفها حول ثدي قلمه (طلمبته) " (1) ؟ونسي بدر الطريقة الثالثة - ولكن الرجل كان قليل الخبرة هيابا، فلما فأجأه شرطي الحدود قدم له رشوة ضخمة ورقة فئة العشرة دنانير - فارتاب الشرطي في أمره وقدر أن يكون يهوديا هاربا من العراق، فلما مثل أمام التحقيقات الجنائية، اندلثت الاعترافات من فمه طيعة غير منكبحة، وأدت فيها أدات إلى اعتقال مصطفى السياب فوقع الاختيار على عبد اللطيف ناصر (الذي كان يحلو له أن يلقبه الناس لتفينوف) منظما للحزب في أبي الخصيب، وربما كان الاحتقار الشديد الذي يكنه بدر للتفينوف (2) هذا من الأسباب القوية التي جعلته يتشكك في قيمة الانتماء إلى الحزب، ولكن الأمر لم يتخذ كل هذا العمق في نفسه لأنه نأى مؤقتا عن ما يصله بلتفينوف وتصرفاته حين وجد لنفسه عملا في شركة نفط البصرة (3) .

وكان بدر في وظيفته الجديدة ينتمي إلى فئة الكتبة في الشركة لا إلى العمال، وكان من السهل على سلام عادل مسؤول اللجنة المحلية في البصرة أن يعرف موضعه وأن ينده بصحيفة " القاعدة " وغيرها من منشورات الحزب، ويتخذ منه عضوا نشيطا في العمل والحركة، ولكن التنظيم العمالي كان بسبب قوته العددية وقدرته على إيجاد الأسباب

(1) الحرية، العدد السابق.
(2) يقول عنه في العدد ذ441 " فلاح من ذوي قرباي سخيف غاية السخف جاهل غاية الجهل وان كان يدعي العلم والمعرفة " .
(3) الحرية، العدد: 1477.

(1/130)

التي تسوغ الشكوى من سياسة الشركة أسرع إلى تنفيذ أوامر الحزب بالأضراب، ولم يكن كتاب الشركة عمالا بالمعنى الدقيق، ولهذا فانهم لم يتقيدوا بتلك الدعوة، مما أثار غضب العمال، فانهالوا في الصباح على أحد الكتاب وهو ذاهب إلى عمله ضربا وركلا، وفيما كان بدر وبعض الكتبة يقتربون من موقع الحادثة، عرفوا الخبر، فقرروا ؟ من باب طلب السلامة - أن يشاركوا العمال إضرابهم. وفي ذلك اليوم اجتمع الكتبة في حديقة أم البروم، واندفع بدر يخطب في رفاقه الكتبة ويحثهم على عدم التخلي عن إخوانهم، في هذا الموقف، فاستجابوا لكلمته، واختيرت لجنة لتنفيذ الإضراب كان هو أحد أعضائها. وقد استمر الإضراب مدة غير قليلة تعرض فيها العمال صابرين لضيق ذات اليد، فرأت فئة الكتبة أن تنقذ الموقف بالوساطة بين الشركة والعمال، وألمحوا إلى الشركة من طرف خفي أن العمال قد يقومون بأعمال عنيفة وربما عمدوا إلى حرق المخازن والخزانات، فواقف المسئولون فيها على تلبية مطالب العمال، وعد بدر ورفاقه هذا نصرا عظيما إذ كانوا يعلمون أن الإضراب سائر إلى الإخفاق، وأن كثيرا من العمال كانوا قد قرروا استئناف العمل لما بلغته حالهم من سوء (1).

ان عمل السياب في شركة نفط البصرة، يطوي من صفحات حياته اكثر عام 1949 وجانبا من العام التالي، وليس لدي ما يعينني على القطع اليقيني بسبب عودته إلى بغداد: هل فصل أو اختار العودة إلى الحياة الادبية؟ والامر الأول أقرب إلى طبيعة الأوضاع، إذ من المستبعد ان يكون نشاطه الحزبي قد ظل خافيا على الشركة، وهكذا وجد نفسه عاطلا عن العمل، فعاد إلى بغداد يبحث عن الرزق والشهرة الأدبية معا. وفي عام 1950 اصدر ديوانه الثاني " أساطير " .

(1) الحرية، العدد: 1477.

(1/131)

- 11 -

أساطير

ديوان " أساطير " مقصور على نتاج السنة الأخيرة التي قضاها السياب في دار المعلمين (1947 - 1948)، لا يتعداها إلا إلى الأشهر القليلة التي عاشها مدرسا في الرمادي، فهو ؟باستثناء ثلاث قصائد يستشرف فيها المنتظرة - يمثل اهتداءه إليها ثم فقده لها وانفعالاته التي عصف بنفسه، على صور مختلفة، في أثر ذلك الفقد؛ ولا يشذ عن ذلك إلا القصيدتان الأخيرتان في الديوان، أعني " خطاب إلى يزيد " و " إلى حسناء القصر " وهما دون تاريخ. ورغم ان اتجاهه العام في الديوان ما يزال يعبر عن اختلاجه في سكرة الرومنطيقية، فان الديوان يصلح أن يتخذ جسرا واصلا بين الطرفين، إذ تبدو فيه الازدواجية على عدة أشكال.

وأول صور الازدواجية هو ما تفرضه الرومنطقية من نزاع بين قوة الحب وقوة الموت، ولهذا ما يكاد الشاعر يتحدث في قصائده عن روعة الحب أو عن ألم الفقد حتى ليرجف فرقا من الموت الرهيب؛ وهو بين هاتين القوتين يحاول أن يجد رجاءه في الخلاص منهما معا، ولهذا فرضت عليه هذه الازدواجية أن يستخدم صورا مزدوجة أيضا فإذا تحدث عن الهرب من الحب وقال " سأمضي " أحس بأنه واقف لا يستطيع حراكا:

(1/132)

- اني لغيرك؟. بيد أنك سوف تبقى، لن تسير
قدماك سمرتا فما تتحركان، ومقلتاك
لا تبصران سوى طريقي أيها العبد الأسير.
- أنا سوف أمضي فاتركيني؟.
- أنا سوف أمضي، فارتخت عني يداها، والظلام
يطغى
ولكني وقفت، وملء عيني الدموع.

وإذا استراح إلى " النافذة المضاءة " ؟وهي منفذ من الرجاء للمواقف المترقب - أحس أن الظلام قد أخذ يطغى على نفسه حتى حجب عن عينيه تلك النافذة؛ وإذا خفق قلبه " للشراع " ؟وهو يرمز إلى قصة المنتظرة من أولها إلى آخرها - وجد هذا الشراع " يذوب " - أي يتوارى وينطفئ رويدا:

شراع خلال التحايا يذوب

؟..

وشراع يتوارى

؟؟؟

ضوأ الشطآن مصباح كئيب في سفينة
واختفى في ظلمة الليل قليلا قليلا.

ولذلك كانت الصور الكبرى المسيطرة على قصائد الديوان هي صورة الإنسان السائر الواقف، والشراع القادم المتواري، والنافذة المضاءة المظلمة؛ وكان كل شيء يذوب: الشراع يذوب، والنعم يذوب، والشتاء يذوب، والغيمة تنحل، والأرجل التي تهم بالمشي تذوب، والأفق يذوب، والمصابيح تذوب، وهذا الذوبان يدل على الاستحالة وعلى التلاشي معا، ويعود فيجمع طرفي الازدواجية الرومنطقية في نطاق.

(1/133)

ومن صور الازدواج في ديوان اجتماع الشكلين القديم والحديث فيه، فبعض قصائده (ما عدا خطاب إلى يزيد) هي من المثلثات أو المربعات؟ الخ: أي تتحد القافية فيها في دورات تتكون الدورة فيها من ثلاثة أبيات أو أربعة أو أكثر؛ وبعضها الآخر يعتمد مبدأ التفاوت في عدد التفعيلات، ولكن الشاعر رغم اعتماده للشكل الجديد، فلما يغفل القافية في هذا اللون من الشعر، مما يكسب قصائده الجديدة اتساقا داخليا في النغم، كما انه قلما يقطع معنى ويستأنف آخر في الشطر الواحد (وهو أمر سيكثر منه في المستقبل)، ومعنى هذا أن ابتعاده عن الشكل القديم لا يزال يتم في تهيب وحذر، ولذلك فأنه يعوض عدم التساوي في الأشطار بتنغيم مقصود، من الترديد المعتمد وغيره، فلا يحس القارئ بأن الشاعر ابتعد كثيرا عن شكل الدورة الثلاثية أو الرباعية.

وقد تحدث الشاعر في مقدمة ديوانه عن هذا اللون الجديد ؟حينئذ - من الشعر، فرد إقدامه عليه إلى تأثره بالشعر الإنكليزي الذي يعتمد " الضربة " أساسا فقال: " وقد رأيت أن من الإمكان أن تحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة ؟رغم اختلاف موسيقى الأبيات - وذلك باستعمال الأبحر ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت إلى آخر، وأول تجربة لي من هذا القبيل كانت في قصيدة (هل كان حبا) من ديواني الاول (أزهار ذابلة)؛ وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولا عند كثير من شعرائنا الشباب، اذكر منهم الشاعرة المبدعة الآنسة نازك الملائكة " (1).

وهذا الإطراء للشاعرة نازك يخفي في طياته دعوة إلى تنازلها للسياب عن السبق إلى ابتداع هذا الشكل الجديد؛ وذكر الشاعر

(1) أساطير: 6.

(1/134)

لقصيدته (هل كان حبا) ؟وهي مما نظمه في عام 1946 أي قبل أن تنشر نازك ديوانها " شظايا ورماد " سنة 1949 - يؤكد غايته هذه التي ظل يدافع عنها كلما أثير الحديث عن أولية هذا اللون من الشعر. ولكن هنا وهما لا بد من تجليته: ذلك أن للسياب قصيدة واحدة نظمها قبل عام 1948 يزعم فيها انه اهتدى إلى شكل جديد، ولكتها قصيدة لم تنشق عن الشكل القديم إلا انشقاقا جزئيا طفيفا، لا يوحي لأحد من الناس بالجدة، بينما أصدرت نازك (عام 1949) ديوانا يجري أكثره على هذا الشكل الجديد، وفيه محاولات عامدة لابتكارات وتنويعات في داخل هذا الشكل نفسه، وفيه مقدمة نقدية دقيقة تدل على وعي بأبعاد طريقة جديدة، بينما تمثل مقدمة السياب لديوانه " أساطير " (1950) خلطا صبيانيا وسطحية في الفهم للشعر الإنكليزي. وليست نازك أقل ثقافة واطلاعا على الشعر الأجنبي من السياب، فمن الغرور أن يزعم السياب لنفسه أنه هو الذي أوجد طرية حاكاه فيها الآخرون. وقطع القول أن الشعراء الشبان في الشبان في العراق كانوا يتململون سأما من الشكل القديم، وأن السياب عثر عفوا على قالب صب قصيدته " هل كان حبا " ، وأن نازك وضعت مخططا عامدا للخروج بالقصيدة إلى شكل جديد، وأن كلا منهما كان يعمل مستقلا عن الآخر، متأثرا ببعض أشكال الشعر الأجنبي. وقد شاع " شظايا ورماد " اكثر من شيوع " أساطير " ، دون أن يكون ذلك راجعا إلى أيثار الناس للجودة أو الجدة، وإنما لمحض التفاوت في القدرة على التوزيع لدى موزعي الكتب، وهذا يعني أنه كان أسرع إلى التأثير في نفوس القراء ؟سالبا كان ذلك الأثر أو موجبا - ، وأن السياب نفسه لم يكثر من النظم على الطريقة الجديدة إلا بعد ان تعرف إلى محاولة نازك، واتضحت أمام عينيه أبعادها. بل أزيد فأقول: أن قصيدة السياب " في ليالي الخريف " إنما نسجت على مثال قصيدة " الأفعوان " لنازك. أما أن الشعراء من

(1/135)

بعد أخذوا يحاكون السياب اكثر مما يحاكون نازك الملائكة، فليس سره في الشكل وإنما مرده إلى المضمون، وقد كان مضمون السياب ؟من بعد ديوان " أساطير " - أقرب من ديوان نازك إلى ما يراد من الشعر الحديث أن يحققه. وقد أدرك السياب مؤخرا أن إلحاحه على تقرير الأسبقية لابتكار هذا الشكل لا يحفل بمجد كثير إذ تقرير " الأوائل " من الأمور العسيرة، فقال: " ومهما يكن فان كوني أنا أو نازك أو بالكثير أول من كتب الشعر الحر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم؛ وإنما الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه، ولن يشفع له ؟أن لم يجوز - أنه كان أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية؟. أن الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت وآخر، انه بناء فني جديد، واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وأدب الأبراج العاجية وجمود الكلاسية. كما جاء ليستحق الشعر الخطابي الذي اعتاد السياسيون والاجتماعيون الكتابة به " (1).

إن أدراك السياب أن " الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين واجر " - لا يمثل مرحلة ديوان " أساطير " لأنه ان كل الشكل الجديد قد جاء ليستحق " الميوعة الرومانتيكية " ، فان ذلك الشكل - على جدته - لم يخدم تلك الغاية في ديوان " أساطير " ، وإنما جاء ليخدم الرومانتيكية على نحو جديد، على أن من الانصراف للسياب أن نقول انه من بعد حلول الانعتاق من اكثر ما يمثله هذا الديوان.

ولكن إن كان المضمون أحد مسوغات الثورة في الشكل، فان المضمون الجديد الذي مارسه السياب جزئياً في ديوان أساطير، وكان

(1) العبطة: 37 - 38.

(1/136)

الشكل الجديد ملائما له، معتمد على الصراع الذي يشبه المرض بين العقل الظاهر والواعي الباطن، لا على الصراع بين الإنسان والقيود التي تعيقه عن التقدم في واقع الحياة، فهو صورة فردية للهلاس الناجم عن طغيان الاستبطان الذاتي، وهو حيث نابع من داخل النفس، فيه بعض من اضطراب الحديث النفسي وشيء من تشتت الهواجس، وترديد الذكريات في لوعة ممرورة. ولكن السياب لم يكثر من هذا اللون لان طبيعة القصائد التي تتحمل التعبير به لم تتح له الاسترسال فيه.

غير أن الشاعر كان عندما نظم هذا الديوان يعيش حياة مزدوجة فهو مناضل يشارك في الكفاح من اجل غايات جماعية، وهو منكفئ على نفسه يجتر آلام الحب المخفق، ويتحرم بقدس ذاته، وكلن هذا الازدواج متباعد الطرفين، فلما حاول أن يقرب بينهما في ثنائية يمحي الخط الفاصل بين شطريها سقط سقوطا واضحا، ولذلك كان ازدواج المضمون واضح الافتعال في هذا الديوان: فالشاعر الذي يحلم بالموت ويسمع صوت أمه تناديه يقف ليأسف على أنه سيمضي ويبقى " الطغاة " ؟ولا معنى لذكر الطغاة هنا لأن الشق الأول وهو موت الفرد كان ناجما عن فقدان الملاذ العاطفي، لا عن وجود الطغيان في هذه الحياة (1) :

سوف أمضي وما زال تحت السماء
مستبدون يستنزفون الدماء
سوف أمضي وتبقى عيون الطغاة
تسامد البريق
من جذى كل بيت حريق

(1) أساطير: 69، وقد تكون لفظة " الطغاة " إشارة مواربة إلى " الأب " ، وتكون القطعة جزءا من الثورة عليه، وهي بهذا التفسير نفسه لا تدل على ثورة حقيقية ضد الإقطاع وأصحابه.

(1/137)

والتماع الحراب

في الصحارى ومن أعين الجاعين
وفي مثل هذا الافتعال وقع الشاعر في قصيدة " إلى حسناء القصر " فهو مفتون بهذه الحسناء، مسرف في تصوير مدى هذه الفتنة، وهذا الإحساس الكامن يجعل تهديد الحسناء بزوال مالها وقصرها، وبثورة المضطهدين، وإراقة الدماء في سبيل الحرية ازدواجا مضحكا يفضح نوعا من الصبيانية في فهم النضال، فلو أن هذه الحسناء أشارت له بطرفها لانتهى كل الحقد على القصر وأصحابه من نفسه. والحقيقة أن الشاعر كان ما يزال يؤمن بالاتجاه الذاتي في الشعر لعجزه عن التخلي عنه، ولهذا فهو يقول في مقدمة ديوانه: " وقبل أن أختم هذه المقدمة لا بد من التعرض لمشكلة كثيرا ما ثار حولها الجدل، تلك هي رسالة الفنان في المجتمع: أنا من المؤمنين بأن على الفنان دينا يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه، ولكنني لا أرتضي أن نجعل الفنان ؟وخاصة الشاعر - عبدا لهذه النظرية، والشاعر إذا كان صادقا في التعبير في كل نواحيها، فلا بد من أن يعبر عن آلام المجتمع وآماله دون أن يدفعه أحد إلى هذا، كما أنه من الناحية الأخرى يعبر عن آلامه وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها أحاسيس الأكثرية من أفراد هذا المجتمع " (1).

وتبقى قصيدة " خطاب إلى زيد " شاذة في هذا الديوان: شاذة بشكلها فأنها على طريقة القصيدة الكلاسيكية، شاذة في موضوعها بالنسبة لباقي القصائد، لأنها تتحدث عن الظلم الذي يمثله مصرع الحسين. وأنا اعتقد أنها قصيدة متكلفة وأنها أيضاً لا تمثل روح السياب، الذي كان ؟في بعض اللحظات - يرى في الحجاج بطلا عربيا،

(1) أساطير: 8.

(1/138)

رغم ما قرأه في كتب التاريخ من أخبار (صحيحة أو مكذوبة) عن عسفه ولهذا فأنه اتخذ في قصيدته طريقة التهويل بالفاجعة والتخزن على الضعاف والصغار العطاش، دون أن توحي قصيدته بمعنى البطولة التي يمثلها الحسين في نفسه. واكبر الظن أنه لم ينظم القصيدة ثم لم يدرجها في ديوان يتحدث كله عن الحب إلا إرضاء لصديقه الأستاذ علي الخاقاني الذي تفضل بطباعة الديوان، وهذه خلة في السياب سنصادفها في غير موضع واحد، فقد كان سريعا إلى الترضية، حتى ليتنازل في سبيلها عن كثير مما يحرص عليه، وتلك ناحية استغلت فيه وأسيء استغلالها في بعض الاحيان، وأصابت بشظاياها قواعد بعض قصائده وغاياتها.

وليس من الطبيعي أن نقارن بين هذه القصيدة ؟وهي طريقة وحدها - وبين قصائده المبنية على الدورات، ولكن الشاعر ؟على وجه الإجمال - يضيق ذرعا بالشعر الجزل الجاري على نسق عال من البيان المشرق، وهو قد أتقن الوحدات الدورية اتقانا رفع درجة الانفعال عن طريق الصورة والعبارة، واصبح في حاجة إلى مزيد من التحليل إذ لا يكفي أن تكون دورات القصيدة دائما وعاء لسكب الانفعال، بل لا بد من نقل خلجات النفس على نحو تأملي دقيق، وذلك هو ما أتاحه له الشكل الجديد، فكان انتقاله إلى هذا الشكل خطوة طبيعية. غير أنك لا تزال تلمح بعض إمارات الضعف القديم في الوحدات الدورية، ولجوءا إلى الاضطرار، وعدم تبلور في الصورة، كما في قوله (1) :

الدرب تحرقه النوافذ والنجوم المستسرة ... سكران تدفعه الظلال وتشرب الأوهام خمره ... وهذا النماذج من الضعف تجعل الانحياز إلى الشكل الجديد أمرا ضروريا، لأن هذا الشكل يغنيه عن الاضطرار، وعن الحشو لاستكمال

(1) أساطير: 25.

(1/139)

النغمة الموسيقية، وعن التبدد في الصورة المركبة، وهو يمنحه حرية الاختيار، فيرفض ما لا يلتئم مع السياق العفوي، أو ينبو في موضعه عن نقل التيار النفسي.
غير أن هذا كله قد يبدو حين ندرس بعض نماذج الشكل الجديد محض فرض نظري، ذلك لأن السياب لا يزال يثقل هذا الشكل بما تتطلبه الدورة الشعرية من تنغيم كقوله:

في بقايا ناعسات من سكون
في بقايا من سكون
في سكون.

ولا يزال يسترسل وراء كل طاقة من طاقات الانفعال على حدة دون أن يستطيع ضفر تلك الطاقات في سياق داخلي ينتظم حركة القصيدة ويمتد بأمتدادها، فهو مشتت مضطرب، ويعجز عن أن ينقل اضطرابه على نحو منظم، وهو لا يشبع من إثارة ما في الزوايا وعرضه على الناس مفقدا القصيدة قدرتها على الإيحاء الكلي، في ظمأة المتعطش إلى أن يبوح ويبوح؛ وهو ما يزال أسير عرف شعري، يفرض به على نفسه بسط الجو العام أولاً، ووضع القارئ فيه، لأنه لا يزال يحتفل بالمقدمة التي تهيء نفسية قارئه للتلقي، وهذا قد يجوز، بل يكون ضروريا، أحيانا، ولكن إمعان السياب نفسه فيه يجعله نوعا من " الصناعة " المتكفلة التي يترسمها الشاعر خضوعا لنظرة اطارية تقليدية أو تهيبا من إلقاء الخطوط المعبرة دون مشرع تمهيدي مسطح يفترش أرض القصيدة فيبدو كالمنظر الطبيعي الواقعي من خلف صورة تعبيرية أو رمزية.

وكثيرا ما يكون هذا المشرع التمهيدي تحديدا لطبيعة الزمان والمكان والحركة ؟خارج نفس الشاعر - مثل:

(1/140)

في ليالي الخريف الحزين
حين يطغى عليالحنين

؟؟

في المقهى المزدحم النائي في ذات مساء
وعيون تنظر فيتعب
في الأوجه والأيدي والأرجل واللهب
والساعة تهزا بالصخب.

؟؟.

الكوكب الوسنان يطفئ ناره خلف الظلال
والجدول الهدار يسبره الظلام
إلا وميضا لا يزال
يطفو ويرسب مثل عين لا تنام.
وعلى النقيض من ذلك استغناؤه عن مثل هذه الفواتح، في مثل قوله، مطلع قصيدة:

والتف حولك ساعداي، ومال جيدك في اشتهاء
كالزهرة الوسنى؟.

وأوضح قصائده تمثيلا لهذا المشرع التمهيدي قصيدته " في السوق القديم " التي أوحت بها تلك الفترة القصيرة في الرمادي؛ فهي تنقل إلينا مزايا الشكل الجديد وعيوبه معا ؟في تلك المرحلة - وتتكون القصيدة من أحد عشر مقطعا، وينحصر الموضوع الرئيسي منها في الأربعة المقاطع الأخيرة (8 - 11) حيث يتحدث الشاعر عن من لقيته وتشبثت به توهمه أنها المنتظرة، منذ عام واحد، وأخذت تلح عليه بأنها هي الحبيبة:

أنا من تريد فأين تمضي فيم تضرب في القفار

(1/141)

مثل الشريد؟ أنا الحبيبة كنت منك على انتظار

وتنبأت له بأنه رغم هذا الحب لن يحقق حلم الشباب (بيتا على التل البعيد) وأوضحت له انها تحبه ولكنها لغيره، وحاول أن يتفلت منها (أنا سوف أمضي فاتركيني؟ دعيني أسلك الدرب البعيد، حتى أراها في انتظاري؟ أنا سوف أمضي). ولكنه وقف لا يستطيع حراكا وملء عينيه الدموع.

ولا ريب في أن هذا التفلت كان هربا نفسيا طلبا للراحة من الحب، وقوله " سوف ألقاها هناك عند السراب " هو العودة إلى الماضي الذي أصبح ميئوسا منه، والضمير في " ألقاها " قد يشير إلى الحبيبة القديمة، كما قد يشير إلى الأم، إلى الموت، أو الراحة المطلقة، وإلا فلا معنى للهرب من هذه التي طال انتصارها إلى أن أشرقت، " حتى أتت هي والضياء " . ولكن الشاعر بدلا من ان يجعل هذه النواة الهامة محور القصيدة أورد قبلها سبعة مقاطع فتحدث عن منظر السوق العام في الليل، وكيف أنه يثير الذكريات ويشرع على " نافذة تضاء،:

وارتج في حلق الدخان خيال نافذة تضاء

ثم تحدث عن تناثر الأضواء الضئيلة التي كشفت له عن كوب يحلم بالشراب، وعن المناديل الحياري تخفق كأنها تنذر بالوداع وصوت يغمغم " مات. مات " وعن الشموع المعلقة في السوق، وكيف نقلته رؤيته لها إلى تلك الشموع نفسها وهي تضيء المخدع المجهول، ثم يحدث تلك الشموع أن قلبه كان مثلها خفاقا وكان يحلم والأعوام تمر (شراع في أثر شراع)، يحلم بالصدر والفم والعيون، وكان ينتظر والصيف يحتضن الشتاء، وهو ما يزال واقفا كالمنزل المهجور تعوي في جوانبه الريح:

كالسلم المنهار لا ترقاه في الليل الكئيب

(1/142)

قدم، ولا قدم ستهبطه إذا التمع الصباح

وظل قلبه كذلك " حتى أتت هي والضياء " . ولا ريب في أن استثارة الذكريات أمر طبيعي، والسوق القديم قادرة على ان تبعث هذه الذكريات، إلا أن الشاعر أسرف في نثر الخطوط من حول المنظر، دون تناسب، فالكوب مجتلب في سلسلة الأشياء التي تهمه في الضغط على زر التذكر، والمناديل (مناديل الوداع أو مناديل النائحات) ليست ذات قيمة كبيرة في الصورة، وليس من تناسب بين وقفته عندها ووقفته عند الشموع؛ وليس من ضرورة لسرد الأدوات التي تثير الحلم، فقد طال ذلك الحلم حتى أصبحت اليقظة على الأبواب، وكادت القصيدة أن تتحطم، وكان في مقدور الشاعر أن يستغني عن تعداد مناظر السوق وهو يمشي، وأن يوجز ويثف في سرد تاريخ حبه المخفق، ولكنه عاد وكأنما يتحدث مرة أخرى بالذكريات التي نثرها في قصيدة " أهواء " ذات المنزع التاريخي. ولهذا اضطر أن يوجز ويكثف ؟وحسنا فعل - في قصة المنتظرة المتشبثة ببقائه. أن القصيدة كما ترى ليست خفقة أثارت صورة المنتظرة ثم كان من حديث ومد وجزر بينه وبينها، وإنما هي ثلاث مراحل : منظر السوق وأدواته ؟منظر الشموع وحدها وصلة الشاعر به وسرده لماضيه على مسامعها - منظر اثنين يلتقيان فجأة ويفترقان كذلك رغم التشبث اليائس. والصلة بين هذه الأجزاء الثلاثة نوع من التداعي الحر، وهي صلة واهية، لأنها يمكن أن تظل تثير عناصر جديدة إلى مالا نهاية. لهذا فان الشكل الجديد يجب ألا يخدعها بجدته عما تعانيه القصيدة من استطرادات وانتحاءات، تجعل تماسكها مرتبطا بأضعف الخيوط الشعرية، وهو تلاحم الأوهام. وكل من يتمثل القصيدة من الداخل يستطيع أن يدرك أن الشاعر لم يستطع أن يحلم وهو يمدد ذكرياته كالخشب المستعرض في وسط السوق القديمة كلما رأى منظرا من مناظرها، ولذلك كان حديثه إلى

(1/143)

الشموع يقظة ومقارنة ومقايسة (وهذا يمثل المقاطع 5 - 7) ففي الصلب من القصيدة (بين الرؤية التي تحاول أن تنقلب إلى رؤيا على وقع الأدوات التي تهيج الذكرى وبين الرؤيا التي تمثل الرؤية في العلاقة بينه وبين المنتظرة) وقف الشاعر يحاكم ويعارض وقد فتح عينيه منبهرا على مدى التشابه بين قلبه وبين الشموع. وهكذا لم يكن البناء الحلمي المفضي إلى الوقفة النهائية منسجم الجوانب، وذلك كله ناجم عن ميل الشاعر للتمزق العاطفي والثرثرة التي تشبه اعترافات المريض تحت تأثير المخدر. فالشكل الجديد لم يمنح القصيدة جدة، أي أنه لم يخلق فيها وحدة سوى وحدة السرد، وهي وحدة تحقيقها القصيدة القديمة بكل يسر.

وقد تسأل نفسك لم اختار الشاعر السوق محملا لذكرياته، وليس في السوق ميزة تفردها عن سواها في إثارة الذكرى، فالأدوات التي رآها موجودة في غير السوق، ولكن الحق أن السوق تنفرد بميزة لا تتوفر في سواها: فالمنظر ليلى، والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب، والسوق قديمة كئيبة، وهي ممتدة أمام البصر، فهي من حيث طابعها العام تثير الكآبة في النفس المغتربة المستوحشة، وهي بامتدادها وخطى العابرين فيها وغمغماتهم تمثل تيار الحياة، والشاعر طاف فوق هذا التيار، بين الجموع ولكنه ليس بينهم، يرى ولا يرى، ويسمع وكأنه لا يسمع، وفي طفوه معنى الحركة والسكون في ان، وهو السائر الواقف، اليقظ الحلم. تلك حالة تهيئها السوق حقا، وقد كان الشاعر واقعي الاستشارة حين جعل منها مفترشا لشعوره بالضياع والإخفاق، ولكنه لم يكن واقعي البناء حين أطال في التذكر والوقوف عند أداة إثر أداة في تلك السوق الكئيبة. وحسبنا هذا القدر من الوقوف عند هذه القصيدة.

وبعد ذلك كله يصلح ديوان " أساطير " ليكون معرضا لبعض

(1/144)

المؤثرات التي أخذت تفعل في توجيه شعر بدر؛ فقد كنا لمحنا في ديوانه الأول تأثره بعلي محمود طه وإدراجه لقطعة من قصيدة إنجليزية في إحدى قصائده، ولكن ديوان أساطير يدل على اتساع في التأثير، وان كان ما يزال تأثيرا خارجيا - نوعا من الإشارة العابرة أو التضمين. فهو يعرف أن لاليوت قصيدة عنوانها " الأرض اليباب(آو الخراب):

فلتنبت الأرض الخراب على سنا النجم الحزين
صبارها؟.

ويعلق على لفظة الأرض الخراب في الحاشية بقوله " عنوان قصيدة للشاعر الإنجليزي الراجعي ت. س. اليوت " ، وقد وظعنا خطا تحت كلمة " الراجعي " لأن السياب بعد سنوات سيعد اليوت اعظم شاعر حديث بالغة الانجليزية، ولكنه يصفه بالرجعية هنا نزولا على ما يتطلبه منه اتجاهه اليساري. ولا ريب في أنه كان قد قرأ شيئا من اليوت، إذ أن قوله في قصيدة " ملال " :

وأكيل بالأقداح ساعاتي

إنما هو الترجمة لقول اليوت: " قد رت حياتي بملاعق القهوة " (1) ، وهذه ظاهرة حقيقية بالتنبه، فان السياب كان يستعير الصور المترجمة ويدرجها في شعره، فيخفى مكانها على القارئ في درج النغم. وهو قد قرأ قصيدة للشاعر الإنجليزي Bridges يستشرف فيها السفن ويتملك الحنين إلى البحر، وما قول السياب في قصيدة القرية الظلماء:

إني سأغفو بعد حين، سوف أحلم في البحر
هاتيك أضواء المرافئ وهي تلمع من بعيد
تلك المرافئ في انتظار

(1) I have measured out my life with coffee spoons.

(1/145)

تتحرق الأضواء فيها مثل أصداء تبيد
سوى صدى لوقفة ذلك الشاعر الإنجليزي وهو يحلم بالسفن والبحار.
كذلك فان قوله في القصيدة نفسها:

والآن تقرع المدينة البرج الوحيد

لا يمكن أن يفهم دون ان يربط الفريد دي موسيه: " دعي ساعة البرج في قصر الدوج تعد عليه لياليه المسئمات واتركينا نعد القبلات على ثغرك؟ " - أقول لا يفهم قول السياب في سياقه دون هذا الربط، لأن السياب يصور نفسه في القرية بعيدا عن المدينة، فقرع ساعة البرج يثير في نفسه ذكريات السعادة التي صورها الفريددي موسيه في البندقية، ولكن سرعان ما يتذكر السياب أن جورج صاند تخلت عن صاحبها وغدرت بعهده، ولذلك يسرع إلى القول:

دعها تحب سواي تقضي في ذراعيه النهار ... وتراه في الأحلام يعبس أو يحدث عن هواه ... فهو يرسم التناظر بينه وبين دي موسيه، وبين صاحبته وجورج صاند من طرف خفي. وهو يعرف أيضا " كيتس " ، ويجد في نفسه صورة منه، لأنه كان يحس أنه سيموت مثله في سن صغيرة ويقتبس قوله في آخر قطعة كتبها (1) :

تمنيت يا كوكب ... ثباتا كهذا - أنام
على صدرها في الظلام ... وأفنى كما تغرب وقد اختار السياب أسطرا متفرقة متباعد من قصيدة كيتس، وتدل ترجمته على أنه لم يكن دقيقا في فهم الأصل ونقله.

(1) انظر أساطير: 83 وقارنه بقول كيتس في Golden Treasury ص228 - 229.

(1/146)

البحث عن الملحمة

(1/147)

فراغ

(1/148)

- 12 -

فجر السلام

ليس في قصائد بدر التي نشرت في دواوين أية قصيدة تحمل تاريخ السنوات 1949، 1950، 1951 ولكن على الورقة الأخيرة من ديوانه " أساطير " إعلان عن اقتراب صدور ديوان آخر عنوانه " زئير العاصفة " ؟ويوصف بأنه ديوان اجتماعي، وتحته إعلان آخر عن قصيدة " حفار القبور " وأنها " قصيدة طويلة شائقة ستصدر في كراس " ؛ وقد نشرت هذه القصيدة سنة 1952، أما " زئير العاصفة " فلا نعرف ما حل به ولا أي قصائد يحتوي، ولكنه ؟حسب الإعلان - يمثل الكفة الثانية في ميزان السياب، فإن كان " أساطير " يصور الناحية الذاتية العاطفية في شعره فليكن " زئير العاصفة " ممثلا للناحية الاجتماعية، وقد كان يحس في قرارة نفسه أن صدور " أساطير " عن شاعر ذي رسالة إنسانية ضخمة سيقابل بشيء من الفتور في بعض المجالات، ولذلك قال في مقدمته: " لا تزال لدي مجموعة ضخمة من الشعر الاجتماعي الإنساني ستطبع في المستقبل ستطبع في المستقبل القريب " (1) ؛ وكل ما لدينا من قصائده في هذه الفترة قصيدتان طويلتان هما فجر السلام وحفار القبور، ويشير الأستاذ محمود العبطة إلى قصيدة طويلة ثالثة

(1) أساطير: 8.

(1/149)

بعنوان " القيامة الصغرى " نشر منها مقاطع في جرائد بغداد (1) ويقول أنها كانت أهم القصائد وأحبها إلى نفس الشاعر، وهو يعتمد في هذا الحكم على إجابة لبدر سجلها (عام 1951) عن أحب قصائده إليه فقال: " أحب شعري إلي ملحمتي الشعرية (القيامة الصغرى) التي بقيت مبتورة لم تتم والتي أحاول جهدي إكمالها، وأحب كذلك قصيدتي (فجر السلام) و (مقل الطغاة)، وعلى كل فالإجابة بصورة صحيحة عن هذا السؤال متعذرة ولكن هذه القصائد آخر ما كتبت؟ الخ " (2) وقد كانت هذه الإجابة مرهونة بظروفها أولاً لأنها كانت تشير إلى أن الشاعر قد سار في نهج جديد وأن جدة هذا النهج كانت تحبب تلك القصائد إلى نفسه، لأنها ؟حد تعبيره - " آخر ما كتب " ، ثم هو يعلم حق العلم أن الذي سأله عن أحب شعره إليه كان صديقا ذا ميول يسارية، ولذلك فان التنويه بهذه القصائد ؟دون سواها - يرضي ذلك الصديق مثلما يرضي بدرا نفسه وهو في غمرة الحماسة لنزعته اليسارية ولأثرها الموجه، في شعره.

ولكن الشاعر ؟بعد سنوات - أخذ ينظر إلى قصيدة " فجر السلام " بشيء من التردد، وقد يلمس القارئ في صيغة حديثه عنها ؟وان كانت تقريرية - جانبا من الندم المتزج بالسخرية، وذلك حين يقول: " أن تلك القصيدة كانت من الشعر الشيوعي النموذجي فقد شحنتها بأفكار حركة السلم: تحدثت عن أشكال السلام في البلدان الاشتراكية والبلدان الاستعمارية والرأسمالية والبلدان المستعمرة وشبه المستعمرة؟. ولم أنس أن أتحدث عن الأم الرءوم حصن السلام والاشتراكية فقلت:

(1) العبطة: 13.
(2) العبطة: 88.

(1/150)

هناك يرين السلام ... كأهداب طفل ينام
وحيث التقت ترنو ... عيون الورى في وئام

برغم اللظى والحديد ... (1) نمت زهرة للسلام " وقد نشرت قصيدة " فجر السلام " في ذلك الحين ؟ أخذها بعض الرفاق ونشروها دون أن يذكروا اسم ناظمها، وكان ذلك اقتراحا من بدر نفسه (2) ، وقد عني المحامي عطا الشيخلي بتقديمها إلى القراء في كراس خاص، ثم طبعت مرة ثانية ضمن مجموعة عنوانها " هديل الحمام " ؟قام بجمعها ونشرها باقر الموسوي (دون أن يذكر تاريخ الطبعة)؛ وصدرت هذه الطبعة الثانية بمقدمة لعل السياب هو الذي كتبها تصور غاية حركة السلام ثم تورد توضيحا لبعض أجزاء القصيدة.

وكانت خطة القصيدة ذهنية واعية تعتمد مبدأ التقابل بين جانبي الخير والشر، بين السلم والحرب، بين الإيجابية والسلبية: فالهول الذي تمثله الحرب يتطلب نغمة متفجرة، شديدة الوطأة، صخابة الجزالة، ثم تتلوها نغمة كالأغنية الرقراقة تمثل وداعة الحياة وهناءة العيش في ظل السلام، ولكن الشاعر لم يستطع أن يحتفظ دائما بهذا الشكل الصناعي على انسجام في التراوح بين الجانبين، ولم يبق لديه من الانسجام سوى النقلة من وزن البسيط (الذي يمثل جلبة الحرب والدمار) إلى أوزان اهدأ منه لتمثل سمات السلم في حياة بني الإنسان.

ففي الدورة الأولى صور تكالب تجار الموت على ان يقطعوا يد الشعب الخيرة البناءة بإثارة حرب جديدة، وسرعان ما ترك هؤلاء التجار يجمعون حطبهم لإضرام النار، والتفت إلى حمى السلم الآمن أو ما سماه " الأم الرءوم " فصور العيون التي يغازلها الرجاء، والعذارى

(1) جريدة الحرية من مقال بعنوان " شعاراتهم الجماهيرية " .
(2) المصدر نفسه.

(1/151)

وهن يحملن السلال في مواسم الحصاد، وشيخا قد كسر حراب الطغاة ودفنها في الجليد واستنبت بدلها ضوء الصباح الجديد، وتأمل السلام وهو يضحك في الحقول والأغاني والمعامل والمدن الضاحيات ورأى زهرته ترف رفيفها الجميل.

وفي الدورة الثانية صور الحرب وقد فتحت شدقها الواسع تحاول ان تلتهم كل ما يقع في طريقها:

شدق يزيد اتساعا كلما رفعت ... ستر الدجى خفقت من كوكب غربا
آلى على الأرض ان يجتث عاليها ... سفلا ويصفع من يأتي بمن ذهبا
ولا يريق دما إلا وأضرمه ... نارا وذرى رمادا منه أو لهبا

تسعى به الريح في الآفاق ناسجة ... للشمس من جذوة أو من دم حجبا وفيما هو يصور ويلات الحرب وكيف أصبحت الأرض " كالأبرص المنبوذ " وتكدست الأجساد تنضح قيحا، علق نظرة بأجساد النساء الجميلات وقد انمط ثديا كل امرأة منهن كالعجين الرخو، فقطع الوصف، وأخذ يتذكر ما كانت تلك المرأة تمثله من جمال:

كم عاشق كانت أمانيه أن ... يرتشف النور على جيدها وبهذه الالتفاتة، وهي تصور مبلغ حرص السياب على ما حرمه من حديث عن المرأة في مثل هذه القصيدة الغائية، فقد السياب ذلك التوازي الذي حققه في المقطع الأول بين هول الحرب ووداعة السلم في اتساق متعادل، وانحاز بنظرة إلى جزئية صغيرة من خيرات السلم.

وفي الدورة الثالثة تحدث عن القنبلة الذرية وفعلها في تشويه الآدميين، وحاول أن يوازي بين الهول في أثرها والتهويل التعبيري، وسماها " ظل قابيل " :

إذا تضرم فاندك الفضاء جذى ... غضبي ونش الدم الفوار والعرق

(1/152)

وانقض من حيث تهوي الشمس غاربة ... ليل من القاصفات أو شفق
جن الرضيع الذي يحبو وهب على ... رجليه يعدو ويلوي جسمه العنق

من فرط ما طال واسترخى وقد صهرت ... أعراقه الزرق نار فيه تختنق وحين أطبقت الظلمة إطباقاً أطلت من الأفق الذي يفتحه الشروق أيد تلوح بالسلام، وتوزع بين الناس نداء تتجمع حوله جميع رغباتهم هو نداء أنصار السلام في كل مكان. وهكذا جاءت هذه الدورة الثالثة منسجمة مع الأولى في رسم صورتي الظلام والنور.

وبدلا من أن يمضي الشاعر في رسم دورة جديدة ترجم فحوى النداء إلى شعر، فقدم صورتين متناقضتين إحداهما عن الأب والأم والزوجة والابن والجيران (ولكل واحد مقطع خاص) وهم يعانون أثر القنبلة الذرية والثانية عن صورة هؤلاء جميعا وهم يمارسون شئون الحياة في السلم، - وما أبعد الفرق بين الحالتين - ودعا من يستطيع رؤية الفرق الشاسع بينهما إلى التوقيع على نداء أنصار السلام، لأن هذا التوقيع يوقف الدم والدموع عن الانحدار، وعندئذ يتجلى الشاطئ الضحاك والقمر الطروب، وتتنفس الأضواء، وترفرف أجنحة حمامة السلام، والأطفال من ورائها يرمقونها بأعين ندية بالإخاء.

ولكن هذا كله لا يتحقق إلا بالثورة على العبودية وتحطيم الأغلال، ولهذا صور الشاعر في الدورة الختامية كيف بدأ ليل الاستعباد يزول، وثارت الأمم المستعمرة ؟والشرق في طليعتها - فحطمت الأغلال، ورفعت رءوسها أمم كانت مثل سيزيف مشدودة إلى الصخر، وكان يخدعها تجار الحروب فيعطونها الدراهم لتقتات باليسير، ويتحول القوت في عروقها إلى دماء تراق على مذابح الحروب، فهؤلاء العمال بئر من الدم سيغرق فيها الجيل المقبل وهكذا، وتبدو هذه الفكرة طريفة، ولكن تعبير الشاعر القاصر عن أدائها قد جعلها كالأحجية:

(1/153)

وابتاع بالدرهم المجبول من دمها ... فيض الدم الثر فيها شر تجار
واستأجروها لصنع الموت منه لها ... بالزاد يبقى دما فيها لجزار

أعمارها مثل بئر للدم ابتلعت ... جيلا سواها بهن ابتاعه الشاري وهذا يعني أن نداء السلم قد عم الكون ولذلك عاد الشاعر فكرر في ختام قصيدته تلك المقاطع التي عبر فيها عن أصالة هذا النداء وعن حمامة السلام التي نشرت جناحيها فلكما ظلماء الحروب ومهدا لطلوع الفجر - فجر السلام.

فالقصيدة تتكون من أربع دورات، في كل دورة شقان متقابلان ؟وبين الثالثة والرابعة يقع نداء أنصار السلام (وهو قائم على التقابل أيضاً بين صورتين)، وقد كان هذا الشكل صالحا لهذه القصيدة، لأن الوعي الذهني هو الذي يرسم لها كريقها، لو أن الشاعر أحسن الالتزام بصناعة البناء، وخاصة في فترات الارتداد من دنيا الأهوال والمخاوف إلى أحضان الهدوء، ولكنه لم يفعل، كذلك فان إيراد نداء أنصار السلام جاء دخيلا على هذا المبنى الواضح (وان التزم فيه الشاعر مبدأ التقابل)، أن التعاقب بين الخير والشر في بناء القصيدة هو خير ما فيها لأنه يضع الذهن في موضع المفارقة والمقارنة، وعن طريق ترسيخ هذا التأثير في نفس القارئ حاول الشاعر ؟واعيا - أن يقول كل ما يجعل الحرب كريهة لديه وأن يجعل السلم جميلا في عينيه، أي أن القصيدة تراوح مستمر بين التقبيح والتزيين؛ وإذا استثنينا حرصه على التدرج في بناء الشق الأول ؟أي رسم صورة مخيفة للحرب - فانا نجد أن قصيدته تشكو من نقص أساسي وهو عدم التمايز بين الدورات في طبيعة الموضوع الذي يعالجه، كما أن فيها معالجة من يعييه التعبير، وهذا يظهر على أشده في فترات الهدوء، أما في تصوير الرعب والفزع فقد حاول أن يغطي بصوت الهدير اللفظي على قصور عباراته، فوفق إلى حد إلا إن المدقق في أبياته يلمح معاناة شاعر مبتدئ متفاوت

(1/154)

الصياغة مضطر إلى الحشو، يحلق ويسف في البيت الواحد، ويركب ألفاظا لا تؤدي ما يريده من معنى إلا بالتعسف في التأويل.

ان قصيدة " فجر السلام " ؟رغم ما يعتريها من سمات الضعف الفني - ومعها قصائد مثل " القيامة الصغرى " و " مقل الطغاة " ، تومئ إلى تحول لدى السياب في الموضوع الشعري، بعد ان كان قد مارس التحول في الشكل في بعض قصائد ديوانه " أساطير " ؛ لقد أدركه الشبع من ذلك الشعر الذاتي الذي يعرض فيه مواجده على الناس، واخذ يحاول التوفيق بين فنه ومبدأه الذي يعتنقه، حتى خيل إليه في لحظة انه لن يكتب من بعد بيتا واحدا من الشعر الذي يشبه ما تضمنه ديواناه " أزهار ذابلة " و " أساطير " (1) . ولذلك صرح للأستاذ العبطة (1951) بأنه يكره الشعر الذاتي بل انه يعتبر الشعراء الذاتيين عملاء للاستعمار حتى وان لم يشعروا هم بذلك قال: " واهم خطر يجب علينا أن نحاربه أولئك الذين ينشرون الأفكار الانحلالية ويحاولون ان يخدعوا الجماهير بأن لا فائدة من نضالها، لأن الحياة شيء تافه لا يستحق كل هذا الاهتمام وان البؤس مقدر على البشر " (2) ؛ وأضاف انه يرى ان الشعر السياسي ؟رغم قصوره - افضل من الشهر الذاتي لأنا لو " نظرنا إلى الأمر نظرة عميقة لوجدنا من يقول: متى تتحرر من المستعمرين موازيا من حيث الفن لمن يقول متى ارى حبيبتي، إضافة إلى انه أنبل شعورا وأوسع نظرة " (3).

لهذا فان قصيدة " فجر السلام " ليست هامة في ذاتها، وإنما تكمن أهميتها في أنها خط فاصل بين عهدين، أو قل بداية عهد جديد يسميه الشاعر العهد الإنساني، ويؤكد فيه ضرورة الخروج من صدفة الذات

(1) العبطة: 88.
(2) المصدر نفسه.
(3) العبطة: 89؛ وسنجد من بعد أن السياب تخلى عن هذا الرأي.

(1/155)

لعرض المشكلات الإنسانية الكبرى. ومن الهام ان نتذكر بأن الموضوع الشعري رغم جدته وبعده عن الموضوع الذاتي القديم لم يتطلب شكلا جديدا أو قالبا خاصا من التعبير، وان السياب لم يجد خيرا من البحر القديم والتعبير الجزل الهادر ليعبر بهما عن آلام الحروب وبشاعتها. وقد رأينا ان اختيار هذا الشكل لم يكن مسئولا عن سمات الضعف الفني الذي لحق القصيدة؛ واذن فنحن أمام قضية هامة: في قصيدة " السوق القديم " استغل السياب شكلا جديدا لموضوع أزلي وأخفقت قصيدته، وفي " فجر السلام " ذات الموضوع الجديد استغل شكلا قديما وأخفقت قصيدته. وعلى هذا لا يحق لنا أن نقول أن الشكل هو الحقيق بإنجاح القصيدة ولا ان الموضوع هو الذي يستطيع أن يجعلها فنية، وإنما هو تلك الموهبة التي تستطيع ان تسخر أي شكل ملائم وتستغله لموضوع ملائم، وان الجدة في الشكل لا تصنع شعرا جديدا كما أن الجدة في الموضوع تعجز عن ذلك.

وقد يقال دون عناء إن السياب كان يجرب، فمرة يضع الموضوع القديم في شكل جديد ومرة يعكس الآية، حتى إذا استقامت التجربة وصلحت، ظهر نجاحه، وهذا أمر لست أناقشه لأن معناه ان الشاعر وجد طريقه الصحيح، ومن أبدى مثل هذا الرأي كان عليه ان يفسر لم يخفق موضوع جديد في شكل جديد فذلك أمر يدل بداهة على أن ممارسة الأمرين معا ليست كفيلة بالتميز الفني في كثير من الأحيان.

ولنعد إلى قصيدة " فجر السلام " : ان الطول الذي تتمتع به هذه القصيدة وأخواتها في الفترة نفسها يشير إلى ان الشاعر لم يحاول تحولا في الموضوع وحسب وإنما وجد نفسه ينتقل من دور القصيدة الأغنية ذات الطول المقتصد إلى القصيدة الطويلة، وقد شجعته قصيدة " السوق القديم " على هذه النقلة، فأضحت اكثر قصائده في هذه الفترة طويلة مسترسلة. حتى ليحس من يدرس نتاجه في هذا الدور

(1/156)

انه كان يريد أن يعرف بالقدرة على القصائد الطويلة: فجر السلام ؟ القيامة الصغرى ؟ حفار القبور ؟ المومس العمياء ؟ الأسلحة والأطفال ؟ أنشودة المطر، وان هذا الإحساس تملك الشاعر حتى سنة 1953 ثم تحول عنه تحولا ظاهريا وحسب، لأن كثيرا من القصائد التي نظمها في أوقات لاحقة إذا جمعت حسب موضوعاتها كونت كل مجموعة منها قصيدة طويلة.

وسر ذلك كله متصل بطبيعة السياب: فان القصيدة لم تكن تتسع لآنفعاله، فهو انفعال مديد متشعب احيانا، ثم هو قد نشأ معجبا ببعض القصائد الأجنبية الطويلة التي يسترسل فيها الشعور بين علو وهبوط كقصيدة " البحيرة " للأمرين، أو قصيدة " ثورة الإسلام " لشللي وغيرهما، ولعله كان يعتقد أن قصيدة " الأرض اليباب " هي التي كسبت لصاحبها تلك الشهرة وهي من القصائد الطويلة في الأدب المعاصر. يضاف إلى ذلك ان القصيدة العربية التي احبها السياب لدى أبي تمام أو البحتري أو المتنبي لا تعد قصيرة، ولم يغب عن مخيلته أن الجزالة التي لمحها في القصيدة العربية امتحان عسير للشاعر كلما طالت القصيدة، وهو قد نشأ على ايثار هذه الجزالة وان أعيته بصعوبتها في كثير من المحاولات؛ ووجدها تصح لشاعر معاصر يطيل القصيد دون ان يفقد تلك الجزالة وذلك هو الجواهري، الذي وجده السياب يتقمص النغمة القديمة بحذق ومهارة. ولم يستطع السياب ان يدرك الفرق بين نغمة الجواهري ؟في مدى التعمل الذي تجره في أذيالها - وطواعية التعبير عند اشد القدماء احتفالا بالصياغة اعني أبا تمام، ولهذا كان بناء القصائد الطويلة هو المجال الذي يريد السياب ان يتفوق فيه على سواه من المعاصرين، سواء أكان نهجهم تقليديا أو تجديديا - ؛ وقد تحدثت من قبل عن المقدمات الطويلة التي لم يكن يستطع أن يتحلل منها، وهي مقدمات تصلح أن يمهد بها للبناء الملحمي، ولم يكن السياب محروما من النفس

(1/157)

الملحمي، بل لعله هو الشيء الذي يميزه بين الشعراء المحدثين، والقصيدة الطويلة اقرب القصائد إلى الملحمة واشدها سماحا بالحشد الكثير، وتلك نزعة كانت تترك السياب طليقا في تحديد شكل القصيدة وفي نموها معا. وكان السياب في هذه المرحلة وربما في مراحل بعدها يحس ان انفعاله لا يستطيع ان يعيش في نطاق ضيق قصير، ولهذا أحس من بعد انه اخطأ حين كان يعمد إلى أن يقول كل سيئ، ولكنه قلما حاول النجاة من هذا الخطأ، لأنه لم يكن يملك إشباع ذلك الانفعال أو تسريبه في لمحات خاطفة أو ومضات سريعة تومئ إلى المحتوى بلباقة خفيفة اليد.

(1/158)

- 13 -

حفار القبور

ولعله نظم قصيدة " حفار القبور " بعد نظمه قصيدة " فجر السلام " بقليل، أو ربما في إنشاء القصيدتين في وقت معا؛ وهو لم يذكر قصيدة " حفار القبور " بين القصائد التي احبها في تلك الفترة، لا لأنها ليست تمثل موقفا يساريا وحسب بين تلك القصائد، وإنما لأنها تمثل مشكلة في طريق تطوره الفني، وهي من هذه الناحية مقدمة لقصيدة " المومس العمياء " التي ستفضح ازدواجية السياب، وتكشف عن ضعف انتمائه اليساري عامة. كلتا القصيدتين ظاهرتين قائمتين ؟على شذوذهما - في المجتمع، وتحاولان الحديث عن الظاهرة النتيجة، ولعل الفرق بينهما هو ان " حفار القبور " تتحدث عن النتيجة دون أسبابها، وان " المومس العمياء " تتحدث عن النتيجة مع إرجاعها إلى أسباب ثانوية أو خاطئة.

وحين وقعت إلي قصيدة " حفار القبور " بعيد صدورها كتبت مراجعة عنها، منقطعة الصلة بتطور السياب الفني، وما يلابس حياته ومبادئه، ولما كان رأيي في ما قلته حينئذ لم يصبه تغير يذكر ؟لأني عرضت لمضمون القصيدة وحده - فأني أعيده هنا بشيء من الإيجاز: " حفار القبور هو الرجل الجائع الذي يموت إن لم يمت الناس، فهو يكره السلام ويتمنى الحرب ويمقت الكسل والخمول في عزرائيل

(1/159)

ومن اجل ذلك يتفنن في تصوراته التي تنعش له مهنته، ويتمنى على الله ان يبطش بالناس " نسل العار " ويهلكهم بالرجوم:

يا رب ما دام الفناء
هو غاية الأحياء فأمر يهلكوا هذا المساء
سأموت من ظمأ وجوع
أن لم يمت بعض الأنام

كل ذلك لأن حفار القبور لا وجود لصنعته إلا بوجود الحرب. غير انه حفار بوهيمي لا يكاد يجد المال في جيبه حتى يندفع به إلى الحانات ودور البغايا، وقد تركته مهنته فريسة للنزوات من كثرة ما دس في الثرى من أجسام فاتنة، وفي الفصل الأخير من قصة هذا الحفار الذي يعيش على غرائزه يدفن المرأة التي كانت تهبه جسدها ويسترد الأجر الذي دفعه لها:

ماتت كما ماتوا ووارها كما وارى سواها
واسترجعت كفاه من يدها المحطمة الدفينة
ما كان أعطاها؟
وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد
ويظل حفار القبور ينأى عن القبر الجديد
متعثر الخطوات يحلم بإلقاء وبالخمور

ان في هذه " الملحمة " معنى المأساة الكامنة في ضروب الصراع، فالحفار في صراع مع غرائزه، وشعوره مقسم بين الدعوة إلى الحرب والثورة عليها، وإذا شعر من نفسه بالوحشية لتمنيه الحرب والدمار اعتذر عن ذلك بقوله:

أنا لست أحقر من سواي
وان قسوت فلي شفيع؟. أني كوحش في الفلاة

(1/160)

لم اقرأ الكتب الضخام
وشافعي ظمأ وجوع
أوما ترى المتحضرين
المزدهين من الحديد بما يطير وما يذيع
أني نويت ويفعلون
والقاتلون هم الجناة وليس حفار القبور

وهو حفار كثير التردد بين عقله وغريزته، متلظى الهواجس؟. هو صورة أخرى من المومس التي تعيش أيضاً في صراع بين المبدأ والحاجة ثم تغلبها شهوة النفس على كل مبدأ ولعلها تتصور ان الفضيلة التي تكبح شهوات الناس هي سبب موتها فهي تطلب الحياة من طريقها السلبي. وليس من العبث أن عمد الشاعر إلى الربط بين الشخصيتين في " ملحمته " ربطا وثيقا فجعل الحفار يهلل لمقدم أحد الموتى بقوله: " ضيف جديد " ! وجعل المرأة الخاطئة تردد القولة نفسها وهي تسمع طرقا على الباب. غير ان حفار القبور اكثر تورطا في أنواع الصراع من تلك المرأة وأقسى صورة منها وهو يسترد ما أعطاه لها حين يضعها في التراب، والمأساة الحقيقية ليست في مقدرات الحفار بل في تعاسة المرأة وليست في طبيعته الحيوانية بل في مهنته التي تضطره أحيانا ليدفن عمته أو أخته أو شخصا آخر كان حبيبا إليه.

ولست احب أن ابعد في الرمز فان من شاء أن يجد في شخصية الحفار معنى اعمق وجد، ولكني اعتقد أن الأستاذ السياب قد أسرف كثيرا في تصوير الشهوات حتى خيل إلى القارئ انه كان يريد ان يجعل قصيدته متنفسا للتعبيرات الشهوانية المحمومة؛ وهو قد أوقع نفسه في موقف لا إنساني حين جعل الحرب موضوعا للأخذ والرد وليس في الوجود ما يحسن الحرب من حيث المبدأ الإنساني العم حتى ولا منطق الوجود ما يحسن الحرب من حيث المبدأ الإنساني العام حتى ولا منطق الحفار القائم على جوعه وعوزه، لان الحرب في حقيقتها قد تأكل

(1/161)

الحفار قبل أن يهيئ له الطعام ؟وهي ناحية لم يلتفت إليها الشاعر - ولان الموتى في الحرب لا يدفنهم حفار بأجر - وهي ناحية أخرى من الواقع. فالروح المخربة التي تسكن في جسم ذلك الرجل ؟اعني الحفار - تجعلنا نضحي به من اجل المجموع وخاصة حين يكون الحفار رمزا للطاغية المستبد في الأمة يضحي بأبنائها من اجل أن يأكل، ويحفر في كل يوم قبرا أو قبورا ليداوي حمى الجشع في نفسه؛ ولقد كان في استطاعته الشاعر ان يتخذ من شخصية الحفار رمزا للقوى المتحررة لا لعبودية الغرائز .

و " ملحمة حفار القبور " تهم الذين يربطون بين الأدب والتحليل النفسي لأن فيها من صدق التصوير لبعض العقد الدقيقة ما يجعلها فريدة في هذا المجال ومن السهل أن يعثر فيها القارئ المدقق على فكرة " الولادة الجديدة " Re - birth التي يمثلها الإلحاح الشديدة في اعتصار الثديين ومنظر الدماء المعتصرة (ص15) والحفرة المعدة قبل الأوان لاستقبال العائدين إلى " رحم التراب " ؛ وفي هذه الملحمة ثورة نفسية عاتية على الأبوة ؟أو على الأب بتعبير أدق - ولكن مما يخفف منها أحيانا خضوع شخصية الحفار لغرائزه وجوعه وجهله، ونستطيع ان نجد هذه الثورة في مواقف كثرة من الملحمة، وخاصة وان الشخص الأخير الذي واراه الحفار في النهاية هو " الأنثى المظلومة " ؟رمز الأمومة - التي تكون فريسة له مرتين: حين يشتري جسدها بالنقود وحين يسترد نقوده منها. وقد كان من آثار هذه الثورة أن مضى الحفار عنا ونحن لا نعطف على وجوده، وظل في النهاية حيا ليظل نفورنا منه حيا، وماتت المرأة المظلومة قبله لتثير فينا شيئا من الأسى على مصيرها التعس " (1).

(1) مجلة الأديب (1954).

(1/162)

لعل القارئ قد لمح في هذه المراجعة أني تجنبت الحديث عن بناء القصيدة وانني جعلت اكثر الحديث متصلا بشخصية الحفار، ثم ألمعت في سرعة إلى بعض التفسيرات النفسية التي قد تطبق على القصيدة والى انه قد يكون لها محمل رمزي، وان كنت أوثر أن آخذها على وجهها الظاهري دون لجوء إلى الرمز. واليوم ؟وبعد سنوات على كتابة هذه المراجعة - اعود إلى القصيدة مفصلا لا مجملا، جاعلا القصيدة (بعد أن تجوزت في تسميتها ملحمة) في موقعها الصحيح من حياة الشاعر وتطوره الفني.

وأول سؤال خطر لي هو: هل كان من حق هذه القصيدة ان تنظم؟ ولست أسرع إلى الإجابة على هذا السؤال، لأن معظم ما سأكتبه من بعد يصلح جوابا عليه؛ ولكني أحب أن يظل القارئ واعيا بحقائق هامة تعد مقدمة للحديث عن القصيدة وهي أن السياب كان في تلك الفترة يعاني الضياع في شوارع بغداد ومقلهيها ؟كما سيتضح بعد قليل - وانه كان يحس بالهوة التي تردت فيها مثله الريفية النقية وهو يتردد إلى بيوت البغاء، وانه في الوقت نفسه كان يتجرع مرارة الإخفاق في حب يؤدي في حب يؤدي إلى زواج وينسب كل ذلك لأبيه، كما رأينا في قصيدة " سجين " ، وان ثورته على الأب كانت آخذة في الازدياد؛ وفي غمرة ذلك الشعور من نقمته على نفسه وعلى أبيه نظم قصيدة " حفار القبور " ، ليتلذذ بتعذيب نفسه المتهالكة على الشهوات، وتعذيب ابيه، الحفار القديم ؟الذي دفن أمه، وجعل من الابن " رذية " معقورة عند قبر، أي حفارا جديدا آخر، وامتزجت الصورتان معا في شخصية حفار القبور، مع ما اقتضاه التحوير الشعري اللازم لبناء القصيدة. والى هذا كله كان السياب قد قطع شوطا في الظهور بمظهر اليساري الملتزم الذي يتحدث عن الطغاة وفجر السلام، ولكنه لم يكن قد برئ من ازدواجية محيرة، فالنضال في سبيل الجماهير لم يستطع أن يريحه من

(1/163)

وقدة الجنس في عروقه، مثلما لم يستطع من قبل أن يخلصه من تلك الوحدة الرومنطية التي تتلذذ بالألم والشكوى والدموع. ولهذا اقدم على نظم القصيدة ليريح ضميره الرازح بالإثم الذي تسري فيه القشعريرة كلما ذهب صاحبه إلى ارواء ظمأه في المناهل الوبيئة. ولم يكن من منفذ لهذا كله إلا التشفي بقسوة جائرة من الذات، في صورة حفار قبور. ولا ريب في انه كان يعرف ؟بحكم يساريته - إن حفار القبور امرؤ لا ذنب له، ولهذا حاول ان يعتذر عنه بأنه لم يقرأ الكتب الضخام، وان تجار الحروب هم المسئولون عن كل ذلك:

وهم المجاعة والحرائق والمذابح والنواح ... وهم الذين ستركون ابي وعمته الضريرة ... بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظام ... أو يفحصان عن الجذور ويلهثان من الأوام ... ولكن هذه اللفتة بدت عابرة في سياق القصيدة وكان الإلحاح كله على تصوير حفار القبور وعبوديته لشهواته، ولهذا أضاع الشاعر من قصيدته الجانب الرمزي فيها، ولم يوفر للقارئ أي مجال للربط بين " الجبرية " التي يعانيها الحفار في عالم الفقر وبين الدمار الحقيقي الذي يصنعه تجار الأسلحة في عالم الأثرة الفاحشة.

ولتوضيح هذا الموقف علينا أن نتتبع القصيدة في سياقها العام: يفتتح الشاعر قصيدته برسم الجو الطبيعي وقد اخذ ضوء الأصيل يغيم على القبور، وأسراب الطيور تملؤ الجو نعيبا تردد صداه الصحراء، ثم اخذ ضوء ضئيل يتنفس وعلى رقصاته المرتعشة ظهر ظل طويل لحفار القبور:

كفاه جامتدان ابرد من جباه الخاملين ... وكأن حولهما هواء كان في بعض اللحود ...

(1/164)

في مقلة جوفاء خاوية يهوم في ركود ... كفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين ... وفم كشق في جدار

صورة الحفار قد ماتت فيها كل معاني الإنسانية وتزداد الصورة وحشة وخوائية وهو يناجي نفسه ويعلن عن مرارته الكامنة لأنه لا يرى نعشا يلوح عن المدى، فلم إذن تنعب الغربان؟ ولم يعيش المرضى الجائعون، ان ذلك معناه انه سيموت ولذلك فهو يتوجه إلى مخاطبة الله لعله يرأف بحاله فيأمر بإهلاك نسل العار، فقد مضى عليه أسبوع وهو يحفر ثم يملأ التراب المتهايل ما حفر؛ وهو يحس بجوع آخر:

هل كان عدلا ان احن إلى السراب ولا أنال ... إلا الحنين، والف أنثى تحت أقدامي تنام!! ... أفكلما اتقدت رغاب في الجوانح شح مال ... ثم يسأل أين هي الحرب مصدر رزقه الكبير، ولذلك يتمنى لو عاش في تلك البلاد التي حدثوه عما فيها الحرب:

ما زلت أسمع بالحروب فما لأعين موقديها
لا تستقر على ثراها؟

ويتنازعه الحنين إلى دفن الموتى وإلى الأجر الذي يهيئ له أن يحصل على الطيبات، ويحاول أن يعتذر عن مهنته فليس هو الجرم الحقيقي وإنما هم صناع الحروب ثم يستيقظ في نفسه المظلمة " قابيل " حين يلوح له من بعيد ما يحسبه ضيقا جديدا. وتحقق ما تمناه ودس في جيبه بعض النقود وجعل وجهته المدينة ومضى يحلم بالنساء العاريات وبالخمور:

وتحسست يده النقود وهيأ الفم لابتسام
حتى تلاشى في الظلام.

(1/165)

وبذلك ينتهي المشهد الأول. وفي الثاني نرى حفار القبور يسير إلى هدفه وبيده زجاجة يشدها في حرص وهواجسه تدور محمومة في رأسه وتمثل له اللذة التي سيمارسها:

والحلمتان اشد فوقهما بصدري في اشتهاء ... حتى احسهما بأضلاعي واعتصر الدماء ... باللحم والدم والحنايا منهما لا باليدين ... حتى تغيبا فيه في صدري إلى غير انتهاء ... حتى تمصا من دماي وتلفظاني في ارتخاء ... فوق السرير وتشرئبا ثم نثوي جثتين ... وفي المنظر الثالث وصف لحي البغايا، وطرق على الباب وامرأة تفتح ذلك الباب وهي تقول " ضيف جديد " . وفي المنظر الرابع، وهو الأخير، يعود حفار القبور إلى موقفه الأول، فيكرر أمنياته بالدمار الذي يبسر الموتى ويجلب الرزق ويحلم بما فعل في المنظر الثالث، ثم يفيق من حلمه على صورة نعش تحف به نساء وبينا يهتف لنفسه انه لا بد سيلقى المرأة التي تلذذ بجسدها، لم يكن يعرف أن التابوت القادم يحتوي تلك المرأة نفسها:

لو حدث التابوت عمن فيه أو رفعت يداها ... أو هبة للزعزع النكباء حاشية الغطاء ... تحت النجوم الساهمات، لكاد ينكر من رآها ... ودون ان يعلم، ألحد المرأ، وأخذ أجرا كان أعطاه لها وراح يحلم باللقاء وبالخمور.

إن من يتأمل هذا السياق للقصيدة يدرك ان الشاعر كان يحاول ان يحل مشكلة لا تحل وانه وضع حفار القبور في عربة حتمية مغمض

(1/166)

العينين، وأراد أن يرسم صورة مقابلة لامرأة ذات حرفة كحرفة الحفار؛ وجعل استرداد الحفار لماله موضع سخرية بهذه القوة العمياء التي توجه أمثال هذين المسوقين في طريق الحياة دون أن يعرفا لم وكيف. فالسياق الظاهري يعتمد قصة صغيرة لا تصلح ان تكون موضوعا فنيا، وإذا لم تكن تلك القصة ذات بعد رمزي فمعنى ذلك أنها أخفقت إخفاقا كليا. وقد نرجع إلى الرمز الذي أشرت إليه من قبل، فنجعل حفار القبور صورة للطاغية في الأمة الذي لا يعيش إلا بموت الآخرين والمرأة رمزا لتلك الأمة التي يمتص الحفار دمها ويسترجع ما أعطاه لها، ولكن تخليص هذا البعد الرمزي من ذلك الإسراف المتلذذ في وصف النزوات ومن تضاعيف التصوير الواقعي لبيوت البغايا أمر مشوب بالتعسف ولهذا فان الشاعر ؟مهما يبعد في الأخذ بالرموز - لم يكن على وعي بأن لقصيدته بعدا داخليا، ولو كان الأمر كذلك لاكتفى باللمحات بدل الصور التفصيلية.

ويتبقى بعد ذلك المحمل النفسي الذي تمثله القصيدة، فتجربة حفار القبور مستمدة من تجربة الشاعر الواقعية ؟الفتى البائس الذي لا يكاد يجد قدرا من المال في جيبه حتى يسرع ليطفئ ظمأه إلى الخمر والمرأة، فهو يتشفى بالأنحاء على هذه التجربة مثلما يبني في تضاعيفها صورة أخرى من الثورة على الأب، ومن الارتباط نفسيا بقبر الام أو بالعودة إلى الرحم، وفيما كان الشاعر يمزج بين ثورته على اللذات وثورته على الأب كان يحاول ان يخرج إلى مرحلة من " التسوية " المريحة، فالقصيدة جاءت تنفيسا وزحزحة للخناق الذي يشد على عنق الشاعر.

وإذا عديت عن هذه الغاية التي حققها القصيدة وجدت بناءها سهلا مسترسلا يشبه قصة قليلة الأحداث، ولما وجد الشاعر أن البناء لا يكلفه جهدا كثيرا، صرف ما ادخره من جهد في الناحية التصويرية

(1/167)

ولعل ابرز ما يميز القصيدة من الناحية الفنية، فنحن نحس أن الجو ينتمي إلى قطاع من عالم الأموات Hades ولذلك يتضاءل فيه النور وتملؤه الغربان بنذر من الشؤم؛ " وكأن بعض الساحرات مدت أصابعها العجاف إلى السماء " وكأن ديدان القبور خرجت من مكامنها، واستيقظ الموتى عطاشا يلهثون، وتضاف إلى هذه الصورة صورة ميت حي (وتلك سخرية مرة) موكل بدفن الموتى، فإذا صورته صورة ميت قد أدرك الجمود يديه ولاح فمه كشق في جدار، ثم تجتمع إلى ذلك كله صورة القبر الفارغ الذي تتثاءب فيه الظلماء، ثم تتلوها صورة الدمار الذي تخلفه الحرب، ثم صورة نعش في ضوء تذرذره مصابيح السماء كأنه ضباب؛ ولا تختلف صورة الطريق إلى دور البغايا ولا صورة منزل البغي عن هذا كله، فالدرب كأفواه اللحود، والحارس متعب وسنان، والباب عقيق إذا دق عليه الطارق أرسل صوتا كإيقاع المعاول بين القبور الموحشات، والمرأة حزينة تفرك عينيها في فتور وعلى وجهها ظل يزحف كالكسوف، وفي المنظر الأخير يبدو السماء لعيني الحفار كأنها صنم بليد، والطريق مكتظ بالأشباح، وفانوسه صدئ عتيق ؟مجموعة من الصور المتلاحقة ترسم صورة كبيرة لا يتخللها إلا نور ضئيل، وتسيطر عليها صبغة الموت واللحود والظلمة والنعيب المشئوم والإعياء المتهاوي ؟أنها صورة فقدت معنى الأمل وبسمته وضياءه، فزادت القصيدة نأيا عن حل مشكلة الإنسان.

(1/168)

- 14 -

يا مهلك موسى ومنجي فرعون

لم تكن التفاؤلية التي عبرت عنها قصيدة " فجر السلام " وما جرى مجراها من القصائد قادرة على أن تنسي السياب أن عالمه الحقيقي يشبه الدروب والزوايا التي وصفها في حفار القبور، وان الظلمات النفسية تصبغه بعتمة كئيبة، وان العدمية التي كان ينادي بها الحفار الجائع الظامئ ذو الشهوات المتوفرة إنما كانت صدى لحقد الشاعر على " نسل العار " ، وان فكرة الدفع واسترجاع المدفوع ؟بين الحفار والمومي التي ماتت - إنما كانت أمنية شاب لا يجد ما يسعفه على اكتساب بلغة من طعام؛ فقد كان في بقية عام 1950 ؟حين هبط بغداد دون عمل بعد أن فقد وظيفته في شركة نفط البصرة - متسكعا في الشوارع أو مترددا إلى المقاهي: " وأمسى ملازما لمقهى حسن العجمي يحيط به الشقاء والألم ولكنه يتحمله بصبر واباء، يعينه إخوانه الذين أتذكر منهم اكرم الوتري ومحبي الدين إسماعيل وخالد الشواف " (1).

ولكن سعيه وسعي أصدقائه في تدبير عمل يحفظ له كرامته قد استطاع أن يخفف شيئا من تلك الضائقة التي كانت تعتصر نفسه،

(1) العبطة: 12.

(1/169)

فاشتغل مترجما في الصحف مثل صحيفة " الجبهة الشعبية " و " الرأي العام " و " العالم العربي " وفي صحف الأستاذ الجواهري، غير أن رزقه من الصحافة كان مرهونا بما تواجهه من تقلبات الحال، إذ كانت تحتجب أو يلغى امتياز أصحابها، ولهذا أخذ يتردد إلى بعض المتاجر ويعمل فيها بأجر يومي (1) . ثم توسط له بعض الرفاق لدى المدير العام بمصلحة الأموال المستوردة لكي يوظفه دون ان يطالبه بشهادة حسن سلوك، ففعل (2) وهكذا ارتاح إلى مرتب منظم وان لم يخفف ذلك من نشاطه في الصحف.

في تلك الفترة عاد فالتقى بالصبية اليهودية مادلين، حين كان يسير ظهر يوم (1950 أو 1951 ) قرب مقهى الزهاوي ، فاستوقفته الفتاة وسألته عما لديه من شعر نضالي، وكانت لديه قصيدة طويلة لم تكن قد اكتملت يتحدث فيها عن نضال الشيوعيين في كل مكان: في الصين وفي اليونان وفي الاتحاد السوفيتي، فاتفقا على موعد، وجاء يحمل تلك القصيدة، ثم كان لقاء آخر بعد اسبوع، فمشى بصحبتها وهما يتحدثان في أمور نضالية، واتفقا على لقاء ثالث؛ واعد بدر لهذا اللقاء قصيدة يتغزل فيها بمادلين كتبها على ورق ازرق معطر ؟وخلع على القصيدة ثوبا نضاليا مهلهلا، ففرحت الفتاة بالقصيدة، قال: " وافترقنا وتواعدانا على موعد جديد ورحت أفكر بالموعد المنظر، فعزمت على أنني سآخذها هذه المرة إلى فندق من الفنادق المعروفة بأسرارها، وانتظرتها في الأسبوع الرابع، ولكن مضت ساعة على الموعد وهي لم تأت، وبعد أن يئست تماما انصرفت لأعلم فيما بعد ان الشرطة قد اعتقلتها ثم أطلق سراحها، لكنني لم أرها " (3).

(1) المصدر نفسه : 13.
(2) الحرية من مقال بعنوان: شعاراتهم الجماهيرية.
(3) الحرية، العدد 1452.

(1/170)

غير أن قصة مادلين لم تنته عند هذا الحد، فقد كان السياب ذات يوم في مديرية الأموال المستوردة عندما جاء أحد الرفاق وقال للموظفين: " إن لدينا رفيقة يهودية ؟وهي شابة جميلة - تريد الحكومة ان تسقط عنها الجنسية العراقية وتسفرها إلى إسرائيل وإذا تزوجها مسلم أصبحت هي مسلمة ولم تغد الحكومة قادرة على إسقاط الجنسية عنها " (1) ، وكان السياب أحد الذين سجلوا أسماءهم للزواج منها؛ تلك قصة بسيطة لكن دلالتها عميقة، فاالسياب لما شم رائحة الأنوثة المشتهاة نسي النضال، واصبح لا يفكر إلا في قضاء وطر عابر، وحين اصبح هذا الوطر لائحا عن طريق الزواج، لم يتردد ؟باسم المشاركة في خدمة الحزب ؟في ان يستفل الرباط الزوجي لتحقيق الشهوة التي كانت تجتاح كيانة. وقارى القصة إذ يقدر شجاعة الصراحة لا يملك إلا أن يعجب لذلك المد العاتي الذي كان يحيل كل غاية جادة إلى تهافت نفسي واضح أمام رغبات النفس الجامحة. ولكن ذلك كله لم يمنع ان يكون البيت الذي الذي استأجره بدر وشقيقه وكرا من أوكار أنصار السلام، فيه يجتمعون ويتباحثون ويقرأون المناشير (2).

واخذ الجو السياسي في بغداد يتلبد بالغيوم إذ قام رجالات الأحزاب ؟وخاصة أعضاء حزب الجبهة الشعبية والحزب الوطني الديمقراطي - بتقديم مذكر إلى الوصي تضمنت المطالب الشعبية، نشر بدر في جريدة " الجبهة الشعبية " قصيدة ثائرة تنبأ فيها بالوثبة الثانية، وسرعان ما حدثت تلك الوثبة التي عرفت في تاريخ العراق الحديث باسم " انتفاضة تشرين " (3) (1952).

وحين يرد بدر بداية هذه الانتفاضة إلى أسباب لا علاقة لها

(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر السابق.

(1/171)

بالسياسة أدت إلى إضراب كلية الصيدلة، وهي أسباب مدرسية صرف (1) ، فانه لا يتجنى على الواقع التاريخي، ولكنه ينسى أن أية حركة في ذلك الجو المحموم كان يمكن أن تؤدي إلى انفجارات متلاحقة، فقد كانت النفوس تضطرم بالتذمر و الغضب إزاء الحملات الانتقامية التي كانت تشنها الحكومات المتعاقبة على الشعب ، وإزاء الفساد الذي ينخر في الجهاد الإداري كله، و قد أشار بدر نفسه قبل قليل إلى المذكرة التي رفعتها بعض الأحزاب إلى الوصي مطالبة بالاحتكام إلى الدستور و احترام القضاء وإطلاق الحريات وأنصاف الفلاحين و تحسين مستوى المعيشة و غير ذلك من المطالب.

ولهذا ما كادت مظاهرات الطلبة تخترق شوارع العاصمة و يصاب فيها بعض الطلبة، حتى هب الشعب إلى إعلان سخطه، وأخذت فئاته تهتف مرددة إصرارها على نيل المطالب التي تقدمت بها الأحزاب في مذكراتها وفي 22 أكتوبر (تشرين الأول) وجهت الحكومة الجيش ليتصدى للاهلين، ولكن المتظاهرين هتفوا بحياة الجيش، فلم يطلق الجند النار على أحد، على نحو التضامن الضمني، ولم ينجح أصحاب السلطة في تحريض فريق من أبناء الوطن - أعني الجند - ضد فريق آخر - أعني الجموع الشعبية.

وعمدت الحكومة إلى إطلاق البوليس ليلا للقبض على من تعتقد انهم اشتركوا في تلك الانتفاضة، وملأت بهم المعتقلات، وبذلك استطاع القضاء على هذه الحركة.

وفي أحد الأيام المظاهرات - قبل أن تسيطر الحكومة على الموقف - حدثت مظاهرات عنيفة احرق فيها مركز الشرطة باب الشيخ وقتل عدد من الأشخاص، فيهم بعض رجال الشرطة. وكان بدر - حسب ما كتب من بعد - ذا دور بارز في تلك المظاهرات، ورأى أن القبض عليه أمر

(1) المصدر نفسه.

(1/172)

لن تتردد فيه الشرطة، وقدر انه قد يسجن وانه سيفصل من وظيفته ؟دون ريب - ولم تعد لديه وسيلة يلجأ إليها سوى الهرب من العراق، فتنكر في ملابس إعرابي وسافر إلى البصرة، وفي أبي الخصيب سلمه بعض أقربائه إلى بعض " المهربين " ، فنام ليلة في دار ذلك المهرب، وفي فجر اليوم الثاني ؟وكان يوما شتائيا باردا - أيقظه دليله، فسار بدر وراءه حتى بلغا نهرا صغيرا يفصل بين العراق وإيران، وحين اجتاز بدر ذلك النهير اصبح في ارض إيرانية (1) .

ولم تزد إقامة بدر هذه المرة في إيران عن شهرين وعشرة أيام، فذهب هو وصديقه العربي الإيراني محمد حسين إلى عبادان لعلهما يجدان سفينة تنقلهما إلى الكويت، وكان بدر يحمل كيسا صغيرا من القماش فيه دشداشة وفانيلة ونعل وكتاب " كيف تتعلم اللغة الفارسية في أيام " . وبعد ثلاثة أيام استطاع هو ورفيقه ان يصلا إلى القصبة، إلى الجنوب من عبادان، وهناك نزلا عند مختار القرية، وقد تجاوزا فترة الضيافة المعهودة، فكان المختار ضيق الصدر بهما، حتى إذا وجدا السفينة التي تنقلهما إلى الكويت كانت سفينة شراعية، قاعها من الطين لأنها " مطعونة " فالطين فيها يحول دون تسرب الماء ويسكبها ثقلا، وربانها رجل قذر مقامر سكير كليل النظر. وبينما كانت السفينة تسير بهم في عرض الخليج كادت تصطدم بأحد الفنارات، وصاح بهم الربان: " تشاهدوا " ، ولكن اليأس الغالب جعل بدرا يقوم فيعنف الربان، وبهذه الحركة حفز الركاب إلى إبعاد السفينة عن الخطر المحقق، ولكن الرياح والبرد القارس والجوع كانت عوامل قاهرة، ولما اشتد عصف الرياح اخذ بدر يدعو قائلا: " يا الله نجنا، يا مهلك موسى ومنجي فرعون؟. " وحين لاح بر الكويت كان يصرخ بينه وبين نفسه: " لقد

(1) الحرية: 1442، 1502.

(1/173)

قهرت الخليج بسفينة مثقوبة " (1) .

وهناك نزل هو ومحمد حسين على جماعة من الشيوعيين العراقيين كانوا قد فروا إلى الكويت، واضطروا إلى الإقامة فيها بعد أن حكم عليهم بالسجن غيابيا، وامتلأ المنزل بساكنيه إذ اصبح عددهم ثمانية، وفيهم السائق والعامل والافندي، وفيهم خريج من دار المعلمين الريفية، ومن بين نزلاء البيت ثلاثة مصابون بمرض السل، كذلك قال بدر (2) ، أتراه كان على خطأ لو جعلهم أربعة؟

وتوزع الأصحاء العمل فيما بينهم، وكان ان وكل إلى بدر القيام بأعمال الكنس وغسل الآنية وإعداد الأسرة وتحضير الشاي والطعام؛ ومن الطبيعي ان يتوقع المرء وهو ينظر إلى هذا البيت المزدحم وقوع المجادلات والمنازعات بين سكانه، خصوصا وان المشارب متفاوتة، والاغتراب يضع النفوس في توتر متحفز، والهنات تكبر إذا صادفت أعصابا مرهقة، والموضوع الصغير يتطور في سياق الجدل التنفيسي إلى مشكلة، فكيف إذا عرفنا ان بدرا لم يكن راضيا عن الدور الذي يقوم به في خدمة تلك العصبة، وهو يرى انه كان يجب ان يتمتع بشيء من امتيازات الفتى المثقف الموهوب الذي يحسن شيئا آخر أهم من غسل الصحون وكنس الغرف وإعداد الأسرة؟

وكان الآخرون ؟وأكثرهم من العمال - يعدونه " أفنديا " ويلمحون لديه عدم التزام دقيق بما يعتقدونه ولاء حزبيا ومبدئيا فهو يشتري قصة " عشيق الليدي تشاترلي " للورنس، فيرونها في يده، فيستنكرون ذلك ويمنعونه من قراءتها، وينصحونه بأن لا يتجاوز في قراءاته الحدود المعقولة المقبولة: ان يساريا مثله يجب ان يتسامى على

(1) جريدة الشعب العدد الأسبوعي: 4090 (15/2/1958).
(2) الحرية، مقال بعنوان " أخلاق الشيوعيين " .

(1/174)

الأدب المنحل والقصص البديء المكشوف، وان يقرأ ؟أن شاء القراءة - قصص غوركي وايليا اهرنبرغ وتشيكوف من الروس وكتابات دكروب وحنا مينه في لبنان، وشعر نيرودا وناظم حكمت.

واتهمه الرفاق بأنه ينتمي إلى طبقة البرجوازية الصغيرة وان ما لديه من آراء شاذة إنما هي رواسب تخلفت في نفسه بسبب ذلك الانتماء، ومرة قال له احدهم: " انتم الافندية؟ انتم أبناء الطبقة البتي برجوازية " ، فثار في وجهه قائلا: " تعال حاسبني، أينا الافندي وأينا الكادح؟ انك تتقاضى راتبا اكبر من راتبي، وتلبس ملابس خيرا من ملابسي، وتنام على فراشي، وتقوم بأعمال أهون مما أقوم به، انك لا تكنس ولا تغسل الاواني القذرة؟ " (1) .

وحلت ذكرى الوثبة، فأحب الرفاق الاحتفال بذكراها واعدوا كلمات لتلك المناسبة، وكان فيهم إيراني خطب بلغته، فقال في خطبته:

" إن فيصلا ونوري السعيد وعبد الإله اتفقوا ضد الشعب العراقي وعقدوا اجتماعا في قصر الزهور " ، فاستولى الضحك على بدر ولم يستطع إسكاته، لأنه حين تصور الملك الطفل تنسب إليه أمور خطيرة الشأن، أضحكته المفارقة، ولكن الرفاق ثاروا عليه، وقرروا طرده من الحفلة وحرمانه من العشاء تلك الليلة (2) .

وهكذا كانت الفترة التي قضاها في الكويت مليئة بالمهارات والمنازعات، في موضوعات مختلفة، ولكن اشد ما غاظ الرفاق فيه تفضيله شكسبير على ناظم حكمت وادلاله عليهم بثقافته الواسعة في اللغة الإنكليزية وغضه ؟في معرض التحدي والمهاترة - من كل الشعراء اليساريين كأن يقول: " أخي، ليس ناظم حكمت وحده بل لو

(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.

(1/175)

وقف ناظم حكمت ثم وقف على رأسه بابلو نيرودا ثم وقف على رأس هذا اراغون ثم وقف قسطنطين سيمونوف فوق رأس اراغون لما بلغوا جميعا كعب شكسبير " (1) ويشفع هذا كله باستعلائية غياظة وهو يتحدث عن " دار المعلمين العالمية " حتى قال له أحدهم مهما ترا منذرا معا: " نحن يا عمي عمال وقد تكون أنت قد درست الأدب الإنجليزي في دار المعلمين ولكن؟ ولكن سيأتي يوم حين نجلس نحن الذين لا نعجبك وراء منصفات القضاء لنحاكمكم " (2) .

ليس من الضروري أن تكون التهمة الموجهة إلى السياب - وهي أنه يحمل رواسب الطبقة البرجوازية - تهمة صحيحة، ولكن حسبها أنها التفسير الذي استطاع أن يهتدي إليه رفاقه حين كانوا يرون في تصرفاته ما لا يقرونه من الزاوية العقائدية. لقد وجدوه - كما وجد هو نفسه - يقرأ غير ما يقرءون، ويضحك في أشد الأوقات جدية، ويطامن من شموخ الأدباء الماركسيين، ولا يتورع حتى عن قراءة أدب موسوم بالانحلال . و رغم هذا التباين في الميول و المفهومات، و ربما في الغايات ، ظل بينهم يستقبل الرفيق " جنجون " ؟منظمهم الحزبي - الذي كان يسكن في محلة نائية من محلات تاكويت، ويهرع إلى لقائهم وهو يحمل جريدة الحزب أو أحد منشوراته، للدراسة والمناقشة.

ولما عاد إلى العراق ؟بعد ستة اشهر في الكويت ؟ووجد الأحوال فيه لم تتغير، لم يكن يحس بأنه ؟فيما تربى لديه من مشارب وآراء - قد اصبح غريبا على حزبه ومعقد انتمائه، وإنما ظل الحزب هو مفزهع الوحيد، ولهذا قرر أن يغادر العراق وأن يسافر إلى مهرجان الشبيبة في بوخارست، فأخذ من الحزب الشيوعي العراقي رسالة

(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.

(1/176)

توصيه إلى حزب توده الشيوعي في إيران (1) .
وقد زلزلت التجربة الإيرانية في المرة الأولى والثانية من زيارته لإيران، بقية الدعائم الحزبية التي كانت ما تزال ثابتة ثبوتا مؤقتا في نفسه، وقربته من لحظة الانفصال.

في تلك التجربة رأى العرب الذين يقطنون تحت الحكم الإيراني في منطقة " عربستان " ووجد لديهم شعورا قوميا قويا متسترا في آن، وذات يوم كان في أحد المشارب مع بعض أصحابه يتحدثون بالعربية فاقبل عليهم بعض الشبان العرب من أبناء عربستان، وراح أحدهم يقول في حسرة: انتم اخوتنا وكم تتمنى لو كنا معكم في بلاد واحدة، واخذ يغني اغنية عربية يذكر فيها الملك " فيصل " متدحا، ظنا منه أن ذلك يعجب العراقيين، فما كان من أحد السكارى الإيرانيين الا أن هجم على الفتى العربستاني صارخا: " أنت إيراني، غني على ملك إيران ؟شاهنشاه " (2) . ورغم أن أهل تلك المنطقة يتكلمون العربية فان الحزب الشيوعي يصدر لهم صحيفة تسمى " خلق خوزستان " باللغة الفارسية؛ وقارن بدر بين الحزبين: الحزب الشيوعي العراقي يكاد يكون في خدمة الاقليات وصوتها المعبر عن آمالها، فهو يصدر لكل اقلية صحيفة بلغتها، وحزب توده الإيراني يفيض بنزعة قومية غالبة؛ يقول بدر: " ورأيت ؟فيما رأيت - إن حزب توده كثير الاهتمام بالحوادث التقدمية والوطنية في التاريخ الإيراني، فهناك مثلا يوم يحتفل فيه الشيوعيون الإيرانيون احتفالا عظيما هو ما يسمونه بيوم " مشروطيت " وأظنه؟. يوما طالب فيه بعض الأشخاص الإيرانيين بتطبيق روح الدستور في إيران (3) .

(1) الحرية: 1442.
(2) الحرية: 1502.
(3) الحرية، من مقالة بعنوان: " تجربتي مع تودا " .

(1/177)

ثم حدثت الثورة على مصدق في تلك الفترة، وشهد بدر كيف تخلى حزب توده عنه حتى تمكن زاهدي ومن وراءه من المتآمرين من إنجاح خطتهم، ولما ثار بدر على هذا التخاذل وسأل عضوا من حزب توده ؟في طهران - كيف يدعون الأمور تتجه في هذا المجال أكد له ذلك العضو أن الثوريين كانوا يقدرون على سحق زاهدي وأردف قائلا: اسمع أيها الرفيق العربي نحن على حدود اتحاد شوروي (الاتحاد السوفيتي) واذا استولينا على الحكم ؟نحن الشيوعيين - فهل تظن الأمريكان يسكتون عن ذلك؟ بالطبع لا.. سوف يتدخلون، وإذا ما تدخلوا أصيب الاتحاد السوفيتي بالضرر " (1) وأيا كان حظ هذا التعليل من الوحاهة أو التفاهة، فإن موقف حزب توده قد مكن الفرصة لاستقواء الاتجاه اليميني في إيران وحصر حزب توده في " قمع بلوطة " ، ولكن هذا الموقف نفسه قد حطم بدر آمالا عريضة، وازدادت آماله تكسرا حتى أصبحت دقاقا مطحونا حين عاد إلى العراق وحدث رفاقه بما كان من تقاعس الحزب الإيراني، فوجد رفاقه العراقيين يصوبون ما اقدم عليه حزب توده، لأن في ذلك كل خير ومصلحة للسلام.

وبقيت الشعرة الدقيقة التي كان يستبقيها معاوية بينه وبين الناس فلا يسمح لها بأن تنقطع، ولكن بدرا كان غير معاوية، ولذلك يقول في وصف خيط الشعاع الهبائي: " لقد بقيت رغم هذا عضوا في الحزب الشيوعي العراقي معزيا نفسي بأن القيادة قد تتغير ويأتي إليها أناس يقدرون مصالحهم القومية حق قدرها. غير أني لم يعد يربطني بالشيوعيين غير خيط واه ضعيف، وكان أقل خطأ يرتكبونه كافيا لأن يقطع هذا الخيط بيني وبينهم " (2).

(1) الحرية: 1442.
(2) الحرية: 1442.

(1/178)

وذلك هو الجانب الحزبي من التجربة الإيرانية التي أمدت السياب بشئون أخرى مفيدة، فقد تعرف فيها إلى أشخاص كثيرين، وأتيح له من خلالها مزيد من التمرس بنماذج نفسية وأخلاقية مختلفة، ومشاركة في بعض ضروب النشاط، فقد كان يخرج مع " الرفاق " في نزهاتهم أيام العطلة الأسبوعية ويستمع إلى الخطب والقصائد، ومرة ألقى قصيدة عن السلام بالعربية ثم قرئت ترجمتها بالفارسية، واستنسخها أحد الرفاق ودرسها لتلامذته في إحدى المدارس الثانوية (1) . ويقول: " لقد تعلمت في هذه السفرة من فنون الحب ما كنت أجهله ولم يكن ذلك إلا عن طريق رؤيتي للآخرين " (2) . وقد تعرف إلى جوانب مختلفة من الحياة في عربستان وزار شمران ؟وهي مصيف على مسافة من طهران - وسكن في العاصمة الإيرانية وتردد إلى الحانات ودور البغاء في " دروازة قزوين " ، ورأى ؟عن كثب - أساليب زاهدي في تعقب الحزب الشيوعي، وتعلم قليلا من الألفاظ. الفارسية لتعسفه على التفاهم مع الناس.

ولما أزمع العودة إلى وطنه كان يعول على ثمانين تومانا استدانها منه أحد الشيوعيين العراقيين (وهو إيراني الأصل) ولكن المدين عجز ؟أو تظاهر بالعجز - عن الوفاء بدينه معتذرا بأن الأعمال معطلة وأنه لا يملك مصدرا للارتزاق، وعندئذ لجأ بدر إلى رفيق عراقي يعده مثال النزاهة بين من عرفهم من أعضاء الحزب ويرمز إليه بالحرفين (س.ج) فباعه فراشه وسريره واشترى تذكرة قطار في الدرجة الثالثة إلى المحمرة ليعود منها إلى العراق (3) ، وهو مثقل النفس بالتجربة الإيرانية المريرة.

(1) الحرية " تجربتي مع تودا " .
(2) المصدر نفسه.
(3) الحرية، مقالة عنوانها " نماذج من سلوك الشيوعيين " .

(1/179)

بقي أن أقول: أن التفرغ الذي هيأته له هذه المرحلة في الكويت وإيران، وشعوره بالغربة الضائعة، وتململه تحت وطأة الضيق المادي، وامتلاء نفسه بالمقارنات والمفارقات، كل تلك العوامل قد مكنته من الانصراف إلى إنجاز مشروعات شعرية غير قليلة، وخاصة في نطاق القصيدة الطويلة، وقد منحت شعره شيئا من تلوين جديد.

(1/180)

- 15 -

الأسلحة والأطفال

كان بدر يحمل في حقيبته عندما عاد من الكويت ثلاث قصائد، اثنتان منها طويلتان وهما: " الأسلحة والأطفال " و " المومس العمياء " وواحدة متوسطة الطول هي " غريب على الخليج " وهو يضيف إلى هذه الثلاث قصيدة رابعة يقول انه نظمها في الكويت: " أتعلم أن قصيدة أنشودة المطر التي كتبتها أثناء إقامتي في الكويت هاربا من العراق أيام نوري السعيد كانت قصيدة يغلب عليها طابع الالتزام ولكنني حذفت منها عدة مقاطع فصارت على ما هي عليه؟ " (1) فهذه تجعل القصائد الطوال ثلاثا، وتؤكد أن السياب وجد لديه في الكويت متسعا من الوقت ليحقق أمنيته الكبرى وهو أن يعرف بين الناس باسم " شاعر القصائد الطويلة " ، ولكنه وجد عند عودته إلى العراق أن مثل هذه القصائد لا تتسع له صدور الجرائد والمجلات ؟بسبب الحجم - ، وأن العثور على ناشر يضطلع بنشر كل قصيدة على حدة في كراسة خاصة أمر عسير، ولهذا اضطر أن يعود إلى الشكل المتوسط أو القصير، وكان ظهور القصائد التي تحمل اسمه على صفحات الجرائد اليومية أو المجلات وصلا لما انقطع أثناء غيابه، وتأكيدا لاستمراره في

(1) أضواء: 54.

(1/181)

الشعر، وذلك لأنه لم ينشر بيتا واحدا خلال الفترة التي قضاها في إيران والكويت، وحين عاد إلى العراق وجد أن غيابه قد كان مجالا لبروز شعراء آخرين ينافسونه في ميدان الشهرة، هذا إلى قلة صبر الناس على قراءة القصائد الطويلة، إذا تجاوزنا حلقات النقد الأدبي ومجالات الاهتمام الخاص بالشعر والحركة الشعرية الحديثة.

وكان نظمه لقصيدتي " الأسلحة والأطفال " و " المومس العمياء " في فترة واحدة يدل على أن الانقسام القديم الذي أثمر قصيدتين سابقتين وهما: " فجر السلام " و " حفار القبور " ما يزال يفعل فعله في نفسه، فبينا تعد " الأسلحة والأطفال " انطلاقا طبيعيا من قصيدة " فجر السلام " وتطورا فنيا على أصول الموضوع المشترك، تجيء قصيدة " المومس العمياء " تتمة لأختها السابقة " حفار القبور " أو صورة من روح الاستسلام للتعذيب في مقابل تلك الروح " السادية " الطاغية عند الحفار.

ومن الطبيعي أن يرحب " الرفاق " بقصيدة " الأسلحة والأطفال " وأن يبدوا شيئا من التردد في قبول القصيدة الثانية، لأن الأولى " تخدم السلام وتدعو إليه؟.. وان المعركة الرئيسية هي معركة السلام، وأما ما عداها ؟وخاصة المشاكل التي تناولتها المومس العمياء - فأشياء ثانوية " (1) ؛ وإذا كان هذا الموقف تعبيرا عن تعبيرا عن وجهة نظر سياسية، فأنه يتضمن أيضاً ؟سواء عرف الرفاق ذلك أو لم يعرفوه - حقيقة فنية، تتصل بطبيعة المهمة الشعرية: فقصيدة " الأسلحة والأطفال " صورة لحرية الإرادة الإنسانية والفعل الإنساني، وهي نغمة من الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير والثورة، ولذلك فأنها تحمل ما يحمله الأمل المتفائل من ارتياح نفسي، بينما تمثل قصيدة " المومس العمياء " أقسى أنواع الجبرية، إذ لم يكتف الشاعر بأن يصور مومسا مسكينة جنت عليها

(1) الحرية، العدد: 1443.

(1/182)

ظروف قاهرة، بل جعلها عمياء، ليجعل نبذها حتى عند طلاب الشهوة أشد، ويكدس فوق كاهلها المرهق عبء السنين وزحف الشيخوخة، وموت الطفلة، والعمى المقعد، دون أن يكون هناك بصيص من نور بين تلك الظلمات المتراكمة في ذلك البحر اللجي الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب؛ فالقصيدة من ثم تملأ النفس بنقمة على علة محتجبة، وتبهم الغاية، وتحيل التأمل في المصير إلى كآبة مرهقة. والتوفر على نظم القصيدتين في فترة واحدة يؤكد ان الجسر الذي يصل بين حرية الإرادة والجبرية المطلقة ما يزال مفقودا لدى الشاعر، وانه لم يستطع بعد أن يختار طريقه في النظرة إلى الإنسان. كان ما يزال يحس وهو في الجماعة الكادحة المكافحة أنه أحد أبنائها الذين يستطيعون أن يغيروا معالم الشقاء والويلات، فإذا خلا إلى نفسه وتحس آلامه الفردية ؟ وهو ضائع في الكويت " ينفق ما يجود به الكرام على الطعام " (1) ، وجد الصورة السالبية الاستسلامية أقرب إلى تصوير ما يعانيه في قرارة نفسه ورأى صورة " المومس العمياء " مثالا فاجعا لذلك الاستسلام.

وفي أساطير اليونان أن أدونيس (وهو صورة أخرى لتموز) تنازعت حبه كل من برسفونة التي اختطفها (هيديز) القيم على العالم السفلي حين كانت تجمع الأزهار في المروج الصقلية، وأفروديت (وهي صورة أخرى من عشتاروت) ربة الحب، فقضي عليه أن يقسم السنة بينهما، لهذه شطر وللأخرى شطر. كذلك كان الشاعر في هذه الفترة وفي ما سبقها، ما يكاد يمشي خطوة حتى يحس بأنه موزع بين قوتين تشده كل منهما إليها ونريد أن تستأثر به، ولم يستطع أن يجمع بين قوتين إلا حين استكشف رمز " أدونيس " أو " تموز " ، ولكن الحديث عن هذا

(1) من قصيدة " غريب على الخليج " في ديوان أنشودة المطر: 16.

(1/183)

الكشف سابق لأوانه، وان كانت حدة الانقسام في هذه الفترة إرهاصاً نفسيا بذلك الكشف.

ويتسلل الانقسام ؟أو الازدواج ؟ إلى القصيدة الواحدة من قصائده، في مبناها الموضوعي والفني، ففي قصيدة " الأسلحة والأطفال " عاد الشاعر إلى ذلك المبنى السهل الازدواجي الذي اختاره في قصيدة " فجر السلام"، أعني موضوع التقابل بين " السلام والحرب " وبنى قصيدته على أساسه. ومع أن الموضوع مستوحى من طبيعة انتمائه السياسي والإنساني العام، فانه ؟فيما يبدو - اتكأ فيه على الشاعر الفرنسي أراغون، إذ لمح لديه ما يمكن أن يتطور إلى قصيدة طويلة، ومن المحقق انه كان قد عرف " عيون إلزا " لذلك الشاعر ؟وهي قصيدة ترجمها السياب ونشرها في كراسة ونشرها في كراسة مع قصيدة أخرى لأراغون بعنوان " الأيام الضائعة " . ولقصيدة " عيون إلزا " عنوان فرعي هو " الحب والحرب " وهذا هو الموضوع الذي اتجه إليه السياب في قصيدة " الأسلحة والأطفال " ، وكان الجو في قصيدة أراغون يسيطر على نفسه، ولكنه تحول به تحولا قويا: كلا الشاعرين على سيف خليج وأحدهما ينظر إلى السفن التي أغرقتها المعارك الحربية والثاني ينظر إلى السفن المحملة بالبضائع ؟وربما بالركاب - وهي تهم بالأقلاع؛ والحنين إلى العراق يغمره، فيتصورها سفنا حربية نقل الجنود إلى المعركة وهم يلوحون لحبيباتهم الواقفات على رصيف الميناء ويودعونهن " وداع الذي لا يعود " ، وبينما يتحدث أراغون عن " القبرة " ويرمز بها إلى الحبيبة، يتحدث بدر عن " القبرة " التي تصدح في الفضاء، لتضفي على صورة السلم طمأنينة وارتياحا، ويمزح بين القبرة وبين الفجر فيذكر أبياتا لشكسبير في مسرحية روميو وجوليت فيستعيرها على النحو التالي:

(1/184)

" دعيني فما تلك بالقبرة ... دعيني أقل انه البلبل ... وان الذي لاح ليس الصباح " (1) ... ويتصور أرغوان أنه سيصرخ طالبا العودة إلى حبه كأنه شاحذ سكاكين ينادي في الصباح الباكر " سكاكين..سكاكين " ويستعير السياب هذا النداء ويحوله إلى نداء اخر - نداء امرىء يلم ما لدى الناس من أدوات معدنية عتيقة ليقدمها مادة لصناع الاسلحة، كي يصنعوا منها القتل والدمار، وهو في ندائه يصيح: " حديد عتيق..رصاص..حديد " . ويتحول الصراع بين الحب والحرب في قصيدة أراغون إلى الصراع بين حياة السلم جملة الخروب، وبذلك يتسع المجال أمام السياب ليكبر الصورة، ويتفنن في جزئياتها المفردة فالمنظر العام في القصيدة قروي الطابع يبدو فيه الأطفال رمزا للبراءة المطلقة في لعبهم ولهوهم، ويستعير فيه الشاعر صورة من طفولته، وهو يلقط المجار على ضفة النهر فيتصور أن أقدام الأطفال الأبرياء " محار يصلصل في ساقية " ويرسم حور طافحا بالنعومة حين يتصور أن أكفهم المصفقة " كخفق الفراشات مر النهار عليه بفانوسه الأزرق " . ثم يرسم من خلال الجو الذي يضفيه الأطفال على الحياة صورة للوداعة والسعادة والطمأنينة: فالأب ينسى التعب حين يعود فيتلقاه طفله " يكركر بالضحكة الصافية " والعجائز يجمعن من حولهن أولئك " الورود " - في الشتاء - لهم حكايات جميلة، ويتخيلن حين يرونهم أنهن عدن إلى عهد الطفولة الجميل؛ فإذا طلع الصباح نهض الأطفال يخفقون بخطاهم الصغيرة على السلالم ويدغدغون وجوه أهلهم النائمين، أو يرافقون أمهاتهم إلى الموقد لا ذكاء النار فيه؟.

(1) الأسلحة والأطفال: 5.

(1/185)

ولكن سرعان ما يتحول هؤلاء الأطفال إلى جنود يخوضون ساحات الموت بدلا من ساحات الطفولة وملاعبها وإذا هناك جثة دامية وخربة بالية؟.ان نذر الشر تحيط بالأطفال وهم يلهون ويغردون كالعصافير، ويغطي على أصواتهم الرقيقة صوت أجش يصيح في أرجاء القرية " حديد عتيق، رصاص،حديد " - صوت ينضح بالدم، صوت ذلك التاجر المشؤوم (1) الذي يشبه في حرفته " حفار القبور " فهو لا يستطيع ان يطعم أبناءه إلا بالاتجار فيما يصبح مادة لحصادهم، أو قبورا لهم.

وحين يتردد الصوت المنكر مرة ومرة تكبر الربوة التي يلعب عليها الأطفال، فإذا بها تشمل كل ربوات هذه الأرض - ولا تعود مقصورة على القرية - ففي كل بلد أطفال أبرياء يلعبون، والناس سعداء كالأطفال سيتخذ هذا الحديد أغلالا لهم ونصلا لقطع أوردتهم وقفلا دون حريتهم: يستوي في ذلك أطفال كورية وعمال مرسيلية وأبناء بغداد؛ ويتقابل الصوتان: صوت الأطفال وصوت التاجر، ولكن الصوت الثاني يفتح أمام عيني الشاعر صور الويل والخراب والدمار والأشلاء والانفجارات، وانهدام الجدران التي خط عليها الصغار لفظة " سلام " ويتغير وجه الأرض:

فمن يملأ الدار عند الغروب ... بدفء الضحى واخضلال السهوب (2) ... ويستمر التاجر في ندائه: فإذا أم تخرج من بيتها لتبيعه السرير العتيق " المهاد الذي التقى عليه عاشقان " ليصبح في المستقبل شظايا تفصل ذراعا عن ذراع، ولكن هكذا شاء أرباب " وول ستريت " :

(1) راجع صورة خضوري اليهودي الذي كان يجمع النحاس العتيق، فيما تقدم.
(2) الأسلحة والأطفال:5.

(1/186)

وأرباب وول ستريت القساه ... يحيلون حتى حديد السرير ... جناحا عليها المنايا تغير ... ويعود الصوتان إلى التقابل: وما أسرع ما يرى الشاعر آلام العذاب القاتل الذي يعانيه عمال المناجم ليبنوا حضارة سلمية من مركبة " يخف لها الصبية حين يسمعون أجراسها " وجسر وناعورة ومحراث يهز قلب التراب " وتخضل حتى الصخور الضنينة " ؟ ولكن وسائل السلم قد تتحول في يسر إلى و سائل دمار فلا يسمع إلا " صوت الرصاص وآهات الثكلى والطفل الشريد " . ولكن كيف تكون حال الأرض إذا خلت من الأطفال؟ وعند هذا الحد ينتهي التقابل بين الصوتين، فيقسم الشاعر بأقدام الأطفال وبالخبز والعافية أن جباه الطغاة لا بد من أن تعفر، ولا بد من تحويل أدوات الحرب إلى حروف هادية.، ولا بد من تحرير آسية من المغيرين: ثم يأخذ في إهداء " السلام " إلى مناظر السلم الجميل من حقل ودار ومعمل وزهرة وصبية وشاعر، وقد انتشرت ملاءة ذلك السلم فوق الدون والصين " والحاصدين، وصياد أسماكها الأسمر " فلولا الحرب التي يثرها الطغاة لما بكت نساء الجنود ولا بكى الأب بنيه، ولا شبت نيران الحقد لتحصد حي الزنوج ولا عاش أبناء يافا - على مقربة من لألاء مدينتهم - يعانون الزمهرير القاتل؛ ويمضي الشاعر في نشر رايات السلام فوق مختلف البقاع: فوق مدفن شكسبير، وباريس روبسبير وايلوار وتونس والرباط وفينيسية والكرنفال والمسيبسي وأغاني الزنوج من حوله؟ ويعود منظر الصبية العصافير، والدواليب تدور في كل عيد:

فقد لاح فجر العبيد ... وأنا رفعنا لواء السلام ... رفعناه فليخسأن الظلام ...

(1/187)

فالرصاص والحديد لم يعودا يتخذان للحرب وإنما لبناء كون جديد.

تلك بإيجاز هي الصورة العامة للقصيدة، ويتضح منها أن المبنى الشعري أقيم على أساس المقابلة بين دنيا الأطفال في براءتها وحيويتها وما تضفيه من هناءة في القلوب، وما تعقده من علاقات سلمية في الحيات و بين الدعوة إلى الحديد و الرصاص ؟وقد كان هذا التقابل يمثل الدورتين الأولى والثانية في القصيدة على نحو مسترسل ضاف، فيه طول النفس وفيه جمال التصوير لدينا الأطفال والصورة المضادة لها، ولكنه انقلن إلى تصوير جزئية صغيرة - منظر أم فقيرة تبيع سريرا كان ذات يوم مهدا للحب - ثم عاد يرسم التقابل بين تعب العمال في استخراج المعادن التي تبني الحضارات، وتحول هذه المعادن نفسها في خدمة الشر والطواغيت، ثم يجيء قسم بتحرير الأرض من أولئك الطغاة، وتمجيد عالم السلام وصانعيه في عدد كبير من الأمكنة، وتختم القصيدة بالأمل في فجر جديد؛ وقد أضطرب البناء على الشاعر، ولكنه في كل مرة لم يفلت الخيط العام الذي يربط أجزاء القصيدة، وذلك الخيط هو الالتفات دائما إلى الأطفال - والى سحر عالم الطفولة، فإذا أضطره المقام إلى الابتعاد عن تصوير هذه الناحية إيجابيا تساءل: كيف يكون العالم إذا خلا من الأطفال؟

فمن يتبع الغيمة الشاردة ... ويلهو بلقط المحار؟ ... ويعدو على ضفة الجدول ... ويسطو على العش والبلبل ... ومن يتهجى طوال النهار ... ومن يلثغ الراء في المكتب ...

(1/188)

ومن يرتمي فوق صدر الأب ... إذا عاد من كده المتعب؟ (1) ... ولهذا احتفظ بأجزاء قصيدته مرتبطة معا، وان كان اضطراب المبنى قد جعلها عرضة للتكرار غير الفني، وللاختلال في الصورة الكبرى. لماذا حدث ذلك؟ - أعني اضطراب المبنى - قد يكون هناك غير سبب واحد: أما أولا فأن الاحتفاظ بالازدواجية التي ظهر في الدورتين الأوليين لم يكن ممكنا، فقد وضع فيهما الشاعر الخطوط الأولى لكل ما يريد ان يقوله وثانيا ان الشاعر لا يكف قلمه عن الأسراب وراء أية جزئية في موضوعه، ولم كان ذلك خروجا على المبنا العام، وثالثا إن الموضوع الذي اختار الشاعر كبير يتسع للحياة الإنسانية كلها ومن ضعف التصور أن يظن أي شاعر انه قادر على الوفاء بمثل هذا الموضوع، وموقفه أدق حين يكون - كبدر - شاعرا يستهويه التفصيل؛ ورابعا لأن المبنى المزدوج يظل يتقبل مزيدا من الدورات دون أن يبلغ مرحلة الختام، ولهذا اضطر الشاعر ان يحول القصيدة إلى " شعارات " ، يحيي فيها جميع العاملين من أجل السلام، وان يمنحها خاتمة تشبه أن تكون من قبيل التفاؤل المقرر سلفا.

ومع ذلك كله فان للقصيدة جمالا خاصا يفردها بين كل ما عرفناه من قصائد بدر، لانا إذا تجاوزنا الشكل السياسي المفروض على ذهن الشاعر من الخارج وجدناها قصيدة تنبض بشتى صور الطفولة العذبة، وتفيض بمشاعر إنسانية قوية وخاصة عند التصدي لغياب نجوم الطفولة عن عالم الإنسان - انها انتصار للحياة على الموت، وهذا شيء فذ في شعر السياب - أو في اكثر شعره، على وجه الدقة. وهي بهذا كله ترتفع كثير على قصيدة " فجر السلام " وان اشبهتها في بعض تفاؤلها

(1) الأسلحة والأطفال: 17.

(1/189)

الختامي. وهي إلى ذلك تعبير عن قدرة بدر على ان يصور الحياة ببساطة ودون حشد زاخر من الصور، مثلما حاول أن يفعل في " حفار القبور " . ومع ذلك كان بدر فيها - من حيث البناء الكلي - ضحية طموحه بأن ينقل قطاعات كثيرة من الحياة الإنسانية، ويضعها في إطار واحد، ولو اكتفى برسم صورة الأطفال اللاعبين، المنادي الذي يشتري المعادن العتيقة وما ينجم عن هذا التقابل من فزع في نفسه إزاء صورة ثالثة تمثل الدمار، وتقتل البراءة بقتل رموزها، ولكن ذلك أقدار على التأثير الفني، عن طريق الاكتمال الطبيعي في البناء. ومهما يكن من شيء فأن قارئ القصيدة يحس بنضج الحنين في نفس الشاعر إلى بيت وطفل، ولعل هذا الشعور العاتي هو الذي مكنه من أن يجعل الأطفال محور الجمال وقطب الترابط في قصيدته، غير ناس أن ينعش من خلال ذلك صور طفولته في جيكور.

وتتميز القصيدة باتساق الروافد الثقافية في حزمة واحدة، وقد ألمحت من قبل إلى الأثر الخفي الذي تركه فيها أعوان، وتلك الاقتباس الجميلة التي وقعت موقعا جميلا حين انتزعها عامدا من رواية روميو وجولييت؛ ولأول مرة نجد عنده اقتباسا من اديث سيتول (1) ، الشاعرة التي ستهبه في المستقبل دنيا من الصور والرموز؛ وتناسب في ثنايا القصيدة خفقات من قصيدة شوقي، التي يتحدث فيها عن الأطفال:

ألا حبذا صحبة المكتب ... وأحبب بأيامه أحبب
ويا حبذا صبية يلعبون ... رداء الحياة عليهم صبي بل ان المفارقة التي رسمها شوقي بين عالم الأطفال وعالم المستقبل الذي لعب بمقاديرهم ونثر تلك الباقة الجميلة بيد قاسية، هي المفارقة

(1) انظر ص : 16 وهو اقتباس مباشر، ولكن اثر اديث سيتول قد ظهر في قصيدة " فجر الإسلام " حيث تحدث عن " ظل قابيل " .

(1/190)

التي نقلها السياب بين عالم الوداعة وعالم الحديد والرصاص. ومن الطريف ان الشاعر عاد إلى جزء من قصيدة " نهاية " - وكان قد نشرها في ديوانه " أساطير " - فاقتبس ذلك الجزء الذي يصور فيه منظر أب غرق أبنه، فهو في لوعته وتفجعه يتردد هنا وهناك كالمذهول سائلا عنه المياه، وضمنه قصيدة " الأسلحة والأطفال " ليقول انه رأى هذا المنظر في الواقع عيانا وشهد صورة مجسمة التي يجلبها الموت (1).

وحين أعاد الشاعر نشر هذه القصيدة في ديوانه أنشودة المطر (دار مجلة شعر - بيروت، 1960) أجرى فيها بعض التغيير والحذف، فهذا البيت:

سلام على (الدون) فاض النعيم ... اصبح:

سلام على (الكنج)؟ ... وحذف من القصيدة كل شيء يتحدث عن طواغيت " وول ستريت " كما اسقط هذا المقطع التالي الذي يتحدث عن حي الزنوج:

ولم تحصد النار حي الزنوج ... ولا مج فيه الرصيف الدماء ... ولا اجتاحه المجرمون العلوج ... بما جرروا من غلاظ الحبال ... وما صفدوا من رقاب الرجال ... ولا أن مرضى بطاء الليال ... وحذف مقطعا آخر طويلا يتحدث عن الزنوج وعن وسائل الفتك بهم (2) ؛ وتخلى أيضاً عن الخاتمة التي جاء فيها:

(1) انظر أساطير: 61 وقارن " الأسلحة والأطفال " : 18.
(2) انظر ص 28 من الطبعة الأولى.

(1/191)

فقد لاح فجر انطلاق العبيد ... وانا رفعنا لواء السلام ... رفعناه فليخسان الظلام ... وليس ما أخلت به الطبعة الثانية مما حذف لان الشاعر حاول أن يعدل في المبنى الفني؛ وقد يسأل سائل: هل أخل هذا الحذف ببناء القصيدة، وهل يستطع ان يدركه من كان لا يعرف الطبعة الأولى؟ وهذا سؤال لا يحتاج جوابا، فقد سبق أن أشرت إلى أن التفصيلات الجزئية في القصيدة كثيرة، ومعنى ذلك ان هناك جزئيات أخرى لو أسقطت منها لما أحس القارئ بأن هناك لبنة سقطت من موطنها الطبيعي. والسؤال الذي يحق ان يلقى هو: لم حذفت تلك الأجزاء دون سواها؟ إذ من الواضح ان المحذوف يتصل بموضوع واحد، وهو إخفاء الهجوم على طواغيت " وول ستريت " وإخراس الصوت الذي يتحدث عن قضية الزنوج، وطمس الخاتمة التي تتحدث عن رفع " لواء السلام " . ولا يحتاج القارئ إلى تأمل كثير كي يدرك سر الحذف، فان كان الذين تولوا نشر الكتاب هم الذين قاموا بذلك، فان طبيعة المحذوف تفضح ماهية الهدف، وان كان السياب هو الذي تولى ذلك فانه أمر قد يحمل على نزعة المراضاة والمجاملة للناشر، وهو أمر يقرر ان هذه النزعة لدى السياب ؟كما أشرت من قبل - كانت تصيب مبادئه ودفنه بخدوش، وأحيانا بجروح عميقة. أم ترى أن السياب راجع خطأه حين وجد ان الزنوج كانوا ينعمون بالحرية والمساواة وان عصا التفرقة العنصرية قد كسرت إلى الأبد؟ من العسير ان ننسب إلى الشاعر عرضه للمبادئ والمواقف ؟حسب متطلبات السوق الراهنة - ، ولكن من العسير أيضاً أن تتصور مفكرا يتنازل عن نزعته الإنسانية في سبيل عرض هذا الأدنى ؟اعني المراضاة والمجاملة، والفوز لقاء ذلك بطبعة أنيقة لديوان شعر.

(1/192)

- 16 -

المومس العمياء

حين انتقل الشاعر إلى كتابة قصيدة " المومس العمياء " لم يكن يدرك أن القصيدة التي تبنى على التضاد بين موضوعين (كالحياة والموت أو الحرب والسلام) قد تخفق، ولم يحس انه قد اخفق حقا في هذه المحاولة مرتين، ومع ذلك فانه في قصيدة " المومس العمياء " تجنب موضوع التضاد، شبعا مؤقتا من ذلك النوع من المبنى، وانتحى منحى آخر، لعله ابسط بكثير من البناء المزدوج.

كان في قصيدة " حفار القبور " قد ترك الباب مفتوحا ليعود إليه، لكنه بدلا من ان يعاد الكتابة مرة أخرى عن الحفار، وجد انه قد ضحى بالمرأة البغي في سبيل التصوير الفني حينئذ، فلم لا يتناول الحديث من زاوية النظر إلى تلك المرأة، فان الموضوع اشد اثارة واقرب إلى النفوس من موضوع " الحفار " ؛ وإذا كانت شخصية الحفار تمثل النزعة السادية الطاغية ؟كما أشرت من قبل - فأن تصوير نظريتها، في حالة استسلامية، اقرب إلى الناحية الإنسانية لأنه يستطيع ان يثير قدرا اكبر من الشفقة والعطف والرثاء.

ولقد كانت بعض الأدوات التي أسعفته في قصيدة الحفار ما تزال جاهزة لديه: فهو بحاجة إلى المنظر الليلي وإلى صورة الحارس

(1/193)

المكدودة، وصورة العابرين، وإلى السكير الذي يرتاد حي البغاء، ولكن لا بد من تغير الدافع المحرك للقصيدة: فقد كان هو المال لإشباع الشهوة الجنسية، أي أن الظمأ الجنسي كان هو الدافع الأقوى في توجيه قصيدة الحفار، ويصبح عنصر المال أقوى في قصيدة " المومس والعمياء " وتصبح الشهوة الجنسية وسيلة للحصول عليه، وتغدو الغاية من العنصرين: الشهوة والمال هي الحصول على القوت. وحين يتغير الدافع في القصيدة تتغير معالم أخرى كثيرة تبعا لذلك: فتدخل في الصورة شخصيات جديدة منها عدد من البغايا، والقواد، والجنود وصورة والد الفتاة التي أصبحت بغيا، وزوجة الشرطي، وبائع الطيور في حي البغاء، وعندما يتغير الدافع ويقوى عنصر المال يصبح إفراده بالحديث أمراً طبيعيا في القصيدة الجديدة؛ وتتعدد المسارب النفسية إلى الموضوع: فيمكن الوقوف عند الانتحار، والاحتجاج الجريح على هذا الوضع السلبي، والتغلغل في الذكريات، والمقارنة بين الصبا وخطر الشيخوخة الزاحفة، وبالجملة فأن قصيدة حفار القبور ليست سوى صورة لرجل معين يمشي في الطريق من الجبانة إلى المبغى ثم يعود إلى القبور. أما قصيدة " المومس العمياء " فأنها تاريخ حياة امرأة ؟شريط زماني يسترسل في داخل مخطط مكاني عريض هو حي البغاء في بلد عراقي. ولذلك كان هم الشاعر أن لا يعزل استرسال ذلك الشريط عن الواقع المكاني، بل ان يبقي البعدين الطولي الزمني والعرضي المكاني متجاوزين أو متلازمين.

وتاريخ حياة إنسان قد يقص حسب تتابعه الزمني، ولكن القصيدة تضيق ذرعا بذلك أحياناً، لأن نمو القصيدة ليس من الضروري أن يعتمد على تسلسل الزمن ؟كنمو الإنسان؛ فإذا تذكرنا ان قصة حياة فتاة تحترف البغاء لا تصور إلا في لحظتين: ما قبل السقوط وما بعده، أدركنا ان اللحظة الأولى هي

(1/194)

الجديرة بالتصوير، لرسم المفارقة البعيدة أولاً بين الماضي والحاضر، وللهرب إلى أحضان الماضي الجميل من شقاء التعاسة الراهنة؛ أي أن نمو قصيدة تتناول مثل هذا الموضوع يتم بالمزج بين الرؤية للواقع على ضوء من الذكريات، كما يكون للتداعي واللمح الرجوعي أثرهما في بناء القصيدة. وعلى التداعي والرجعات الخاطفة اعتمد السياب كثيرا في قصيدته، حتى جاءت سلسلة: حلقاتها الرؤية (أو التأمل في الواقع) والاستنكار، وليس يربط بين تلك الحلقات أحياناً إلا الخيط العام وهو صلة المرأة بكل حلقة منها على حدة. ويتم وصل هذه الحلقات بسرعة خاطفة تفوت على القارئ الفحص عن مدى التعسف أو الضرورة في ذلك الربط.

وتتخلص القصة ؟من حيث كيانها التاريخي - في سطور: فتاة اسمها سليمة، من أصل عربي صريح، عاشت في كنف أب فقير، كان يعمل حصادا بأجر، وذات يوم سمعت طلقا ناريا في الحقول، فهرعت تستطلع الخبر، وقلبها يحدثها ان والدها ربما صاد بطة تصلح طعاما لهم في ذلك اليوم، ولكنها تجد أباها مضرجا بدمائه، قتله إقطاعي (أو حارسه) اتهمه بأنه دخل حقله يسرق من قمحه الناضج، والفلاحون من حوله يهمسون في ذلة مرددين تلك التهمة: " رآه يسرق " . وتنشب الحرب وتجيء آلاف الجنود إلى العراق، فتستباح اعراض، وتقع سليمة فريسة لهذا المد العاتي، وتصبح بغيا محترفة، ويكون الإقبال عليها في شبابها كبيرا، ولكنها تصاب بالعمى وتحس بوطأة السنين الزاحفة، كما يتغير اسمها بعد فقد البصر فيدعونها " صباح " . وبسبب عماها يبتعد عنها طلاب الشهوة وتحس بالجوع والحاجة إلى المال. وفي غمار تلك الحياة القاسية تفقد بنتا كانت من ثمرات الإثم؛ وها هي في ذلك الوضع المحزن تستدعي الأيدي التي تشتري جسدها بما يسد الرمق فلا يسمع دعاءها أحد.

(1/195)

إن هذا السرد التاريخي يبين ان انتقال القصيدة حسب السياق الزمني سيكون خلوا من الأحداث، ولهذا لا يمكن اعتماده في القصيدة واهم حادثة في حياة هذه الفتاة هي ما اتصل بمقتل والدها، ولهذا كان البدء بها ممكنا. ولكن الشاعر كان يعتقد أن القصيدة الطويلة لا بد من ان تكون ملحمية الطابع، والملحمة تتطلب فاتحة تمهيدية، فذهب يمهد للقصة طويلة زادت على ست صفحات: عرض فيها للصورة الليلية التي أطبقت على المدينة، فإذا المدينة نفسها عمياء، والعابرون في طرقاتها هم أحفاد " أوديب " الأعمى ؟فهم أيضاً نسل العمى - تقودهم شهواتهم العمياء إلى المبغى حيث المقبرة الكبرى التي تطبق على جيف مصبغة بأنواع الطلاء، واحد السكارى (أعمى آخر) يدق على الباب يحلم بدفء الربيع، فيسخر الشاعر منه ومن حلمه الكاذب ويخبره ان شيطان المدينة (أي المال) لم يراهن في ذلك الحي إلا على أجساد مهينة محطمة، فليضاجع أية امرأة منهن لييسر لها الطعام، وليس ذلك السكير بأسوأ حالا من الأب الذي جعل من ابنته متاعا يشرى بالمال، فهو قد دفعها (في عماه وجهله) إلى ذلك المصير، وليست التي لحقت بالمواخير أسوأ حالا من " النائمات في كنف الرجال " اللواتي يعاملن بامتهان فهن أيضاً عمياوات في الذلة المضروبة عليهن، وكلهن ؟سواء بقين في كنف الرجال أو في حظيرة الإثم - يربين أطفال الحقد في صدورهن ليعصفن بالرجل المستبد الممعن في عماه.

تلك هي المقدمة وهي رغم التنقل السريع بين جوانب مختلفة من الصورة الكبرى لوضع المرأة، وقسوتها التقريرية، ووضوح التوجيه المقصود، من خير المقدمات التي يعنى بها السياب عناية خاصة في قصائده الطويلة، لأن وحدة " العمى " الحقيقي والمجازي فيها تجعل قصة المومس العمياء جزءا لا يتجزأ من اللوحة الكبرى.

وتبدأ القصة بعد ذلك بصورة بائع الطيور وهو يعرض سلعته في

(1/196)

حي البغايا، وتناديه سليمة لتتحسس ما يبيع، وفيما هي تمر يدها على الطيور تتذكر أسرابها التي كانت تراها في صباها، وتتذكر أباها والطلق الناري والفاجعة، وتسمع صوت قهقهات بعيدة فتعرف أن السمسار قد عاد " من الترصد بالرجال على الوصيد " وتتمنى لو كانت متزوجة فتخطر على بالها قصة زوجة بائسة هي امرأة الشرطي الذي يعمل حارسا في حي البغاء لكي يضمن ألا يتم اتجار بالخطايا " الا لعاهرة تجاز بأن تكون من البغايا " ، وتدرك أن الزوجة ليست أحسن حالا؛ فينصرف خاطرها إلى الانتحار فتدفع عنها هذه الخاطرة لأنها " حرام " فيستبد بها الغيظ وتتساءل في حرقة بالغة: أذن " لم تستباح " ؟ ويغلي الغيظ في صدورها حقدا على الرجال، وتتشفى بتوزيع الداء عليهم، ولكنها تتذكر انهم ليسوا سواء: فمن كان منهم كأهل قريتها كانوا أناسا طيبين، جائعين مثلها " ومثل آلف البغايا، بالخبز والاطمار يؤتجرون " ومن كانوا كالذين اغتصبوها ؟من جند الحرب - فهم المجرمون حقا، في استعلائهم وزهوهم؛ وتسمع وقع أقدام السكارى فيتمثل لها الوجود كله مقسوما في شطرين يفصل لبنهما سور، ها هنا بغايا وهنالك سكارى - تلك هي حياة البشر، وكل فريق منهما يطلب الآخر، ولكن السور عنيد كسور يأجوج ومأجوج الذي سمعت عنه في الصغر، لا يمكن ان يدكه إلا طفل اسمه " ما شاء الله " ، ويدركها الإحساس بأن الزناة يعرضون عنها. ألانها عمياء؟ ولكن الذين يطلبون جسدها لا يبحثون فيه عن عينيها. أترى ان رفيقتها " ياسمين " هي سبب أعراضهم عنها لأنها تزينها بالطلاء، فتتعمد تشويه محاسنها؟ ولكن لا، أنها تغيرت حقا عن تلك الصبية التي كان شعرها يلهث بالرغائب والطراوة والعبير، الصبية ذات الثغر الجميل والنهد الكاعب. ولكن إلى متى هذا الجوع والذباب قد شبع من قمامة المدينة؟ الجوع الصارخ يجعلها تصرخ ؟بينها وبين نفسها - مستدعية السكارى

(1/197)

مدلة بنسبها العربي، لم لا يأتي هؤلاء السكارى فيضاجعون دماء الفاتحين ؟دم خير الأمم كما كان أبوها يقول - ليكون في ذلك درس لكل أب لا يزوج ابنته متشبثا بخرافة النسب. وتسطع المفارقة حين تتذكر المصباح الذي تضيئه للآخرين وهي لا تراه، بزيت تدفع ثمنه من سهاد مقلتها الضريرة ؟والزيت غزير في بلدها - ؛ عشرون عاما مضت وهي تأكل بنيها من سغب، تريد الحياة وهي تخون سنة الحياة، وقد ماتت " رجاء " ابنتها، ولكن موتها كان راحة لها؟ انتظار؟ انتظار: " الباب اوصد، ذلك ليل مر، فانتظري سواه " .

ومن هذا العرض الموجز يتضح مبنى القصيدة، وتظهر الحلقات التي تكون السلسلة: الطيور ؟القهقهات ؟ وقع أقدام ؟ تذكر المصباح ؟ وفي جوف كل حلقة منها خواطر مستدعاة أيضاً، فالتداعي في داخل الحلقات موضوعي (مثلا: تمني الزواج ؟لا زواج فالانتحار بديل - لا انتحار فاحتجاج جريح: لم تستباح؟) ولكن تداعي الحلقات نفسها تعسفي يفرضه الشاعر للاستمرار في البناء، وليس من رابطة بينهما كما أشرت من قبل - سوى صلتها بالمرأة التي تتحدث عنها القصيدة. وهذا بناء سهل لا يكلف الشاعر شيئا من التخطيط سوى ان يترك " بطل " القصيدة حرا في هواجسه، يثبت ما يشاء منها ويحذف ما يشاء، ولا يقف هذا الشكل حين يقف الا عند التعب من التذكر أو عند فقدان المدد الهاجسي الصالح للإثبات والاختيار، ولهذا جاءت خاتمة القصيدة مؤقتة اعني أنها حين أعلنت " ذلك الليل مر فانتظري سواه " تركت الباب مفتوحا للتقفية على آثارها بقصيدة أخرى؛ ومثل هذا المبنى يوفر وحدة موضوعية ونفسية كما يكفل إيجاد جو عام يقوي هاتين الوحدتين ولكنه لا يستطيع أن يؤمن " وحدة ضرورة " اعني نمو الحلقات نموا حتميا، إحداهما من الأخرى. وقد كان من الممكن لهذا المبنى ان يكون مركبا لو كانت الرجعات الخاطفة تنقلا بين

(1/198)

" المونولوج " الداخلي وتيار الحياة الخارجي، ولكن الشاعر آثر ان ييسر على نفسه حين راوح بين القصص السردي والتأمل الاستطرادي، حتى انه ليستنفر الأسلوب الملحمي في سياق القصة نفسه:

يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد ... لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد ... قصي عليها كيف مات وقد تضرج بالدماء ... فبدلا من ان يتركها تعرض القصة من الداخل، يأخذ هو دور الموجه للسياق القصصي.

اذن فإن المبنى لا يجعل من قصيدة " المومس العمياء " قصيدة متميزة، أو نموذجا للقصيدة كما يريدها الشعر الحديث، فهل هناك عناصر تكفل لها القبول في النطاق الشعري العام؟ هناك لباب وأهداب:

أما اللباب فيتمثل في الفكرة المحورية وهي الصورة الداخلية القابعة وراء الانشغال بالصورة الجزئية، صورة فتاة مسكينة جنت عليها ظروف العيش. وتقول الصورة ان المجتمع ؟من حيث الأخذ والعطاء - فريقان: فريق المسخرين ؟بفتح الخاء المشدودة - وهم هؤلاء الطيبون الذين يؤجرون مقابل الشبع، وهم يأنفون من لفظة " بغي " دون أن يكون بينهم وبينها فرق طبيعة المعاملة المتسلطة التي تنحدر فوق رؤوسهم؛ وفريق أرباب " السهام التبرية " التي تصفر في الهواء، وبها قتل والد سليمة، وباسمها قامت الحرب، وبفعلها تم تحويل البنت الشريفة إلى بغي، والرجل العاطل إلى قواد، والشرطي إلى حارس على ممارسة الزنا بعد دفع الثمن للدولة؛ وعندما تحول هذا المجتمع على هذا النحو انقسم أهله في فريقين: فريق السكارى وهم الرجال العمي الذين يدفنون خروق جواربهم في أحذيتهم ويساومون البغي ليوفروا ثمن العطور، وفريق البغايا وهن جميع النساء

(1/199)

اللواتي يمارسن حياة البؤس في ظل الزوج أو دون زوج، وبين الفريقين سور كسور يأجوج ومأجوج لا يفتحه إلا " الشاطر " المسمى " ما شاء الله " . وهذا هو القدر في اعتقاد أولئك التعساء:

ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين
حتم عليها أن تعيش بعرضها

؟؟؟

والله ؟عز الله - شاء
ان تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراق

آلاف آلاف الجنود

؟؟..

الله عز وجل شاء

ألا يكن سوى بغايا أو حواضن أو اماء

أو خادمات يستبيح عفافهن المترفون (1)

هل يريد الشاعر ان يثير النقمة على " القدر " ؟ انه يسرد ما يعتقده أولئك البائسون دون تلميح، ولكن ما شاء أن يأخذ التقرير موشحا بمفارقاته وجد فيه استهجانا أو سخرية، وهو اثر تحجبه طبيعة الانهماك في القصة وتفصيلاتها دون الماع إلى رؤية جلية، في هذا الصدد.

ويتمشى مع الفكرة المحورية ذلك التيار النقدي في القصيدة وهو يتناول سيطرة المال واثر الحرب في المجتمع، والتشبث بفكرة النسب اصريح، وغمز الواقع المتصل الاقتصادي غمزا جانبيا سريعا:

ويح العراق أكان عدلا فيه انك تدفعين

سبهاد مقلتك الضريرة

(1) المومس العمياء: 12.

(1/200)

ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيرة ... كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين (1) ... ولكن اعمق نقد في القصيدة هم ذلك الذي يعالج العلاقة بين الحرفة والحياة: فالمرء يكدح للحياة في خدمة إقطاعي مثلا ولكنه يخون الحياة من حيث لا يدري، لأنه يعين الظلم عل الاستمرار ويفتح الباب لعبودية عشرات آخرين مثله، وكذلك البغي فان الطبيعة هيأتها لتكون أما، ولكنها تضاجع الرجال لتأكل لا لتبقي على استمرار النسل، بل تتعمد ان لا تثمر تلك المضاجعة فتقطع بذلك حبل الحياة، وتضفر حبلا سواه، فتشنق في النهاية بالحبل الذي تضفره.

ذلك هو لباب القصيدة، وهو يمنحها قوة موضوعية وفكرية؛ أما الأهداب فهي العلائق التجميلية والتخيلات الفنية ومنها: اعتماد الرموز والأساطير، فهذه أول قصيدة يتكئ فيها السياب على الأساطير اليونانية وغيرها بشدة، وكان من قبل لا يشتشير سوى قصة قابيل، اما الآن فهو يجمع إلى تلك القصة صورة ميدوزا وأوديب وافروديت وفارست وابولو، ولكن هذه الأساطير تدخل في قصيدته مدخل الإشارات التاريخية، والأسطورة الوحيدة التي تحتل موضعا راسخا في قصيدته هي التي تحدث فيها عن يأجوج ومأجوج والسور:

سور كهذا حدثوها عنه في قصص الطفولة ... يأجوج يغرز فيه من حنق أظافره الطويلة ... ويعض جندله الأصم، وكف مأجوج الثقيلة ... تهوي كأعنف ما تكون على جلامده الضخام ... والسور باق لا يكل، وسوف يبقى ألف عام ... لكن: إن شاء الإله ...

(1) المومس العمياء: 25 - 26.

(1/201)

طفلا كذلك سمياه ... سيهيب ذات ضحى ويقلع ذلك السور الكبير (1) ... ومن تلك الأهداب استغلاله المفارقة الساخرة في القصيدة: المفارقة التي الحارس ساهرا على اقتضاء حق الدولة في إجازة الخطيئة لا على حماية الناس منها، وتجعل هذا الحارس نفسه وهو في حي البغايا يردد أغنية " تصف السنابل والازاهر والصبايا " والمفارقة التي تجعل الذباب شبعان من قمامة المدينة والخيول تجد غذاءها في الحظائر والحقول بينهما الإنسان جائع، والمفارقة التي جعلت " الشرف الرفيع " و " الآباء " و " العزة القعساء " سلعا تعرض في سوق الشهوات فلا تجد مشتريا. والمفارقة التي تجعل عمياء تنفق كسبها القليل لإضاءة مصباح، ثم تلك المفارقة الساخرة في الأسماء: فالمرأة تسمى سليمة وهي لديغة تسوطها الشهوات وترقع وهيها بالدهان، وإذا عميت اصبح اسمها " صباح " ، وإذا رزقت بنتا سمتها " رجاء " ليموت رجاؤها جملة؟

وهناك عذوبة الاقتباس من حياة الناس في أحاديثهم اليومية وأغانيهم:

وتوسلته " فدوى لعينك؟ خلني بيدي أراها " (2)

؟؟؟؟؟

وصدى يوشوش " يا سليمة يا سليمة

نامت عيون الناس آه؟ فمن قلبي كي ينيمه " (3)

ومحاكاة الأغنية الشعبية بما يكسر من حدة الاندفاع السردي في قوله:

(1) ص 18 - 19.
(2) ص: 20.
(3) ص 20 وهي ترجمة لأغنية شعبية. انظر ص: 31 الحاشية: 11.

(1/202)

كالقمح لونك يا ابنة العرب ... كالفجر بين عرائش العنب

أو كالفرات على ملامحه ... دعه الثرى وضراوة الذهب

لا تتركوني فالضحى نسبي ... (1) من فاتح ومجاهد ونبي وهذا الارتكاز على لباب جوهري وأهداب تعتبر ؟في مجملها - علائق فنية جميلة قد يعوض بعض تعويض عن التعسف الذي ادخل الحيف على المبنى الفني الكلي، إذ نجد في اللباب مطلبا أكبر من الحديث عن مومس بائسة، كما نجد في الأهداب مكملات ضرورية للبراعة في السرد أو في التصوير. ومع أن القصيدة لا تتحمل بعدا رمزيا في جميع شخوصها وأحداثها، فإنها يمكن ان تتخذ في عمومها صورة لوضع اجتماعي عام يسوده الاضطراب والفقر والتشبث بمثل بالية؛ آلا أنها تصف اكثر مما تضرب جذور العلل والأدواء، ولا تحمل المسوغات حين تحشد الكوارث، وتطلق " الجبرية " من عقالها وتغل يد الإنسان عن التغيير، وتلقيه في الانتظار، ولعل بواعثها الذاتية إنما كانت نقمة الشاعر على المدينة وسأمه النفسي من تجاربه في دروبها المظلمة.

وقد خضع السياب فيها لمؤثرات خارجية: أما في الموضوع فإنه كان مأخوذا بسحر الروايات الميلودرمية الشائعة التي تهول على المشاهدين بما تكدسه من فواجع، لاعتقاد كتابها ان ذلك يبتز العطف والرثاء ويستدر الدموع؛ وأما في السياق فقد أراد أن تكون القصيدة شاهدا على أتساع الثقافة، ولهذا حشد فيها كثيرا من الإشارات إلي الأساطير - كما رأينا - وقد بدت أكثر تلك الإشارات مجتلبة، ما عدا ذكر أوديب، توطئة للحديث عن العمى، ورمزا للاستباحة العمياء التي لا تستطيع التفرقة بين الحلال والحرام؛ ثم إن " أوديب "

(1) ص 24.

(1/203)

في القصيدة شديد بروحها " الجبرية " التي تشبه فكرة القدر اليونانية، وهي فكرة العقاب للبريء أو المخطئ جهلا دون تقديم علة، حتى ولا علة امتحان المؤمن (كما في قصة أيوب). وقد كان السياب بحاجة إلى ان يدرك ان يدرك ان ترديد الأسماء الأسطورية أو التاريخية محض ترديد لا يصنع رموزا؛ وأن صهر الإشارات في سياق القصائد أكثر انسجاماً واقدر. على تحقيق حسن الظن بالثقافة الواسعة، ففي قوله:

انك تقطعين

حبل الحياة لتنقضيه وتضفري حبلا سواه

إشارة إلى بنيلوبه وهي تحيك غزلها ثم تنقضه في انتظار عولس، ولكنها انصهرت في السياق، وأصبحت تومئ من بعيد إلى قصة قديمة، وهي على هذا النحو خير من التصريح بذكر بنيلوبه وفرضه على المقرئ فرضا.

وليس في كل حين يكون الاستمداد من النبع الثقافي موفقا، كيف كانت في الصبا، حتى تنكر من نفسها ما صارت إليه:

تلك المعابثة اللعوب؟ كأنها امرأة سواها ... كالجدولين تخوض ماءها الكواكب، مقتاها ... والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير ... ؟.

كانت إذا جلست إلى المرآة يفتنها صباها ... فتظل تعصر نهدها بيد، وتحملها رؤاها ... من مخدع الآثام في المنفى إلى قصر الأمير ... تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير ...

(1/204)

وهذه اللفتة مستمدة من ثقافة السياب، فقد قرأ لعمر أبو ريشه قصيدته جان دارك - فيها احسب - ووقف فيها على قوله (1) :

وأكفها في شعرها ... تزداد دغدغة ولهوا
والناهدان بصدرها ... يتواثبان هوى وشجوا
فتشد فوقهما وسادتها ... وفي شغف تلوى ؟.
وتمثلت خدنا يحل ... براحته لها المازر

ويضمها شغفا وتهمي ... فوقها القبل المواطر وقد ضل السياب حين تابع أبو ريشة كما ضل صاحبه من قبل، وكلاهما غرف من شهوات نفسه ما سكبه على " بطلة " قصيدته. لا لأن جان دارك لم تكن فتاة جملة ريانة العود مفعمة بالشهوة ولا لأن " سليمة " لم تكن مكتملة الأنوثة، صاخبة النفس بأحلام الجنس؛ ولكن لأن من يريد ان يتحدث عن " قديسة " ؟في قصيدة لا في سيرة حياة - لا يتحدث عن لبؤة قد تضرمت نيران الشهوة، ومن يريد أن يثير عطف الناس على مومس أذلتها الحيات لا علاقة له بالحديث عن سعار الجنس الذي كان يستبد بها في شبابها، إذ كيف يصدق الناس ان حاجتها هي التي دفعتها إلى ذلك المنحدر دون تركيبها الشهواني المستعر بشبق جارف؟

(1) من شعر عمر أبو ريشة: 99 -100.

(1/205)

- 17 -

أنشودة المطر

حتى هذا الحد كان السياب يرى القصيدة الطويلة بناء يعتمد على قطبين (كما في فجر الإسلام والأطفال) أو على الاسترسال مع التداعي (كالسوق القديم وحفار القبور والمومس العمياء)؛ وكل قصيدة منها لا بد من ان تعتمد على مشرع تمهيدي يهيء الجو العام أو يطرح المشكلة ولو لم يخبرنا ان قصيدة " أنشودة المطر " كانت قصيدة طويلة لتصورنا فيها حين تنظر إلى اعتمادها على فاتحة مسترسلة؛ وكذلك جاءت قصيدة " غريب على الخليج " ، وهما تمثلان وجهتين لقطعة عملة واحدة، فتؤكدان التقارب الزمني بينهما. إلا أن قصيدة " غريب على الخليج " ربما كانت اسبق في زمن لأنها لا تزال تحمل طبيعة المقدمة التي افتتحت بها قصيدة " المومس العمياء " كما تحمل إثارة من صور هذه القصيدة وبعض أفكارها.

وقد يوهم بناء كل من هاتين القصيدتين " غريب على الخليج " و " أنشودة المطر " أن الازدواجية لا تزال هي القاعدة التي ترتكز إليها كل منهما. فالأولى تمثل الإحساس بالغربة والشوق العارم للعودة إلى العراق ولكن عدم وجود النقود يقف حائلا دون هذه العودة، والثانية تصور العراق نفسه من خلال المنظر الماطر. والحقيقة ان الازدواج في القصيدتين قد يسمى ازدواج التطابق: فالعراق والنقود التي تمكن الغريب من العودة شيئا متطابقان ؟أو هما أيضاً وجها

(1/206)

قطعة العملة الواحدة - أحدهما لا يستقل بالوجد دون الآخر، والعراق والمطر في قصيدة الثانية شيئان متطابقان أيضاً، بل هما اشد تطابقا من العراق والنقود، لآن الصلة بينهما صلة حياة مستمرة، لا عودة فردية محفوفة بظروف عابرة.

وتعتمد الإثارة فيهما على السحر البدائي الكامن في اللفظة؛ فاللفظة المتكررة هي التعويذة التي يرددها السحر القديم، أو هي " افتح يا سمسم " ؟كلمة السر التي تفتح على وقعها مغيبات النفس وهذه اللفظة هي " عراق " في القصيدة الأولى وصنوها " نقود " ، وفي الثانية " مطر " وليس لها صنو منفصل، وإنما تحمل صنوها " عراق " في ذاتها حمل الأم للجنين.

في القصيدة الأولى " غريب على الخليج " تتفجر في داخل النفس " عراق " والموج يعول " عراق عراق " والاسطوانة في المقهى تردد " عراق " ، وينفتح على ترديد اللفظة أبواب الماضي: فإذا بالطفولة المتمثلة في وجه الأم والنخيل وحكايا العمة والتنور الوعاج، واذا الشوق:

شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولادة (1)

- عودة طبيعية اثر تلك اللفظة السحرية، ولكن سرعان ما يعود الشاعر من حلم الماضي إلى واقعة ليرى نفسه:

تحت الشموس الأجنبية
متخافق الاطمار ابسط بالسؤال يدا
صفراء من ذل وحمى ؟ ذل شحاذ غريب
بين العيون الأجنبية

(1) ديوان أنشودة المطر: 13.

(1/207)

بين احتقار وانتهار وازورار أو " خطية "
والموت أهون من " خطية "
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية
قطرات ماء؟. معدنية (1)

العراق هنا لا تحققه هذه القطرات المعتصرة: واحدة، اثنتان، ثلاث.. العراق يحققه رنين قطرات أخرى.. نقود.. لمعة الموج تقول: نقود؟ كواكب الخليج: نقود؟ وعند كل رنة يردد الصدى ..ود.. فتصبح " أعود " .. " العراق " لفظة تفتح مغالق النفس المتناهبة بين جمال الماضي وبؤس الحاضر ولكن لفظة " نقود " تفتح العراق المغلق؟ ولكن لا عودة لأنه لا نقود؟ هنالك عوضا عنها قطرات الدموع وهي هذه المرة تتساقط: واحدة. اثنتان. ثلاث، من عيني الواقف أمام الباب المغلق ؟ الباب المغلق ذي المصراعين: العراق والنقود، لكنها ليست قطرات الماء المعدنية التي كانت تعتصرها العيون الأجنبية.

القصيدة أذن تموج النفس في صعود يتلوه هبوط (الماضي ؟الحاضر، الأمل في العودة - اليأس منها) بين لفظتي " عراق ؟ نقود " ، فهي صورة سجين، لسجنه بابان مغلقان، يفضي أحدهما إلى الآخر،ولا تجدي القوة السحرية البدائية أمامهما شيئا لأن الواقع أقوى من السحر. وقبل ان نغادر هذه القصيدة يجدر بنا أن فيها إلى أمرين: أولهما أن الشاعر يلتفت لأول مرة إلى المسيح والصلب:

وحملتها فأما المسيح يجر في المنفى صليبه (2)
وهي لمحة عابرة، ولكنها ضرورية لتصور ما حدث من بعد في

(1) نفس المصدر: 14 - 15.
(2) ديوان أنشودة المطر: 14.

(1/208)

شعر السياب. والثاني: أن الباب الذي فتحه ترديد لفظة " عراق " أفضى إلى عراق الطفولة لا إلى عراق الواقع الراهن حينئذ ؟أو ما يسميه الشاعر " عراق روحه " ، فكأن الصلة التي تربطه با العراق هي عالم الطفولة وذكرياتها.

وهذا الأمر الثاني يؤدي بنا توا إلى قصيدة " أنشودة المطر " والى الفرق الكبير بينهما وبين القصيدة السابقة، بل إلى الفرق بينهما وبين كل ما سبقها من قصائد دون استثناء، فهي تقارب قصيدة " غريب على الخليج " في استغلال السحر الكامن في الكلمة، ولكن الكلمة هنا حقيقة كلية، تحقق عالما جديدا لا عودة ذاتية؛ وفي كلتا القصيدتين تنبعث الطفولة، ولكن انبعاثها هنالك ذكرى جميلة (تزيد من وضوح المفارقة مع الحاضر) أما هنا فان الطفولة جزء من حياة كبرى - فالعودة إليها ليست هربا إلى الماضي، وإنما هي وصل للماضي بالحاضر، ووصل للذات بالمجموع، ووصل للفرد بالمجتمع، حتى ينتج عن ضروب هذا الوصل وحدة عامة تستشرف المستقبل في ثقة الإنسان المطمئن إلى المصير الإنساني.

الحبيبة ؟في فاتحة القصيدة - هي الأم أو القرية أو العراق، أو هذه الثلاثة مجتمعة، والحب قوة ساربة في الإنسان والطبيعة على السواء: العينان غابتا نخيل ساعة السحر وحين تبسمان تورق الكروم وترقص الأضواء كأنها أقمار في نهر يرجه المجذاف، أو كأن النجوم ترقص في غوريهما، فإذا غابتا في ضباب الأسى أصبحتا كالبحر " سرح اليدين فوقه المساء " وأخذ يخفق فيه تيار من الحياة ؟فهو يعكس دفء الشتاء وارتعاشه الخريف والموت والميلاد والظلام والضياء؟ لا فرق بين الأم الكبرى والأم الصغرى، كلتاهما لبعدها تثير في نفس الطفل " رعشة البكاء ونشوة وحشية تعانق السماء " ؟. عينا الأم

(1/209)

الصغرى تغيم بالأسى، والطفل يحس برعشة البكاء، فتلتفت الأم الكبرى بعينين باكيتين ووقع قطراتهما يقول: مطر؟ مطر؟ مطر؟، أنشودة متصلة متقطعة في آن تشبه هذيان الطفل الذي قالوا له ان أمه ستعود، ورفاقه يهمسون ان قبرها هناك على التل، يشرب قطرات المطر؟ ويجتاح كله حزن غامر، فيزداد إحساس الغيب بالضياع على سيف الخليج، فيصيح به " يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى؟ " .

المنظر ناضح بالحزن حتى أعماقه، ورغم انه يصور طفولة الشاعر ويستمد اكثر مواده منها فانه الحقيقة التي يجب أن تلد حقيقة مغايرة.. من الحزن يجب ان يتولد المرح، كما يتحتم أن يتولد عن المطر خصب وغلال، ولكن الشاعر غريب ناء ولهذا فان المطر لم يولد في نفسه إلا جوعا، - شوقا إلى الام، إلى القرية، إلى الطبيعة؛ والشاعر والعراق سيان، لأن المطر لم يولد في العراق إلا الجوع؟ لأن الغلال التي يسكبها المطر لا يأكلها إلا الغربان والجراد؟ وتاريخ المطر في العراق طويل، ولهذا كان تاريخ الجوع فيه طويلا:

وكل عام حين يعشب الثرى نجوع (1) ... ما مر عام والعراق ليس فيه جوع ... والمطر يهطل: دفقة اثر دفقة؟ والرحى تدور في استخراج الغلال؟ ولكنها تمزجها بقطرات الدم ؟دم العبيد العاملين لإشباع الغربان والجراد،؟. إلا أن دفقات الأمطار والدماء لا بد ان تنداح كراتها وقطراتها عن عالم فتي جديد فيه الحقيقة المغايرة، فيه البسمة والنور:

(1) ديوان أنشودة المطر: 164.

(1/210)

في كل قطرة من المطر ... حمراء أو صفراء من أجنحة الزهر ... وكل دمعة من الجياع والعراة ... وكل فكرة تراق من دم العبيد ... فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد ... أو حلمة توردت على فم الوليد ... في عالم الغد الفتي واهب الحياة ... مطر؟ ... مطر؟ ... مطر؟ ... سيعشب العراق بالمطر (1) ... ويعود الشاعر فيتذكر جوعه ؟ظمأ إلى العراق، ويصيح بالخليج فلا يجيبه إلا صدى موجة تتكسر على الشاطئ حاملة الرغوة وبقايا بائس غريق ظل يشرب الردى من لحة الخليج - ارتوت عروقه حتى كادت تنفجر،؟ ولكن في العراق ريا آخر إلى جانب الظمأ والجوع: " ري الأفاعي التي تشرب الرحيق من زهرة يربها الفرات بالندى " إلا أن الحقيقة المغايرة لا بد أن تولد؟ من قطرات المطر وقطرات دم العبيد.

المطر " تلك هي الصفحة الخارجية من حقيقة الحياة، لشاعر يحس بالعربة عن الوطن والأم، ولكنه رغم المطر يحس بالظمأ، مثلما يحس العراق اثر المطر بالجوع، فالصفحة الداخلية من حقيقة الحياة هي الظمأ والجوع والموت؟ موت البائس الذي قذفه موج الخليج إلى الساحل، وموت الشاعر على سيفه في الوحشة والغربة والضياع؟

(1) أنشودة المطر: 165.

(1/211)

ولكن الموت لا يخيف، لأنه يلد الحياة، والجوع والظمأ لا يخيفان لأنهما سيفرجان عن شبع وري. الحقيقة الكبرى هي ان الطبيعة أم حانية: كلتاهما قد تبكي فتعبث اللوعة في نفوس، ولكن هذا البكاء بدء حياة جديدة، لأن قانون الحياة يقول: أن المطر لا بد من أن يلد عشبا، وشبعا وريا، وهذا الشبع والري من حق الذين يصنعون الحياة بدمائهم وليس من حق الغربان والجراد والأفاعي.

ها هنا الوحدة الكلية بين الفتى والأم والطبيعة والبائسين من بني الإنسان، مثلما هي الوحدة الكلية بين النشيد المتصل في القصيدة وشخوصها وبين الأضداد الظاهرية من حزن وابتسام وجوع وشبع وظمأ وري، لأن قوة التحول لن تجعلها أضداد إلى الأبد.

القصيدة بسيطة: لفظة واحدة استطاعت ان تغوص إلى سر الوجود، كما استطاعت ان تربط خيوطا مختلفة، وان توحد الطاقات في حبل قوي، هو حبل الأمل، فلم يعد الشاعر منفصلا بمشاعره الذاتية، ولم تعد النظرة الإنسانية مفروضة على هذه المشاعر من مبدأ خارجي، وإنما هي تسترسل ؟كما يسترسل المطر - من طبيعة الموقف كله، أنها صورة التلاحم بين الخصب والجوع دون إغراق في التصوير واستجلاب للانفعالات، وخروج بالأسى عن وقدته الطبيعية التي تشبه وقدة النار تحت الرماد. ومع أن عرض القصيدة قد اظهر كثيرا من الصبغة التقريرية، فأنها في الواقع من اشد قصائد السياب اعتماد على ألا لماح السريع والربط الداخلي، أول قصيدة من نوعها في شعره، وهي فاتحة ما يمكن ان يسمى " شعره الحديث " - اعني أنها في داخلها مبينة بنا تكامليا، وفي خارجها تتكئ على دورات متصاعدة، قليلة الاستطراد إلى الجزئيات التي تنحرف بها عن وجهتها العامة وعن غايتها النهائية. وإذا غاص القارئ بإحساسه الطبيعي في أعماقها وجد نهرا يعب كأنه صورة الخليج المرئي: فيه

(1/212)

اللؤلؤ والمحار وفيه الردى أيضاً، فيه الدم والجوع والحب والطفولة والموت، ولكن لا بأس: انه نهر الحياة الذي يحمل الناس جميعا إلى عالم فتي يهب الحياة. وهذا الهدوء التقبلي ليس جبرية وإنما هو اطمئنان إلى قوة التحول، إلى النظرة البدائية التي تربط الإنسان بالأرض وفصولها؟ القصيدة هنا كالأرض تهتز بالمطر لتربو نسمة الحياة، وان كان المطر يحدد سطحها ويجرف بعض معالمها، والأرض هي الأم، التي تمنح الحياة ولادة جديدة، ولما كانت القصيدة صورة للولادة الجديدة، فإن الإحساس بها يملأ النفس باستجابة غامضة، تكاد تكون لا شعورية.

ولهذا كله امتلأت القصيدة بصور نابضة أو متفتحة أو مشرفة على التفتح: " الكروم تورق ؟الأضواء ترقص ؟المجذاف يرج الماء - النجوم تنبض ؟ارتعاشه ؟الخريف ؟رعشة البكاء ؟الخليج يفهق بالؤلؤ والمحار والردى ؟العراق يذخر الرعود والبروق ؟الرجال يفضون الختم عنها ؟القطرة تنفتح عن أجنة الزهر - ؟ " وليست هذه صورا للتزيين، وإنما تعتمد إيحاءات اللفظة والصورة معا لتمهد الطريق إلى التفتح الكبير ؟الذي تستعد له الحياة، وقد استطاع السياب أن يتخلص من صور الجنس التي كانت تعذبه وتملأ أخيلته في قصائده الأخرى حين جعلها تخب تحت صور الحياة عامة، ولم ينثرها على سطح الصورة الكبرى؛ وبالجملة صهر السياب ذاته وتجربته السابقة وموقفه الإنساني في " قصيدة " ، بعد أن طال به العهد وهو يجيل قلمه في ميدان التجريب والخطأ.

(1/213)

فراغ

(1/214)

- 3 -

تجلي إرم

(1/215)

فراغ

(1/216)

- 18 -

انفصام الرابطة الحزبية

لقصيدتي " غريب على الخليج " و " أنشودة المطر " دلالة أخرى سوى دلالتهما على المرحلة الفنية التي كان الشاعر قد بلغها، فقد صورتا إحساسه الذاتي بغربة قاسية فريدة، وعذابه الأليم في تلك التجربة الكويتية الايرانية، وحين أخذ يتأمل في طبيعة تلك الغربة وذلك العذاب ازداد إحساسه بالعراق ؟عراق الطفولة وعراق البؤس والجوع، واقترن الاثنان في نفسه اقترانا شعوريا وفنيا لم يتحقق من قبل على هذا النحو. لم يقفز إحساسه حينئذ إلى رؤية البؤس الانساني؛ لم يفكر في أطفال الزنوج أو في عمال مرسيليا، أو في الكادحين في كل مكان من الكرة الأرضية؛ ذابت تلك الخفقة التي عبرت عنها قصيدة " الأسلحة " والأطفال " ليحل محلها شعور مستبد طاغ بالطبيعة العراقية والذكريات العراقية ومطر العراق وعمال العراق وفلاحي العراق وجوع العراق ؟وكبرت صورة العراق في نفسه حتى طردت كل صورة أخرى، أي كبر الاحساس بالوطن وبالرابطة الوطنية القومية، دون سواها من الروابط الأخرى، وكانت قصيدة " المومس العمياء " مقدمة طبيعية لهاتين القصيدتين، لأنها جعلت تلك المرأة عربية عراقية مستباحة الجسم والنفس؛ وكانت التجربة المريرة مع حزب توده هي النافذة التي انفتحت لاستقبال ريح تلك الاحاسيس؛ انه ؟حسب تجربة السياب - حزب

(1/217)

أممي من حيث المبادئ ولكنه يتغنى بالأمجاد القومية والماضي القومي والتاريخ القومي، ويتعصب للغته وتراب أرضه عصبية قد تجوز على المشاعر القومية عند الآخرين كما قد تتنافى مع المبادئ التي اتخذها له شعارا. لماذا لا يحق للسياب أن يتعصب لوطنه وقوميته على هذا النحو؟ ألأن الحزب الشيوعي العراقي الذي ينتمي إليه يمثل الأقليات؟ ثم ماهو التعويض الذي يرجوه الغريب عن التعاسة والبؤس في ديار الغربة؟ انه بحاجة إلى صدر الأم، إلى صدر الوطن الجميل العطوف، وحين أتحدث صورة الأم وصورة الوطن كان السياب يقترب من العراق قربا مساويا لبعده عن الأممية. كانت الأممية وثبة في فضاء مجهول لا تتلاءم وطبيعة الطفل الذي يرى الحياة قبرا ونخلة على ضفة " بويب " ولا تنسجم وطبيعة اليافع الذي يحلم بالحبيبة ؟الام، ولا تتواءم ومشاعر المراهق الذي يعانق الحب والموت في آن، ولا تتمشى واحساسات الشاب الذي يحب كل فن جميل ولو كان صاحبه خائنا لكفاح الطبقات الكادحة. وعاش الشاب منقسم النفس: لأن الكفاح الجماهيري كان قد أصبح ؟منذ سنوات - قدرا لا يستطيع التراجع عنه، ولأن الفردية الصارخة كانت ما تزال تشده إلى أحلام الحب والموت، وحين تزوجت هذه الفردية الوطن، واتحدت به اتحاد التطابق، استراح الشاعر إلى وضع جديد، وإذا هو يحس - ألم أو تأنيب نفسي ؟ ان رابطته بالأمية قد انفصمت في يسر، وانحلت العقدة حين تباعد طرفاها عفوا دون أن تحتاج إلى إرادة لتقطعها قطعا.

ليس معنى هذا أن الأممية تنكر الشعور المخلص الصادق في خدمة الوطن والتضحية من أجله. ولكني هنا أتحدث عن وضع محدد، وعن أحاسيس مرهونة بظروفها. ومن تتبع الصفحات السابقة من هذه الدراسة استطاع ان يجمع عددا كبيرا من الأسباب الكبيرة والصغيرة التي أدت بالسياب إلى الانفصال عن الحزب الشيوعي العراقي، وكل ما

(1/218)

أريد أن أقوله هنا هو ان تلك الأسباب المجتمعة و ضلت بفعلها و تأثيرها إلى اللحظة الحرجة

حين كان السياب يعاني تجربة غربة مريرة ، ساعتئذ أحس ؟ بطريقة عفوية ؟ إن الوطن أحق با بستقطاب مشاعره ، بل هو قد استقطب حقا مشاعره جميعا على نحو من الحنين و التصور الرومنطيقي :

الشمس اجمل في بلادي من سواها ، و الظلام
حتى الظلام ؟ هناك اجمل فهو يحتضن العراق
و احسرتاه متى أنام
فأحس أن على الوسادة
من ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق (1)

وكان هذا الشعور ينسجم مع طبيعة طفولته و ذكرياته ، لآن المسافة بينها و بين فرديته أصغر بكثير من المسافات بين تلك الفردية و النزعة الإنسانية الكبرى . ساعتئذ أحس ؟ مخطئا أو صيبا - أن الوطنية بمعناها القومي تصلح بديلا عن تلك النزعة الإنسانية العامة، فنانق الاتجاه الجديد، دون ان يعلن لأحد ان صلته بالحزب قد ماتت ؟هكذا في يسر - من غير ان تعاني شيئا من سكرات الموت، أو شيع بالبكاء والعويل. تلك حقيقة لا تغير منها العوامل الأخرى التي طرأت بعد العودة إلى العراق، وإنما تزويدنا اطمئنانا إليها:

عاد السياب إلى بغداد فوظف في مديرية الأموال المستوردة بوساطة من صديقه عبد الرزاق الشيخلي، وعاد دولب الحياة يجري كما كان يجري من قبل. إلا أن العراق الذي كان يتراءى له في الغربة لم يكن كذلك: كلما اقترب المرء من دنيا الحقيقة ذابت من حولها

(1) ديوان أنشودة المطر: 14.

(1/219)

أنسجة الأوهام؛ ولكن ؟مهما يكن من شيء - فان القروش القليلة في بغداد وبين الصحاب أجمل كثيرا من غسل الصحون وتنظيف الغرف وترتيب الأسرة في الكويت.

وأكبر شيء تلقاه السياب الضربة المفاجئة انه وجد رفاقه اليساريين قد تناسوا مواقفه في المظاهرات وقصائده المثيرة للجماهير، وأحس أن الغربة قد جعلت ألوان كفاحه تميل إلى الشحوب، بينا أخذ يلمع في الاتجاه اليساري اسم شاعر آخر، هو عبد الوهاب البياتي، فلم يغفر السياب لليساريين ما عده تنكرا لفنه في سبيل اليسار، ولم يغفر للبياتي هذه الجرأة التي منحته الشهرة دونه، ولم يغفر للزمن ذنبه في أن أتاح للبياتي تلك الفرصة؛ وأخذت النار تقترب من الفتيل المشبع بالبنزين ؟الفتيل الدقيق الذي يربط بين السياب واليساريين.

وأخذ السياب يعرض ما كتبه أثناء اغترابه على الرفاق، فأعجبتهم الروح العامة في قصيدة " الأسلحة والأطفال " ولكنهم أبدوا شيئا من التردد في قبول " المومس العمياء " ، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد في فرض رأيهم عليه حين أمروه ؟على حسب تعبيره - بأن ينشر القصيدة الأولى قبل الثانية (1) . وبدأت المحاكمات والمكايدات الصغيرة تكشف عما قد اختمر في نفسه، وكانت الظروف معينة على تطوير تلك المكايدات. فقد نصحه بعض أصدقائه بأن يثبت وجوده في الميدان لئلا ينساه الناس، وأن يطلب الشهرة خارج حدود العراق، ذلك لأن ما ينشر في العراق ربما يتجاوز حدوده في كثير من الأحيان، وتلفت السياب حوله فرأى ان مجلة الآداب خير ما يكفل لشعره الذيوع والشهرة، فأرسل إلى المجلة قصيدة بعنوان " يوم الطغاة الأخير " وكتب تحت العنوان: " أغنية ثائر عربي من تونس لرفيقته " ، وليس في القصيدة

(1) الحرية: 1443.

(1/220)

أية دلالة على تونس أو على أي مميزات خاصة تجعل الثائر عربيا، ولكن السياب كان يعلم أنه يتقدم إلى مجلة الآداب أول مرة، وأن للمجلة طابعا خاصا ونزعة معينة تحرص عليهما، فكان إهداء القصيدة تقربا إلى المجلة وقرائها.

ويقول السياب: " وثارت ثائرة الشيوعيين لهذا الإهداء " (1) ولا يستطيع المرء الذي لم يلابس طبيعة تلك المماحكات والمكايدات عن كثب أن يجد أية علة مقبولة للغضب من تلك العبارة، فالثائر حين يثور لا يتخلى عن انتمائه، اللهم الا أن يكون بعض الناقمين على ذلك الإهداء كانوا يرفضون ان يعدوا التونسي عربيا. وأيا كانت الأسباب فان السياب مضى في المكايدات شوطا آخر، ليوجد لنفسه عذرا في الانفصال مستمدا من أحداث الواقع لا من الأحاسيس النفسية الدخيلة. فنشر قطعا من قصيدة " المومس العمياء " في مجلة الأسبوع العربي التي كان يصدرها خالص عزمي (2) ، ومنها تلك القطعة التي تتحدث عن أن " بطلة " قصيدته عربية النسب، فلما قرأها بعض الرفاق (وأكثرهم من اصل إيراني) هنأوه عليها (3) لأنه غمز من قناة العرب وأسطورة العرض والشرف الرفيع؛ وكان السياب ؟في حقيقة الأمر - قد جعل ذلك المقطع من قصيدته للغاية التي أدركها الرفاق فيه، فأحس في سرورهم أنه يكاد ولا يكيد، وأنه قد عرض قومه للشماتة، فأحب أن يرد الصاع بمثله، فلما نشر القصيدة كاملة في كراسة مستقلة، كتب تعليقا على ذلك المقطع يقول فيه: " ضاع مفهوم القومية عندنا بين الشعوبيين والشوفينيين، يجب أن تكون القومية شعبية والشعبية قومية؟. أفليس عارا علينا نحن العرب أن تكون بناتنا بغايا يضاجعن الناس من

(1) المصدر السابق.
(2) العبطة: 14.
(3) الحرية: 1443.

(1/221)

كل جنس ولون؟ " (1) وكان واضحا ان هذا التعليق توجبه جديد لمحتوى ذلك المقطع من القصيدة وانه أيضاً مماحكة سافرة؛ وقابلة جماعة من الرقاق وقالوا له: ما الضرر في أن يضاجع المومس العربية أي امرئ كان ما دامت هي قد رضيت أن تكون بغيا؟ ورد السياب بأنه لا يستنكر مضاجعة البغي وإنما يستنكر أن تتجه امرأة عربية إلى احتراف البغاء، وهذا موضوع يهم العرب، وعلى الشاعر أن يضرب على الأوتار الحساسة في نفوس قرائه (2) . ولكن التصريح بالشعوبية كان يعني غمزا من نوع جديد، وكان السياب يدرك كما كان الرفاق يدركون أن الأمر خرج إلى حيز قلب المبادئ أو الثورة عليها وإلا فكيف تصبح القومية شعبية والشعبية قومية ؟ان كان لهذا الكلام معنى؟

واشتدت المهاترات، وارتفعت حدة الاتهامات المتبادلة، في المجلس العامة والخاصة عن طريق الأحاديث ؟دوم أن يلجأ أحد الطرفين إلى إدانة الآخر كتابة؛ وكان ذلك يعني أن السياب قد تخلى عن انتمائه الحزبي، وحين أراد الرفاق ان يعلنوا تخليهم هم أيضاً عنه قاطعوا قصيدته " المومس العمياء " بل تلقوا قصيدة " الأسلحة والأطفال " حين نشرت بفتور شديد؛ إلا أن الكثيرين سهم ظلوا على علاقة طيبة به، رغم ما يدور في مجالسهم من منازعات جدلية حادة. وفي تلك الفترة تحول محيي الدين إسماعيل ؟وكان مثله قد تخلى عن انتمائه الحزبي - من " مجرد واحد من معارفه " إلى صديق حميم من أصدقائه، وأخذ الصديقان يعيدان النظر في كثير من المسائل التي تلقياها من قبل بالتسليم ويطرحانها للمناقشة (3) . ويصور الأستاذ العبطة تلك الفترة من حياة بدر بقوله: " وكانت جلساتنا في الأماسي ما بين 1954 - 1955

(1) المومس العمياء: 31.
(2) الحرية: 1443.
(3) الحرية: من مقال بعنوان " خاتمة المطاف " .

(1/222)

في مقهى الفرات في أول شارع الأمين يحضرها كاظم جواد وعبد الصاحب ياسين ورشيد ياسين ومحيي الدين إسماعيل، وفي هذه الأماسي التي قد تطول إلى آخر الليل في المقهى أو تتحول إلى الحانات الرخيصة المنثورة في شارع الأمين آنذاك. في هذه الأماسي تتجلى لنا طبيعة السياب في حالتي الانبساط والغضب، وقد يهم القارئ ان يعرف شغف السياب بالنكتة وترتيب المقالب على أصدقائه وأحبابه. وللتاريخ نشير إلى المخانقات التاريخية بينه وبين كاظم جواد أو بينه وبين رشيد ياسين التي قد تصل إلى الشتم إلى التثاقل السياب من عبد الوهاب البياتي في هذه الفترة بالذات " (1).

ان لفظة " تثاقل " تعد نوعا من التلطف في التعبير عن معركة قلمية ضارية دارت بين السياب ومؤيديه من ناحية والبياتي ومؤيديه من ناحية أخرى، وكانت في حقيقة الأمر نقلا للنزاع السياسي العقائدي إلى صعيد أدبي، إذ كان العراك على موضوعات والأشكال الأدبية مما لا يشتثير ريبة القائمين على توجيه الحياة السياسية. ولا ريب في أن عوامل فردية خاصة لعبت دورها في اشتداد الخلافات، فقد كان السياب يحس أن البياتي قد انتزع مكانته الشعرية بين اليساريين أثناء غياب السياب في الكويت وإيران، وكان البياتي على أهبة إصدار ديوان من الشعر هو الذي سماه من بعد " أباريق مهشمة " ، بينما يجد السياب صعوبة في العثور على من ينشر له " الأسلحة والأطفال " في كراسة، ومروجو القالة الذين تهزهم بالمتعة النفسية مناظر التهارش يذهبون ويجيئون بما يملأ النفوس من بارود الضغينة، وللأدباء الشبان حدة في التنافس ينسون معها كثرا من فضائل الحلم أو التجلد أو المجاملة أو الأناة. وقديما قال ابن الرومي: " لو كان المشتري حدثا لكان

(1) العبطة: 13 - 14.

(1/223)

عجولا " ، والعجلة أخت الحدة أو ظئرها الرءوم. ولدى الأدباء في العالم العربي إحساس خاص بجمال المعارك الأدبية، لأنها أسواق للشهرة والإعلان والمنافرة، وهي ؟في نظرهم - دلالة على الحيوية وسبيل إلى إثارة النظارة للمشاركة، ولهذا وقف السياب وكاظم جواد ومحيي الدين إسماعيل صفا واحدا ضد البياتي وعبد الملك نوري ومن التف حولهما من الأنصار والمعجبين.

وتجاوزت المعركة حدود العراق، دون أن يكون هناك قدرة على الفصل في مجال الخصومة بين الضغائن الذاتية والمقاييس الفنية، وكان نقلها ذلك يعني ارتفاع الجلبة والتخاصم حول أشياء مختلفة تمتد من أصغر الأمور حتى كبريات المسائل النقدية والفنية، ولكن دون أن تتفاوت نسبة الغيرة والحمية بتفاوت الموضوعات، وذلك أدعى لاسترعاء الإسماع والأنظار، وأقدر على تنبيه الناس في داخل العراق وخارجه إلى هدير الحركة الأدبية فيه، ولم يكن هناك انقسام على أصول أدبية مذهبية، وإنما هي مقاييس عامة حينا أو شديدة الخصوص حينا آخر، ولهذا لم ترسم تلك الخصومة خطأ فاصلا بين مدرستين أدبيتين، ولا حققت نتيجة سوى جراح في النفوس؛ ومن الطريف أن تلك المعارك كانت ؟دون أن تعلن عن ذلك - ترفع شعارا قبليا قديما يقول: أنا وأخي ضد ابن عمي وأنا وابن عمي ضد الغريب، فالسياب مثلا وكاظم جواد يقفان ضد البياتي، ما دام البياتي خصما مشتركا، ولكن سرعان ما يدب الخلاف بين السياب وجواد لتبايننظريتيهما في تفسير قصيدة أو بيت واحد من قصيدة (1) .

(1) انظر الآداب عدد حزيران وتموز 1954.

(1/224)

- 19 -

فترة الآداب

كانت معدات المعركة جاهزة حين نشرت مجلة الأديب صورة للبياتي ومعها حديث له عن بعض الشعراء المشهورين مثل ناظم حكمت وبابلو نيرودا، ومن قبل ذلك نشر نهاد التكرلي فيها مقالا عنوانه "عبد الوهاب البياتي المبشر بالشعر الحديث"؟ وكان قد أعده ليكون مقدمة لديوان "أباريق مهشمة" ؛ إذن فان مجلة الأديب قد تبنت ؟هي لا تدري - موقفا متحيزا، ولم يعد في مقدور الفريق الآخر أن يلوذ بالصمت، ولما أخذ أفراده يبحثون عن مجال لهم وجدوا مجلة "الآداب" تفتح لهم صدرها الرحب. في تلك الفترة كان أصدقاء السياب يلحون عليه بألا يتهاون بأمر نفسه وأن يتصل بمجلة الآداب وينشر فيها قصائده، ونزل عند رغبتهم نفسه فكتب إلى الدكتور سهيل ادريس بذلك فتلقى منه جوابا حافلا بالتقدير والتشجيع حتى قال بدر في رده عليه: " كان لرسالتك الكريمة التي أرسلتها أثر بالغ في نفسي وهي شاهد على نبل نفسك وكبر قلبك وإخلاصك في العهد الذي قطعته على نفسك بخدمة المجموعة العربية وأدبها السائر نحو النور " (1) ومع الرسالة قصيدة " أنشودة المطر " . وما لبثت مجلة الآداب أن نشرت

(1) رسالة إلى الدكتور سهيل إدريس بتاريخ 25/3/1954.

(1/225)

نبذة لكاظم جواد ينتقد فيها قصة لعبد الملك نوري وقصيدة للبياتي، ويقول في القصيدة أن فكرتها مسروقة من قصة " أشباح بلا ظلال " للقاص العراقي نزار سليم (1) ، وبذلك صح للسياب ومؤيديه منبر يسمعون الناس منه أصواتهم.

وكان توثيق العلاقة مع مجلة الآداب يعني لدى السياب ؟الذي كان قد ألف المزج بين الأهداف الشعرية والانتماء الحزبي - انتماء من نوع جديد. وكانت القضية لديه واضحة الابعاد، ولم نكن متجوزين حين جعلنا انفكاك روابطه من الحزب الشيوعي أمرا مواكبا لتضخم معنى الوطن في نفسه، إذ ها هو يصوغ المشكلة صياغة لا تتحمل التأويل حين يقول: " اننا مصممون على خوض هذه المعركة حتى النهاية، فهي ليست معركة سياسية مؤقتة، انما مسألة دفاع عن قيم وطنية وأدبية مهمة. إننا نحارب المكارثية الجديدة التي تريد ان تنبعث عندنا بعد ان أخذت تحتضر في موطنها الأصيل؟ ان السؤال هو؟ أيجب أن يكون الأديب (عالميا)!! قبل ان يكون وطنيا أم انه يجب ان تبدأ بوطنه وأمته، ويفضي من خلالها إلى الإنسانية الواسعة؟ " (2) ، ولهذا أصبح السياب يتحدث عن العراق وحسب، وظهر أثر في الموضوعات التي تناولها في قصائده أنشودة المطر. ولما ظهرت الدعوة إلى تأييد الجبهة الوطنية التي تألفت حينئذ في العراق أبى السياب وأصحابه أن يوقعوا على عريضة التأييد إلا إذا نص فيها على قضية فلسطين وقضية المغرب العربي (3).

وفي أثناء ذلك ظهر ديوان " أباريق مهشمة " ، فكتب كاظم جواد مقالا ليس فيه رفق بالأباريق، كشف فيه عن الغارات التي شنها

(1) الآداب، عدد أيار (1954) ص 56 - 58.
(2) رسالة الدكتور سهيل إدريس، بتاريخ 19 حزيران 1954.
(3) المصدر نفسه.

(1/226)

البياتي على أشعار الآخرين حتى استلبها وأدرجها في شعره (1) . وثار البياتي لهذا النقد وظن أن مجلة الآداب ضالعة في الهجوم على شعره، فرد على ذلك بمقال نشره في جريدة الوادي هاجم فيه الناقد وأصاب بشظايا هجومه الدكتور سهيل إدريس ومجلة الآداب ونثر تهمة العمالة والمأجورية للاستعمار على رءوس خصومه كما ينثر الذهب في أعراس الأغنياء. وقص السياب المقال من الجريدة وأرسله إلى سهيل وكتب إليه يعبر عن أسفه لما قيل في حقه وعن سخطه على مقال البياتي، ويعتذر عن عدم إرسال قصيدة للنشر لأنه هو واخوانه " مشغولون بمكافحة هذه الطغمة من المزيفين المغتربين الذين إذا انهزموا في مجال الفكر وعجزوا عن دحض الحقائق لجأوا إلى السب المبتذل والتهم الباطلة يكيلونها جزافا، دون ضمير يحاسبهم ولا قيمة خلقية أو مبدئية تردعهم " (2) . وفي هذه الرسالة نفسها يشير إلى كتيب له في المطبعة ؟لعله " المومس العمياء " - ويقول ان طبعه لم ينجز بعد " لأن مدير المطبعة فرد من أفراد هذه العصابة المتآمرة على قيمنا الخيرة وأدبنا المخلص، عصابة البياتي وعبد الملك نوري ورهطهما " (3).

وتطور الأمر إلى التفكير في اللجوء إلى حمى العدالة. لماذا لا ترفع قضية على البياتي ينال فيها ما يلجمه عن التهم الباطلة؟ ويقول السياب في رسالة للدكتور إدريس " ستصلك قريبا رسالة من الأخ عدنان الراوي يشرح لك فيها بعض الأمور المتعلقة بإقامة الدعوى على البياتي. وقد قررنا أنا والأخ كاظم إقامة دعوى أخرى على البياتي لأن سكوتنا عنه يعتبر تشجيعا له على استهتاره كما يعبر تخليا عن " الآداب " وعنك، وثق أيها الأخ الكريم أننا لن تتخلى عنك مهما كانت الظروف.

(1) انظر مجلة الآداب، عدد تموز 1954.
(2) رسالة إلى الدكتور سهيل بتاريخ 3 تموز 1954.
(3) المصدر نفسه.

(1/227)

نحن نعلم تماما أية قوة عمياء تسند البياتي ونواجهها نحن ونتحداها، ولكنا قد آلينا على أنفسنا ألا نسمح لأية قوة في الأرض أن تهين المثل التي نؤمن بها والقيم التي لأجلها نحيا " (1) . وانتهت هذه الفورة إلى سكون واكتفى خصوم البياتي بأن نشروا في الآداب ما عدوه تعبيرا لا عن سخطهم وحسب بل عن سخط جميع الأوساط الأدبية " على اختلاف نزعاتها واتجاهاتها الفنية " على مقالة البياتي " لما فيها من تجريح متهافت كشف القناع عن زيف كاتبها وأبان عن عقلية لا ترقى في أسلوبها عن الأساليب البوليسية العتيقة في إلصاق التهم والافتراءات إذا ما اوعزتها الحجة؟ " (2).

في ذلك الجو المتلبد بتهم العمالة والجاسوسية والخيانة والزيف والأساليب البوليسية تبلورت قصيدة " المخبر " التي يصور فيها السياب نفسية جاسوس؛ وكان ينوي إذا نشرتها الآداب أن يفتتحها بهذه العبارة: " الجاسوس يفتري على اختيار أناس ويلصق بهم التهم الباطلة والأكاذيب، وأقرب الناس إليه وأشبههم به من داس على ضميره فاتهم الوطنيين بالخيانة وأكل لحم أخيه ميتا " (3) ، فلما نشرت القصيدة في الآداب لم يكتب تحت عنوانها إلا الآية القرآنية " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " (4) ، ولما أدرجت في ديوان أنشودة المطر لم تظهر الآية مرافقة للعنوان (5).

ومن الطبيعي أن تسترعي هذه " الملائكة " انتباه المهتمين بالقضايا الأدبية، وأن يبدو السياب فيها ؟إلى جانب رفاقه وإزاء خصومه -

(1) رسالة بتاريخ 17/7/1954.
(2) الآداب، عدد أيلول 1954، ص: 71 - 72.
(3) من رسالة إلى الدكتور إدريس 17/7/1954.
(4) الآداب، عدد تشرين الأول 1954 ص: 24.
(5) انظر الديوان المذكور: 32.

(1/228)

أديباً صاحب قضية يدافع عنها بكل قوة، وان يكون صاحب رأي في تلك القضية وفي قضايا الأدب جملة، وأن لا يكون رأيه مقصورا على شعره وتجربته الذاتية فيه، فالشاعر يحور في تصوره للشعر إلى نظام نقدي؟ موجود في نفسه بالقوة أو بالفعل - وما دام باب الاجتهاد في الأدب مفتوحا على مصراعيه، فلا بأس من أن يكون الشاعر أحد المجتهدين. وذهبت مجلة الكاتب الغربي تطلب رأيه في سؤال قدمته إلى غيره من الشعراء والأدباء: " هل هناك أدب تقدمي؟ " فكان من جوابه: " ما دمنا نؤمن بأن الحياة في كل مجال من مجالاتها ما تزال منذ البدء في تطور وتقدم إلى الأمام فان من البديهي بعد ذلك أن يكون في كل زمان أدب تقدمي، أو سمه ما شئت من الأسماء ما دامت التسمية تحمل هذا المفهوم، والأدب التقدمي هو الأدب الذي يعبر عن أفكار القوى النامية في مجتمع ما " (1) ، وهذا كلام يحمل صيغة الفرض النظري المقبول في ظاهره ولكنه عند الأمثلة يفقد قيمته، فكما أن أدب الصعاليك في الجاهلية يمثل فكرة الثائرين على التقاليد القبلية فهو لذلك أدب تقدمي فان غزل عمر بن أبي ربيعة يمثل الجيل النامي الناشئ في العصر الأموي الذي أراد أن يوجه إلى السياسة الأموية احتجاجا سلبيا، فهو أيضاً شعر تقدمي، وكذلك الأدب الماجن الذي ظهر في العصر العباسي فانه تعبيرا عن جيل فتي من الشعوبيين كره السيادة العربية، وأخذ يعلن الثورة على ضياع الفرد الفنان في غمار الفوضى الاقتصادية والسيطرة المذهبية الصارمة، فهو بنفس النسبة شعر تقدمي لأنه يمثل أفكار قوى نامية في مجتمع ما ؟ذلك أذن تعريف يجر إلى الفوضى، فإذا قال السياب بعد ذلك: " أما خصائص هذا الأدب فهي التفاؤل والثقة في المستقبل والإيمان بالإنسان واحترامه كفرد وكمجموع

(1) الآداب، عدد أيلول (1954) ص: 73.

(1/229)

وتفهم حقيقة الروابط التي تربط الأفراد؟ الخ " بدا لنا انه عاد إلى مفهومه اليساري عن التقدم وانه نقض على نفسه ذلك الفرض التعميمي الذي يفترض وجود الأدب التقدمي " في كل زمان " .

وفرضت العلاقة بالآداب على الشاعر أن يشحذ أسلحته النقدية ليكون مستعدا للدفاع عن شعره. فان من سنة هذه المجلة ان تعهد ينقد العدد الواحد من أعدادها إلى ناقد أو ناقدين، وتنشر النقد في عدد تال. وبما أن السياب أخذ يخص الآداب بقصائده فانه قد استهدف بذلك لنقد الناقدين وتعليق المعلقين، ولهذا وجد شعره عرضة لنقد أناس لا ينتمون إلى الأنصار والمعجبين ولا إلى الخصوم الحانقين، ولعلها كانت تجربة جديدة يواجهها وهو يحسب انه يقود ثورة تجديدية في الشعر، يستحق عليها التقدير والتحفي. ومن الطريف أن يواجه السياب أول عهده بهذا الانفتاح على آلاف القراء ناقدين كبيرين عرف عنهما الأخذ بالنظرة اليسارية في تقويم الأدب والشعر، وهما رئيف خوري ومحمود أمين العالم، وكلاهما يدرس القصيدة دراسة موضوعية متأنية، وكلاهما يؤمن بالأدب المتفائل المؤمن بالإنسان، وليس لدى أحدهما أو كليهما أي نكتة من ضغن توحي بالتجني أو بالتحامل أو بالغرض. وكان من رأي رئيف خوري حين قرأ قصيدة " رؤيا فوكاي " أن السياب " يعرف كيف ينبغي للشعر الجديد حقا أن يكون من حيث الموضوع والتعبير إلا انه حين يحاول النهوض بما يعرف انه الواجب تخونه مقدرته فيحس قارئه أنه قصد إلى شيء أروع وأتم مما استطاع إلى تحقيقه سبيلا، فقد ترك شيئا كثيرا وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله " (1) . وكان رأي الأستاذ العالم حين قرأ " مرثية الآلهة " أنها قصيدة " مثقلة بكثير من الأفكار غير المتمثلة تمثلا فنيا ويصوغ الشاعر

(1) الآداب، عدد شباط (1955) ص 68.

(1/230)

مضامينها صياغة تكاد تقضي نهائيا على إنسانية هذه المضامين فهي مزدحمة بالصور غير المترابطة، ولقد فرض الشاعر على بنائها حشدا ضخما من الأساطير والثقافات والمعاني غير المهضومة، وظل ما فرضه على القصيدة قائما من خارج القصيدة كعمل سياسي موحد فهي حشد من الدلالات التي لم تنجح في أن تتناسج في داخل العمل الفني بل ظلت منضافة إليه " (1) . والرأيان متفقان على أن كلتا القصيدتين لم تنضج فنيا في نفس الشاعر، فهي قاصرة عن المخطط الواعي الذي يريده لها ؟عند رئيف - وهي ذات فجاجة في التكوين العام لأن حشد الأساطير والصور فيها من الخارج قد أضعف قدرتها على التلاحم الداخلي. وفي رأي رئيف صلة وثيقة بقول أحد النقاد القدماء في نقد كاتب من الكتاب: انه " يتطاول صاعدا فيتقاعس قعيدا " (2) وفي رأي محمود صلة وثيقة بما عرضت له هذه الدراسة من إخفاق المبنى في قصائد بدر بسبب الازدواج الناجم عن الحشد من الخارج. ولست أتحدث هنا عن القصيدتين فلذلك مكان آخر، وإنما يعنيني في هذا الموطن صدى هذا النقد في نفس السياب. فبدلا من ان يتأمل قصيدتيه مرة أخرى بعين الناقد لا بعين المعجب، كتب يرد على رئيف خوري ردا حادا أخرجه فيه من دائرة النقد الأدبي ولام الآداب لأنها لم تعهد بنقد العدد إلى ناقد من نقاد الشعر المعروفين، ذلك أن رئيف خوري أديب كبير وحسب ولكنه ليس من نقاد الشعر البارزين وإنما له في كل عرس قرص فقابليته موزعة هنا وهناك " فهو ليس بالناقد المبرز والقصاص المبدع ولا الشاعر الكبير، وان كان بمجموعه أديبا كبيرا، وهم لم يزاول نقد الشعر إلا مزاولة نظرية " (3) ، وتصدى لمحمود العالم بروح اقل تهجما، وتعلق

(1) الآداب: عدد آذار (1955) ص66.
(2) الإمتاع والمؤانسة 1: 62.
(3) الآداب، عدد نيسان (1955) ص:61.

(1/231)

عليه بجزئية من حديثه ؟حين أشار العالم إلى أن السياب يحذو حذو اليوت - فقال: " وزعم الأستاذ العالم أنني أحذو حذو اليوت فيما اكتب، كلا ياسيدي، أن ما اكتبه هو شيء من صميم التقاليد الشعرية العربية، ودونك أبا تمام لتعرف كيف كان يستخدم التاريخ والأساطير وشعر السابقين وكل ثقافة في شعره " (1).

وكان رد رئيف على حدة السياب وعنفه يحمل الهدوء المبطن بالتفنيد الساخر: كيف صحت عملية الجمع الحسابي تلك؟ (ناقد غير مبرز قصاص غير مبدع شاعر غير كبير: كيف ينتج عنها أديب كبير؟) وأخذ السياب بالهدوء والركانة في رد رئيف فكتب يقول: " أراني مدينا لك بالاعتذار والحق أن كلمتي التي كتبتها تعليقا على قراءتك للعدد الشعري من الآداب كانت تتسم بالقسوة والنرفزة ؟كما سميتها - وقد تلمست من خلال ردك الأخير روحا كبيرة رحبة الأفق زادتني إعجابا بك على إعجاب وإكبارا على إكبار " (2).

ويهمنا من ذيول هذا الحوار شيئان: أولهما أن السياب فهم من قول رئيف " فقد ترك شيئا كثيرا وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله " ؟فهم منه أنه يحذف من القصيدة أشياء كان من الممكن ان توفر لها الخصب والغنى، بينما يعني رئيف أن الشقة واسعة بين ما قيل وما كان يجب أن يقال. وبسبب هذا الخطأ في الفهم اعترف السياب بعيبه الكبير وهو للإفاضة التي تثقل القصيدة: " لقد كنت إلى وقت قريب أبرم بنفسي لأني استفيض في الموضوع الذي أعالجه فأقول كل ما عندي، لأن الشاعر الحق هو من يقول خير ما عنده لا كل ما عنده أو كل ما يمكن أن يقال " (3) ، وهل هذا الاعتراف بما هو اكبر من المأخذ الذي

(1) الآداب، عدد حزيران (1955) ص: 65.
(2) المصدر السابق: 65.
(3) عدد نيسان (1955) ص: 62.

(1/232)

رآه الأستاذ العالم في قصيدته " مرثية الآلهة " ؟ كل ما هنالك أن السياب ظن أنه برئ من الحشد لكل ما يعرفه أو لكل الفعال يعرض في طريقه بينا يرى الناقد أنه لم يكن قد برئ من ذلك بعد. وثاني الأمرين أن السياب بدلا من أن يلتزم بحدود الدفاع عن قصيدتيه نقل المعركة بينه وبين البياتي إلى معركة بينه وبين صلاح عبد الصبور متخذا من ثناء رئيف على عبد الصبور تكأة لإظهار عيوب زميله المصري، ولم يكن الذي يملأ نفسه غيظا فوز عبد الصبور بشيء يسير من ثناء ناقد كبير وحسب، بل استغلال أنصار عبد الصبور لذلك الثناء، ودفع صاحبهم إلى مقدمة الصورة لينتزع شعار الفوز بزعامة الشعر الحديث من يد السياب.

وكان الهجوم المتبادل في أول أمره صغير الموضوع يدور حول أي الشاعرين اكثر من صاحبه تكسيرا للأوزان، ولكن لعل الدكتور سهيل ادريس كان يريد للنار أن تلتهم مقدارا اكبر من الحطب حين عهد بنقد العدد الثالث من الآداب (1956) ؟وفيه قصيدة للسياب بعنوان " في المغرب العربي " ؟إلى عبد الصبور دون غيره، واستبق صدور ذلك النقد فكتب للسياب ينبه بذلك التدبير، فكان رد السياب: " وقد رحبت بإسنادك قراءة العدد الماضي إلى الأستاذ عبد الصبور الذي نرجو أن يكون منصفا في نقده، وإلا فأقلامنا حاضرة، وستكون أمامنا فرصة ثمينة لإعادة تقييم الكثير من المعايير والآراء. هذا هو رأيي ورأي الأخ محيي الدين (إسماعيل) أما أخونا كاظم فهو عاتب عليك لأنك أسندت قراءة عدد الآداب إلى شخص يجهل حتى أوزان الشعر، ولكننا ؟الأخ محيي وإياي - أقنعناه بوجاهة الدافع الذي دفعك إلى ذلك: إظهار الحقيقة عن طريق تصارع القيم والمعايير " (1) .

(1) رسالة إلى الدكتور إدريس بتاريخ 4/3/1956.

(1/233)

وظهر نقد عبد الصبور للقصيدة بما يسمح للأقلام المعدة ان تتحرك بجلبة فوق الطروس، فقد أثنى على المحاولة الشكلية فيها وهي المراوحة بين وزنين ولكنه شفع ذلك بقوله " ولكن مما يعيب هذه المحاولة أنها بلا منهج ملتزم فقد كان الأوفق ان تثنى الأصوات في القصيدة فصوت ذو نغم يحكي الحاضر وصوت ذو نغم آخر يحكي التداعيات " (1) . وكشف عن الخلط بين القيم الدينية والقيم القومية في تعليل ثورة المغرب في قصيدة، وتولى الأستاذ ناجي علوش تصحيح ما قاله عبد الصبور، وشد السياب على يد صاحبه شاكرا معجبا بقوة منطقه، وغمز من وطنية عبد الصبور غمزا تجريحيا قاسيا (2).

إلى هذا الحد كانت الآداب ؟بنوع من المصادفة التي تشبه العمد - قد عرضت نتاج السياب الجديد على ناقدين كبيرين وشاعر يعده السياب من خصومه ؟بطبيعة المنافسة في الصنعة الواحدة - فلماذا لا يعرض هذا النتاج على شاعر من أصدقائه ثم على شاعر حيادي - في الظاهر - لم يصطدم حتى الآن مع السياب في معركة سافرة؟ فعهدت بقراءة عدد يحوي قصيدة السياب " غارسيا لوركا " إلى حليفه كاظم جواد فلم يقل شيئا سوى انه معجب بقصيدة بدر أيما إعجاب وخلص إلى أن السياب شاعر مجدد لم يجد الإنصاف حتى الآن لان أشرار أثينا يطردون أخيارها ؟كما قال ارسطوفان - ولكنه من ناحية أخرى ذكر ان القصيدة من اغرب واجمل ما قرأ إذ جاءت تعبيرا عن تجربة لوركا بنفس أسلوب لوركا (3) ، وكان في هذا بارع الغمز لصاحبه لأنه كان يتدارس معه شعر الشاعر الأسباني، وهو قد ترجم له قصيدتين ونشرهما في مجلة الآداب نفسها، فهو يتهم صديقه بطريقة مواربة انه

(1) الآداب، عدد نيسان (1956) ص: 63.
(2) انظر الآداب، عدد حزيران (1956) ص:74.
(3) الآداب، عدد تموز (1956).

(1/234)

انتزع صور لوركا وطريقته حين شاء ان يتحدث عنه.

وأما الشاعر المحايد ؟في الظاهر - فهو محمد مفتاح الفيتوري، وقد راجع قصائد العدد الذي وردت فيه قصيدة " قافلة الضياع " فكان رأيه فيها أنها " لا ترتفع إلى مستوى أغنية المطر زائعة صديقي بدر السياب، بل لا اعتقد انه سيخالفني كثيرا عندما اقرر أنها لا ترتفع كثيرا عن مستوى هذا الشعر الذي نحاربه معا: شعر الخيالات السقيمة والحقائق التاريخية الجامدة والتجارب العقلية المشاعة، شعر القوالب الصناعية الخالية من حرارة الحياة وجدية المأساة " (1) ، وقد كشف الفيتوري عن أن الأسطورة التي تعتمد عليها القصيدة ؟وهي قصة قابيل وهابيل - تختلف اختلافا جذريا عن مأساة اللاجئين - موضوع تلك القصيدة - وان التوفيق بين المحملين الأسطوري والموضوعي يتطلب جهدا يتجاوز حد المقارنة الخارجية والربط الشكلي.

ولو أنا حكمنا على اكثر الجهد الشعري للسياب خلال السنوات الثلاث (1954 - 1956) من زاوية ما قاله فيه ناقدان كبيران وثلاثة من الشعراء المنتمين إلى المدرسة الحديثة في الشعر لحكمنا بأن النتيجة ؟في مجملها - كانت سالبية الطابع؛ ولكنا حين ننظر اليوم إلى تلك القصائد متسلسلة لا نشك في ان تجدد المحاولة وتنوعها يحمل من معاني الإخلاص والرغبة في البلوغ اكثر مما تستطيع القصيدة الواحدة أن تنبئ به في انقطاعها عما حولها وفي فقدانها،وذلك سيتضح في فصل تال نتحدث فيه عن تلك القصائد مجتمعة ومنفردة.

وقبل الانتقال إلى ذلك الفصل لا بد من أن نستدرك ما فوقه علينا السياق العام الذي حاولنا فيه إعطاء صورة متكاملة عن " فترة الآداب " . فقد حدثت هنالك أحداث وشئون تتفاوت في صغرها أثناء

(1) الآداب: عدد آب (1956).

(1/235)

تلك المرحلة؛ ومنها أن بدرا تزوج (عام 1955) فتاة من أبي الخصيب ليست من ذوي قرباه إلا أن أختها كانت زوجا لعمه عبد القادر السياب، وكانت إقبال ؟وهذا هو اسمها الذي ردده السياب في شعره من بعد - خريجة في دار المعلمات الابتدائية، بسيطة الثقافة وخاصة حين تعيش في كنف رجل يعتد بثقافته ويشعر أنها مصدر من مصادر شهرته ومركزه الاجتماعي، ولهذا أخذ نفسه بتلقينها بعض الدروس الخصوصية، ولكن شعوره بما يجب ان يكون عليه دور المرأة في حياة الفنان، وحلمه المثالي القديم بالسعادة البيتية، جعلاه يحس بأنها لا تستطيع ان تفقه دوره الكبير في الحياة وفي الشعر، ويضيف مصطفى ؟وانا انقل شهادته هنا في حذر ؟ بأنه كان في طبعها شيء من العجرفة، فكان بدر يتجنب إثارة المشكلات البيتية لأنه يكره ان يتحول جو البيت إلى " نقار " مستمر، وكانت ذات طموح في تغيير الوضع الاجتماعي الذي وجدته عليه ؟وهو موظف بسيط ذو راتب ضئيل - فلذلك اندفع بالحث والتشجيع إلى العمل المرهق. واظن أن مصطفى هنا قد اخذ بعضا من الحقيقة وترك بعضها لان بدرا لم يكن يخلو من هذا الطموح نفسه فكان قبل الزواج يمارس عددا من الأعمال ويعاني الإرهاق ليوفر لنفسه قدرا يسد حاجته من المال. ولكن إذا كان الزواج حمله ؟وهذا امر طبيعي - مسؤليات جديدة، فانه رده إلى شيء من الاعتدال، وقلل من إسراعه في الشرب؛ ويقول الأستاذ العبطة ؟مؤيدا ما قاله مصطفى - " وهو في السنة الأخيرة (1956) اعتزل المقاهي والحانات بعض الشيء " (1) إلا انه ربط بين الزواج وبرود عاطفته من جهة التزامه الاجتماعي (2) ؛ وقد المح السياب إلى مشاغله الكثيرة التي حفت به بعد الزواج وعدها مسئولة عن تشتته وعدم

(1) العبطة: 15.
(2) العبطة: 76.

(1/236)

قدرته على الإنتاج المنظم فقال في رسالة بعث إلى الدكتور إدريس: " ستدرك مع الزمن كيف تفترس المشاكل والمشاغل وقت المتزوج. أنها مشاكل ومشاغل ليست من صنع الزوجين، ولكنها مع ذلك مشاغل ومشاكل، وقد عاقتني هذه المشاغل عن إرسال شيء إلى الآداب طوال هذه المدة " (1) ؛ ولعل في هذه الشكوى ذريعة للاعتذار، وسيتبين لنا من دراسة قصائد السياب عام ان تزوج والعام الذي تلاه خصب يقل نظيره فيما أنتجه قبل الزواج.

ومن أحداث تلك الفترة ظهور كتاب يجمع عشرين قصيدة مترجمة عن الإنكليزية لشعراء ينتمون إلى أقطار مختلفة ومذاهب شعرية متفاوتة وفيهم من الكاتبين بالإنكليزية اليوت وباوند واديث سيتول وسبندر وفلتشر وداي لويس وولتر دي لامير وفيهم لوركا وريلكه ونيرودا ورامبوا وبريفيه وغيرهم. وقد كان من الحق ان يقارن الدارس بين أصول تلك القصائد وما صارت إليه في اللغة العربية، ولكن هذه دراسة تتطلب جهدا تحقيقيا مستقلا لا يتحمله هذا البحث؛ وقد قمت ببعض المقارنات هنا وهنالك ووجدت أن الترجمة يعوزها أحياناً قدر كبير من الفهم الدقيق للأصل، كما تفتقر إلى مستوى أسلوبي شعري يراعى فيه شيء من هذا عند الحديث عن دين السياب لاديث سيتول، ومن شاء نموذجا من المقارنة فليقرأ ترجمة السياب لقصيدة ناظم حكمت ويقارنها بترجمة عفيف فراج للقصيدة نفسها (2).

وقد أثار هذا الكتاب إنكار فريقين: أولهما مجلة " الثقافة الوطنية " البيروتية، فانها علقت على الكتاب بقولها: " وهذا شخص

(1) بتاريخ 30 كانون الثاني 1956.
(2) انظر ترجمة فراج في مجلة الطريق عدد ايلول (1968) ص:98؛ أما ترجمة السياب فتقع على الصفحة 88 - 90 من الكتاب المذكور.

(1/237)

اسمه بدر شاكر السياب اصدر كتابا ضم طائفة من القصائد لشعراء من الفاشست النازيين أمثال ازرا باوند ومن الجواسيس الذين اشتغلوا في الانتلجنت سيرفس من أمثال ستيفن سبندر " (1) . ورد السياب بأنه ليس شيوعيا حتى يتهمه الشيوعيون بالانحراف، ودافع عن القصائد التي اختارها بانها ذات محتوى إنساني (2) . واصبح السياب يترصد ما قد تقوله عنه مجلة الثقافة الوطنية، وحين اخبره بعضهم ؟بلهجة التحدي - ان المجلة ستنشر مقالا طويلا في الهجوم عليه رجا الدكتور إدريس إذا ما ظهر مثل هذا المقال ان يقتطه من المجلة ويرسله إليه بالبريد المسجل ليتسنى له الرد عليه: " ردا آخذ به ثأر كل مثقف أصابه رشاش من أذى هذه المجلة ومثيلاتها " (3) . أما الفريق الثاني الذي واجه هذا الكتاب بشيء من الاستنكار فهو الحكومة العراقية حينئذ: فقد أوقف السياب اثر صدور الكتاب ؟في شتاء سنة 1955 - ثم قدم للمحاكمة، ودافع عنه الأستاذ محمود العبطة أمام حاكم جزاء بغداد الأول " وقد احتار السيد الحاكم في تكييف الجريمة، فأجلت الدعوى، وأخيرا جرم بموجب أحكام قانون المطابع العثماني الصادر في سنة 1323 وحكم عليه بغرامة قدرها خمسة دنانير لأنه لم يذكر اسم المطبعة في الكتاب " (4) .

ومن أحداث تلك الفترة أيضاً محاولة البياتي ؟حسب شهادة

(1) الحرية العدد: 1443؛ وانظر الثقافة الوطنية تشرين الثاني (1955) ص 64: وقد تصرف السياب في النقل، فلم تقل المجلة: " وهذا شخص اسمه " وإنما جاء فيها " صدر في بغداد كتاب بعنوان؟ " والنص المذكور ورد خبرا، واكبر الظن أن الذي صاغه مراسل للمجلة في بغداد، وهو في صورته لا يتطلب ردا عنيفا، ولكن السياب كان متحفزا للمعارك.
(2) الحرية العدد 1443.
(3) رسالة بتاريخ 4/3/1956.
(4) العبطة: 14.

(1/238)

السياب - إجراء صلح أو مهادنة بينهما، ويقول السياب في ذلك: " فأجبته ان هذا لن يكون إذا لم يعتذر من الدكتور سهيل ومجلة الآداب بالصورة التي يراها الدكتور سهيل مناسبة. والذي اعتقده ان اعتذاره سيكون انتصارا لنا وللآداب وللحق " (1) . ورغم أن المعركة مع صلاح عبد الصبور قد جعلت حدة الخصومة بين السياب والبياتي خافتة الصوت، فان كلا من الشاعرين لم يخمد تماما جذوة الغيرة في نفسه من نده. وحين عرض الأستاذ خضر الولي من بعد أسئلة أدبية على أدباء العراق ؟ومن بينهم الشاعران - عبر كل منهما عما يحسه تجاه الآخر فاستطرد بدر ليعيب قصيدة " سوق القرية " للبياتي وأردف ذلك بقوله: " وإنما استشهدت بال ب ياتي لأنني أرى فيه شاعرا مبدعا حين يكتب عن تجربة صادقة وبأسلوب لا يجعله التفكير بالقارئ البسيط ينحدر إلى مستوى النثر " (2) . وردد البياتي تهمة الانحدار إلى النثرية ضد بدر وسماه " صديقنا " وقال: " ولعل القارئ سيأخذ العجب حين يرى أنني اقتصرت على السياب دون غيره ولكن عجبه سيزول إذا ما علم أنني كنت اعتبر السياب في محاولاته الأولى من شعرائنا الشباب الأوائل الذي ستتحقق على أيديهم بعض القصائد الناجحة " (3) ؛ لقد اخفت الزمن صوت النقمة الطاغي ليحل محله نوع من الاعتراف الحذر أو المقيد.

ولقد هيأت تلك الفترة للسياب أن يتحدث في مشكلات الأدب والشعر وان يسمع الناس رأيه فيها، وكان قد وقع في نظراته إلى الشعر والشاعر تحت تأثير سبندر، واستعار شيئا من آرائه في مقال له عن الواقعية؛ وحين سئل عمن اعجب بهم من شعراء الغرب أجاب في عصبية:

(1) رسالة بتاريخ 30 كانون الثاني 1956.
(2) آراء في الشعر والقصة: 13 (وقد ظهر في 15 أيلول 1956).
(3) المصدر نفسه: 40.

(1/239)

" حين يسألني سائل عمن أعجبت بهم من شعراء العرب أحدق في وجهه برهة من الزمن محاولا أن استشف أغوار نفسه: ايجد ام يهزل فيما يسأل؟ بمن أعجبت من شعراء الغرب منذ هوميرس حتى ديلان توماس اتراه يدرك ضخامة ما يسأل عنه؟ " ثم تتسع دائرة التأثير لدى السياب رغم ذلك فإذا هو معجب بشكسبير ودانتي وهوميروس وفرجيل وغوته وكيتس واديث سيتول واليوت (1) . ويقر بتأثيره في الشعر ؟تدريجيا - بالبحتري والمهندس أولاً ثم بأبي تمام ثم بشللي وكيتس ثم اليوت ثم اديث سيتول (2) ويعتقد أن طريقته الشعرية مزج بين طريقة سيتول وأبي تمام معا. ونلمح في كل هذا ان للشاعرة الإنكليزية منزلة هامة في نفسه؛ وانه اعجب من بين الشعراء المحدثين بالجواهري وابي شبكة والفيتوري " لمتانة الأسلوب وحرارة العاطفة دون ميوعة والموازنة بين الفكرة والصورة والعاطفة والاتجاه الواقعي " (3) . فإذا سئل عن الواقعية ذكر انها اتجاه يندرج تحت لوائه شعراء من شتى المدارس الشعرية فكل من استحق اسم شاعر يمكن أن يسمى واقعيا.

وقد كان هذا المفهوم الواقعي هو محور محاضرته التي ألقاها في مؤتمر الأدباء الثاني بدمشق حين قرر أن الأدب الخالد هو الذي يصور محاربة الإنسان للشر، والشر اليوم قد تبلور في الاستعمار وقواه وفئاته، وأكد انه من دعاة الأدب الواقعي الملتزم. ثم قسم الأدب العربي إلى ثلاثة أقسام: واقعي ومحايد ومنحل، والأخير نوعان: نوع يدعو الناس إلى الهزيمة ونوع ماجن داعر؛ والشعر الواقعي هو الصالح للبقاء وهو يفرض نفسه على الناس تلقائيا (4).

(1) آراء: 13 - 14.
(2) المصدر السابق: 14.
(3) المصدر السابق: 15.
(4) انظر الآداب، عدد تشرين الأول (1956) ص: 22 وما بعدها.

(1/240)

لعل مؤتمر الأدباء الثاني أول فرصة سنحت للسياب ليقف بين أدباء وشعراء يمثلون مختلف الأقطار العربية، وقد كان مفهومه لما يريد من الأدب أقوى بكثير من مفهومه لموضوع المحاضرة وهو " وسائل تعريف العرب بنتاجهم الأدبي الحديث " فان ما يمس الموضوع من محاضرته يمثل أفكارا سطحية مثل: تشجيع الدولة للأديب، وإنشاء دار للنشر ترصد لها الحكومات العربية أموالها وتشرف عليها لجنة تنبثق من المؤتمر، شريطة ان تلتزم كل دول الجامعة العربية بدخول كتبها إلى أقطارها، ثم تأسيس رابطة للأدباء العرب على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والأدبية. فهذه الأفكار تدل على التناقض الضمني بين فكرة السياب عن الأدب وأفكاره عن طرق ترويجه، وابسط امتحان لهذه الأفكار ان نسأل: إذا كان الأدب الواقعي الناضج يفرض نفسه على الناس تلقائيا فما الحاجة إلى تشجيع الدول؟ ثم كيف تشجع اكثر الدول يومئذ الأدب الواقعي الملتزم وترصد الأموال لنشره وأكثرها كان يرى في ذلك الأدب خطرا على كيانه، ثم ؟وهذا أدهى وأمر - ما الذي سينتج عن تأسيس رابطة من الأدباء على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والادبية، وكيف يمكن لهذه الرابطة ان تعمل وبأي مقاييس تنظر إلى الأدب، وقوة التناقض في كيانها تهدم كل قرار ايجابي؟ ان هذا الخلط يدل على شيئين. انه لم يبق من ثورة السياب في نطاق النظرية الفنية إلا الإيمان الغامض بشيء اسمه الأدب الواقعي الملتزم و أنه لم يكن ؟ من الناحية العملية ؟ يدرك شيئا من الواقع الذي تعانيه الدول العربية حينئذ (1).

وقد أتيحت الفرصة أيضاً للسياب لينشر مجموعة من شعره في ديوان جديد، وكان الدكتور سهيل إدريس يحفزه إلى ذلك، وتشهد

(1) انظر مناقشة لمحاضرة السياب من زوايا أخرى عرض لها الدكتور شكري فيصل، في الآداب العدد 12 (1956) ص: 57.

(1/241)

رسائله بأنه كان يعد ذلك الديوان لتنشره دار الآداب، فهو يقول في إحدى رسائله: " أشكرك على عرضك الكريم. وسأعد العدة منذ الآن لتهيئة ديوان من الشعر، وقد كلفت الأخ محيي الدين بكتابة مقدمة له " (1) ويقول في أخرى: " سنلتقي في بلودان وسأسلمك الديوان الذي اعكف الآن على استنساخ قصائده وتبويبها " (2) ولكن الديوان لم يظهر على هذا النحو، لأسباب لا ندريها، وربما كان في سياق الأحداث المقبلة ما يومئ إليها من بعيد.

(1) رسالة بتاريخ 4 - 3 - 1956.
(2) رسالة بتاريخ 1 - 8 - 1956.

(1/242)

- 20 -

نحو القومية

ذات يوم من أيام 1951 أحس بدر انه تحول إلى وجهة شعرية جديدة وانه لن يكتب شعرا كالذي تضمنه ديواناه " أزهار ذابلة " و " أساطير " ، وكان في الحقيقة يومئ إلى الربط بين شعره واتجاهه اليساري - ذلك الاتجاه الذي بدأ مبكرا منذ سنة 1946 - على وجه التقريب - وأستمر حتى عام 1954؛ ولو انا راجعنا حصيلة الشعر الذي يمثل ذلك الاتجاه في مدى ثماني سنوات أو تسع لوجدنا ان ما تبقى منه لا يمثل إلا نسبة ضئيلة في شعر السياب عامة أو بتعبير أدق - فيما جمع من شعره في دواوين. تلك حقيقة هامة تقول أن السياب الإنسان قد تعرض للمطاردة والمحاكمة والتنكر والفصل من العمل والسجن والاغتراب في سبيل عقيدة آمن بها مدة ثماني سنوات أو تسع، ولكن السياب الشاعر لم يقل ثماني قصائد أو تسعا يرضى عنها في نصرة تلك العقيدة. فأما جانب من قصائده فقد كان خطب تستدعيها المظاهرات والمحافل الشعبية، وأما القصائد الأخرى فأكثرها مشمول بالاقتسار والفجاجة وعدم التلاحم بين شاعريته ومعتقده. ولهذا وجد الشاعر نفسه ينسلخ فنيا من انتمائه الحزبي، وكان ذلك أمر سهلا، لأنه لم يستطيع ان يجعل الفن والانتماء حقيقتين متكاملتين، تستدعي الوحدة منها الأخرى. وبذلك انتهت المرحلة الثانية وهي مرحلة

(1/243)

البحث عن أسلوب غير ذاتي في الشعر وتتسم في مجموعها بتجارب مختلفة في السيطرة على القصيدة الطويلة وتنقسم قصائدها في ازدواجية صارخة بين سيطرة المبادىء، ومحاولة الهرب منها إلى شعر ذي لون اجتماعي كئيب تنسلل فيه الانقسام واضحا بين حرية الإدارة والجبرية الخانقة، ولكن القصائد جميعا تتميز بنظرات إنسانية وموضوعات إنسانية، وبإخلاص لا ينكر للتخلص من الذاتية ومن التغني الفردي بسحر الحبيبة وآلام الحب، فقد اخذ السياب يتحدث فيها عن الآخرين أفراداً وجماعات، عن آلامهم وأفراحهم، عن كفاحهم وبؤسهم ومتناقضات أوضاعهم، بقلب إنساني كبير ومشاركة شعورية ذات حظ من الأصالة والعمق. وهكذا اختفت الحبيبة التي كانت مصدر الأفراح والهموم، واستراحت الام في قبرها وفي أعماق قلب ابنها، ومضى بويب يشق طريقه بنفسه دون ان يحتاج وقفة رثاء أو حنين، وأصبحت جيكور نقطة في مربع من مربعات الشطرنج الكوني الكبير، وعلت لفظة " الغد " على لفظة " الموت " ؛ حتى الأشخاص السلبيون أمثال الحفار والمومس كانوا يقفون - في النهاية - متشبثين بالحياة، يرفضون الدخول في عالم الظلمات الحالكة.

إلا إن التجربة الإيرانية الكويتية ردت السياب رغما عنه إلى فرديته، حين جعلته يحس بالغربة العميقة، ولكنه لم يلبث ان ربط بين نفسه وبين وطنه: فإذا هو العراق شيء واحد، وأراحه هذا الربط حين تحقق إذ كان قد اصبح لا يرضى لنفسه ان يطلع على الناس باكيا آلامه وجوعه وفقره وحبه المخفق كما كان يفعل في المرحلة الأولى ؟تلك تجارب قد مضى عهدها ولا يريد لها أن تعود، إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وتجلت الوحدة الكاملة بينه وبين العراق في قصيدة " أنشودة المطر " فكانت فاتحة المرحلة الثالثة، مرحلة التعرف إلى حقيقة ما يعانيه

(1/244)

دون أن يزج به في سياق الكفاح العام في مختلف أقطار العالم.

وكانت قصيدة " أنشودة المطر " تنبئ أن الشاعر قد اكتشف العلاقة بين الجفاف والخصب المتعاقبين، أي اهتدى إلى أسطورة " تموز " أو " أدونيس " دون أن يذكر ذلك صراحة؛ ورأى نفسه ؟كما رأى العراق - من خلال تلك الأسطورة فتم التطابق بين الفرد ووطنه، واستراح الشاعر من الازدواج القديم المتباعد الطرفين الذي كان يجعله تارة مع حفار القبور وتارة مع الأسلحة والأطفال. وكان هذا الاهتداء يشبه الوقوع على منجم أو كنز: ذلك لأن الأسطورة في جميع وجوهها تصلح لموقفه الجديد صلاحية عجيبة؛ فأدونيس (أو تموز) شاب جميل محبوب يستطيع ان يحتضن شخصية الشاعر المحروم من الحب، وافروديت أو عشتار أم وحبيبة معا؛ والأسطورة في مجموعها خير ما يرمز للعراق حين يدرس فيه معنى الخصب والجفاف وحكم الكهنة والقرابين؛ وهي أسطورة تمثل الحضارة الزراعية ولهذا تصلح ان تكون ملاذا للشاعر الهارب من أخيلة اليسار الصناعي ومن طغيان المدينة الكبيرة ذات الحياة الآلية؛ بل ان اهتداءه لتلك الأسطورة يعني العودة إلى الريف من خلالها، وإعلان الكراهية الدفينة للمدينة الحديثة. ولهذا لا يدري الدارس أيهما اسبق: اكتشافه العلاقة النفسية بينه وبين الأسطورة الزراعية أم اعتزامه فصم العلاقة بينه وبين يساريته، إذ يبدو ان أحدهما أدى إلى الآخر على نحو طبيعي، وكان ظهور تموز أو أدونيس طريقه إلى القوى الغيبية أي إلى الإيمان بدين، ونوعا من التعويض عن تلك الغربة الطويلة التي أحس بها في ظل العقلانية الواعية. وقد انالشاعر حين يتخذ أسطورة فليس من الضروري أن يتجاوز حدود استغلال الرموز الكامنة فيها، وهذا صحيح، ولكن الذي أقوله هنا هو ان العودة إلى الرموز البدائية ؟وهي رموز دينية - قد نقلت السياب إلى مصطلح شعائري ودنيا من الشعائر

(1/245)

وبذلك سهل عليه التعامل الفكري مع منطقة دينية لتفسير الحياة الحاضرة، وكانت هذه الخطوة تمهيدا لما بعدها ؟كما سأبين من بعد - .

وليس في مقدور أحد ان يتنبأ بالوجهة التي كان شعر السياب يزمع السير فيها بهد " أنشودة المطر " لو لم يتصل بمجلة الآداب. فالقصيدة لا تتجاوز الربط الوثيق بين الفرد ووطنه، وهي قد مثلت هذه الرابطة اثر تجربة فذة ربما لم تتكرر قوة واتساعاً وعمقا، فما هو الوتر الذي يستحق أن يعزف عليه؟ وماذا يكون لون المعزوفة الجديدة؟ قرابة تسع سنوات مضت والشاعر كأنما لم يسمع إلا نبأ عابرة عن ناس يسمون اللاجئين، ولا يقرأ شيئا عن الدم المراق في جبال الاوراس، ولا يحس بوطأة الاستعمار المقنع وغير المقنع في البلدان العربية، ولا هو شديد الاحتفال بشيء مما حدث في مصر ولا يعرف من أهلها إلا شاعرا منافسا يسمى صلاح عبد الصبور: أين كان هذا الشاعر وأية صلة تربطه (أو لا تربطه) بهؤلاء الناس الذين يريد إن يقرأوا شعره؟ كانت يسارية زائفة تلك التي تصور أنها تحرم عليه تحسس الآلام والآمال في مجتمعه الكبير الذي يسمى البلاد العربية، وكان زيفها يدل على ضيق في مفهوماته الحزبية، ولذلك فلا غرابة إذا وجد نفسه أسير نفسه، فثار عليها إلى أفق اعتقد انه ارحب. وكانت المنافسات الفردية حافزه الكبير للتقرير الحاسم، ورأى البياتي قد اصبح شاعرا مرموقا تحتل قصائده كل عدد من أعداد " الثقافة الوطنية " البيروتية، فلم يكتف بقطع الروابط مع حزب يرفع من شأن البياتي، بل ذهب يفتش عن مجلة متداولة تكفل له منافسته، ومضى شوطا ابعد من ذلك: فبعد إن كان شديد الإعجاب بناظم حكمت (1) ، تغير رأيه فيه

(1) انظر العبطة ص: 13، ويقول المؤلف أن السياب ترجم له قصائد نشرها في جريدة العالم العربي دون توقيع.

(1/246)

إلى الضد، لا لأن ناظم حكمت يساري، بل لأن البياتي يتكئ عليه كثيرا ويحاكيه ويحب ان يقرن اسمه باسمه.

ولاحت الآداب واحة في صحراء شاعر ظمآن إلى الشهرة، إلا أن الارتباط بها كان يمثل صلة من نوع جديد، فهي تصل إلى أنحاء العالم العربي في المشرق والغرب، وليست مقصورة على قطر واحد كالصحف العراقية المحلية، أو كالكراسات الصغيرة التي كان السياب ينشر فيها قصائده فلا تتعدى كثيرا الحدود الإقليمية، ولهذا فان الشاعر الذي يحس بأن الشهرة والمسئولية أمران متلازمان لا بد من أن نفرض على نفسه ؟في مثل هذا الوضع - التجويد والتجديد وسوف يتضح لنا مدى حرص السياب على التجديد والتجويد حين نتحدث عن القصائد، ولكن يكفي هنا أن نقتبس فقرة من إحدى رسائله تدل على اهتمامه الشديد بالجدة في الطريقة الشعرية وتبين إحساسه بالمسئولية الجديدة في ما يسميه محاولة، فهو يتحدث عن قصيدته " أغنية في شهر آب " بقوله: " هي بالحري محاولة لمتابة الشعر بأسلوب جديد: للقارئ ان يفهم ما وراء الرموز وله ألا يرى رموزا بالمرة؛ له أن يرى في (تموز) رمزا للخصب والحياة وفي موته موتا للخصب والنماء، وفي مرجانة الزنجية التي تضيء النور وتفتح المذياع لتتصل سيدتها بالعالم ولتسمع موسيقى الجاز ؟تراث مرجانة التي لا تعلم انه ترتثها، والذي تظنه سيدتها وأمثالها " رفعة " في الذوق و " ومدنية " ؟اكثر مما يبدو على السطح، وله ان يقارن بين نقالة الإسعاف في أول القصيدة وبين نقالة الموتى في ختامها، وبين الأسماك المصنوعة من الذهب والفضة وبين الخضر وسمكته الميتة التي ألقاها في مياه " بحر الحياة: فعادت حية، له أن يغعل ذلك كله وله ألا يفعل، أنها محاولة لا أدعي أنها

(1/247)

ناجحة؟. " (1)

وفي الرسائل المبكرة بين الدكتور سهيل إدريس والسياب أوضح صاحب الآداب للشاعر انه قطع على نفسه العهد " بخدمة المجموعة العربية وأدبها السائر نحو النور " (2) وكان توجيها للشاعر في الطريق الجديد، ولهذا جاءت الرسائل تحمل نغمة جديدة لم نكن نسمعها مثل: " اننا نؤمن بالإنسانية وبالأمة العربية لا بأشخاص بذاتهم ولا بحزب سياسي بذاته " ومثل: " أن النصر لنا ولأمتنا " ، ومن ذلك: " أرجو؟. أن أوفق إلى إرضاء قراء مجلتنا القومية الشريفة " وما أشبه ذلك. فهل سار شعر السياب أيضاً في هذه الطريق نفسها؟

اكبر الظن أن بعض قصائد هذه الفترة التي امتدت قرابة ثلاث سنوات قد جعلت الكثيرين يظنون ان السياب بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي العراقي استل قلمه الحاد وجنده في خدمة القضية العربية، ولم يعد من الصعب على من يحبون رفع الشعارات ان يسلكوه في صف دون آخر؛ ولكن الحقيقة الفنية أقوى دلالة من الأماني والرغبات؛ ونظرة واحدة إلى قصائد هذه الفترة تنبئنا عن واقع الحال هنالك: فالقصائد التي نظمها السياب في هذه الفترة ربما لم تزد على خمس عشرة قصيدة، منها أربع فقط تتناول القضايا العربية العامة على نحو مباشر صريح، ومن هذه اثنتان تتناولان المغرب العربي ، وواحدة تتحدث عن اللاجئين، وواحدة عن بور سعيد. أما بقية القصائد فبعضها يتحدث عن قضايا إنسانية عامة كقنبلة هيروشيما، وبعضها عن لوركا، ولكن ابرز ما يلفت النظر إليها من حيث الموضوع عودة الشاعر إلى موضوعات متصلة بمشكلات ذاتية مثل " مرثية جيكور " و " عرس

(1) رسالة إلى الدكتور إدريس بتاريخ 4 - 3 - 1956، أما الجزء الذي يتحدث عن الخضر وسمكته والأسماك المصنوعة من الذهب والفضة فقد حذف من القصيدة المنشورة في أنشودة المطر: 22 - 26.
(2) انظر صدى ذلك في رسالة من بدر بتاريخ 25 - 3 - 1954.

(1/248)

في القرية " وفي الثانية رجوع إلى موضوعه القديم وهو زواج الفتاة القروية ؟التي أحب مثلها ذات يوم - من شخص ثري.

لم يكن السياب محدد المجال في فترة انتمائه اليساري لكني يقال انه بعد انفصاله قد أخذته الحيرة إزاء الموضوع الشعري الذي يجدر به ان يطرقه، ولكن بروز الموضوعات ذات الطابع القومي العربي في شعره على نحو ساطع لأول مرة يجعلنا نؤكد محاولته لانتماء جديد. وكان كما دلت محاضرته في مؤتمر الأدباء العرب لا يزال من الزاوية النقدية يستعير مفهومات الواقعية الحديثة ويحاول قياس الأدب الصحيح بها، ولذلك فأنه لم يستطع ان يتخلى عن الالتزام الذي يربط بين الفن وتحرير الشعوب كما لم يتخل عن مفهومات إنسانية عامة تغص إليه الحرب والدمار، فكتب قصيدة عن مأساة هيروشيما والقنبلة الذرية. ولكن تسلسل الماضي إلى شعره 0في هذه الفترة - متمثلا في " عرس في القرية " و " مرثية جيكور " يدل على ان الجرح القديم الذي اكتسى بطبقة كثيفة من الحرشف الجلدي عاد فانتقض حتى ليغدو بعد قليل هو المنفذ الذي تنسكب منه الدماء، فتشغل صاحبها عن النظر إلى الدماء المنسكبة من ظهور الفقراء وجنوبهم. وأيا كان الأمر فان الشاعر عاد إلى موضوعات المرحلتين السابقتين من أبواب جديدة: باب إنساني عريض وباب قومي عربي وباب ذاتي. وقبل ان نلح هذه المداخل معا علينا أن نقرر أن السياب لم يخل تماما عن القصيدة الطويلة ولكنه عدل عنها مرغما بسبب حجم المجلة والمساحة التي تستطيع تخصيصها، وكان في هذا كل الخير لشعره، لأنه أخذ يحاول " التحليل المر " إن صح التعبير، فيمنح القصيدة تكاملا وترابطا؛ بل ان المحاولتين اللتين استمر فيهما بدعوى النفس الملحمي وهما " رؤيا فوكاي " و " بور سعيد " يكملان إخفاقه القديم في البناء الكبير.

(1/249)

- 21 -

الينابيع الثقافية

ترى هل كان السياب يحس أن " أنشودة المطر " نقله مفاجئة في المبنى والمستوى؟ أكبر الظن ان غريزته الفنية أدركت ذلك إدراكاً مبهما ولهذا فإنه جعل رمزه الجديد المفضل ذلك التعاقب بين الخصب والجدب في اكثر قصائد هذه الفترة، ثم لعل تلك الغريزة هي التي حفزته إلى أن يتجاوز ذلك المستوى الذي بلغه في " أنشودة المطر " أو لا يقصر عنه ؟على الأقل - ولهذا حاول في كثير من قصائده أن يتفوق على نفسه، وان يطلع ببناء فني جديد. وكانت هذه الفترة احفل الفترات الشعرية بالتجديد في المبنى والموضوعات والصور والرموز، فإن لم تكن كذلك فإنها تتحدث عن محاولة مستمرة للتفرد في الطريقة وأدواتها ووسائلها.

وللينابيع الثقافية أثرها في هذا المستوى وفي طبيعته: فقد حشد السياب عددا كبيرا من الأساتذة يمتدون من دانتي حتى اليوت ومن أبي تمام إلى الجواهري، عندما سئل عمن بهم أو عمن أثروا فيه؛ ولكن الحقيقة كانت اقل من ذلك كثيرا، فقد ظل داتني والمتنبي وشكسبير أسماء تذكر في معرض المباهاة الثقافية، كما توارت صورة اليوت ومن قبلها صورة كيتس، ولم تبق من علي محمود طه إلا أصداء باهتة ذابت قبيل أنشودة المطر ؟فيما أحسب - وآخر ما يمثلها قصيدة

(1/250)

" أم سجين في نقرة سلمان" (1) التي نسجت على منوال "جانة الشعراء" ؛ أما الجواهري " أعظم شاعر ظهر في هذه الحقبة من شعرها الحديث " و " أستاذ هذا الجيل الطالع من الشعراء العراقيين " (2) فلم تتبق منه إلا رحى تطحن قرونا ؟قعاقع يستدعيها المقام في قصيدتي فوكاي وبور سعيد. وظل السياب متمسكا بالجمع بين الشرق والغرب اللذين ظن كبلنغ سفها انهما لا يجتمعان، فكان يزعم لنفسه ان شعره مشتق من الجمع بين طريقة ابي تمام واديث سيتول.

والحقيقة أن السياب في بحثه عن منبع شعري يتلائم وطبيعته ومنهجه وقع تحت تأثير كل من لوكا واديث سيتول، وربما لم يكن من المصادفة ان كلا منهما لم يكن منتميا إلى معتقد سياسي معين. وقد أعجبه في الشاعر الأسباني عمق تعبيره عن القسوة والموت وقدرته الفذة في تصوير الواقع من خلال صور حسية مجسمة وتلاعب بالألوان وجمع للملامح المتباعدة في إطار شعري واحد تتصل فيه المجسمات الواقعية بأخيلة غريبة طليقة لا واقعية؛ ومع ذلك كله فأن تأثر السياب بلوركا لم يكن عميقا لأن صور لوركا ؟وهي المادة التي يحتاجها السياب اكثر من حاجته للموضوع والطريقة - كانت غريبة الوقع لما يغمرها من سمات سريالية، ولم يكن السياب يستطيع الابتعاد كثيرا عن الوضوح في الصورة، لأنه تعود منذ نشأته الشعرية ان يتخذ الصور للتوضيح

(1) يقول السياب في هذه القصيدة:

في قلعة جبلت حجارتها ... بدم القلوب وبارد العرق
ظلماء يلهث في مغاورها ... داجي الهواء لهاث مختنق
وتعفن الزمن الحبيس لدى ... جدرانها طبقا على طبق
وتلظت الصحراء فاغرة ... عنها فم المتثائب القلق
حيث النهار هجيرة ودجى ... والليل غاشية من الأرق

قلب أعز من الحياة على ... قلبي يلوك بقية الرمق وهي في أربع مقاطع، ولعلها تعود إلى أحداث سنة 1952.
(2) انظر العبطة: 84 - 85.

(1/251)

المعنوي لا للإبهام الموحي. ولهذا اقتصر تأثير لوركا في شعره على استعارة عدد غير كثير من الصور، أو على المحاكاة القياسية لبعضها الآخر؛ فقوله مثلا (1) :

والبرد ينث من القمر

إنما يعد مستعارا من قول لوركا على لسان القمر " افتحوا السقوف والصدور لأدفئ نفسي فأنا بردان " (2) ؛ وللقمر دور هام في شعر لوركا، ولكن السياب ؟رغم اتكائه على لوركا أحياناً في هذه الناحية - لم يستطع أن يتبنى ذلك الدور نفسه للقمر. كذلك فإن محاولته التلاعب بالألوان وإضافة الألوان إلى الصدى " أصداؤها الخضراء.. أصداؤها البيضاء.. أصداؤها الحمراء؟ " (3) ربما كانت محاكاة لوركا على استغلال الألوان في شعره. ويظهر في قصيدة " النهر والموت " أثر لوركا واضحا فهناك تتدفق المياه وتتحدث الطبيعة مرددة " بويب، بويب " فيخيل للشاعر انه يسمع " أجراس برج ضاع في قرارة البحر؟ وتنضح الجرار أجراسا من المطر " ويحس الشاعر ان الدماء والدموع في الكون " أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين " (4) . ولا ريب أننا نقرأ هنا قول لوركا (5) :

الأطفال: يا جدولا رقراقا يا ينبوعا ريقا
ماذا يحتوي قلبك الألهي المتفتح بالعيد
أنا: جرس الموت الذي يدق في الضباب.

وقوله أيضا:

(1) أنشودة المطر: 24.
(2) Lorca p.93
(3) أنشودة المطر 80 - 81.
(4) أنشودة المطر: 141، 143.
(5) عرس الدم - ترجمة الدكتور علي سعد، المقدمة 14 - 16.

(1/252)

ملء قلبي الحريري أنغام وأضواء

ودقات أجراس ضائعة.

وفي قصيدة السياب نفسها " لألح القمر يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال " وهو قياس على لوركا " والحرس المدني يتقدم زارعا الحرائق " (1) وعلى قوله في موضع آخر: " بينما يزرع الصيف غمغمات النمورة واللهيب " (2) . ومع أن قول السياب " ناب الخنزير يشق يدي؟ " (3) مستوحى مباشرة من قصة أدونيس فأنه لا يبعد أن يكون ناظرا أيضا إلى قول لوركا " فشق نعالهم وكأنما شقها بعضات خنزير بري " (4) في قصيدة " مصرع انطونيو الكامبوريو " . وفي هذه القصيدة يتحدث لوركا عم مدى تطعن بها النجوم صدر الماء الرمادي، كما يتحدث في قصيدة أخرى عن القمر الذي يلقي بمدينته في هواء الليل (5) ، وعن الأسماك التي تضيء مدى مزينة بدم الأعداء (6) . ولما حاول السياب أن يكتب قصيدة في لوركا (7) استمد من طريقته في التصوير فتحدث عن " المدى التي تمضغ الشعاع " وعن " شراعه الأخضر كالربيع " ، وحشد في القصيدة ما يمثل لوركا، في نظرة، من حيث الفكرة والصورة والمبنى الشعري. فبنى القصيدة على التضاد العنصري واللوني، حسبما أوحى له بذلك صديقه كاظم جواد (8) الذي كان يتدارس وإياه بعض قصائد لوركا، ولهذا جعل قلب لوركا

(1) الآداب (1956): 471 وعرس الدم: 72.
(2) عرس الدم: 67.
(3) أنشودة المطر: 99.
(4) Lorca p.54.
(5) عرس الدم: 68.
(6) المصدر نفسه: 78.
(7) انظر أنشودة المطر: 27.
(8) يقول كاظم جواد: ثمة تضاد يضطرم في شعر لوركا المتوتر التابض؛ (الآداب - 1956) ص: 470.

(1/253)

تنورا متوقدا بالنار فوارا بالماء معا، وعينيه تنسجان شراعا من اللظى خيوطه من مغازل المطر، ومن الحياة (كما تمثلها ثدي الأمهات والمدى التي تسيل منها لذة الثمر ومدى القابلات التي تقطع السرر) والموت (المتمثل في مدى الغزاة ؟أمثال الحرس المدني - ) وهي تمضغ الشعاع. وهذا الشراع ندي (لين) قوي (صلب) أخضر كالربيع أحمر دموي، كأنه زورق من ورق وضعه طفل في ماء للعب أو كأنه " شراع كولمبس " وضعه في الماء مغامرا متحديا.

أما الشاعرة الإنكليزية فإن علاقته بها أقوى وأعمق، وربما كان من الغريب أن تحتل اديث سيتول كل هذه المكانة من نفسه، فأنها شغلت نفسها طويلا في العناية بالإيقاعات الصوتية وهي مغموسة النفس في التيار الديني وتستمد كثيرا من صورها من قصة المسيح، وتعد بعض صورها أشد غرابة من صور لوكا، ولكن الجواذب التي ربطت السياب بشعرها كانت متنوعة: فقد كان يريد منبعا غير اليوت الذي حاول البياتي أن يحاكي بعض نماذجه، ولهذا فهو يرجو ؟على إقراره بعظمة اليوت - ان ينفي عن نفسه تأثره به، لكي لا يرد هو والبياتي موردا واحدا؛ ثم انه عجز عن أن يجد ضالته في شعر ديلان توماس، رغم التقارب الشديد بين هذا الشاعر واديث سيتول، لأن توماس اشد واكثر تجوزا في الاستعمال اللغوي والصوري، وكان اهتداؤه إلى شاعرة ؟من غير الطبقة الأولى - يعد كشفا يبعث في نفسه الارتياح إلى استقلاله في النظرة والانفراد عن الآخرين. وقد أعجبه في شعرها ذلك الفزع الذي تغلغل فيه بسبب الحرب وتفجير القنبلة الذرية، ففي هذه المرحلة قل احتفالها نسبيا بموسيقى الألفاظ، كذلك كانت تجمعه بها رابطة أخرى هي حاجة الاثنين إلى التركيز، شغفها بترصيع القصائد بالدلالات الأسطورية، لا اتخاذ المبنى الأسطوري محملا للقصيدة ؟كما يفعل اليوت. ولما كانت نواحي

(1/254)

التلاقي بينه وبين تلك المرأة الشعرة كثيرة فانه تحدث دائما عنها في إجلال بالغ وذهب يعلن في شيء من المباهاة انه تأثر طريقتها في الشعر، وقرنها دائما باليوت ليقول ان الشعر الإنكليزي الحديث عرف شاعرين عظيمين لا واحدا.

ولم يقف تأثير سيتول عند حد المرحلة التي تتحدث عنها بل تجاوزها إلى المرحلة التالية، كما فعل لوركا على نطاق أضيق. كذلك بدأ تأثيرها مبكرا إذ تعرف إلى شعرها أواخر أيام الطلب في دار المعلمين، ولكن أثرها لم يبلغ أقصى قوته إلا في فترتي صلته بالآداب ومجلة شعر. فهي التي جعلته شغوفا بقصة " قابيل " يرددها في مناسبات عديدة، وعنها أخذ صورة التقابل الرمزي بين السنبلة والذهب (النضار) (1) :

النار تصرخ في المزارع والمنازل والدروب ... في كل منعطف تصيح أنا النضار أنا النضار ... من كل سنبلة تصيح ومن نوافذ كل دار؟ ... وصورة طائر الحديد الذي يلقي القنابل على المدن الآمنة (2) :

يا صليب المسيح ألقاك ظلا ... فوق جيكور طائر من حديد وصورة الحياة السارية التي تنبض في عروق الكون على وجوه مختلفة؛ فقوله:

أحسست ماذا؟ صوت ناعورة ... أم صيحة النسغ الذي في الجذور ... إنما هو مستمد من قولها (3) : ومن خلال ما يعمله الموت

(1) أنشودة المطر: 60.
(2) أنشودة المطر: 93 وانظر ص: 48 حيث الترجمة مباشرة.
(3) Collected poems ص: 372.

(1/255)

ومن خلال جفاف الغبار
يسمع صوت النسغ الصاعد كأنه
أصوات بقرية هائلة تنبعث من
" ميامس " محتجبة مرعبة
And through the works of Death
The dusts aridity is heard
Of mounting saps like monstrous bull - voices of unesen of fearfu.

Mimes:

وقد كرر هذه الصورة في قصيدة أخرى فقال (1) :

أسمع من شوارعها الحزينة
ورق البراعم وهو يكبر أو يمص ندى الصباح
والنسغ في الشجرات يهمس؟.

ومما يدل على المحاكاة المعتمدة بعض التلاعب كان يجريه في التصوير أحياناً، بين قلب وتحوير، فالصيحة (2) تنبعث من قلب الأرض كالرعد هاتفة بالمسيح وهي تزأر:

ليكن هناك حصاد
ور يكن بعد اليوم فقير
لأن المسيح قد بذر في كل ثلم

ويتحول السياب بهذا المنظر فيصور (3) الموت وهو يركض في الشوارع هاتفا بالنيام ان يستيقظوا قائلا: " أنا المسيح، أنا السلام " !، والقرابة بين الصورتين تدل على الاتباع المعتمد، ويشفع السياب هذه الصورة بقوله:

والنار تصرخ يا ورود تفتحي ولد الربيع

(1) أنشودة المطر: 20.
(2) Collected Poems: ص372.
(3) أنشودة المطر: 20 - 21.

(1/256)

وهذا تحوير أيضاً لقول الشاعرة (1) :

الورد على الجدار تصيح
" أنا صوت النار "
The Rose upon the wall
Cries - ! I am the voice of Fire: ؟

وقد جرأته الشاعرة الإنكليزية على اقتباس الرموز المسيحية، لاكثار من ذكر المسيح ولعازر ويهوذا، وأن كانت هناك عوامل أخرى شجعته على ذلك ؟كما سأوضح من بعد - . وهو يترجم عنها بعض الأبيات ويضمنها قصيدة " رؤيا فوكاي " (2) ، ومن هذا المثال يبدو كيف انتزع الأبيات التي ترجمتها من مواضع في القصيدة، وكيف رتبها حسبما شاء، وعندما بلغ إلى قوله:

فأزحف على الأربع ... فالحضيض والعلاء سيان،

زاد على ذلك قوله: " والحياة كالفناء " ، وهذه الزيادة قد جاء بها من قصيدة أخرى (3).

Where life and death are wqual

مما يدل على ان هذا الربط المتباعد، كان يعتمد على اختزانه لقصائد الشاعرة في ذاكرته إلى جانب الترجمة المعتمدة.

ويجري السياب على منوال الشاعرة الإنكليزية أيضا في استخدام رموز المطر، ففي قصيدة " أنشودة المطر " تجتمع لديه الكآبة الفردية من منظر المطر بالاستبشار لما قد يتمخض عن المطر من زوال الجوع، وهذا يشبه جمع الشاعرة في قصيدتها " أمطار نيسان " (4) بين البهجة بالحياة

(1) Collected Poems ص:377.
(2) أنشودة المطر: 48 وcollected Poems ص: 274.
(3) انظر ص: 387.
(4) انظر ص: 409.

(1/257)

وتحسب الجفاف الذي سيعتري كل شيء في الوجود. أما قصيدتها " ما زال المطر يتساقط " (1) حيث يومئ المطر إلى الموت والدماء والقنابل المتساقطة في الغارات الجوية فانها قد ألقت ظلها التام على قصيدة السياب " مدينة السندباد " (2).

ولعل قصيدة: " مرثية جيكور " و " مرثية الآلهة " و " من رؤيا فوكاي " ؟(وهذه القصائد الثلاث تمثل مشروع قصيدة واحدة مما كان يسميه السياب ملحمة) أقوى قصائد الشاعر صلة بأثر اديث سيتول، لأنها تعد شاهدا على الاتباع الدقيق وعلى الاستقلال في نطاق ذلك الاتباع. فقد عمد الشاعر إلى قصيدة " ترنيمة السرير " Lullaby ( ص274) وإلى " ثلاث قصائد في القنبلة الذرية " (368 - 378) فاستمد منها كثيرا من تصوراته ومن الجو العام الصالح لمثل موضوعه، بل جاراها في بعض الرموز والعبارات مقتبسة أو محورة.

وتقع " مرثية جيكور " منفصلة عن سائر القصيدة ولكن هذا ليس سوى ترتيب موضوعي اقتضاه الديوان حين نشرت القصائد مجتمعة؛ وعلينا أن ننظر في تلك القصائد من حيث تمثل وحدة، فتجيء " مرثية الآلهة " أولا، - وقد كان الشاعر كتب غليها عند نشرها في مجلة الآداب أنها " مقطع من قصيدة رؤيا فوكاي " (3) وبعدها تجيء " رؤيا فوكاي " ثم تجيء " مرثية جيكور " لتكون ختاما. وقد عدل الشاعر عن اعتبار هذه القصائد وحدة متكاملة حين أحس انه عجز عن إخراج " ملحمة " متناسقة الأجزاء متلاحقة الفصول، ولكن شيئا من النظام المقبول يمكن ان يستشف من هذه القطع الثلاث على حسب الترتيب الذي افترضته، فالقطعة الأولى تصور غياب صورة الإله عن الكون

(1) انظر ص: 272.
(2) أنشودة المطر: 150.
(3) الآداب (1956) عدد شباط.

(1/258)

الإنساني ؟وهو إله كان في كل عصر من صنع الإنسان نفسه - وكيف الإنسان في العصر الحديث القوة والمال تحت أسماء جديدة هي " كرب " و " حديد " و " فحم " ؛ والقطعة الثانية تمثل اثر القنبلة الذرية في هيروشيما من خلال رؤيا فوكاي الكاتب في البعثة اليسوعية، وقد جن من هول ما شاهده ؟وهذه القطعة تجيء في ثلاثة أقسام: القسم الأول " أنشودة الرصاص والحديد " وهي ممتزجة من أسطورة صينية عن ناقوس ضخم من المعادن التي لم تتخذ معا إلا حين مزجت بدم العذراء " كونغاي " ؟اجتماع حتمي بين السلاح والموت والدماء - فأصبح الناقوس يردد في دقاته دائما اسم تلك الفتاة، ومن صورة آريل في مسرحية العاصفة لشيكسبير وهو يتغنى: " على عمق خمس قامات يرقد أبوك في القرار " ومن صورة الغجر وقد هموا بالرحيل عن غرناطة (أثر مطاردة البوليس المدني لهم) وهي صورة من صور الدمار كما كان يحسه لوركا، ثم صورة البابيون وهي قاع المحيط تهدف طفلا بشريا قتل " طائر الحديد " أمه، ومعظمها مترجم عن قصيدة " ترنيمة السرير " للشاعر اديث سيتول، وينتهي هذا القسم باستواء الأضداد من خير وشر في عالم الإنسان، ذلك أن قاع البحر أصبح يضم " الموت " متمثلا في من التهمهم البحر، كما يضم " الولادة " متمثلة في الطفل الإنساني الذي تربيه القردة - البابيون؛ وقد اختير البحر موضعا لهذين الضدين لأن ظهر اليابسة لم يعد صالحا للحياة، فقد قتل كل شيء إلا قابيل وبقي الذين امتلأت عروقهم لدى المخاض الكوني الأول بالوحشية القاتلة، وذلك جنس بشري يكره النور وقد تجمعت فيه الأضداد فهو ريان عطشان، جذلان حزين، جائع متخم، يضحك من رئة ينخرها الداء، فان لم يكف من غلوائه فانه سيكون ضحية للعدم الذي اخترعه، وهذا هو ما يصورة القسم الثاني. أما القسم الثالث فانه على لسان مريض أصيب بالزهري اثر ضرب هيروشيما وهو يرثي

(1/259)

صلته بالحب الطبيعي ويأسى لفقد السود وحلول " الخربة المظلمة " التي يصبح فيها البوم وتنعب فيها الأصداء والرياح، ثم يستذكر هذا المريض صورة الرعب التي رسمتها القنبلة فأصبحت الأرض فاغرة الفم والشمس كالذئب المسعور وتكورت سحابة " بيضاء سوداء رقطاء القفا عجيبا " ، وأخذ الأبرص يعدو طالبا السقيا فانهلت السحابة عن دم من ثدي ممزقة وعيون كأنما فقأها سيخ جنكيز، وشرب كل إنسان من ماء الردى. كل هذا والطيب " سازاكي " قد عبأ القناني من دم المرضى ؟الذين اصبحوا يعرفون بأرقامهم لا بأسمائهم - كي يفحص أثر الذري في دماء الآدميين. وفي هذا القسم أتكأ الشاعر كثيرا على قصيدة لأديث سيتول بعنوان " شبح قابيل " (1) ؟فالأرض الفاغرة أشداقها تنبح السحاب في ظمأ قاتل ناظر إلى قولها (2) :

وذلك الخليج الذي انفق على مدى الكون بدا ... وكأنما كل قرارات المحيطات قد نضبت ... وتعرت الشمس فاغرة فاها على التو ... كفم المجاعة الكونية، مدت فكيها ... من أقصى الأرض إلى أقصاها ... وصورة الأبرص الذي يعدو خلف صورة السحابة لاهثا يريد ماء تتردد أيضاً في قصيدة الشاعرة الإنكليزية حيث تقول:

والى ذلك الفاغر الخاوي ... جاءت حضارة مقعدي الحياة وبرصها ... مثلما جاءوا إلى المسيح عند بحيرة الجليل ... والدم المنهل ليشرب منه الظمأى إنما يعبر عنه " الغني " الذي

(1) هو الذي يسميه السياب في بعض قصائده السابقة " ظل قابيل " .
(2) ص: 373 - 373.

(1/260)

اصبح لا يتميز من لعازر وان كان ما يزال يبشر بذلك الترياق المسمى " الذهب " ، فقال:

أن ما أريق ما يزال يعب كأنه الطوفان ... ولكن الذهب سيغدو دم الكون، ... فالذهب الوحشي الذي تكثف حول الجوهر الأول ... فيه تركيب الدم ورائحته ودفئه ولونه ... ولا ريب في أن الشاعر استوحى القطعة التي تمثل موقف الطيب من مرضاه، وبرود العلم إزاء مشاعر الذين ينتظرون الموت فوق الأسرة من قول الشاعرة:

علينا ان نأخذ خلاصة من الداء للعلاج ... ؟؟ ... فإذا أعطينا منها مقدار عشرين حبة ... فإن وجه الأبرص ستعمره الحياة ... كوجه الوردة بعد الأمطار الغزيرة ... وعند رجوعنا إلى نهاية القسم الثالث (وهو نهاية القطعة الثانية من القصيدة) نجد ان الشاعر لم ينته إلى شيء، إذ كانت خاتمة قصيدته صورة امرئ مطروح على سرير في مستشفى، وهو ينتظر أن يحمل إنسان آخر رقمه لأنه صائر إلى عهده حفار القبور. وإذا قارنا هذا بما فعلته الشاعرة سيتول وجدناها تختم هذا الجزء من قصيدتها بما يشعر عودة الحياة، ورجوع المنقذ رغم كل المآسي التي صنعها الإنسان عبد الذهب، فتقول:

ومع ذلك ؟ فمن ذا الذي خال أن المسيح مات عبثا؟ ... انه سائر على بحار من دم، انه آت في المطر العنيف ... غير ان الشاعر لم يكن يستطع ان يصل إلى خاتمة مشابهة، لأن

(1/261)

موقفه يختلف عن موقف الشاعرة، فهو لا يؤمن بالمنقذ، وغايته هي أن يصور فظائع القوة الإنسانية التي لا تعرف حدودا، وحين رثى الآلهة في القطعة الأولى من قصيدته وأعلن عن خلق الإنسان لآلهة جديدة لم يبق لديه من حمى غيبي يلوذ به كما فعلت الشاعرة اديث سيتول، وهذا موقف يحسن أن نتنبه له بدقة، لأنه يضع مفارقة دقيقة بين السياب وبين كل من سيتول واليوت، فهو يعلن عن انهيار القيم الإنسانية دون أن يكون هناك بصيص من الأمل المتفائل في استنقاذ الإنسانية من الدمار، أما سيتول واليوت فانهما يعلنان عن انهيار القيم وهما يتشبثان بعودة المنقذ وبالرجوع إلى حمى الدين لأن ذلك هو الذي يعيد ؟في نظرهما - للحضارة الإنسانية رونقها؛ وحين اتخذ السياب من سيتول نورا هاديا لخطاه في هذه القصيدة لم يستطع أن يجاريها إلى النهاية، بل وقف عند صورة الدمار وحدها سمعنا في الوصف. ويبدو انه أحس بفراغ شديد تنتهي إليه قصيدته، فنظم قطعة ثالثة هي " مرثية جيكور " لكي يكمل صورة الدمار، وكانت جيكور ترمز لكل ما يحبه في الكون، فإذا أصبحت عرضة للخراب، فقد انتهى العالم في نظره، ولذلك أعلن هذه النهاية من خلال المجتمع الريفي الذي أحبه، فقارن بين أفراح القرية في عرس " محمود " وبين الهجوم البربري للحضارة ممثلا في " طائر الحديد " الذي ألقى صليب المسيح فوق جيكور، مستعيرا هذه الصورة من اديث سيتول أيضاً، إلا أن سيتول حيت تتحدث عن الصليب الملقى تنظر إلى صورة المقابر المسيحية والصلبان مغروسة فيها، فأما السياب فانه تجوز في نقل الصورة فجعلها تمثل الموت نفسه دون نظر إلى ملابساتها الأخرى. وقد قارن الشاعر بين الأفراح التي تنوج عادة بإعلان " دم العذرية " وبين الدم الذي كان ينزف من جسم محمود اثر الغارة المتوهمة على جيكور، كما قارن بين قصاص من القرية " هومير شعبه " الذي يمضغ والتواريخ والأحلام ويتحدث عن حرب

(1/262)

البسوس ومصرع الحسين، ويغزل على نول قديم، وبينه وقد اصبح هو ونوله ضحية لآلة حديدية جديدة:

تسكب السم واللظى لا حليب الأم أو رحمة الأب المفقود ... ويعلن الشاعر في النهاية انهيار الإنسان وسقوطه بعد أن أصبحت الأرض سوقا تباع فيها لحوم الآدميين في أفريقية وآسية:

هكذا قد أسف من نفسه الإنسان وانهار كانهيار العمود ... فهو يسعى وحلمه الخبز والأسمال والنعل واعتصار النهود ... والذي حارت البرية فيه بالتآويل كائن ذو نقود ... وبهذا الدمار الشامل يستطيع الشاعر أن يعلن انه قد اختار ختاما لقصيدته يصلح الوقوف عنده، لأنه وان لم يتحول إلى شيء من التفاؤل فهو على الأقل قد ضمن خاتمته شيئا غير قليل من الأسى المبهم على المصير الإنساني

تلك هي القصيدة التي أراد السياب بها أن يمضي نطاق القصيدة الطويلة (1) ، وقد رأينا مدى تأثيره فيها بالشاعرة الإنجليزية، ولكن بذل قسطا كبيرا من الجهد ليستقل رغم الاتباع الدقيق، وكان كأنما يترسم خطة مدرسة في هذا العمل، فهو قد هيأ مادة جديدة ينطلق منها للحديث عن موضوع مشترك؛ وحين رأى الشاعرة تتخذ رموزا معينة، لم يقف عند حد استعارة تلك الرموز بل حاول أن يختلق رموزا جديدة يستقل بها، وان يحشد لقصيدته أساطير لم تخطر لها على بال، ومن مجموع القصيدة يتبين للقارئ ان الشاعر كان " يؤلف " بقوة الاحتذاء وأنه لم يكن " يبدع " . ولولا النقد الذي واجهته بعض أجزاء هذه القصيدة حين نشرت في الادب، لخمل لنا الشاعر كان

(1) هناك مزيد من التحليل الجيد لهذه القصيدة أورده الأستاذ عبد الجبار داود البصري في كتابه عن السياب ص:72 وما بعدها.

(1/263)

ماضيا في إنشاء مقاطع أخرى يضيفها ما ألف . فان الموضوع كان فسيح المجال للتهويل ، التصويري أمر شديد الصلة بقلبه و عاطفته ، غير أن هذا التهويل يحتاج اندفاعا متضربا عجاجا ، و مثلما دفعه هذا التهويل في قصيدة " فجر السلام " إلى اختيار شكل تقليدي مليء بقعقعة توهم الجزالة - كما يفعل الجواهري في كثير من قصائده - فكذلك فعل الشاعر في هذه القصيدة ، ولم يبن على السوق الشعري الحديث منها سوى القسم الذي عنوانه " هياي ، كونغاي كونغاي " (1) ورغم أن هذا القسم حشد من مختلف الاقتباسات فانه ؟ في نظري ؟ اجمل ما في القصيدة ، ذلك أن السياق الشعري التقليدي يتطلب مع الإيهام بالجزالة نفسها) وضوحا واستقلالا في الدلالات اللفظية، وهذا ما لم يحسنه السياب في كل محاولة من هذا النوع، لأن المعاظلة إذا دخلت في السياق الجديد لابسة ثوبا من الغموض، قبلت في الجو الإيحائي العام دون تدقيق كثير، أما في سياق القصيدة فأنها عقبة أمام الفهم الضروري، ومن اساءة التقدير للشعر القديم أن يظن شاعر معاصر كالسياب أن التعبير الجزل لا يتطلب شيئا وراء المحافظة على العلاقات النحوية؛ وما كانت هذه العلاقات ؟على صحتها - لتصنع أسلوباً، وإذا اغتفر هذا في الأعجمي حين يحاول الكتابة بالعربية فانه لا يغتفر في عربي يعجب بأبي تمام والمتنبي.

وقد عاد إلى هذه المحاولة في قصيدة بور سعيد فمزج فيها بين اللحنين القديم والجديد، وهي على ما تمثله من حماسة طبيعية لقضية عادلة ومن ثورة على عدوان يمثل أحط أنواع الغدر في تاريخها العربي الحديث فأنها غير سديدة في المبنى الفني، وعيبها هو العيب الذي وجدناه في قصيدة " فجر السلام " اعني عدم التمايز أو التدرج في دورات القصيدة، وعدم وجود ما يسوغ الانتقال الفني من لحن إلى لحن، وقيام العبارة

(1) أنشودة المطر 460.

(1/264)

المفتعلة حجر عثرة في سبيل تذوقه، وللقارئ أن يتأمل الأبيات التالية وأن يحاول نثرها فانه سيدرك ما اعنيه حين أصف شعر السياب بالالتواء التعبيري حين يريد أن يتشبث بأذيال الجزالة:

حاشاك فالموت توري فيك حدته ... طعم الدم الحي ما يرقى به البشر
أخفاه عنك التزام واشتباك يد ... في مثلها فهو حيث احتازه البصر
حتى إذا ارتد واستبشعت صورته ... أدركت أي انتصار ذلك الظفر
أدركت أن الضحايا رد كاثرها ... فيك الأقل المضحى أنها كثر
من سدد النار في يديك يوردها ... كيد المغيرين منه الظن والنظر

واحتاز في قلبه الأحقاب يزرعها ... في جانب منه واستبسالك الثمر ولو شئت أن تطلب المسوغ لكثير مما يقوله السياب في هذه القصيدة، وأن تسأل نفسك في كثير من المواقف: لم قيل هذا بادئ ذي بدء، ثم: لم قيل هذا على النحو، لم تجد جواباً مقنعا، أنه يقول ؟مثلا - على النغمة الجديدة:

كم من دفين كل ماء القنال ... في مدة العاتي وفي جزره ... يلقي على صدره ... عبئا من الظلماء ؟كان القتال ... من اجل أن يرتاح في قبره. ... ولو نثرت هذا الكلام لكان على النحو الآتي: " في ماء القنال قوم دفنوا، وماء القنال ذو المد العاتي والجزر يلقي على صدورهم عبئا من الظلام ؟وما كان القتال الراهن إلا لكي يرتاح أولئك المدفونون في قبورهم " . ماذا يريد الشاعر أن يقول؟ أيريد أن يقول أن الثأر متصل؟ أيريد أن يقول أن الذين ماتوا " سخرة " في حفر القنال إنما وجدوا راحة نفوسهم في هؤلاء الأبناء الذين أشعلوا نار القتال ليثأروا لهم؟ قد يريد

(1/265)

ذلك ولكن أي تعبير احتوى مثل هذه الفكرة؟ وكم يحتاج القارئ من حسن الظن بالشاعر ليوجه كلماته هذا التوجيه؟ لهذا أحس أن السياب ؟في هذه القصيدة - يعاني في اللحنين القديم والجديد قصورا في صياغة أفكاره في تعبيرات مناسبة، أقول " أفكاره " وأنا أعني انه أنه كان هنا يصوغ أفكاراً محوطة بالانفعال ولم يكن يدون صورة انفعال صحيح. ولعل أوضح أجزاء قصيدته هي التي تحدث فيها عن بطولة " القائد العربي " الكبير، لأنه كان في تلك اللحظة منفعلا بتلك البطولة وان اضطرته ظروف العراق حينئذ ثم طبيعة دار النشر التي تعهدت إصدار ديوان " أنشودة المطر " إلى أن يكني عن الاسم ب " سيف الدولة " في قوله:

يا أمة تصنع الأقدار من دمها ... لا تيأسي أن " سيف الدولة " القدر وهو يريدك ان تقرأ: " ان عبد الناصر القدر " .

(1/266)

- 22 -

الألوهية والقصائد الكهفية

لنعد إلى " مرثية الآلهة " التي تحدث فيها عن أن الإنسان منذ القديم كان يعبد ما يخافه ويرجوه وانه هو الذي كان يؤله الأشياء ويعطيها أسماء مثل " تموز " و " اللات " و " زفس " ، وأن هذه الأسماء تدل على الإنسان لا على حقيقة كبيرة غيبية، وأن هذا أمر لم يتغير حتى اليوم:

ويا عهد كنا كابن حلاج واحدا ... مع الله، أن ضاع الورى فهو ضائع أي ليس هناك من خط فاصل بين الألوهية والانسانية، فوحدة الوجود التي آمن بها تعني بها الحلاج تعني أن مقتل الحلاج يترتب عليه فقدان الطرف الثاني من تلك الوحدة ؟فمثل هذه الفكرة قد بعث في قصائد هذه الفترة نغمة لم نكن نسمعها من قبل أبداً في شعره؛ أعني ذلك الاستخفاف الصريح بفكرة التأليه وعدم التورع عن استعمال لغة جريئة لا تدل على أثر قوي لروح التدين في نفس الشاعر. وقد يبدو من المستغرب ؟أول الأمر - أن تعلو هذه النغمة في قصائده التي تتحدث عن النضال العربي أو عن الأوضاع العربية عامة، ولكن هذه الحقيقة نفسها تؤكد أن هذه الظاهرة في تلك القصائد إنما كانت ذات دلالة عكسية، أعني أنها على الألم الدفين لاندحار الإنسان وما يؤمن به

(1/267)

من مثل دينية. وتفسيرا لهذا الأمر الذي يبدو محيرا أقول ان الناس الذين يتحدث عنهم الشاعر في هذه الفترة ينقسمون في ثلاث فئات (لا في فئتين قوية وضعيفة): فئة الغزاة الذين يؤمنون بآلهة جديدة تحمل أسماء " نضار " و " فحم " و " حديد " وما اشبه، وهم الذين يؤلهون قوتهم تحت أسماء ترمز إلى تلك القوة، وهؤلاء هم الذين يسلطون " طائر الحديد " ليرمي الحضارة بحجارة من سجيل، وقد سمعوا أحياناً " التتر " وأحيانا أخرى " الصليبيين " وهم يعودون في تاريخ الإنسانية تحت أسماء مختلفة، وقد ظهروا في المغرب العربي يحطمون ويقتلون، كما تدفقوا تحت اسم " الصهيونية " إلى المشرق العربي كطوفان من الظلام:

وانجرف المسيح مع العباب
كان المسيح بجنبه الدامي ومئزره العتيق
يسد ما حفرته ألسنة الكلاب
فاجتاحه الطوفان حتى ليس ينزف منه جنب أو جبين (1)

والفئة الثانية هم الثائرون الذين ما يزال إلههم فيهم يحمل في مقدمتهم راية الثورة، - إلههم العربي رمز الحياة والقوة - وتحطم على أيدي أولئك الثوار ما عداه من آلهة كانت تعبد لأنها ترجى أو تخشى:

وجاء عصر سار فيه الإله ... عريان يدمى كي يروي الحياة ... واليوم ولى محفل الآلهة (2) ... وتحطمت التيجان، وبدا الانطلاق يهز الشعوب من رقدتها، ولهذا نسمع الشاعر يقول في خطابه لجميله بوحيرد:

(1) أنشودة المطر: 61.
(2) المصدر السابق: 73.

(1/268)

بالأمس وارى قومك الآلهة

ولكنه سرعان ما يرى فيها " نفحة من عالم الآلهة " ويريدها أن ترفع أوراس إلى السماء " حتى نمس الله حتى نثور " .

أما الفئة الثالثة فهي جماعة المغلوبين والمستسلمين إلى سبات عميق، وهؤلاء هم جميع الشعوب العربية التي يصفها بقوله:

إنا هنا كوم من الأعظم ... لم يبق فينا من مسيل الدم ... شيء نروي منه قلب الحياة ... إنا هنا موتى حفاة عراة (1) ... هم سكان " وهران " التي لا تثور ؟وبما أن هؤلاء موتى، لهذا مات محمد فيهم كما اندثرت معاني الألوهية بينهم:

فنحن جميعنا أموات
انا ومحمد والله
وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة
عليها يكتب اسم محمد والله

على كسر مبعثرة من الآجر والفخار (2)

وحينما كان الناس ضعفاء مغلوبين باكين كان زمزهم الالهي على شاكلتهم. ولهذا، كان في الريف يحمل راية الثوار، أما في يافا فقد رآه القوم " يبكي في بقايا دار " :

وأبصرناه يهبط أرضنا يوما من السحب

(1) أنشودة المطر: 77.
(2) المصدر السابق: 83.

(1/269)

جريحا كان في أحيائنا يمشي ويستجدي
فلم نضمد له جرحا
ولا ضحى
له منا بغير الخبز والأنعام من عبد. (1)

تلك هي الصورة العامة التي تتمثل للألوهية في قصائد هذه الفترة ومع أننا لا ننفي الجرأة التي صاحبت التعبير هنا، كما لا ننفي إيمان الشاعر بأن اله كل قوم يكون شاكليهم، فاننا نرى أن الدافع لهذا التصور إنما يمثل غيرة دينية على ما أصاب الشعوب العربية والإسلامية من ضعف شديد، ولهذا ذهب في تيار هذه الغيرة المقترنة بروح الثورة يطلب ان يعيد العرب ؟كما أعاد عرب المغرب فيهم - محمدا والهه " العربي " .

لهذا نجد في هذه القصائد التي يجوز تسميتها بالقصائد العربية ميزة فارقة من السهل تمثلها إذا نحن تذكرنا حديث أفلاطون في الجمهورية عن " الكهف " الذي يعيش فيه بنو الإنسان أسرى ومن ورائهم نار تنعكس على ضوئها أشباح لحقائق الخارجية فيظنونها حقائق، حتى إذا قيض لأحد منهم أن يخرج إلى النور الحقيقي بهزه ضوء الشمس (رمز المثال الاسمى)؟. أقول: أن هذه القصائد " الكهفية " تمثل مسير الشاعر من خلال المفهومات الجماعية إلى حومة الذات، إلى الكهف القديم المريح الذي يتمثل في الرحم أو في القبر، فهو ؟على نحو ما - يجد الراحة في أن يكون بين الموتى، ويرى نفسه دائما دائما دفينا؛ لقد عاد إلى مشكلة الموت ولكن لا ليكون وحده بل ليكون مع موتى كثيرين من أمته، وتخايله فكرة الولادة الجديدة أو الانطلاق من الكهف على لمعان أسنة الثائرين في المغرب، ولهذا نراه

(1) المصدر السابق: 85.

(1/270)

يتلذذ بتعذيب الذات في المقارنة بين موته وموت من هم على شاكلته وبين الأحياء، ويتملكه الشعور بالخجل بل بالخزي من انه لم يستطع بعد أن يهب من رقدة القبر، أو أن ينطلق من ذلك الرحم المظلم ؟أن الصراع بين الحقيقة الداخلية في الكهف ؟أي الموت - وبين الحياة في خارجه هو لحمة تلك القصائد وسداها، وهذا لا يتضح إلا إذا عرضنا لكل قصيدة منها بشيء من التحليل.

وأول هذه القصائد وهي " في المغرب العربي " تصور إنسانا ميتا في الحقيقة ولمنه حين استيقظ رأى قبره؛ وهذا رمز لإنسان الشرق العربي الذي تحطمت حضارته (رمزها المئذنة التي كان قد كتب عليها اسم الله ومحمد) واندثرت، وأخذ الغزاة الحفاة (لأنه لا حضارة لهم) يركلون ذلك الحطام بأقدامهم دون أي اهتمام بقداسة تلك الرموز الحضارية؛ وعلى مقربة من قبر هذا الميت العائد إلى اليقظة كان هناك قبر جده صنع تلك الحضارة، وصوته ينبعث من وراء القبر (1) :

يا ودياننا ثوري
ويا هذا الدم الباقي على الأجيال
يا ارث الجماهير
تشظ الآن واسحق هذه الأغلال

وقد حقق هذا الجد انتصارات في ذي قار، ولكن أبناءه انقسموا فريقين، فريق حمل راية الثورة في جبال الريف وفريق عرف عار الهزيمة في يافا. ترى ما الذي حطم هذه الحضارة؟ أنها غارات الجراد من تتر وصليبيين وهما سيان، فلما اندحر الصليبيون بالأمس جاءوا اليوم ينتقمون لانفسهم من قوتنا وانتصارنا وانتصار إلهنا؛ وهكذا ارتبط الماضي والحاضر بارتباط قبرين (كهفين متجاورين يعيش فيهما

(1) أنشودة المطر: 84.

(1/271)

الجد وحفيده)، وما كاد هذا الربط يتم حتى تنفس عالم الأحياء، وعلت تكبيرة الثوار وأطلت شمس النهضة من كوى حضارتنا في قصر " الحمراء " .

وهب محمد وإلهه العربي والأنصار

فالقصيدة تفتح بصورة كهفية يطل منها إنسان المشرق العربي، - يقوم من قبره - ليرى كيف كان القبر المجاور له سر تلك الحضارة التي تتمثل في آجرة نقش عليها اسم الله ومحمد، ثم ليبصر الشمس ؟شمس الثورة الجديدة - تطلع من المغرب. ان هذه القصيدة من اشد القصائد التي لا يعتور بناءها افتعال أو ضعف، وكأنها قد وضعت عفوا، فجاءت العفوية في خطتها اجمل من البناء المعتمد، وفيها تتحد العلاقات بين الواقع والرموز، وتعد المقارنة بين الحاضر والماضي وبين الحفيد والجد (وتغير معنى الألوهية بين ذي قار ويافا) وبين المشرق العربي والمغرب العربي وبين الصليبية القديمة والجديدة من اجمل ما استطاع السياب ان يكتبه في محتوى شعري، أما الخاتمة التي تستشرف اليقظة الكلية لشقي العالم العربي فأنها من اشد النهايات ارتباطا بكل ما تقدمها. لقد نسج السياب تاريخ الأمة العربية من خلال بضع لمحات ورموز، وكان رحب النفس رحب الأفق طلقا رغم الدقة التركيبية في المبنى، فجاءت قصيدته منطلقة متفتحة رغم أنها اعتمدت على القاعدة الكهفية، وما ذلك إلا لأنه انحاز في النهاية إلى الشمس، إلى اليقظة على الأضواء المنبثقة من كوى الحمراء. وانا على يقين من أن الأستاذ صلاح عبد الصبور قد حكم على هذه القصيدة يوم نقدها حكما سريعا، فان الوتر الديني فيها لا يعدو ان يكون عاملا مساعدا في تصوير ماضي أمة اعتمدت في نهضتها على الدين، وقد حاول الشاعر جهده ان يعطي لهذا الدين صبغة قومية لكي ينسجم مع موقفه الحديث كما ان القصيدة ليست بحاجة إلى التمييز المستمر بين صوتين، لان الصوت

(1/272)

الثاني يشبه حديث الكورس في الرواية اليونانية، وقد قص علينا هذا الصوت قصة غزو الجراد مرتين مرة في القديم ومرة في الحديث، ولم تكن بالقصيدة من حاجة إليه في مواقف أخرى.

وثاني هذه القصائد وهي " قافلة الضياع " تتحدث عن حال اللاجئين الفلسطينيين، وتعتمد في مبناها الصوري على مجموعه من الكهوف، فقافلة اللاجئين التي تحمل جثة هابيل لتدفنه ليست سوى صورة أخرى من هابيل المسلول الجائع المطروح في كهف أو كهوف متلاصقة تسمى ؟على سبيل المجاز - بيوتا، وهذه الكهوف من الخيام والصفيح تقبع في كهف اكبر منها يسمى " الليل " ؟فالليل رحم كبير يضم هؤلاء الجائعين، " ويجهض " ملقيا قوافل من السفن تحمل مهاجرين من اليهود ليحتلوا محلهم، وهؤلاء الذين يطرحهم الليل، يجرون معهم نارا شعارها: " أنا النضار " وهي تعيد إلى الحياة صورة " عجل سيناء الذهبي " ، وتحفر جدار النور ليتدفق منه الظلام فيجرف كل شيء حتى المسيح، ولا ينجم عن طوفانها إلا ظلام دامس تبنى منه دور اللاجئين؛ ويرجع الشاعر بالبصر إلى أول عهد اللاجئين بالتشرد فيرسم صورة للاجئة حبلى لكي يصور ما تقذفه الأرحام الإنسانية إلى كهف الليل الكبير ثم يعود فيبصر الكهف المظلم الواقع بين مساكن اللاجئين الجديدة ومساكنهم القديمة فيراه كهفا من ظلام يمتد ألف عام ؟بئرا لا قرار لها كهاوية الجحيم، ثم يعود إلى اللاجئين في وضعهم الجديد فيرى كل ليلة من لياليهم رحما عقيما:

كم ليلة ظلماء كالرحم انتظرنا في دجاها ... نتلمس الدم في جوانبها ونعصر من قواها ... شع الوميض على رتاج سنائها مفتاح نار ... حتى حسبنا ان باب الصبح يفرج ؟ثم غار ... وغادر الحرس الحدود ...

(1/273)

هنالك في القصيدة اذن صورتان متعاقبتان: الليل ؟ الرحم وما يضم من كهوف، والنار الملتهبة التي تلاحق أطراف هذا الليل كأنها الخيول، وهي النار الخادعة التي كانت تضيء للقابعين في كهف أفلاطون. بل هي اشد من ذلك لأنها التهمت جدار النور - طمست مثال الخير الأسمى المتمثل في نور الشمس)؛ وإذا كان في القصيدة من اضطراب فإنما مرده إلى عدم التزام الشاعر بتدرج طبيعي وإلى تردده بين حال اللاجئين وتاريخ لجوئهم؛ وقد كانت القصيدة تصويرا من خلال الكهوف مع شيء من التفجع على مصير اللاجئين.

وقد استغل السياب الطريقة السابقة في القصيدة الثالثة وهي " رسالة من مقبرة " وفيها يمجد ثورة الجزائر، فعاد يتصور نفسه في داخل الكهف (القبر) وهو يصيح، رامزا بذلك لإنسان المشرق العربي الذي تغير كل شيء في حاضره حتى صح أن يسمى عالمه قبرا، فالنور فيه دجى، والشمس كرة جامدة، والدود ينخر تلك الكرة، والناس في هذا الكهف أما جائعون: يطبون من صاحب ذلك القبر " رطلا من لحمه الحي " ، وأما أشقياء: يريدون ضياء من مقلتيه، وأما جواسيس: يحذرونه من الصعود إلى الجلجلة ومن صخرة سيزيف. ولكنه رغم كل ذلك لا يزال يسمع أصواتا مدوية من خارج الكهف تجيء من عالم الشمس وتتحدر إليه أصداؤها الملونة وتنسكب في فوهة القبر، فيتفاءل باقتراب مخاص " الرحم " الارضي، لا بد ان يأتي القبور مخاض نقذف فيه موتاها، وتبهثها حية من جديد؛ ان سيزيف " وهران " قد ثار وخرج إلى الشمس، ولكن ها هنا " وهران " أخرى (في المشرق):

آه لوهران التي لا تثور ... وتبدو هنا محافظة السياب على رمزي الكهف والشمس وعلى

(1/274)

صلة الأول منهما بالرحم، إلا أن هذه القصيدة ابسط من الأولى التي نسجت على منوالها، ولهذا كانت اقرب منها إلى العفوية، وهي نموذج للتناتج الطبيعي بين المقدمة والخاتمة ولا تذهب روعتها إلا إذا وضعت إزاء البناء المعقد الذي تمثله القصيدة الأولى " في المغرب العربي " ، لاشتراك القصيدتين في موضوع واحد، ولكنها تمتاز على تلك القصيدة بالتلاحم القوي والتدرج المحكم في المدى القصير، فهي لا تكلف القارئ شيئا من جهد لاستيعابها.

(1/275)

- 23 -

تعتيم في المبنى والموضوع

تلك هي التي سميتها القصائد الكهفية، وهي على اتفاقها في الموضوع والمنطلق التصويري تتقارب في مستواها الفني، حسبما وضحت. أما بقية قصائد هذه الفترة (عدا القصائد المتصلة بالقنبلة الذرية وبور سعيد) فليس بينهما رابطة تجمعها موضوعيا، وتتقارب قصيدة " تعتيم " (1) و " غارسيا لوركا " (2) في المبنى الذي يتمثل في الانسياب العفوي الحر النبع من لفظة. فكلمة " تنور " في كلتا القصيدتين هي المنبع، إلا أنها في قصيدة لوركا تسير على نظام التضاد مع " الماء " فتبيح للتضاد بان ينتظم جميع القصيدة (كما عرضت من قبل)؛ وأما التنور في قصيدة " تعتيم " فانه مصدر النور الذي يكشف عن محيا المحبوبة وما يعتلج فيه من أحزان وأفراح، وقد كان النور والنار مصدر وقاية الإنسان الأول من الضواري حقا لأنها كانت تفزع منهما، فمن الخير أن تنطفئ النار والنور ويدفن الخبز في التنور حتى لا تكون النار سبب فنائنا، فالبقاء في الديجور خير لنا، لآن النمور السماوية قد ترجمنا بالصخر والنار. وليس في شعر السياب ما يضارع هذه القصيدة إخفاء للرمز مع استغلاله دون خلل. فالنور على وجه

(1) أنشودة المطر: 29.
(2) أنشودة المطر: 27.

(1/276)

الحبيبة يفضح رغبتها الشهوانية، بينما كان الإنسان الأول يستعمل النار لطرد تلك الشهوة المتمثلة في النمور والأسود، فمن الخير أن يضيع الحبيبان في أحضان الظلام لكي يحتجبا فيما يريدان تحقيقه عن أعين النمور في المساء، وهي على عكس نمور الأرض لا تخاف النار والنور بل تستغلهما لرؤية الأحياء الذين يمارسون شهواتهم وترميهم بحجارة الرجم. فالقصيدة لا تحمل شيئا من الموضوع النبيل، ومع ذلك فانها شديدة الإحكام لبقة الرمز، ولعل القارئ قد أدرك أن التنور والنمور (في الأرض والسماء) ودفن الخبز والرجم كلها متصلة بحقيقة واحدة يراد الوصول إليها في حمى العتمة قبل ان يخيم " ليل القبور " . أن من يقرأ هذه القصيدة يعجب كيف استطاع السياب ؟الذي كان يثقل القصيدة بالتوضيح والشرح والتعليق - ان يصل إلى هذا المستوى من الالماع والتلميح.

وفي قصيدة " المخبر " لا يخطو السياب خطوة جديدة وإنما يعود إلى صورة مماثلة للتي رسمها في " حفار القبور " ؟الإنسان الذي يأكل من دفن الناس في الأرض أو في السجون (فالأمر سيان) - وهو يحاول ان يسوغ ما يأتيه، مع شعور عميق بحقارة ما يصنع. وكذلك هو الأمر في قصيدة " عرس في القرية " فأنها عودة إلى زواج الريفية الجميلة من ابن مدينة ثري، ففيها يحاول السياب ان يزاوج بين الأسى على مصير المحبوبة وبين كفاح الطبقات الكادحة فتجيء المزاوجة مضحكة كما حدث ذلك في قصيدته " حسناء القصر " وفي غيرها:

كان وهما هوانا فان القلوب ... والصبابات وقف على الأغنياء ... لا عتاب فلو لم نكن أغبياء ... ما رضينا بهذا ونحن الشعوب ...

(1/277)

والقصيدة بطيئة الحركة، وفيها من الوضوح النثري ما يجعل قوة التلميح في مثل قصيدة " تعتيم " اشد غرابة.

ولكن اغرب محاولاته جميعا في هذه الفترة هي " أغنية في شهر آب " (1) ، وقد كان يحس ان القصيدة محاولة لكتابة الشعر بأسلوب جديد، ولهذا رأى أن يلمح إلى بعض ما قد توحي به القصيدة في رسالة إلى الدكتور سهيل إدريس ؟تقدم اقتباس جزء منها - ولكن هذا الذي قاله لا يفسر شيئا على وجه الدقة، واصح ما قاله هنالك ان تلك المحاولة كانت جديدة حقا بالنسبة لما كان قد نشر من قصائد.

لقد وجد قصيدة للوركا عنوانها: ؟أغنية يوم من تموز " فأحب ان يتغنى في شهر آب، لأنه قد يفيد من رمز تموز ما يجعل حلول آب أمراً محتما، ولعل الصلة بينه وبين لوركا لا تتجاوز هذا الحد كثيرا ؟فيما يتعلق بهذه القصيدة - وشهر آب متأجج بالحرارة، ومع ذلك فان جو القصيدة يوحي ببرودة شديدة.

وتفتتح القصيدة بموت تموز الذي يرمز للخصب الشهواني والحب ودفء النهار، قتله هذه المرة خنزير اسود هو الليل: " الخنزير الشرس " ، الذي يبدو ظلامه نقالة إسعاف أو قطيعا من النساء ذوات العباءات السود؛ الجوع والبرد يسيطران أثناء الليل على الأجساد ألواناً من الدفء؛ فربة البيت تريد ان تذكي النار في جسدها بسماع موسيقى الجاز، وهي تحس ان " الليل شقاء " ؟ وأمامها المربية الزنجية وهي " كالغلبة تربض بردانة " أيضاً. وتجيء الزائرات وقد تدثرن بالفراء ؟ذئبات يلبسن جلود ذئاب ويطيف بأثدائهن المتنمرة عرام النمور - ويأخذن في السمر فتلهب الأماني فيهن التوق ولكن الخيال لا يشبع:

(1) أنشودة المطر: 22.

(1/278)

ولهذا تأكل منه الضيفة وتظل جوعانة كجوع ربة البيت. وتتسلل الأحاديث مطيفة بمن خطبت ومن فسخت خطبتها، وهذه النار التي تأكل لحوم البشر نوع آخر من طلب الدفء حين يكون القمر نفسه مبتردا في الأفق، ورويدا رويدا تحس الضيفة بالبرد رغم تدثرها بالفراء، فقد اذكت القصص المثيرة النار في دمها ولكنها عادت فانطفأت؟ وتتسمع النساء على ما يحدث في الخارج فلا يسمعن إلا صوت الليل والجليد وعواء الذئاب؟ عندئذ تتوجه ربة البيت إلى زوجها ليأتي ويشاطرها شيئا من البرد (لأن الضيفة مبتردة أيضاً مثلها) فهي تريد ان تبعث الحرارة في دمها باغتياب الناس أي أكل لحومهم ثم حملها على نقالة الليل ودفنها في قلب زوجها الذي اصبح باردا كأنه مقبرة. وقد اسقط السياب جزءا من القصيدة كان قد نشره في الآداب (عدد أيار 1956) ومن هذا الجزء نعلم أن الزوج في الخارج في بيت صديق أو بار، وان زوجته لا ترى مفاجأة في عودته سواء جاء في الموعد أو تأخر:

لا لوم عليه فقد أعطى ما اطلب منه ولا عتب ... خدم ورياش ملء البيت وأبهة؟. دنيا ونقود ... وفيه منظر للسيدات وهن يقرأن البخت على سطور فنجان:

ماس وبقيتها ذهب ... وهدية والدها؟ الله هدية والدها عجب: ... صياد بين يديه شباك ... تتلامح ملأى بالأسماك ... ذهب وزعانف من فضة ... ولآلئ توهم أن هياكلها ذهب ... وبأن لصائدها خضه ...

(1/279)

وتتعوذ مرجانة، ابةالرقى والتعاويذ، من عقد السحر "والليل الراكد بالخضر"، وهذا الجزء من القصيدة يزيد الصورة وضوحا ويفسر نداء المرأة لزوجها من بعد، ويضفي على حياة نساء الطبقة النترفة مزيدا من الوضوح ولكنه بفضح القصيدة لآنه يعتمد التصريح لا التلميح وخاصة عندما تتحدث ربة البيت عن عودة الزوج وهي يقظى مسهدة والضياء ينساب من شق الباب إذ يفتحه لدى عودته:

كالماء المالح اشربه ... حتى تتقطر اغواري ولذلك كان حذفها اشد انسجاما مع قوة الإيحاء؛ وفي رموز الذهب والفضة المتحولين إلى سمك والسمك الذي يحمل زعانف من ذهب وفضة ما يعد تراوحا صريحا بين الثراء الباذخ والجنس دون أن يكون في إحداهما تعويض عن الآخر لآن كليهما يمثلان شهوة نفس ظامئة إلى التعويض.

ولو أنا حذفنا كلمة " تموز " وقلنا " مات النهار " حين قتله الليل لما تغير شيء في القصيدة ظاهريا، ومع ذلك فان رمز تموز الذي لم يتكرر إلا كاللازمة المترددة يعد أساسا هاما في القصيدة التي تمثل كناية متقنة ؟تسلسلا ونغما - عن مدى الفراغ الذي تعانيه نساء الطبقات الغنية، وعن حاجتهن إلى رد الجوع (رغم كثرة الطعام) وصد البرد (رغم كثافة الفراء) لأن الجوع والبرد يعنيان هنا الحاجة إلى الدفء المستمد من الحب والعمل والرجولة، ولكن فقدان هذه الأمور يجعل البرد يسيطر على حياة البيت (كما يسيطر على مظاهر الطبيعة في الخارج) ويحيل كل دفء مصطنع دفئا قصير الأجل، فلا الفراء نافعة ولا الأحاديث عن المحبين ومغامراتهم مسعفة ولا أكل لحوم البشر بالغيبة يرد البرد القابع في العظام؟ ومن أين يجيء الدفء إذا كان قلب الزوج جبانة؟ ان القصيدة ؟كما ترى - تضخيم للفكرة في

(1/280)

" تعتيم " وتوسيع لحدودها، بحيث تخرج القصيدة من حدود الكتابة عن رغبة رجل وامرأة قادرين على تحقيق ما يريدان إلى التعبير عن الجوع المستبد بعالم المرأة لآن الخنزير البري قد طعن تموز طعنة قاتلة، وإذا رجعنا إلى الأسطورة القديمة عرفنا منها أن الطعنة قد أصابته في رمز الفحولة، ولذلك كان هذا البرد الغريب في شهر آب، وسيطر ذلك الجوع واصبح الليل " نهارا مسدودا " . فالقصيدة صورة لانبتار العلاقات أو رمز عن العنة التامة في عالم المظاهر الكاذبة والترف الزائف، وكل ما يتصل به، حتى المريبة الزنجية " كالغابة " تربض بردانة " . هل هذه القصيدة أصيلة أو انها صورة مستعارة؟ إن السياب لم يعودنا أن يكون الحوار كما هو هنا، ولم نألف لديه هذه النقلات الخاطفة، ولا هذه السخرية العميقة، ولا أمثال هذه الصور: " الليل نهار مسدود " و " كالغابة تربض بردانة " و " والبرد ينث من القمر فنلوذ بمدفأة من أعراض البشر " و " والظلماء نقالة موتى سائقها أعمى " ؟ ولكنا ؟رغم البحث - لم نهتد إلى ما يصلح أن يكون أصلا لها، ويكفينا أن السياب نفسه سماها " محاولة جديدة " (1).

وخلاصة ما هنالك أن المدى الذي حاول السياب ان يروده في قصائد هذه الفترة كان واسعا رحبا، وان إخفاق بعض محاولاته يكشف عن استعداد عنيد للتغلب على كل عقبة تعترض نهوضه بعبء الإبداع الفني، حتى استطاع في قصيدة " أنشودة المطر " والقصائد الكهفيات وفي " غارسيا لوركا " و " تعتيم " ثم على نحو غريب في " أغنية في شهر آب " ان يضع نماذج متنوعة لما تستطيع أن تحققه القصيدة

(1) لا اعلم إن كانت القصيدة قد أثارت أية مناقشة حولها فقد طرحتها الآداب على القراء وطلبت أن يبدوا فيها آراءهم. ولم يقل الأستاذ هنري صعب الخوري، الذي نقدها في العدد التالي، شيئا واضحا حولها.

(1/281)

الحديثة، مهما تكن موضوعاتها متباعدة. لقد قدر للسياب ان ينشر جناحين عريضين يشرف بهما على أفق مديد، ولم يكن أسير نظرية محورية تملي عليه نفسها في صور متعددة؛ ولكن هل يستطيع الشاعر ان يظل فاردا جناحيه على هذا النحو مدة طويلة؟ أن من يتابع التطور الفني للسياب سيحس انه أصيب بالإرهاق وانه كان يسير بخطى سريعة إلى تضييق المدى، وكان ضيق المدى يشعره انه قد وجد ذاته مرة أخرى، وانه يريد العودة من دنيا الآخرين إلى دنياه الخاصة. وكان تأثره باديث سيتول مفيدا في البداية ولكنه غرس في نفسه بذورا لم يستطع التخلص منها في المرحلة التالية. ومن الهام أن نتذكر أن عمر الحديث عن العرب والقومية العربية لم يطل، ولكن الغربة عن جيكور كانت قد طالت: عشر سنوات قضاها الشاعر وهو يتحدث عن الحرب والسلام والمشكلات الاجتماعية في المدينة ومآسي القنبلة الذرية ونهضة المغرب العربي والعدوان على بور سعيد وحقارة المخبرين وعن غارسيا لوركا وعن خواء الطبقات الغنية، وفي تلك الأثناء خاض معارك آبية ومشاجرات يدوية وخطب في مؤتمر أدباء العرب في بلودان؟. أفلا يحق له أن يعود بعد كل هذا التطواف إلى جيكور؟

(1/282)

- 4 -

سلال الصبار في بابل

(1/283)

فراغ

(1/284)

- 24 -

بين النقد والصحافة

لم ينشر السياب في عامي 1957، 1958 إلا أربع قصائد: ثلاث منها في مجلة " شعر " البيروتية التي بدأت في الصدور عام 1957، وواحدة ؟بعد فترة من الانقطاع - في مجلة الآداب (آب 1958)، وكان انفصاله عن مجلة الآداب عفويا غير ناجم عن نفور أو استياء، إذ ظل حتى تاريخ متأخر ينظر إلى المجلتين نظرة من يسوي بينهما، فهو يقول في رسالة إلى الشاعر أدونيس (علي احمد سعيد) لعلها من رسائل عام 1960: " بودي لو أمكن نشرها (أي قصيدته) في مجلة شعر أو الآداب أو سواهما " (1) . وكل ما هنالك أن السياب كان بحاجة إلى مورد آخر من الرزق وقد أتاحت له مجلة شعر مثل هذا المورد، فتحول إليها تلقائيا، وابتعد عن الآداب بعض ابتعاد؛ وأراد القائمون على تلك المجلة أن يوثقوا صلته بهم، فدعوه إلى بيروت بعد ان نشر أول قصيدة في المجلة لإحياء أمسية شعرية ؟وكانوا يعقدون مثل هذه الحلقة مساء كل خميس - . وقد قضى السياب في بيروت عشرة ايا م القى فيها بعض قصائده وكلمة عن الشعر في أحد مدرجات الجامعة الامريكية، وسجلت له الآنسة فايزة طه مقابلة إذاعية بثتها الإذاعة

(1) الرسالة غير مؤرخة ولكن القصيدة المشار إليها تحمل تاريخ 1960

(1/285)

اللبنانية، وتعرف إلى عدد من الأدباء في بيروت؛ وفي المحاضرة التي ألقاها السياب مقدمة للأمسية الشعرية تحدث عن الشاعر في العصر الحديث فرأى ان صورته المنطبعة في ذهنه هي صورة " القديس يوحنا وقد افترست عينيه رؤيا وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل، والحق ان اغلب الشعراء العظام كانوا طوال القرون أنماطاً من القديس يوحنا، من داتني إلى شيكسبير إلى جوته إلى ت.س اليوت واديث سيتول " (1) وقارن في تلك الكلمة بين الشعر والدين فوجدهما يتفقان في انعدام المفعية، وفسر إقبال الشاعر الحديث على الأسطورة فذهب إلى العلة في ذلك انعدام القيم الشعرية في حياتنا الحاضرة لغلبة المادة على الروح، ولهذا يلجأ الشاعر إلى عالم آخر يحس فيه بالارتياح ليبني عوالم " يتحدى بها منطق الذهب والحديد " وختم كلمته بقوله: " ما زلنا نحاول ونجرب ولكنا واثقون من شيء واحد: أننا سنمهد الطريق لجيل جديد من الشعراء سيجعل الشعر العربي مقروءا في العالم كله " (2).

ولست أناقش هنا آراء السياب، في هذه الكلمة، ولكني أود ان يتنبه القارئ فيها إلى هذا المنطلق "الروحاني" الذي يعتمده الشاعر في تصوره للشعر، وإلى مدى صلته بتلك الواقعية القديمة التي تحدث عنها في مؤتمر الأدباء، وإلى هذا الوصل بين الروحانية وصورة القديس يوحنا، فذلك مما قد يحدد معالم موقف جديد.

وحين عاد السياب من الربوع اللبنانية إلى بغداد كانت النشوة ما تزال تعمر جوانحه، وهذا ما يتمثل في أجوبته على أسئلة وجهها إليه أحد محرري العدد الأسبوعي من جريدة " الشعب " البغدادية،

(1) مجلة الشعر، العدد 3،ص: 111.
(2) المصدر نفسه.

(1/286)

حيث قال: "وقد استغرق إلقاء الشعر من قبلي ساعة من الزمن ولكن الجمهور طالب بالمزيد فألقيت عليهم قصيدة أخرى؟ ولكنهم أبوا إلا أن استمر في تقديم قصائد أخرى، وقد طلب واحد منهم (قصيدة) " المومس العمياء " ولما بينت لهم ان هذه القصيدة تستغرق ساعة من الزمن أجابوا جميعا: أننا مستعدون للسماع، هات ما عندك " (1) ، وتكاد النشوة تصبح نوعا من الغيبوبة الصوفية حين تسمعه يقول: "وفي تلك الجلسة قررت الجامعة الأمريكية ؟قسم اللغة العربية - الاعتراف بالشعر الحر بإدخاله في مناهج السنة القادمة"؟.. ولهذا جعل الصحفي عنوان " ريبورتاجه " مستعدا من هذه النشوة الغيبوبية حين كتب: " أخيراً ا فت تح الشعر الحر أبواب الجامعة الأمريكية"، والسامع عن بعد قد يجره هذا العنوان إلى الربط بين الفروسية واقتحام القلاع، وما كان السياب ذلك الفارس ولا كانت جدران الجامعة الأمريكية تلك القلعة، ولكن النشوة الغامرة ترسم أمام الذهن أخيلة عجيبة، وكان الزهو الذاتي والقطري قد اتحدا معا حين قال: " لقد ثبت لي أن الشعر العراقي على جميع ما هو موجود في البلاد العربية من حيث الكمية والجودة " ؟يرسل هذا الحكم بعد أن تعرف إلى عدد غير قليل من شعراء لبنان، وبخاصة المنتمين إلى مجلة " شعر " .

ووجد الصحفي في الشاعر نفسا متفتحة لإرسال الأحكام النقدية، ولم لا يكون كذلك وهو الذي يحمل آراء نقدية في الشعر والشعراء، فتحدث عن بلند الحيدري ومحمود البريكان وموسى النقدي وعلي الحلي وكاظم جواد، ولم ينس أن يغمز ديوان البياتي الأخير " المجد للأطفال والزيتون " وديوان نازك الأخير " قراءة الموجة " ويقول في هذا

(1) العدد الأسبوعي من جديد الشعب رقم 3862 (بتاريخ 22/6/1957).

(1/287)

الثاني: " نازك الملائكة اكبر من ديوانها " ؟وهو حكم غريب حقا - ثم أن يقول أخيراً في مهدي الجواهري، أنه " قد اخذ مكانه إلى جانب المتنبي وأبي تمام وهو اعظم من اختتمت به هذه الحلقة الذهبية من شعرائنا العظام البادئين بطرفة بن العبد والمنتهين بالمعري قبل الجواهري". أما كيف انتهت الحلقة بالمعري ثم وجد فيها الجواهري بعد الانتهاء، فأمر يرجع فيه إلى قدرة السياب على فهم معنى البداية والنهاية، وحين يقول السياب: أن شوقي يبدو قزما إلى جانب الجواهري العظيم" فانه يمعن في تحكيم العلاقات الشخصية وبسط ظلها على مقاييس الأدب والنقد.

وربما صح أن نقف هنا على ما قاله في صديقه القديم كاظم جواد، لا لقيمة في الكلام نفسه وإنما لما أثاره من غبار، فقد قال في الشاعر الذي كان صديقا: " يبلغ قمة الإجادة عندما يكتب عن نفسه دون أن يقلد أحدا ولكنه يعتمد على ا لهياج في اغلب قصائده مما يفسد عليه إمكانياته " ، ووقعت لفظة "الهياج" موقعا مثيرا من نفس كاظم فكتب في أحد الأعداد الأسبوعية من جريدة الشعب يتهم السياب بأنه استورد في رحلته قيما نقدية من لبنان، وان من حقه ان يفرض هذه القيم على نفسه ولكن ليس من حقه أن يفرضها على الآخرين، وقال كاظم: " فإذا كان الحماس في سبيل القضية العربية أو الفورة في سبيل الحق والانسانية، واذا كانت الصراحة يمكن أن تدرج تحت كلمة تهيج فانا فخور جدا أن أكون دائما من المتهيجين، أما انطفاء الآخرين ، أما موتهم الكسيح، أما نهايتهم فلتدرج تحت ألفاظ الحكمة والتأني والفن الصحيح؟ " (1) ولم ينس كاظم ان يعلن عن ديوانه الذي يوشك ان يصدر وان يتحدى السياب بأن يثبت عليه التقليد في قصيدة واحدة

(1) العدد الأسبوعي من جريدة الشعب رقم 3876 (تاريخ 6/7/1957).

(1/288)

من قصائده، وهدد السياب بأنه سيتولى في القريب الكشف عن مصادر شعره "الذي رفعته يوما ما جهة معروفة في العراق والذي ترفعه الآن جهة معروفة في لبنان" (1) ونسي في غضبته كل حديث سابق عن الشاعر الذي لم يوف حقه من الشهرة (2) . وكان رد السياب على هذه الثورة ذا طرفين، ففي الطرف الأول نشر قبل الرد مقالا عن عبد الملك نوري الذي كان كاظم جواد يقرن بينه وبين البياتي ويحاول تحطيم الاثنين معا، وجعل عنوانه " عبد الملك نوري القصصي الأول؟ عبقرية لم توف حقها من التقدير" وانتهى مقاله بقوله: " وانه لمما يخجلنا؟ أن تقوم بيننا عبقرية كعبقرية عبد الملك نوري دون ان نوفيها حقها من التقدير" (3) ، وفي الطرف الثاني تناول كلمة كاظم جواد بالتفنيد فرأى فيها صورة " للتهيج " الذي إليه، و غمز من بطولته، و قرر أن قصيدة "لعنة بغداد" من شعر كاظم قد قسمت إلى شقق (لأنه شخص صريح!!) " فشقة للإخوان المسلمين و شقة للشيوعيين وشقة للاستقلاليين وشقة لأنصار السلام وشقة للقوميين" ؟ يعني أن صديقه القديم (الذي اصبح المحامي الشاعر كاظم جواد) يغازل جميع الفئات السياسية في العراق؟ وتحداه أن يفي يتهديده فيكشف عن مصادر شعر السياب، و سخر من دعواه بان الشيوعيين رف ع وا من قد ر شعره في العراق و أن " فئة جديدة " تحول أن ترفع شعره في لبنان فقال : " فأما عن الجهة المعروفة التي رفعت شعري في العراق ؟ هذه الجهة التي

(1) المصدر نفسه.
(2) كان التنافر قد بدأ بين الحليفين قبل هذا، إذ نجد الأستاذ كاظم جواد يقول في السياب (1956): " وبالمناسبة فان هذا الشاعر الرومانتيكي قد انتهى ولن يشفع له بعد الآن تشجيع أصدقائه ولا أسلوبه النثري العقيم في كتاباته الأخيرة " (آراء: 48) وانظر غمزه لدى السياب بأنه البادئ بحركة تحرير الشكل في القصيدة (ص:52).
(3) العدد الأسبوعي من جريدة الشعب رقم: 3876 .

(1/289)

يتقرب إليها كاظم جواد نفسه عسى أن ترفع شعره - فالحق أن شعري لم يرتفع ألا بعد أن سخطت تلك الجهة المعروفة عليه و على، و أما عن الجهة المعروفة في لبنان التي ترفع شعري ألان فلم يبلغ بي التدهور بعد حد النزول ألى مثل هذا الحضيض، وليس في حياتي كلها مثل هذا الميل إلى النزول إليه؟ كما في حياة (بعضهم) " (1) . ترى ما هو الخضيض الذي كان لدى الشاعر صورة له حين اتهم بأن هناك جهة معروفة تحاول أن ترفع شعره؟ أن الدروس ليس من مهمته أبدا أن يكون طرفا في هذه الخصومة وما تثيره من اتهامات متبادلة، ولكن النظرة الموضوعية يستدعي أن نسجل بأن الحاجة المادية المرهقة لدى السياب (ولعل للحياة الزوجية هنا أثرها القوي في مضاعفة تلك الحاجة) لم تترك للسياب فرصة الاختيار، فأخذ يهتم بالمكافأة التي ينالها على جهده دون أن يتوقف للسؤال عن مصدرها، أقول: إنه كان في حاجة ماسة إلى ما تدفعه له مجلة " شعر " لقاء قصائده، ولكن ما كان يتقاضاه من وظيفته مع هذا الدخل الإضافي البسيط لم يكن يكفيه، ولهذا وجد نفسه يعمل صحفيا في جريدة "الشعب" وفي العدد الأسبوعي منها بوجه الخصوص، وهنا اترك للمحامي العبطة حق التعليق على هذه العلاقة بين الشاعر والصحيفة وذلك حيث يقول: "ان انتساب السياب للجريدة لم يرض الجهات الوطنية وسجل صفحة أخرى لا تناسب ماضيه وتجرده " (2).

ولا ريب في أن قلة قصائد هذه الفترة إنما تعود أولاً إلى استنزاف النشاط في الوظيفة وفي العمل الصحفي، فقد كان إلى جانب

(1) المصدر نفسه.
(2) العبطة: 16، وليس لي من تعليق على هذا الرأي وإنما أنتقل هنا لأنه يصور إحساس بعض أصدقاء السياب نحو انتمائه لتلك الصحيفة.

(1/290)

عمله الرسمي يترجم للجريدة ويكتب في عددها الأسبوعي صفحة أديبة. وتتفاوت كتابات السياب في موضوعها فهي تتناول نقد القصاصين مثل عبد الملك نواري و مهدي عيسى الصقر، أو تصور شيئا من ذكرياته أو ترسم مقابلة صحفية أو تتناول صورا من الحياة في "اسكتشا " خفيفة، أكثر فيها مكتوب باللهجة العامية العراقية وخاصة في سلسلة عنوانها "أسبوعيات" أم رزوقي " و هي صور لا تعدو " الدردشة " و النقد الخفيف لبعض الجوانب في المجتمع، وليس في الصور ما يشير إلى نجاح في صياغة قصة قصيرة، وكان أخرها صدورا قبل يومين من نشوب الثورة في العراق (14تموز 1954).

ولعل من المفيد ان تتذكر قوله في نقد قصص الصقر: " أطال قصصه يبحثون عن الحب خلال بحثهم الدءوب عن الخبز، عن الحب الذي لا يكلف مالا ولا وقتا، عن حب يومي كالخبز اليومي؟وبما اجتذبته حياة اللهو فيها (في المدينة) فترة من حياته، ولكن الريف الكامن في أعماقه ينتصر في النهاية، وتنتصر الحياة الزوجية المستقرة، بين بكاء الأطفال وضجيجهم الحلو، هذه الحياة التي يعرفها القرويون ويؤثرونها اكثر مما يعرف ويؤثرها أبناء المدينة " (1) ، فأن السياب هنا أما يرى ذاته في صفحة مهدي الصقر، ويتحدث عن قيمه و ويتحدث عن قيمه ونتصاره أو ظمأه النفسي إلى ذلك الانتصار.

(1) العدد الأسبوعي من جريدة الشعب (رقم 3869) بتاريخ 92/6 1957.

(1/291)

- 25 -

ولكن ..متى كنت شيوعيا

فيما كان بدر منصرفا إلى ملء الصفحة الأدبية في جريدة الشعب بدردهشة "أم رزوقي"، انفجرت الدولة البوليسية التي أوجدها نوري سعيد، وضربت سياسة الأحلاف في الصميم؛ وكان عنصر المفاجأة في تلك الثورة مثار دهشة بالغة، أحد يتصور أنها ستقع حين وقعت، واليك ما يقوله أحد من درسوا هذه الثورة في وصف الفترة السابقة لها فورا: " لكن أولئك الذين كانوا الماضي ينتقدون ويحملون على العهد سكتوا الآن على مضض وامتنعوا عن الحديث في المواضيع حتى إلى اصدقائهم، إذ انعدمت الثقة واستشرى الخوف وامتد اليأس والقنوط فالإرهاب والفساد قد آتيا أكلهما وقاما بواجبهما ولم تبق هناك رغبة فورية بالثورة، كما كان الأمر قبل سنوات، وأي اضطراب سرعان ما يبلغ عنه وتتخذ اعنف الإجراءات لقمعه؟ واخذ الناس يهيئون عقولهم ويعدون أنفسهم لتقبل استمرار الأحوال الراهنة على ما هي عليه وخيل للجميع أن أي أمل ثورة ناجحة قد زال وانتهى " (1).

(1) كاركتاكوس: 56 (من الترجمة العربية).

(1/292)

ومع ذلك فان الإحساس التنبؤي في شعر بدر كان يومئ من بعيد إلى تغير الحال، ولم يكن هذا يتطلب قوة حدس إلهامية فذة فأن الناس إذا لم يطمئنوا إلى أن التغييرات محتوم في أوضاع العراق حينئذ، توارى من قدام عيونهم كل معنى للحياة و الوجود ولما يتصل بالحياة والوجود من قيم، ولهذا عبر بدر في قصائد هذه الفترة عن اللهفة إلى الموت:

فيدلهم في دمي حنين ... إلى رصاصة يشق ثلجها الزؤام ... أعماق صدري، كالجحيم يشعل العظام (1) ... وعن النقمة الغامضة على ما لا تحديد له:

أود لو عدوت أعضد المكافحين ... اشد قبضتي ثم اصفع القدر (2) ... وعن أن العذاب المرعب إرهاص بمخاض المدينة (3) وصور في قصيدة " مدينة بلا مطر " (4) ما تعانيه بابل من ظمأ وجفاف وجوع، ولكن انتهى إلى أم المطر لا بد من ان يهطل:

لتعلم ان بابل سوف تغسل من خطاياها ... ولهذا وجد في الثورة حقيقة زوال الكابوس الفادح فحياها بقصيدة لم تنشر في واحد من دواوينه، ولكن العهد لم يطل بالثورة حتى اخذ عبد الكريم قاسم يضرب فيها بين القوى المختلفة، ويدفع بموجة من موجات تلك القوى إلى أقصى اندفاعها ثم يثير موجة أخرى

(1) ديوان أنشودة المطر: 143
(2) المصدر نفسه:144.
(3) المصدر نفسه: 149.
(4) المصدر نفسه: 172.

(1/293)

لتكبحها، وبذلك يكفل استمراره في لعبة الصوالجة. وكانت الموجة الأولى التي ترك لها حرية التدحرج إلى غايتها هي الفئات الشيوعية، وقد سار في تيار جميع الذين وجدوا انهم يستطيعون جني الثمار العاجلة من الانتماء إليها، والسيل إذا اندفع حمل القش والحطب والحصى وجرف التراب من حول أصول الشجر. ويعتقد الشاعر علي السبتي أن السياب في تلك الفترة حاول الاتصال بالشيوعيين فصدوه وقربوا إليهم البياتي. ولكن السياب نفسه يتحدث في معرض الفخر بأن الشيوعيين كانوا يتوقعون منه العودة إلى صفوفهم " كما عاد إليها المئات من الجبناء الذين قدموا البراءات ونبذوا الشيوعية في عهد نوري السعيد " (1) إلا انه لم يتراجع عن موقفه إزاءهم، ومما يضعف رواية الأستاذ السبتي ان وجود السياب والبياتي في حزب واحد ليس فيه تناقض، إذا شاء السياب نفسه العودة إلى الحزب؛ ويتفق الأستاذ السبتي والدكتور عبد الله السياب (أخوه الأكبر) مع ما يقوله بدر عن المشكلة التي وسعت شقة الخلاف بين بدر والشيوعيين اعني التوقيع على عريضة ؟وقد اضطر بدر حين كتب في ظل عبد الكريم قاسم إلى أن يسكت عن ملابسات تلك العريضة وفحواها - إلا أننا نعلم مما قاله الدكتور عبد الله والأستاذ السبتي أن العريضة كانت تنص على استنكار ثورة الشواف في الموصل وتنسب تدبيرها إلى الرئيس جمال عبد الناصر، فرفض السياب أن يوقع عليها، وقال: أنني أريد عمل الشواف ولا أعده مؤامرة، ويزيد السبتي على هذا قوله: أن مسئولا شيوعيا كبيرا آنذاك طلب إليه أن يكتب (وينشر) قصيدة في هجاء الرئيس عبد الناصر، فبذلك يثبت حسن نيته تجاه الشيوعيين إلا أنه أبى ذلك أيضاً، ولعل هذا حدث بعد فصله من وظيفته.

وقد جاء فصله من وظيفته نتيجة موقفه من العريضة التي تدين

(1) الحرية، العدد: 1444.

(1/294)

ثورة الشواف، إذ نشب بينه وبين حامل العريضة مهاترة كلامية وسباب، وما لبث حامل العريضة أن صاح: " الله اكبر، يسب الزعيم ويمدح جمال عبد الناصر " ؛ وسنحت الفرصة لبعض الناقمين عليه من زملائه كي يتخلصوا منه، فكتبوا كتابا إلى وزارة الاقتصاد شحنوه بتهم متعددة من جملتها " أنه شوهد وهو يبتسم يوم مؤامرة الشواف " ، فاستدعاه معاون شرطة العباخانة للتحقيق، ولما هم بالذهاب تحلق حوله عدد من زملائه ومنعوه من الخروج، وصبوا على رأسه سيلا من الشتائم: " وجاءت الرفيقة الشريفة تماضر وصارت تسبني سبا بذيئا يندى له جبين كل عذراء " ، ثم حضر شرطي الأمن فاقتاده إلى المركز ومعه شاهدان ضده هما نوري الراوي وداود سلمان، وفي المركز غير نوري اسمه وسمى نفسه احمد محمود؛ وسئل الشاهدان في التحقيق: هل سب الزعيم أو الجمهورية أو أحد المسئولين فأجابا بالنفي، فخرج من التوقيف ولكن عد أن فصل من عمله (1) . ويقول الدكتور عبد الله ان نوري الراوي ؟وهو رسام - كان من أصدقاء بدر، غير انه لم يتورع عن أن يشهد ضده بالباطل.

ويقول الأستاذ محمود العبطة: " وفي سنة 1959 أرسل إلي شخصا يطلب مني التماس شقيقي محمد العبطة المحامي لأجل التوكل عنه عندما أوقف في تلك السنة، وقد قام الأخ بما التمس منه وأخرجه بكفالة " (2) .

غير ان فصله من العمل وقع على نفسه وقوع الصاعقة، وزاده شعورا بالحيرة إخفاقه في الحصول على عمل جديد، فقد قدم طلبا إلى شركة نفط البصرة ليعمل فيها مترجما، وعين موعد للمقابلة، ولكن

(1) بإيجاز عن عدد الحرية: 1444.
(2) العبطة: 16.

(1/295)

مديرية شئون النفط تراجعت عن توظيفه قبل الموعد بقليل (1) وكانت مسئولياته العائلية تجعل فقدان مورد الرزق شبيها بالقتل إذ كان يعول، إلى جانب زوجه، طفلين هما غيلان وغيداء.

واخذ أخوه مصطفى يلومه لما حدث، ويحمله المسئولية الكاملة فيه، ويؤكد له في الوقت ذاته ان عزيز الحاج ؟الذي كان زميلا له في دار المعلمين - ما يزال يكن له المحبة والتقدير، وانه يحب ان يراه، وقد يسعفه بنفوذه في العودة إلى عمله. وتوجه بدر إلى إدارة جريدة " اتحاد الشعب " ليقابل زميله القديم فلم يجده هنالك وإنما وجد جمال الحيدري وحمزة سلمان، وكلاهما صديق له، فاستقبلاه بترحيب وعبرا عن أسفهما لفصله من العمل، ولكنهما قالا له: أن قضية فصله ليست موضوع بحث وإنما يجدر به ان يسجل على ورقة قصة اختلافه من الحزب الشيوعي ليدرسها الحزب ويصدر بشأنها قرارا حاسما (2) وكان واضحا أن السياب قد ضمنا على الاحتكام لرأي الحزب؛ ترى لو ان الحزب قرر إعادته إلى وظيفته لقاء انتمائه من جديد فماذا يكون موقفه من ذلك؟ ان استبعاد قضية الفصل وهي الهدف الأول الذي كان يسعى السياب لكسب الوساطة من اجله لم يكن في مصلحة السياب، لآن الأمر الملح هو العودة إلى العمل، وفي سبيل هذه الغاية وجد نفسه يرضى بنوع من الصلح يفرضه الفريق الآخر عليه كما يشاء، وبأي شروط يريدها. ولهذا سمى مصطفى الورقة التي دونها بدر وسلمها لصديقه " اعترافا " لأن اقل ما ترمز إليه هو الإقرار ببعض الخطأ في ذلك الخلاف، ولكن زملاء الأمس حين لم يحلوا مشكلة العودة إلى العمل زادوه شعورا بالنقمة وبالمرارة عليهم وعلى نفسه.

(1) الحرية: العدد: 1444.
(2) الحرية: العدد: 1449.

(1/296)

وما كادت الموجة الشيوعية تصل إلى قرار تركد عنده حتى هب السياب يكتب مقالات بعنوان " كنت شيوعيا " وبضمنها أقسى أنواع الهجوم على الشيوعيين، لا يبقي ولا يذر كأنه حاطب ليل، ولذا أصاب رشاش قلمه كثيرا من الناس فيهم البعيد والقريب، واضطر مصطفى أخوه أن يعلن تبرؤه من هذا الموقف، حتى تحولت العلاقة بين الأخوين إلى مهاترات علنية، ومن يقرأ هجوم بدر على أخيه مصطفى (1) يتضح له ان بدرا في حدة انفعاله كان ينسى كل الروابط الوثيقة في سبيل أن يفرغ غيظه المحموم، وتلك هي حاله في كثير من التهم التي ساقها ؟صحت أو لم تصح - فأنها كانت محاولة عامدة للتشويه، ألح فيها على تهم الجنس والشذوذ الجنسي بشكل خاص، كأنما كانت غايته هي نشر الفضائح. وقد تجد في هذه المقالات بعض ما يفيد في إلقاء ضوء على سيرة بدر، ولكن مجمل الرأي فيهما أن السياب حاول تهشيم شيء كبير بأسلحة كليلة، لأنها أسلحة غير علمية، وكانت تنقصه اللباقة في النقد فلذلك سمح لغضبه ان يجتاح كل الحدود، فأدان نفسه قبل ان يدين الآخرين، كما كان يعوزه المنهج الدقيق الذي يضع فيه مذكراته، ولذلك جاءت أشبه بفصول محشودة دون نظام أو ترتيب، وكان بعض هذه الفصول لملء الفراغ في الصحيفة، إذ ما علاقة امرء يسجل تجربته مع الحزب الشيوعي بعرض رواية جورج أورويل " عام 1984 " في غير مقالة واحدة؟ ان هذا الموقف قد أصاب السياب نفسه، فقد اضطره ان يقول في رواية أورويل أنها رواية " رائعة " ، كما اضطر إلى ان يورد بعض نماذج من شعر سيمونوف الشاعر السوفيتي، ليزيف شعره جملة (2) . وهكذا حكمت السذاجة الغاضبة على بدر ان يتناول كل أدب غير شيوعي في نطاق " رائع "

(1) انظر عدد الحرية: 1449.
(2) الحرية، العدد: 1458.

(1/297)

و "عظيم" وما أشبه من تلك الصفات، وأن ينسب كل شعر أو أدب شيوعي إلى التفاهة والسخف: "لقد قرأت مثلا شعر الكثيرين من الشعراء الشيوعيين من ناظم حكمت وبابلو نيرودا وأراغون وماوتسي تونغ والشاعر السوفيتي سيمونوف فوجدته سخيفا بل وجدت الكثير منه لا يستحق حتى أن يسمى شعرا " (1) وعلى هذا الأساس ابرز بدر مدى المداجاة التي عاش فيها لا في شئون المعتقد السياسي بل في شيئين أهم من ذلك في نظري أولهما: التذوق الفني والأحكام النقدية التي كان يصدرها عن إعجابه بأولئك الشعراء حتى ليترجم قصائد لهم وينشرها في الصحف، والثاني: صدق البواعث التي وجهت عددا من القصائد نظمها في تلك الفترة، فمثل هذا التصريح قد ضرب بفأس حاد على جذور الشعر الذي نظمه السياب حين كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي.

وقد اضطرته تلك المقالات إلى أن ينثر فيها بين الحين والحين شيئا من الثناء الكاذب على عهد عبد الكريم قاسم: " أن السياسة التقدمية الحكيمة التي يتبعها زعيمنا الأوحد هي ضمان بان الشيوعية لن تجد لها مكان ا مناسبا في العراق؛ ان الفلاح بعد ان وزعت الارض عليه بموجب قانون الإصلاح الزراعي لن يجد في الشيوعية ما يغريه؟ والعامل أيضاً نال حقوقه في عهد الزعيم الأمين، فقد ارتفعت أجوره وشرعت القوانين التي تضمن حقوقه " (2) ولذلك انغمر في تيار من الملق الواضح: " وها أنا ذا اليوم؟ أحارب في رزقي في عهد الزعيم الفذ عبد الكريم قاسم، لا لأنني ضد الجمهورية بل لمجرد إنني أحب عبد الكريم قاسم اكثر مما احب خروشوف أو ماركس أو لينين.. " (3) . وأورطه هذا الملق في سلسلة من التصريحات الساذجة،

(1) الحرية، العدد 1451.
(2) الحرية، العدد: 1444.
(3) الحرية، العدد: 1444.

(1/298)

وعصب الغضب بصيرته فجعله يصدق كل ما يروى ما دام يصيب أعداءه وينشر فوقهم الشبهات.

ولما كان السخط المحموم يجرف في طريقه جميع الصوى المنطقية فقد انزلق السياب في مزلق عسر حين نصب نفسه عدوا للشيوعية، بعد ان بدأ بداية طبيعية وهي معاداته للحزب الشيوعي العراقي - أو لتصرفات بعض أفراده. ولم يقف ليسأل نفسه: هل تنفع الأسلحة التي يسلطها على الحزب الشيوعي العراقي لتفويض أركان الشيوعية جملة؟ ثم لم يقف ليسأل نفسه مرة واحدة: أليس من المعقول أن كثيرا مما أغضبه إنما نجم عن أناس "ركبوا الموجة" الشيوعية، حين وجدوا في ذلك مغنما؟ ولهذا كان نداؤه: " يا أعداء الشيوعية اتحدوا " يمثل هذا الخلط الشديد، وقد كان واعيا تمام الوعي أين يضعه هذا النداء، ولهذا قال: " نعم إننا نلتقي مع الاستعمار في عدائنا للشيوعية، ولكن ماذا في ذلك؟ أيصح أن نكفر بالله وننكر وجوده لأن المستعمرين من مكارثي وماك آرثر وتشرشل يؤمنون به؟ " وبمثل هذه المغالطات والتسويغات امتلأت مقالات السياب، كما امتلأت بحفر الحفر للإيقاع بأقرب الناس إليه: " ان شقيق زوجتي ؟وهو من أبطال ما بعد 14 تموز ورفيق مناضل - هددنا في أيام محنة الشيوعيين قائلا: انتظروا.. انتظروا بعد خمسة ايام فقط ستملأ جثث القوميين شوارع بغداد " (1) ، ووصل إلى حد التصريح بأن " مكارثي اشرف بألف مرة من كثير من الذين يعتبرهم الشيوعيون قادة كبارا " ، وقطع على نفسه عهدا بأن لا يكف عن محاربة " الشيوعية " حتى الرمق الأخير.

ومن خلال هذه الحمى الراجعة يهمنا إحساس بدر بأن معين الشعر قد نضب لديه، ولكنه بدلا من أن ينحي باللائمة على الإرهاق الذي أصابه خلال عامي 1957، 1958 وعلى الاضطراب العام الذي شهده

(1) الحرية، العدد: 1471.

(1/299)

العراق خلال العام التالي رأى أن احتضار الشعر بل موته إنما يتم " في البلدان التي تحكمها الأحزاب الشيوعية؛ أن الشيوعية والشعر شيئان لا يمكن أن يجتمعا بأن حال من الأحوال " (1) وتساءل: " أين هي الشاعرة العربية العظيمة نازك الملائكة؟ وأين صوت الشاعر المبدع الأستاذ علي الحلي؟ ابدلا من قصائده المتأججة بالنار عن الجزائر وعن ثورة الشعب العربي في كل مكان صرنا نقرأ " عشرين قصيدة من برلين و51 قصيدة وسواهما من الدواوين الحمراء السخيفة؟ كما أنني أنا نفسي لم اكتب خلال هذه الفترة سوى قصيدة واحدة عن البطلة العربية جميلة بوحيرد؟ " (2).

إلا أن ذلك الإحساس بنضوب الشعر كان يعبر عن فترة قصيرة، إذ سرعان ما زايله شبح الجوع حين رجع إلى سلك التعليم واصبح مدرسا في إعدادية الأعظمية أو على وجه الدقة لم يكن مدرسا وإنما كان محاضرا في المدارس الثانوية لحاجتها الماسة إلى مدرسي اللغة الإنكليزية (3) . ومع ان العمل كان يستغرق ساعات في الليل والنهار فانه أحس بالارتياح إليه وتحسنت صحته " وقد اكتسى باللحم وغاب عنه شحوبه الملازم له " (4) وتحول من بيته بمنطقة الكسرة إلى مسكن في هيبة خاتون إحدى محلات الأعظمية.

وحين فاتحه الشاعر أدونيس في أمر الهجرة إلى لبنان والبحث عن عمل فيه الفكرة وتساءل: "فهل تراني أوفق إلى العثور على عمل يكفي لإعاشتي وإعاشة زوجي وطفلي؛ لست ادري. على كل حال، أنا مستعد للانشغال في التدريس وان كان ذلك آخر ما أتمناه " (5) ؛

(1) الحرية، العدد: 1469.
(2) المصدر نفسه.
(3) العبطة ص: 16 ورسالة إلى أدونيس 12 - 3 - 60.
(4) العبطة: 16.
(5) رسالة إلى أدونيس بتاريخ 12 - 3 - 1960.

(1/300)

ثم تحول عن التفكير في النقلة إلى بيروت، فقد أزعجه شعوره بحاجته إلى الاغتراب في سبيل الرزق: "صرفت النظر عن المجيء إلى بيروت فقد وجدت عملا راتبي منه يكفيني وان كان أقل من راتبي السابق: أن يترك الإنسان عملا ويمضي إلى بلد آخر ليبحث عن عمل فذلك ما تمنعني أبوتي ومسئوليتي تجاه طفلي من القيام به " (1).

وما كاد جنبه يطمئن إلى الحياة التي توفر كسبا حتى فوجئ بفصله من عمله، ولكنه لم يكن خائر النفس في هذه المرة لركونه إلى أن اللجنة ستقرر إعادته إلى وظيفته (2) ، وكان يقضي جانبا من وقته في تلك الأيام بصحبة صديقه الأديب الناقد جبرا إبراهيم جبرا كما يخرج مع صديقه الأستاذ محمود العبطة يجوبان الشوارع أو يجلسان في بعض المقاهي. وفي شهر تشرين الثاني (1960) أصدرت له دار مجلة شعر ديوانه " أنشودة المطر " ، وهو يدل على أن حصاد ذلك العام من القصائد كان غزيرا، إذا قسناه بال أ ع و ام الثلاثة السابقة، فقد بلغ مجموع قصائده لعام 1960 ثماني قصائد (أو سبعا إذا عددنا قصيدته إلى جميلة من نتاج العام السابق).

ونراه عند نهاية العام (1960) ما يزال يتحدث عن ارتياحه ولكن الإقامة في بغداد لم تعد تجتذبه، ولهذا سعى ليجد لنفسه عملا في البصرة: " سوف انقل مقر عملي إلى مدينة البصرة، فقد هزمني الشوق إلى جيكور وبويب وسواهما من ملاعب الطفولة " (3) . وفي الشهر نفسه كان منهمكا في ترجمة كتاب عن الإنكليزية لمؤسسة فرنكلين (فرع بغداد) ولم يكن قد انتهى منه بعد؛ كما انه عاد إلى موضوعه المحبب القديم وهو قصائد اديث سيتول في القنبلة الذرية، فكتب مقالا يقارن

(1) رسالة إلى أدونيس بتاريخ 9 - 6 - 1960.
(2) رسالة إلى أدونيس بتاريخ 23 - 7 - 1960.
(3) رسالة إلى أدونيس بتاريخ 18 - 12 - 1960.

(1/301)

فيه بين قصيدة لها عن هيروشيما، وقصيدة لناظم حكمت في الموضوع نفسه، وكانت غايته من ذلك إصدار سلسلة من المقالات في دراسة الأدب الشيوعي ونقده (1).

ولكن لعل الأهبة اللازمة للعودة إلى جيكور قد شغلته عن ذلك كله؛ وربما نسي مثل هذا المشروع الذي تحفزه إليه بغداد حين وجد نفسه يردد الطرف في مرابع الطفولة والصبا.

(1) إلى أدونيس بتاريخ 31 - 12 - 1960.

(1/302)

- 26 -

تموز – المسيح

لعل القارئ ما يزال يذكر كيف أن السياب اكتشف العراق في قصيدته "أنشودة المطر"، ووجد التطابق الكامل بين ذاته ووطنه، ولكنه ما كاد يتلمس روعة هذا الكشف حتى نقلته صلته بمجلة الآداب إلى استكشاف التطابق بين ذاته وبين البلاد العربية في المشرق والمغرب، فأخذ يحس فنيا بحقيقة الثورة الجزائرية وانتقاض المغرب، وبأبعاد المشكلة الفلسطينية والصمود في بور سعيد، وهو إلى جانب ذلك كله مثال الفنان الذي يؤمن بان طاقته قادرة على أن تذلل كل عقبة في الموضوع الفني ؟مهما تتباعد أقطاره - وأنها كفاء بألوان جديدة من البناء، تجمع بين الإرادة الواعية للتخطيط وبين الإلهام الزاخر بالحيوية.

وربما سارع المرء إلى الظن بأن "أنشودة المطر" نفسها كانت فاتحة عهد جديد من الاتكاء على رمز تموز أو أدونيس، إذ القصيدة لا تعدو أن تكون في سياقها ترجمة لتلك الأسطورة دون تصريح برمز الخصب، ولكن الأمر لم يكن كذلك على وجه الدقة، لان اكثر الموضوعات التي عالجها في "فترة الآداب" لم تكن ترحب صدرا بالأسطورة؛ فالقصائد العربية لا تخضع لرمز تموز والقصائد الإنسانية كقصيدة " مرثية الآلهة " اضطرت السياب أن يسخر من الرموز ؟فكريا - بدلا من أن يتقبلها في

(1/303)

نطاق شعوري. وكانت القصيدة الوحيدة التي نقبلت ذلك الرمز هي " أغنية في شهر آب " ، وقد استوعبت من الأسطورة طرفا بسيطا منها لعله أقل أطرافها أهمية أعني شيوع الإحساس بالبرد الشهواني بعد مقتل تموز. ولست اعتقد أن إحجامه عن استعمال هذا الرمز حينئذ يرجع وحسب إلى التباعد بين موضوعاته وبين تلك الأسطورة أو يرجع إلى عدم تمثله الصحيح لها، بل أرى أن هناك عاملين هامين كانا يحاولان إبعاده عن تلك الأسطورة نفسها: أولهما تهيبه من استعمال الرمز على نحو يتجاوز الإشارات العابرة، في مرحلة إحساسه بالقومية العربية، إذ كان يرى أن الإسلام ؟وهو في رأيه مرتبط ارتباطا وثيقا بالقومية العربية - قد قضى على تلك الرموز الوثنية، فالعودة إليها تتطلب مسوغا قويا مقنعا، ولهذا نجده حتى سنة 1958 ؟أي بعد أن وجد الأسطورة ضرورة لا غنى عنها - يحاول أن يحشد الأسباب التي تسوغ له الاتكاء عليها: ومن تلك الأسباب أن العرب عرفوا الرموز البابلية بين عهد إبراهيم والبعثة النبوية " فالعزى هي عشتار، واللات هي اللاتو، ومناة هي منات، وود هو تموز أو أدون (السيد) " (1) ، وإذ كان الإسلام قد جاء ليقتلع اللات والعزى وودا فمن الخير ألا نستعمل اليوم هذههههههه الإسلام فرارا من تهمة التحدي ونستعمل بدلها الأسماء البابلية؛ وقد يقال ان هذه عودة إلى الإقليمية فالذين يريدون انفكاك العراق من الرابطة العربية يحاولون أن يربطوه بالتاريخ البابلي، والذين يريدون للبنان التفلت مما يربطه بالتاريخ العربي ينتشبون بالدعوة الفينيقية؛ ويقول بدر: " لا أنكر أن هناك من يستعمل هذه الرموز لمجرد إنها بابلية أو فينيقية ؟بصورة خاصة - (ولكن) ليس بين العراقيين من يشعر بأن البابليين أقرب إليه من العرب بل ليس هناك من يشعر بأن هناك

(1) من رسالة إلى الدكتور إدريس بتاريخ 7 - 5 - 1958.

(1/304)

رابطة، غير رابطة المكان، بينه وبين البابليين " (1) ؛ ويوسع بدر من حدود الحرية في استعمال الأسطورة ؟متكئا على المنطق الشعري وحده لا على المنطق العقلي - فيقرر أنه ليس من الضروري أن تقتصر على استعمال أساطير تربطنا بها رابطة من البيئة أو التاريخ أو الدين، بل يمكن الاستعانة بأية أسطورة غربية عنا، ما دامت تخدم غاية شعرية.

أما العامل الثاني في إحجامه أول الأمر عن أسطورة تموز فربما أرجعناه إلى ظهور رمز آخر في نفسه ينازع الأسطورة مكانتها ويحاول أن يحل محلها، وأعني بذلك رمز المسيح وما يتصل بذلك الرمز من إشارات. فقد كان هذا الرمز إشارة عابرة في قصيدة " غريب على الخليج " ثم تقو في " مرثية جيكور " ووجد على نحو واضح في " قافلة الضياع " ومنذ ذلك الحين أصبح رمزا هاما في خيال الشاعر إلى جانب تموز.

ولست أجد حرجا في الإجابة عن سؤال يخطر للقارئ في هذا الموقف، وهو: كيف يستطيع شاعر مسلم أن يتخذ من " الفداء " ؟وهو أحد المعالم البارزة التي تفصل فصلا تاما بين الإسلام والمسيحية ؟رمزا في شعره؟ والجواب على هذا السؤال لا ينفك عن أحد الفروض الآتية: أما أن ذلك الشاعر لم يفهم فكرة " الفداء " في المسيحية، وأما انه فهمها وهو لا يعبأ بالموقف الديني الذي نشأ عليه منها، وأما أنه ؟في سياق الشعر - يعد " الفداء " أسطورة من الأساطير، فهو لا يراها حقيقة تاريخية، وفي هذا الموقف الأخير يضيع الحد بين الظاهر والحقيقة، أمام عيني قرائه، لان الحقيقة حينئذ ذاتية تتصل بضميره الفردي.

أما بالنسبة للسياب فقد كانت هناك حوافز معينة دفعته إلى التعلق بذلك الرمز: وفي مقدمة تلك الحوافز ذلك الضياع الذي أحس به في

(1) المصدر نفسه.

(1/305)

حومة الشعور الديني. فبعد انفصاله عن الحزب الشيوعي كان يحس بحاجة إلى تبني مشاعر جديدة تعوض اهتزاز المقاييس المادية في نفسه، فتعلق بالصفحة الإسلامية من القومية العربية، ولكن ماديته القديمة كانت تجعله جريئا في التعبير عن بعض "المقدسات" بحيث توحي عباراته بشيء من الاستخفاف، ويبدو انه لم يجد راحته فيما لا يزال يوحي بوطأة التفكير المادي، فأحس بالحاجة إلى الإمعان في الهرب، ووقع في تلك الأثناء بشدة تحت تأثير اديث سيتول وتكريرها الممل للصور المسيحية، ولكنه بدلا من أن يشعر بالملل من ذلك التكرار شعر بيسر الاستعارة لتلك الصور وبسهولة جريانها على سن قلمه، فاحتذاها دون تفكير عميق فيما قد تعنيه من الزاوية الدينية. ثم تم في سياق تلك الحال النفسية اتصاله بمجلة "شعر" البيروتيه، وقد كان بدر يحس عندما اقترب من تلك المجلة انه يدخل حومة "شعائر" جديد ؟ان صح التعبير - وأن عملية " الارتسام " هذه تتطلب قسطا من المشاركة في اللون والسمة والفكرة، وقد عرفنا فيه من قبل نماذج من هذا التكيف الذي يشير إلى ان "النواة" في شخصيته كانت مفقودة،وسمينا هذه النزعة ميلة إلى المراضاة، والميل إلى المراضاة حين يصيب الأعماق لا يعدو وحسب " حربائية " بغيضة، بل يتجاوز التلون الظاهري إلى أمور في صميم الفكر والعقيدة، وحينئذ يمس فيما يمسه حقيقة إيمانه الفني، وذلك هو ما يهمنا في هذا المقام، دون سواه. وحين تم ارتسام السياب في أسرة "شعر"، كانت لديه بوادر الإحساس بأسطورة تموز، وهذه سهلت عليه الانتقال إلى رمز المسيح، إذ كان ذلك نقلة من فكرة فداء إلى فكرة فداء، فتموز أيضاً يموت لينعش الأرض ببعث جديد، ولكن الفرق بين الفكرتين: ان انبعاث تموز يتجدد مع حركة الفصول فهو أقدر على تصوير التفاؤل القريب حين يكون الحديث متصلا بظلامات الشعوب وضرورة يقظتها، وليس كذلك رمز المسيح. ثم أن

(1/306)

رمز تموز لا يتصل بخطيئة اصلية، وإنما يمثل قوة خصب مستوحاة من التصور البدائي، وليس له أية علاقة بإطار أخلاقي.

ومن الدليل على هذا التكيف الطوعي للالتقاء مع مجلة شعر تلك المحاضرة التي ألقاها في أمسية دعته المجلة إليها ببيروت حيث طغى النغم الديني على تلك الكلمة، ولم يكن ذلك النغم الديني عاما حين أخذ السياب يتحدث عن تصوره للشاعر من خلال رؤيا القديس يوحنا، وغير بعيد عن هذا الجو نفسه أن تكون القصيدة الثانية التي نشرها في مجلة شعر بعنوان " المسيح بعد الصلب " (1).

وإذا نظرنا في قصائد هذه الفترة (1957 - 1960) وحدناها فئتين تشيع في كل منهما سمات غالبة، فئة نظمها قبل أحداث العراق الدامية بعيد ثورة تموز، وفئة نظمها بعد تلك الأحداث (وعلى الأخص سنة 1960)، وبين المرحلتين تقف قصيدة واحدة من نتاج عام (1959) تعد جسرا بينهما وهي " إلى جميلة بوحيرد " .

وقصائد الفئة الأولى خمس، وهي حسب الترتيب الزمني:

1 - النهر والموت، 2 - المسيح بعد الصلب، 3 - جيكور والمدينة، 4 - قارئ الدم، 5 - مدينة بلا مطر.

وتتميز هذه الفترة من زاوية الشاعر نفسه بالإحساس الذاتي بالعقم، إذ لم يكن من طبيعته أن يقتصر طوال سنتين على خمس قصائد، وقد بلغ هذا العقم ذروته سنة 1959 حيث لم ينظم إلا قصيدة واحدة، ولهذه الظاهرة أسباب متعددة، منها انتشاله بطلب الرزق وانتهاكه في العمل الصحفي إلى جانب وظيفته، ومنها ضياع اثر الصدمة التي يحدثها الزواج أول وهلة حين يفتح عيني الشاعر على ألم عميق للتباين بين

(1) أنشودة المطر: 145 ومجلة شعر (العدد: 3) ص: 21.

(1/307)

طرفي الحلم والواقع، ثم يأخذ بالركون تدريجيا إلى حكم الواقع نفسه، حتى تتاح له ثورة جديدة تمثل السأم من ذلك الركون وأرضى. وقد عبر بدر عن هذا العقم بعد مضي سنة كاملة من محاولة العودة إلى خصب العطاء الشعري السابق فقال: " مر عام بأكمله لم اكتب فيه سوى قصيدتين، أنه العقم يتسرب إلى نفسين فإذا كتبت فعن هذا العقم اكتب؟. أنها لمعجزة حقا أنني أستطيع الكتابة، وأعني كتابة الشعر حقا، فأي عطاء تستطيع ان تقدمه النفس التي أيبسها الجفاف؟ " (1) . ولا ريب في أن العراق نفسه قبل الثورة كان يعاني شعورا عاما بالجفاف واليأس من تغير الأحوال، وهذا كله أثر في نفس بدر، وجعل تفاؤله باليقظة سرابا أو وهما، - ولكن ذلك لم يطمس على شعوره بحتمية التغير طمسا تاما، وإنما ظل رغم حلكة اليأس يحاول أن يفترض وجود نور. وتمثل القصيدتان " قارئ الدم " و " مدينة بلا مطر " هذا الشعور بضرورة الخروج من ذلك الجفاف الفردي والقومي ولا تعدو القصيدة الأولى منهما أن تكون تهديدا للطاغي المتجبر بأنه سيساق إلى الحساب ولا بد، وأن أي بصير يستطيع أن يقرأ مصيره في الدم الذي يسفكه كل يوم. وقد لخص بدر في القصيدة تجربة السجن والتعذيب في سجون العراق، وتجربة الفقر المرير والجوع بين الطبقات الفقيرة الجائعة وشقاء العاملين في الحقول والمستنقعات الآوين إلى الأكواخ التي تتشرب كل أمطار الشتاء، ولذلك كانت القصيدة أشبه بصرخة في وجه الظلم العام الطاغي - محض صرخة ليس فيها تكامل فني. وأما الثانية فأنها صورة من الجفاف العام بسبب غياب "تموز" ، ويوشك الصحو أن يتم ولكن لا تلبث بسمات الناس ان تختفي فقد أدركوا أن تموز لم يصح بعد: فبابل يصفو الريح في أبراجها، وغرفات عشتار خاوية بلا نار، والناس يصحون شاكين الجوع:

(1) من رسالة إلى الدكتور إدريس بتاريخ 7/ 5 / 1958.

(1/308)

فيا أربابنا المتطلعين بغير ما رحمه ... عيونكم الحجار نحسها تنداح في العتمة ... لترجمنا بلا نقمة ... والعذارى حزانى حول عشتار والكرمة آخذة في الذبول، وعينا الموت تلمعان كعيني الأسد في الظلام، والمطر محتبس، والناس قد أكلوا " حدائق تموز " (1) . ويسير صغار بابل يحملون سلالا فيها حجارةب دل الأثمار ليقدموها قرابين لعشتار ويأخذون في الإنشاد:

جياع نحن مرتجفون في الظلمه ... ونبحث عن يد في الليل تطعمنا، تغطينا ... ؟.

ونبحث عنك في الظلماء عن ثديين عن حلمه ... فيا من صدرها الأفق الكبير وثديها الغيمة ... سمعت نشيجنا ورأيت كيف نموت؟ فاستقينا؟. ... وعلى دعاء الصغار أبرقت السماء وأرعدت، وتلبد السحاب؛ وأخذت الأقدام تخفق والضحكات الصغيرة تكرر، وهمست النسمات بالقطر، فانفرجت أسارير الصغار:

لنعلم أن بابل سوف تغسل من خطاياها ... فإذا تأملنا القصيدة وجدنا تلك الصورة التي برع السياب في رسمها في قصائده الكهفيات وهي تعتمد على مقدمة تصور الموت أو الجفاف أو ما أشبه، ثم كيف تنتهي هذه الحال في ختام القصيدة إلى

(1) هي سلال أو أصص كانت تملأ بالتراب وتزرع فيها بذور القمح والشعير والخس وألوان من الزهر وتعنى النساء بها دون غيرهن (أدونيس: 157).

(1/309)

يقظة. فهنا تفتتح القصيدة بحال من تعسر الأمطار يشبه تعسر الولادة، فالمدينة " تحم دروبها والدور، ثم تزول حماها " ويصبغها الغروب بالسحب، ويوشك البرق أن يلتمع ولكن لا، فان طبول بابل لم تدق مؤذنة بالمطر، وبدلا من ذلك تصفر الريح ويئن المرضى. وبين الفاتحة والخاتمة موكبان: موكب الكبار الذين يصفون الحال متوجعين إلى "الأرباب"، بعد أن عانوا القحط أعواما متوالية " وكان نخيلنا الجرداء أنصاب أقمناها لنذبل تحتها ونموت " وموكب الصغار الذين تستجيب السماء لدعائهم فترعد وتمطر، وتشيع البسمات على أثر ذلك العطاء. ويستعير الشاعر اكثر الصور الوثنية التي تهيئها قصة تموز وعشتار، ويحسن؟ببراعة فذة - استغلال تلك الصور في سياق متدرج، دون أن يخرج من ذلك الجو الوثني، ودون أن يخنل الرمز بين الظهور والاستكنان إلا مرة واحدة حين يخاطب العباد الأرباب بأن عيونهم "حجار تنداح في العتمة"، فمثل هذا القول لا يوجهه الضارعون إلى أربابهم، ولكن طغت الفكرة السياسية على الشاعر فانتقل الرمز عفوا إلى السطح ولم يعد كامنا وراء الصورة الخارجية. ولكن أين وجه التطابق بين القصيدة وحال العراق حينئذ؟ لا ريب في أن الجفاف العام يرمز إلى ما كان يعانيه العراق من قيود على كل ضروب الحرية، وأن انسكاب المطر يذل على انزياح ذلك الجفاف وانقشاعه، ولكن ما قيمة تلك الصور الوثنية المتلاحقة في موكبي الرجال والصغار؟ وهل يكون تغيير الجفاف بأدعية تلك الحلوق الجهيرة أو تلك الثغور الصغيرة؟ أو يكون بالثورة؟ هنا تصبح الصور الوثنية متممة للصور العامة بين التعسر والولادة، ولكنها لا تؤخذ حرفيا، ذلك أن العلاقة بين العباد والأرباب ليست علاقة ثورة وإنما هي علاقة ضراعة، ولهذا كاد الشاعر يطرح الرمز جانبا في بعض مراحل القصيدة ليكيل الاتهامات للأرباب؛ ومرة أخرى أقول ان الذي يهم الشاعر هو صورة الانبعاث أو نزول

(1/310)

المطر أما ما يؤدي إلى ذلك فيجيب ان ينسجم مع سياق الأسطورة وان لم يكن منسجما مع الوسائل العلمية لإنجاز الانبعاث. وعن مثل هذه القصيدة كان السياب يتحدث حين يتذكر الالتزام، حيث اضطر بعض الشعراء تحت ضغط الإرهاب الفكري وانعدام الحرية " إلى اللجوء إلى الرمز يعبرون بواسطته عن تذمرهم من أوضاع بلادهم السياسية والاجتماعية على السواء وعن أملهم في انبعاث جديد ينتشلها من موتها " (1) . والحقيقة أنني لم استعمل كلمة " الوثنية " والحقيقة أنني لم استعمل كلمة " الوثنية " أثناء عرض هذه القصيدة لأنفر القارئ المتدين منها، وخير من ذلك أن يقال أننا إذا حذفنا بعض الأسماء والمصطلحات التي تتصل بقصة تموز وعشتار وجدنا القصيدة صورة جميلة للبيئة الزراعية البدائية، وكناية عميقة عن الرابطة بين الإنسان والأرض أو بين الإنسان والحياة، وأننا لذلك نحس أنها تتدرج في نموها كما تتدرج الشجرة التي لم تتفلق الأرض بعد عن بذرتها حتى تغدو نبتة قوية تستطيع التماسك في وجه الرياح. ولا تزال مواكب الاستسقاء كلما احتبس المطر تتوجه بالضراعة إلى مرسل الغيث: فالحاجة الإنسانية لم تتغير وإنما الذي تغير هو الحقيقة التي يتوجه إليها الإنسان.

وقد جاءت هاتان القصيدتان بعد إحساس الشاعر بضرورة العودة إلى جيكور والى حرم الذات، فكانتا دليلا على أنه كان ما يزال يحس بأن له رسالة كبرى تتجاوز حدود الحديث عن أحلام النفس وآلامها الخاصة، وان مسئوليته إزاء بني وطنه ما تزال توجه فهمه لمهمة الشعر والشاعر؛ ويتجلى جانب من هذا الإحساس في القصائد الثلاث الأخرى، ففي قصيدة " النهر والموت " نجد الشاعر حائرا بين نوعين من الموت " الموت الذي يفتن الصغار " وبابه الخفي في نهر بويب، أي حيث ترقد

(1) الأدب العربي المعاصر: 250 وأضواء: 123.

(1/311)

الأم، فهو موت يحقق العودة إلى الطفولة، والموت الثاني هو " موت المواجهة في صفوف المكافحين " برصاصة تنقد المرء من حاضره، وهو موت في نطاق الجماعة فيه الجرأة والمشاركة معا وهو ليس موتا وإنما هو " انتصار " وتتركب القصيدة ؟بحسب هذين النوعين من الموت - تركبا ازدواجيا. فأجراس بويب والجرار التي تملأ من مائه تقابلها أجراس موتى ترن في عروق المناضل، وبويب حزين كالمطر، والعالم الحزين في الشق المقابل ينضج الدماء والدموع كالمطر، والطفل يعدو على شاطئ بويب حاملا الشوق كأنه يحمل قرابين من قمح وزهور، ثم هو في الوجه الثاني يعدو مع المكافحين؛ أن حرص الشاعر على المزاوجة المنطقة يبلغ غاية الإتقان التفنني، ولكنه حين يطيل القسم المتعلق بالموت في بويب يومئ دون ان يشعر إلى أن نفسه معلقة بالباب الخفي في ذلك النهر:

أود لو غرقت فيك، ألقط المحار ... أشيد منه دار ... يضيء فيها خضرة المياه والشجر ... ما تنضج النجوم والقمر ... وأغتدي فيك مع الجزر إلى البحر. ... فهناك مثل هذه الصورة صور أخرى تشير إلى التلذذ بذكريات الطفولة وخاصة " التقاط المحار " من شاطئ النهر. وقد تحدثت في فصل سابق عن اثر لوركا في بعض صور هذه القصيدة (1) وربما صح أن أضيف هنا أن العلاقة بين الأجراس ومياه النهر، وهي التي تتمثل في هدير الماء أو في بقبقة الجرار لا تعتمد على لوركا وحده وإنما ترتبط بما

(1) يحسن بالقارئ أن يتذكر أن اثر كل من لوركا وسيتول ينبسط أيضاً على قصائد هذه الفترة، وان عرضت لذلك الأثر مجتمعا في ما تقدم في الفصل: 21.

(1/312)

كان السياب قد قراه في قصيدة لماثيو آرنولد بعنوان "إنسان البحر المهجور" ففيها يصور الشاعر كيف ان المرأة الإنسية التي تزوجها إنسان البحر سمعت وهي في الأعماق أصداء الأجراس الفضية تدندن من برج الكنيسة القائمة على الساحل؟ (1).

ان حنين الشاعر إلى الموت الفتان من خلال بويب كان يعني حنينه إلى جيكور، لآن الاسمين يتلازمان في ذهنه، وقد صده عن هذه العودة هنا شعوره بالمسئولية التي تهيب به أن يكون في صف المناضلين ولذلك نجده منقسم نفس بين الطفولة والموت الصامد البطولي، وهذه اشارة هامة تدل على أن إحساس السياب بالمفاضلة بين العودة إلى الطفولة والتضحية في سبيل المجتمع يبدأ من هذه النقطة؛ ومرة أخرى استبد به الحنين إلى جيكور، لأنه كان يحس إحساساً لا يقاوم بقوة جواذب هذه العودة، وفي قصيدة " جيكور والمدينة " يتمثل هذا الشعور على أشده. ألا ان جيكور قام من دونها " سور وبوابة واحتوتها سكينة " ، والسبب في ذلك ان ابن جيكور قد اختطفته المدينة وأسرته، فأصبحت دروبها تلتف حوله كأنها حبال من نار تجلد كل ذكريات في نفسه عن جيكور وتحرق جيكور المستقرة في أعماق روحه، وتلك الدروب كالموت لم يعد منها أحد تاه في شعابها؛ ويصب الشاعر نقمته على المدينة: فهي بقعة غاب الله عنها، والليل ؟فردوسها الرحب - مبادءة للعهر، والإنسانية قد تحولت إلى وحوش ذات مخالب، ورب المدينة

(1) انظر قطعة بعنوان " عبد الماء في شط العرب " ، مجلة الأسبوع من صحيفة الشعب، السبت 12 تموز 1958؛ وقد أصبحت صورة " الأجراس " ملازمة للسياب فهو لا يستعملها في تصوير بويب أو الموت وحسب وإنما يستعملها في تصوير إحساسه بتكور القصيدة " أحس بأجراس خافتة، أجراس مطر وزهر، تقرع في نفسي مبشرة بميلاد قصيدة " (من رسالة له بتاريخ 24/10/63 نشرت في ملف مجلة الإذاعة: 4).

(1/313)

رحى صفراء تتبادلها اكف التجار وتلمع لمعان السمك في جيكور ويسميها أهل المدينة " النضار " ، ولهذا الإله لهات امتد في كل دار وسجن ومقهى كأنه كرمة عساليجها من عروق تموز، وقد اطلعت هذه الكرمة ثمراتها في كل مستشفيات المجانين وفي كل مبغى لعشتار، وكانت هذه الثمرات " مصابيح لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار " وقد كتب عليها قول يشبه ما قاله المسيح: " هذا دمي وهذا لحمي " .

أما تموز نفسه فان لات تنوح عليه، تريده أن يرجع إلى جيكور:

وترسل النواح: " يا سنابل القمر ... دم ابني الزجاج في عروقه انفجر ... فكهرباء دارنا أصابت الحجر ... وصكه الجدار، خضه، رماه لمحة البصر ... أراد أن ينير، أن يبدد الظلام.. فاندحر " ... فهذا تموز " المعاصر " يريد ان يبدد ما يكتنف المدينة من ظلمات بنور عقله وقلبه وشعلة إلهامه، فيموت موتا عصريا بقوة من قوى المدينة نفسها إذ تصعقه " كهرباؤها " ولهذا يحس الشاعر انه أسير وأن العودة مستحيلة " فمن حيث دار اشرأبت إليه المدينة "

ونلحظ في هذه القصيدة اجتماع رمزي تموز والمسيح، وانتقال الشاعر من نغم إلى آخر حين أراد أن يصور نواح اللات، وهذا أمر قد ألفه الشاعر في قصائده، ويجب ألا يحكم عليه بقانون عام بل يدرس في كل قصيدة على حدة، وقد جاء في هذه القصيدة طبيعيا لأنه يمثل النقلة بين موقف الشاعر الوصفي من المدينة وموقف اللات وهي تبتهل لعلها تسترد أي جزء من ابنها الذي قتلته المدينة.

وتتدرج القصيدة من تصوير دروب المدينة وهي تيه متعشب متطاول إلى تصوير ليلها فتزداد فكرة الضياع بحلكة الصورة ماديا

(1/314)

(ومعنويا لفقدان الحب والروح والألوهية في ذلك الليل)، ثم إلى تصوير اله المدينة وهو رحى من لظى لا تضيء وإنما تقتل، وشرايين تطلع مصابيح ليس فيها عنصر من النور الالاهي " لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار " ، وفي هذا التيه الكبير يقتل ابن جيكور فتبكيه أمه، وبذلك يحال بينه وبين جيكور التي قام من دونها سور وبوابة مغبقة. وهذه هي القصيدة الثالثة من قصائد هذه الفترة حيث نجد السياب لا يعييه المبنى الفني الدقيق، فالتقابل بين ضربين من الموت رسم بدقة حتى في الصور التفصيلية في قصيدة " النهر والموت " والتدرج بين الاختناق بالجفاف والانبعاث بالمطر في قصيدة " مدينة بلا مطر " يكاد لا يشكو أي خلل، وكذلك كان الحال في قصيدة " جيكور والمدينة " بل إننا نلحظ أن الصنعة التفننية التي لا تكون عفوية قد أخذت تستأثر باهتمام الشاعر ليكفل لبناء القصيدة مزيدا من الإحكام، ولنأخذ قصيدة " جيكور والمدينة " مثالا لذلك، فالقصيدة تعتمد أولا على تطاول الدروب التي يشبهها الشاعر بالحبال، ولكنك تحس أن صورة الحبال المتمطية ستكون محورية في حركة القصيدة، فهي تمتد وتلتف اولا على هيئة دروب لا نهايء لها، وكل شيء سيمتد بامتدادها، فالصخر يرسل غصونا، والحجار تكسب عروقا، والطريق إلى جيكور يمتد عبر الدهاليز، عبر الدجى والقلاع الحصينة (طويل هو ذلك الطريق حتى ليكون طوله وحده سببا في الخرمان من الوصول) واله المدينة قد مد كرم عساليجه في أنحاء المدينة على شكل شرايين تغلغلت في كل دار وسجن ومستشفى ومبغى، ويكون موت ابن جيكور بانفجار الزجاج في عروقه الممتدة في جسمه، وهكذا يتم انفجار عرقه لأنه لا يستطيع أن يجد الخلاص من تلك العروق الطويلة الممتدة من حوله كالأخطبوط. ولو أننا أخذنا صورة أخرى لوجدنا أن هناك دقة متعمدة في الرسم، فصورة الضوء جملة ذات أهمية تضارع أهمية الحبال في القصيدة

(1/315)

فالحبال نفسها من نار، ورب المدينة هجير لافح من النضار، وشرايينه أنحائها تطلع مصابيح لا توقد بزيت، وابن جيكور يموت مصعوقا من شرارة الكهربائية، ولو شئت تفسر القصيدة كلها من خلال صور النور لوجدتها تقوم على وحدة فكرية دقيقة: الضوء في المدينة خادع، فهو ليس نورا على الحقيقة، وإنما هو لهاث (لمعان) النضار، فإذا جاء المدينة شاعر لا يخدعه الذهب وأراد ان يبدد الظلام " ان ينير " صعقته قوى المدينة الجديدة وحرمته من العودة، وكانت محاولته اندحارا؛ وهذه المدينة التي تتوهج بتفاحات نار كهربائية تقابل جيكور - الخضراء التي مست الشمس الحزينة ذرى النخل فيها، وهكذا يقابل ضوءان: ضوء الذهب وضوء الشمس الحزينة في الأصيل - حزينة على فقد ابنها الذي احتجزته المدينة في دروبها المتشعبة. والاحتفاظ بصور الحبال المتطاولة وصور الإضاءة قد منح القصيدة إحكاما فذا، وزاد من ذلك الإحكام اختياره نغمة تسير ببطء - هي بحر المتقارب - وتمثل ببطئها تلك المسافات الطويلة التي قطعها القروي الحيران في دروب المدينة وليلها.

وليس كذلك الخامس من قصائد المرحلة الأولى السابقة للأحداث الدرامية، أعني قصيدة " المسيح بعد الصلب " فأنها شديدة الاضطراب، تتعاقب فيها صور مستمدة من قصة المسيح على غير انتقام، والشاعر يتخذ المسيح رمزا للتعبير عن حالته النفسية، ولذلك فهو المطلوب الذي استطاع أن يقوم من بين الموتى وينعش الحياة في جيكور:

حين يخضر حتى دجاها ... يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها ... قلبي الشمس إذ تنبض الشمس نورا ... قلبي الأرض تنبض قمحا وزهرا وماء نميرا ...

(1/316)

قلبي الماء، قلبي هو السنبل ... موته البعث: يحيا بمن يأكل ... في العجين الذي يستدير ... ويدحى كنهد صغير، كثدي الحياة ... مت بالنار، أحرقت ظلماء طيني، فظل الإله ... ومن الواضح أن هذه الأبيات قد جعلت من المسيح وتموز شخصا واحدا أو رمزا لشيء واحد، ومما جعل التطابق هنا ممكنا استعارة "الخبز والنبيذ" من العشاء الرباني ومزجها بعلاقة الحياة بين الأرض والشمس في قصة تموز، ولهذا نجد حين شوي بالنار مات الجزء الطيني فيه " وظل الإله"، وهذا البقاء للعنصر الالاهي وقف الشاعر عنده مرة أخرى حين قال:

حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار ... حين عربت جرحي وضمت جرحا سواه ... حطم السور بيني وبين الإله ... وقد عكس الشاعر فكرة الفداء حين جعل الشعب يحمل العبء عن " المصلوب " فيندى صليبه؛ وختم قصيدته بقول:

كان شيء مدى ما ترى العين ... كالغابة المزهرة ... كان في مرمى صليب وأم حزينة ... قدس الرب، هذا مخاض المدينة ... وهذا قد يفهم منه أن كثيرة المصلوبين لا تدل على أن الحياة لن تتجدد، بل ان موت هؤلاء هو طريق البعث من جديد، كذلك عادت جيكور صلب ابنها، وكذلك ستعود المدينة إلى الحياة

(1/317)

حين كثر المصلوبون من أبنائها. وإذا تجاوزنا هذه الفكرة وهي أن الموت طريق البعث، والبعث متدفق بالعطاء حتى يحطم الحد الفاصل بين الإنسانية والالوهية، بحيث يصبح الموت صفيرا كبيرا في آن معا ؟أقول إذا تجاوزنا هذه الفكرة لم نجد في القصيدة شيئا آخر وراءها، هذا مع الاضطراب وضعف التدرج العام فيها، وعدم وجود مسوغ للانتقال فيها من وزن إلى وزن. ويصح لنا أن نميز هنا نوعا ثالثا من الموت إلى جانب الموت في حضن الطفولة (بويب) والموت في صف المناضلين؛ فهذا الموت الثالث هو " موت تموز " أو " صلب المسيح " أي مقدمة البعث والعودة بالخصب إلى الأرض. إذا كان السياب قد سمى النوع الثاني " انتصارا " فان الثالث يستحق أن يسمى استمرارا أو خلودا لأنه طريق إلى الولادة الجديدة، وهكذا تم انتحال السياب لكل من تموز والمسيح على السواء، وتطابق مع رمزيه الكبيرين، وأصبح ورودهما في شعره متلازمين أو متعاقبين أمراً مألوفا.

وبعد هذه القصائد الخمس جفت قدرة الرمز على الاستجابة له، فقد ألح في قصيدة " مدينة بلا مطر " على أسطورة تموز وما يتصل بها من شعائر حتى كاد أن يستنزفها، وألح في قصيدة " المسيح بعد الصلب " على ما يتصل بكثير من تفرعات القصة، وكان منذ القصائد الكهفيات قد أسرف في تصور الحركة المتدرجة بين الموت أو النوم في الكهف (أو القبر) وبين اليقظة النهائية، وكان كذلك قد انفق جهدا كبيرا في المدى المتطاول ليطله ببناء فني محكم، متدرجا في ذلك من الفيض الإيحائي الذي تبعثه لفظة إلى البناء المعقد الذي يتطلب حيلا فنية في كل دقائقه وهذا هو التعليل الفني لصمته، إلى جانب أسباب نفسيه ومعيشية سبقت الإشارة إليها. ولهذا فانه حين عاد إلى ميدان الشعر لم يستطع أن يقول إلا قصيدة واحدة هي " إلى جميلة بوحيرد " وقد عاد فيها يلفق بين مختلف الوسائل التي استغلها في مرحلة الآداب والمرحلة التالية لها، فعاد

(1/318)

إلى تقمص الشعور بخزي المشرق العربي إزاء ما يقدمه المغرب العربي من تضحيات، وزاده إحساساً بالخزي أن الذي يقوم بالتضحية فتاة اسمها جميلة بوحيرد، وهو خزي يصم الرجولة المشرقية عامة، ولهذا افتتح قصيدته بما يزيد تقلصا عن التواري في كهف أو قبر حين قال:

لا تسمعيها؟. أن أصواتنا ... تخزي بها الريح التي تنقل ... وتصور ان الشرقيين حبيسو رحم من دم مظلم وانهم في الظلماء لا يسألون عن دورهم في المعركة بل عن الذين قتلوا ومن يبيكيهم (لأنهم فيما يبدو لم تعد لديهم دموع للبكاء):

باب علينا من دم مقفل ... ونحن في ظلمائنا نسأل ... من مات؟ من يبكيه؟ من يقتل؟ ... وبعد هذه الفاتحة ذهب في قصيدته مذهبا مختلفا عن الذي سلكه في القصائد الكهفية، فلم يجعل من جميلة " المشبوحة " شمسا إزاء ظلمات الكهف، وإنما صورها بمقارنتها مع الأم العظمى ؟الأرض، في مخاضها الأول:

ترتج قيعان المحيطات من أعماقها ينسح فيها حنين ... والصخر منشد بأعصابه ؟حتى يراها - في انتظار الجنين ... ومن خلال هذه الصورة المستعارة من اديث سيتول وجد أن جميلة تحمل من صنوف العذاب اشد مما حملته الارض في ذلك المخاض الأول، ثم قارن بينها وبين المسيح، فوجدها اكثر عطاء، وأسلمه هذا إلى فكرة الفداء فتحدث عن الفدية التي تقرب للإله كي ينزل المطر، ثم كيف زال عالم الألوهية، فأصبح الثائر ؟مثل جميلة - يقدم

(1/319)

دمه هدية؛ ثم قارن بينها وبين عشتار ربه الخصب فوجدها اكثر من عشتار عطاء، ثم عاد إلى المقارنة بينها وبين المسيح، فوجد أنها تستهين بكل ضروب العذاب من اجل طفل هتف بها:

؟. يا جميلة ... يا أختي النبيلة ... يا أختي القتيلة ... لك الغد الزاهي كما تستهين. ... فتعلو فوق الألم حتى تلحق بمحفل الآلهة. ويحاول ان يربط بين نهاية القصيدة وأولها فيتذكر الشعور بالخزي هؤلاء النائمين في " رحم الدم المظلم " بأنهم كوم من الأعظم، موتى حفاة عراة، ومع ذلك فان الدم في الأوراس إذا روى عروق الناس وعروق الصخور فلا بد يوما ان يثور هؤلاء الناس، ويرتفعوا من قبورهم المظلمة.

وواضح من هذا الإيجاز إنها " خطابية " تعتمد على مقارنة اثر أخرى، وأنها حين استندت إلى فكرة الفداء فقد ضاعت بين المد والجزر المتعاقبين من المفاضلة بين أي الفريقين اكثر عطاء، وقد أضفت عليها المبالغة ؟في تفضيل تضحية جميلة على كل تضحية أخرى - لونا بين التكلف، ذهني الطابع، وقد أبطلت فكرة الفداء فيها خاتمتها، لأن الذي يتصور أن جميلة فدت أمة كاملة ؟وهي مشبوحة - لا يستطيع أن يرسم لتلك الأمة دورا في الكفاح، ولا معنى لان تكون جميلة فدية عن عرب المشرق (وهم ميتون ومكومة من عظام) بل لا معنى للفدية إطلاقاً حين تكون الثورة مباراة شريفة في سبيل الوطن، أي حين يكون الاستشهاد هو الغاية التي لا يتقدم إليها واحد ليفدي الاخرين، بل يتقدم إليها المجاهدون جميعا؛ أرأيت كيف ضل السياب ضلالا بعيدا حين استعار مفهومات غريبة لا يفقه مداها ومدى ما ترمز إليه؟ هذا

(1/320)

عدا عن أن الحديث عن تقديم البشر ضحية من الحيوان للإله الوثني كي يرسل الغيث غير لائق في معرض الحديث عن فتاة مجاهدة تتحمل العذاب صابرة، هذا عدا عن أن الحديث عن عشتاروت ربة الجنس (بنوعيه) غير محمود في سياق الحديث عن فتاة تمجدها القصيدة بعطاء روحي فياض؛ ودع بعد ذلك كله تلك الصدمة التي يحس بها فريق من الناس حين يقرأون قول الشاعر:

تعلين حتى محفل الآلهة ... كالربة الوالهة ... وقوله:

ولترفعي أوراس حتى السماء ... ؟.

حتى نمس الله حتى نثور. ... فان هذه الوثنية التي انتقلت من الرموز إلى التعبير المباشر قد تصبح غصة في كثير من الحلوق التي لا تستسيغ مثل هذا التهاون والاستخفاف. لهذا كله نجد أن قصيدة " إلى جميلة بوحيرد " أسطر مفتعلة ليس فيها إلا مقارنات ذهنية ومبالغات ممجوجة وتعبيرات نابية.

(1/321)

- 27 -

سربروس في بابل

مما تقدم يتبين لنا أن محاولة بدر استئناف ما كان قد استنزفه في الطريقة والرموز يمثل افتعالا نصيبه الإخفاق، ولولا حوادث العراق الدامية التي جعلته يعود بحنق من نوع جديد لممارسة الشعر، لقدرنا أن طريقه المسدود كان يحتم عليه العودة إلى اجترار الذكريات إذا شاء أن يقنع بالقدرة على الاستمرار في قول الشعر. وتمثل القصائد السبع التي تمخض عنها عام 1960 قصائد المرحلة الثانية في هذه الفترة وتلك القصائد هي: 1 - تموز جيكور، 2 - العودة لجيكور، 3 - مرحى غيلان، 4 - رؤيا في عام 1956، 5 - مدينة السندباد، 6 - المبغى، 7 - سربروس في بابل.

وقد كان من عمل الأحداث التي أوحت له بهذه القصائد أن عمق لديه الإحساس بجيكور وحاجته إليها، وأن جعل رموزه السابقة صالحة للاستغلال بعد إذ اعتقد أنه شبع منها. فأما عمق الإحساس بجيكور فقد زاد حين ازدادت الكراهية للمدينة، وأصبح الانفصام بينها وبين الفرد الشاعر كاملا، كانت المدينة من قبل في نظرة عالما قد غادره الإله والروح والفضيلة وسيطر فيه الرب الجديد الذي يسمى نضار، فهل من المعقول أن تتوشح المدينة بالجمال بعد الأحداث التي روعته؟ لهذا عاد

(1/322)

إلى ذلك الإحساس الكامن في نفسه سخطا على المدينة وعاد يتصور أنه فيها أحد اثنين، أما المسيح وأما تموز وأما هما معا. وفي قصيدة " العودة لجيكور " تصور أنه في بغداد، ولذلك هرب منها على " جواد الحلم الأشهب " ليبحث في جيكور عن كوكب:

عن مولد للروح تحت السماء ... عن منبع يروي لهيب الظماء ... عن منزل للسائح المتعب ... ونثر في قصيدة الرموز المسيحية عن المشي على الماء والكوكب الذي رآه المجوس وإكليل الشوك وإكليل الغار والماء الذي استحال خمرا، وجاء رمز " حراء " الذي حاكت العنكبوت خيطا على بابه، رمزا باهتا بين مجموعة تلك الرموز، هذا إلى أنه خطأ من الناحية التاريخية لأن العنكبوت نسجت خيوطها على غار ثور لا على حراء.

وفي قصيدة " تموز جيكور " تصور الشاعر أنه " تموز " وأن الخنزير البري يقتله، فيتدفق دمه، وخيل إليه أن جيكور ستولد من جرحه وتتماوج فيها الغلال والأنعام ولكنه سرعان ما يكشف الحقيقة: إن تموز يعيش مرة بدموع " عشتار " ولكنه ليس لديه أم أو حبيبة ليعود إلى الحياة ولهذا فهو يغيب في ظلام الموت، دون أن ينبت دمه شقائق أو قمحا.

ان السنابل والأزاهير لا تنمو إلا إذا بعث تموز، فكيف تبعث جيكور ويبعث ربيعها الأخضر بينما تموزها ما يزال هامدا في الثرى:

هيهات أينبثق النور ... ودمائي تظلم في الوادي
أيسقسق، فيها عصفور ... ولساني كومة أعواد لا. " لا شيء سوى العدم العدم، والموت هو الموت الباقي " ؟.

(1/323)

لن تولد جيكور ما دام تموزها رهن التراب.

القصيدة ثلاث خطوات: الخطوة الأولى تضمين لأسطورة تموز القديمة وانتحال الشاعر لموقف تموز ؟الخطوة الثانية: ولادة جيكور من جراح تموز القتيل - الخطوة الثالثة: رفض لهذا الميلاد لأن جيكور لا تعيش دون أن يحيا تموزها، وهو لن يحيا حقا، فالموت هو نهاية الاثنين، وبذلك تغيرت أسطورة تموز القديمة لأن البعث غير متيسر.

وليس ما يهمنا في هذه القصيدة بناؤها فانه سهل واضح يعتمد على مقدمتين ونتيجة مناقضة ولكن يهمنا منها دلالتها، فانها تومئ إلى أن مشكلة الموت التي كانت قد جعلت السياب واحدا بين موتى كثيرين في المشرق العربي (في القصائد الكهفية) عادت تقض مضجعه على صعيد فري، وأصبحت عشتاروت املا لا يتحقق، وأتخذ النخل الذي كان يرعاه " يوسوس أسراره " إن ضغط فكرة الموت جعله ينام مطمئنا إلى حضن الأرض غير جازع من مفارقة الحياة:

يا ليل أظل مسيل دمي ... ولتغد ترابا أعراقي ... ومع أن بعث ادونيس (تموز) يحمل في الأسطورة تفاؤلا جميلا ؟عودة الحياة إلى الأرض بعد الجفاف - فأن الشاعر أبى ان يتعلل بما توحيه الأسطورة من رجاء، ورضي بأن يموت هو وجيكور معا. فهذا نوع رابع من الموت هو " الخلاص من الحياة " ، لا بعث ولا تفاؤل، لا بدر ولا جيكور، عاش معا. والسر في الموت ليس هو وحسب ضغط آلام الحياة وعذابها القاسي وإنما عجز عشتار (الحبيبة - الأم) عن ان تكفل البعث المرتقب. وهنا يمكن أن نقف وقفة قصيرة نصحح بها ما راج حول شعر السياب من أخذ لبعضه وترك لبعضه

(1/324)

الآخر: فهناك من يحلو له أن يقول أن السياب أحب المطر لأنه عبر عن هذا الحب في قصيدة أو قصيدتين، ولكن الشاعر كان رهين لحظات نفسية متقلبة، فقد يكون المطر لديه عاملا من عوامل الخصب، وقد يكون طهورا يغسل الخطايا، ثم يكون في موقف ثالث صنوا للدم والدموع. وكذلك يقال في فطرة البعث: فقد كان السياب يؤمن به حين يحس بالتفاؤل، ولكن ها هو في قصيدة " تموز جيكور " ينكر البعث كله، لأنه اختار العدم ؟الراحة الأبدية، لنفسه، وليجيكور، التي كانت ترمز إلى كل ما يحبه على الأرض. ولهذا قد يبدو من التعميم التغليبي قول الأستاذ فؤاد رفقه: " أنه يبشر بالعودة الأزلية وبالصراع مع الزمنية، وهذا البعث لا بد من أن يمطر على بلاده، على حقولها وبيادرها وجذورها " (1) لأن هذا القول يمثل جانبا من الصورة، ولكنه لا يمثل الصورة في جميع جوانبها.

وحين نعيد النظر في القصائد الجيكورية ؟في هذه الفترة - نحس أن جيكور قد أصبحت قطبا محوريا في فهم مزدوجات الحياة: أي الحقيقتين ؟حين يعرضان نفسيهما معا - أحق بالقبول: جيكور أو المدينة (من حيث البقعة المكانية) العودة إلى الطفولة أو المضي في الكفاح، الموت من اجل البعث أو الموت نفسه، الأم أو الزوجة، قيم الروح أو قيم المادة، الماضي أو الحاضر، الإيمان أو الإلحاد، وفي اغلب الأحايين كان الشاعر مع الفريق الأول من هذه القيم، ولكنه كان يحس بانهزامه، إلا مرة واحدة أحس فيها جيكور اتسعت وامتدت حتى شملت كل شيء، وفاضت خضرتها على الوجود كله،

(1) مجلة شعر (1960 عدد الشتاء) ص: 166.

(1/325)

وذلك حين سمع ابنه غيلان يناديه "بابا؟ بابا " (1) ؛ حينئذ أحس كأن عشتار افاضت الازاهير والثمار على العراق كله وأن كلمة " بابا " كأنما تحمل فيها يد المسيح، وأن "تموز" قد عاد بكل سنبلة تعابث كل ريح، وأحس كأن روحه في ترب الظلماء حبة حنطة و صوت أبنه ماء ؟ و تصور نفسه في قرار بويب ميتا، أي حقق العودة إلى ألام، و لكن النهر نفسه كان يهب الحياة لكل أعراق النخيل؛ الموت جميل لآن

الحيات امتدي، الموت لا يذهب بالروح وإنما يحولها إلى قوة سارية في جنبات ألكوي، فا الذي في قاع بويب هو نفسه " بعل " الذي يخطر في الجليل على الماء؟ ولدت جيكور في غيلان و امتدت حتى طغت على المدينة، فإذا أعمدة الشوارع فيها ورق توت، و إذا الشوارع

نفسها انهار تفجر، و قد أصبح صوت النسغ يهمس في الشجر؛ و تذكر المفارقة بين واقع الحال و بين هذا الحلم الذي نقله إليه صوت غيلان - الأرض في الواقع قفص من الدم و ألا ضافر و الحديد، و السيح فيها معلق بين الموت و الحياة، و عشتار فيها دون بعل، و الموت هو الذي يركض في الشوارع معلنا انه المسيح المنتظر، و النار تزعم أنها هي الفرات و الشمس تعول مبتردة، و الآفق ملبد بحسب من جليد؟ البرد يسيطر على كل شيء، و رغم ذلك كله فأن دفئا جديدا قد غمر الشاعر، فجعل الغد يورق في دمائه. و قد ألمحت من قبل إلى ما كان للشاعرة سيتول من أثر في صور هذه القصيدة، و كيفي أن نتأمل هنا انتصار جيكور على المدينة، و الاطمئنان إلى الموت الجميل، و أن نقف عند صورة النقيضين من دفء وبرد

كما رسمها الشاعر، فأنها تتصل بوجود تموز و بعل و المسيح أو عدم

(1) قصيدة "مرحى غيلان" في ديوان أنشودة المطر: 18 وهي على التحقيق من قصائد هذه الفترة، فقد ذكرها السياب في رسائله متصلة بها ونشرت في مجلة المتضامن العراقي، العدد 2 ص16 وتاريخها 17 - 3 - 1960.

(1/326)

وجودهم، فغدغيا بهم يصبح الكون في قبضة الأضداد الذين ينتحلون غير حقيقتهم، حتى ليدعي الموت انه المسيح والسلام و تدعي النار أنها الماء الذي يسقي الورود لتتفتح، والشموع ترش ضريح بعل بالشحوب بدلا من الماء ، والشمس مصدر الدفء تقفقف من البرد، و عشتار مصدر الخصب تصبح رمزا للعقم لآن " بعل " غائب عنها. أن انتصار جيكور كان عودة لبعل وتموز والمسيح، للخصب والدفء والسلام، - كان بعثا للدفء الذي يستطيع ان يطرد قشعريرة الأرض وزمهرير الجو الجليدي، وكان ذلك كله معناه الخلود الذي لا ينقص منه الموت الجميل أي شيء، فخلود الشاعر في ابنه هو خلود بويب في الشجر والسنابل، والشاعر نفسه هو " بويب " فلا ضير عليه أن يرقد في القرار؛ وهكذا تستطيع قصيدة " مرحى غيلان " ان تكون ذات نبض خاص في سياق أسطورة البعث، لأنها تعج بالقوى المحركة والمتحركة (المطر ؟حبة الحنطة ؟الدم ؟ماء النهر ؟النسغ ؟البرعم ؟بعل ؟عشتار ؟المسيح ؟الريح ؟عروق الشجر - ) وتجمع عالم الأصوات والألوان، وأنواع الحركة من انسياب وسباحة وانثيال وخطران ونمو وتنفس وركض، أنها تمثل الحياة أو الفرحة بالحياة أصدق تمثيل، وتحيل الموت إلى حقيقة غير مخيفة، بل ربما جعلته حقيقة جميلة، وتجمع بالإيجاب والسلب بين الدفء والبرد، وتفجر القوى الكامنة في كل جهة مستمدة تلك الثقة من صوت جميل صغير بريء؛ فهي ليست علاقة أب بابنه وإنما هي قصة الانتصار على الموت في لحظة من اللحظات، وهذا الانتصار يحقق كل ما حرمه الشاعر (أو ما حرمه الإنسان الحق كما يراه الشاعر) من انتصار للريف على المدينة، وللحقل على الشارع، وللخضرة على الجفاف، وللدفء على البرد، وللسلام على الدمار، وللخصب على العقم؟. الخ، ولكنه لم يكن انتصارا عن طريق السواعد المناظلة وإنما كان الولادة المتجددة

(1/327)

والتقمص التناسخي.

لكن في القصيدة عيبا كبيرا لم أشر له، وذلك هو التهويل في الاستجابة، فان ذلك الانتصار الكبير لقوى الحياة حين ينطلق من لفظة صغيرة يتراءى وكأنه سكر بمقدار ضئيل من الخمر؛ حقا ان سحر اللفظة كان يفتح عوالم جديدة في ذهن السياب الشاعر وتصوراته، وقد بدأ ذلك واضحا في قصائد مختلفة، بل كانت اللفظة أحياناً هي الينبوع الذي تسترسل منه القصيدة وتستمد وحدتها، ولكن كلمة " بابا " لم تكن ذات أثر عادي وإنما كانت كالصعقة التي تترك من تصيبه منطرحا ساعات، أو كعملية تفجر متلاحقة، مع ان الطاقة المخزونة فيها يجب الأ تحدث الا انفجارا واحدا. وقد رأينا السياب في شدة انفعاله يحشد الصور حشدا متلاحقا ليشبع نزعته المتعطشة إلى التهويل في قصائد مثل "حفار القبور" و"المومس العمياء"، ولكنه هنا لا يهول بحشد الصور، وإنما هول بالتصور، فيرسل خياله ليقتنص " حد الغاية " في نقل شعوره بأثر لفظة " بابا " بدلا من ان يكون طبيعيا أو واقعيا. وسر ذلك يعود إلى أنه في تلك الفترة لم يعد فحسب إلى ظاهرة التهويل التي تتلائم وسرعة حنقه وانفعاله وحدته بل كان محتاجا إليها وهو محنق مغيظ ساخط متبرم متمرر النفس متعطش إلى النيل من خصومه بكل وجه، ولهذا كان يرى أن العراق يعيش عهدا من عهود الرعب، وان تصوير الرعب لا يمكن أن يتم ببساطة أو دون تهويل، فذهب يذيب نفسه تحت مطارق نفسه تحت مطارق الخوف والموت، ليستطيع نقل جو مشحون بالمناظر المخيفة. ولذلك كانت تصوراته تنقل نماذج من التشويه الفظيع:

فالرؤيا " صقر من لهيب ينقض على العينين ويجتث سوادهما ويقطع الأعصاب " (1) ، وللإنسان نفسه صورة يقشعر لها البدن:

(1) انظر ديوان أنشودة المطر (رؤيا في عام 1956): 116 - 127.

(1/328)

عين بلا أجفان ... تمتد من روحي ... شدق بلا أسنان ... ينداح في الريح ... يعوي أنا الإنسان. ... وعشتار على الشجرة:
صلبوها، دقوا مسمارا ... في بيت الميلاد ؟الرحم ... وصورة النهد:
النهد الاعذر فاض ليطعم كل فم ... خبز الألم ... الأقة ؟صاح القصاب - ... من هذا اللحم بفلسين ... وصورة المدينة:
الموت في الشوارع (1) ... والعقم في المزارع ... وكل ما نحبه يموت ... الماء قيدوه في البيوت ... وصورة الخراب العام:
وتجهض النساء في المجازر ... ويرقص اللهيب في البيادر ... ويهلك المسيح قبل العازر ...

(1) من قصيدة " مدينة السندباد " : 153.

(1/329)

وصورة الفارس الخائن لفروسيته:

وجال في الدروب فارس من البشر ... يقتل النساء ... ويصبغ المهود بالدماء ... ويلعن القضاء والقدر. ... ولو ذهبنا نورد الأمثلة من " قصائد الرعب " لضاق المقام، لأن ذلك يعني ان ننقلها ؟أو أكثرها - على هذه الصفحات. ولست أقول ان هذا التهويل يعني كذبا على الحقيقة التاريخية، فليس الواقع التاريخي هو ما أتحدث عنه، وإنما أتحدث عن هذه القصائد من ناحيتها الفنية، وخلاصة ما أريد أن أقرره: أن السياب يتلذذ فنيا ونفسيا بتصوير هذه الصور المفزعة، وانه لو ذهب يتحدث عنها علة نحو آخر أخف إيقاعا واقل حلكة وقتاما، لما رضي عن نفسه. وقد وجد في النواحي السلبية من قصة تموز والمسيح ما يستطيع استغلاله في هذا المقام، ولهذا تحدث هن يهوذا وعن قطع أعراق تموز وعن قرابين الدم التي لا تنبت شقائق، وعن صلب (عشتار ؟حفصة) ودق المسمار في رحمها، وعن اندثار جنائن بابل وعن المقارنة بين قيام لعازر وقيام شخنوب العامل (1) وعن تمزيق سربروس (كلب الجحيم) لسيقان عشتار وهو يركض خلفها في الدروب.

ورغم هذه الويلات التي تتكدس كذنوب الضالين في هذه القصائد فكل قصيدة منها تنتهي بأمل في الغد؛ فقد جاء في نهاية قصيدة " المبغى " :

؟. ولكنني في رنة الأصفاد ...

(1) انظر الحاشية ص: 126 في ديوان أنشودة المطر.

(1/330)

أحسست ماذا؟ صوت ناعوره ... أم صيحة النسغ الذي في الجذور ... وفي نهاية " رؤيا " :

ولفني الظلام في المساء ... فامتصت الدماء ... صحراء نومي تنبت الزهر ... فإنما الدماء ... توائم المطر ... ويختتم قصيدة " سربروس في بابل " بقوله:

سيولد الضياء ... من رحم ينز بالدماء. ... ويشبه ان يكون هذا الأمل تحديا من ناحية، وقانونا من قوانين الواقعية الحديثة من ناحية أخرى، وعادة قد أتقنها السياب في شعره، وإلا فان الظلمات التي تتراكم كثيفة في تلك القصائد تقتل كل أمل، تحت سياط التهويل.

ولست أقف لتحليل كل قصيدة من تلك القصائد على حدة، وإنما اكتفي ببعض تعليقات صغيرة هامشية أحياناً. فالقصيدة التي ظهرت بعنوان " المغنى " (1) في الديوان كل عنوانها قبل ذلك " جيكورالمغنى " ثم غير لفظت جيكور حيثما وردت في القصيدة ووضع موضعها " بغداد " ؛ ويبدو ان السياب كان يخشى السلطة في بغداد حين نشرها، غير انه لو أبقى فظة " جيكور " لكان في ذلك مناقضا لما

(1) انظر ص: 135 من ديوان أنشودة المطر ومجلة شعر (خريف 1960): 56

(1/331)

رسمه من قبل حين اتخذ " جيكور " رمزا للريف الوادع الطيب الموشح بالفضيلة، واذن لنقص أيضا معنى الانتصار الذي سجله في قصيدة " مرحى غيلان " .

وتعد فاتحة قصيدة " رؤيا في عام 1956 " ، أعني قوله:

حطت الرؤيا على عيني صقرا من لهيب ... أنها تنقض، تجتث السواد ... تقطع الأعصاب، تمتص القذى من كل جفن؟ ... تعد هذه الفاتحة محاكاة لصورة بروميثيوس، الذي ارسل زفس لعقابه صقرا ينهش قلبه، والأقرب ان يكون السياب قد قرأ مثل هذه الصورة في قول اديث سيتول (1) :

لم يكن صقرا، وإنما دجاجة دفرة ... التقطت بذور النار من قلب بروميثيوس؟. ... قاتلة النار التي جاء بها لبني البشر ... كما تقتل الشيخوخة الرغبة الفتية ... وتنفرد قصيدة " مدينة السندباد " بخاتمتها لأن الشاعر لا يستشرف فيها غدا مشرقا، وإنما يختمها بما يناسب الجو العام في القصيدة فيقول:

وفي القرى تموت ... عشتار عطشى ليس في جنبيها زهر ... وفي يديها سلة ثمارها حجر ... ترجم كل زوجة به؛ وللنخيل ... في شطها عويل. ...

(1) انظر Collected Poems ص: 391.

(1/332)

ويستوقفنا في هذه الخاتمة أمران: أولهما الجمع بين موت عشتار (أي حلول الجدب والعقم) وبين رجم الزوجات (والرجم يعني الخيانة) فان هذا كلام غير ملتئم، ولهذا كان أن نفهم الرجم هنا بمعنى الضرب غير المعلق بحد من الحدود. والثاني قوله بعد ذكر الزوجة: " وللنخيل في شطها عويل"، فان إسراعه إلى ذكر النخلة (رمز الأم) في شعره يدل على ان العقل الباطن لديه لم يستطع أن يقف مرتاحا عند ذكر " الزوجة " وحدها.

وحين كان الشاعر يستسلم في بعض تلك القصائد إلى التطويل، فانه لم يكن يهتم بالتمايز بين مراحل القصيدة بمقدار اهتمامه بتكديس الصور المفزعة. ولهذا يمكن إن يقال ؟في شيء من التعتيم - ان الحرص على البناء الفني المحكم كان اقل مرتبة من الحرص الذي بذله في القصائد الكهفيات وما عاصرها من قصائد وما قبل عهد الرعب.

ولا ريب في ان الذين يظنون إن " البعث " قاعدة ثابتة في شعر السياب وأن " المطر " رمز للحياة والخصب عنده قد يهمهم أن يقرأوا قصيدة " مدينة السندباد " من بين تلك القصائد علة وجه الخصوص، ففيها الشاعر بالندامة على إلحاحه في استسقاء المطر:

تبارك الإله واهب الدم المطر ... وفيها إنكار للبعث جملة:

نود لو ننام من جديد ... نود لو نموت من جديد ... ؟.
نود لو سعى بنا الطريق ... إلى الوراء حيث بدؤه البعيد ... من أيقظ العازر من رقاده الطويل؟ ...

(1/333)

ليعرف الصباح والأصيل ... والصيف والشتاء ... لكي يجوع أو يحس جمرة الصدى ... ومن اللافت للنظر في هذه القصيدة نفسها أن السياب عاد فيها إلى رمزه القديم المحبب " قابيل " :

الموت في البيوت يولد ... يولد قابيل لكي ينتزع الحياه ... من رجم الأرض ومن منابع المياه ... فيظلم الغد ... وقد كان " قابيل " من اشد الرموز ملاءمة لموضوعه في هذه القصائد، ولكنه استبعده ؟إلا قليلا - وآثر عليه رموز تموز وعشتار والمسيح ويهوذا ولعازر وسربروس.

لنقل أذن أن السياب لم يعد إلى جيكور بل مد عهد الرعب من تاريخ صلته بالمدينة، إلا أنها كانت صلة كراهية وبغض متزايد؛ وإذا كان لقصائد السياب في عهد الرعب من ميزة فهي انها جعلته يطيل الوقوف إزاء قضية (أو على الأصح ضد قضية) ويحس انه مسئول أمام نفسه ووطنه عن تصحيح وضع يعتقد انه خطأ. ولكن توتر الأعصاب في سبيل قضية ما على نحو محموم كان يعني أنها سترتخي طالبة الراحة مما اعتراها من إرهاق؛ وسرعان ما اصبح السياب يحلم بالتخلص من المدينة وبالعودة إلى مرابع الطفولة، كان جسمه متعبا، وكان الموضوع الشعري قد استنزف طاقته الفنية وجعلها أيضاً مرهقة؛ وكذلك كان، فقد عاد إلى منطقة يسهل علبه ان يذهب منها لزيارة جيكور كل يوم، ذلك حاله في الواقع، أما في الفن، فانه يوم وقف يعلن انه قد غدا متخما من الالتزام، فإنما كان يتحدث ؟ بصراحته

(1/334)

الساذجة المعهودة ؟ عن فترة الإرهاق الذي أصابه في عهد الرعب، وعن فقدانه للموضوع الذي يستطيع به أن يجعل من الالتزام حقيقة متجددة. وفي السنوات التالية لم يبق من قضية أدبية تشغل باله سوى قضية الالتزام، ولكن أي شيء يكون حجمها إلى جانب قضية المرض المتدرج نحو الموت؟

(1/335)

فراغ

(1/336)

عولس يكتب مذكراته

(1/337)

فراغ

(1/338)

- 28 -

عولس ينتظر المعجزة

حين عاد السياب إلى البصرة عمل موظفا في مديرية الموانئ العامة بالمعقل (1) ، ويقول الأستاذ العبطة انه توظف محررا في مجلة حكومية بالبصرة (2) وهما وظيفتان متلازمتان أو وظيفة واحدة، إذ كان تحرير المجلة في مديرية الموانئ ابرز مهماته.

ولكن كيف يفر السياب من بغداد؟ وهل تصفح عنه هذه المدينة التي سماها من قبل "المبغى"؟ أنها تطارده حيثما اتجه لترده إليها لا ضنا به وإنما إمعانا في تعذيبه. لقد تقرر أن يعقد وزراء خارجية الدول العربية مؤتمرا لهم ووقع اختيارهم على بغداد لتكون مركزا لذلك المؤتمر، واستقبل بعضهم بالمظاهرات الصاخبة ؟وبعضها للحفاوة والترحيب - وتمت اجتماعات الوزراء بين 31 كانون الثاني (يناير) و5 شباط (فبراير) من عام 1961، ولكن الشرطة في بغداد لم تكن راضية عن تلك المواكب، ولهذا عمدت إلى اعتقال من قدرت انهم دبروها، وللشرطة تقدير لا يخطى فكل من دون اسمه في سجلاتها (وان

(1) انظر العبطة: 76 وهذا عنوان رسائله إلى سيمون جارجي (عام 1962).
(2) العبطة: 16 وانظر حوار العدد: 15 (ص: 128).

(1/339)

غاب أو مات) محرض يتحتم اعتقاله. كذلك الحال قبل الثورة، يقول كاراكتاكوس: " وكانت إحدى الأرامل التي توفي ولدها تتلقى مثل هذه الزيارات من رجال الشرطة بعد كل مظاهرة بحثا عن ولدها المشبوه " (1) ، وكذلك كانت الحال بعد الثورة، " وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا " ؟فان الشرطة لم تقرأ مقالات بدر في التنصل من اشيوعية، ولا يهمها أن تقرأ ما دام اسمه في " كتاب مبين " . ثم لا يهمها أيضاً أن يكون في بغداد أو بعيدا عنها. بل هو في بغداد رغما عنه، وان ادعى انه هاجر منذ أسابيع إلى البصرة.

وسيق الرجل الذي حرق جميع سفنه الحمراء وهو ينادي "يا أعداء الشيوعية اتحدوا "، ونقل في قطار بضائع في شتاء العراق القارس القاسي إلى بغداد، وزج به في السجن مع الرفاق الشيوعيين. أية سخرية تراءت لبدر الساخر الفكه في تلك اللحظة؟ لا أحد يدري، ولكن المناكفات والتعبيرات ونكأ الحزازات تركته م لقى على ارض السجن أو حطاما، فاضطرت دائرة الامن إلى نقله من بين الرفاق ووضعه مع البعثيين، ولا ريب في انه كان أقرب إليهم ميولا وروحا حتى قيل انه بعد خروجه من الحزب الشيوعي تحول بعثيا. ويقول الثقة الذي روى هذه القصة (وأنا اكتم اسمه متعمدا) ؟وتلك قصة لم يشر إليها بدر بصراحة - أن البعثيين الذين دخل السجن معهم كانوا يقضون ليلهم وهم يداوون جراحهم وحروقهم لشدة ما يلقون من صنوف التعذيب حتى بلغ الأمر بأحدهم وقد تشوهت خلقته أن لف نفسه ببطانية واحرق نفسه على مرأى من السياب. وفزع الشاعر ذو الحس المرهف للموت يراه عيانا على بعد خطوة، فانهارت نفسه، وخرج من السجن معتلا، يظن ان سر الوهن في جسمه النحيل، لأنه

(1) ثورة العراق: 54.

(1/340)

لا يقوى على تحمل الآلام، ولكن الوهن في الواقع كان صدمة نفسية عميقة تزلزلت لها أركان جسمه، وكانت بداية النهاية في تلك الرحلة.

تلك رواية ترجح في نظري على ما حكاه الأستاذ علي السبتي، فقد ذهب إلى أن بداية الانحدار في صحة السياب إنما جاءت اثر مروره على مقهى يجلس فيه بعض أصحابه القدامى من الشيوعيين، فلما حياهم لم يردوا التحية بمثلها وإنما لاذوا بالصمت عامدين فأحس بجرح عميق وكآبة غالبة، وطوى النفس على ألم ومرارة، وفي صباح اليوم التالي حاول الوقوف على قدميه فلم تسعفه قوته.

وأكبر الظن أن هذه الرواية تحوير لما رواه هو عن نفسه في مقالاته التي هاجم الشيوعيين، فقد قال: " بالأمس كنت أسير في شارع أبي نواس مساء حين صادفني رفيقان من الرفاق الشرفاء جدا وقد عرفاني، قال أحدهما وهو يخاطب زميله بصوت عال يقصد منه اسماعي: " صاير قومي؟ انعل أبوك؟ " (1) على أنا لو مزجنا بين رواية الأستاذ السبتي وهذه الرواية لم يكن ثمة تناقض، ولكن ليس من المعقول ان يستكثر السياب تنكر رفاق الأمس له بعد تلك المقالات، وليس من الطبيعي ان تنجرح أحاسيسه من قوم لم يترك في اديمهم موضعا لسهم جديد.

ذلك الانهيار المبكر هو الذي يفسر لنا قول السياب في احدى قصائد ذلك العام (2) :

منطرحا أصيح أنهش الحجار ... أريد أن أموت يا اله! ... فمع أن الموت أصبح هو " المنقذ " في نظره قبل هذه الفترة إلا أن

(1) الحرية، العدد: 1471.
(2) المعبد الغريق: 29 وتاريخ القصيدة 26 - 8 - 1961.

(1/341)

هذه النغمة في استدعاء الموت الوحي موصولة بشعوره العام بالانهيار النفسي بعد إحساسه ببوادر الضعف الجسماني.

ولكن ان كانت مقالات السياب ضد الشيوعية غير كافية في إثبات "براءة الذمة" في نظر الشرطة العراقية، فان أقل منها بكثير كان يكفي لإدراج اسمه في فئة جديدة، لا ضير في ان تسمى فئة المقاومين للشيوعية، فقد أعلن هو نفسه انه عقد العزم على محاربتها حتى الرمق الأخير، ولهذا الإعلان قيمته وخطره، خصوصا حين يصدر عن شاعر لمع اسمه عنوانا على اتجاه حديث في الشعر، ولهذا دعي إلى مؤتمر يتناول الحديث في الأدب العربي المعاصر ويعقد في رومة (بتاريخ 16 - 20 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1961) ليكون أحد المحاضرين فيه حول موضوع "الالتزام واللا التزام في الأدب العربي الحديث " .

وسافر السياب إلى ذلك المؤتمر فمر ببيروت، ومنها أقلته الطائرة إلى رومة في صحبة صديقه أدونيس والأستاذ خليل رامز سركيس، وفي رومة نفسها التقى بعدد من أدباء العالم العربي شرقيه وغربيه وبعدد آخر من الأدباء الغربيين والمستشرقين، وجدد بدر العهد بلقاء صديقيه: الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي والأديب جبرا إبراهيم جبرا، وتعرف إلى محيي الدين محمد ونشأت بينهما أسباب صداقة متينة (1) ، ولم يكن من المصادفة المحض ان يجتمع في مؤتمر واحد الشاعر ستيفن سبندر والروائي ايناسيو سيلونه وبدر شاكر السياب، وهم الذين تربطهم معا رابطة الثورة على النظام الشيوعي بعد انتماء، فقد حرصت منظمة حرية الثقافة ان يكون هذا الجانب ممثلا في ذلك المؤتمر، وهو

(1) شاهد بدر رغم ضعفه الجسماني - بعض معالم روما كالكوليزيوم والبلاتين وزار الفاتيكان وتجول في بعض الأحياء والمتاجر (أضواء 42، 46).

(1/342)

جانب هام في نظرها؛ أما عن صلة العضوين الأجنبيين بالأدب العربي المعاصر وصلة أناس آخرين غيرهما من عرب وغير عرب بهذا الموضوع نفسه فأمر خارج عن مجال هذه الدراسة، وكذلك يقال في مناقشة كثير من الآراء الخاطئة والآراء الظالمة (أعني الخاطئة عن سبق إصرار وتعمد) التي قيلت في الأدب العربي وفي الحضارة العربية.

إنما الحديث هنا عن السياب، وكان المحاضر السابع (أي الأخير) في ذلك المؤتمر، وكانت محاضرته ذات شقين أحدهما كلمة موجزة ؟كالتي يقرأها الطلاب في كتب تاريخ الأدب للمدارس الثانوية؟ عن تطور الأدب العربي، والثاني الالتزام في الأدب الحديث وصلته بالشيوعية. ومما يثير الدهشة في هذا القسم من المحاضرة تردد بدر بين القضية العامة والأمثلة الساخرة الفردية التي لا تدل إلا على محاولة ادرج السخرية في غير موضعها. ومهما يكن من شيء، فان هذا القسم الثاني وهو موضوع المحاضرة يدور على فكرة محددة وهي أن الالتزام في الأدب العربي المعاصر يتجه في ثلاث وجهات: الالتزام كما يفهمه الشيوعيون، والالتزام القومي الحزبي وهو من نوع الأول ولا يختلف عنه إلا في بعض الألفاظ التي يرددها كل من الفريقين تبعا لاختلاف الشعارين، والالتزام الحق وهو مذهب الشعراء الذين بجأوا إلى الرموز يعبرون بواسطتها عن تذمرهم من أوضاع بلادهم السياسية والاجتماعية على السواء: " وتعرضت هذه الفئة من الشعراء الملتزمين التزاما حقا إلى هجوم من اليمين واليسار على السواء فهي في نظر اليسار فئة تخدم مصالح البرجوازية والإمبريالية ولا تفكر بالجماهيلار، وهي في نظر اليمين المتطرف فئة تحاول تحطيم الشعر العربي بالخروج هن أوزانه وطرائق نظمه المتوارثة مدفوعة إلى ذلك بدوافع شتى أعظمها ما يغدقه عليها الاستعمار من مال؟. (1) . ولم

(1) الأدب العربي المعاصر: 250 وأضواء: 123.

(1/343)

ينس بدر في هذه المحاضرة أن يقتبس رأي ستيفن سبندر في الواقعية، وأن يشيد بالشعراء التموزيين الذين أصيبوا بخيبة أمل فأقلعوا عن الالتزام (ترى متى كانوا ملتزمين؟) وانصرفوا إلى المشاكل الذاتية والشخصية بل وحتى (إلى) افتعالها: " ورأى ذلك في نفسي أنا شخصيا فكأنني أتخمت من الالتزام فأنا اتفلت منه؛ ولا أغالي إذا قلت ان نهاية الالتزام الحق في الشعر العربي المعاصر ستكون حين ينتهي هؤلاء الشعراء منه " (1) . ومن هنا نرى أن السياب سلك نفسه في عصبة من الشعراء أطلق عليهم اسم التموزيين، ولا ادري حظ هذه الكلمة من الصواب ولكنها ليست من ابتكاره. إلا أن صراحته بقوله:انه أتخم من الالتزام فهو يحاول أن يتفلت منه، ذات دلالة عميقة على الاتجاه الذي سار فيه قبيل مؤتمر رومة ومن بعده، ولا يعادلها صراحة إلا إيماؤه ؟على طريقته العفوية الساذجة - إلى الذين يتهمون بان المستعمر يغدق الأموال عليهم لكي يحطموا صلتهم بالتراث العربي وطرائقه في الشعر.

ومع ذلك فان الفنان في السياب كان أقوى من المفكر، إذ بينما كان المفكر يعلن عن تخمته من الالتزام وعن اقتراب النهاية للالتزام الحق، كان الفنان يقول وهو يحس بألم الغربة في رومة (2) :

من جوع صعارك يا وطني أشبعت الغرب وغربانه ... صحراء من الدم تعوي، ترجف مقروره ... ومرابط خيل مهجوره ... ومنازل تلهث، أوارها ... ومقابر ينتشج موتاها. ...

(1) الأدب العربي المعاصر: 251 وأضواء : 124.
(2) المعبد الغريق: 56 وتريخ القصيدة 19 - 10 - 1961.

(1/344)

ولكن هذه اللفتة الحزينة كانت قد أخذت تصبح كالنغم الضائع بين صراخ اللهفة اللاهفة إلى الجسد البعيد، وحين كان السياب في بيروت عائدا من المؤتمر (26 - 10 - 1961) كان لهاث الشهوة يحجب عن سمعه كل صوت آخر (1) :

تمزق جسمك العاري ... تمزق تحت سقف الليل نهدك بين أظفاري ... تمزق كل شيء من لهيبي غير استار ... تحجب فيك ما أهواه؟. ... فخف عائدا إلى البصرة وجيكور، إلى التراب الذي لا يحس بالراحة في سواه. ولكن لا راحة مع المرض ؟ذلك الباب الواسع الشارع على عالم الأموات:

أهكذا السنون تذهب ... أهكذا الحياة تنضب ... أحس أنني أذوب، أتعب ... أموت كالشجر (2) ... كانت حالته الصحية قد ساءت، وقد شهد مؤتمر رومة وهو كما وصفه أحد المدعوين إلى ذلك المؤتمر " جلد على عظام؟ يمشي متأرجحا بخطوات يجرها على الأرض جرا ثقيلا يتعثر معه بقدميه فيكاد يسقط على الأرض مع كل خطوة " (3).

وتلقته بيروت مرة أخرى بصحبة زوجته إلا انه في هذه المرة كان يمشي بعكازتين، ومنذ تلك اللحظات بدأ صراع بدر مع الموت الحقيقي

(1) المعبد الغريق: 146.
(2) المعبد الغريق: 52.
(3) أضواء: 46.

(1/345)

- لا الموت المتخيل ولا الآخر المرتجى - وطال به التردد بين التشبث الطبيعي بالحياة حينا وبين معانقة الموت أملأ في الخلاص من الآلم الجسدية. وسد عليه الإحساس بالموت أقطار الوجود فلم يعد يرى شيئا سواه، وإذا لاح شيء رآه في مرآة الموت أو من خلاله ؟وفي مثل هذه الحال يتلاشى الالتزام تلقائيا، ويصبح اللوم على كثرة التقلب والتردد واللحظات الخائرة، نوعا من ترف الأصحاء الذين لا يستطيعون ان يدركوا حقيقة الموت في نضارة العافية.

في بيروت دخل مستشفى بولس، ثم اسلم نفسه الى طبيبة ألمانية مختصة بالأعصاب وحتى (19 - 6 - 62) كان يعتقد انه لمس بعض التحسن على يدها (1) ، ولكن هذا التحسن كان ضربا من التفاؤل، ولهذا كتب من بعد يقول: " أما أنا فقد ذهبت ضحية للأطباء اللبنانيين الذين كسروا ظهري فأصبحت عاجزا عن المشي دون عصا؛ وحتى مع العصا فان مشيي بطيء مضطرب؛ أهذا هو شبابي؟ (2) " وحين لقيه الأستاذ عيسى الناعوري ببيروت حدثه ان بيروت ومستشفياتها لم تستطع أن تمنحه غير اليأس من الشفاء (3).

وكانت المشكلة الكبرى هي الناحية المادية، وقد قدر أن الإقامة في بيروت تكلفه يوميا (---) ليرة أجرة فندق وممرضة وثمن أدوية..الخ ولم تكن النقود التي أخذها من ناشري كتبه لتسد ما يحتاج إليه، ولهذا كان لا بد من مصدر للأنفاق على علاجه، دع عنك الإنفاق على عائلته في العراق. وكتب إليه الأستاذ سيمون جارجي يخبره بأن منظمة حرية الثقافة تتبرع بتكاليف العلاج إذا هو حضر إلى لندن، فرد قائلا: " كيف

(1) أضواء: 131 (من رسالة إلى سيمون جارجي).
(2) أضواء: 132 (من رسالة غير مؤرخة إلى سيمون جارجي).
(3) أضواء: 46 وانظر ما كتبه الأستاذ خالد علي مصطفى مصورا حاله اثر عودته من بيروت (ملف مجلة الإذاعة: 27).

(1/346)

السبيل إلى قبول عرضهم السخي وأنا منذ حوالي الشهر لست قادرا على المشي بل ولا حتى على الوقوف؟ ثم أنني موظف حكومي وإجازاتي محدودة، ولم يبق لي من حق في إجازة اكثر من شهرين: شهر يمضي حتى أستطيع المشي وشهر أقضيه في الراحة: في لبنان إذا حصل المال وإلا ففي قيظ العراق؟ وما دمتم قد تبرعتم لعلاجي فلتكن مساعدتكم لي وأنا في لبنان. قدروا المبلغ الذي أصرفه في لندن ثم حولوه لي هنا " (1).

وأرسل أصدقاؤه من الأدباء ببيروت برقية إلى السيد عبد الكريم قاسم يوجهون فيها نظرة إلى ما يعانيه شاعر عراقي مرموق، ويطلبون إليه أن تقوم الدولة العراقية بالإنفاق على علاجه، وكان وزير الصحة آنذاك وهو السيد عبد اللطيف الشواف صديقا للسياب منذ فترة بعيدة، ولهذا تولى اقناع رئيس الوزراء بالأمر، ويقول الدكتور عبد الله السياب: أن عبد الكريم قاسم رفض تقديم العون له لأن بعض مقالات بدر كانت قد خلقت له بعض المتاعب (2)، غير أن وزير الصحة لم ييأس، وتابع السعي حتى استطاع إقناع الزعيم بصرف معونة للشاعر، فصدر الأمر إلى الملحق العسكري في بيروت (الزعيم غانم إسماعيل) والى العقيد محسن الرفيعي مدير الاستخبارات العسكرية بأن يقدما للسياب مبلغا معينا وباقة من الزهر باسم رئيس الوزراء.

وهنا مسألة لا بد من أن نجلو غامضها في سبيل الحقيقة التاريخية،

(1) أضواء: 131.
(2) يقول مصطفى أن أخاه فصل من وظيفته بمديرية الأموال المتوردة لأنه نظم قصيدة في عبد الكريم قاسم صور فيها شخصا يهدي إلى آخر قميصا مسموما (أي أن نوري السعيد أهدى ثيابه إلى عبد الكريم قاسم) وانه كان ينبز عبد الكريم بلقب "أبي اللقالق" ، ولعل المقالات التي يشير إليها الدكتور عبد الله هي تلك التي هاجم فيها الشيوعيين.

(1/347)

فان هذه الهبة من رئيس الوزراء قد ارتبطت في الأذهان بمدح الشاعر له، وقيل في الشاعر من اجلها انه رجل متقلب سياسيا، وبخاصة وأنه هجا عبد الكريم قاسم يوم مصرعه. ويقول الأستاذ ناجي علوش في مقدمة ديوان إقبال " أما قصة هذا المدح فهي أن بدرا حين لم يجد معينا له في محنته طرق أبواب المسئولين في العراق ليساعدوه، فما كان منهم إلا أن ساوموه على قصيدة يمدح بها الزعيم مقابل المساعدة المرجوة، وفعل بدر ما طلبوا فحصل على مبلغ ضئيل من المال " (1) ؛ ويحتاج هذا القول إلى تصحيح في موضعين: أولهما أن بدر لم يطرق أبواب المسئولين في العراق، وقد حكيت قصة البرقية ودور وزير الصحة في هذا الصدد، والثاني أن العلاقة بين تلك المساعدة والمدح لم تكن "امدح وخذ" وإنما كانت ضربا من التخجيل، فقد دفع الرجلان المكلفان بالأمر ما قرره عبد الكريم قاسم، وفيما كانا في زيارة السياب في المستشفى قالا له بلهجة عتاب: "ألا تمدح رجلا أحسن إليك"، وأحس بدر بالحرج ؟بعد أن قبض الهبة المالية وهو في حاجة ماسة إليها - فكتب تلك المدحة؛ تلك هي رواية الدكتور عبد الله السياب، وأراها مقبولة من شتى النواحي؛ ولما انتقل بدر إلى لندن للعلاج كرر صديقه وزير الصحة سعيه لدى قاسم واستخرج له مساعدة أخرى؛ والسؤال الذي ي جد ر قرنه في هذا المجال هو: ما مدى المثالية التي نريد أن يتحلى بها شخص على حافة القبر وهو لا يجد عونا من لائميه أنفسهم؟ أن "الاستشهاد" حقيقة لا يمكن أن تتطلبها من الآخرين ونحن نحجم عن تقديم ما هو دونها بكثير. وان من يطالب بدرا بذلك فهو أحد رجلين: أما امرؤ يرى فيه تميزا حقيقيا بنهاية بطولية، وأما امرؤ يختبئ وراء المثل الأعلى ليداوي ما يحس به من عجز وتقصير.

(1) ديوان إقبال: 15 - 16.

(1/348)

وربما اربت المدة التي قضاها السياب في بيروت على ثلاثة اشهر، وقد أكد كثير ممن رأوه حال ة التداعي والضعف البالغ والإعياء والاضمحلال الذي يبلغ حد التلاشي؛ قال الأستاذ أميل يوسف عواد: " ذات يوم من سنة 1962 دعاني صديقي الدكتور جميل جبر ممثل المنظمة العالمية لحرية الثقافة إلى حفلة كوكتيل تقام في مكاتب هذه المنظمة في بيروت؛ وفي هذه الحفلة تعرفت على بدر شاكر السياب الشاعر العراقي وكانت هي المرة الأولى التي شاهدته فيها، ولن أنسى تلك اللحظة التي أطل بها بدر علي، فقد تمثلت أمامي مآسي الإنسانية كلها: الفقر والمرض، الظلم والحرمان، الاستعباد والاضظهاد، ذلك لانني رأيت بدرا ينوء تحت حمل ثقيل منها، ووجدته كتلة هزيلة من الجلد الأسمر الباهت والعظام المنهارة؟ " (1) وقال الأستاذ أنسي الحاج: "كان ينقل ويحمل ويقذف كالمربوط بالجنزير، كالملفوف بالأقماط، يض ربه الهواء من ظهره فيدفعه إلى الأمام، وحين تكون الضربة ضعيفة لا تمشي قدماه فيقف ويظل واقفا حتى تأتي ضربة الهواء أقوى؟. كنت أمشي معه مرة في بيروت، ساحة رياض الصلح. خجلت أن أعطيه ذراعي فاستعمل الحيطان؛ لم يكن يمشي، كان يستسلم للفراغ فيشيله؟. وكان لا ينقط ع عن الحكي الضائع، ليس هذيانا ولكنه إغماء على الكلام؟. وكان لا ينقطع عن إبداء الود والتعبير عن العواطف الجياشة وارتجال الشعر واستذكار الشعر ولوم الشعراء وفلش حرقة قلبه على أصدقائه الشيوعيين الذين رافقهم مدة ثم تخلى عنهم وكأني به وهو يبدي حرقة قلبه عليهم، يخفي حرقة قلبه من نفسه وعلى نفسه لأنه تخلى عنهم تاركا ما كان يؤمن به إلى ما لا حاجة للأيمان به " (2).

وأحس بدر في بعض لحظاته في بيروت أن النهاية وشيكة فكتب

(1) أضواء: 43.
(2) ضواء: 34 - 35.

(1/349)

وصيته (1) :

إقبال يا زوجتي الحبيبة ... لا تعذليني ما المنايا بيدي ... ولست ؟لو نجوت - بالمخلد ... كوني لغيلان رضى وطيبه ... كوني له أباً وأما وارحمي نحيبه ... وعلميه أن يديل القلب لليتيم والفقير ... وعلميه؟.. ... ورغم انه يغضب الكلمات، فتبقى الوصية مبتورة، كأن يستسلم أحيانا لجواذب الدنيا لان مادة الحياة فيه لم تمت؛ ومن المفارقات غير العجيبة أنه كان ما يزال يؤمن بقدرته على الحب، وبقدرته على أن يكون هدف حب، وذلك تشبث بالحياة بكلتا اليدين، ولولا قسوة التعبير لقلنا انه كان في حاجة إلى كل كلمة تنضح " بالحنو " ليحس انه ما يزال يتنفس هواء هذه الأرض، وهو يتحدث عن هوى في بيروت كاد يحقق المعجزة ويشفيه من دائه: " وكان ذلك الحب هو الذي شفاني لا أدوية الدكتورة؟. الألمانية الحقيرة، شفاني حبها كما شفى الشاعر روبرت براوننغ الشاعرة الإنكليزية من الكساح بعد أن ظلت تعانيه لمدة عشرين عاما؛ لم تدم فترة لقائنا سوى عشرين يوما أو أقل. ثم ساقتني زوجي كما يسوق الراعي الغنم أمامه إلى سلم الطائرة ثم العراق، فيا لي من تعيس بزواج وبلقاء قصير كهذا وبداء خبيث كهذا " (2) ، ولا ريب في أنه كان يبحث عن المعجزة، وسيبحث عنها فيما بقي من ايام، كلما أعياه أن يجد في الطب طريقا للشفاء.

(1) المعبد الغريق: 161.
(2) من رسالة إلى أدونيس بتاريخ 17/9/1964.

(1/350)

وازدادت حاله سوءا بعد عودته إلى العراق: "ما زالت صحتي متردية، سقطت أخيرا فانفطر العظم في رجلي وانفسخت في موضعين، ورغم العلاج الطويل ما زالت رجلي غير جيدة، وما زلت عاجزا عن السير إلا بمعونة العصا؛ لكنني لست يائسا ولا متشائما. ما زلت في الحياة أشياء جميلة كثيرة: الشعر والقصص واستذكار حوادث من الماضي ودفء الصداقة " (1) . ويضيف في الرسالة نفسها: "لم أكتب شيئا منذ مجيئي من بيروت إلا قصيدة شكر لزعيمنا وسأنشرها في إحدى الصحف العراقية قريبا " .

وعاد الأستاذ سيمون جارجي ممثل المنطقة العالمية لحرية الثقافة يقدم له شيئا من العون، وكان هذه المرة في صورة " زمالة " Fellowship دراسية بانكلترة حيث يدرس ويعرض نفسه على أطباء متخصصين، ووعده بان تنفق المنظمة أيضاً على معالجته (2) ، وكتب بدر يستأذن الحكومة العراقية في ذلك فوافقت، وكتب إلى الأستاذ جارجي يقول: " أنا في انتظار بطاقة السفر بالطائرة التي ترسلونها ومصاريف الشهر الأول إذا تفضلتهم؛ انها فرصتي الوحيدة في الحياة، فأما أن أعود من لندن معافى أمشي كما يمشي بقية الناس وإما الشقاء الذي لا بد أن يؤدي إلى الانتحار، فالموت خير من حياة الكسيح؟. أما زلتم عند وعدكم بتحمل تكاليف معالجتي في لندن؟ نعم فليس من عادة المنطقة العالمية لحرية الثقافي أن تنكث بوعدها أو ان تسحب هباتها " (3) . وعرج على بغداد قبل سفره، وزار صديقه جبرا في منزله؛ قال جبرا: " غير

(1) من رسالة إلى أدونيس بتاريخ 13/10/1962.
(2) يقول الأستاذ جبرا إبراهيم انه هو الذي سعى له في هذه الزمالة مع بعض الأصدقاء، ليدرس باكسفورد ويتفرع لكتابة مذكراته، غير أن مرضه أخره عن السفر في الوقت المقرر للدراسة فقبل في جامعة ضرم (درم - Durham) في شمالي انجلتره (حوار ص 128 العدد: 15).
(3) أضواء: 132 (من رسالة غير مؤرخة).

(1/351)

انه في دارنا ؟وكان اليوم مشرقا جميلا - كان مرحا كثير الكلام كعادته، وبعد الغداء تجولنا في سيارتي في مدينة المنصور. لقد انتابني خاطر مظلم: رحت أتجول في الطريق الجديدة في المنصور، وشعرت كأنه يودع كل ما يراه من تراب وسماء وحجر، لم يرد أن ينتهي التجوال بنا، وكنا كدأبنا نتحدث عن الشعر، عن الشعراء، عن الحياة، عن المستقبل، عن السخط على السياسة " (1) .

وطار بدر إلى لندن (أواخر عام 1962) ووضع تحت إشراف أخصائي الأعصاب الدكتور ت.ه. ادواردز، وأدخل مستشفى سانت ماري بلندن، وأجريت له التجارب التي أمر بها الطبيب، وأعطى في عموده الفقري إبرة لتلوين النخاع الشوكي، وقرر الطبيب ان لديه اضطرابا عصبيا في المنطقة القطنية من العمود الفقري هو الذي سبب له الشلل في ظهره وساقيه، ولعله صرح بأن داءه مما لم يهتد الطب فيه إلى علاج بعد، ولا يستطيع بدقة تعيين أسبابه. وفي لندن ودرم فقد بدر من يستمع إليه وهو يبث هذيانه وهواجسه، فتحولت تلك الهواجس الهلاسية كلها إلى شعر، حتى أنه في مدى ستة وأربعين يوما نظم ما يقارب أربعين قصيدة، أكثرها في تهوين الموت على نفسه وهو يستمع إلى صوت أمه تناديه، وفي الحديث عن الأمنية الأخيرة وحال الاحتضار وعبور البرزخ نحو الموت، ويقظات من الشهوة الملتهبة وأمل خافت بالشفاء وطرح العصا والعدو إلى الزوجة والأطفال والإحساس بجمال الوهم (2) :

هرم المغني فاسمعوه برغم ذلك تسعدوه ... ولتوهموه بأن من أبد، شباب من لحون ...

(1) حوار، العدد 15 (ص:28).
(2) منزل الاقنان: 131.

(1/352)

وهوى ترقرق مقلتاه له وينضح منه فوه. ... في هذه الشئون كلها تندفع كلماته كأنها قطرات دم تتساقط متتابعة من جرح فاغر. وفي لحظات كادت المعجزة تحقق ما عجز عنه العلم، لقد قتل قاسم (1) :

هرع الطبيب إلي ؟آه لعله عرف الدواء ... للداء في جسمي فجاء ... هرع الطبيب إلي وهو يقول: ماذا في العراق؟ ... الجيش ثار ومات قاسم؟ أي بشرى بالشفاء ... ولكدت من فرحي أقوم، أسير، أعدو، دون داء. ... ولكن المعجزة لم تتحقق، وسافر إلى باريس، فقضى فيها أياما تحت عناية الأستاذ جارحي الذي قدم له كل مساعدة ممكنة، فعرضه على طبيب أعصاب فرنسي، فكان ما قاله في تشخيص مرضه موافقا لما قاله الطبيب الإنكليزي، وطاف به في باريس بسيارته وأراه معالمها الكبرى، وفي الفندق الذي أقام فيه تعرف إلى الكاتبة البلجيكية " لوك نوران " وقرأ لها شيئا من قصائده، وحدثها عن سحر الطبيعة في جنوب العراق، وكانت الكاتبة تواسيه كل يوم بهدية من القرنفل، ومن اجلها كتب قصيدته " ليلة في باريس " :

لم يبق منك سوى عبير ... يبكي وغير صدى الوداع " إلى اللقاء " ... وتركت لي شفقا جمعها إناء. ... وظل قلبه لهذا الحنان إلي غمرته به حتى سماها في بعض رسائله: " شاعرتي، صديقتي، اميرة خيالي وشعري " (2) . وقد

(1) منزل الاقنان: 137.
(2) أضواء: 133.

(1/353)

صاحبه في رحلته هذه بين لندن وباريس صديقه مؤيد العبد الواحد، فكانت مرافقته له تخفف عنه آلام الوحدة، وتدخل التسلية على نفسه بقراءة أشعاره لذلك الصديق، ومرة أخذ يقرأ له " أنشودة المطر " على ضوء شمعة ؟بعد أن انطفأ ضوء الكهرباء في الفندق بباريس، وكان المطر اخذ يتساقط، فقال السياب لرفيقه: لقد أمطرت لكثرة ما رددت: مطر؟ مطر؟ مطر؟ فهل سأشفى إذا ما رددت: شفاء؟ شفاء؟ شفاء؟ " (1) لقد اصبح تعلقه بالقوة السحرية التي تفاجئه بما يرد لرجليه قدرتهما على المشي هو محور تفطيره واعيا أو دون وعي، ومن هذا القبيل قوله لصديقه المذكور وهما في لندن: " أنني أتوقع معجزة تأتيني من السماء على صورة ملاك صغير بيده سعفة نخيل خضراء (لعلها من تلك النخلة التي تظلل القبر عند بويب) يضربني بها ضربة واحدة اثناء نومي في الليل، وعندما يأتي الصباح تراني أسير على قدمي وكأن شيئا لم يحدث لي؟ " (2).

وقبل أن يعود إلى العراق طمأنه صديقه الأستاذ جارجي بأن المسئولين في المنطقة قد وافقوا على أن يكون مراسلا لمجلة حوار التي تصدرها المنظمة في بيروت؛ وعندما نتأمل هذا العطف المتوالي على شاعر أهمله اهله، فهل من حقنا أن نسأل: أكانت المنظمة تعتني بالشاعر الكبير أم كانت تعتني بالشيوعي المنشق؟ أياً كان الأمر فان بدرا لم يكن في حالة نفسية أو جسمية تجعله يرفض ما يقدم إليه، وإذا علمنا انه لدى عودته إلى بلده وجد نفسه مفصولا من عمله لأنه غاب عن مركز وظيفته مدة تجاوزت ما يسمح به القانون، إذا علمنا ذلك تملكنا خزي شديد ليس من قبيل التلذذ بالتعذيب الذاتي، وإنما هو أسى على الإنسان

(1) أضواء: 54.
(2) أضواء: 49.

(1/354)

العربي الذي يحيا دون ضمانات اجتماعية، فيعيش فريسة لتقلبات الظروف والسياسات ويموت ميتة الكلاب الضالة.

وليس من قبيل الثناء على السياب أن تقول انه استقبل أمر الفصل دون غضب، إذ كانت نفسه مرتاحة إلى الثورة التي ذهبت بقاسم وحكمه: " العهد الجديد في العراق منعش للروح مجدد للقوى، ولعله هو السبب المباشر في التحسن الذي طرأ على صحتي منذ وصولي إلى العراق " (1). نعم أن كل ما يتصل بقطع رزقه وهو في تلك الحال يورثه صدمة: " ولولا الصدمة التي أصابتني نتيجة لفصلي من العمل لكنت الآن أحسن كثيرا " (2) ولكنها كانت هذه المرة خفيفة، وبعد فترة قصيرة الغي قرار الفصل.

ولم يكن السياب يطمع في دخل كبير، إذ كان يعلم ان حاله لا تسعف على شيء من ذلك، وقد صرح للأستاذ جارجي بأن ما يعادل أربعمائة ليرة لبنانية في الشهر يكفيه ليعيش وعائلته عيش الكفاف، وهذه مقدمة مكشوفة لسؤال تال: كم أتقاضى شهريا عن عملي مراسلا لمجلة حوار؟: :أنني مدفوع لأن اتجه هذا الاتجاه المادي في التفكير نتيجة الظرف الذي أنا فيه " وبعد بضعة أسابيع يكتب قائلا: " استلمت مع الشكر صكا بمبلغ أربعين دولارا لقاء اشتغالي مراسلا أدبياً لمجلة حوار " (3).

وكان منذ عاد من باريس يستعمل شيئا من الدهونات ودواء وصفه له الطبيب الفرنسي، ويحس ان نقطة الضعف لديه هي أن عموده الفقري لا يعينه على المشي بل يخذله مرات عديدة، حتى ليسقط على الأرض

(1) أضواء: 133 (من رسالة بتاريخ 30 - 3 - 63).
(2) أضواء: 137 (من رسالة بتاريخ 20 - 4 - 63).
(3) أضواء: 135 (من رسالة بتاريخ 11 - 6 - 63).

(1/355)

رغم استعانته بالعصا. ولهذا تجيء لفظة " التحسن " أو " التحسن البطيء " في رسائله ضعيفة الدلالة. وقد كان يشكو اكثر الشكوى من موضع الإبرة التي زرقوه بها في العمود الفقري لتلوين النخاع، وهو يطلب نوعين من الدواء هما " المستينون " (Mestinon)>والترنيورين (Terneurine) كما يلح دائما على صديقه جارجي ليراجع الطبيب الفرنسي في شأنه، فيصف له مزيدا من الدواء ويطلب إليه أن يقتطع ثمن ما يرسله من راتبه المخصص له عن مراسلة حوار (1).

ولم يكن القائمون على حوار بحاجة إلى بينات جديدة عن مناوأته للشيوعيين ومذهبهم، بل لعلهم كانوا يعلمون أن ليس ثمة من تعادل في الفائدة المتبادلة، فهم قد استطاعوا أن يكسبوا شاعرا قوميا ؟في نظر القوميين - لقاء مبلغ زهيد يدفع اكثر منه أضعافا إلى من هم أقل منه شأنا بكثير، ولم يكن هو في الوقت نفسه يستديم المرتب الجديد حين يهاجم الشيوعيين، وإنما كان حنقه عليهم ما يزال متقدا، وكان ارتياحه إلى العهد الجديد جزءا من موقفه العام ضدهم، ولذلك لا تخفى نغمة السخرية بهم في رسالة إلى سيمون جارجي يقول فيها: " هل تسمع إخبار العراق؟ لقد انهار "الأبطال" الشيوعيون فراحوا يدلون بالاعترافات المفصلة المخزية؟. سوف تجمع هذه الاعترافات ؟كما أظن - في كتاب، وسأقتطف منه بعض الأجزاء لأضمنها كتابي عن التجربة الشيوعية في العراق " (2) . إذن كان ما يزال يأمل في أن يؤلف في أن يؤلف كتابا في تلك التجربة، يجمع فيه مقالاته التي نشرها في صحيفة " الحرية " ويضيف إليها أموراً أخرى صالحة لتكبير الصورة.

وكان الدفق الشعري الذي دفعت به الوحدة والمرض والاغتراب

(1) أضواء: 136، 138.
(2) أضواء: 133.

(1/356)

وهو في لندن قد انحسر لدى عودته إلى بلده، إذ اصبح قادرا على الشكوى بغير الشعر، ولكنه كان شديد الرصد لهذا الذي حدث، يتلمس اسبابه، فحينا يرى أنها ركود طبيعي بعد الجهد الذي بذله في لندن وكانت حصيلته ديوانا سماه " منزل الاقنان " طبع اثر عودته لبيروت: " أنني أمر في فترة ركود بعد فترة النشاط المحموم في انجلتره حيث أنتجت منزل الاقنان؟ " (1) وحينا يرجح ان يكون الركود أو الجفاف ناشئا عن الجو العائلي الذي يعيش فيه (2) وحينا آخر لأنه يفتقر إلى تجارب جديدة (3) وكان كل ما نظمه منذ عودته حتى 20 - 4 - 1963 ثلاث قصائد، وارتفع العدد إلى أربع بعد ما يزيد على خمسة أسابيع، وبعد أسبوعين آخرين يتحدث عن ديوان جديد " لعله سيكون خير ما أنتجت حتى الآن " ويسأل صديقه أدونيس: "كم يدفع شريف الأنصاري في هذا الديوان " (4) وأغلب الظن ان قصائد ذلك الديوان لم تكن مما نظمه بعد عودته من باريس، وإنما ضم متفرقات من قصائد لم تنشر في الدواوين السابقة، نظمت من قبل، وهذا هو ؟فيما أقدر - ما سماه من بعد "شناشيل ابنة الجلبي" لأن اكثر قصائده مما نظم في لندن وباريس.

في تلك الأثناء حدث حادث له دلالته من بعض نواحيه على مفهوم السياب للعلاقات التي كان ينشئها بدافع الرغبة في الحصول على ما يكفل الكفاف، فقد انفصل أدونيس عن مجلة شعر وعصبة الشعراء الملتفين حولها وكتب قصيدة نشرت في صحيفة أخرى، فبادر السياب إلى تهنئة صديقه على القصيدة وإظهار الشماتة بمجلة شعر، بعد أن كفته " حوار " ما

(1) من رسالة إلى أدونيس بتاريخ 20 تموز 1963.
(2) أضواء: 133.
(3) أضواء: 136.
(4) من الرسالة السابقة إلى أدونيس.

(1/357)

كانت تضطلع به المجلة الأولى من مدد مادي: "اكتب قصائد على مستواها، انك ابتدأت من حيث الشهرة خارج نطاق جماعة شعر منذ الآن، وسوف يخلو لك الميدان فلا منافس، منذ أول قصيدة تنشرها بعد انفكاكك من دار "شعر" وهنيئا لشعر بشعرائها الباقين ؟ماء إلى حصان العائلة، وهلم جرا " (1).

ان ضروب ذلك النشاط وأنواع الاهتمام التي كان يبديها بدر تجاه أمور مختلفة متفاوتة تنبئ عن أن نسمة الحياة كانت ما تزال تتردد في بنيته النحيلة بقوة، وتشير أول رسالة من العراق بعث بها إلى حوار عن مدى انشغال نفسه بالموضوع الذي تحدث فيه إلى المؤتمرين برومة أعني موضوع الالتزام، ومع أنه لم يأت بشيء جديد حول تلك المشكلة نفسها، نجد لديه صورة جديدة يحاول أن يصوغ فيها رأيه في حقيقة الشعر: " أن الأثر الأدبي أو الفني يشبه اللؤلؤ وان عملية الخلق الأدبي تشبه إلى حد كبير عملية انبثاق اللؤلؤ وتولده داخل المحار؛ وحين يدخل إلى المحارة جسم غريب يحدث في أنسجتها الداخلية التهابا يجعلها تحيط ذلك الجسم الغريب بما نسميه فيما بعد لؤلؤة. وفي الإمكان إدخال جسم غريب إلى المحار بالإكراه لإحداث الالتهاب وتوليد اللؤلؤة، لكن مثل ذلك اللؤلؤ لن يكون إلا صناعيا لا يداني اللؤلؤ الأصيل في الجودة " (2) ، ومعنى هذا أن الجسم الغريب هو المؤثرات الخارجية كالتوجيه السياسي أو ما اشبه، مما يعده بدر إلزاما لا التزاما؛ أما الرسالة الآنية فأنها حافلة بأخبار الأدب في العراق، مما يدل على تتبع حي للحركة الأدبية هنالك، وإذا كان لنا أن نوجه الانتباه إلى شيء يتصل ببدر في تلك الرسالة فهو فهمه الدقيق لمعنى عمود الشعر ومخالفته للذين يطلقون هذا الاصطلاح على كل الشعر

(1) من رسالته السابقة إلى أدونيس.
(2) حوار، العدد 6، ص: 107.

(1/358)

القديم حتى ظهور الشعر الجديد، فهو يرى أن المقصود بعمود الشعر هو طريقة استعمال المجاز، (وحتى الصفات أحياناً)، ومن أجل ذلك أتهم أبو تمم في القديم بالخروج على عمود الشعر مع انه لم ينظم على الطريقة الجديدة، ومع ذلك فان الذين يستعملون هذه اللفظة اليوم يقولون أن أبا تمام كان شاعرا " عموديا " .

ولكن هذه الطاقة الجديدة سرعان ما انحسرت، أثر برد شديد ألم به فأدخل مستشفى المواني بالمعقل، وطال به الرقود على سرير المستشفى، " ولم تتخذ احتياطات لوقاية ظهره من التعفن فحصل احتقان وجرح أخذ يتسع ويعمق حتى بدأ عموده الفقري فوصفت له بعض العلاجات كان أنجعها مرهم ينفق منه أنبوبا واحدا يداف بالبودر الطبي " (1) . ولذلك كتب يستصرخ صديقه رئيس تحرير مجلة حوار لعله يمده بالدواء اللازم: "شفيت من ذات الرئة لكن امتلأ ظهري من منتصفه حتى فخذي بجراح ناغرة فاغرة. لا تسأل عن العذاب والالم. دواء هذه الجراح الناجع في بيوت في صيدلياتها، واسمه درمنت بودر Dermont Powder أو هكذا اذكر؟. " (2) .

واجتمع عليه وهو في المستشفى الاقلال من الاهلين: ال عسر والأسرة؟ كما حكى المعري عن نفسه - فقد قطع عنه النصف الثاني من مرتبة ؟بعد فترة من قطع نصفه الاول، وفقد جدته التي كفلته بعد وفاة أمه (في 10 - 5 - 1964) وكتم الخبر عنه عشرين يوما (3) لئلا يصاب بنكسة، وأخيرا كان لا بد مما ليس منه بد، ولا ريب في أن الخبر كان

(1) جريدة الثورة العربية، بتاريخ 18 - 7 - 1965.
(2) حوار، العدد: 15، وفي رسالة إلى جبرا بتاريخ 14 - 3 - 64 يذكر إصابته بذات الرئة وان هذا المرض قد كاد يزول إلا انه يشكو من سلوخ وكدمات في ظهره (ملف مجلة الإذاعة: 5).
(3) الثورة العربية 18 - 7 - 1965.

(1/359)

مؤلما، وان كان الانشغال بالآلام الذاتية يطغى على النفس ويقف كالدخان بين العين والمرئي أو بين البصيرة والتصور (1) .

وفي مطلع الربيع من عام 1964 تقرر نقله إلى الكويت، ومن الواضح ان الدافع إلى ذلك أمران: جودة العناية في مستشفياتها وقلة التكاليف المادية التي قد يتحملها معوز مثل بدر، وكان جرحه الناغر قد جف، وأصبح رحيله ممكنا، ولنستمع إلى رفيق طفولته وصباه الأستاذ محمد علي إسماعيل بقص قصة سفره إلى حاضرة البترول: " وصباح يوم سفره إلى الكويت كان الوجوم مخيما على زوجته وأطفاله وعمه وصهره وكنا في شرفة حديقة المطار وفوجئنا بامتناع مم ثل الخطوط عن السماح له بالسفر نظرا لحالته الصحية، وقبل إقلاع الطائرة أرسلت شخصا في المستشفى لجلب شهادة من الطبيب المختص، وكان بدر يلبس الكوفية والدشداشة ذات الجيب الجانبي فقلت له: عزيزي بدر، أنك في زي كويتي كامل فقال: لا، إن الزي ليس كاملا إذ ليس في الجيب دفتر صكوك. ثم اذن له بالسفر بعد ذلك فساروا به في عربته من الباب الرئيسي ووقفنا خلف السياج احمل طفلته الصغيرة آلاء التي كانت الوحيدة التي تلوح له فلا يراها، وحين صعوده سلم الطائرة محمولا حملت الرياح الكوفية من رأسه وطرحتها على جسم الطائرة من أعلى فتلطف بعض الركاب فجذبها وألبسه إياها على الدرج، وكان هذا آخر العهد به " (2).

دخل بدر الجناح الرابع من المستشفى الأميري بالكويت في 6 - 7 - 1964 فقرر الطبيب الذي تولى فحصه انه يشكو من ضعف عام ومن عدم القدرة على المشي معتمدا على نفسه، وعند تشخيص

(1) كان بدر قد فقد أباه أيضاً في هذه المرحلة من مرضه.
(2) الثورة العربية (التاريخ نفسه).

(1/360)

مرضه وجد انه يعاني من Amytrophic Iateral Sclerosis أي "ت ص لب جانبي ضموري" وهو ؟كما يقول معجم شرف الطبي: "مرض جمع بين الالتهاب النخاعي الأمامي المزمن والتصلب الجانبي وأهم أعراضه ضمور العضلات مع تشنج الأطراف ومبالغة في المنعكسات وينتهي بالموت لانتشاره نحو النخاع المستطيل" (1) ومثل هذا التشخيص يتفق مع ما قاله الدكتور ادواردز بلندن وما قاله الطبيب الفرنسي، ويدل على أن إقامة بدر في المستشفى لم تكن في نظر الأطباء إلا انتظار للمصير المحتوم، ولكن هذا لا يمنع من بذل كل عناية لتخفيف الآلام عنه. وقد لازمه أثناء مرضه أخ كويتي كريم هو الأستاذ علي السبتي، فقد تعهده بالرعاية، وكانت صحبته تصله بالعالم الخارجي، وتهون عليه عذاب الوحدة، وتيسر له ما يحتاجه من شئون، هذا عدا عما بذله الأطباء والممرضون من عناية به. ويقول الأستاذ السبتي انه لطول الإقامة في السرير أصيب بتقرحات في الجلد، ولكن هذا لم يرد فيما قرره الأطباء. غيران السبتي يشهد ؟ويؤكد الطبيب شهادته - بان طول الإقامة كان مسئولا عن تدهور حاله النفسية. وفي رسالة إلى أدونيس يبدو عليها بعض الاضطراب في الخط والسهو في غير موضع (وهي تحمل تاريخ 17 - 9 - 1964) نجده ما يزال يتحدث في شيء من الهدوء عن صحته العامة وعن تدفق ينبوع الشعر: "صحتي العامة لا بأس بها، لكن ساقي الكسيحتين ما زالتا على وضعيهما، إن نفسي تتدفق بالشعر، لكنه يدفق من ينبوع ألم عظيم ويأس لا طرب. البارحة فحسب كتبت قصيدة ليس فيها حزن ولا يأس ولا ألم " ، وكان الذي أثار هذه القصيدة أن السبتي سافر إلى لبنان وعاد يحمل إليه أنباء عن "أحبائه" في بيروت ؟أي عن "هواه" فيها - وشاع السرور في نفسه لأن

(1) انظر مادة Sclerosis ص: 806.

(1/361)

" الأحباء" وعدوا بأن يكتبوا إليه، ولعل السبتي إنما ألف قصة اللقاء والرسالة لينعش صديقه بشيء من الأمل، أما قصة الهوى نفسه فربما كانت مما حدثه به السياب في إحدى زياراته له.

ولكن هذه الخفقة لم تلبث أن ذابت كما يذوب الحبيب الطافي، وظل بدر فريسة لنوبات من الكآبة والاضطراب العصبي، وكان اشد ما يؤلمه قلقه على زوجه وأطفاله، وحين أصبحت نوباته "مرضية" أخذ يتردد عليه طبيب نفسي فقرر انه مصاب بما يسمى Reactive Anxiety>أي "القلق الارتكاسي" أو "الانعكاسي" ؟وهو انعكاس للمرض الجسمي نفسه؛ وحين كانت النوبة تستبد به، فأنها كانت تتركه فريسة للوساوس والرؤى المزعجة، فينسرب في أحلام يقظة مخيفة ولا يكاد يستفيق من حلم راعب حتى يتردى في حلم آخر أشد هولا.

وفي أثناء تلك النوبات كان " الكابوس الشيوعي " ؟إن صحت التسمية - يضغط على نفسه ضغطا خانقا يسلمه إلى الرعب والهلع. دخل عليه صديقه السبتي في إحدى حالاته تلك، فلما استفسره عما يجد أخبره بأن أنباء موثوقة وصلته تؤكد ان جماعة من الشيوعيين تأتمر به لتقتله، قال السبتي: "فأخذت أطمئنه ثم رفعت وسادته ووضعت تحتها حافظة تقود خاوية وقلت له: هذا مسدس تستطيع استعماله ان دعت الحاجة إلى ذلك" ثم خرج ذلك الصديق وهو يوهمه أنه سيتصل بدوائر الأمن لتأخذ الحيطة اللازمة، وغاب عنه بعضا من الوقت وعاد إليه فبادره السياب قائلا أن أنباء أخرى وصلته تؤكد أنه قد تم القبض على تلك العصابة.

ومن الطبيعي أن يقال ان مثل هذه النوبة كانت تعني تضخم الوهم إلى درجة فاض فيها على منطقة التعقل الواعي وحطم السياج القائم بين المنطقتين، ولكن هذا التضخم لم يكن ليتم لولا أن السياب تقمص

(1/362)

صورة الطفل الذي صوره في قصائده من قبل ضحية للشيوعيين، فإذا هو ذلك الطفل نفسه يصرخ ؟دون صوت (1)

آه يا أمي ... عرفت الجوع والآلام والرعبا ... حين رأى الحبال والعصي تملأ الطريق لتسحب جسمه وتمزقه أي أن بدرا أصبحت تخايله صور الأحداث المرعبة التي رسمها بتهويل في وصفه لأحداث الموصل وكركوك وغيرهما.

وكان هنالك كابوس آخر يعتصر وعيه فلا ينفذه منه الا هربه التام إلى منطقة الرؤى: كانت الشهوة الجنسية التي عبر عنها تعبيرا محموما في قصائد الغربة في بيروت ولندن ما تزال تصب عليه سياطها، ولكنه لم يتحدث عنها في قصائده التي نظمها في الكويت، واكتفى بحديث الحب المتسامي، ولهذا تحولت لديه إلى رؤى كابوسية: دخل عليه السبتي ذات يوم فوجد ممرضة هندية تقف أمامه وهو يشتد في تقريعها وتوبيخها فلما سأله عن السبب في حدة: " ألا تخجل هذه المرأة من الدخول علي والنساء العاريات يحطن بي!! "

فإذا انجابت عنه هذه الرؤى عاد إلى طبيعته الأصلية يتحدث فيطيل أو يتوجه بالحنين إلى زوجه وأطفاله فيكتب الشعر والرسائل أو يتخذ من المناجاة والتوسل إلى الله بأن يمن عليه بالشفاء سفينة تبحر به من "بحران" المرض إلأى بر الهدوء والسكينة. لقد عجز العلم عن أن يحقق له الشفاء، وفي مثل هذه الحال تستسلم النفس إلى تعليق الرجاء بالغيب، ولهذا كان بدر يتمنى في تلك الحال لو كان لدى المسلمين شخصية شبيهة بالعذراء تجيب دعاء الزمنى والضعفاء ؟ونسي في مرضه

(1) شناشيل: 42.

(1/363)

قصة البوصيري وقصيدته المشهورة في مدح الرسول - ؛ ولدى الأستاذ السبتي مسودة قصيدة بخط السياب يمدح فيها الإمام علي بن أبي طالب ويستعطفه على حاله ويتوسل بجاهه رجاء الشفاء.

وفي 15 - 11 - 1964 أخذ الممرض يدلك جسمه، فشعر فجأة بألم حاد في فخذه اليسرى، وكانت تلك بداية تحول خطير في مرضه فعندما صور موضع الألم بالأشعة أظهرت الصورة حقيقتين مرعبتين: الأولى أن هناك كسرا في عنق عظم الفخذ والثانية انه كان قد أصيب بمرض خبيث جعل العظم ينكسر كأنه قشة من حركة خفيفة كالتدليك. وزاده هذا الكسر كساحا وربطه بسرير مقعدا لا يروم مكانه، وحين حدث التطور التالي لم يستطع جسمه الهزيل مزيدا من المقاومة، فقد أصيب بنزلة رئوية شعبية Bronchopneumonia فارق على أثرها الحياة في الساعة الثانية والدقيقة الخمسين من بعد الظهر يوم 24 - 12 - 1964، وختمت تلك السلسلة الطويلة من الآلام الجسدية المبرحة والعذاب النفسي المؤرق ومعاناة الوحدة والغربة والفقر وغياب الرجاء وتوقع الموت في كل لحظة على مدى أربع سنوات.

وقد يقال في تعليل مرض السياب أشياء كثيرة: فمن الناس من يتحدث عن هزاله الموروث وضعف جسمه بعامة ويقرنه بالمصاعب التي واجهها مشردا وجائعا ومسجونا ومحروما أحياناً من مورد الرزق، ومنهم من يتحدث عن استعداد خاص في العائلة للسل لان خاله توفي بهذا المرض، ولأن عمة له أصبحت به، ومنهم من يتحدث عن شدة شبقه وإسرافه في الناحية الجنسية، ومنهم من يقرن بين الصدمة النفسية التي أصابته في السجن وبين الوهن العام الذي أصاب جسده من بعد، وقد تجد من يقرن المرض بالرعب استولى عليه اثر هجومه الحاد السافر على الشيوعيين، ولكن الطبيب إدوارد قد رد على هؤلاء جميعا حين قال ان العلم لم يتوصل بعد إلى سر ذلك المرض.

(1/364)

واراني هنا مضطرا للوقوف عند قول أحد الأدباء: " وكان بدر مع ذلك كله يزيد دائه بكثرة الشراب؛ لقد كان الشراب رفيقه الدائم في حالتي الصحة والمرض، وكثرة الشراب تسرع حتى بالأجسام السليمة إلى القبر " (1) ، وقد كان من الممكن أن أعيد هنا أيضاً قول الدكتور ادوادز، ولكن الأمر يتعلق بحقيقة هذا السؤال: هل كان بدر يكثر من الشراب حقا؟ وقد سألت بعض من عرفوه عن الكثب، فأكد أخوه مصطفى أنه مسرفا في الشراب قبل الزواج ثم اصبح اقباله عليه قليلا من بعد. وشهد ثان كان يعمل معه في جريدة "الحرية" بأن صفة "الإسراف" هنا لا تنطبق عليه، ووضع الدكتور عبدالله السياب الجواب على هذه المسألة وضعا أدق حين قال: "لم يكن بدر يشرب كثيرا، وإذا جلس للشرب لم يتناول كمية كبيرة، ولكن لضعف صحته كان قليل من الشراب يتركه فاقد الوعي مدة ساعات " .

توفي بدر بعد ظهر يوم الخميس، وفي يوم الجمعة التالي نقل جثمانه إلى البصرة، ول ن رج ع مرة أخرى إلى الأستاذ محمد علي إسماعيل ونستمع إلى ما يرويه: "وقفت سيارة كبيرة حمراء اللون فيها شخصان كويتيان، وقفت في محلة السيف بالبصرة، وسأل الكويتيان هل يوجد مسجد قريب، فأجاب شخصان آخران: أن جامع السيف مفتوح لصلاة العصر، وكانت السماء ممطرة وأدخلت الجنازة، وصلى عليها أربعة

(1) من مقال للأستاذ عيسى الناعوري بمجلة الإخاء العراقية (عدد أيلول 1965) ويشير الأستاذ رشدي العامل إلى إحدى الجلسات فيقول: " شرب بدر حتى ثمل تماما، كنت اذهب بع فأغسل وجهه وكان يعود ليطلب شرابا جديد " وقد ذكر أن الشراب هو " البيرة " وإذا دل هذا على إسرافه في ليلة فلا يستشهد به على الإسراف المتواصل، كما أن ضعفه أمام النوع المذكور من الشراب قد يعني أن القليل من الكحول كان يترك في جسمه أثراً قويا. (أنظر ملف مجلة الإذاعة:29).

(1/365)

أشخاص كانوا بقية من بقي في المسجد " (1) . وقد قرن بعضهم بين وفاة بدر وبين "المطر" خامس المشيعين لتلك الجنازة، وهي التفاتة لا بأس بها، فان "المطر" في شعر بدر يمثل الحياة والموت معا، ولكنا حين نأخذ في إثارة هذه اللفتات، قد نقف عند لون السيارة أيضاً فنجد ان "اللون الأحمر" لم يتخل عن بدر وان حاول بدر التنصل منه، ولو أمعنا في الإثارة لربطنا بين الميت الذي لفظته أمواج الخليج في قصيدته "غريب على الخليج" وبين موت بدر نفسه غريبا على سيف الخليج نفسه، وإذا ذهبنا هذا المذهب لم نكد نحجم عن القول بأن مالية بدر الصحيح الجسم لم تسعفه على الرحلة، وتكفل المرض باطلاعه على دنيا لم يكن يعرفها فكأن تطاول المرض إنما أعطاه فرصة ليودع بيروت ورومة ولندن وباريس وهذا سياق متشعب والخوض فيه ضرب من التفسيرات الباطنية.

وأبين من كل ذلك دلالة على فداحة العبء الذي ينهض به الفرد العربي حيا وميتا أن نذكر حادثة أخرى لا تتحمل التفسير الباطني أبداً: كان أحد الأربعة الذين يرافقون الجنازة قد اتصل هاتفيا بدار الفقيد ليخبر زوجه أن الجنازة قد وصلت. ولكن ما الذي يجري في تلك الساعة؟ كانت الزوجة ومن يعاونها من أقربائها قد أخذوا يقومون بنقل الأثاث لإخلاء البيت الذي يسكنونه فقد أصرت مصلحة الموانئ على ضرورة إخلائه غير مصغية إلى التماس الشفعاء وتوسلات الضعفاء. مصلحة المواني آلة إلكترونية لا مجال فيها لغير الأرقام، والأرقام تقول: انه منذ كذا وكذا انقطعت صلة المسمى بدر شاكر السياب بتلك المصلحة، ومعنى ذلك ان البيت لم يعد بيته.

لن نقف عند هذه المفارقة أيضاً، فمن ذا الذي يجرؤ أن يلوم بدرا على ما كان يحس به من قلق تجاه الأيتام الثلاثة وامهم؟ ولكنه حينئذ

(1) الثورة العربية 18 - 7 - 1965.

(1/366)

كان قد استراح من كل هم وقلق، ووري التراب في مقبرة الحسن البصري، بقضاء الزبير، بينما كان صديقه علي السبتي يردد في دخيلة نفسه: "لا تبعد؟ لا تبعد " !!

(1/367)

- 29 -

اضمحلال الرموز

عاد السياب إلى أحضان ه "الروحية" ادعانا لصورة الأم، وتقبلا لإرادتها، فقد كان يحس أنه لا يستغني عن وجه من وجوه اللقاء بها، وهذا معناه أن يؤمن ؟على الأقل - بتلاقي الأرواح بعد الموت، أو أن يؤمن باتحاد النفوس الإنسانية في رحم الأم الكبرى (الأرض) مثلما آمن بالقوى لسارية التي تحرك مخاض تلك فتربو وتهتز وتلد، واتخذ لتلك القوى أسماء مثل تموز وعشتار وأتيس وغيرها، وقد أبعده كفاحه النضالي عن مجال " الروحية " حين جعله يتخذ من الحزب ومبادئه قوة يستند إليها فتغنيه عن السند الذي كان يحتاج إليه وهو متفرد منعزل في شبابه الباكر لا يجد إلا " النخلة الفرعاء " مستندا يحمل روحه وجسده، وحين خطأ بعد انهيار الركن الجماعي الأول ليعانق ركنا جماعيا جديدا في القومية المغلقة ؟حسب مفهومه - بنوع من الدين القومي استند إلى هذا الركن فترة من الزمن غير طويلة، ذلك أنه ؟لا شعوريا - اكتشف حقيقة موقفه الجديد من خلال رموز الأرض، فكأنه كان من خلال هذا الانتماء الجماعي يعود مرة أخرى إلى الام، إلى فرديته القديمة، ولذلك فانه سرعان ما تحول من تموز إلى المسيح أو وحد بينهما في القوة الرمزية، وسرعان ما وجد نفسه ؟في حومة مجلة " الشعر " - يبشر بقيم دينية في الفن؛ وإذا كان هذا هو الجانب

(1/368)

العفوي في تلك العودة فان وجهها الإرادي يتمثل في محاولته الإمعان في البعد عن اليساريين ويعد إقداما على التظرف إلى النقيض، لكي يثبت لنفسه أنه قد بلغ إلى حيث لا يرجو عودة اليهم، وألى حيث لا يستطيعون أن يمدوا إليه حبالهم أو عصيهم؛ ومن جراء هذا التحول نفسه أخذ الشك يساوره حول جدوى الالتزام، فحاول أولا أن يوسع من مفهوم هذا المصطلح، ثم أن يعلن عن ضجره من الموقف الالتزامي جملة، ثم أن يتخلى عنه تحت وطأة المرض وحدة الإحساس بالمشكلة الفردية التي تمثلت في مرضه وما جره من نتائج؛ ومن الإنصاف للسياب أن نلمح في سريرته نقاء لم تستطع أن تطمسه أنواع العذاب الجسدي الذي كان يعتصره، إذ نجده ما يزال معذب النفس والضمير أيضاً بين التخلي عن التزامه القديم وبين ضرورات المشكلة الفردية التي كانت تستحوذ على كل كوة يتسرب منها النور إلى عالمه، وحسبنا أن نجده يقول وهو مقيد بالعجز والمرض والحرمان: " مالي وما للعالم كيفما سار فليسر، رغم أن صوتا تحت ذلك الصوت يهمس: كلا، أنه عالمي ويهمني الاتجاه الذي يسير فيه " (1) ، فذلك الصوت الهامس الذي لم يلبث إلا قليلا حتى خفت؛ للضغط الشديد الذي يعانيه شاعر يتوقع الموت، هو الصوت الذي يعبر عن تألم الشاعر لتخليه عن المسئولية الجماعية؛ وقد يقول بعض الناس أن قصيدته التي حيا فيها الخلاص من قاسم إنما كانت تكفيرا عن موقف من النفاق الذي اضطرته إليه ظروف الحياة (أو على التحقيق ظروف الموت البطيء)، وقد يرى فيها آخرون امتداد للنقمة على اليساريين الذين أيدوا قاسما وأيدهم بنفوذه وسلطانه، وهي كذلك دون ريب، ولكنها تدل على أن الشاعر صحا فيه إحساسه القديم بالرابطة بينه وبين قضية أمته، مهما يختلف

(1) من رسالة إلى أدونيس بتاريخ 5/3/62 صادرة من مصلحة الموانئ العراقية (البصرة).

(1/369)

التقدير بيننا لتلك الرابطة (1) :

مرحى لجيش الأمة العربية انتزع الوثاق ... يا اخوتي بالله بالدم بالعروبة بالرجاء ... هبوا فقد صرع الطغاة وبدد الليل الضياء ... فلتحرسوها ثورة عربية، صعق " الرفاق " ... منها وخر الظالمون؟.. ... غير أننا يجب ألا نتوقع شيئا كثيرا في هذه الناحية، فمن المعروف أن إلحاح السقم يخلق في المريض مشاعر مريرة، ويجعل مزاجه منحرفا وتصوراته مئوفة، فالسياب الصحيح المعافى طالما مجد انتفاض الجزائر وروح التضحية والاستشهاد لدى أبنائها، وعير عرب المشرق بالركون إلى الكهوف والقبور ؟في استسلامهم الطويل - ولكن السياب المريض حين تحدث عن " ربيع الجزائر " (2) لم يستطع أن يرى إلا صورة الموت والأشلاء والخراب والقبور واليتامى، وكأنه يقول للجزاءر: ماذا نفعت كل تلك التضحيات؟ ويسخر على لسان المجاهد من الحصاد الذي أعطته الثورة في حوار بين الأطفال الجائعين وأبيهم المجاهد، إذ يقول الأطفال:

وماذا حملت لنا من هديه ... فيرد أبوهم قائلا:

غدا ضاحكا أطلعته الدماء. ... كان السياب حين كتب القصيدة، لا يستطيع أن يفهم معنى " الغد " عند الأحياء، ولذلك ركز نظره في الواقع، فرأى واقع الجزائر صورة

(1) منزل الاقنان: 137.
(2) منزل الاقنان: 19.

(1/370)

في نفسه المحطمة الكسيحة:

وها أنت تدمع فيك العيون ... وتبكين قتلاك. نامت وغى فاستفاق ... بك الحزن؛ عاد اليتامى يتامى، ... ردى عاد ما ظن يوما فراق؛ ... سلاما بلاد الثكالى بلاد الايامى ... سلاما، سلاما؟ ... أن مثل هذه القصيدة يدل على أن السياب لم يتخل عن الالتزام وحسب بل انه كان عاجزا ؟حينئذ - عن التمسك به، رغم شيء من الحسرة على فراقه.

وحين ابتعد ظل الالتزام عن الشعر اخذ ظل الرموز ينحسر أيضا، ذلك لأن السياب ربط بين الرمز والنضال السياسي، فجعل الرمز طريقة للتعمية والتستر وملاذا من وجه التضريح الذي يلقي بصاحبه في أغلال الاضطهاد أو غيابات السجون، وقد عبر عن ذلك في محاضرته بروما حين قال: " وساعدت الظروف السياسية؟. حيث الإرهاب الفكري وانعدام الحرية على اللجوء إلى الرمز " (1) ، أي انه جعل الرمز مرادفا للحكاية الكنائية التي يوري فيها الشاعر عن غايته بمحمل تمثيلي، وهذا تحديد ضيق للرمز، وقصر له على مظهر واحد. وبسبب هذا التحديد نفسه فقد السياب صلته " الرمزية " بقصة تموز ولم يعد يلجأ إلى استغلال الأسطورة كما كان يفعل من قبل. ولست أعني أن الأسماء الأسطورية أو الرمزية قد اختفت من شعره بل ظل يذكر تموز وعشتار وقابيل والمسيه، ولكنه لم يتعد مرحلة التمثيل أو التشبه ليوضح بذكرها فكرة أو صورة، بل أن المرض جعله يضيف إليها أسماء أخرى

(1) انظر أضواء: 123.

(1/371)

أهمها: عولس والسندباد والحسن البصري، ثم لا يتجاوز في هذه أيضاً جانب التمثيل، وهذه الأسماء الثلاثة تشير إلى التجواب، وقد أراد أن يقرن نفسه بها حين كان يتنقل بين البلدان طلبا للاستشفاء، ولكن وردوها على خاطره ذو دلاله عكسية، فهي من ذلك النوع الذي يضرب تاها في الأرض دون كلل على التقيض من حالهن لأنه مقيد إلى سرير، لذلك كان يحس وهو يتمثلها بنعمة القدرة على المشي والرحلة الإرادية المغامرة المتصلة بقوة الجسد، وحين نتذكر وقوفه عند هرقل أيضا ؟ومعه تموز في صراعه للرب الأسطوري " موت " - فأننا ندرك تماما أي راحة كان يجدها في تمثل هذه الأسماء (1) :

بالعقل المفتول والسواعد المجدوله ... هرقل صارع الردى في غاره المحجب ... بظلمة من طلب ... وقام تموز بجزح فاغر مخضب ... يصك (موت) صكة، محجبا ذيوله ... وخطوه الجليد بالشقيق والزنابق ... كان يتشبث بالقوة ويريد ان يصرع الموت، فاستغل الشعر سلاحا:

رميت وجه الموت يهوي نحوي ... كأنه الستار في رواية هزيلة ... رميت وجه الموت ألف مرة ... ؟..
فأنتضي من سيفي المجرد ... ويقطر الشعر ولا يغيض ...

(1) منزل الاقنان: 73.

(1/372)

ولكن الشعر لا يصلح سلاحا لدفع المنية، ولا بد من ساعدي هرقل وإرادة تموز. ثم أن بينه وبين " عولس " رابطة أخرى، لأنه مثله ترك زوجا وفيه تنتظره وتعد الساعات لعودته، ولهذا يعود إلى ذكره غير مرة في قصائد هذه الفترة.

على أن المرض ربط بينه ؟ربط تطابق - وبين أيوب، ويمثل استدعاؤه لصورة أيوب نهاية المرحلة التي بلغها في حمى " الروحية " ، ولعله لولا المرض لم يبلغها، ولكن المرض هو الذي منح شكلا مثاليا للعلاقة بين الإنسان والإله؛ فأيوب يمثل فلسفة الاستسلام والرضى من جانب الانسان، كما يمثل حقيقة " لا يسأل عما يفعل " من جانب الله، لان حكمته اعمق من كل فكر إنساني. غير أن " رمز " ايوب ؟في ذهن السياب - لم يكن عميق الموقع. فهو لم يكن مثل أيوب في بدء المرض حين نسمعه يصرخ في وجه الإله (1) :

صائد الرجال ... وساحق النساء أنت، يا مفجع ... يا مهلك العباد بالرجوم والزلازل ... يا موحش المنازل ... منطرحا أمام بابك الكبير ... أحسن بانكساره الظنون في الضمير ... أثور؟ أغضب؟ ... وهل يثور في حماك مذنب؟ ... ثم يستكين استكانة أيوب (2) :

لك الحمد مهما استطال البلاء ...

(1) المعبد الغريق: 33.
(2) منزل الاقنان: 36.

(1/373)

ومهما استبد الألم ... لك الحمد إن الرزايا عطاء ... وأن المصيبات بعض الكرم ... ذلك لأنه رغم تجسيده للرضى بكل ما كتبته يد الله، يؤمن بأن الشفاء أمر قريب:

لك الحمد يا راميا بالقدر ... ويا كاتبا بعد ذاك الشفاء ... ويتمثل اتحاده مع أيوب في قصيدته " قالوا لأيوب " ، دون أن يزايله أيضاً الأمل في الشفاء، فقد كان ذلك الأمل هو العامل الموجه لذلك الرضى المطلق (1) :

يا رب لا شكوى ولا من عتاب ... ألست أنت الصانع الجسما ... فمن يلوم الزارع التما ... من حوله الزرع، فشاء الخراب ... لزهرة والماء للثانية ... هيهات تشكو نفسي الراضيه ... أني لأدري أن يوم الشفاء ... يلمح في الغيب ... سينزع الأحزان من قلبي ... وينزع الداء، فأرمي الدواء؟.. ... ولكنه ؟قبيل النهاية - حين ضاع كل أمل يتحدث في شيء من التبرم والنزق، وبدلا من " يا رب " التي تدل على الضراعة

(1) منزل الاقنان: 114.

(1/374)

الاستسلامية أخذ يستعمل " يا إله " أو " أيها الإله " ؟مبقيا مسافة بعيدة بين الإنسان والله، فيها ترتفع الشكوى الإنسانية وفيها تنطلق الرحمة ولكن على شكل " رصاصة " (1) :

أليس يكفي أيها الإله ... أن الفناء غاية الحياة ... فتصبغ الحياة بالقتام ... تحيلني ؟بلا ردى - حطام ... سفينة كسيرة تطفو على المياه ... هات الردى، أريد أن أنام ... بين قبور أهلي المبعثره ... وراء ليل المقبره ... رصاصة الرحمة يا إله! ... والحق أن ألفته للرموز المتعلقة بأرباب الأساطير ثم برمز المسيح على مجه الخصوص، قد محت حينا المسافة القائمة بين الله والانسان، فهو حين أصيب بفزع بالغ من الموت لدى نبوءة عراف هندي تقول أن الحياة ستنتهي يوم 2 شباط 1962 وجد نفسه يحاسب الله في حنق بالغ لأنه يصرع الأطفال ويخيب الآمال (2) :

يكاد يهوي من صراخي عنده التاج ... ويهدم عرشه ويخر، تطفأ حوله الآباد والآزال ... ويقطر لابن آدم قلبه ألما وينفطر ... فإذا كان للمرض من اثر في موقفه من الالوهية، فهو انه عاد به

(1) ديوان إقبال: 46.
(2) المعبد الغريق: 80، وهذا يرد في معرض الحلم، ولكن ذلك لا ينقص شيئا من الحقيقة التي أتحدث عنها.

(1/375)

إلى معرفة الحد الذي لا يصح للإنسان أن يجاوزه في تصوره للإله، حتى وان كان ثائرا شاكيا. ولولا المرض لما تعرض هذا الجانب في السياب إلى مثل الاختبار العسير، فقد كانت راحته النفسية في عودته إلى " الروحية " ، وكان من الممكن أن يظل مطمئنا في ذلك الحمى الآن، لان السكينة فيه هي السكينة فيه هي السكينة عينها التي تنبع من قلب الأم؛ وليس من المصادفات ان تصبح " النخلة " رمزا للإله ؟في بعض لحظات المزج بين السكينتين - كما كانت دائما رمزا للأم (1) :

وابصر الله على هيئة نخلة، ... كتاج نخلة يبيض في الظلام

أحسسه أقول: " يا بني، يا غلام ... وهبتك الحياة والحنان والنجوم ؟.. ومن الأسماء الأسطورية التي عثر عليها في هذه الفترة " ايكار " (2) و " اورفيوس " وقد ذكر الأول في حديثه عن شباك وفيقة (3) :

إيكار يسمح بالشمس ... ريشات النسر وينطلق ... إيكار تلقفه الأفق ... وزماه إلى اللجج الرمس ... وتبدو الصورة بعيدة الصلة بما حولها إلا أن يعني أن شباك وفيقة هو نفسه إيكار وأنه قد نأى عن الأعين المنتظرة ثم سقط فوارته

(1) المعبد الغريق : 51 - 52.
(2) ايكار ابن ديدالوس، جنح نفسه هو وأبوه بأجنحة من شمع وطارا من تيه مينوس في كريت، ولكن ايكار اقترب كثيرا من الشمس فذاب جناحاه وسقط في البحر ومات غرقا.
(3) المعبد الغريق: 5 - 6.

(1/376)

اللجج، أي ضاع من دنياه إلى الأبد. وأما اورفيوس فانه يمثله لأنه شق طريقه بالحنين والغناء، وفتح بأنغامه مغالق الفناء، والسياب وقف عند دار جده في جيكور فرأى عالم الفناء نفسه، مع انه ظل طوال حياته يمنح جيكور الضياء ويكسوها الرواء بشعره (1) :

وبالغناء يا صباي يا عظام يا رميم ... كسوتك الرداء والضياء ... ومع ذلك انطبق من حولها فكا الفناء كما انطبقا على " يورديس " ولم يستطع إنقاذها.

(1) المعبد الغريق: 48.

(1/377)

- 30 -

أسطورتان

هكذا كانت اكثر الأسماء الأسطورية أو الرمزية في هذه المرحلة تنطبق على السياب وتلائم ذاته وفرديته، أما الجانب الجماعي منها فكان قد توارى لانعدام الحاجة إليه. ولم يحاول في هذه الأسماء أن يتجاوز الإشارة أو موضع العلاقة، إلا في قصيدتين بناهما كاملتين على الأساس الاسطوري، ولعلهما ؟فيما ارى - خير قصيدتين من قصائد هذه الفترة من حيث العناية بالبناء الفني، وهما " المعبد الغريق " و " نار إرم " .

أما قصيدة " المعبد الغريق " فقد استوحاها السياب من خبر عارض ذكر روايه أن في بحيرة شيني التي يصب فيها نهر الباهنج في الملايو معبدا بوذيا غرق في قعر البحيرة بسبب زلزال بركاني حدث قبل ألف سنة، وفي المعبد كنوز تحرسها تماسيح ووحش له عين حمراء واحدة في مثل حجم كرة البنج بونج؟. " (1) ومن هذا الخيط نسج الشاعر قصيدة كاملة: فصور شيخا في حانة يعب الخمر ويقص قصته عن " رحم البحيرة " الذي تفجر باللظمى حتى قر عليه كلكل معبد مليء بالكنوز وطفا التمساح فوقه يحرح فوقه يحرس تلك الكنوز وسمى الوحش ذا

(1) مجلة شعر (العدد: 22) ص:45.

(1/378)

العين الواحدة " الأخطبوط " ، وهنا تذكر ان هذين الحيوانين وغيرهما من الحيوانات عاشت آلاف السنين ولم يستطع الفناء ان يصيبها بسهامه وسخر من الإنسان الفاني الذي يحرس ألوفا من الكنوز الغارقة (دون فلك الضمير)، وهو ما يزال عبدا مسترقا (1) :

هنالك ألف كنز من كنوز العالم الغرقى ... ستشبع ألف طفل جائع وتقيل آلافا من الداء ... وتنقذ ألف شعب من يد الجلاد، لو ترقى ... إلى فلك الضمير! ... أكل هذا المال في دنيا الأرقاء ... ولا يتحررون، وكيف وهو يصفد الاعناق، يربطها إلى الداء؟ ... والتفت الشاعر إلى عوليس الذي ما فتئ يجوب البلاد، فأخذ يقنعه بالذهاب إلى معبد شيني لان العودة إلى الوطن لم تعد مجدية إذ شاب الابن وأصبحت الزوجة عجوزا خرقة، وتبين له ان كنوز ذلك المعبد في انتظاره، أما شبع من الدم الذي أريق على أرض طروادة؟ ومن اجل ماذا؟ من اجل فجور أنثى اسمها (هيلين) وإشباع الرغبة في الثأر؟ أهكذا يقتل الإنسان أخاه؟ إن أرض طروادة لا تفترق في شيء عن ارض العراق التي شهدت أنها الحقد وهي تتدفق بالخناجر والعصي، وبالأجساد التي تجرر بالحبال. وهل الذي شهد حرب طروادة وعقارب " الرقاع " وهي تبث السم في الجسوم يجفل من بعض حيوانات تحرس الكنز؟

هلم نشق في الباهنج حقل الماء بالمجذاف ... ويلح الشاعر في النداء على " عوليس " ليقطعا معا ليل آسية الطويل قبل ان تطلع عليه شمس " النظار " فيأكل هذا الوحش الموتى ويشرب

(1) المعبد الغريق: 97.

(1/379)

من دم الأحياء ويدس في القبلات مدى من حشرجات الموت، ويؤكد له أن عهد النبوات لم يظهر بعد، وان شريعة القوة والغضب ما تزال هي المسيطرة، وان تأليه القائمين على البحيرة أمر ممكن فطالما رفع الإنسان آلهته إلى قمة جبل .

ويبدو ان نواة القصيدة في مخيلة الشاعر كانت تعتمد المقارنة بين الوحوش الخالدة حارسة الكنز في البحيرة، وبين الإنسان الفاني الذي يحرس آلافا من الكنوز دون أن يستطع التحرر، ثم تطورت القصيدة بين يديه إلى مستوى جديد حين استحضر صورة عوليس وحرب طروادة وأخذ يجري المقارنة بينهما وبين وضع العراق في عهد قاسم، ولكنه لم يستطع ان يدرك معنى عميقا وراء عودته هو وعوليس إلى بحيرة شيني، فقد بدأ من طبيعة القصيدة أول الأمر أنها دعوة إلى استغلال مخزونات الطبيعة في سبيل رقي الإنسان ونهضته بدلا من انشغاله بالحروب والفتن، ثم تبين أنه يريد العودة إلى بحيرة شيني لأنه يريد أن يتوارى في ظلمات ليل آسية قبل ان يطلع " التبر " مثل وحش يأكل الموتى، انه يريد هو وصاحبه أن ينعما في ظلمات القرون وغيابات الجهل، مطمئنين إلى ان شريعة " الغضب " وتأليه الإنسان للقوى التي يورد تأليهها ما يزالان يحكمان الوجود؛ وهذه غاية من أسوأ ما تنتهي إليه قصيدة حتى ولو كنا اأخذ هذا القول على محمل السخرية. ولا ريب في أن الذي أوقع السياب في هذا المزلق هو فكرته الوعظية عن الذهب وقدرته على إفساد النفوس، تلك الفكرة التي استدها شعريا من اديث سيتول واستمدها معتقدا من القصص الذي يتمتع أحياناً بمسحة دينية، ورآها عمليا فكرة محببة حين أخفق في أن يجد " النقود " التي تعينه على المرض ومصاعب العيش. وتتعرض القصيدة لعيب آخر، عدا هذا التحول القاصم الذي أصابها، وهو تفكك التعبير وانبساطه وتمدده دون اعتماد على الايجاد، وقد ظهرت المقارنات فيها ؟من ثم

(1/380)

ساطعة تفسيرية، وتلك عودة إلى عهد "حفار القبور" و"المومس العمياء"؛ وهذا المبنى اقرب إلى طبيعة السياب إلا أنه من الناحية الفنية أشد صلة بالتقرير أو الإقناع الذهني. ومع ذلك فأننا نميز هذه القصيدة بالحرص على المبنى الفني المحكم إذا نحن قارناها بأكثر قصائد هذه الفترة.

وبين "المعبد الغريق" و"إرم ذات العماد" مشابه شكلية؛ إذ يفتتح الحديث في كل منهما قاص، فالأول كان يهمس جاحظ العينين وهو يعب الخمر عما حدث في البحيرة من هوي للمعبد تحت سطح الماء، والثاني كان يشرب الشاي ويدخن سيكارة وهو يقص قصة " إرم " التي اختفت عن عيون الناس فهي تطوف الأرض فلا تراها إلا عين امرئ سعيد مرة كل أربعين سنة، ويشرك المعبد وإرم في الاختفاء عن الانتظار ولكن كلا منهما يمثل رمزا مستقلا، فالمعبد يمثل السعي نحو المستقبل، نحو الكنز المخبا، وإرم حلم الماضي (1) .

حلم صباي ضاع ؟. آه ضاع حين تم ... وعمري انقضى. ... وليس في بناء قصيدة " ارم " جهد كالذي بذله الشاعر في القصيدة السابقة، لأنه هنا اكتفى بقصة قصيرة ومنح للقصيدة شكلها البسيط، ولكنه اعتمد على بعض ضروب الربط والاستنكار، ففي خلال القصة ربط بين بحثه عن اللؤلؤة الفريدة وبين " نجمته البعيدة " وتذكر قصة عنتر وعبلة، وفي سيره حول سور ارم تذكر السندباد وطوافه حول بيضة الرخ، وفي وقفته في الظلام رأى نفسه مثل ناسك لا يقبله الاله في حماه وهو يدعو مسترحما؛ وبقوة هذه الانتقالات التي لم تتحول إلى استطرادات، تعمقت الأسطورة وازدادت خصبا، وتعمقت إيحاءاتها في نفس القارىء؛ ولكن السياب لا يستطيع ان يترك مشكلة يطرحها

(1) الشناشيل: 18.

(1/381)

دون حل، ولذلك قدم التفسير الختامي لها رغم أنها قادرة دون ذلك التفسير على ان تنقل من خلال الحلم الأسطوري شعورا عميقا بالأسى على استلاب اليقظة للمعجزة التي حققها الحلم، وحين يقول السياب:

وقال جدنا ولج في النشيج ... ولن أراها بعد أن عمري انقضى ... وليس يرجع الزمان ما مضى ... سوف أراها فيكم فانتم الأريج ... بعد ذبول زهرتي. ... فانه ملتزم بتعميق الأسى على " الضائغ " من طريق استخلاص العبرة أو المغزى الكامن وراء احتجاب ارم، وهي طريقة مدرسية توضيحية لم يستطع الاستغناء عنها لأنه كان يؤثر أن يكون ما يقوله مفهوما واضحا بذاته دون لجوء إلى تأويلات مختلفة؛ وقد سلمت قصيدة " إرم " من التفكك والتمدد في التعبير فجاءت تعبيراتها محكمة موشحة بالايجار غالبا، وكان ذلك من العوامل التي تقوي تأثيرها في النفس إلى جانب بساطتها القصصية، وواقعيتها في النقل. وحين أحس السياب انه حقق في هذه القصيدة مبنى جميلا نظم على مثالها قصيدة " شناشيل ابنة الجلبي " (1) فجاءت صنوا لها في الغاية والمبنى المكون من أسطورة وحل، وفي شيء من اتساق السرد وان كانت قصيدة الشناشيل مثقلة بتزاحم الصور.

وتدل قصيدة الشناشيل على انه كان في مقدوره أن يخلق الأسطورة ولكنه كان ؟فيما يبدو - معجلا عن ذلك، لأسباب أقواها ان اللجوء إلى الأسطورة يتطلب تأنيا في الرسم للمبنى، وكان في هذه

(1) نظمت قصيدة " ارم " يوم 21 - 2 - 1963 وبعد ثلاثة أيام نظمت قصيدة الشناشيل.

(1/382)

الفترة يتدفق بالشعر تلقائيا كأنه يخشى التأمل والصمت؛ كان حديثه إلى نفسه هو البرهان الوحيد على أنه ما يزال يحيا وينتج شعرا، وكان ذلك الحديث هو نفسه تلك القصائد، وفي مثل هذا الانسياب الطوعي يتضاءل الاهتمام بخطة البناء، ويصبح أي دفق شعوري هامر قادرا على التحول إلى إيقاعات تسمى شعرا؛ وهناك سبب آخر يبعده عن الرمز والأسطورة وذلك هو سطوع الحقيقة المادية على نحو يتضاءل إلى جانبه كل رمز، بل يصبح أي لجوء إلى الرمز مضحكا. ومن اجل التعبير عن تلك الحقيقة المادية ؟بكل أبعادها - جاء الشعر منساقا بقوتها وسطوعها، ولم تدع قوتها مجالا للتأمل، لأنها كانت أقوى من كل ما قد يستشف منها (1) :

ممض ما أعاني: شل ظهر وانحنت ساق ... على العكاز أسعى حين أسعى عاثر الخطوات مرتجفا ... غريب غير نار الليل ما واساه من أحد ... بلا مال بلا أمل يقطع قلبه أسفا ... ألست الراكض العداء في الأمس الذي سلفا؟ ... ولهذا كان اللجوء إلى الصراحة السافرة والقول التحقيقي المحض طريق الشاعر التي قل ان يجد طريقا سواها (2) :

ألفيتني أحسب ما ظل في جيبي من النقد ... أيشتري هذا القليل الشفاء؟ ... وتحت سياط هذه الحقيقية المادية وسفافيدها لم يعد الشاعر يعنى حتى بقوة اللمح الشعري. انه يريد ان يصور كل ما في عالمه المحدود على

(1) منزل الاقنان : 87.
(2) منزل الاقنان : 100.

(1/383)

حقيقته، ولذلك ضاع الحد بين ما يمكن ان يقال وما يمكن ان يظل مطويا وراء حجاب الصمت؛ فإذا ثار على زوجته عبر عن تلك الثورة بمرارة لا تطاق، وإذا أحس بالحرمان الجنسي اندفعت الكلمات المحمومة تقول في صراحة (1) :

نهداها ... يتراعشان، جوانب الظهر ... تصطك، سوف تبل بالقطر ... وهناك أمثلة كثيرة تعبر عن وقائع الحال بصراحة لا تعرف الكنابة أو المواربة، وتقترب في دقتها من الخبر الصحيح، لا أرى موضعا لإيرادها.

قلت: كان في مقدور بدر أن يخلق الاسطورة، لأنه بعيد عودته إلى حمى " الروحية " آثر الانسحاب من المدينة والعودة إلى جيكور عملا ؟لا تصورا، وحين صدم بواقع جيكور عاد إلى الماضي واخذ يحيي قصصه القديمة، وكأن في مقدوره ؟كما فعل في قصيدة الشناشيل - ان يجعل من كل قصة اسطورة، ولكنه لم يفعل، واكتفى بالتذكر والاستعادة، إذ لم يكن الماضي سوى مثابة للراحة من آلام الواقع؛ وهذا إيجاز لما تم يتطلب التوضيح من زاوية العلاقة بالشعر.

(1) الشناشيل: 69، وانظر أيضاً: منزل الاقنان: 61 - 63.

(1/384)

- 31 -

مذكرات أمس اليوم

هاجر بدر من بغداد وهو مغص النفس من المدينة لأنها أولا حاولت ان تحرق جيكور في نفسه ولأنها ثانيا امتلأت بمناظر دموية مرغبة؛ ولكن جيكور لم تستطع ان تنسيه هاتين الحقيقتين عن المدينة، لأنه وجد " المدينة " تحاول ان تعدو إلى الريف، فتحول مقبرة أم البروم إلى جزء منها؛ لقد عرف أن الأحياء يجلون عن ديارهم، أما امتداد يد المدينة لطرد الموتى من قبورهم فانه شيء غير معهود (1) :

ولكن لم أر الأموات قبل ثراك يجلبها ... مجون مدينة وغناء راقصة وخمار ... ولهذا استيقظت في نفسه صورة المدينة التي رسمها من قبل في " مدينة بلا مطر " وما أشبهها من قصائد، فيقول:

مدينتنا منازلها رحى ودروبها نار ... لها من لحمنا المعروك خبز فهو يكفينا ... علام تمد للأموات أيديها وتختار ... وعاد يرى فيها عروق تموز التي قال عنها من قبل (2) :

(1) المعبد الغريق: 25.
(2) قصيدة " جيكور والمدينة " في أنشودة المطر: 105.

(1/385)

شرايين في كل دار وسجن ومقهى ... وسجين وبار وفي كل ملهى ... وفي كل مستشفيات المجانين ... في كل مبغى لعشتار ... فهو لذلك يقول في العدوان على أم البروم:

تسلل ظلها الناري من سجن ومستشفى ... ومن مبغى ومن خمارة؟. من كل ما فيها ... المدينة حيثما كانت في نظرة واحدة لا تتغير، أنها مبادءة للرذيلة ، فهي تستبيح الاعتداء على الموتى:

لتثمر بالرنين من النقود وضجة السفر ... وقهقهة البغايا والسكارى في ملاهيها ... وتكاد قصيدة " ام البروم " ان تكون إعادة للمادة التي أوردها السياب في قصائد هاجم فيها المدينة، فهي مثال على عودة الشاعر إلى وسائله المألوفة واستغلاله لها.

وأما نفوره من المدينة لأنها امتلأت بمناظر القتل والحرق والصلب فانه ظل ينبعث في نفسه بين الحين والحين رغم استقراره في جيكور طلبا للطمأنينة. ولهذا عبر عنه في بعض قصائده مثل " المعبد الغريق " و " ابن الشهيد " . وتستوقفنا تلك المقدمة التي كتبها للقصيدة الثانية حين نشرها بمجلة الآداب: " يسرني أن يعود الولد الضال إلى بيته، وان أعود إلى الآداب التي على صفحاتها متنفسي الطبيعي الذي أعاهد نفسي أن يدوم أبدا " (1) . ولكن هذا العهد لم يكن إلا ومضة عابرة،

(1) الآداب (عدد حزيران) 1962 وانظر المعبد الغريق: 125.

(1/386)

إذ سرعان ما وجد نفسه يعلق في شباك حوار ومنظمة حرية الثقافة ؟لحاجته إلى المال - .

ولو كان ثمة مجال للحديث عن تجاوب التوأمين عند ذكر العلاقة بين الإنسان والمكان لقلنا دون تردد ان السياب أحس بزحف المرض وبشبح الموت يسعى نحوه حين رأى الفناء قد أناح بكلكله فوق جيكور، فقد مان هو ولقرية يرتبطان كالتوأمين بمراحل الولادة والصبا والشباب والأكتهال، وحين رأى السياب نفسه في مرآة القرية التي أحبها ندت عنه صرخة تقول: " جيكور شابت " ؛ لقد كان يهدف حين عاد إليها ان يعيش ؟كما عاش الطفل القديم - في " ظل النخل " (1) الذي يمتد فيئه " كأهداب طفل " ، ولكن الحيرة تملكته إزاء هذه المسافة التي قطعتها جيكوز في الزمن (2) :

جيكور ماذا أنمشي نحن في الزمن ... أم أنه الماشي ... ونحن فيه وقوف؟ أين أوله ... وأين آخره؟ هل مر أطوله؟ ... أم مر أقصره الممتد في الشجن ... أن جيكور هذه التي تحيره ليست هي التي يريدها ولذلك طالبها بأن ترد إليه أي تعود كما كانت، بل طالبها بأن تعيده إلى الحياة لأنه يرى نفسه يرى نفسه في مآتها ميتا:

ردي إلي الذي ضيعت من عمري ... أيام لهوي؟. وركضي خلف أفراس ...

(1) المعبد الغريق: 109.
(2) المعبد الغريق: 110.

(1/387)

تعدو من القصص الريفي والسمر ... ؟..

جيكور لمي عظامي وانفضي كفني ... من طينه واغسلي بالجدول الجاري ... قلبي الذي كان شباكا على النار ... وأراد من جيكور ان تمد إليه افياءها:

أفياء جيكور أهواها ... كأنها انسرحت من قبرها البالي ... من قبر أمي التي صارت أضالعها التعبى وعيناها ... من أرض جيكور ترعاني وأرعاها ... ولكن يجوز كانت قد تقلصت افياؤها وتغضنت وجناتها " جيكور شابت وولى صباها " (1) ، ولهذا عاد يسألها سؤال الحيران:

هل ترى أنت في ذكرياتي دفينه ... أم ترى أنت قبر لها فابعثيها ... وابعثيني؛ وهيهات ما للصبا من رجوع ... أن ماضي قبري وانى قبر ماضي؟. (2) ... ولم تكن جيكور وحدها هي التي أدركها الخراب، بل قلب جيكور نفسه كان قد توقف عن النبض، وقلب جيكور هو " بيت الجد " الذي فتح بدر فيه عينيه على الدنيا ولذلك رثى هذا البيت مرتين، وكان كأنه ينتحب وهو يصرخ في أولاهما: (3)

(1) المعبد الغريق: 41.
(2) المعبد الغريق: 143.
(3) انظر قصيدة " دار حدى " في المعبد الغريق: 45 وما بعدها.

(1/388)

طفولتي صباي أين أين كل ذاك ... ورأى الفناء يحدق إليه من الحجار كما وجد صنوه في دمه:

أم أنني رأيت في خرابك الفناء ... محدقا إلي منك، من دمي ... مكشرا من الحجار؟ ... وسماه في القصيدة الثانية، " منزل الاقنان " (1) ، وهي تسميه غريبة، إذ من المعروف أن القن تعني " من يولد عبدا " ، فهل اختار الشاعر هذه التسمية لأن نزعة إقطاعية ساورته في تلك اللحظة أو لأنه كان ينظر في شيء من الاحتقار إلى الإقطاعيين الذي لم تبق منهم بقية سوى جدران بيت خرب؟ ليس هناك جواب حاسم ولكنا نعلم من قصيدة أخرى أن لفظة " قن " ترد في معرض التنقص والتحقير:

ونفسا حدها بين السرير وبين قائمة الحساب كأنها قن ... من الأقنان (2) ... ولكنا لا ندري لمن كان يوجهها وهو يتحدث عن بيت جده.

وحين وجد السياب أن الفناء قد عصف برواء جيكور التفت بشدة إلى ذكريات الماضي، وأراد ان يبعثه حيا أو ان يعيد بناء لبناته من جديد، ومما قوى التفاته إلى ذكرياته، وقوعه في براثن المرض، فإن العودة إلى الماضي أصبحت ملجأه من حاضره المعذب بالأسقام، ولهذا انقسم شعره في هذه الفترة في موضعين ذاتيين على الأغلب: الحديث عن آثار الماضي وصوره أو الحديث عن آلام الحاضر، وقد يجمع بين الموضوعين علاقة الشاعر بالموت.

(1) انظر ديوان منزل الاقنان: 82 وما بعدها.
(2) إقبال: 26.

(1/389)

إن الذين مهدوا للسياب سبيل السفر إلى إحدى الجامعات الإنكليزية ليدرس فيها ويتفرغ لتدوين مذكراته قد غفلوا عن حقيقة هامة: وهي عجز السياب الفاضح عن كتابة مذكرات ذات طابع تاريخي فني متناسق وتدرج محكم؛ إذ لو فعل ذلك لصب مادة شعره كلها على شكل نثري؛ ولهذا اختار هو الشكل الشعري فكتب ثلاثة دواوين وبعض رابع تحدث فيها عن ذكريات الماضي وعن ابرز لحظات الحاضر، وواضح ان جانبا كبيرا من الماضي إنما اعتمد على الحلم وان اكثر الحاضر كان خلوا من الأحداث ومعنى ذلك ان السياب لو حاول ان يكتب مذكراته لجاءت مخفقة بطيئة ضعيفة الحركة وهي انا أن تعتمد التأمل في تجارب الماضي والحاضر، وذلك شيء لا يحسنه، وأما أن تحوي أحداثاً مثيرة (عدا فترة الخصومة مع الشيوعية) وهو لا يملكها. ولهذا أحسن صنعا بمذكراته حين صاغها في قوالب شعرية.

وتكاد كل صور الماضي تستعاد من جديد: فتحيا الأساطير القديمة التي تحكي عن الجنية وسندباد وقمر الزمان وعنتر وتصحو " وفيقة " من هجعتها العميقة ويتراءى للعين شباكها الذي يمثل نافذة الأمل، ويعود خيال ابنة الجلبي وشناشيل شباكها؛ ويلخص الشاعر تاريخ حياته في قصيدة " ليلة في العراق " (1) كما يتحدث عن تاريخ حبيباته السبع وعن مصايرهن في قصيدة " أحبيني " (2) ؛ حتى الراعي القديم ينبعث حيا ليتحدث إلى النهر الذي عرفه في الصبا، وليجدد العهد لهالة (3) ؛ وفي ليلة شتائية كثيرة المطر والثلج بلندن رأى فتاة ذكرته بآخر فتاة احبها قبل زوجته (4) كذلك عاد يستحث تصوراته القديمة عن

(1) الشناشيل: 39.
(2) الشناشيل: 59.
(3) انظر قصيدة " يا نهر " في المعبد الغريق: 84 - 88.
(4) منزل الاقنان: 70.

(1/390)

بودلير الذي أوحى له من قبل بقصيدة " الروح والجسد " (1) ؛ وفي قصيدة " فرار عام 1953 " (2) استعادة لرحلته إلى الكويت وما انتابه من حنين إلى العراق. وقد كشفت هذه الذكريات عن حقيقة هامة هي العلاقة بين الطفولة والمطر وقيمة رمز المطر في حياة السياب. فقد بدأ أن الذي يفتنه من منظر المطر وما يصحبه من برق ورعد إنما هو ما يتكشف عنه الجو الماكر من وجود، وقد ارتبط ذلك الجو في ذهنه بحلمه الكبير، أن يتزوج (أو ان يرى على الأقل) بنت القصر المنيف، وهذا هو الحلم الذي عبر عنه في قصيدة " شناشيل ابنة الجلبي " وقرنه بمنظر المطر:

وأرعدت السماء فطار منها ثمة انفجرا ... شناشيل ابنة الجلبي ... ثم تلوح في الأفق ... ذرى قوس السحاب؟. ... ولهذا تجاوز منظر المطر دائما إلى ما وراءه، ولعل هذا الإحساس هو الذي كان يسيطر على نفسه وهو يكتب إلى زوجته (3) :

من خلل الضباب والمطر ... ألمح عينيك تشعان بلا انتهاء ... فالزوجة هنا ؟من قبيل الشعور بالجميل - قد حلت محل " ابنة الجلبي " وان لم تكن كذلك في مطاوي شعوره.

وقد كان يحس ؟دون تهويل - ان الماضي هو الحقيقة

(1) المعبد الغريق: 115.
(2) المعبد الغريق: 131.
(3) منزل الأقنان: 41.

(1/391)

الوحيدة التي تستحق ان تعاش، ولذلك كان يرى صلته بالحاضر نوعا من الكذب والتصنع، فيحتاجه إحساس شامل بالتعب (1) :

تعبت من تصنع الحياة ... أعيش بالامس، وادعو أمسي الغدا ... كأنني ممثل من عالم الردى ... ؟..

تعبت " كالطفل " إذا أتعبه بكاه. ... ولهذا كانت أقوى صور الماضي يقظة في نفسه هي صورة الأم، وكان للمرض أثر كبير في مضاعفة الرابطة وتضخيم الحاجة إليها؛ واتخذ بدر للعودة إلى الام طريقين: إيحائية وعامدة؛ فمن الأساليب التي اتبعها في الطريقة الإيحائية ان جعل أما تفتش في لوعة عن ابنتها التي اختطفها الموت في قصيدة " الأم والطفلة الضائعة " (2) ، وذلك عكس للواقع الذي كان يعانيه، وزيادة في إحساسه بأنه هو الميت على التحقيق وان أمه هي التي تبحث عنه. ومن العبارات الدالة في هذه القصيدة قوله: " مضت عشر سنوات " ، فان هذا المقدار من السنوات هو الذي يفصله عن وفيقة: (3)

عشر سنين سرتها إليك، يا ضجيعة تنام ... ذلك ان الحديث عن وفيقة إنما كان أيضاً حديثا عن أمه بطريقة ايحائية، فوفيقة تجمع في طبيعة حياتها وموتها بين بدر وامه، فهي فتاة من عائلته (وفيقة بنت صالح بن محمد بن السياب) ماتت أمها وتركتها يتيمة، كما حدث لبدر، ثم توفيت في حال وضع وتركت طفلا يتيما. فهي في

(1) المعبد الغريق: 36 - 37.
(2) المعبد الغريق: 59.
(3) المعبد الغريق: 73.

(1/392)

شخصها تمثل مشكلة بدر وهي في موتها تمثل الام، وكان هذا التلاقي في المصيبة هو الذي يعطف بدرا إليها، ولهذا نحس ان حديثه عنها وإن حمل ألفاظ الحب، لا يعني إلا " إسقاطا " نفسيا أو نقلا، ولهذا يقول لها " يا اقرب الورى إلي " (1) رغم بعدها العميق عنه، وهو البعد الذي يصوره بقوله:

وأنت في القرار من بحارك العميقة ... أغوص لا أمسها، تصكني الصخور ... تقطع العروق في يدي، أستغيث: " آه يا وفيقه " ؟ ... وهي نفس عملية الغوص على المحار الضائع حين يتحدث عن طفولته وأمه وعن أحلامه على ضفة بويب.

ولهذا أيضاً كان شباكها الأزرق إحدى نوافذ الرجاء ؟وان كان رجاء شارعا على الموت (2) ؛ وقد استيقظت وفيقة في نفسه على أثر أغنية سمعها لام كلثوم (3) ، وكانت هذه الاستفاقة من أشد اليقظات أسى على أن وفيقة تزوجت غيره:

واشرب صوتها فيظل يرسم في خيالي صف أشجار ... أغازل تحتها عذراء؛ أواها ... على أيامي الخضراء بعثرها وواراها ... زواج. ليت لحن العرس كان غناء حفار ... وليس واضحا أي زواج يعنيه بدر: أهو زواج وفيقة من غيره، أم زواجه هو، وحين نبلغ قوله:

(1) المعبد الغريق: 73.
(2) انظر قصائده في وفيقة في المعبد الغريق: 5 - 23.
(3) الشناشيل: 86.

(1/393)

قساة كل من لاقيت: لا زوج ولا ولد ... ولا خل ولا أب أو أخ فيزيل من همي ... تعود وفيقة فتتخذ دور " الأم " لأن الأم هي الوحيدة التي كانت كفاء بإزالة همه بين ذلك الصف الطويل من علاقات القربى والصداقة. لهذا فأني لا أرى فصلا بين الحديث عن جيكور وبويب والأم ووفيقة، لانها جميعا ترمز لشيء واحد؛ ذلك أن وفيقة ليست كسائر الحبيبات اللواتي عرضن له في طريق الحياة، وأقربهن إليها ؟رغم التفاوت الكبير - ذات المنديل الأحمر التي كانت تكبره بسبع سنوات.

تلك هي الطريقة الإيحائية التي اتخذها للحديث عن الأم، فأما الطريقة العامدة فأنها تتمثل حينا في استدعاء الام له ليلحق بها (1) :

وتدعو من القبر أمي: " بني احتضني فبر الردى في عروقي ... فدفء عظامي بما قد كسوت ذراعيك والصدر، واحم الجراح ... جراحي بقلبك أو مقلتيك ولا تحرفن الخطى عن طريقي " ... ويكون جوابه على هذا الدعاء:

فيا قبرها افتح ذراعيك؟. ... أني لآت بلا ضجة، دون آه! ... ويتصور هذا الاستدعاء في صورة يد ممدودة إليه تحجب إليه الموت (2) :

أوشك أن أعبر في برزخ من جامدات الدماء ... تمتد نحوي كفها، كف أمي بين أهليها: ... " لا مال في الموت، ولا فيه داء " . ...

(1) منزل الاقنان: 17.
(2) منزل الاقنان: 101 - 102.

(1/394)

وأحيانا يتراءى له أن اللقاء بالأم قد تحقق، ولو وهما، فاستراح إلى عطفها وكلماتها الحانية: (1)

ولبست ثيابي في الوهم ... وسريت: ستلقاني أمي ... في تلك المقبرة الثكلى؛ ... ستقول: أتقحم الليلا ... من دون رفيق ... جوعان؟ أتأكل من زادي ... خروب المقبرة الصادي ... والماء نهلا ... من صدر الأرض؛ ألا ترمي ... أثوابك؟ والبس من كفني ... لم يبق على مر الزمن ... عزريل الحائك إذ يبلى ... يرفوه. تعال ونم عندي ... أعددت فراشا في لحدي ... لك يا أغلى من أشواقي ... فأمه ترحب بعودته، ولكنها جازعة من الوحشة التي يحسها وهو سائر وحده، ذلك أنه كان منذ مدة قد تخلى عن الموت في الجماعة ولذا اصبح موته الفردي مصدرا للخوف والفزع؛ ومن اجل هذا عادت أمه تأسى لوحدته في ذلك الطريق (2) :

" ويلاه! كيف تعود وحدك، لا دليل ولا رفيق " . ...

(1) الشناشيل: 20 - 21.
(2) الشناشيل: 27.

(1/395)

فيجيبها معاتبا لأنها اختارت ؟في عهد مبكر - أن تعيش في عالم لا عودة منه:

أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار ... لا باب فيه لكي أدق ةلا نوافذ في الجدار ... كيف انطلقت على طريق لا يعود السائرون ... من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار ... وفيما كان في مستشفى الموانئ جاءه نسيم الليل يحمل إليه همسات أمه وهي تقول: " مضى أبد وما لمحتك عيني " (1) فيؤكد لها أنه يعشق الموت لأنها بعض منه:

فما أمشي؛ ولم أهجرك، أني أعشق الموتا ... لأنك منه بعض؛ أنت ماضي الذي يمض ... إذا ما اربدت الآفاق في يومي فيهديني ... ولكنه رغم عشقه للموت كان يؤثر الحياة اكثر، ولذا فهو يطلب إليها أن تأتي وتصنع معجزة:

أيا أمي تعالي والمسي ساقي واشفيني ... ان عودة الشاعر إلى الأم، هي التي ترسم علاقته بالموت في هذه الفترة، وقد اتضح أنه لم يعد " انتصاراً " وإنما راحة من العناء في أحضان الأم. وقد تتم هذه الراحة في هدوء الاستسلام، كما قد تجيء عاقبة للضجر من المرض الممض؛ فلو كانت الدرب إلى االقبر في أقصى أركان الدنيا لسعى إليه (2) :

(1) الشناشيل: 94.
(2) إقبال: 29.

(1/396)

لسعيت إليه على رأسي أو هدبي أو ظهري ... وشققت إلى سقر دربي، ودحوت الأبواب السودا ... وصرخت بوجه موكلها ... لم تترك بابك مسدودا؟ ... ولكنه حين يتصور أنه لم يكتب كل ما في نفسه يتمنى لو يتمهل الموت قليلا حتى يتم رسالته الفنية (1) :

فدونك يا خيال مدى وآفاق وألف سماء ... وفجر من نجومك، من ملايين الشموس، من الأضواء ... وأشعل في دمي وزلزال ... لأكتب قبل موتي (أو جنوني أو ضمور يدي من الإعياء) ... خوالج كل نفسي، ذكرياتي، كل أحلامي ... وأوهامي ... وأسفح نفسي الثكلى على الورق ... ليقرأها شقي بعد أعوام وأعوام ... ليعلم أن أسقى منه عاش بهذه الدنيا ... وآلى رغم وحش الداء والآلام والأرق ... شطرورغم الفقر أن يحيا. ... وكان على وعي دقيق بأن الشعر هو طريقه للبقاء (2) :

فيكتب القصيدة يريد أن يجدد البقاء، أن يعيده ... ولكن كل ما حوله كان محاطا بالموت، حتى الشعر نفسه، ومن ثم ...

(1) إقبال: 40.
(2) منزل الاقنان: 110.

(1/397)

لم تبق إلى تبق إلى جانب الموت حقيقة أخرى، فهو القوة السارية في كل مظهر من مظاهر الحياة، وعند هذا الحد يكون تموز رمز الحياة والخصب قد احتجب عن ناظريه وحل محله " مناة " ، - أو المنية - ولذلك جاءه صوت الموت يفيض بهذا الجبروت المطلق (1) :

" تهدم حائط الأجيال ... وكاد يغور إذ لمسته كفي؛ ألف نوح زال ... وألف زليخة صيرت كحل عيونها ظلمة ... أنا الباقي بقاء الله اكتب باسمه الآجال ... وما لسواه عند مطارق الآجال من حرمه " ... هنا في كل موت ألف موت، كان في الضمه ... وفي القبلات، في الأقداح ... تدور الاسطوانة وهو فيها لمعة الضوء ... يوسوس في تهدج صوتها فيخادع الأرواح ... ويلمس جبهة الملاح في النوء. ... ورغم أن لحظات الواقع كانت تمرسا عمليا بزحف الموت، فإن تنقله رجاء الاستشفاء فتح طريقا جديدا إلى الذكريات، وفي تردده بين روما وبيروت ولندن وباريس والكويت كان الحنين يعصف به تلك الذكريات، وكانت العودة دائما أملأ عذبا، لأن كل سفرة كانت تعجله يظن أن الماضي قد فر إلى رجعة وأسلمه إلى آلام الحاضر. ولعل من التذكر النموذجي أن تخطر بباله مقابر " الأطفال " في حمى أمهم العظمى وهو بعيد في بيروت:

ذكرت مقابر الأطفال ...

(1) المعبد الغريق: 151 - 152.

(1/398)

تلوذ بكل سفح، نام فيها دون أثداء ... ولا قمط، صغار من حصاد الجوع والداء ... لقد رضعوا من الثدي الذي لم تبله الأجيال ... وناموا في حمى الأم التي لا يستوي الأطفال ... ولا الأشياء إلا في حماها، في حمى ترب وظلماء ... وحين سئل السياب ذات مرة " ما هو أحسن ما تعتز به من شعرك " قرأ على مسامع سائله هذه الأبيات نفسها (1) وسر ذلك أن السؤال وجه إليه وهو يقترب من الموت ومن حمى الأم العظمى، وأن الأبيات تعبر عن رغبة الطفل المستقر في نفسه في موت مريح، فللأطفال في شعره مكانه لا تزاحم، ومن أجل هؤلاء الأطفال كان يتصور أنه ثار مع الثائرين على الظلم والاستعباد، ومن أجلهم انضم إلى الحزب الشيوعي حتى أنكر على نفسه أن يسخر شعره لحديث الحب وجمال الطبيعة بينما الأطفال جائعون (2) :

كيف يجوع آلاف من الطفال ملتفه ... بآلاف الخروق تعربد الريح الشتائية ... بها، وأظل أحلم بالهوى والشط والقمر؟! ... من هنا بدأت رسالته الإنسانية، وحين تذكر " مقابر الأطفال " كان ما يزال يتشبث بخيوط واهية تبقت من تلك الرسالة، لأن الكفاح في سبيل أولئك الأطفال لم يعد يقدر عليه رجل كسيح. ولكن من يقرأ شعر السياب سيلحظ فيه ذلك الحب العنيف لكل مظاهر الطفولة، وهو حب لم يتغير لحظة ولا اعتراه أي وهن.

(1) انظر صحيفة العلم المغربية (جمادى الأولى 1386، 2 سبتمبر 1966 العدد 5958).
(2) الشناشيل: 41.

(1/399)

واشتملت مذكراته على تقييد كل دقائق الحاضر: من الأمل بالشفاء وحب العودة، والتشوق إلى الزوجة والأبناء، وصورة الزوجة وهي تؤمل عودته، ومن تطور المرض، وفعل التجارب والأدوية الطبية في جسمه، وتصوره للأحتضار، وكتابته وصيته وعنايته بكتابة شاهد على قبره، وقلقه وسخطه وثورته وعجزه وتردد نفسه بين الثورة والعجز، والإحساس بالوحدة والنفي وعشرات أخرى من الأحوال التي يعانيها مريض مقيد إلى سرير؛ ذلك هو عالمه من التجربة، ولذلك فانه استغل مادة ذلك العالم حين شاء أن يظل يتغنى أو ينوح ليسمع صوت نفسه. ومن الطبيعي ان يكون جو قصائده هو جو " الغرفة المغلقة " وما يدور فيها من هواجس، ولهذا انتلأت قصائده ؟وخاصة فواتحها - بمثل: " الغرفة موصدة الباب " و " الباب ما قرعته غير الريح " و " كما ينسل نور خائف من فرجة الباب " و " فنور غرفتي إيماض برق؟ " و " خلا البيت؟ " و " أوصدي الباب " و " يا غربة الروح في دنيا من الحجر " و " كمستوحد أعزل في الشتاء " و " سهرت فكل شيء ساهر " و " من مرضي، من سرير الأبيض " ؟ وهلم جرا مما هو علاج للوحدة والوحشة والسهر في غرفة مغلقة تعج فيها الهواجس وتتموج وتتضارب كيف شاءت. وحين تتصور انحباس إنسان كان طليقا في غرفة نائية لا يؤنس فيها وحدته أحد، نتذكر على التو ان صور الضياع كانت تتراءى لعينيه على شكل صروح مفقودة، لا حجرة صغيرة مغلقة، كمعبد شيني وارم ذات العماد وذلك هو الفرق بين أحلامه وواقعه؛ وقد ظل يتشبث بالصرح المائل للخراب وهو يتحدث عن انهياره الذاتي، فليس الذي يتراءى له ظلا يغيب وإنما مبان ضخمة تتهدم، وصوت الموت فيها هو رنين معول حجري ثقيل (1) :

(1) إقبال: 39.

(1/400)

رنين المعول احجري في المرتج من نبضي ... يدمر في خيالي صورة الأرض ... يهدم برج بابل، يقلع الأبواب، يخلع كل آجره؟ ... وهذا لا يعد اعتدادا بالنفس ما هو ميل طبيعي لديه إلى تضخيم الصور، فالحقيقة اكبر من ان تقاوم، وحين يغبط المرء الدودة على عيشها يكون قد استكان للحقيقة المرعبة (1) :

الدودة العمياء يلسعها ... برد يقلصها ويطويها

أواه لو ترضى تبادلني ... عيشي بعيش كاد يفنيها وهذه الحقيقة التي تجعل " الرجلين ريحا تجوب القفار " (2) هي التي جعلته حتى في الماضي كسيحا تمشي إليه الحقول بدل أن يمشي إليها (3) :

إلى أن تسير الحقول ... إلينا فنقطف منها الثمر ... ومن قبل عرضنا للسياب السائر ؟الواقف الذي قيدته أحزان الحي في العصر الرومنطيقي فهو يهم بالسير ولا يستطيع.

بقي ان نقول شيئا في الطبيعة العامة لقصائد هذه الفترة، وهي أغزر الفترات شعرا إذا نظرنا إلى عدد القصائد، ولكن نطاق التجربة فيها محدود، ومن هنا تعرضت للتكرار في الموضوعات، كما جاءت دون تنقيح، لأنها كتبت وطأة المرض، وقد تخلص السياب فيها من المؤثرات الثقافية لأنه كان مشغولا بحاله عن الدرس والمراجعة، وقل

(1) إقبال: 56.
(2) المعبد الغريق: 124.
(3) المعبد الغريق: 90.

(1/401)

فيها الحرص على مبنى فني مركب، لأن أكثرها انفجر مع انفجار اللحظات العاطفية المترجحة بين التفاؤل واليأس، فهي تتدفق مع سورة العاطفة وتقف بتوقفها في اللحظة المعينة، وقد حاول الشاعر في بعضها التلاعب بالوزن، وأبرز مثل على ذلك قصيدة " جيكور أمي " (1) حيث يتعاقب وزن الخفيف والرمل والرجز وهي من اشد القصائد إخفاقا، وتعد نوعا من العبث أو التجربة العابئة في نطاق الإيقاع الشعري. وكثير من قصائد هذه الفترة اشد حرصا على نوع من التوازن في القافية من سائر شعره، وبعضها مزيج لا تعرف له سببا بين تفعيلات متساوية في الشطرين وأخرى متفاوتة. والحقيقة الباهرة في هذه القصائد ليست في موضوعها ولا صورها ولا تنوعها وإنما هي في عدم سأم الشاعر من التدفق بها. ولعل من المفيد أن نستأنس هنا برأيه في اشعر عامة، وفي قصائد هذه الفترة خاصة، فأما نظرته إلى القصيدة من حيث هي عمل فني فيتمثل في قوله (2) :

وهكذا الشاعر حين يكتب القصيدة ... فلا يراها بالخلود تنبض ... سيهدم الذي بنى، يقوض ... أحجارها ثم يمل الصمت والسكونا ... وحين تأتي فكرة جديدة ... يسحبها مثل دثار يحجب العيونا ... فلا ترى. إن شاء أن يكونا ... فليهدم الماضي فالأشياء ليس تنهض ... إلا على رمادها المحترق ...

(1) الشناشيل: 77.
(2) منزل الاقنان: 127.

(1/402)

منتثرا في الأفق ... وتولد القصيدة ... ولكن السياب في هذه الفترة خالف هذه الوصية لأنه لم يكن يهدم ما يبني، ولم يكن لديه أفكار جديدة تنهض على رماد ما قد يهدمه ويحرقه، ولذلك أحس بأنه لم يعد الشاعر الذي كان، ولم تعد قصائده كما كانت (1) :

هي حشرجات الروح اكتبها قصائد لا أفيد ... منها سوى الهزء المرير على ملامح قارئيها ... وأحس من اجل ذلك ان المغني قد هرم، وانه لا يطلب من الناس شيئا سوى ان يسمعوه، مجاملين:

هو مائت أفتبخلون ... عليه حتى بالحطام من الازاهر والغصون ... أتراه كان يلمح هذا الإرهاق الذي أصاب نفسه وشعره حين أجاب مراسل صحيفة العمل التونسية عن المفاضلة بين نهضة الشعر في العصر العباسي والنهضة الحديثة، بقوله: " الشعر العربي الماضي أحسن. ما زالت الأمة العربية لم تنجب شاعرا يضاهي المتنبي أو أبا نمام أو طرفة وغيرهم؛ وزمان الشعر قد انقضى فالعصر ليس متهيئا الا للشاعر الكبير جدا حتى يعبر عن العصر " (2).

كلمة تصلح ختاما لجهاد طويل في تاريخ التجربة الشعرية، ولكنها أشبه بحكمة يقولها شاعر ؟طالما أحس بعظمة ما أداه - لإخوانه أصحاب الاتجاه الحديث في الشعر. غير ان بدرا نسي ان " الشاعر

(1) منزل الاقنان: 130.
(2) نقلته العلم المغربية عن الصحيفة التونسية (العدد: 1958).

(1/403)

الكبير جدا " في كل عصر هو المعبر الوحيد بين الشعراء عن قضايا الإنسان في عصره، بطريقة فنية يتجاوز بها عصره، فينتصر بجدتها على الدثور وبتجددها على النسيان.

(1/404)

- 32 -

خاتمة

حين سميت المرحلة الأولى من حياة السياب باسم "البحث عن النخلة" كنت اعلم ان ذلك البحث لا يقتصر على مرحلة واحدة من حياته بل يشتمل جميع تلك المراحل، فالنخلة كانت رمزا للأم وصورة للإله، وهي أيضاً تمثل نهر بويب وجيكور والحبيبة والريف والعراق وفي ظلها يقع المحار " ألهية الطفولة " والموت المريح، وبين سعفها الأخضر تطوف أحاديث الرعاة والهوى، أي أنها تصل بين طرفي الحياة والموت وتجمع شتى الأشواق والأحاسيس والرغبات المستعلنة منها والمتغلغلة في الكمون، وعليها تقاس الأشياء والأحداث وبوحي منها تفهم الفلسفات والمبادئ، فتصبح المدينة ؟مثلا - ظاهرة بغيضة لأنها تبعد الطفل عن النخلة، ويصبح " النضار " ربا ممقوتا لأنه يفقد صاحبه الحب الذي كانت توفره الظلال " الرعوية " الوارفة، وتستهجن بعض المبادئ لأنها تستبيح ان تصلب " عشتار " (الام القديمة والحبيبة) وتدق في رحمها مسمارا، وتطرد الإله من حومة المدينة. وحين سميت هذا السعي الدائب للعودة باسم " البحث عن النخلة " كنت المح ما يحمله هذا العنوان من مقارنة ساخرة، فالنخلة شاهرة فارعة تتطلب بحثا، ولكن السياب كان يبحث عن المعاني الباطنية فيها حينا وعن بديلاتها حينا آخر، ولهذا انفق عهد الصبا والشباب

(1/405)

وهو يبكي الحرمان من هذه " النخلة " أو يحاول ان يجد ما يعوضه عنها، فانتقل بخياله من حبيبة إلى أخرى، وانتمى إلى حزب ثوري، وتلمس ؟طويلا - طريقا تؤدي به إلى الفن الشعري الصحيح، واستطاع في الدور الأول من حياته أن يذيب قلبه أسى وتحرقا للحب وهو يحس بعد كل خطوة أن هذا الحب لن ينجو من تأنيب الام ولن ينال رضاها ولذلك كان يقول لنفسه دائما اثر كل وقفة عاطفية: لا ليست هذه هي المنتظرة أو هي التي انتظرتها طويلا ولكنها لا تختلف عن غيرها من بنات حواء مكرا وخيانة وغدرا. وفي ذلك الدور من حياته كان خرعا منخوب القلب يتمثل له الموت في كل خطوة - فيفر منه إليه، ولهذا كان انضمامه إلى حزب ثوري محاولة للهرب من الموت بالانغمار في تيار صاخب قوي. وكان فنه في هذه الفترة شديدة التردد والتفاوت يحاول التمسك بأذيال القصيدة القديمة فيحس بالعجز عن ذلك ويفتش عن طريقة يوارب بها ذلك العجز، وفجأة لاح له ان التخلص من ضعفه لا يتم إلا بالاعتماد على شعر متفاوت في تفعيلاته، فانتحى هذه الطريقة ليمعن في تحليل خلجاته الرومنطقية لا ليجعل منها وعاء لموضوعات جديدة، ولهذا كان منحاه الجديد شكليا خالصا، وقد بلغ أقصاه في قصيدة " في السوق القديم " التي تجمع بين التفاوت في التفعيلات والاستقصاء ولهذا أوحت إليه انه قادر على ان ينظم ؟في هذا الشكل الجديد - قصائد طويلة تميزه عن كثير من الشعراء المعاصرين؛ ولكن إصراره على التمسك برومنطقيته الحالمة جنبا إلى جنب مع ثوريته الحزبية خلق في نفسه ازدواجا بين الواقع والفن، وظل هذا الازدواج قائما حتى حطم لديه انتماءه الحزبي بعد محاولات بذلها في سبيل الربط بين طرفي تلك الثنائية.

وتتميز المرحلة الثانية بالبحث عن بديل فني للنخلة، ولذلك دعيت هذه الفترة باسم " البحث عن الملحمة " ، أي عن قالب فني

(1/406)

بوازي النخلة طولا ورسوخا وجلالا. وكان السياب يظن ان كل قصيدة طويلة تستحق أن تسمى " ملحمة " ، ومع أننا لا نستطيع ان ننكر عليه النفس الملحمي وبعض الوسائل التي تتطلبها الملحمة، لا نقره على أن قصائده الطوال كانت ملاحم بالمعنى الفني الدقيق. وقد بسطت القول في قصائد هذه الفترة تحليلا ونقدا لأنها الصورة الأولى لجهد يحاول التفرد في الشكل والموضوع، وهي فترة تتميز بالازدواج على غير صعيد: فهناك ازدواج على صعيد الحياة نفسها وازدواج في موضوعات القصائد وثنائية لا يتطابق طرفاها في بناء القصيدة الواحدة أحيانا. وقد انقسمت تلك القصائد الطويلة في مجموعتين: مجموعة القصائد " اليسارية " التي تقوم على الازدواج بين الحرب والسلم والعبودية والحرية والدمار والبناء مثل " فجر السلام " و " الأسلحة والأطفال " ومجموعة أخرى تمثل البناء القائم على التداعي مثل " حفار القبور " و " المومس العمياء " . ويبدو الموضوع في المجموعة الأولى مفروضا على الشاعر ابتداء من خارج نفسه ولذلك تميزت تلك القصائد بالافتعال والفتور العام ومن ثم بالإخفاق في المبنى الفني كما ان قصائد المجموعة الثانية تمثل نقمة غير واضحة على الذات الخانعة المستسلمة وعلى سلطة الأب الجائرة القاسية، ولهذا كانت الروح " الدرامية " فيها ضعيفة جدا، وكان بناؤها على التداعي الحر سببا في إخفاق مبناها الفني كذلك. ولكن البحث عن الملحمة كان حلما يساور السياب حتى بعد أن تجاوز هذه الفترة، ولم يتضح له عجزه عنها إلا حين أخفقت قصيدته عن قصة القنبلة الذرية ورؤيا فوكاي فلم يتحقق لها مبنى منتظم موحد؛ ورغم الإخفاق في المبنى الفني فان هذه القصائد جميعا تدل على إخلاص عميق في سبيل الكشف عن المقدرة الشعرية، وتحمل في جوانبها شيئا كثيرا من أروع ما نظمه السياب.

وجاءت مرحلة الكشف التي سميتها " تجلي ارم " ؟لأن تجليها

(1/407)

يعني أن الشاعر قد اهتدى إلى ما كان يبحث عنه، وكانت قصيدة " أنشودة المطر " فاتحة هذا التجلي لأنها تخلت عن الازدواجية القديمة واعتمدت الوحدة المظلمة في كل الجوانب، ولأول مرة يتحدث الشاعر عن العراق وعن نفسه حديثا متطابقا ويبني قصيدته على وحدة متكاملة تستدعي التفاؤل الختامي ضرورة ناجمة عن المبنى نفسه، لا كما كان هذا التفاؤل من قبل متصلا بالمبدأ الخارجي دون أن يكون نابعا من نفس الشاعر. كان السياب ؟عند هذا الحد - قد نضج فنيا، وساعدت على نضجه المحاولات المتكررة والينابيع الثقافية والمحاكاة الواعية، فنظم في هذه الفترة قصائده الكهفية، التي تمثل انصهار الشاعر في أمته وقهره للموت أو تقبله له لأنه موت " في الجماعة " كما نظم قصائد أخرى تعد فنية خالصة واعتمد فيها بناء محكما مثل " تعتيم " و " أغنية في شهر " . وتعد القصيدة الأخيرة من الوجهة الفنية الخالصة من أجمل ما نظمه الشاعر على طريقة لم يتح له ان يمارسها في شعره من بعد إلا قليلا، وفيها تتجلى قدرته على استغلال " الأسطورة " استغلالا اصبح سمة لقصائد هذه الفترة والتي تليها، فقد اكتشف ما يمكن ان تمده به أسطورة تموز، وما كاد يجد راحة نفسه فيها هاربا من " واقعيته الحديثة " حتى مزجها برمز " المسيخ " ، وبذلك كان يبتعد رويدا رويدا عن حمى الجماعة إلى منطقة " الخلاص " الفردي الذاتي. وقد انشأ في هذه الفترة " فترة سلال الصبار في بابل " مزيدا من القصائد ذات المبنى الفني المحكم مثل " النهر والموت " و " مدينة بلا مطر " و " جيكور والمدينة " . وتعد قصيدة " النهر والموت " مفترق الطريق الذاهب إلى النهاية ففيها وقف يرجح بين الموت في الجماعة والعودة إلى بويب وظل النخلة أي الموت الفردي المريح بالعودة إلى أحضان الام. ولكن الأحداث الدامية في العراق أرجأت هذا الاختيار وإذا به يحول رمز تموز والمسيح إلى

(1/408)

إعلان النقمة الجارفة على تلك الأحداث ومن شارك فيها أو كان سببا في إذكاء نارها، وهذا هو القسم الذي سميته " سربروس في بابل " (الفصل 27)؛ وسربروس كلب عقور يهاجم عشتار " رمز الحب والخصب " ؟ولكني عنيت أن هذا الكلب العقور كان ذا رأسين، فإذا كان أحد الرأسين هو هو الذي جرح الحياة وقتل بعض جوانبها فان الرأس الثاني هو تلك القصائد التي خلدت ذلك التناحر بين أخوين ، وعمقت الجراح في النفوس، وجعلت الشاعر نفسه ضحية لها لا حين أصابت نفسه وشعره بالإرهاق وحسب بل حين رسخت صور الفظائع " فنيا " حتى أصبحت " كابوسا " يهاجمه في اليقظة والمنام، ويساعد على انحداره النفسي والجسدي نحو الفناء.

وحين أدركه الإرهاق وبلغ بغضه للمدينة أقصاه هاجر عائدا إلى جيكور فوجدها قد تغيرت عما عهده، وأحس أن صورته فيها قد هرمت وتحيفها الزمن، وواكب ذلك مرضه الجسدي وتنقله للاستشفاء، فأصبحت هذه المرحلة الأخيرة في حياته تسجيلا للماضي والحاضر، بصورة عفوية تلقائية، واضمحلت الأسطورة القديمة فأخذ يتلمس الاستعانة بأسماء جديدة يرمز بها إلى حاله وواقعه، وكانت قصائده جميعا " مذكرات " تدون تباعا؛ وقد احتفظ بهذه القصائد جميعا ولم يسقط منها ؟فيما يبدو - أي شيء، مع انه اسقط كثيرا من شعره في كل المراحل ولم يضمنه دواوينه. وبعد ان كان يعتمد في قصائده ؟فيما مضى - على تدافع الصور وحشدها، وعلى التفصيلات والتفريعات في المناظر، وعلى إيراد التشبيهات الطويلة، اصبح في قصائد هذه الفترة يتكئ على تتابع الحركة والخبر السردي وخاصة في قصائده التي أخذ يؤرخ فيها ذكريات الماضي. وبين المرحلتين اللتين تقومان على صنفين من الحشد والتكديس علت نغمة التساؤل الملح في قصائد فترة " سلال الصبار في بابل " لصلة التساؤل بالدهشة والنقمة والحيرة

(1/409)

والحنق إزاء " أيام الرعب " .

والحق أن حياة السياب تتضمن قوسين كبيرين هما مرحلتا البحث عن الأم ؟أو العلاقة بين الشاعر والموت - وبينهما خط قصير نحيل متعرج يمثل انسجامه الفني في الجماعة أو نقمته عليها وفي أثناء تلك الفترة القصيرة زمنيا وجد الشاعر نفسه ثم فقدها في سرعة.

وفي نهاية كل مرحلة ختم السياب آثاره بالشك في قيمتها، فإنه حين اتجه إلى اليسار في قصائده نذر انه لن يعود إلى مثل القصائد الذاتية التي نظمها في الفترة الأولي، لأن الشعراء الذاتيين ؟في نظره - يخونون قضية أمتهم، وكأنه كان يتبرأ من ديوانيه " أزهار ذابلة " و " أساطير " ، وحين ثار على الشيوعيين نظر في ازدراء أو استخفاف إلى ما أنشأه ؟أو ترجمه - وهو منتم اليهم، وشكك الدارسين في سلامة الدوافع التي ألهمته، أو عد أعمال تلك الفترة ثمرة للتضليل، وحين زحف إلى دنيا الخلاص الفردي أنكر الالتزام أي " شجب " قصائده القومية الملتزمة، وعندما أخذ الموت يمتص ما تبقى من وجوده رثى الشعر الحديث جملة.

والسر كل السر في شخصية بدر ؟لا في إيمانه بشعره - تلك الشخصية التي يلتقي فيها البكاء بالضحك على صعيد، ويتردد صاحبها بين ذروة الانفعال وحضيضه دون تدرج، ولا يفيء إلى قاعدة فكرية صلبة، ولا يسعفه الإغراق في الحساسية على الانضواء طويلا في الجماعة، لأنه ينكر نفسه إذا هو لم يحس بها منفردة متفردة في آن؛ وهي شخصية المتلذذ بعذاب الحرمان من الحب والجاه والمال، الذي يرد هذا الحرمان إلى غير أسبابه الواقعية، ولهذا كان دائما يحس أنه مقهور مستذل يود المجتمع أن يقتله وتريد المدينة أن تصعقه بكهربائها، وكان إحساسه بالبؤس مناقضا لإيمانه بموهبته الفنية

(1/410)

فبينا يضعه الأول موضعا مهينا ويحيل حيويته إلى الزحف في سبيل اللقمة، كان يريد من الثاني ان يفرض له على المجتمع مكانة مرموقة، وكان يضيق ؟وحق له - بلنكران الجاهم الذي يلقاه، ولعل إشارة صغيرة ذكرتها الأديبة الراحلة سميرة عزام هذا كله حين قالت: " لعل السياب لم يحسن في حياته إلا أن يكون شاعرا، هكذا كان يتأكد لي في كل مرة يقف فيها موقف المتهم من أصحاب المجلة أو مدير إدارتها، فأشفق عليه من هذا الحساب واتساءل: ألا يشعر السياب بأن له ظلا يلف المجلة ومن فيها؟ " (1) وقد حدثتني سميرة ؟رحمها الله - بنماذج من تلك الوقفات التي كان يقفها السياب مواجها التقريع والتعنيف وهو مطأطئ الرأس لا يستطيع ان يرد أو يثور مخافة أن يفقد مصدر عيشه.

وكان هذا الشعور يتحول في نفسه إلى حنق بالغ فلا يجد لذلك الحنق متنفسا سوى الشعر، وقد واكب هذا الحنق شعر السياب فكان انفعالا مديدا يريد ان يتجاوز الحد الطبيعي للقصيدة فيحولها إلى ملحمة؛ وهذه السورة التي تطغى حتى تجاوز كل حد هي التي جعلته يمعن في تصوير عهد الرعب ويتلذذ بذلك الإمعان، إذ كان الحنق هو المحرك القوي لطاقته الشعرية، وحسب المرء ان يقارن بين قصائد فترة الرعب وقصائد الفترة اليسارية ليدرك ان الغضبة الجازفة النابعة من شعوره الفردي كانت أشد من كل نقمة تعلمها من مبادئه الثورية ضد الاستغلال والاحتكار والاستعمار وضد الفئات التي تغتصب حقوق الشعب وتأكل خير الوطن وتسلط الشرطة والجيش على قمع مظاهرات الجائعين والمظلومين. ولهذا الحنق نفسه اختار ان يصور شخصيات مسحوقة الكيان أو الضمير ويضع على ألسنتها تمنيات بالتدمير والهدم والعدم، فهذه صورة حفار القبور:

(1) أضواء: 44.

(1/411)

؟. وهز حفار القبور ... يمناه في وجه السماء وصاح: رب أما تثور ... فتبيد نسل العار، تحرق بالرجوم المهلكات ... أحفاد عاد باعة الدم والخطايا والدموع ... والمومس الهمياء تقول:

ليت النجوم تخر كالفحم المطفأ والسماء ... ركام قار أو رماد، والعواصف والسيول ... تدك راسية الجبال ولا تخلف في المدينة من دماء ... والمخبر يقول:

سخطا لهذا الكون اجمع وليحل به الدمار ... وهذه أمنيات يصوغها الشاعر معبرا عن نقمته العاتية، لأنه هو نفسه يقول في موضع آخر:

فيا قبضة الله يا عاصفات ... ويا قاصفات ويا صاعقة ... ألا زلزلي ما بناه الطغاة ... بنيرانك الماحقة (1) ... ومن ثم كانت الرغبة في المرأة حنقا مدمرا محطما:

يود القلب لو حطمته، لو حطمت خفقاته شفتيك ... والكتفين والصدرا ... ولو عراك لو ذراك لو أكلتك أشواقي ... ولو أصبحت خفقا أو دماء فيه أو سرا ... فان أحببتك الحب الذي أقسى من الموت ... واعنف من لظى البركان؟.. (2) ...

(1) المعبد الغريق: 68.
(2) منزل الاقنان: 14.

(1/412)

واتحد هذا الحنق مع سهوة حادة كانت في أول أمرها تحديا لذلك الجسد النحيل وإيمانا بقيمة الفحولة ثم أصبحت مسكنا للأعصاب المتوفزة المتحفزة، ولو وقفت عند ذلك الحد لتجاوزنا الحديث عنها إلى ما هو أهم شأنا ولكنها كانت عميقة الأثر في شعره، ذلك لأنها كانت تتدخل في طبيعة القصيدة فتفسدها، وحسبنا أن نذكر " حسناء القصر " في هذا المجال، فان رغبته الشهوانية في تلك الحسناء هي التي قتلت فيها الغاية الاجتماعية، وكذلك يقال في صورة " حفار القبور " و " المومس العمياء " وفي قصائد لا تتجاوز أن تكون صورا شهوانية خالصة نظمها في المرحلة الأخيرة من حياته. وفي حدة الحنق وحدة الشهوة يكون الشاعر كالحصان المشدود إلى عربة وقد حجبت عن عينيه رؤية شيء سوى ما تنفرج عنه الطريق أمامه، وذلك تحديد لمجالات الرؤية وتضييق للآفاق الواسعة. وقد عملت هذه الحدة بنوعيها على ان تحرم بدرا من النضج النفسي لأنه ظل محكوما بسورة اللحظات العابرة، وزاده ابتعادا عن هذا النضج تلذذه بالخداع الذاتي وتعلقه باستثارة العطف الذي تتيحه العقد النفسية ؟أعني ركونه إلى ان " المرض " يستدر الإشفاق ويستخرج العذر في آن معا. وبابتعاده عن النضج النفسي ابتعد عن التمرس بأزمة الشاعر المعاصر ومحاولته ان يتمثلها ويحدد أبعادها ويوجه إلى حلها، واخذ يهرب منها بتغيير الشعارات والرموز، لأنه لم يحسن أن يدرك أين يقف من نفسه ومن مجتمعه ومن الفن. نعم أن مشكلة الموت ظلت من البداية حتى النهاية محورا في شعره، ولكن مواجهته لهذه المشكلة تصور مجالات الهرب لديه منها والتبرم بالحلول التي وصلها واحدا بعد آخر اكثر مما تصور تأمله فيها واستعلاءه عليها.

ولكن بدرا يمثل أزمة من وجه آخر: فهو شاعر محدث يطير بجناح واحد ؟إن صح التعبير - إذ لا بد للشاعر المعاصر من جناح

(1/413)

تصويري وآخر ثقافي، أي لن ينجح الشاعر في عالمنا الحديث إلا حين يكون شاعرا مفكرا في آن، والمفكر امرؤ مثقف يرى الأمور من زاوية خاصة. ولكن بدرا كان ينهل من معين واحد، كان يكثر من قراءة الشعر، وكان محصوله الثقافي ضعيفا أو نزرا يسيرا، ومن ثم كان الصعيد الفكري لديه أيضاً مختلا أو واهيا؛ (ولنذكر في هذا المقام أن كل ما استفاده من الفكر اليساري في مدى أعوام هو أن ينهي قصيدته بالتفاؤل). ولهذا كانت فترة الإبداع الصحيح في حياته قصيرة، وحتى في هذه الفترة يهوي الشاعر هويا سحيقا من الناحية الفكرية: ففي القصائد الكهفيات ؟وهي من اجمل ما نظمه من الناحية الفنية - لم يستطع ان يسمو عن النغمة الواعظة التي تصور أهل المشرق العربي قابعين في كهوف الكسل والبلادة والنوم، وفي قصائد الثورة على الخضارة الحديثة ؟وربيبتها المدينة - عاد إلى نغمة وعظية أخرى تتحدث عن أن " النضار " هو الرب الذي يحكم هذا العالم الحديث وحضارته؛ وحسب الشاعر الحديث خيبة ان يتحدث عن ضياع الحياة الروحية وعن سيطرة المادة على الروح وهو جائع إلى بلغة من طعام وأمته فقيرة إلى كل سلاح مادي ترد عن نفسها عدوان الصهيونية والاستعمار. ان فلسفة " النضار " هذه لا يتحدث بها إلا دهاقنة المال المتخمون تلهية للكثرة الجائعة التي ينتمي إليها السياب.

ومن ثم خلا شعر السياب من مواقف تأملية أو كاد ولا نجد عنده من هذا القبيل إلا وقفتين صغيرتين يتأمل فيهما ما صارت إليه جيكور، يقول في إحداهما:

جيكور ماذا؟ أنمشي نحن في الزمن ... أم أنه الماشي؟. (1) ...

(1) المعبد الغريق: 110.

(1/414)

ويقول في الثانية:

ايه جيكور عندي سؤال أما تسمعينه ... هل ترى أنت في ذكرياتي دفينه ... أم ترى أنت قبر لها؟ فابعثيها (1) ... ولست اعني أن على الشاعر استخراج فلسفة متافيزيقية، فتلك ظاهرة ضاعت منذ زمن، ولكن ما أريد أن أقوله هو أن بدرا ذهب مع حدة الانفعال مذهبا أبعده عن تصور الأشخاص الذين يتعمقون هذا الوجود ووضعهم الإنساني فيه، وعن تمثل المواقف التي تتيح ذلك.

ولكن هذا كله يجب ألا يكون مدعاة لان نغمط الشاعر ما أداه في المجال الشعري الخالص: تحسسا للشكل المناسب ومحاولة ؟وان كانت تخطى طريقها - للتعبير عن بعض القضايا الإنسانية والعربية، وسعيا وراء الجدة في الصور الشعرية واستخداما دقيقا لبعض الأساطير والرموز وتوفرا على التساوق بين المضمون والشكل في البناء الفني العام. وقد وقفت في هذه الدراسة عند عدد من قصائده التي تجعل منه شاعرا مقدما بين أقرانه أصحاب هذا اللون من الشعر.

ومن تتبع شعر السياب في صعوده وهبوطه لم يكد نظره يخطئ رؤية السمة الغالبة على شعره، أعني اتجاهه بكل طاقاته نحو الوضوح السافر في الكيان الكلي للقصيدة، فكل عناصر القصيدة كان يراد لها ؟بشكل واع - ان تخدم ذلك الوضوح، إلا ان بعض التعمية قد يقع في الصور الجزئية والاستعارات المجتلبة وفي العلاقة بين بعض تلك الاستعارات والصور، وقد يكون بعض الغموض ناشئا عن قصور التعبير أو الخطأ في إدراك مدلول اللفظة، كما ينشأ في اغلب الأحيان

(1) المعبد الغريق: 143.

(1/415)

من إيراد الجمل المعترضة، فبينما يظن الشاعر أن الجملة المعترضة توضيحية، إذا بها تؤدي غير ما جاءت له لأنها تنقل القارئ من السياق العام إلى التأمل في حقيقة جانبية استطرادية، والإكثار من الجمل المعترضة سمة ذهنية في واقع الأمر على التزاحم العبارة في الذهن بين تقديم وتأخير وفصل ووصل، وقد تصلح لتصوير الاضطراب النفسي ولكن كثرة المعترضات تصبح نوعا من المعاظلة التي كرهها نقاد العرب في القديم، ومن الأمثلة النموذجية على ذلك قول الشاعر (1) :

والآن عادوا ينقضون - ... خيطا فخيطا من قرارة قلبها ومن الجراح ... ما ليس بالحلم الذي نسجوه، ما لا يدركون ... شيئا هو الحلم الذي نسجوا وما لا يعرفون ... هو منه اكثر كالحفيف ؟من الخمائل والرياح ... والشعر ؟من وزن وقافية ومعنى، والصباح ... من شمسه الوضاء؟. وانصرفوا سكارى يضحكون ... أما التعتيم الناشئ من اللمح السريع ومن رسم الخطوط الكبرى وترك التفصيلات في القصيدة فلا نجده كثيرا عند السياب، وقد كانت ابرز قصائده التي نحت هذا المنحى هي قصيدة " أغنية في شهر آب " ولم يحاول من بعد أن ينسج على منوالها، ولعل قصيدته " أغنية بنات الجن " (2) و " متى نلتقي " (2) يتمعنان بمسحة من التعتيم ولكنهما اقل مستوى من القصيدة السابقة، وربما كان سبب الانبهام فيهما عدم نضج التجربة في نفس الشاعر.

(1) المومس العمياء: 16.
(2) الشناشيل: 73.
(2) الشناشيل: 73.

(1/416)

وليس من التنكر للشعر الذاتي أن نقول أن بدرا كان على خير أحواله إجادة حين كان يستطيع أن يوحد بين أزمته الذاتية وأزمة أمته، أو حين يجعل التجربتين غير متباعدتين، ذلك أنه لم يكن قادرا على أن يخرج نفسه من الصورة في كل حين، ولهذا أجاد حين كان يتحدث مثلا عن الأطفال ودنياهم لأنه كان يصور نفسه من خلال ذلك، وكذلك كان حاله إذا تحدث عن أهوال الفقر والجوع والسجن، وإن من يسمع نشيد صغار بابل وهم يخاطبون عشتار في " مدينة بلا مطر " لا يستطيع أن يفصله عن لوعة السياب في حنينه إلى الأم (1) :

جياع نحن مرتجفون في الظلمه ... ونبحث عن يد في الليل تطعمنا، تغطينا ... نشد عيوننا المتلفتات بزندها العاري ... ونبحث عنك في الظلماء عن ثديين، عن حلمه ... فيا من صدرها الأفق الكبير وثديها الغيمه ... سمعت نشيجنا ورأيت كيف نموت فاسقينا ... ولا ريبفي أن صورة تموز مقتولا، كانت اكثر تعلقا بقلبه من صورة تموز منبعثا بالحياة والخصب، وصورة المصلوب كانت أشد تجاوبا مع نفسه من صورة باعث لعازر، وقل مثل ذلك في الجوانب السلبية من هاتين الصورتين وما يتصل بهما من رموز.

ومن الأمور التي لا يمر الدارس عنها عابرا محاولة السياب التنويع في النغمات الشعرية فهو لم يكتف بالأبحر ذات التفاعيل المتكررة كالكامل والرجز والرمل والمتقارب، وإنما عمد إلى بحور أخرى فحاول تجزئتها كالطويل والبسط، وحاول كذلك التنقل في القصيدة الواحدة من بحر إلى آخر، وقد قلت أن المحاولة يحكم عليها بقرائنها ولا

(1) ديوان أنشودة المطر: 175.

(1/417)

تخضع لقانون عام، ومن الحق أن أقول هنا أن كثيرا من تلك الانتقالات لا تجد مسوغا من طبيعة القصيدة نفسها. ولكن أبرز ما لدى السياب ؟وربما كان اكثر الشعراء احتفالا بذلك - انتقاله من المراوحة بين عدد التفعيلات إلى النظم على السياق الشعري القديم، وكان هذا يخدم الموضوع أحيانا، ولكنه يدل من ناحية أخرى على أن الشاعر لم يكن متزمتا في اختيار الأسلوب الشعري الجديد وان تجديده لم يكن كراهية للقديم من اجل قدمه.

وكانت تجاربه في التنويع بين الإيقاعات توقعه في أخطاء عروضية، وهو من أشد الناس حرصا على التناغم في الايقاع، من ذلك مثلا:

وصعدت نحوك والنعاس رياح فاترات تحمل الورقا ... فهذا مما لا يضبط. غير أن إحساسه العارم بضرورة التقفية المتراوحة يزيدنا يقينا بحرصه الشديد على النغمة المؤثرة بموسيقاها وعلى شيء من الانسجام الداخلي في شكل القصيدة.

* * *

إن هذه الدراسة حين حاولت أن تجيب على العديد من الأسئلة لم تثر شيئا حول شكل الحديث بل اعتبرته ظاهرة موجودة تدرس دون تشكك في قيمتها، ولا ريب في أن هناك أمورا أخرى لم يتح لكاتب هذه السطور ان يتناولها كالسلامة اللغوية، والاتساق بين الصور في القصيدة الواحدة، والصور المكررة وعلاقتها بنفس الشاعر، وأثر الأسطورة في ذلك لتكرار، وغير ذلك من موضوعات، ولكنها فيما حققته تعد محاولة أمينة في نطاق الدراسة الموضوعية، لأنها رفضت أن تجعل من الشفقة التي أثارها موت السياب أو النقمة التي بعثتها تقلباته في الحياة رائدها للحكم على شعره.

الكتاب : بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره
المؤلف : إحسان عباس
الطبعة : 4
تاريخ النشر : 1978
الناشر : دار الثقافة
عنوان الناشر : بيروت لبنان
الطبعة الأولى 1969
الطبعة الثانية 1977
الطبعة الثالثة 1975
مصدر الكتاب : موقع الوراق
www.alwarraq.com

أعلى