لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع




















































 

بدر شاكر السياب

(دراسة في حياته وشعره)

احسان عباس

مقدمة

بدر شاكر السيابحاولت في هذا الكتاب أن أتحدث عن السياب في إطار من الشئون العامة والخاصة التي أثرت في نفسيته وشعره، ولهذا آثرت طريقة تجمع بين التدرج الزمني والنمو (أو التراجع) النفسي والتطور (أو الانتكاس) الفني، فكان السياب الإنسان والسياب الشاعر معا دائما عل المسرح المكاني والزماني، ذلك لأني أرى أن هذه الطريقة توسع مجال الرؤية لدى القارئ لأنها تقدم له زوايا ثلاثا لا زاوية واحدة. وأنا أعلم أن كثيرا من الناس يضيقون ذرعا بالاحتكام المستمر إلى التاريخ، ولكن هؤلاء ينسون أن التاريخ صورة الفعل الإنساني والإرادة الإنسانية على الأرض، وأن دراسة الشعر على مجلى من الحقائق التاريخية لا تعني انتقاصا من سماته الفنية، خصوصا حين يتفق الدارس والقارئ على أن ذلك الشعر كان جزءا من الحركة الكلية في التطور الجماعي، بل كان عاملا هاما في تلك الحركة، ولم يكن كله تهويما في دنيا الأحلام الدانية. كذلك فان دراسة دخائل النفس لا تعني

(1/3)

تشخيص " المرض " لدى الفنان من اجل التحليل النفسي ذاته وإنما هي وسيلة لفهم طبيعة المنابع التي فاض الشعر عنها. وقد خضع السياب في وقفته التاريخية والنفسية لعوامل عنيفة تركت آثارا عميقة في شعره ومن كان لا بد لاستبانة تلك الآثار من دراسة تلك الوقفة في موكب الجماعة وفي عزلة الذات على السواء. وكل فصل للشعر عن ذلك الموقف قد يعرض الدارس للتجريد أو للأخذ بالعموميات.
وقد بذلت جهدا غير قليل لأبرئ هذه الدراسة من التعميمات ومن انتحاء اللغة الشعرية الفضفاضة التي طغت على مناهج النقاد في هذه الأيام، ذلك لأني أومن إيمانا لا يدركه أي اضطراب بأنا حين نملك زمام الحقيقة نستطيع أن نعبر عنها بوضوح، وأننا حين نجد الحقيقة غائمة في نفوسنا نلجأ إلى المجازات، وأدهى من ذلك أن لا تكون لدى الناقد " حقيقة " يريد أن ينقلها إلى الآخرين فيهيم وراء عبارات شعرية سابغة الذيول يجرجرها لإثارة الغبار

(1/4)

ظانا بذلك ان تصاعد الغبار وحده كاف للدلالة على الفارس والفرس. وكذلك فإنني تعمدت ألا أمنح الشاعر الذي أدرسه نصيبا من المستوى الفكري والإنساني والنضالي اكبر مما يستطيع شعره نفسه أن يصوره لأني أكره أن أمنح أي شاعر " مركبا " فكريا لم يدر في خلد ولا يمكن أن يستنتج من شعره. وفي مثل هذه الدراسة المطولة تصبح المقارنات عبئا غير صغير، رغم إنها مفيدة في توسيع الآفاق وتوجيه الأنظار إلى المعالم المشتركة والمظاهر الهامة، ولكني لست ادرس الشعر الحديث في هذا الكتاب وإنما أحاول التركيز قدر المستطاع على شعر شاعر واحد هو السياب، ولهذا وحده لم يلجأ إلى المقارنات إلا نادرا.
وكنت اعد هذه الدراسة لتظهر قبل هذا الوقت بكثير، إذ كان معظم مادتها جاهزا ليدون في فصول قبل سنتين تقريبا. ولست احب أن اثقل على القارئ بالحديث الذاتي عن الشئون العامة والخاصة التي حالت دون ما أملت، وبعض تلك الشئون قد جعلني ؟فترة من الزمن

(1/5)

أشك في قيمة أية دراسة نظرية وأنا مشتت النفس تحت دوي الدعوة الملحة إلى الكفاح العملي المصيري؛ يكفي أن أقول أن كتبا ومقالات كثيرة ظهرت عن السياب في أثناء ذلك، وقد طالعت كل ما وصل إلي منها مطالعة مستفيد، ولمنها كانت متفاوتة في قيمتها وفي منحاها: فبعضها تأبيني لا تتطلبه هذه الدراسة، وبعضها نقدي إلا أنه لا يتلاءم والمنهج الذي اخترته، وبعضها أخباري ولعله كان أكثرها نفعا لأنه يقوي أجزاء الصورة التي أبنيها أو أضيف إليها.
وكثيرا ما وقفت وأنا اكتب هذا البحث لألقي على نفسي هذا السؤال: لماذا أتصدى لكتابة ما يحسنه كثيرون غيري ؟ممن عرفوا السياب وعاشروه - اكثر مما أحسنه؟ ثم تتضاءل حدة السؤال حين أذكر أن كثيرا من أولئك الناس لم يضنوا علي أبداً بجميع الوسائل والأدوات التي تمكنني من القيام لهذا العمل بل قدموها إلي راضين مشجعين. ولولا الشهادات الشفوية والوثائق الخطية التي حصلت عليها لم يتح لهذه الدراسة ان تتم على هذا الوجه

(1/6)

فأنا مدين بواجب الشكر لعدد كبير من الأصدقاء:
وفي طليعة هؤلاء، الشاعران: الأستاذ خالد الشواف والأستاذ علي أحمد سعيد (أدونيس) والدكتور سهيل إدريس فانهم جميعا قدموا لي ما في حوزتهم من رسائل السياب؛ وتلطف الأستاذ الشواف من بينهم فأرفق الرسائل بملاحظات تفسيرية قيمة، ونزولا على رغبته الكريمة أغفلت التصريح بأسماء من كان السياب يتغزل بهن، كما أغفلت ذكر أسماء أشخاص كان يشير إليهم في تلك الرسائل، ولم أخالف هذه الرغبة إلا مرة واحدة حين ذكرت اسم محبوبته الريفية؛ والأستاذ محمد علي إسماعيل صديق السياب الوفي، والأستاذ نجاح السياب إذ سمحا بتصوير ما لديهما من قصائد للسياب لم ينشر بعضها. والأساتذة: الشاعر الكويتي علي رفيق السياب في فترة استشفائه بالكويت، والدكتور عبد الله السياب ومصطفى السياب شقيقا المرحوم بدر، وعبد اللطيف السياب ابن خاله الذي كان رفيقا له في المرحلة الدراسية بالبصرة، فإليهم يعود

(1/7)

الفضل فيما تجمع لدي من شهادات شفوية؛ ومحمود يوسف الذي سمح باستنساخ دفتر يحتوي عددا من الموضوعات الإنشائية بخط السياب؛ ومحمد عبد الجبار المعيبد مدير ثانوية القرنة لأنه أذن بتصوير قصيدة " فجر الإسلام " من نسخة محفوظة بمكتبته؛ والصديق عبد الرزاق الهلالي الذي أرسل إلي نسخته الخاصة من كتاب الأستاذ عبد الجبار البصري عن السياب، والصديق الأديب خضر الولي الذي أمدني بعدد غير قليل من المؤلفات العراقية وخاصة كتاب الأستاذ محمود العبطة المحامي.
ولست أنسى الجهد المشكور الذي بذله صديقي الحميم الدكتور محمد الصفوري والأستاذ حسن عباس في استيفاء بعض المعلومات اللازمة عن مرض السياب وعن فترة إقامته الأخيرة في الكويت.
وأخيرا لا آخرا فان هذه الدراسة مدينة بأكبر الفضل لشباب ضحى في سبيلها بقسط كبير من راحته ووقته وهو يجمع المادة اللازمة متنقلا بين بغداد والبصرة، اعني ابن

(1/8)

أختي البار الوصول السيد فتح الله احمد عباس الذي لولا جده وحماسته في الجمع والتقيد وتصوير الأصول الخطية والمنشورة في الصحف، ومقابلته لكل من يستطيع أن يمده بمعلومات عن الشاعر الراحل لم أستطع أن أقوم بعبئها.
إن المعاونة الكريمة التي تلقيتها من هؤلاء الأصدقاء جميعا كانت عاملا هاما في إنجاز هذا البحث، وقد كنت أحس انهم قد أولوني ثقتهم حينما بذلوا ذلك العون، وكل ما أرجوه أن يكفل هذا الكتاب الحفاظ على تلك الثقة الغالية، فإنها طريق إلى مزيد من الثقة لدى سائر القراء، والله الموفق.

بيروت في 20 نيسان 1969
إحسان عباس

(1/9)

البحث عن النخلة

(1/15)

- 1 –

أحجار جيكور

على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، وعلى مسافة تقطعها السيارة في خمس وأربعين دقيقة تقع " أبو الخصيب " التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى، من بينها قرية لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة تقع على ما يسمى " نهر أبو فلوس " من شط العرب وتدعى " جيكور " ، تسلك إليها في طريق ملتوية تمتد بالماشي مدى ثلاثة أرباع الساعة من أبي الخصيب، وهي الزاوية الشمالية من مثلث يضم أيضا قريتين أخريين هما بقيع (بكيع) وكوت بازل ؟ قرى ذات بيوت من اللبن أو الطين، لا تتميز بشيء لافت للنظر عن سائر قرى العراق الجنوبي، فهي عامرة بأشجار النخيل التي تظلل المسارح المنبسطة ويحلو لأسراب الغربان أن تردد نعيبها فيها، وعند أطراف هذه القرى مسارح أخرى منكشفة تسمى البيادر تصلح للعب الصبيان ولهوهم في الربيع والخريف، وتغدو مجالا للنوارج في فصل الصيف، فكل امرئ يعمل في الزراعة، ويشارك في الحصاد والدارس، ويستعين على حياته بتربية الدجاج أو الأبقار، ويجد في سوق البصرة مجالا للبيع أو المقايضة، ويحصل على السكر والبن والشاي وبعض الحاجات الضرورية الأخرى لكي ينعم في قريته بفضائل الحضارة المادية، وإذا كان من الطامحين إلى " الوجاهة " فلا بأس أن

(1/17)

يفتح " ديوانا " يستقبل فيه الزائرين من أهل القرية أو من الغرباء ليشاركوه في فضائل تلك الحضارة المادية.
واكثر سكان جيكور إن لم نقل جميعهم ينتمون إلى عائلة واحدة هي آل " السياب " ، وتمتد منازل بعضهم إلى بقيع حيث تجاورهم عائلات أخرى تربطهم بها صلة المصاهرة، أما كوت بازل فان آل السياب ينظرون إليها بنوع من الشنآن الناجم عن أحقاد وترات قديمة، ولذلك كانت الروابط بينها وبين جيكور واهية أو عدائية. وحين ندرس مواقع هذه القرى الثلاث في شعر بدر نجد كوت بازل ؟للسبب المتقدم - ممحوة مطموسة المعالم، ونجد " بقيع " باهتة تتضاءل أمام لألاء " جيكور: التي كانت منزلا لجد السياب لأمه، ففيها نشأت أمه " كريمة " ، واليها كانت تتردد حتى ادركتها الوفاة.
وحين زفت كريمة إلى شاكر السياب ؟وهما ابنا عم - انتقلت من جيكور إلى بقيع وعاشت في البيت الكبير ؟بيت العائلة أو بيت الجد - عبد الجبار مرزوق السياب - وأبنائه عبد القادر وشاكر وعبد المجيد واخواتهم، وهو بيت أساسه مبني بالطابوق وسائره بالبن، وواجهته الشارعة على المجتمع القروي " ديوان " يفي الناس إلى ظله حيث يرتشفون القهوة والشاي ويتبادلون الأحاديث المختلفة، ويتناقلون الأخبار، وفي أمسيات رمضان يتحلقون حول قارىء أو رواية يقص عليهم قصة فتوح الشام أو يقرأ في سيرة عنترة أو غيرها من " ملاحم " شعبية تغذي مشاعر الريفيين، وتنقلهم من عالم الكدح وراء الرزق إلى دنيا البطولات؛ وكثيرا ما كانوا ينصتون إلى حديث مرزوق السياب (جد شاكر) وهو يتحدث اليهم عن نابليون الثالث وعن العرب في إيران وعن موضوعات أخرى أصبحت شريطا طويلا من الذكريات التي لم تفارق مخيلة والد الجد في سن كبيرة (1) . ولو أتيح لك أن تزور ذلك

(1/18)

" الديوان " في أعقاب 1930 لعلق نظرك بثلاث صور بين الصور الكثيرة التي كانت تزين الجدران هي صورة كل من أبي التمن وسعد زغلول وكمال اتاتورك، وهم جميعا يعدون طلائع حركات تحريرية أو على الأقل ما كان يعرف بالحركات التحريرية في ذلك الأوان؛ واذن لوجدت أن جو الديوان لا يعلق برائحة البن والشاي وحدهما، وإنما يتموج فيه دخان نقمة على الاحتلال المقنع بقناع الاستقلال، وميل إلى الثورة على الظروف السائدة. وكان اللسان المعبر عن تلك النقمة هو عبد القادر السياب، أكبر الاخوة من أبناء عبد الجبار، ولذلك فانه سرعان ما وجد نفسه عضوا عاملا في حزب سري، أطلق أعضاؤه على أنفسهم أسم " الحزب اللاديني " واخذوا يعقدون اجتماعاتهم في ذلك " الديوان " نفسه، وينشرون مقالاتهم في صحيفة لبنانية اسمها " الشمس " (1) .
ورزق شاكر وكريمة ثلاثة من البنين وبنتا واحدة توفيت كريمة بعد وضعها ثم لحقتها الطفلة بعد قليل (سنة 1932)، فلم ينعم بدر ؟وهو ابنها الأوسط بين عبد الله ومصطفى - في ظل أمومتها إلا قرابة ست سنوات (2) ، كان في أثنائها شديد التعلق بها، يصحبها كلما حنت إلى أمها في جيكور فخفت لزيارتها، أو قامت بزيارة عمة لها تسكن عند نهر " بويب " ولها على ضفته بستان جميل، يحب الطفل ان يلعب في جنباته أو يقطف من ثماره في ابان الثمر؛ وكثيرا ما كانت الام تذهب إلى أرض والدتها الواقعة على بويب أيضاً، فكان عالم الطفل الصغير يومئذ هو تلك الملاعب التي تمتد بين أحياء جيكور ومزارع بويب، وربما بقي هذان المكانان نصيبه من الحياة حتى النهاية، فبينهما غزل خيوط عمره وذكرياته وأمانيه، ومزج ثراهما بدموعه، وفي أعماق قلبه

(1/19)

حفر لهما صورة لا تنسى، وكان كلما مضى يشق دروب الحياة مثلا أمامه شاخصين يوهنان من عزمه ويردانه إلى الماضي ويجرانه إلى حلم طويل. وكان مما زاد في تعلقه بهما انه دفن في ثراهما أمه، فأصبح هذان المكانان هما الطبيعة - الأم، مجازا وحقيقة، وازداد إمعاناً في توثيق الوشائج بين قلبه وقلبيهما حين خيل إليه أن أباه قد أساء إلى علاقة مقدسة بزواج ثان، وشغل بزوجه الجديدة عن أطفاله، فدفع بالطفل إلى مزيد من التعلق بعرق الثرى، وفترت علاقته بوالده الذي يمثل الجحود والعصا وصوت المؤدب، ومضى يبحث عن أمه فوجد صورتها وقلبها الطيب في جدته التي تعيش في جيكور، وهكذا تضاءلت صلته ببقيع، فلم يكن يذهب إلى بيت أبيه إلا لماما، وكان أبوه يعتد هذا جفاء وإعراضا، لأنه كان يرجو لو أن أولاده ظلوا في كنفه وكنف " أمهم " الجديدة.
ولجيكور ميزة أخرى على بقيع لأن الطفل يحس كلما ذهب إليها انه منفرد أو كالمنفرد بعطف جدته وحنانها، أما بقيع فليست هي تجسيدا لزوجة الأب وحسب، بل أن بيت العائلة فيها يعج عجيجا بالناس من كبار وصغار ويلتقي فيه ثلاثة، وتحنو فيه كل أم على أطفالها، دون أن تجد متسعا في قلبها لطفل غريب، ويكبر الشعور في نفس الطفل ؟في ذلك الدور الغض - بأنه محروم مطرود من دنيا الحنو الأمومي، ولذا فهو يفر من بقيع فراره من الوحش الهائل الذي يكاد ينشب فيه مخالبه، وينأى عن ذلك الصخب الكثير، إلى طرفة تدسها جدته في جيبه، وقبلة تطبعها على خده، وابتسامة تنسيه ما يلقاه من عنت أو عناء.

(1/20)

والصخب يشتد في البيت الكبير الذي تتلاقى فيه الأجيال المتفاوتة حين تضيق الحال المادية بين أهله، ولا يجد الفرد فيه متنفسا لأحزانه وآلامه سوى التسخط على هذا التصرف أو ذاك، والحنق على هذا الشخص أو ذاك، ويصحب ذلك من شئون الصراخ و " النتر " ما يؤذي شعور طفل مرهف الإحساس؛ وقد كان آل السياب يعدون في بقيع ثالث ذوي الأملاك، وكانت أملاكهم مشتركة فيما بينهم يتقاسمون غلتها، ويقول بدر: " لقد تحدرت من عائلة تملك بستانين للنخيل يشتغل فيها فلاحون يتقاضون الثمن من النتائج " (1) ، ولكن هذا القول يشير إلى بقية " عز " قديم، إذ أن العائلة بعيد أن جاء بدر إلى هذه قد تورطت في مشكلات كثيرة ورزحت تحت عبء الديون، فبيعت الأرض تدريجيا وطارت الأملاك ولم يبق منها إلا القليل؛ وحين كان بدر في صباه الباكر كان والده لا يملك شيئا ولا يعمل شيئا وإنما يعتمد في رزقه على أخويه. وكل ذلك ينبئ عن أن الضيق المادي في العائلة الكبيرة ؟وهو ضيق متدرج حتى نشوب الحرب العالمية الثانية - كان يخلق النكد في جو البيت، ويؤدي إلى إهمال الأطفال أو التقصير في تلبية مطالبهم، ولهذا كان بيت الجدة في جيكور ارحب صدرا وأوسع أكنافا وابعد - نسبيا - عن شئون النكد والتنغيص.
غير أن الشاعر حين يتحدث من بعد عن بيت العائلة في جيكور فإنما يعني البيت الذي ولد فيه وعاش فيه سنوات الطفولة في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنباته، وهكذا ينبسط اسم " جيكور " على القريتين، إذ ليست " بقيع " في واقع الحال الا حلة من جيكور، وقد دعاه الشاعر في إحدى قصائده المتأخرة " بيت الاقنان " وجعل عنوان القصيدة عنوانا لديوان كامل، وهي تسميه غريبة حقا، سنرجئ الحديث عنها، لنتولى القول فيها حين يحين

(1/21)

موعدها، ولكن لا بد لنا من أن نشير إلى أن بعض الصحفيين زاروا هذا البيت في عام 1965 وكان مما قالوه في وصفه: " البيت قديم جدا وعال، وقد تحللت جذور (!) البيت حتى أصبحت كأسفل القبر، والبيت ذو باب كبير حصن كتب عليه بالطباشير اسم: عبد المجيد السياب، وهو الذي يسكن الآن في الغرفة الوحيدة الباقية؟ كان البيت قبل عشر سنين يموج بالحركة والحياة؟ أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفهم " (1) ؛ لقد انتصرت المدينة على القرية، رغم مقت بدر لهذا الانتصار، ولكنها سنة الحياة وشرعة الإنسان الذي تعود أن يطلب الرزق عند تزاحم الأقدام.

(1/22)

صورة
(1/23)

صورة السياب سنة 1934

(1/24)

- 2 –

صورة وذكريات

غلام ضاو نحيل كأنه قصبة، ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل، على عنق دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله أو تأمل العينين الصغيرتين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبرز " الضبة " العليا منه ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عمل اقتسامي، وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه " الحنطي " فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة، وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين.
ولو حفظ المرء حكمة " ضمرة بن ضمرة " التي يقول فيها: " إنما المرء بأصغريه، وإن لا تكال بالقفزان " وكررها على نفسه عشرات المرات، لم تغنه شيئا كثيرا عما يعتقده الناس إذا هم طالعوه منظره، وخاصة حين يبكون الأمر بحثا عن الطريق الموصلة إلى قلب المرأة.
وقد كان من شقاء بدر الذي ورث الضعف الجسماني عن أبيه أن انفق حياته القصيرة منذ أدرك الحلم إلى أن مات، وهو يبحث عن القلب

(1/25)

الذي يخفق بحبه، دون أن يجده، وكان افتقاره إلى الوسامة هو القفل المصمت على القلوب العديدة التي حاول ان يفتحها، وكم استأنس بومضة عين، ونسخ من شعاعها قصة حب يخدر بها اخفاقه، ولكنه كان في قرارة نفسه واعيا بأن الحب في كل مرة كان من جانب واحد.
وشوشة المراهقة في أذن بدر وحسيسها وهي تنساب في أعصابه، وألسنة لهيبها وهي تحرق زرع سكينته، هي التي جعلته يميز أبعاد الألم والحرمان والاخفاق، ويستسلم إلى السوداوية والدموع والحسرة واللهفة. غير أن المراهقة تمثل نهاية وبداية ؟نهاية لما قبلها وبداية لما بعدها؛ ومن الخطأ ان تتجاوز سنوات الطفولة والصبا الأول بهذه السرعة لنركز القول في الفترة المراهقة وما بعدها. لكن من يدرس حياة بدر يضطر إلى ذلك لأن الذين عايشوه لم يعودوا يذكرون منه إلا الشاعر المشهور؛ وهو نفسه حين يعود إلى ماضيه الأول لا يتذكر إلا أمورا بارزة منها فقد الأم وزواج الأب من امرأة أخرى؛ وفي إحدى الرسائل يقول السياب انه حرم عاطفة الأمومة وهو ابن أربع (1) ، غير ان أخاه مصطفى يذكر ان والدتهما توفيت سنة 1932، فإذا لم يكن الأمر سهوا من مصطفى فان " تصغير " بدر لسنه يدل على إمعانه في إثارة الشفقة على حال قلوب عارفيه. ويذكر بدر من أيام طفولته الأولى كيف بكى حينما قتل أحدهم كلبة ذات جراء وكان اكثر ما أبكاه منظر جرائها اليتامى؛ كما يذكر عطفه على زنوبة التي كانت تخدم في منزلهم حين سرقت حفنة من أرز، واكتشف أهله سرقتها، فنثروا الأرز في إحدى الغرف، وطلبوا إلى زنوبة أن تذهب لكنسها، فلما رأت الأرز علمت أن أمرها قد افتضح (2) .
وتشمل ذكرياته أقاصيص جده ؟على نحو مبهم - وقصص

(1/26)

العجائز من عمة وجدة وغيرهما، ومن أقاصيصهما حكاية " عبد الماء " الذي اختطف زينب الفتاة القروية الجميلة، وهي تملأ جرتها من النهر، ومضى بها إلى أعماق البحر وتزوجها، وأنجبت عددا من الاطفال، ثم رجته ذات يوم ان تزور أهلها، فأذن لها بذلك، بعد أن احتفظ بأبنائه ليضمن عودتها، ولكنها لم تعد، فاخذ يخرج من الماء ويناديها ويستثير عاطفتها نحو اطفالها، ولكنها أصرت على البقاء، وأخيرا أطلق أهلها النار على الوحش فقتلوه، أما الأطفال فتختلف روايات العجائز حول مصيرهم (1) . كذلك تشمل ذكرياته لعبة على شاطئ بويب، وهو لا يفتأ يذكر بيتا في " بقيع " يختلف عن سائر البيوت، في ابهائه الرحبة، وحدائقه الغناء، ولكن اشد ما يجذب نظرة في ذلك المنزل الإقطاعي تلك الشناشيل ؟وهي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف والزجاج الملون - وكم وقف يرقب تلك الشرفة التي تمثل الثراء والجاه بعين الفقير المحروم، من يدري لعل ابنة " الجلبي " ؟ذلك الزعيم الإقطاعي - تطل منها:
ثلاثون انقضت وكبرت، كم حب وكم وجد ... توهج في فؤادي؛ ... غير أني كلما صفقت يدا الرعد ... مددت الطرف ارقب ربما ائتلق الشناشيل ... فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي (2) . ... لكن ابنة الجلبي لم تطل ولم تقبل؛ ترى أكان للجلبي ابنة ام أن أحلام بدر خلقتها دمية تعبد دون أن ترى؟
أما عهده المدرسي في مدرسة باب سليمان الابتدائية بأبي

(1/27)

الخصيب، ثم في مدرسة البصرة الثانوية حتى 1942 فليس لديه عنهما الشيء الكثير من الخبر؛ ويفهم من كلام صديقه الوفي محمد علي إسماعيل انه قال الشعر وهو في المرحلة الابتدائية، وكانت قصيدته وصفا لمعركة القادسية، وقد حمله المدرس على ذراعه حين اخذ يلقيها (1) ؛ ولعله في هذه المرحلة من العمر، وهو يستشرف أحد الامتحانات، نذر شمغة " لصاحب الزمان " إذا هو نجح في الامتحان، فلما تحقق له مراده وحانت ليلة الثامن عشر من رجب، لم يكن معه فلسان يشتري بهما الشمغةالمطلوبة، وخشي من ان يخبر أهله بنذره لان النذر مما يقوم به النساء لا الرجال، وتفتق ذهنه عن ابتكار جديد، فقد احضر زجاجة فارغة وملأها بالنفط، ثم اخذ قطعة من القماش وضع فيها فتيلة ركبها في القنينة، وسد فوهتها بعجم التمر، ثم أوقدها وطرحها في الماء (2) . وفي المرحلة الثانوية بالبصرة سكن في محلة مناوي الباشا، ونظم قصيدة يحن فيها إلى جيكور، وكان محمد علي إسماعيل يساكنه فترة من الزمن، ويذهبان كل جمعة إلى ابي الخصيب، ومرة وجد أزهار الدفلى قد يبست فنظم قصيدة مطلعها:
لفح الأوام ازاهر الدفلى ... فذوت كما يذوي سنا المقل (3) وكان شديد الاحتفال بهذه القصيدة، يتغنى بها وينشدها لاصدقائه، حتى لنه عاد إليها سنة 1944 فزاد فيها الأبيات التالية (4) :

(1/28)

لرجوت لو دامت غضارتها ... وصل التي وعدت فلم تصل
وقد كان وشك ذبولها أجلا ... للملتقى ففجعت بالأجل
ولكنت آمل أن اقبلها ... واعب خمرة حسنها الثمل
أما وقد ذبلت فلا أمل ... لي بالقاء فكيف بالقبل غير انه ؟فيما يبدو - لم يحتفظ بشيء من هذه القصائد الأولى، وأقدم قصيدة مؤرخة من شعره تحمل تاريخ 1941، حين كان في ثانوية البصرة، وعنوانها " على الشاطئ " ومطلعها (1) :
على الشاطئ أحلامي ... طواها الموج يا حب
وفي حلكة أيامي ... غدا نجم الهوى يخبو عزاء قلبي الدامي ... وهي ركيكة النسج، فاستبقاؤها وحذف ما قبلها لا يثني بخير كثير على همهمات فترة القرزمة، وقد كتب بدر في نهايتها عبارة اعتذارية خشية من النقد فقال: " أتسجل هنا ما قلته في سن الخامسة عشرة؟ " . على ان القصيدة فيها جميع المواد التي كان علي محمود طه المهندس يصنع منها قصائده: فيها الفجر والشاطئ والأحلام وموكبها والموج والزورق والتسبيح وما إلى ذلك.

(1/29)

- 3 –

بواكير الشعر

يمكن أن يقال أن شاعرية بدر تفتحت مع بداية الحرب العالمية الثانية، غير متأثرة أو منفعلة بها، وكانت تلك الحرب قد فاجأت الحركة الشعرية في جميع أنحاء العالم العربي، وهي تنقلب على مهاد الأحلام وتسبح في الأضواء والعطور؛ كان محمود حسن إسماعيل قد بنى كوخه الريفي الجميل فجذب إليه كثيرا من الشبان الناشئين الذي يحبون البساطة ويؤئرون الحياة الريفية، وكان المهندس يتنقل تائها في زورقه بين عوالم تتدفق فيها الفتنة ويعج فيها السحر؛ وكانت قصائد هذين الشاعرين قد أصبحت نماذج تستهوي من يحاول ان يعزف على القيثارة الشعرية؛ وربما لم ينازعهما ثالث هذه المكانة، وان استطاع أنور العطار أن يستميل إليه عددا غير كثير من أنصار طريقته.
ولم تكن تلك الموجة الرومنطقية هربا من الحرب لأنها كانت راسخة الأصول قبل ذلك، ولا كانت تمثل مفارقة صارخة مع الحرب نفسها، لأننا حين ننزع عن عيوننا غشاوة التقليد ندرك أن الحرب لم تكن تمثل لدى الأمة العربية قضية إنسانية بين الظالم ومظلوم، وإنما كانت في البداية صراعا بين قوى الطغيان من الجانبين، فإذا اندحرت فيها بريطانيا لم تتحطم حضارة لتسود في موضعها همجية ضارية، ولم تهو مثل عليا ليحل محلها بناء لا أخلاقي؛ بل كان العرب قد عرفوا من

(1/30)

طغيان السياسة البريطانية ولا أخلاقياتها ما لم يعرفوه بالتجربة في التسلط الفاشي أو النازي، وما كان حديث ثورة الفلاحين في فلسطين (1936 - 1939) ببعيد عن الأذهان يومئذ.
ثم ان الأمر أدق من هذا بالنسبة للعراق أولاً ولبدر شاكر السياب ثانيا: أما العراق فقد حاول في حركة رشيد عالي الكيلاني تحدي بريطانيا وموالاة المحور، ورغم أن تلك الحركة كانت قصيرة الأجل فإنها كانت تجد التأييد الكامل لها في نفوس الفتيان الناقمين على السياسة البريطانية في البلاد العربية؛ ولهذا عدت ثورة الكيلاني انتفاضة قومية، ذات غاية تحررية، وأما السياب فقد فتح عينيه على دنيا الشعر في أعقاب فترة سئم الناس فيها في العراق مواعظ الرصافي باسم الشعر الاجتماعي ومنظومات الزهاوي باسم الأفكار العلمية؛ وكانت الرومنطقية هي اللون الجديد المستطرف حينئذ؛ وهي الغذاء الذي يناسب فتى مثله في تلك السن الموشعة لالاحلام والآمال: عن طريقها تستطيع حساسيته المسرفة ان تتشكل، ومن خلالها يستطيع أن يعكف على العناية بنفسه إذا أهمله الناس.

وكان العام المدرسي (1942 - 1943) وهو آخر مرحلة في ثانوية البصرة من أحفل الأعلام بالشعر، ولهذه الظاهرة أسباب عديدة، منها شعور بدر بأن الشعر لم يعد يتليا بالنغمات والقوافي ، وإنما اصبح قدره الذي لا محيد عنه، فهو في السادسة عشرة من عمره يحس انه لا يجد أمن نفسه ولا طمأنينة روحه إلا في حمى الشعر؛ والمدرسة تشجع على الشعر وتعقد بذلك المباريات، وتقرر الجوائز، وحوله من رفاق الدراسة عدد من الشعراء يتنافسون تنافسا وديا في عرض نتاج قرائحهم، ومن هؤلاء صديقاه محمد علي إسماعيل (أو السماعيل كما يكتبه السياب في رسائله) وخالد الشواف، وقد اضطر خالد أن يغادر البصرة إلى بغداد دون أن يكمل فيها السنة النهائية وبعض التي قبلها لأن والده

(1/31)

نقل إلى منصب قضائي ببغداد، وأخذ الصديقان يتراسلان، ويكملان العهد الشعري في البصرة بتبادل القصائد التي كانت تجد، ضمن رسائلهما، و كانت قصائد خالد من الحوافز على المعارضة، كما كان لآرائه النقدية أثرها في توجيه بدر؛ كان خالد يرى في تلك السن أن من شاء لنفسه الإعداد الشعري الصحيح ركب الصعوبة دون تهيب وبنى قصيدته على قافية واحدة، ولهذا نصح صديقه بأن لا يبني القصيدة على قواف مختلفة، فرد عليه بدر يقول: " قد والله تأثرت كثيرا بنصائحك فأخذت أحول بعض قصائدي من قواف مختلفة إلى موحدة القوافي.. " (1) وسماء أراعى بدر هذه النصيحة أم لم يراعها في المستقبل القريب، فأنها مفتاح لمظاهر كثيرة في شعر بدر. كذلك انتقده خالد في بعض الجزيئيات كقوله في مطلع قصيدة " الخريف " :
قاد الخريف مواكب الأيام ... فالمدح ناي في يد الانسام وليست رسالة خالد التي ورد فيها هذا النقد متوفرة لدي، ولكن يبدو أن نقده انصب على فقدان العلاقة بين " مواكب الأيام " ، وبين " فالدوح ناي " فرد السياب بقوله: " والذي جعلني أقول هذا المطلعهو بعض الحذف الذي جرى على القصيدة عند إلقائها إذ كان مطلعها " قاد الخريف مواكب الأنغام " (2) ، وهو اعتذار مضحك ؟كما ترى - والسر في الأمر أن " مواكب الأيام " أصح من الناحية الشعرية ولكنها أن بقيت كذلك لم تبق من علاقة بين الشطرين، ولهذا جعل بدر هذا الشطر في المجموعة الشعرية التي لم تطبع: " رقص الخريف بفائض الأنغام " ولا يخفى أنه شطر أشد قلقا من ذي قبل، ولفظة " بفائض " ترك مكانها خاليا ثم أثبتت من بعد، وكل ذلك يدل على مقدار ما عاناه الشاعر في سبيل ان يسلم بيته من النقد.

(1/32)

وتصلح فذه القصيدة نفسها نموذجا لبعض الاصطلاحات التي كان السياب يتناول بها قصائده، فهذا البيت:
ولعلها رأت المروج أمامها ... عريانة من ثوب عشب نام يصبح:
؟؟؟؟؟؟. ... قد جردت من برد عشب نام ولا ريب في أن كلمة " جردت " قد أكدت فيه معنى السلب؛ وهذا البيت:
فهوت تنبهها ولكن لا يعي الأموات لحن الحب والتهيام ... قد أصابه تغيير كثير فأصبح:
فهوت تشاركها الأسى وتبثها ... أشجانها قبلا ولحن هيام والتغيير يدل على انتقال من فكرة إلى أخرى مغايرة.
وثمة حادثة في هذا الدور كان لها أثرها البعيد في نفسية بدر، وهي فجيعته في صيف 1942 بفقد إحدى جدتيه: " أفيرضى الزمن العاتي.. أيرضى القضاء أن تموت جدتي أواخر هذا الصيف، فحرمت بذلك آخر قلب يخفق بحبي ويحنو علي.. أنا أشقى من ضمت الأرض " (1) .
ولم يرفق بهذا التفجع قصيدة في رثائها، وإنما ارفق به قصيدته " في الخريف " التي تقدم الحديث عنها وقصيدة أخرى بعنوان " يوم السفر " مطلعها:
من لقلبي على القدر ... قضي الأمر بالسفر ثم عاد بعد خمسة أسابيع فكتب إلى صديقه رسالة ضمنها رثاءه لجدته (2) :

(1/33)

أسلمتني أيدي القضا للشجون ... إذ قضى من يردني لسكوني وهي قصيدة " صبيانية " تماما في اكثر ما يحاوله الشاعر من معان وصياغة، كأن يقول:

رفعوا نعشها ونحن حيارى ... فاستفاضت نفوسنا بالجنون
لوددنا لو استطل الدجى أو ... رجع الفجر عودة المستكين
فبكائي على الحبيب بليل ... وهو قربي والدمع ملء جفوني

كان خيرا من الوداع صباحا ... وحبيبي اغتدى بركب المنون ولا يرتفع سائرها عن هذا النسق، وذلك أمر لا تفسير له إلا أن بدرا لم يستطع إن يتمثل تجربة الفقد لهولها وقسوتها فهوت شاعريته تحت وطأة ثقل ولا يستطيع الاضطلاع به، وإذا كان فقد جدته لم ينجب شعرا رثائيا صالحا، فانه عمق لديه منابع الحزن، وأشعره من جديد بحاجته الملحة إلى الحب والحنان ؟ كان قد مضى عليه بضع سنوا وهو يتفرس في كل وجه جميل يلقاه لعله يصرخ مثلما صرخ ارخميدس: " وجدتها! " وكان يتحدث في قصائده عن الهوى وروعه اللقاء وعذوبة القبل، بل انه حين دعاه صديقه خالد إلى زيارة بغداد تعلل بأن " الصبايا العذارى الريفيات يتشبثن ببقائه " (1) ، ولكن حين أرسل إليه صديقه قصيدة غزلية فيها ذكر لبعض الأسماء، وصرح له بأن مثل هذه الأسماء من نسج الخيال، جن جنون بدر دهشة، كيف يمكن ذلك؟ صديقه نموذج حي للوسامة والعافية وقوة الشباب، فتى ملء أهابه حيوية ونضارة وجمالا، ثم لا يعرف فتاة من لحم ودم؟ أذن ليس القبح هو العقبة الوحيدة في سبيل الحب. وبين الشك والقبول كتب إلى صديقه يقول: أحق أن كل الذي قلته في قصائدك خيال؛ أحق أن (؟) و (؟) عاشتا في بالك فقط؟ أأصدق أنك لم تعرف الحب؟ أأنت مثلي

(1/34)

لم تعرف فتاة بعينيها؟ ؟. أأنت مثلي محروم من العاطفة لا يرى قلبا يخفق بحبه؟ لا، فأنت وان صدقت في زعمك لست مثلي وأرجو إلا تكون مثلي أن شاء الله؟ مرت السنون وأنا إلى الحب ولكني لم أنل منه شيئا ولم أعرفه، وما حاجتي إلى الحب ما دام هناك قلب جدتي يخفق بحبي؟ (1) " وكان خالد ابعد إدراكاً لطبائع النفوس من بدر، ولهذا حاول أن يطب له في محنته،
لعل بدرا يجد في حال صديقه عزاء لنفسه، وكان عزاء ولو إلى حين. ترى ان خالدا سلك غير هذا السبيل، أكانت الصداقة قائمة بين الشابين يومئذ؟
كان بدر في هذه المرحلة شابا بسيطا لا يتعدى عالمه القرية وضواحيها ومدينة البصرة أو ما عرفه منها، أما بغداد فأنها لا تعيش في خياله، فهو يتهيب الحديث عنها أو الإشراف لزيارتها؛ ودجلة كيف حاله عند بغداد؟ أنه رآه في الحلم فعجز عن ان يقول فيه شيئا من شعر، فهل هو كما رآه في المنام (2) ؟ ولسنا نستطيع ان نحدد عالمه الثقافي الخاص حينئذ، ولكنا نتصور أنه كان يكثر من قراءة الشعر ؟وخاصة ما كان ينشر منه في الصحف - ولم يكن في أحداث الحياة العراقية أثناء الحرب ما يحدد له موضوعه الشعري المفصل، كان ريفه عالمه المحبوب، ولذلك فانه اتخذه مادة لشعره، وارتبط معه بعلاقات عاطفية رقيقة، إلا أن هذه الرابطة لم تجد امتحانا ولهذا اكتفى بدر بأن ينقل صورا ريفية كبرى، لأنه عاش تلك الصور واحبها، مهما يكن رأي النقد في صوره؛ ولولا قوة تلك الرابطة العاطفية بينه وبين الريف لاستطاعت الأحداث التي نجمت عن ثورة رشيد عالي أن تجره وشعره إلى منطقة السياسة، ولكن عدم تبلور فكرة سياسية غائية في ظروف من العسف والتنكيل قام بها

(1/35)

نوري السعيد برا بمصالح سيادته العظمى بريطانيا، جعلت المتحمسين من الشباب يصمتون على ألم، ويكتفون بالتلميح دون التصريح، وفي ماري (آذار) 1942 صدرت أحكام بالإعدام غيابيا ضد رشيد عالي واثنين من وزرائه هما يونس السبعاوي وعلي محمود الشيخ، إلى أحكام أخرى بالسجن؟ ثم قبض الإنكليز على بعض العراقيين في إيران وسلموهم إلى الحكومة العراقية، فنفذ حكم الإعدام في يونس السبعاوي وفهمي سعيد ومحمود سلمان فكتب بدر في رثاء هؤلاء الثلاثة قصيدة بعنوان " شهداء الحرية " ، وفيما يظهر لنا أن مشاعره كانت مع ثورة الكيلاني وان بذور النقمة على سياسة نوري والوصي تعود إلى هذا التاريخ، ومن أبياتها:

أراق عبيد الإنكليز دماؤهم ... ولكن دون النار من هو طالبه
أراق ربيب الإنكليز دماءهم ... ولكن في برلين ليثا يراقبه
رشيد ويا نعم الزعيم لأمة ... بعيث بها عبد الاله وصاحبه

لأنت الزعيم الحق نبهت نوما ... تقاذفهم دهر توالت نوائبه وهذا هو الصوت الوحيد الذي يتحدث فيه عن مشكلة وطنية فيما وصلنا من شعره حتى التحاقه بدار المعلمين.
غير ان اختيار مناظر الريف المسطحة لا يصنع شاعرا حتى ولا شاعرا للطبيعة، وكان لا بد لبدر من ان يخوض تجارب جديدة، وكانت التجارب المدرسية مضللة إلى حد كبير، فقد كان اكثر الموضوعات التي يقترحها مدرس الإنشاء من نوع الفواجع الميلودرامية، وكانت نفسية بدر شديدة التقبل للحزن، ولكنها حتى عهدئذ لم تكن تفهم أو تستسيغ الإغراق في صور الفجيعة، لذا فعندما اقترح عليهم المدرس الكتابة في أحد هذين الموضوعين: (26/1/1943) (1)

(1/36)

المفاخرة بين مصور وشاعر قرية كثيرة الرخاء شديدة الرحمة والعطف على غيرها من القرى اندلعت فيها ألسنة النيران؟ الخ، اختار بدر الموضوع الأول ليؤكد تفوق الشعر على الرسم بحجج إلزامية أو خطابية تمثل مستوى تفكيره في ذلك الدور من حياته. ثم كتب في موضوع " ضال في غابة جنه الليل وقد امتزج دوي الريح بصوت الآساد؟ " وبهذا الموضوع وجد الباب مفتوحا للحديث عن الموت مع أنه تجنبه في موضوع القرية التي التهمتها النيران، " اولئك الناس الذين ضلوا مثلي ثم تلاشوا أمام ظلمات الليل بعد أن أطلقوا صرخات الرعب التي لا تزال تطرق الغابة كلما جن الليل.. إنني اسمع حشرجتهم وأرى خلال الأغصان جماجمهم الصفراء تطل علي بمحاجر كأنها قبور مظلمة، وكأنني اسمع نداء خفيا من أولئك الأموات، انهم يقولون: إنني ضيفهم الليلة، يا للهول! " فلما طلب إليه أن يكتب " عن طبيب ذاع صيته ونبه ذكره أصيب بداء عياء حار فيه الأطباء " ، تقمص في بعض أجزاء الموضوع شخصية الطبيب واخذ يتحدث عن نفسه قائلا: " كم أتحسر على تلك القرية النائية الجميلة بحقولها الخضراء التي تتسابق فيها الجداول التي وصلت بين ضفافها جسور من جذوع النخيل، هذه الجسور تشبه قلبي، قلبي الذي تغير عليه حوادث الزمان ونوائبه، وهو معروض على ينبوع الحب ولكنه يرى المياه ولا يشربها؛ أني لأذكر الراعيات الريفيات الجميلات، أن نهودهن تسبق أجسادهن ولكن ألحانهن الوديعة العذبة تسبق الجميع، كم مرة حدوت أغنامهن لألحان مزماري ولكن قلوبهن لا تحركها أنغامي، وأذكر تلك الريفية الحسناء الراعية التي أحبها القلب مرة.. الخ " (1) ؛ ومثل هذا التقمص للضال الذي يترصده الموت وللطبيب الذي كتب عليه بدر أن يموت بالعدوى من الحبيبة اصبح أمراً سهلا على بدر لآن فكرة

(1/37)

الموت أصبحت تسيطر عليه بقوة، وتلاحقه في اليقظة والحل والترحال.
وتظهر في أحد موضوعات السياب الإنشائية نغمة دينية لا نجدها في غيره ولا تتضح ؟على وجه مباشر - فيما بين أيدينا من شعره، ولكنا نذكر أن بدرا كان شديد التأثر بشخصية أستاذه محمود يوسف الذي علمه العربية في مدرسة البصرة، وقد عرف الأستاذ محمود بالورع والتقوى، ويشهد الأستاذ عبد اللطيف السياب الذي عاش مع بدر في تلك السن ان بدرا وصديقه محمد علي إسماعيل كانا يخرجان من المدرسة إلى الجامع، ويحافظان على الصلاة في أوقاتها، وأن الأستاذ محمد علي إسماعيل ظل محتفظا بهذه الروح الدينية، أما بدر فربما أبعدته عنها مؤقتا تقلبات الحياة التي عاناها. ويضيف عبد اللطيف قوله: انه ما يزال يحفظ أبياتاً متفرقة من شعر بدر المبكر تومئ إلى ذلك الاتجاه الديني. أيا كان الأمر فان هذه الصلة الأولى من اليقظة على التقوى سيقوي من بعد الميل لدى بدر للعودة إلى جانب مما يمثل طفولته وصباه.

(1/38)

- 4 -

راع دون قطيع

نستطيع الآن أن نواجه طبيعة الاتجاه الشعري الذي عاشه السياب قبل ان ينتقل إلى دار المعلمين، فقد ألمحنا فيما مضى إلى بعض مظاهر ولكنا لم نجد معالمه الكبرى وخصائصه العامة. ولسنا بحاجة إلى أن نعيد الوقوف عند رثائه لجدته أو رثائه للشهداء الذين قاوموا الاستعمار الأنكليزي، ولكنا بحاجة إلى أن نكرر القول بأن الريف كان مجال هذا الشعر وموضوعه، ذلك لأن اتخاذ هذا المنطق يسهل علينا فهم التفريعات والدقائق التي قد تنجم عنه. وقد تحدد هذا الريف في خاطر بدر بأنه الطبيعة الجميلة الطاهرة الخيرة المعطاءة ولهذا تحدث عن ربيعه وخريفه، وصيفه وشتائه، محاولا أن يرسم لكل فصل من الفصول لوحة خاصة، ولم يكن همه في تلك اللوحات إلا إبراز قدرته على الرسم، فإذا استطاع ابتكار صورة جديدة أو وفق إلى تعليل حسن لصورة قديمة، أحس أنه مهمة الشاعر الكبرى، فهو يجهد الجهد كله ليقول شيئا لم يقله غيره في صورة قوس قزح من قصيدة الشتاء فيقول:
وكأنما قوس السحاب وقد بدا ... أوتار قيثار مضت تتنادم
فتقاربت حتى يعاود عزفها ... مرح الأنامل بالملاحن عالم وشبيه بهذا قوله في قصيدة الخريف يصف الأوراق الساقطة:

(1/39)

سقطت فكل وريقة قيثارة ... مقطوعة الأوتار والأنعام
عبرت أغانيها الفناء وأصبحت ... توحي إلى الفنان بالإبهام ولست تجد في هذه القصائد من روح الشعر سوى هذه المحاولة التصويرية، فهي تومئ إلى أن الشاب يتشبث بجدة الصورة، أما فيما عدا ذلك فأنها قصائد بليدة بطيئة لا تنبض فيها حياة. وأحيانا يحاول ان يطرح الصور العامة ثم ان ينكفئ على نفسه فيستخرج مواجده ويبسطها فوق مربعات الصورة الكبرى وإطارها العام، وكأنما يجمع بذلك بين شقي القصيدة، وهي طريقة اقتبسها من أنور العطار، وقصر عنه فيها تقصيرا واضحا، لأن العطار ذو أزميل حادة في التصوير واسثارة الدفائن النفسية معا، وذو قدرة على الصقل لا يحسنها بدر في تلك السن، فحتى ذلك الحين كان محصول بدر من الثروة اللغوية ضئيلا نسبيا، ولذلك كان إذا اختار بحرا يتطلب الجزالة أعيا قبل نهاية البيت وأصبحت قوافيه وجمله المكملة للمعنى مضحكة في مواقعها شاذة في صلتها بما قبلها، ومثال ذلك قوله في قصيدة " أصداء البعاد " :
أوام بقلبي للقا متزايد ... وشوق لسلمى ذكره متوارد
صرعت جوى لما رنت لي بمقلة ... يلم بها رسم الكرى ويعاود
ففتحت انخاء الفؤاد بناظر ... إلي غدت الحاظه تتوارد
وما كنت ادري ان عينا كليلة ... لتأسر قلبا في الهوى وتكايد فليس أشد إمعانا في الركاكة من " ذكره متوارد " " غدت الحاظه تتوارد " " وتكايد " في مواقعها حيث وقعت، ولهذا كتب بدر ملحوظة عند هذه القصيدة لعلها مما كتب من بعد: " تقليد للأقدمين لم يبلغ منزلة المقلد ولا يلائم روح العصر " . كان خالد ؟كما تقدم - يلح عليه ان يبني قصيدته على قافية واحدة، يريده ان يكون جزلا، ولكن الجزالة

(1/40)

تشترط قبل كل شيء السيطرة على اللغة، وأنى له ذلك؟ ولهذا كان أقدر على غنائيات علي محمود طه المهندس التي تبنى على عدد من القوافي، وتعتمد ألفاظاً سهلة وأوزانها خفيفة، وكان ينظم كثيرا من قصائده على النحو دون أن يطلع خالدا على هذا اللون من القصائد، قبل عام 1946، ولا تحس في هذه القصائد بأن التركيب متعب له كما في القصائد السابقة كقوله في قصيدة " يا قمر " :

كم غازلتك الأنجم الساهمة ... وارتعشت في نورك السلسل
وكم غفت انوارك الحالمة ... فوق مياه النهر والجدول
وزهرة في حجرها نائمة ... مكبرة للخالق الأول
قد هددتها النسم الناعمة ... ولم تزل في حلم معجل * * *
نجوى حسان الريف بين الربوع ... ورنة المزهر فوق الاكم
والزورق الساجي مصل خشوع ... محرابه الشط البليل النسيم
الكل مشتاق فجد بالطلوع ... وامسح على الكون جراح الالم
لو استطاعت قبلتك الفروع ... واسمعتك الريح عذب النغم وعندما احس بدر من نفسه القدرة على هذا اللون من الشعر اختاره لينقل مشاعره " الرعوية " .

ولكن كيف تأتى لبدر ان يهيم حبا بالرعاة وحياتهم وألحانهم وأغانيهم؟ من السهل التطابق بين حياة الريف وحياة الرعي، فالرعاة أيضاً جزء من الريف، وأغانيهم الحزينة وراء قطعانهم وألحان الشبابة التي تغزل الآفاق بحنينها الآسيان من السهل ان تجعل شابا حالما محبا للريف يتصوره " اركاديا " الساحرة ذات الحياة البسيطة البريئة والحب الطاهر والجمال الطبيعي، ولكن عاملا آخر دخل في حياة بدر هو الذي جعل الريف في عينيه مجتمعا للرعاء. ومفتاح هذا في قصيدة " مريضة "

(1/41)

التي أرسلها إلى صديقه خالد (1) ، وقد صدر تلك القصيدة بقوله: " إلى التي لا تفهم الشعر ولا تسمع قصيدتي هذه ولن تسمعها، ارفع هذه الآهات لعلها تنوب عن زيارتها وهي على فراش المرض " ؛ ومن تلك القصيدة:
مريضة؟ لك ربي يا (هويل) ولي ... وللقلوب التي ضلت مقاصدها
مريضة؟ لم ينلك الداء واحدة ... فالروح مثلك عاد الداء وافدها وكانت " هويل " هذه واسمها " هالة " (وتنطق محليا هيلة) بدوية من إحدى القبائل العربية التي تعيش في الحدود الايرانية، ثم انتقل أهلها فسكنوا في ارض لهم بأبي الخصيب وفي إحدى السنوات غطى الماء أراضيهم فأعطاهم السياب الجد قطعة من أرضه ليقطنوا فيها، وكانت هالة تراعي القطيع كل يوم، فتعرف إليها بدر وخفق لها قلبه، وهو في آخر عام دراسي بثانوية البصرة، فاصبح هو الراعي صاحب الناي والتلاحين الحزينة (2) :

لأجلك أطوي الربى شاردا ... أردد أنغامي الضائعه
وأسكب في الناي قلبي الكئيب ... فتغمره النشوة الخادعه
وكان لحونا دعتنا الربى ... فقرت بأحلامها الرائعه

يسلسلها الليل في صمته ... فتوقظ أشواقه الهاجعه ولكنه يحدثها انه ان يغني فلم يستطع: " خبا لحن قلبي ومات الصدى " ؟.. ولذا فانه يكتفي بذكريات الأمس:

وفي ذكر أمس عزاء لنا ... وما أعذب الأمس للذاكر
فكم قبلة ذاب فيها الغرام ... تطوف على قلبي الحائر
فيا لمحة من شعاع الخلود ... سرى الوجد في حملها العابر

(1/42)

ويا بسمة في قلوب الرعاة ... يفيض بأنغامها خاطري * * *
دعاك فؤاد طوى صفوة ... وكفنه بدموع المقل
أقام الهوى منه محرابه ... فرددت ثم صلاة القبل
ولكنك اليوم حطمته ... وأطفأت فيه شعاع الأمل

أينشد من راودته الشجون ... كمن أسكرته لحون الجذل؟ هل تغيرت " هيلة " عما كانت بالأمس، أو أن الشاب الواهم بنى قصة حب ثم وجدها تريد ان تنقض فبكى أحلامه؟ ان حقيقة العلاقة بين بدر وتلك الفتاة أمر محفوف بالغموض، وسنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى، ولكن يكفينا هنا ان نلمح قدرة الشاعر في هذا المجال " الرعوي " على أن يمنح قصيدته ما تتطلبه من انفعال عاطفي، وأن لا يشغله الرسم لأجزاء الصورة عما يريده من تعبير ينقل ذلك الانفعال. وفي ذات يوم عاد من المدرسة إلى قريته في إجازة قصيرة فصور " عودة الراعي " الذي رجع للمرعى القديم فرآه وقد غيرته الليالي وهجرته الراعية (1) :
لم تطل غيبتي عن الجدول الجاري وها إنني أراه يجف ... لم تطل غيبتي عن الطائر الممعن شدوا فما له لا يدف ... لم تطل غيبتي عن الزهر في الأكمام واليوم رنح الزهر قطف ... لم يطل عن حبيبتي أيها الروض غيابي فما لها لا تخف ... بل ربما صح ان نقول ان حدة الانفعال جعلت تجاربه في القصيد الجزل اكثر نجاحا، كما يتجلى ذلك في قصيدته " همسك الهاني " (2) :

(1/43)

خيالك أضحى لابسا من فؤاديا ... رداء موشى بالرؤى البيض حاليا
وكنت كذاك الطائر الخادع الذي ... يراه رعاة البهم في المرج هاديا
فيعدون بين العشب والزهر نحوه ... وان قاربوه طار جذلان شاديا

فما زال في إسفافه وانطلاقه ... فلا هو بالنائي ولا كان دانيا فهنا يتابع الصورة إلى نهايتها دون أن ينتابه ضعف في التعبير، ومن هذا القري قصيدة " ذكريات الريف " وفيها يقول (1) :

تذكرت سرب الراعيات على الربى ... وبين المراعي في الرياض الزواهر
ورنات أجراس القطيع كأنها ... تنهد أقداح على ثغر شاعر
أقود قطيعي خلفهن محاذرا ... وانظر عن بعد فيحسر ناظري
وما كنت لو لم اتبع الحب راعيا ... ولا انصرفت نحو المروج خواطري
إليها طويت الليل بالليل صابيا ... وطارتها (مستهونا) بالمخاطر
وقبلت حتى البهم لما رأيتها ... تقبل تلك البهم قبلة ثائر

فقد اهتدي في قبلة اثر قبلة ... إلى اثر من ثغرها غير ظاهر وعلى الرغم من أن مستوى القوة في تعبيره قد ارتفع، فان لمسات الضعف منثورة هنا وهناك؛ وفي هذه القصائد الأولى بذور قوته وضعفه معا، قوته في الانفعال أو تصيد الصور، وضعفه في التعبير، أو لجوءه إلى التضمين كما في قوله (2) :
وسرى الغمام على الحقول فرجعت ... أنهارها لحنا أهاج غرامه
وشجونه، فجرت هواطل دمعه ... وغذا يريق على الفروع مدامه أن ضعف التعبير سيقنعه عن قريب بأن البناء المتساوي في إيقاعاته ونغماته يلجئ الشاعر الاضطرار فيوقعه في ضعف، وأن حاجته

(1/44)

إلى التضمين ستقنعه بعد قليل ان ليس من الضروري ان يكون البيت وحدة قائمة بذاتها، ولم لا يكمل المعنى في خمسة اسطر ما دمنا نطلب صورة كاملة (انظر صورة الطائر السابقة). كل شيء ينبئ بأن الثورة على نصائح خالد آتيه لا ريب فيها، ولكن الصداقة ما تزال أغلى منها، كما أن مدى الاطلاع نفسه لا يسمح بكثير من الجرأة في مبارحة المألوف (1) .

(1/45)

- 5 -

بين الأقحوانة وذات المنديل

كانت النقلة إلى بغداد في مطلع العام الدراسي (1943 - 1944) والى دار المعلمين منها تحولا إلى عالم جديد يكفل للسياب مزيدا من الثقافة وقسطا من الشهرة الأدبية، وانفتاح العينين على صخب الحياة ومختلطات أحداثها في إبان الحرب العالمية الثانية، ويوسع الكوة التي يطل منها على العالم الخارجي، ويقرب إلى انفه الفاغر على روائح الأنوثة نماذج متنوعة من نساء يعشن في الواقع عيش الآدميين الذين يخطئون اكثر مما يصيبون، ويخضعون للنزوات العابرة، وتتحول بهم العلاقات حينا إلى اليمين وحينا إلى اليسار، ويفلسفون الهجرة المتأرجحة بهم بين الواقع والمثال.
ومن عجب أن " الراعي " الذي كان يهم بمفارقة المروج الحبيبة لم يبك لان القطعان ستغيب عن ناظريه، وإنما تغنى بالسلوان واشتق معنى شعريا من الفراق يحيله إلى حقيقة ضرورية. ها هو قد انفرد عن من يحب، وهل يمكن للنور ان ينفذ من بين دفتي النافذة إلا إذا انفردت إحداهما عن الأخرى، وهل يمكن للطائر ان يطير إلا إذا تباعد جناحاه من منشورين (1)

(1/46)

وكنا لوحتي نافذة في هيكل الحب ... فلو لم تفترق لم ينفذ النور إلى القلب ... وكنا كجناحي طائر في الأفق الرحب ... فلولا النشر والتفريق لآرتد إلى الترب ... ولكنه في ختام هذه القصيدة يشعرك بأنه يسخر من نفسه ومن قدره حين يقول:
وكنا شفتي هذا القضاء مفرق الصحب ... فلو لم تنفرج لم تضحك الأقدار من كربي ... وكان الشاب الضاوي يحمل في حقيبته بين مطوى الثياب مجموعة من الشعر الذي كان قد نظمه قبل تلك الرحلة، ويعلل الظمأ اللاغب إلى الشهرة بري وشيك؛ انه " الفتح " الذي تركع له بغداد راضية عن استسلامها، لأن الغازي الجديد لا يحمل لها دمار الغزاة السابقين. ولكن هذا " الفاتح " الرقيق الكئيب كان يحمل فوق عينيه وحول شغاف قلبه غشاوة من الرومنطقية الأولى، تحول بينه وبين رؤية المدينة على حقيقتها، وتشهد إلى الماضي وذكرياته، وتجعله وحيدا في زحمة الناس.

وحين هبط المدينة تلقاه صديقه القديم خالد، وأخذ بيده في تعريفه إلى زواياها ومنعطفاتها، ولم يطل به الوقت حتى تعرف إلى عدد غير قليل من الأدباء والمتصلين بالحركة الأدبية، وكان أول اثر لهذه المعرفة أن وجد نفسه واحدا بين كثيرين يخضعون حومة الادب، وانه ان شاء الظهور في خضم المنافسة فلا بد له من أن يتفرد، إذ لم يعد شعره قاصرا على التغني المنفرد في سكون الريف أو على المراسلات الدورية بينه وبين بعض الأصدقاء؛ فانه طالب في دار المعلمين العالية، والعيون تنفرس فيه بحثا عن الشاعر المستكن في مح عظامه؛ وهو قد اصبح عضوا في ناد أدبي صغير، يسمع فيه صوته: فاليوم هو الاحتفال

(1/47)

بذكرى الرصافي، وغدا احتفال بمرور أربعين يوما على وفاة عبد المسيح وزير، وبعد غد مقام تهنئة بفوز الشاعر خضر الطائي بجائزة أدبية (1) . دنيا مناسبات تفرض على الشاعر الذي لم يعرف سوى تصوير خلجاته الذاتية أن يصبح " خطيبا " أو " عبد قافية " ، ولكن لا بأس: أن للشهرة سحرها، ولو كان ذلك على حساب الإخلاص الفني، وستتيح له هذه الندوة الصغيرة أن يلقي شعرا غير معلق بمناسبة. هيئا له أحد أصدقائه الجدد ؟الأستاذ محمود العبطة - إحدى هذه الفرص، وجمع له عددا من الأدباء ألقى عليهم من شعره الذاتي ما يملك إعجابهم فقام إليه الشاعر هادي الدفتر وقبله، ودنا منه خضر الطائي مهنئا، وتحول عبد الرحمن البناء فجلس إلى جانبه (2) ؛ ذلك شيء لم يتح له في جيكور أو في البصرة، وها هي زاوية من بغداد تعترف به شاعرا ينتظره مستقبل عظيم.
ولو رددنا الأمور إلى أسبابها الحقيقية لوجدنا ان شعر بدر حينئذ لم يكن هو الذي يملك الإعجاب، وإنما هو ذلك التلاحم بين الإنسان والكلمات، تلاحما تضيع فيه الحدود بين الصوت والمعنى والملقي نفسه، ويغدو كل ذلك نبضات أو جيشانا من الدروع، أو حشرجات مختنقة في قبضة الكآبة والموت، وظلت طريقة بدر في الالتقاء على هذا اللون سواء أكان شعره هادرا أم خافتا، متحمسا أم باكيا، ولهذا عبر عنها من سمعوا إلقاءه، في فترات متفاوتة، تعبيرات متقاربة، فقال الأستاذ العبطة وهو يتحدث عن دور مبكر في وقفات بدر أمام مستمعيه " وأخذ يقرأ شعرا من أنماط شتى بأسلوب مؤثر وحركات غريبة، إذ كان يندمج في جو شعره اندماجا عجيبا ويؤشر إشارات تفصح عما في قلبه " (3) .

(1/48)

وقال الشاعر بلند الحيدري وهو يممىء إلى الانفصام القائم بين حقيقة الشعر والحركات التمثيلية: " ولم نكن لنمل من سماعه رغم ما في إلقائه من دراماتيكية لا تبدو مريحة في أحيان كثيرة " (1) . وتقول الأديبة السيدة خالدة سعيد متحدثة عن إلقاء بدر في فترة متأخرة: " كان يقف على منبر الندوة اللبنانية بهيكله الواهي وعينيه الصغيرتين يصرخ بصوت غريب تموجه قشعريرة مرعبة، يتفجر من أبعاد قصية " (2) ؟وتلك أقوال متقاربة في الدلالة، وان تفاوتت فيها الصياغة التعبيرية.
ومن رأى بدرا في تلك الفترة وهو يرتاد تلك الندوات الأدبية ويذهب في صحبة خالد إلى جمعية الشبان المسلمين ويزور جريدة " الاتحاد " في محلة الصابونجية ليلتقي بلفيف من الأدباء، ويعمد إلى مقهى " الزهاوي " لأنه يعرف أنه سيلقى فيه المشتعلين بالصحافة والأدب ويتمشى في شارع الرشيد مع فئة من الأصدقاء، ويضحك بقهقهة عالية في ساحة دار المعلمين، ويداعب هذا ويدبر (المقالب) المضحكة لذاك من رفاقه، وقدر انه سابح ماهر في تيار المجتمع، وأن بغداد استطاعت أن تكون أما رءوما تضمه إلى صدرها. ولكن الحقيقة كانت على خلاف ذلك، فقد كان بدر حينئذ ما يزال وحيدا تائها عن نفسه، لا يجد له منتمى، ولا يحاول الانتماء: فهو يطلب الوحدة لنفسه في مقهى " إبراهيم عرب " أو مقهى " مبارك " ومعه عدد من الكتب اغلبها من الدواوين الشعرية، فإذا سئم القراءة حومت به الذكريات حول الريف وحياته الوادعة لبريئة، وهالة أن يجد هوة قد أخذت تنفرج تحت قدميه بين هذه الحياة الجديدة وتلك الحياة التي عاش يتغنى بها، وأخذت مخيلته تقارن بين ما كان وما جد من سئون. وفي قصيدة " الذكرى " (3) نجده

(1/49)

يستعيد اللوحة القديمة، ويعود على غصنين من الذكرى إلى ماضيه إلا انهما يذوبان لدى حلول الخريف ويعجزان عن الطيران به إلى مرج الرعاة:

ودوحة الذكرى تسلقتها ... مجتذبا أغصانها المزهرات
مستقصيا ما بينها فجوة ... تمر منها النسيم الهائمات
أبصرت منها ذكريات الصبا ... على نجيل المرج مستلقيات
والبحر يسعى دونها زافرا ... فالموج آهات حطمن الصفاة
يا مرج هل تذكرني راعيا ... اعبد فيك الله والراعيات
والبحر ما كان سوى جدول ... ينير في الليل سبيل الرعاة * * *
قالت لي الدوحة لا تيئس ... ستهبط المرج ففيم الشكاة
هاك جناحين فطر وائته ... واستوح فيه المتع الطارئات
وقدمت بين دموع الندى ... فرعين من أغصانها المورقات * * *
غنى الخريف الغاب ألحانه ... فانتثرت أوراقه راقصات

وقبل أن أدرك ما أبتغي ... ذوى جناحاي مع الذاويات كان الحنين إلى الرعاة يؤرقه، وكانت صورة " هالة " ما تزال تعيش في قلبه، رمزا لكل ما يجب في الريف، ولهذا لم يكد يجد الفرصة سانحة في عطلة الشتاء (1943) حتى خف إلى القرية، ولكن قصيدة " تنهدات " (1) تنبئ انه لم يستطع أن يراها؟.. " انها لن تأتي " ذلك ما قاله في التوطئة للقصيدة: أكان ذلك لان فصل الشتاء حال دون قدومها

(1/50)

أم لأن العهد قد انتهى؟ انه يخبرنا في القصيدة أنها أصبحت نائية، حين يقول مخاطبا سعف النخيل:

من كنت أحذر أن تحجب طيفها ... عن ناظري نزلت بأبعد منزل

سيان عندي اليوم قفر موحش ... وظلال روض مستطاب المنهل وعلينا ان نقدر أن هذا النأي كان مكانيا، وكان طارئا، ولعل من أسبابه أن الراعية لم تعد راعية، بعد أن مات القطيع، وسأل عنها فقيل له أن المروج لن تحظى بعد بطلعتها الجميلة:

أحزنا على ما أصاب القطيع ... أليف الروابي اعتراك الألم؟

سأبكي وقد كنت تستضحكين ... إذا الدمع من ناظري انسجم (1) ومثل هذا التقدير ينسجم تماما مع قصائد نظمها من بعد يحن فيها إلى راعيته، حين عاد يستأنف العام الدراسي. وفي هذه الإجازة الشتوية لم ينس أن يقدم إلى القرية تحية إلا بن البار ويتحدث عن مواطن الجمال في جوانبها (2) :

صور تسجد النفوس لديها ... وتضج القلوب بالصلوات
أينما دار ناظري طالعتني ... فتنة تستعيدها نظراتي ولما عاد يجدد العهد بدار المعلمين، اخذ يحاول أن يخلق شيئا من المواءمة بين نفسه وبيئته الجديدة؛ وكانت الأسابيع القليلة التي قضاها في دار المعلمين قبل عطلة الشتاء قد عرفته إلى بعض الفتيات فيها، وكان قدر قليل من اللطف في المعالمة في لغة الخطاب والابتسامة عند التحية كافيا ليحمله على أجنحة الخيال، ويهيم به في مسارب الإلهام، وفجأة وجد نفسه أسير حب جديد: هنالك اثنتان تعاملانه بلطف

(1/51)

وتستمعان إلى شعره وتبديان إعجابهما بذلك الشعر ؟ وهذه كناية إذا ترجمت فهم منها انهما معجبتان به، أليس تقدير العبقرية تقديراً للعبقري نفسه؟ أما إحدى الفتاتين فتمتاز برقة وعذوبة وعينين وادعتين ونغمة حلوة وغمازتين لطيفتين، وهو يسميها " الأقحوانة " ؟مترجما اسمها الإنكليزي - وأما الثانية فإنها ؟في نظره - جميلة، أو بارعة الحسن، وإذا أراد أن يميزها بسمة فارقة سماها " ذات المنديل الأحمر " ، وقد عرف من الأحاديث المتبادلة في رحاب الكلية أنها تكبره بسبع سنوات؛ وتلك حقيقة لا أثر لها في الحب، بل لها كل الأثر إذا كان السياب هو المفتون، فهو ما فتئ يبحث عن " أم " ، وهذه أم وحبيبة معا، فهي أذن مطمح النظر، ومهوى الفؤاد، وكل المنى، ومن غير المستغرب أن يصف لها بدر في أول قصيدة ينظمها فيها غربته التي باعدت بينه وبين أبيه، وحاجته " لى ما يعوض عطف الأم (1) :

خيالك من أهلي الاقربين ... ابر، وان كان لا يعقل
أبي منه قد جردتني النساء ... وأمي طواها الردى المعجل

ومالي من الدهر إلا رضاك ... فرحماك فالدهر لا يعدل وحين ألحت على ذهنه حقيقة السنوات التي تفصل بينهما تألم لذلك (2) :

مشى العمر ما بيننا فاصلا ... فمن لي بأن اسبق الموعدا
ومن لي بطي السنين الطوال ... ستمضي دموعي وحبي سدى ثم تذكر أن الحب " حاسب ماهر " ، يستطيع أن " يطرح " السنين الزائدة جانبا فإذا العمر أخو العمر:

(1/52)

أراها فأذكر أني القريب ... وأنسى الفتى الشارد المبعدا
أراها فأنفض عنها السنين ... كما تنفض الريح برد الندى
فتغدو وعمري أخو عمرها ... ويستوقف المولد المولدا ومن هذه القصيدة نفسها نعلم أن الشاعر كان يتعذب بحبه في صمت وأن " ذات المنديل الأحمر " لم تكن تعلم شيئا عن هذا الحب:

أغض إذا ما بدت ناظري ... فهيهات تعلم كم سهدا
ولو أنها نبئت بالغرام ... - غرامي - لقربت المنشدا

وقالت أأعصي نداء المحب ... حرمت الهوى ان عصيت الندا وأما " الاقحوانة " فان إعجابه بها لم يرتق إلى مستوى الحب، ولكن رقتها حركت مشاعره بوجد المحروم، وإعجابها بشعره قد استثار رضاه؛ وحين استعارت منه ديوان شعره، ذهبت به الأخيلة مذاهب، وأخذ يترنم بالسعادة التي نالها ديوانه فهو حينا فوق النهدين، وهو حينا تحت وسادة إحدى الغيد، ان " الاقحوانة " لم تستعره لتنفرد بقراءته، ولكنه سيسافر في " رحلة معطرة " بين الايدي الجميلة الناعمة (1) :

ديوان شعر ملؤه غزل ... بين العذارى بات ينتقل
أنفاسي الحرى تهيم على ... صفحاته، والحب والأمل
وستلتقي أنفاسهن بها ... وترف في جنباته القبل
وإذا رأين النوح والشكوى ... كل تقول: من التي يهوى وسترتمي نظراتهن على الصفحات بين سطوره نشوى ...
ولسوف ترتج النهود أسى ... ويثيرها ما فيه من نجوى
ولربما قرأته فاتتني ... فمضت تقول: من التي يهوى

(1/53)

ومما يجري مع طبيعة هذا الحلم أن يتمنى السياب لو أنه كان هو مكان ديوانه:

يا ليتني لصبحت ديواني ... لأفر من صدر إلى ثان
قد بت من حسد أقول له ... يا ليت من تهواك تهواني

ألك الكؤوس ولي ثمالتها ... ولك الخلود وانني فأني؟! وكما ودع الشاعر ديوانه وهو يفر إلى أحضان العيد حياه لدى عودته بقصيدة وطأ لها بقوله: " إلى ديواني العائد من تجواله بين العذارى؟. إلى ذلك الزورق المتنقل بين موج النهود أرفع زفرتي " فكرر الحديث عن حسده له لتنقله بين مفاتن الحسان، وتمنيه لو كان هو مكانه، وشبهه بالزورق الذي كان ينتقل بين أمواج النهود ثم عاد إلى صدر صاحبه، إلى مرفأ موحش ؟ وقد مزق منه الشراع. وتسئل في لهفة قائلا (1) :

أنلت من عطفهن يا ورق ... ما لم ينله المسهد الأرق
فكنت منديل كل باكية ... منهم ينتاب روحها القلق
سددن أنظارهن نحوك يا ... ديوان شعري، ولست تحترق!!

أما تراني أكاد أن نظرت ... لي ذات حسن تذيبني الحرق والبيت الأخير هو سر المشكلة السيابية وهو يومئ إلى مدى ما يعانيه صاحبه من لهفة إلى نظرة حنو، ولهذا كان عطف " الاقحوانة " شيئا كبيرا كالحب نفسه، وبين ذهاب الديوان وعودته ؟حسبما يشير تاريخا القصيدتين - مدى أسبوعين، في أثنائهما كانت " الاقحوانة " تسير في ساحة الكلية وبيدها وردة، وأخذت على مرأى من بدر تنزع

(1/54)

أوراقها وتنثرها، فجن جنون الشعر في نفسه، وذهب ينظم قصيدة بعنوان " الوردة المنثورة " ويبدأها بمطلع يذكر بقصيدة للشاعر الروماني كاتولس حين أخذ يبكي موت طائر كانت حبيبته تدلله (1) ، يقول بدر: " أعولي يا قياثر الشعراء " ثم يقارن بين التي تحطم القلب وتنثر الوردة فلا يرى بينهما فرقا:
غير ان التي تحطم قلبا ... تنثر الزهر مثله في الفضاء وبعد أن يعدد ما لتلك الوردة من قيمة عند الروض والطير والنهر والراعي يعود فيندم على هذا الإغراق وينكر على نفسه ما بدأه، وينقض كل ما قرره:

فانثري الزهر كل يوم ليحيا ... في فؤادي ويرتوي بدمائي

أنثريه لتلتهمي قلبي الغض ... فيشدو لحون أهل السماء (2) وامتد به الوهم الملهم، فوقف ذات مرة أو تخيل انه وقف - أمام زهرة أقحوان، فأخذ يخاطبها بقوله (3) :
جاء الدجى يا زهرة الأقحوان ... فانسل نحو الموعد العاشقان وجمع بين الزهرتين في نطاق حين تمثل " الاقحوانة " وهي لا تعلم شيئا عن حبه الذي يؤرقه ولذا فهي لا تسمع ولا تمنح العطف المشتهى:
ماذا ينال القلب يا ويحه ... إذ يعطف الروض ولا تعطفان

(1/55)

وأي جدوى في أغاني الهوى ... إذ تسنع الدنيا ولا تسمعان
وأي خير في الهوى كله ... ان كنتما بالحب لا تعلمان
يا زهرتي قد مت يا زهرتي ... آه على من يعشق للأقحوان

لولا التي أعطيت سحر اسمها ... ما بت استوحيك سحر البيان ووقف سحر " الأقحوانة " عند هذا الحد إذ كانت " ذات المنديل الأحمر " تدفع صورتها من مخيلته وتحل محلها، وقد مرت به الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذه السنة الدراسية (نيسان وآبار وحزيران) وتباريح هذا الحب تعذبه، ولسنا ندري مبلغ ما أدركته ذات المنديل الأحمر من لواعج في نفسه، ومدى قدرته على أن يبوح بهذا الحب في غير الشعر، ولكن الذي ندريه انه اصبح يعاني حالة نفسية قلقة، فانكفأ على نفسه يتحدث لها عن " قبض الريح " (1) :
غنى ليصطاد حبيباته ... فاصطاد أسماء حبيباته انه محب لا يملك من كتاب الحب إلا الفهرست، ولا يرى في الكتب الواقعية التي تفرض عليه قراءتها في الكلية إلا قضبان سجن (2) :

سجين ولكن سجني الكتاب ... وأغلالي الآسرات السطور

فما بين جنبيه ضاع الشباب ... وفوق الصحائف مات السرور ولهذا فهنو برم النفس بمعايشة الموتى، وحق له الانطلاق، فان الشاعر يجب ألا يفني عمره في ظلمة الكتب وسواد حبرها:

عيوني بآفاقه ساهرات ... وحولي يبيت الورى رقدا
بأرجائه ألقي بالممات ... كأني على موعد والردى
وما بين ألفاظه القائمات ... أشعة عيني ضاعت سدى
وما بين أوراقه الصامتات ... تلاشى غنائي ومات الصدى

(1/56)

وما كاد يؤدي الامتحان النهائي حتى هرب من بغداد خفية دون أن يعلم بسفره أحد من اصدقائه، وهو يسمي هذه العودة المفاجئة " تلك المغادرة الشاذة " ويضيف مخاطبا صديقه خالدا: " ولكن الشاعر يقدر ظروف الشاعر فيعذره، ومع هذا فقد اصبح من الصعب علي أن انفي عن نفسي تهمة الشذوذ؟ لا سيما في الحب " (1) .
وحسب بدر انه هرب من بغداد أفلت من تلك الأغلال التي قيدته بها: أغلال الكتب وأغلال العواطف، ولكنه كان حليف كتاب،وما كانت ثورته لتنصب إلا على الكتب المقررة، وأما أغلال العواطف فانه هو الذي كان يلفها حول وجوده مختارا راضيا، ولذلك تبعته بغداد إلى الريف، وخالطت " الوحدة والنخيل والجداول والمد والجزر وليالي القمر والشط الجميل الساجي " (2) : فكان إذا تنسم عبير الأزهار البرية ؟بل إذا قرأ قصيدة زهرية - تذكر " عرف الاقحوانة " (3) ، وذات يوم كان يقلب جريدة " الزمان " فإذا به يقرأ: " تنعى بمزيد الأسف الآنسة (؟.) كريمة الدكتور (؟.) " انه اسم " الاقحوانة " واسم أبيها؛ هل من المعقول؟ " انا الآن في هم وقلق شديدين.. انا حائر.. لو عرف عنوان ابيها لسألت عن هذه العذراء التي أوحت إلي قصيدة " ديوان شعر " وقصيدتي " الاقحوانة " و " الوردة المنثورة؟ " (4) ولا ريب في انه عرف من بعد أن ذلك كان محض توافق بين اسمين، ولكنه لم يعرف انها ؟مد الله في عمرها - عاشت لتقول في رثائه كلمة وفاء نبيلة.
ولا ريب في أن " ذات المنديل الأحمر " قد كانت تعيش في خياله،

(1/57)

ولكنا يجب ألا نسرف في التصور، فان القصائد التي نظمها فيها تدل على أن الحب كان يتجه إلى الانحسار، ومثل هذا الحكم يبدو غريبا لأول وهلة، ولكنا نجده يذكرها في قصيدتين أرسلهما إلى صديقه خالد إحداهما " في المساء " (أو في الغروب) والأخرى " الشعر والحب والطبيعة " وكلتا القصيدتين تمثل ارتدادا إلى اللوحات المسطحة التي كان شغوفا بها من قبل، وليس فيها أية حركة انفعالية لا بالطبيعة ولا بالحب، أضف إلى ذلك ان ذكر الحبيبة فيهما يجيء عرضا، ويجيء موشحا بلون من التصور ؟أو الواقع - الصبياني؛ ففي قصيدة " في المساء " يتحدث عن صورة الشمس في الغياب، ثم يحاول أن يقرن ذلك بغياب شمس العمر فيعجز عن الإفصاح بالمعنى الذي يريده (1) ، ثم يتحدث عن سحابة اعترضت غياب الشمس، ثم يعود ليذكر وداعه لصاحبته (2) :

قسما بمن اذكرتني بوداعها ... لقد ابتعثت صبابتي وتحسري
هي ذي (؟) والقلوب تحفا ... من كل منكسر الجناح مسعر
جلست وما جلس الفؤاد من الجوى ... وتبسمت فبكى ولم يتصبر
وهبت تحيتها لآخر غيره ... فبكى وقال لعلها لم تبصر
وقد اكتفى لو أنصفته بنظرة ... لكنها حرمته طيب المنظر
فتحجبت بسحابة من صحبها ... وتسترت فصرخت: لا تتستري
لو كان يسعفني لصغتها ... مرثية لفؤادي المتفطر

(1/58)

فانتظر إلى الافتعال في ذكر السحابة ليصح له من بعد أن يقول على سبيل المقارنة " فتحججت بسحابة من صحبها " ، ولعلك ترى ان هذه الأبيات تشكو من ثلاث نقائض: ضعف التركيب، وافتعال المطابقات، وتفاهة الواقع الذي يريد الشاعر تصويره؛ ولا ترتفع القصيدة الثانية " الشعر والحب والطبيعة " عن هذا المستوى من الافتعال، وكل ما يهمه من حب " ذات المنديل الأحمر " هو: كيف يمكن أن يهتز للطبيعة دون أن تطأ هي السهول ولا تمشي فوق التلال:
أيهز قلبي جدول وبحيرة ... وأرى على قمم الربي ما يلهم
و(؟) لم تطأ السهول ولا مشت ... فوق التلول حبيبة تتبسم أما هي، أما ضرام النار المتسعر بين الجوانح، أما العذاب الذي كان يتحدث عنه من قبل فكذلك قد اختفى فجأة، كأن الريف قد ألقى على اللهب السابق حفنات من تراب. ولهذا قدرنا أن الهوى كان في انحسار وهو منحسر ولا بد، لأنه خفقة مكتتمة لم تثر أية استجابة، ولهذا ماتت وحدها، كما اتقدت ؟يوم اتقدت - وحدها. وحين غابت ذكريات تلك الخفقة وراء حجاب كثيف من الزمن (يناهز العشرين عاما) تناولها بدر بصراحة الإنسان الذي لم يعد يهمه ان يخدع نفسه فقال (1) :
وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا ... ولكن؟ كل من أحببت قبلك ما أحبوني ... ولا عطفوا علي، عشقت سبعا كن أحيانا ... ترف شعورهن علي، تحملني إلى الصين ...

(1/59)

سفائن من عطور نهودهن أغوص في بحر من الأوهام ... والوجد ... فألتقط المحار أظن فيه الدر ثم تظلني وحدي ... جدائل نخلة فرعاء ... فابحث بين أكوام المحار لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة ... وإذ تدمى يداي وتنزع الأظفار عنها لا ينز هناك غير الماء ... وغير الطين من صدف المحار فتقطر البسمة ... على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق ... لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني. ... وليس هناك ما هو اشد مرارة من تصوير ذلك التشبث بالوهم كما تنقله هذه القطعة، حتى إذا جاء دور " ذات المنديل الأحمر " في قائمة المحبوبات السبع قال فيها:
وتلك؟ لانها في العمر اكبر ام لأن الحسن أغراها ... بأني غير كفء، خلفتني كلما شرب الندى ورق ... وفتح برعم مثلتها وشممت رياها ... وأمس رأيتهما في موقف للباص تنتظر ... فباعدت الخطى ونأيت عنها، لا اريد القرب منها ... هذه الشمطاء ... لها الويلات؛ ثم عرفتها: أحسبت أن الحسن ينتصر ... على زمن تحطم سور بابل منه، والعنقاء ... رماد منه لا يذكيه بعث فهو يستعر؟ (1) . ... كل حظه منها أنها كانت جميلة، أما قلبها فلم يخفق بحبه، بل لم تتلق نظراته برقة كرقة " الاقحوانة " ، ولكنها استطاعت ان تشغله عن " هالة " وان تحجب صورتها؛ والحقيقة ان هالة قد ضاعت من عالمه

(1/60)

على نحو عفوي ؟ كما سيضيع المنديل الأحمر وصاحبته - ؛ ضاعت أو توارت في ثنايا الوعي الباطن سيان؛ إذ معنى ذلك أنها ؟بكل ما غرست من وجد في سريرته الخصبة - لم تعد هي نفسها مثار شعر أو منبع الهام. وهنا يعترضنا رأي لصديق من أصدقاء السياب، لعله كان من المطلعين على بعض ما كان يكنه من هوى، أعني بعض ما باح في ساعة من ساعات التناجي بالذكريات، إذ يقول في حديثه عن ذلك الحب الريفي: " وتمتد أواصر المحبة وتقوى، وتتعمق وشائج اللقيا وتتعدد أسبابها، وإذا بالمواعيد تضمنها معا عند شاطئ بويب حينا وفي منحنى طريق ريفي حينا آخر، وفي جوسق لبيادر التمور مرة ثالثة؛ ويأتيان إلا أن يعيشا الاماسي وأوقات الصباح معا يرسمان خطوط لوة الغد، وهما غارقتان في النشوة (بين) كوخ قصبي صغير يحميهما من أعين الرقباء؛ ويضيء الحب أمام السياب كل معالم الريف وشواهده فيجد من النخلة وأعشاش العصافير وقواقع النهر معاني جديدة لم يعرفها من قبل ان يتحابا؟.. وكانت سنوات دراسته في كلية التربية مليئة بحنينه إلى قرويته الحسناء، حيث ينتظر العطلة بفارغ الصبر.. وذات يوم بينما هو عائد من بغداد يلتقي بحبيبته لقاء شاحبا فتخبره بأنها لم تعد له وان قلبها لم يزل عامرا بحبه وهواه؛ ان أهلها عقدوا قرانها على شخص سواه؛ فتؤلمه المفاجأة إيلاما شديدا، ويجن جنونه ويشعر بالمرارة والقسوة، ويمنعه ذهوله وشرود عقله من تصديق الخبر؛ ويستمر بعد هذا اللقاء يندب الحظ العاثر ويتطلع إلى السراب والوهم لاعنا العادات الشعبية وكافرا بالتقاليد وباحثا عن ضوء لروحه في القرية المظلمة، وتلك هي أولى تجاربه المريرة " (1) .
وبعض هذه الصورة عامر بالصدق مؤيد بالوقائع، فأن هذا الحب

(1/61)

هو الذي جعل كثيرا من مظاهر الريف حافلا بالمعاني، بل هو الذي خلق ذلك الاتجاه " الرعوي " الذي وصفناه من قبل، ولكنه ليس هو وحده الذي أسلم السياب إلى معانقة الوهم والسراب، وتحول بشعره إلى " مرثية " مديدة النفس، وجعله صورة للبحث عن شيء ضائع إلى الابد؛ انما الذي فعل ذلك هو استقطاب التجارب مجتمعة بعد إخفاق إثر إخفاق، ولن تتجسم فكرة البحث عن " الزمن الضائع " لدى السياب، ولن ينضج تصوره العميق لأبعاد ذلك الضياع إلا حين يصطدم بحب من يسميها " المنتظرة " ، وتلك حقيقة لا تجعل انتهاء العهد بحبيبته الريفية نقطة تحول هامة، إذ مرت على السياب سنوات بعد فقدانه لريفيته السمراء وهو ما يزال يتشبث بالبحث عن فتاته المنتظرة، وحين وجدها وفقدها ؟حينئذ فقط - ارتسمت المسافة المديدة بينه وبين الدنيا التي تستطيع أن تتقبله عاشقا أو معشوقا أو طفلا في حاجة إلى حنان، فأخذ يمشي ؟وهو مسمر القدمين - ليعبر ذلك الجسر الذي يفصل ؟أو يصل - بينه وبين تلك الدنيا.
ومن الحق أن صورة تلك الفتاة الريفية لم تعد تخايله إلا حين فقد ذات المنديل الاحمر، هنالك وقف يتأمل الماضي ويؤرخ ذكرياته، فوجد نفسه أمام تجربتين هما في الحقيقة تجربة واحدة مكررة، فقد أدرك في لحظة من التأمل انه لم يحب فتاة الكلية إلا لأنها كانت صورة أخرى من فتاة الريف، وتمثل لنفسه انه هتف حين رأى ذات المنديل الأحمر (1) :
أما كنت ودعت العيون ... الظليلات والخصلة النافرة
كأني ترشفت قبل الغداة ... سنا هذه النظرة الآسرة
أما كان في الريف كهذا ... أما تشبه الربة الغابرة؟

(1/62)

ذلك هو أثر الحب الأول: انه استحال قوة داخلية، تيارا كهربائيا خفيا، طاقة غير منظورة، تشكل كل حب جديد، وتصبغه بسماتها، لا أن كل حبيبة ستصبح " هالة " جديدة، ولكن الحب دائما لا يفهم إلا في الإطار الريفي، لا أبعاد له إلا النخلة والنهر والمحار، والكوخ على مطلة على صفحة الجدول، أنها الاستحالة كاملة، أنها الطفولة دائما في أحضان الام وعالمها وعالمه الأثير، أنها اليقظة المستمرة للصلة بين الطفل والقبر المحفور في عقله الباطن. ولذلك كانت عميقة الدلالة تلك الصورة التي مثل فيها إخفاقه مع كل واحدة من حبيباته السبع:
؟.. أغوص في بحر من الأوهام والوجد ... فألتقط المحار أظن فيه الدر، ثم تظلني وحدي ... جدائل نخلة فرعاء ... فأبحث بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمة، ... وإذا تدمى يداي وتنزع الأظفار عنها، لا ينز هناك غير الماء ... وغير الطين من صدف المحار، فتقطر البسمة ... على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق، ... لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني. ... عميقة هي لأنها تصور ذلك الإطار الريفي الذي كان يفرض على كل حب جديد ان يعيش فيه، فإذا لم يستطع أن يعيش فيه، فقد نبا به موضعه؛ هي صورة تجمع بين الحلم والحقيقة فتجمع بين طرفي العمر ؟النشأة والموت. ذلك لأنها ليست محض مجاز شعري، يستخدمه الشاعر كما تستخدم الصور في التوضيح والتبيان على نحو تمثيلي، وحسبنا دليلا ما نزعمه لها من أهمية أن نقرنها بفقرة من رسالة كتبها الشاعر إلى صديقه خالد ؟وهو يقضي الإجازة الصيفية (عام 1944) - يقول فيها: " اكتب إليك رسالتي هذه بعد عودتي من سفرة

(1/63)

- مضنية ولكنها جميلة - إلى الجانب الآخر من شط العرب؛ لو تراني وقد القاني الزورق على ارض رسوبية نبت عليها القصب والعشب المائي ؟إذ أن ماء الجزر لا يوصل الزورق إلى الشاطئ - لقد خلعت نعلي وسرت في الطين، وانا اشق طريقي بين القصب، ثم وصولي إلى الشاطئ؟ إلى ارض لا اعرف منها غير أسماء بعض ساكنيها. وقفت وقدماي داميتان، ويداي مزينتان بالجراح على الشاطئ المقفر، أتلفت فلا أرى صدى، وأنصت فلا اسمع غير انين الريح، لقد نسج الخيال رواية عنوانها " موت الشاعر " ؟. ولو تحدثت لطال الحديث " (1) .
هذه التجربة الصغيرة التي خرج منها الشاعر " دامي القدمين مزين اليدين بالجراح " ، على مسافة غير بعيدة عن النخلة الفرعاء والقبر الذي يقع على الجهة الأخرى من النهر لم توح له إلا بفكرة " الموت " ؛ وهي نفس الصورة التي استوحاها من قصص الهوى المخفق، كلاهما ؟اعني الحب وهذه الرحلة - سفرة قصيرة المدى، لكنها متشابهتان في نوع الألم والجراح، وما تنزه الأصابع عند تشبث الشوك والحصى بها، لأنهما متشابهتان في البعد عن النخلة الفرعاء والقبر الذي يقع على مقربة منها، وحين تحيا هذه الصورة نفسها في نفس الشاعر رغم السنوان الطويلة وعوامل النسيان الكثيرة على ظهر هذه الأرض فمعنى ذلك أن رحلة الحب ورحلة العمر - كانتا تنكمشان دائما إلى نقطة البداية، فإذا هما دائما عودة إلى الطفولة، إلى تلك النخلة الفرعاء نفسها التي ظلت تؤويه إليها وهو يبحث عن درة بين المحار فلا يجدها، وكل ما تجاوز هذه النخلة وظلها الوارف فهو ليس حبا، إنما هو إخفاق، أو موت على نحو ما؛ ولهذا كان كل حب مخفقا منذ البداية لأنه يمثل تجربة نمو، وكان الشاعر يقاوم هذا النمو دائما، لأنه يعني الانفصام

(1/64)

عن جذع النخلة، وحسبنا ان نورد قوله ؟وهو يشبه الفلتات النفسية ذات الدلالة العميقة - دون ان يهمنا كثيرا أية حبيبة يعني:
أنا أيها النائي الغريب ... لك أنت وحدك؛ غير أني لن أكون ... لك أنت ؟ اسمعها؛ وأسمعهم ورائي يلعنون ... هذا الغرام، أكاد اسمع ايها الحلم الحبيب ... لعنات أمي وهي تبكي (1) . ... لقد سجل الشاعر تجربتيه الأوليين في الحب في قصيدة عنوانها " أهواء " ؟فتخلى عن قصيدة له كان قد نظمها قبل حوالي ثلاث سنوات بعنوان " أراها غدا " واستعار منها بعض أبياتها، وضمنها القصيدة الجديدة، وهي تلك الأبيات التي يتحدث فيها عن فاصل العمر بينه وبين ذات المنديل الأحمر ولكنه أضاف إليها أبياتاً أخرى وسعت من معنى هذا الفاصل الزمني، إذ ليست المسألة سبقا في السنين فحسب، وإنما تلك السنين نفسها كانت قد منحت الفتاة ؟دونه - تجربة حب تسامع الناس به، وكانت تجربتها هذه قد جعلت مروره في دنياها عاديا لأنه لم يكن سوى واحد في قافلة طويلة من العاشقين:
وهل تسمع الشعر أن قلته ... وفي مسمعيها ضجيج السنين أطلت على السبع من قبل عشرين عاما وما كنت إلا جنين ...
وأمسى ؟ ولم تدر أنت الغرام ... هواها حديث الورى أجمعين
لقد نبأوها بهذا الهوى ... فقالت: وما اكثر العاشقين وبين هذه الاتهامات التجريحية ووصفه لها بالعجوز الشمطاء يوم لقيها عند موقف " الباص " ، كان الشاعر قاسيا في النظر إليها والحكم عليها، مفتونا حانقا، يسميها " الذئبة الضارية " ولكنه لا ينفك يقول:

(1/65)

وفي ثغرها افتر كل الزمان ... وما عمر آذار إلا شهر
وبالروح فديت تلك الشفاه ... وان اذكرتني بكأس القدر وفي قصيدة " أهواء " نفسها عرض لتاريخه مع فتاة الريف، في تدرج كالذي صوره الأستاذ عبد الجبار البصري: افترار الشفاه بما يشبه البسمة الحانية ثم اللقاء، وفي فصل الشتاء التالي اضطر ان يلجأ هو وإياها إلى ظل الشجر وهو يحتضنها لئلا يصبها بلل، ثم كان خصام أعقبه صلح ولقاء، وهي قد حجبت خديها بكفيها، ثم أرختهما، ومضى عام آخر من الهناءة وهما يلتقيان بالتحايا والبسمات، وهو قد حفر اسمها على جذع نخلة هنالك، ثم تزوجت الفتاة، وناداها وهي تعنى بالرضيع والزوج، غير ساه عن انه لم يعد له وجود في عالمها:

أناديك لو تسمعين النداء ... وأدعوك ؟ أدعوك؟ يا للجنون
إذا رن في مسمعيك الغداة ... من المهد صوت الرضيع الحنون
ونادى بك الزوج ان ترضعيه ... ونادى صدى أخفته السنون

فما نفعها صرخة من لهيب ... ادوي بها؟ من عساني أكون وعبارة " من عساني اكون؟ " تحمل الاعتراف باللاجدوى، وبأنه انما يراجع ذكرياته مراجعة التاجر المفلس للدفاتر القديمة.
ولكن لم هذه المراجعة؟ انه يقدم حسابه للمنتظرة، ليقف أمامها نقي الضمير، يستقبل حبها طرد جميع خيالات الماضي:

سأروي على مسمعيك الغداة ... أحاديث سميتهن الهوى وحين يمعن فب اللفتات الملتاعة يحس انه لم ينصف هذه المنتظرة " التي صورتها مناة " ؟فتاة الهوى والخيال - ولذلك يعاتب نفسه على ان المنتظرة ترفعه إلى السماء ما يزال يتحدث إلى " تراب القرى " :
نسيت التي صورتها مناي ... وناديت أنثى ككل الورى!
وأعرضت عن مسمع في السماء ... إلى مسمع في تراب القرى؟

(1/66)

أتصغي فتاة الهوى والخيال ... وأدعو فتاة الهوى والثرى؟ وهكذا يتضاءل ذلك الحب في نفسه حين يتشوف إلى حب جديد، دون ان يكون في الأمر صدمة عنيفة. وليست عودته إلى هذه الذكريات محاولة فحسب لاستقبال الحب الجديد بضمير نقي، وإنما هي وسيلة ينبئ فيها كل محبوبة انه لم يكن امرءوا دون تاريخ في الحب، ذلك شأنه كلما لاحت في الأفق فتاة جديدة، انه ينثر على مسمعيها قصص حبيباته السابقات، وهذا هو عندما تحدث إلى الباريسية عن السبع اللواتي احبهن (1) ، وهذا هو الذي كان سببا من أسباب القلق في حياته الزوجية، ومثارا للغيرة والنكد، وإلى هذا يشير ؟بصراحة - في قوله يخاطب زوجته من بعد (2) :
ربما أبصرت بعض الحقد، بعض السأم ... خصلة من شعر أخرى آو بقايا نغم ... زرعتها في حياتي شاعرة ... لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقى دمي ... أنها ذكرى ولكنك غيرى ثائره ... من حياة عشتها قبل لقانا ... وهوى قبل هوانا. ... ولا ريب في ان هذه الاعترافات ترمز إلى نقطة الضعف فيه لا إلى الثقة بالنفس، فقد كانت لذته الكبرى في ان يستعيد الماضي لا ليتخلص منه بل ليظل في صحبته، ومن الطريف الغريب في آن معا ان يقف امرؤ يقول لفتاة لم يرها بعد: " سأروي على مسمعيك أحاديث سميتهن الهوى " وان يؤكد لها نظرية تهدم معنى الانتظار وهو يقول:

(1/67)

وهيهات أن الهوى لن يموت ... ولكن بعض الهوى يأفل
كما تأفل الأنجم الساهرات ... كما يغرب الناظر المسبل

كنوم اللظى كانطواء الجناح ... كما يصمت الناي والشمأل وأية منتظرة هذه التي ترضى ان يقال لها: انك تقفين فوق بحر قد يثور بعد قليل، وفوق نار مكتومة قد تتوهج في لحظة، وعلى جناح مطوي، إذا امتد عنك صاحبه إلى الماضي؛ ان قصيدته " أهواء " هامة في تاريخ شعر السياب لأنها ترجمة جميلة لضعفه ولفترة من حياته.
ومما يلفت النظر ان القصائد الموجهة إلى ذات المنديل الأحمر ثلاث كلهن ينبعن وحدة يمثلها بحر المتقارب وهي " اغرودة " و " أراها غدا " و " خيالك " ومطالعها على التوالي:

كفى طرفك اليوم أن غررا ... بقلب جفا الحب واستكبرا * * *
أراها غدا هل أراها غدا ... وأنسى النوى أم يحول الردى * * *

لظلك لو يعلم الجدول ... على العذب من مائه منزل فلما اراد ان يودع هذا الحب وكل ما كان قبله بقصيدة تاريخية جامعة (قصيدة أهواء) عادت نفسه تجيش بتلك النغمة القديمة. ولست ادري سمة خاصة تميز نغمة المتقارب ولكن استغراق نفسه فيها يدل على أن كان كالعملاق في الردغة كلما حاول الخروج منها ازداد فيها غوصا. وهذه القصيدة بعد ذلك كله تشير إلى أن الفتى الذي درس الأدب الإنكليزي قد استطاع ان يستغل بعض ما درسه في سياقها، فهو في هذه القطعة:

وبالحب والغادة المستبد ... صباها به يلعبان الورق
وكيف استكان الإله الصغير ... فألقى سهام الهوى والحنق
رهان رمى فيه غمازتيه ... وورد الخدود ونور الحدق

(1/68)

إنما يترجم بعض القصيدة الإنكليزية:
Cupid and my campaspe playwd ... At cards for Kisses: Cupid paid: ... She stakes his quiver bow and arrows: ... His mothers doves and team of sparrows: ... Loses them too: then down he throws ... The coral of his lips the rose ... Growing ons cheek but none knows how ... With these the crystal of his brow ... And then the dimple on his chin. (1) ... ولكنا قد أمعنا في البعد عن السياب ابن السنة الجامعية الاولى، فلنعد إلى السياق التاريخي.

(1/69)

- 6 -

الهوى البكر

ربما كانت الرحلة القصيرة التي اجتاز بها السياب شط العرب أول تمرس عملي بالطبيعة يتجاوز حد النظر والتأمل إلى المغامرة والسير في المجهول ومعاناة الاعتماد على النفس في استطلاع جانب من الطبيعة قد يكون شيئا مختلفا عن الظلال الساجية والتعاشيب الخضيرة وتدلي القطوف. ولكن ماذا كان رد الفعل المباشر لتلك المغامرة الصغيرة؟ لم يكن شيئا سوى تمثل الموت، إلا أن الشاعر خشي ان يسترسل في هذه الناحية وهو يتحدث عنها إلى صديقه وبتر الحديث قبل تمامه. وحقيق به أن يفعل ذلك، لا لان هذا النوع من الاعتراف قد يثير الضحك من المغالاة حين يقرن المرء بين ضآلة المغامرة وضخامة التصور وحسب، بل لأن الشاعر كان يقضي صيفا مليئا بالعافية والحيوية والنشاط، صيفا لا تعكر صفوه ذكريات بغداد ولا ضياع الحب الريفي، وإنما يستمد وقدة لكيفة اللهب من الحنين الداخلي العميق، صيفا يتغلب فيه الوعي الخارجي على كل رواسب الباطن، وتسيطر فيه الحركة العقلية على أي جيشان عاطفي. ولهذا وجدنا أن قصيدتيه في ذات المنديل الأحمر صدرتا باهتتين حافلتين بوعي يجعلهما لوحتين ضعيفتي النبض بالحياة. وكان بدر لو يدرك أبعاد حالة النفسية جديرا بالراحة، والعزوف مؤقتا عن قول الشعر، ولكنه كان يخشى جفوة الإلهام

(1/70)

- ولو إلى حين - وكان هذا الشعور يدفعه إلى الإكثار من النظم بدلا من التوقف عنه. وها هو يتوسل إلى خالد في رجاء من يستمد الثقة: " ألا تنقذ هذه القصيدة (التي سأكتبها لك) ؟لقد مزقت أربع قصائد تبلها، ونويت أن أمزقها ولكني تذكرت نصائحك لي، فأبقيت عليها " (1) . وفي الرسالة نفسها: " بودي لو اكتب لك قصيدة أخرى.. فان عندي الآن قصيدتين: إحداهما " إلى العذراء المدنسة " كاملة وعدتها 25 بيتا، والثانية " الحب والشعر والطبيعة " وهي على وشك ان تكمل " . ثم في رسالة أخرى: " سأهمل قصيدة (إلى العذراء المدنسة) وان لم أمزقها؟ وعندي الآن قصيدة كاملة عنوانها (المحبوبة المدنسة) وقصيدة لم افرغ منها بعد عنوانها (العش المهجور) " (2) ؛ هكذا كان يكتب القصائد دون توقف، ولكنه مزق أربعا وأهمل خامسة، مما يدل على انه يقتسر الشعر، وكان حاد الإدراك بما يصلح للبقاء، ولهذا حذف جميع قصائد ذلك الصيف من بعد. على أنه لن يفوتنا أن نلمح ؟على وجه السرعة - كيف يلح معنى " الدنس " عليه، وان لم يكن ؟فيما أقدر - شيئا يتجاوز معنى الحب الذي داخله الشك، في لحظة ما، ولعله كان سببا ؟أو محاولة - لتهوين الأعراض الذي لقيه في دار المعلمين.
وكانت القراءة ؟بعد كتابة الشعر - هي المنحى الثاني من مناحي نشاطه؛ والحق ان لشواهد تشير إلى أن ثقافته أخذت تتسع وتؤثر في تفكيره ومقارناته، فهو يعرف ابن الرومي أو على الأقل يعرف من قصائده ما يعجبه وخاصة قصيدته في رثاء " بستان " المغنية، وقصيدته

(1/71)

في الاعتذار عن التفاوت في شعر الشعر " أما ترى كيف ركب الشجر " ، وهو يقرأ في ديوان مهيار الديلمي، ويحفظ كثيرا من الشعر الذي أورده ابن قتيبة في " الشعر والشعراء " ، ويطالع كتاب احمد الصاوي محمد عن شللي، ويحاول أن يتفهم بعض قصائد ذلك الشاعر في اصلها الإنكليزي (1) ؛ انه لم يتحول بعد دراسة الأدب الإنكليزي، ولكن هذا الاتصال المبكر بشعر شللي يدل على ان بذرة هذا التحول موجودة في نفسه، إذا وجد إلى ذلك سبيلا، وقد بدأ ينفعل ببعض أفكار " الديوان الشرقي " ويتعشق قصيدة البحيرة للامرتين، كما ترجمها علي محمود طه، أو كما يقول هو عن نفسه: " وعن طريق علي محمود طه وأحمد حسن الزيات في ترجمتهما للامرتين وألفريد دي فينيه ودي موسيه وبرسي شللي الإنكليزي أعجبت بالشعر الغربي وأخذت في مجازاته، وحاولت ان اقرأ الشعر الإنكليزي بعد الاستعانة بالقاموس عشرين أو ثلاثين مرة في القصيدة الواحدة " (2) . وعلى الجملة فهو يحب النسمات الغربية، ولكن صداقته للشعر العربي ما تزال اشد قوة ومتانة.
وتسعفه تلك الحيوية الذهنية في النقد أيضاً، فقد كان من قبل إذا عرض عليه إحدى قصائده، اكتفى بالتقريط، أما الآن فقد أخذ يرى هنا وهناك ما يمكن أن يرفضه في تلك القصائد، بلطف مشوب بالاعتذار، أو بثناء مسترسل في الموابة: أرسل إليه خالد قصيدة بعنوان " ذات الرقى " فكتب معلقا: " ولست إدري أأهنئك أم اكتفي أن أقول أن كل كلمة من قصيدتك تهنئة من ربة الشعر لك، ذلك انك أرضيت عاطفتك بها ثم عدت فأرضيت عاطفة غيرك، وكم كان جميلا

(1/72)

أن أقرأ ؟يوم وصلتني رسالتك - في ديوان مهيار الديلمي فأرى فيه:
بكيتك للفراق ولحن سفر ... - وعدت اليوم ابكي للإياب والخطاب لأطلال الحبيبة، ثم جاءتني رسالتك وإذا معنى كهذا ؟ولكنه أسمى وأصدق منه بكثير - يطالعني من قصدك:
ذرفت دمعي حين عز الملتقى ... وأراه منسكبا وقد عرض اللقا لقد بكى مهيار مرتين؟ وذاك مما اعتاد المحبون عليه، أما شاعرنا فما اقتصر بكاؤه على موقفيه، لقد ظل باكيا منذ يوم الفراق ؟وهذا حق - حتى يوم اللقاء، وهذا ما انفرد به وحده؛ فكنا نتوقع أن يجفف اللقاء دمعه ولكنه لا يزال منسكبا، ولكن الشاعر نفسه ؟ولكني مع الشاعر - لا أرى في ذلك شذوذا، أوليس من يهواها ملك غيره؟؟ (1) " فعلى الرغم من أن السياب لم يفهم بيت صديقه بوضوح، وحمله من المعنى ما ليس فيه، فأنه كان يحس انه أخذ معناه عن مهيار الديلمي. ولكن صديقه حين غالى، وجاء بشيء غير معهود، في الثناء المشوب، لأن الناقد يدرك تماما طبيعة الجمال في بيت مهيار.
ومرة أخرى وقف عند قصيدة لخالد بعنوان " ياسمين " فأثنى عليها كثيرا ثم قال: " ولكنك تطعن فجأة أفكار (القارئ) المتسلسلة حين تقول في وصف الفم؟ انه " كجرح الطعين " : أن جرح الطعين يرسم أمام القارئ صورة بشعة: صدر عريض مكسو بالشعر عليه طعنة تسيل دماؤها ويجتمع حولها الذباب " (2) . إن إيراد مثل هذه النماذج النقدية، لا يعني أن السياب قد اصبح ناقدا في تلك السن ولكنه يلقي ضوءا على ذوقه، وعلى ما كان يتكون في إحساسه تجاه أي عمل فني، حتى عمله هو نفسه.

(1/73)

وعندما انتزعه العام الدراسي الجديد (1944 - 1945) من أحضان الريف، عادت عجلة الحياة في بغداد تنقله بين كليته ومقاهيه التي ألفها في العام الأول؛ ولم تكن نقلة حافلة بالاستشراف لغير الزاد الثقافي، ذلك أن الصدمة في حب ذات المنديل الأحمر ؟ان صح أن نسميها كذلك - قد علمته أن يتردد في دق الأبواب العاطفية المقفلة، فأقبل على القراءة في الكلية وفي خارجها، ويصفه صديق كان يراه في تلك الأيام في أحد المقاهي بقوله: " فنراه جالسا في مقهى مبارك وأمامه قدح الشاي يرتشف منه ويعود إلى قراءة ديوان المتنبي أو أبي تمام أو البحتري وغيرهم من فحول الشعراء، ولكنه كان شغوفا لدرجة لا توصف بأبي تمام يحفظ مطولاته ويحلل صوره ويعيش في أجوائه، ولا أنس استشهاده بوصفه للثلج في إحدى رحلاته وقد غطى الأزهار، وكيف ان الشاعر عبد الرحمن شكري قد كتب في المقتطف انه لم يحس بحقيقة الصورة إلا بعد سنين طويلة، وعند سفره إلى انجلترة ومشاهدته الثلج وقد غطى الازاهير الجميلة " (1) .
ولنا على هذه العبارة المقتبسة تعليقان: أولهما صلة السياب بالمتنبي ؟وهي صلة خاصة ان وجدت حقا، ظلت سطحية الأثر؛ ولست أميل إلى إنكارها ولكني اعتقد ان التجاوب المصحوب بالتأثير، بين الفتى الناشئ والشاعر الكبير، لم يكن كبيرا، وثانيهما قول الكاتب " لدرجة لا توصف " فانه من المبالغات التي لا ترفض جملة، ولكني أخشى أن يكون هذا القول صدى " بعديا " لإقرار الشاعر ؟فيما بعد - بدينه الكبير لأبي تمام (2) .
في ذلك العام لم تكن الحرب قد انتهت بعد، وكان الفتى الذي أعلن رضاه عن ثورة الكيلاني في بواكير عهده بالشعر، لا يزال في حال

(1/74)

توقف، لا يستطيع ان يعلن انتمائه إلى فئة دون أخرى. ولعل خير ما يصور حاله قول الأستاذ العبطة: " كان هادئا وديعا ولم يرتفع صوته في هذه الأيام عندما كنا نتراشق ونتلاسن وننقسم إلى معسكرين: منا من يؤيد الحفاء ومعسكر الديمقراطية ومنا من يمجد النازية وهتلر؛ واذا ما احتدم النزاع ؟وكثيرا ما يحتدم - يستأذن في الذهاب إلى القسم الداخلي من الدار (دار المعلمين) تاركا النزاع وأهله " (1) .
ويمر هذا العام الدراسي كما مر أخوه السابق وينجح بدر في السنة الثانية بدار المعلمين، ويعود إلى الريف في إجازة الصيف، ولكنا نحرم كثيرا من المعلومات عنه، إذ ر شعر ولا رسائل تحمل تاريخ سنة 1945 (2) فأكثر شعره إنما كان ينظمه في فترات العطل المدرسية، وفي صيف ذلك العام سافر خالد في رحلة تنقل خلالها في ربوع مصر وفلسطين ولبنان وسورية، فلم يكن بين الصديقين مراسلات في ذلك الصيف، وذلك شيء حرمنا كثيرا من المعلومات عن بدر، في حياته ومحاولاته الشعرية.
وعندما عاد إلى السنة الثالثة بدار المعلمين، (1945 - 1946) كانت نفسه تعج بعاصفة جديدة من الإرادة الحازمة: أما أولا فانه لن يستمر في فرع اللغة العربية، فقد شبع من حفظ الشعر العربي، وازداد نمو الميل في نفسه لإتقان اللغة الإنكليزية كي يستطع أن يقلل من الاعتماد على القاموس حين يقرأ القصائد الشعرية، وأما ثانيا فان حياه السلبي يدل على انه كالصخرة الصماء الراسخة في وجه السيل، يزدهيها رسوخها، ولكنه لا يبلغ بها إلى أية غاية، ولذا فلا بد من الثورة على هذا الحياد الذي يشبه الموت.

(1/75)

وقد دهش أصدقاؤه للتحول الأول حتى قال بعضهم: " انه موقف عجيب من شاعر ناشئ لم يتعرف من العربية إلا نهلة لا تبل الشفاه " وتحدثوا إليه بدهشة فابتسم ولم يتكلم (1) .
وأما التحول الثاني فانه لم يكن قد تبلور بعد تمام التبلور، ولندع أحد شهود تلك اللحظات يحدثنا عنها فيقول: " وهنالك في بغداد الأمس كان الواحد منا يحاول أن يجد لما تراكم في نفسه من قلق وهلع وخيبة متسعا في الأدب يثبت فيه قيما جديدة تتناسب مع أحاسيسه وتفهمه العاطفي لمشاكل العالم؛ وكان العالم يتحدث بصوت مبحوح عن جريمة قتل مرعبة حدثت في هيروشيما، وعن انتحار كاتب ألماني في البرازيل، وعن طالب بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي يسأله عما إذا كان عليه أن يتم دراسته بعد أن اخترعت القنبلة الذرية؛ وكانت صحف بغداد تتحدث عن تاجر خلط الدقيق بنشار الخشب وقدم خليطه خبزا للناس. وخلال هذه الصورة القائمة كانت يد صغيرة متشنجة تشد على أيدينا بكثير من الإخلاص، هي يد بدر، وكان يتحدث عن كل تلك الأشياء كما لو انه جزء منها ولا أهمية له من دونها، وفجأة وبنفس الحماسة يبدي إعجابه بضحكة حسناء عبرت، أو بلثغة زميله له في الكتابة تصاقب مجلسه في عرفة الدرس؟ وكانت تحملنا قصاصات من ورق عبر أمسيات كثيرة من مقهى إلى مقهى لنسمع إلى هذه المحاولة الجديدة وتتقد تلك القصيدة ونحن نحاول أن نفلسف العالم من حولنا. وظل البعض منا يحاول يائسا ان يوفق بين ماركس ونيتشه لينتشل نفسه من صراع مر؛ أما بدر فقد بدا لنا كما لو ان كلا منهما يعيش في زاوية من نفسه في حياة لا تتطور " (2) .

(1/76)

إن هذه الصورة الشعرية المفلسفة لذلك الماضي ربما لم تنقل التاريخ حرفيا، وربما تجاوزت عام 1946 بمدلولها إلا أنها على أية حال تعطي فكرة عن مخاض كان يعانيه جيل بدر؛ فأما إلى اليمين وأما إلى اليسار، ولو أن كاتب هذه السطور المقتبسة تذكر ان بدرا اشترك في إضراب وقع في الكلية أواخر عام 1945، فصل على أثره منها، وعاد إلى قريته، لاستطاع أن يذكر أن الشاب الذي لم يكن يحاول التوفيق بين نيتشه وماركس، فكريا، كان قد أصبح يدرك عمليا انه لا يستطيع أن ينأى بنفسه كلما أشتد الصخب حول الموضوعات العامة، وأن يدخل إلى غرفته في داخلية دار المعلمين. غير أن هذه الصورة صادقة تماما في الحديث عن نفسية بدر الذي كان ما يزال يتحدث عن افتتانه بضحكة حسناء عابرة في حماسة مماثلة لماسه في الحديث عن اخطر الموضوعات الإنسانية، ولكنه رغم ذلك كان يقف على عتبة تحول خطير.
هل كان " الهوى البكر " أثر في هذا التحول؛ " الهوى البكر " ؟ ألست ترى، حين تعلم أن السياب هو صاحب هذه التسمية، كيف ان الشاعر أحس لحظة انه يولد من جديد، وان كل حب في الماضي كان عبثا؟ وبما أنه كان عبثا فكأنه لم يكن، ولتذهب كل ذكرى لهالة وذات المنديل الأحمر، ولكل أنثى خفق القلب لها من قبل، لتذهب كل هذه إلى جحيم النسيان. من هنا يبدأ التاريخ الذي يستحق التدوين، أما ما قبل ذلك فكله من أساطير ما قبل التاريخ وفرضياته ومزاعمه. كان القلب يحسب كل نور التمع في الدجى منارا يهديه، ولم يكن يعلم أن المغررات في أضواء الليل كثيرات، وبعضها كنار الحباحب، أما اليوم فقد وجد " المنارة " التي تومئ إلى المرفأ الآمن الأمين.
وكان ذلك النور الجديد إحدى زميلاته في الكلية تعرف إليها في مطلع العام الدراسي الثالث، ولا يميزها كثيرا أن تقول أنها ذات غمازتين لا لكثرة اللواتي يتمتعن بهذه السمة بل لآن كل فتاة احبها السياب

(1/77)

منحها غمازتين. غير أنها تمتاز عن كل من عرفهن بأمور: فهي ليست بكماء الاستجابة كالفتاة القروية، وهي ليست تنظر إليه نظرتها إلى غر كما كانت تفعل ذات المنديل الأحمر، وإنما هي فتاة تحب الأدب وتعجب بالشعر، وتحسن الاستماع إلى الشاعر إذا هو تحدث عن عاطفته، وهي لا تتحرج في أن تلقاه في رحاب الكلية وفي خارجها، وأن تمنحه الفرصة لكي يتعمق المعاني في عينيها وابتسامتها، وأن يلقي شعره ؟فيها - على مسمعيها. ولذلك لم يكن من الغريب ان يحص بأنه إنما يعرف الحب لأول مرة، ويكتفي من دنيا بغداد ؟على رحبها - بباحات الكلية، وباليسر في شارع " طه " ، لعلها تطل عليه، أو لهاها تحس من وراء الجدران بزفراته ولوعته. وربما شارك في الإضراب الذي ذكرناه لينبل في عينيها، ويرتفع عند نفسه وعند نفسها.
غير أن الإضراب جر إلى الفصل، والفصل أدى إلى الرحلة عن بغداد، إذ ليس في مقدور طالب فقير يجد مأواه في داخلية دار المعلمين أن ينفق على نفسه باستئجار مسكن في الخارج، وقالت له في آخر لقاء: " وافني بكل ما تكتب من الشعر.. عن طريق الآنسة فلانة " (1) . وعاد إلى " جيكور " وهو يحمل بين جنبيه وديعة حب جديد، ويصونها صيانة البخيل لجوهرة فريدة.
وكان شتاء قاسيا يجمع العبوس والحرمان من إتمام الدراسة والبعد عن الحبيبة الجديدة، وكان أول صدى لهذا الفراق قصيدة بعث بها " هواه البكر " عن طريق الآنسة فلانة؛ وكتبت إليه فلانة تقول: " يسرني أن أقول لك أن الآنسة (؟.) معبودتك قد أعجبتها قصيدتك تلك وهي متأسفة لما حل بك " (2) ولكنه كان يحس بوطأة من المعاناة العاطفية لم يشهدها من قبل، ولم تكن هذه الكلمات لتخفف

(1/78)

الحقيقة الراعبة، وهي ان ابن العشرين يحس بأنه يضيع العمر في ارتقاب الليل ليسفر عن صبح، وفي تشييع القمر وعد الساعات الطويلة الثقيلة؟ الريف بعيدا عن الحبيبة يغل النفس ويحرج الصدر، وخاصة إن كان المرء قد احتجب عنه وجه هدفه:
ماذا جنيت من الزمان سوى الكآبة والنحول ... أو ارقب الليل الطويل يذهب في الصبح الطويل ... وأتابع الشمس المرنحة الشعاع إلى الأفول ... وأشيع البدر السؤوم يغيب ما بين النخيل ... لا مأمل لي بالكثير ولا رجاء بالقليل ... وأعد أيامي لأسلمها إلى الهم الثقيل ... وأعيش محروم الفؤاد من الهوى، عيش الذليل ... وأسرح الطرف الكئيب من التلال إلى السهول ... وأصعد الآهات دامية وأمعن في العويل ... ضاقت بي الدنيا وضقت بها كأني في رحيل ... في وهدة قفراء بح بجوها صوت الدليل (1) .
وأرسل إلى صديقه خالد مع هذه القصيدة قصيدة أخرى بعنوان " زهرة ذاوية " يخاطب فيها زهرة أخذت في الذبول ويقول لها " تفردت كالشاعر المستهام " وتبدو في سياقها العام وكأنما هي ترجمة ؟أو معارضة - لقصيدة إنكليزية. تلك ثلاث قصائد في أقل من شهر، ومع ذلك فانه يضيف في رسالته إلى صديقه: " فلا تزال لدي قصيدتان اجتماعيتان إحداهما تقارب التسعين بيتا والأخرى تزيد على الثلاثين، عنوان الأولى " غادة الريف " والثانية " رثاء فلاح " (2) . وكم كنا نتمنى

(1/79)

لو عرفنا هاتين القصيدتين، لنرى السياب وقد اخذ في منحى جديد غير الحديث عن الحب وما يجره من يأس وتشاؤم، وقد وعد أن يكتب بهما إلى صديقه في رسالة ثانية، ولكنه لم يفعل، أو لعله فعل وضاعت الرسالة.
وقرر أن يخلد حبه الجديد في قصيدة طويلة، فأنصرف مدة من الزمن ينظم " نشيد اللقاء " حتى بلغت أبيات ذلك النشيد 119 بيتا، وأرسله إلى الآنسة فلانة لتوصله إلى معبودته، ولتسرع فتنبئه عما تركه ذلك النشيد في نفسها من أثر؛ ومرت أسابيع دون أن يرجع إليه جواب " لا من الآنسة ولا من الحسناء التي أخبرتها بعنواني في آخر صفحة من صفحات الكراس المنكود " (1) واشتد به الألم المغص فتصور أن حبه قد مات، وعبر عن ذلك بقصيدة له " خب يموت " مطلعها:

اليوم بين مصارع الزهر ... والصبح يطفئ جانب القمر

حبي يموت وأنت لاهية ... لم يدر سمعك ضجة الخبر وبعد أن نفس بها عن كربه تأمل فيها وقال: " أحق أن حبي مات؟ لا وحبي ما مات حبي " ثم نظم بعدها بيوم قصيدة على وزنها بعنوان " ما مات حبي " ، ويلفتنا في هذه القصيدة انه يعالج فيها تهمة تنقله من محبوبة إلى أخرى، فيجد أن النسيم أيضاً ينتقل ولكنه لا يستطيع ان يجاوز حدود الوجود:

أنت الوجود فحيثما انطلقت ... بي مقلتان ملكت منطلقي
سيان عندي مت من ظمأ ... ما دمت عبد هواك أو غرق
سيان عندي كنت في سحر ... ما زلت أنت سماي أو غسقي
روحي فداؤك بت راضية ... (2) أني فديتك أو على حنق

(1/80)

ولعل جسر العشرين كان من اصعب الجسور التي أجتازها بدر فقد أحس انه يعبر حدا فاصلا بين عهدين، وهو لا يدري إلى أين تتجه به الاقدار؛ كان قد سمى المجموعة الشعرية التي رتبها في كراس " أزهار ذابلة " ، وكان بعض رفاقه يلومه على هذه التسمية، وهو ما يزال في ريعان الشباب وعلى بداية الطريق المبلغ للآمال، ولكن حادثة فصله من دار المعلمين، قد ألقت به في مهواة يأس لا قرار لها، ولذلك فأن كلماته تنضح بالعذاب القاتل المروع وهو يخاطب صديقه خالدا بقوله: " أي خالد كم عاهدت نفسي في سكون الليل العميق أن اخفت نغمة اليأس في أشعاري وأمحو صورة الموت من أفكاري، حتى لا تسمع الآذان ركزا من تلك، ولا تبصر العيون خطأ من هذه، لكنني واحسرتاه عدت بصفقة الخاسر، وحظ الخائب، وقد نذرت نفسي للألم والشقاء واليأس والفناء؛ ما اجهل من لامني على ان سميت مجموعة أشعاري " بالأزهر الذابلة " ليته كان معي ليرى أن كل الكون: الأرض والسماء والتراب والماء والصخر والهواء، أزهار ذابلة؟ ذابلة في عيني الشاحبتين ونفسي الهامدة الخامدة " (1) .
ولم تسعفه القراءة كثيرا على العزاء، بل لعلها زادت في ألمه لأنها فتحت عينيه على مفارقة جديدة: كان يقرأ البحيرة للامرتين ويتنقل بين الخلجان والوديان والكروم وحوافي البحيرة وقنن الجبال والغيران الموحشة والشلالات الهادرة في صدوع الصخور من " سفوا " ويحس بضآلة الريف الذي كان يتغنى بجماله: " رباه اعطني مثل هذه السعادة وأن كانت قصيرة الأجل خائبة الأمل، فان من ذكرياتها ما يملأ فراغ الأيام وما يمنع الحب أن يزور من جديد " (2) .
وضاق صدر خالد ؟على سمعته - بهذا الوضع المتردي الذي

(1/81)

انتهى إليه صديقه: أي هوى بكر وأي خداع نفسي وأي انخداع طوعي؟ ولم يقدر خالد أن الآلام التي يعانيها الشاعر مجتمعة ؟ من إقصاء عن المدرسة ومن إخفاقات متلاحقة ومن فقر مستكلب القبضة ومن " فراغ وبطالة وسأم وخمود " إذا اقبل الصيف في منطقة البصرة - كلها كانت تتنفس دفعة وتنطلق تحت واحد اسمه " الحب " ، فإذا أضاف الشاعر إلى ذلك الحب صفة " البكر " فذلك شيء حدث قبل أن يقذف به الإضراب فوق شوك البطالة والفراغ والسأم؛ ذلك شيء أراد به أن يبدأ عهدا جديدا فما ذنبه إذا أخلفت الأيام تقديره؟ ولكن خالدا ظن انه صارحه بما يعده حقيقة فأنه إنما يسدي إليه يدا حين يوقظه من غفلته. أن ربة الهوى البكر تعبث به ولا تحمل في نفسها أي تقدير لعاطفته، فلم هذا المضي في الطريق الذي ينتهي إلى غاية، لم هذا التعلق بتلك التي تفتح الباب " آونة فلا يكاد الطارق يهم بوضع قدميه على العتبة حتى يغلق دونه؟! " (1) .
وكان الرد المباشر على هذه الملامة عفويا طبيعيا: لا بد أن تكون لدى خالد شواهد يقينية تجعله يرسل هذا الحكم ويبني عليه اللوم، وقال بدر: " قد لا يصل بك فكرك الشاعر وخيالك الطائر إلى أن تدرك الأثر الصادم والأذى الكالم الذي تركته في نفسي كلماتك الزاجرة وأقوالك الساخرة؟. أرضاني هذا القول في أول أمره، ولكن ليل الريف الندي، تهب عليه أنسام الشمال التي أحسبها آتية من بغداد، أقول: لكن هذا الليل تسرق فيه الأحلام خطاها الخفية الواهنة مفضضة بالشعاع الباهت ينطف من نهر المجرة المختفي وراء الأبعاد هاج لي الألم واستنزل على صدري الخافق حسرت راعدة وآهات صاعدة، ضاق بها صدر الأفق الأرقط. ليت لي براعة شعراء الأرض جميعا لأصور

(1/82)

لك حلمي المقطوع، الحافل بالثمار الخالي من القطاف الباكي على الصورة الهاربة من الإطار؟ " (1) .
أما الرد الذي جاء بعد ترديد الفكر وتقليب الهواجس، وتحليل الحاضر على ضوء الماضي، فهو رد طبيعي، ولكن حين يصدر عن نفس مريضة: وكأن السياب يقول لصديقه بطريقة غير عامدة: لا أستطيع أن أعيش دون حب، ولو كان من طرف واحد، ولو كان ؟كما تسميه - خداعا ذاتيا، أريد حبا، مهما يكن حاله، فإذا لم تتوفر لي هذا الحب فأنا ميت لا محالة. ولهذا السياب يتصور فقد هذا الهوى البكر ويمعن في تهويل ذلك على نفسه ويمد في أسباب اليأس بينه وبين قلبه، فلما استسلم للنوم لم يجد راحته إلا في العودة إلى الأم، فرأى نفسه ؟في المنام - يرقد في قبر: " ضباب شفيف ترقص فيه مقبرة القرية، كأنها فوق جناح جريح، بنفضه الشوق إلى موضع خلال التلال، ثم يركن الرقص إلى سكون كثيب يحتضنه الغبش الحزين، وهناك عند السدرة النائمة قبر مستوحد غريب رأيت أني راقد فيه تحت الحصى والتراب في ظلمة بلهاء، مت أسعفها لون من الألوان، يكاد ثقل الثرى يخنقني خنقا، لكنني من برجي الدامس استشرف الدنيا يدغدغها الربيع الباكر، فأبصر الأوراق تنمو بطيئا بطيئا، والبراعم تتثائب كسلى عن الزهر الأبيض وعن ألوان لا تحصى، والعروق دافئة، يسيل فيها ماء الشباب تزحم جوف الثرى، فأهتف من أعماق اللحد البارد: رباه، أفي الربيع النضير يطويني القبر؟! " (2) .
أن هذا الحلم يتحدث عن نفسه دون أن يحتاج تفسيرا، كل ما هنالك أن النخلة الفارغة أصبحت " سدرة نائمة " ؟وهما سيان - ،

(1/83)

وتتقابل في هذا الحلم صورتنا الموت والحياة، ولكن العقل الباطن يجد العودة إلى القبر ؟إلى الأم (أو السدرة النائمة) هي الحل الوحيد لما يعانيه صاحب هذا الحلم في الحياة؛ أن الكلمات الزاجرة التي أرسلها صديقه فوق رأسه، لا تحل مشكلة مستعصية، ولذا واجهها بعملية انكماش وتقلص وتقوقع في جوف الموت، في " رحم " الأرض حيث تنبعث الحياة أيضاً، " والعروق دافئة يسيل فيها ماء الشباب " .
وعندما أفاق لم تكن الحاجة إلى الانزواء المتقلص، إلى النجاة من الحاضر المؤلم (حيث خداع الحبيبة وزجر الصديق) ؟أقول: لم تكن الحاجة إلى ذلك قد فارقته، ولهذا شفع الحلم السابق بحلم آخر إلا انه من وحي اليقظة. أليس من الممكن أن يفر المرء من واقعه إلا إلى ذلك الكهف المظلم؟ أليس هناك ما يحل المشكلة دون موت؟ بلى؛ ليرجع بدر إلى الماضي الذي حاول أن ينساه فانه هو قوقعته الأخرى في حال اليقظة. اسأل نفسك ما معنى الحاضر تجده يتلخص في فتاة تنتمي إلى المدينة وتحسن من أساليب الأخذ والعطاء ما لا يحسنه ريفي ساذج، ومثل هذا الحب لا يفي بالنقاء والطهر، فما اجمل العودة إلى الريف، منبع الصفاء والنقاء والود الخالص؛ ومرت من أمامه ريفية حسناء فخفق قلبه: هذا هو ؟دون ان يحس بأنه يتداوى من الداء بالداء - شفاؤه من مشكلته التي تبدو مستعصية، وفي لحظة خيل إليه انه محب وأن حبيبته ريفية: " أجوز في هذه الأيام تجربة لذة أو قل: وقعت في حب جديد، من نوع جديد، لا خبرة لي به من قبل؟. انه الحب الريفي الخالص العريق في ريفيته يسف دون أن يلامس التراب، ويسمو فلا يجوز السحاب، هذا الحب الرائع تؤطره أجواء قروية من الطبيعة والأزياء والأساليب من مواضع اللقاء وخلوات الغرام، من مراحله اللذة إلى نهايته المتوقعة، زواج المعبودة، أو افتضاح الحب، وحبس الطائر في قفصه.. كل تلك الأشياء ابذل كثيرا من الوقت في

(1/84)

سبيل هذا النوع الساحر من العشق؟ آه لو فرغت من كل شاغل، لأبرزت هذا الحب في قصيدة تجعل ساكن المدينة يشتاق لو غاص بكل روحه في قرارة هذا الهوى الريفي؟ أنها الآن تمر أمامي رائحة من الحقل، اضطرت أفكاري فلا أستطيع إكمال الحديث " (1) .
وليس بعسير على من يقرأ هذه السطور أن يجدها تمثل أمنية أو حاجة إلى حب جديد يخلص الشاعر من تعقيد المدينة بل يجعل " ساكن المدينة " يحسده عليه، أما أنها كانت حبا حقيقيا فأن شواهد الحال ؟كما سيتضح في هذا السياق - لا تدل على ذلك؛ كان الحب الجديد " فكرة " أو موضوعا شعريا صالحا لأن يبرز في قصيدة، وكانت الدواعي تحفز إلى إبرازه في إطار شعري، بل أن السياب نفسه رسم هذا الإطار: " روضان جاران؟ وفتى وعذراء وطفلة أو طفل هذا مسرح القصة وهؤلاء هم ابطالها، وقد يزيد الأبطال عددا ؟غادة أخرى أو غادتين، زهرة في ورقتين عطريتين تحيطها الأكمام " (2) . أما الدواعي التي تحفز إلى تحقيق هذا الإطار في عمل فني متكامل فكانت تتصل بقصة سابقة لهذا التاريخ، أرجأنا الحديث عنها، لنكفل لها الوضوح عن طريق المقارنة.
وتتخلص تلك القصة في أن السياب كان قد تعرف ؟من خلال المترجمات - إلى الشاعر بودلير، فقرأ شيئا من قصائد " أزهار الشر " وشيئا من سيرة الشاعر نفسه، ورأى صورا فتنته وهالته في آن معا، ووجد تجربة حب لا عهد له بمثلها، فأوحى ذلك إليه ؟وكان سريع الاستيحاء - أن يكتب قصيدة يصور فيها الحب الآثم وينتصر في الوقت نفسه للحب الطاهر، وإهدأها " إلى روح الشاعر بودلير " ، فجاءت قصيدة طويلة قيل أنها تناهز ألف بيت؛ ويبدو أن القصيدة حين اكتملت

(1/85)

وتم لها ذلك الطول المرهق، نالت إعجابه ؟وربما نالت إعجاب من سمعوا بعض مقاطعها من رفاقه - فأحب ان تكون فاتحة شهرته على نطاق واسع وعنوانا على مقدرته وشاعريته، فأرسلها مع السيد فيصل جري السامر إذ كان مسافرا إلى القاهرة ليسلمها إلى الشاعر علي محمود طه؛ وكان الوجه الظاهري للأمر انه يريد رأي شاعره المفضل في قصيدته المفضلة، ولكن الحقيقة هي انه كان يرجو أن تنال القصيدة إعجاب المهندس فيقدمها إلى إحدى دور النشر. غير أن القصيدة نامت في أحد الأدراج بمنزل المهندس مدة طويلة من الزمن، إذ لعله تسلمها سنة 1944 وها هو بدر في 13 - 6 - 46 يقول لخالد: " لست ادري أتستطيع أن تكتب إلى فيصل جري كي يأخذ ملحمتي من علي محمود طه أو تكتب إلى الشاعر نفسه "
لقد بقي من هذه القصيدة (التي تحمل تاريخ 12 - 2 - 1944) أبيات غير كثيرة، يتحدث السياب في أولها على لسان الشاعر المفتون بالجسد والغواية الكافر بالفضيلة المؤمن بالشهوة المشبوهة، حتى إذا بلغ إلى قوله: " ولأحقرن الروح " جاءه الرد:
؟ لست بقادر ... فارجع بروحك عودة المتندم ثم تندرج بقية الأبيات في تقريع هذا الفاجر الداعر وإنذاره بعاقبة مشئومة؛ ولسنا نعتقد أن المهندس أهملها لأنه لم يعجب بمستواها الفني، وأن كانت الأبيات المتبقية لا تدل حقا على إنها كانت قادرة على أن تلفت الأنظار للشاعر الناشئ، وإنما قد يكون ذلك محض قلة اكتراث عارضة أو تهربا من المسئولية في تقديم شاعر لم يلمع اسمه بعد، أو عجزا عن إيجاد الوسيلة الملائمة لإظهار القصيدة؛ ويمكن أن يفترض المرء في هذا المقام فروضا كثيرة، ولكن مهما يكن حظ تلك الفروض فإنني اعتقد أن الشاعر الشاب اخطأ مرتين: مرة لأنه حاول موضوعا

(1/86)

غريبا عنه غير داخل في تجربته؛ صحيح انه انتصر للروح ولكنه كان يريد أن يصور بعنف موقف الجسد، وهو منطقة محرمة حتى ذلك الحين في نظرته الرومنطقية الحالمة، ومرة ثانية حين اختار شاعرا ليقدمه إلى المجتمع، وشاعرا مثل علي محمود طه بالذات، ليس ممن يؤمن بالمريدين والاتباع، ولا يهمه أن يعرف بتبني هذا الاتجاه الشعري أو ذاك.
وكان التفاته إلى الجسد في تلك القصيدة ثم شعوره بأن إهمال شاعره الأثير لها يعني إخفاقها، ثم حنينه إلى الماضي الذي فارقه قبل عام أو أزيد قليلا ؟كل تلك كانت هي الدواعي لأن يقوم بكتابة قصيدة جديدة يصور فيها نقاء الحب كما يمثله الريف الطاهر العفيف، فهو أقدر على تصوير ما يحب، وهو يحاول أن يتجنب ما قد يسمى إخفاقا في المحاولة السابقة، وهو بذلك يقيم التعادل الطبيعي في نفسه حين ينظم ملحمة تضاهي ؟بل تفوق - ما سماه " ملحمة " الروح والجسد.
وأغلب الظن أن القصيدة التي تصور الريفي ظلت خاطرة جميلة لم تتحقق فقد أدركه العام الدراسي الرابع في دار المعلمين، دون ان ينظم منها شيئا؛ كانت تعلة إلى حين تنسيه المدينة وفتياتها " العابثات " بالقلوب، فلما عاد إلى المدينة وجد نفسه أسير دروبها وشعابها وقواعد الحياة فيها.
غير انه قبيل هذه العودة كان قد حرر نفسه ؟في لطف ودون صحب ودون أن يخدش وجه المودة - من أستاذية خالد: وأحسب بأية افتراق الطريقين تبدأ من هنا، فقد كان خالد ما يزال يؤمن بالقصيدة ذات القافية الواحدة، فكتب إليه بدر قصيدة بعنوان " نهر العذارى " يعارض بها قصيدة " النهر المتجمد " لميخائيل نعيمة، وجعل كل

(1/87)

بيتين منها على قافية (1) ؛ وكان خالد يحاسبه كثيرا على ما يتلبس شعره من غموض، فما كان منه إلا أن كتب إليه بعد تلك الرسالة الزاجرة: " كنت في كثير من الأحيان تأخذ علي الغموض في شعري ولكني أدركت الآن ان ذلك الغموض كان العقدة المسحورة التي أوجدتها يد العاطفة في ساعة جنون، إذا انحلت فقد الطلسم ما كان يحمل من تتمان " .
وحين عاد إلى دار المعلمين، أحس بنفسه مبلغ الصدق في نصيحة خالد، ذلك أن عودته فتحت عينيه على آن " الهوى البكر " كان ضوءا خادعا في دجى اللهفة والحرمان والتعطش إلى حب؛ صدق خالد، هذه فتاة يهمها أن يكون أتحد المعجبين بها شاعرا يحرق نفسه وقريحته قربانا بين يدي جمالها على ان يظل هذا الجمال بمنأى عنه كالنصب النائي الذي لا تستطيع ان تلمسه أيدي العابدين. وفتر سطوع ذلك الضوء الخادع أمام عيني بدر، وانماثت قداسيه رويدا رويدا دون أن يترك ذلك في نفسه ألا ندبا صغيرا يرتسم إلى جانب تلك الندوب التي خلفها البحث المخفق عن الحب؛ ومن المفيد أن نتذكر آن بدرا لم يخص هذا الهوى الضائع (رغم انه كان بكرا في روعته عند البداية) بقوله رثاء آو بذكرى آسى، إلا حين عد سرب الحبيبات في صحوة الموت واسترجاع الذكريات؛ وإنما تحول في لطف يرتقب : " المنتظرة " التي لا بد أن ينفتح عنها ستار " المسرح " لتمثيل دورها المرموق في حياته. وحين وجدها لم يعد الحب لهبا وجدانيا وحسب، بل اصبح رابطة نضال، إذ أزاح الفتى جانبا من القناع الذي كان يستتر وراءه تحويله الخطير، وإذا هو يدين بالانتماء للحزب الشيوعي. إن قصة الحب لم تنته بعد، ولكن من الخير أن نعود قليلا في الزمن إلى الوراء، على أن نرجع إلى قصة الحب مرة أخرى.

(1/88)

- 7 -

الانتماء الشيوعي

لا يذكر بدر ؟فيما لدي من وثائق - تاريخ انتمائه للحزب الشيوعي، وقد سألت عنه أخاه مصطفى فصمت في حيرة ولم يجب. غير أن بدرا يذكر أنه ظل يعمل في صفوف الحزب مدة ثماني سنوات، وأن ارتباطه به بدأ يضطرب ويهتز بعيد حركة مصدق، فإذا صح ذلك كله كانت أواخر سنة 1945 أو أوائل التي بعدها تصلح تاريخا لبداية ذلك الانتماء، غير أن كلامه عن بعض ذكرياته يوحى بأنه انتسب للحزب قبل ذلك بكثير، أي في فترة حرجة من الحرب العالمية الثانية إذ يقول: " وصرنا نبث الدعاية وللشيوعية جنبا إلى جنب مع الدعاية للنازيين: سوف ينتصر المحور على الحلفاء وسوف تنتصر روسيا معه (؟) وستعم الشيوعية العراق فبشرى للفقراء، بشرى للفلاحين الجائعين؟ الخ " (1) . وربما كان هذا حماسة ساذجة لا تدل على انتماء عملي، لان فيه خليطا من المشاعر المتضاربة.
ويتحدث عن انتسابه للحزب ؟دون أن يعين تاريخا - بقوله: " وكان لعمي الأصغر (عبد المجيد السياب) صديق يتردد عليه في القرية بين حين وحين، صديق إيراني الأصل يحب أدب جبران خليل جبران

(1/89)

ومي زيادة ويتحدث عن الديمقراطية والشيوعية ودولة الكادحين؟ لقد كان حديث علوان الذي قتل فيما بعد في سجن الكوت طليا، وكنا نقره في كل ما يقول، وذات يوم سمعناه يتحدث إلينا عن الحزب الشيوعي العراقي الذي يعمل سرا، وعن قائده العظيم الرفيق فهد الذي لا يعرف اسمه ولا شخصه أحد؛ وفي أحد ايام الجمعة دعانا إلى بيته وأخرج لنا استمارات الانتماء إلى الحزب الشيوعي: استمارة لعمي عبد المجيد، وأخرى لعبد الدايم ناصر وثالثة لي، واخترنا لنا أسماء مستعارة وملأنا الاستمارات؟ وهكذا أصبحت لا مجرد شيوعي وإنما عضوا في الحزب الشيوعي العراقي " (1) .
وقد يصح ان اشتراكه في المظاهرة التي فصل على أثرها بداية نشاطه العلني في هذه الناحية، فأما إذا أوغلنا في التاريخ، فأننا يجب أن نفترض أن السلبية التي سجلها عليه عارفوه أول عهده بحياة بغداد ودار المعلمين إنما كانت دهاء عجيبا منه في اختفاء دوره الحقيقي، وهذا ما لا يتفق مع طبيعته الانفعالية التي تجر إلى إبراز منتماها بيسر وسهولة.
وكان وراء دخوله الحزب عوامل كثيرة، وربما لم تكن النقمة السياسية هي اقوى العوامل ولا كانت النزعة الإنسانية لإنصاف الفقراء والمظلومين من أقواها، وإنما يجب أن تتصور روعة الإقدام على المجهول والعمل في الخفاء، وعامل السأم من الموقف السلبي الذي كان يفرده بين أقرانه في الكلية، والإعجاب بشخصية احمد علوان، وسهولة انقياده لعمه عبد المجيد ؟الذي كان كما يروي مصطفى شديد التأثير في بدر رغم انه اصغر منه سنا - كل تلك مجتمعة هي التي حببت إليه ذلك الانتماء، وجعلته يرفع الشعار الجديد.
ويجب إلا ننسى أيضا الجو العام في الحياة السياسية بالعراق حينئذ

(1/90)

فانه كان يمهد الطريق أمام الشباب للاتجاه نحو اليسار؛ كان انتصار روسيا في الحرب قد وسع نطاق الملتفين إليها، وكانت السياسة العراقية مشلولة، والأحزاب معطلة، وكان الناس في كثير من نواحي العالم يتطلعون إلى حياة افضل ؟في فترة ما بعد الحرب - إلا العراق فأنه كان يزداد غرقا في الركود (1) فاستطاع فهد (يوسف سلمان سوسف) ان يعقد مؤتمرا للحزب عام 1945 وأن يصدر " البيان القومي " وأن ينظم لجنة مركزية أصبحت تضم بالإضافة إليه زكي بسيم وحسين محمد الشبيبي وكريكور بدروستان وعبد تمر ومالك سيف وملا شريف وسامي نادر (2) ؛ وكانت جريدة " الشرارة " ثم " القاعدة " هي التي تنطق بلسان هذه الجماعة. وفي العام نفسه تألفت عصبة من يهود العراق لمناهضة الصهيونية وكانت تصدر صحيفة علنية تسمى " العصبة " وغايتها ؟فيما أعلنته - أن توضح للشعب الفرق بين اليهودي والصهيوني وتعمل على تخفيف الكراهية بين الطوائف (3) ؛ وكانت لهذه العصبة جريدة سرية تسمى " وحدة النضال " ، تعبر عن المبادئ الشيوعية للعصبة؛ والحق أن تأليف هذا الحزب الشيوعي اليهودي إنما تم لعجز اليهود حينئذ عن الدخول في حزب " فهد " إذ كان " فهد " يتخوف من اليهود ويشك في إخلاصهم، هذا إلى ان انتماءهم للحزب قد يبعد ممثلي الأكثرية عنه ويجعله قاصرا على الاقليات. غير ان (فهدا) نفسه عاد ليعرض عليهم دمج الحزبين في حزب واحد، على ان يكونوا أعضاء بسطاء في الحزب الموحد، فلا يحتلوا مراكز هامة فيه. ووجد اليهود ان هذا الشرط لن يحول بينهم وبين ما يريدون إذا هم ضمنوا لأنفسهم سيطرة معنوية داخل الحزب، فقبلوا الانضمام إلى

(1/91)

حزب " فهد " ، وسرعان ما لمعت أسماء ساسون دلال ويهودا صديق وغيرهما، واحتلوا مراكز هامة في الحزب. وقد فسر بدر هذا خير تفسير حين قال: " فأصبحت ترى خلية شيوعية منظمها عبد تمر مثلا، وهو نقابي قدير لا أكثر، وتضم ساسون دلال عضوا بسيطا فيها، وكان ساسون دلال ممن درسوا الماركسية وتضلعوا فيها؟ وكان عبد تمر يقف مشدوها وهو يرى إلى معلومات ساسون أو ثقافته الماركسية الواسعة وإلى جهلة هو " (1) .
ولا ريب في أن بدرا كان عضوا في الحزب أثناء الفترة التي قضاها مفصولا من دار المعلمين (أي خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 1946)، بل هو يقول إن عمادة الكلية كانت قد عرفت فيه انتماءه للحزب وأنها كانت تشدد الرقابة عليه مما قد يشير إلى أن فصله نفسه اقترن بتهمة الانتماء إلى الشيوعيين.
وفي شهر تموز (يوليه) سنة 1946 (وكان السياب ما يزال قابعا في قريته) أعلنت الحكومة عدم شرعية العصبة، وعطلت صحيفتها واعتقلت رؤساءها، وكان من بين أعضائها البارزين نعيم طويق فأمره الحزب أن يلجأ إلى قرية السياب " وكانت يومذاك حصنا منيعا من حصون السيوعية " . يقول السياب: " وجاءنا نعيم فهيأنا له مكانا في أحد بساتين النخيل، وكنا نقضي كثيرا من أوقاتنا في الجلوس معه والاستفادة من معلوماته في المادية الديالكتيكية والشئون الحربية، وزعمنا لأبناء القرية انه صديق من أصدقائي في دار المعلمين وأن اسمه محمود؟ " (2) .
في ذلك الشهر نفسه كان بدر يتحدث في رسالة إلى صديقه خالد

(1/92)

عن حلمه وأنه رأى نفسه في القبر، ويتحدث عن الحب الريفي وأنه يريد أن يخلده في قصيدة طويلة، ويطلب إليه أن يخبره: " عنها وعنها وعنها، ألم ترهن أو تسمع عنهن ركزا؛ لعلي شوهت وجه الحقيقة بأن انقضت عددهن إلى ثلاث " . وفي ذلك الشهر نفسه نسمعه يقول عن حياته في القرية وفي صحبة الضيف المتوالي عن الأنظار بين نخيلها: " وفي ذات ليلة عقدنا مجلسا من مجالس الطرب في بستان آخر ودارت علينا الخمرة حتى سكرنا " (1) .
أن أي متأمل سيلحظ، ولا بد، ذلك الانقسام أو الازدواج في طبيعة بدر يومئذ، فهو ينتمي إلى حزب ينظر إلى المستقبل بتفاؤل، ويبني منهجه على قوة النضال، ويؤمن بالفرد ما دام في خدمة المجموع، ويتجه بكل طاقاته نحو الحياة، وبدر يمارس هذه الأمور " رسميا " باسم البطاقة التي يحملها، فإذا جن الليل وأخذ القلم ليكتب قصيدة أو رسالة تحدث عن الضياع أو عن الأحلام الفردية أو عن الموت، ونسي كل شيء سوى انه محروم من المرأة التي يحب. وفي عدم الاندماج بين هذين الطرفين يكمن السر كل السر في رفضه للشيوعية من بعد، وان تدخلت عوامل أخرى قوت لديه العزم على الانفصال.
على أنا يجب أن ننصفه، فانه رغم ذلك الازدواج، حاول جاهدا ان ينضوي تحت راية الحزب وان يعمل من اجل مبادئه بإخلاص، وكان في السنوات التي امتدت (بين 1946 - 1950) يستطيع أن يعيش ؟دون أزمة نفسية قوية - ممسكا رايتين متباينتين واضعا كل راية في يد، بعيدة عن الأخرى، وهو لا يحس بكثير من التناقض أو الاضطراب.
ولما انتهت العطلة الصيفية (1946) وانتهت معها مدة الفصل عاد

(1/93)

إلى بغداد وكان أول عمل قام به حين وصلها أن زار الرفيق حسين الشبيبي الذي كان موقوفا مع عدد من الرفاق، وتناول الغداء مع الموقوفين، وتحدث إلى حسين عن النشاط الشيوعي في البصرة وأبي الخصيب وزوده حين بنصائح وتعليمات وكان في ما قال له: " لقد تخرج جاسم حمودي فاستلم أنت مكانه في الدار " ، وفرح بهذه المهمة الموكولة إليه ثم وجدها عبئا أثقل من أن يحمله جسمه النحيل فذهب إلى الرفيق يهودا صديق وطلب إليه ان ينتدب لتلك المهمة طالبا غيره (1) ؛ وكان تخيله رغبة منه في أن يضمن لنفسه القدرة على الاستمرار في الدراسة، فاستطاع أن يفوت على سلطات الكلية الإيقاع به، ومارس نشاطه الحزبي بشكل هادئ لا يلفت إليه النظر، دون أن يتغيب عن اجتماعات الخلية الطلابية؛ وظل على صلة وثيقة بصحيفة " القاعدة " التي أصبحت تنطبق باسم الحزب، وبكل منشور من منشوراته (2) ؛ بل انه وفئة الرفاق في دار المعلمين نظموا مظاهرة حزبية (لعلها أواخر سنة 1946)، فذهبوا إلى مقهى على دجلة، ورسموا الخطة التي سيعتمدونها في توجيه المظاهرة، وكانت تقضي بأن يكون المتظاهرون مسلحين بالعصي ؟فاشتروا حزما كبيرة من الخيزران من السوق المجاورة للمقهى - وأن يتحشد عدد من الرفاق عند موقف أحد الباصات كأنهم ينتظرونه، حتى إذا جاء الباص تركوه يفوتهم وركضوا كأنهم يحاولون إدراكه، وعلت هتافاتهم وهم يجرون، وتساتلت إليهم من هنا ومن هناك جماعات عينت لها مراكزها، ولكن أخبار هذا الاستعداد تسربت إلى الشرطة، ففاجأت المظاهرة من المؤخرة، وقد تشابكت أيدي المتظاهرين كي لا يحدث أحد نفسه بالفرار، ولكن ما كادوا يحسون بالشرطة من ورائهم حتى ولى أكثرهم هاربا، وهرب الرفيقان اللذان كانا قد شبكا

(1/94)

يديهما بيدي بدر، في نترة مفاجئة، فسقط على الأرض وجرحت يده، ولما نهض رأى الرصيفين على جانبي الشارع يغصان بالشرطة، فتمالك نفسه وأخرج سيجارة وأشعلها، ودس يده المجروحة في جيبه، ومر في هدوء من أمام الشرطة فلم يلقوا إليه بالا، لآن هدوءه قد غطى على حقيقة موقفه (1) .
كان فهد خلال عام 1946 قد وقف جل جهده على تحقيق غايتين: أولاهما تقليل الانقسامات بين اليساريين أو توحيد الجماعات اليسارية معا في جبهة واحدة، وإحراز الاعتراف الرسمي بالحزب، وقد ظلت الخطوط تنعثر في تحقيق الغاية الأولى إلى أن اعتقل في أوائل 1947، فحدث تقارب بين حزب فهد وحزب الشعب (أو الأغلبية فيه)، والجناح التقدمي في الحزب الوطني الديمقراطي وجماعة زكي الخيري وشريف الشيخ التي كانت قد انشقت عن حزب فهد من قبل، أما الغاية الثانية فلم يتم له تحقيقها أبداً، وعندئذ لجأ إلى استغلال واجهة خارجية للحزب عن طريق ما يسمى بحزب التحرر الوطني (جماعة السبيبي)، فقد طلب إلى جميع الشيوعيين الانضمام إلى هذا الحزب، كما طلب إلى كل عضو عامل في حزب التحرر الوطني الانضمام إلى الحزب الشيوعي. وكان فهد يرجو ان يفيد من حزب التحرر في تنظيم لجان الطلبة واتحادات العمال (2) ، وقد جاء اعتقال فهد وكثير من أعضاء حزبه أثر تسلم نوري السعيد للوزارة (واستقالة وزارة أرشد العمري) في الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1946؛ فقد بدأ نوري عهده بسياسة قمعية شديدة غايتها استئصال الشيوعية من جذورها، وأطلق رجاله لمباغتة كل وكر من أوكارها في الألوية المختلفة، وكانت ثمرة هذه

(1/95)

الحركة اعتقال فهد والأعضاء البارزين من حزبه (1) . وقدم المعتقلون للمحاكمة في شهر آذار (مارس) من ذلك العام، وكانت التهمة الكبرى الموجهة إليهم هي الصهيونية، ولعبت شهادة مالك سيف أحد أعضاء حزب فهد دورا هاما في إدانة المعتقلين وفي كشف كثير من الأسرار، وصدرت الأحكام في حزيران بإعدام فهد واثنين من رفاقه ثم حول الحكم إلى السجن مدى الحياة. ومن داخل السجن أخذ فهد يوجه شئون الحزب معتمدا في ذلك على اتصاله بيهودا صديق وكان قد اصبح سكرتير اللجنة المركزية الثانية (2) ، ولكنا نلمح أهميته في التنظيم العام للحزب من قول بدر الذي أشرنا إليه من قبل: " وبعد أيام اتصلت بالرفيق يهودا صديق ان ينتدب لهذه المسؤولية غيري " (3) .
ولا نحسب ان بدرا في تلك الفترة فارق نشاطه اليساري أو فتر فيه؛ إلا أن الأحكام بالسجن على زعماء حزبه صدرت وهو يتأهب للعودة إلى قريته في إجازة الصيف، ثم تنبهم أخباره دون أعييننا في تلك الحقبة من السنة ؟على غير ما تعودنا - وذلك لان رسائله إلى خالد ؟أن كان ثمة رسائل - قد فقدت، ولم تبق منها إلا رسالة واحدة (بتاريخ 20 - 9 - 1947) يكلف فيها صديقه قضاء مهمة تتعلق بمصطفى السياب؛ ويهمنا قوله في آخرها: " عندي شعر كثير؟ جدا، سأقرؤه عليك في أوائل الشهر القادم، يوم 1 أو 2 منه " . وقد كانت تلك الرسائل حرية ان تحدثنا بشيء واضح عن نشاطه الفني وان كان يتجنب

(1/96)

فيها كل حديث عن الجانب السياسي، لا لأنه كان يخشى الرقابة وحسب، بل لأن صداقته لخالد بفكرة سياسية معينة، أو قل إن صداقتهما كانت خارج نطاق المشاركة في رأي سياسي واضح المعالم.
ولكن أين هو الشعر الكثير الذي قاله في هذا العام الدراسي وفي الإجازة اللاحقة به؟ إننا لو قدرنا أن كل ديوان " أزهار ذابلة " وبعض " أساطير " يمثلان هذه الفترة لما كان ذلك كثيرا، ومع فانا نصدقه في قوله ان لديه شعرا كثيرا، ذلك انه كان ذا قدرة عجيبة على الإكثار من الشعر، ولدينا من قصائده في هذه الفترة قصيدة بعنوان " هل كان حبا " ظهرت في ديوانه الأول، ولهذه القصيدة أهمية خاصة عند الشاعر فانه يؤرخ بها بداية اتجاهه إلى الشكل الحديث في الشعر (1) ، وهي إذا توخينا الدقة لا تمثل شيئا من ذلك، وكل ما فيها تفاوت بسيط في عدد التفعيلات كقوله:
العيون الحور لو اصبحن ظلا في شرابي ... جفت الأقداح في أيدي صحابي. ... فالبحر هو الرمل، والشطر الأول يحتوي على أربع تفعيلات والثاني على ثلاث، ومن طبيعة الرمل أن يتيح هذا التفاوت تاما ومجزوءا، وليس فيها بعد ذلك من حداثة الشعر الا هذا المظهر البسيط.
وفي ديوانه " أساطير " قصيدة مبكرة من نتاج العطلة الصيفية (1947) بعنوان " سجين " وهي تصور ان ذراعي الأب تحولان دون لقاء المنتظرة:
وطال انتظاري كأن الزمان تلاشى فلم يبق إلا انتظار ... وظل يتساءل " أألقاك " ، مؤمنا أن لا بد من ساعة.. من مكان " لروحين ما زالتا في ارتقاب " :

(1/97)

سألقاك أين الزمان الثقيل ... إذا ما التقينا وأين العذاب
سينهار عن مقلتيك الجدار ... وتفنى ذراعا أبي كالضباب ثم يهتف:
لينهد هذا الجدار الرهيب ... وتندك حتى ذراعا ابي
أحاطت بي الأعين الجائعات ... مرايا من النار في غيهب
إذا استطلعت مهربا مقلتاي ... تصدى خيالان في مهربي

فأبصرت ظلين لي في الجدار ... أو استوقفتني ذراعا ابي فهذه القصيدة معلم هام في حياة بدر النفسية، إذ فيه تستعلن الثورة على الأب دون مواربة أو رمز، وهي مقدمة لحفار القبور حيث الثورة على الأب تتسم بلباقة الرمز والكناية؛ وترمز سلطة الأب إلى الحواجز الكثيرة التي تحول دون لقاء المنتظرة وهي أيضاً كبش الضحية لتفسير ذلك الإخفاق المتوالي في الحب؛ فذراعا الأب قائمتان كالمقص تجذان كل علاقة، وكلما ظن الشاعر أن هذه هي المنتظرة تحركت ذراعا الأب فقطعتا حبل الرجاء الممتد نحوها، وتلك إشارة إلى أن الشاعر ورث كل ما يقصي المحبوبات عنه من ابيه، وفي طي ذلك معنى لا شعوري، وهو أن الأب القاسي هو الذي دفع بهذا الطفل إلى أحضان الأم دفعا حرمه القدرة على الانسجام مع أية امرأة أخرى. وربما تتضح المسألة تحت أنوار كاشفة أخرى إذا قلنا ان الأب كان ينتمي إلى حزب الشعب (وقد كان في البداية ؟وعندما نظمت هذه القصيدة - من ألد أعداء الحزب الشيوعي) وكان الشيوعيين يسمون قادته انتهازيين وجواسيس وعملاء (1) ، وهذا يفسر الإشارة الغامضة

(1/98)

إلى النزعة الاقتصادية التي كان بدر يتصور أباه ممثلا لها:
أما تبصرين الدخان الثقيل ... يجر الخطى من فم الموقد
تلوى فأبصرت فيه الظهور ... وقد قوستها عصا السيد

وأبصرت فيه الحجاب الكثيف ... على جبهة العالم المجهد فإذا تحطم رمز الإقطاع ؟سلطة الأب - تبدد الدخان الكثيف عن وجه العالم المجهد، وظهرت " المنتظرة " ؛ ولكن المنتظرة برزت فجأة وقبل ان يتحطم الإقطاع ان ينهد الجدار الأبوي، فكيف كان ذلك؟ لندع بدرا مؤقتا يحلم بهذه المحتجبة، ولنتوجه إلى أحداث العام الأخير من حياته في دار المعلمين.

(1/99)

- 8 -

من الوثبة إلى النكبة

كل الدلائل الظاهرة والخفية كانت تشير إلى أن العام الدراسي الأخير في دار المعلمين (1947 - 1948) سيكون عرضة لعواطف هوج، لأن دار المعلمين جزء من العراق القلق الذي تنذر الأمور فيه بالانفجار، ولم يكن ليعمى عن هذه النذر والمرهصات إلا السياسيون الذين شغلوا أنفسهم في التغزل بالصداقة العراقية البريطانية، وأتخمتهم مناصبهم واقطاعاتهم عن رؤية مواضع الألم في جسم الشعب المسكين؛ فقد حبست حكومة السيد صالح جبر انها بمصادرة الصحف، وسجن بعض الزعماء الوطنيين، وإيداع زعماء الحزب الشيوعي في قفص التأييد، ومهاجمة المكتبات بحثا عن الكتب الثورية والمنشورات، حسبت أنها ضمنت بذلك أقصى ما تؤمل من هدوء واستقرار، ولكن الطبقات الفقيرة كانت مهددة بالمجاعة، تفتش عن الخبز فلا تجده، وأهواء البلاد فارغة تصفر فيها الريح، ومشكلة فلسطين آخذة بالتعقد، متدرجة من سيئ إلى أسوأ، فكل اقتراب جديد من بريطانيا معناه محالفة الطغيان الاستعماري الذي تعاون مع الصهيونية تعاونا كاملا سافرا طوال ثلاثين سنة، وجثم على صدر العراق ردحا مقاربا من الزمن.

تلك الظروف هي التي مهدت لما يعرف في التاريخ العراقي الحديث باسم " وثبة كانون الثاني " (1948)، وذلك احتجاجا على معاهدة

(1/100)

بورتسموث التي عاد صالح جبر يزفها إلى الشعب العراقي زاعما أنها تخدم مصلحة البلدين. ولسنا بسبيل الحديث عن تلك المعاهدة وشروطها، ولكن الشعب العراقي واجهها بعاصفة شديدة من الاستنكار، وتضافرت الأحزاب على رفضها، وبدأ رد الفعل بإضراب طلاب الحقوق والهندسة، وبتنظيم المظاهرات الجماهيرية الكثيفة، وحدثت صدامات مروعة بين المتظاهرين والشرطة ذهب ضحيتها عدد غير قليل من القتلى، واستمرت التظاهرات التي بدأت في السادس عشر من كانون الثاني تزداد حدة وتصاعدا حتى بلغت ذروتها في السابع والعشرين من الشهر، واضطر الوصي ان يعلن بأن المعاهدة لم تكن مرضية، كما اضطر رئيس الوزراء إلى الاستقالة، ثم إلى الهرب من العراق نجاة بنفسه. وكانت مئات الألوف كل يوم تخرج لتشييع الشهداء، والخطاء ينادون بضرورة إلغاء المعاهدة، فما كانت حكومة السيد محمد الصدر التي تألفت بعد حكومة صالح جبر تملك سوى التراجع عن تلك المعاهدة.

انه ليس من السهل أن يحدد المرء دور الحزب الشيوعي في وثبة كانون، ولكن الحكومة العراقية تعتقد ؟كما يعقد الحزب الشيوعي نفسه - انه كان للشيوعيين دور قيادي في الوثبة (1) ؛ غير أن النظرة الفاحصة تنبئ أن الأحزاب الأخرى كالديمقراطي الوطني وحزب الاستقلال والأحرار كان لها دور هام في تلك الحركة، وإنها كانت هبة وطنية عامة، ولم ينفرد بفخرها حزب واحد. ولعل بدرا لو سئل في تلك الأيام لأكد أن الحزب الذي كان ينتمي إليه كان ذا دور هام في الوثبة، هذا إن لم يقل انه انفرد بمجدها كله، ولكنه حين سخط

(1) انظر Laqueur ص: 193.

(1/101)

على الحزب بعد سنوات أخذ يقول: " كلنا يذكر وثبة كانون المجيدة ويعرف أن القوى الوطنية جميعا ؟بل الشعب كله - هو الذي قام بها، ولعل دور الشيوعيين فيها كان أتفه الادوار، ولكنهم بعد النصر الساحق الذي حازه الشعب نسبوا إلى أنفسهم كل أمجاد الوثبة وبطولاتها " (1) ، ونحن لا يهمنا هذا إلا بمقدار ما يصور اندماج بدر نفسه في تلك الحركة، إذ نجده يقول بعد اسطر: " نشط حزبنا الشيوعي بعد أن أطلقت الحريات، فكانت مظاهراتنا تملا الشوارع حتى ينقطع السير والمرور فيها، وضجر الناس من هذا كله، ولكن الحزب الشيوعي كان يريد ان يعرض قوته على الناس. كنا نجتذب الكناسين والحمالين والمجرمين من نشالين وسواهم إلى صفوفنا بوعود معسولة نبذلها لهم؛ كنا نمنيهم بالقصور والآنسات الحور، ونجحنا في ذلك أيما نجاح. وأقام جماعة من أهالي الكرادة حفلة تأبينية لشهداء الوثبة، وقد دعيت للمساهمة في تلك الحفلة. لم يكونوا ليعرفوا أنني شيوعي، وكذلك شأن محمد شرارة الذي دعي إليها دون ان يعلم الداعون انه شيوعي. ان من يقرأ قصيدتي في تلك الحفلة وخطاب محمد شرارة فيها يلحظ الخط الشعوبي الشيوعي واضحا فيهما، فقد جاء في قصيدتي تلك:

ما زال يملأ مسمع الأحقاب ... ذاك الهدير من الدم المنساب

يعلو فيرتجف الطغاة وتمحي ... أسطورة الاحساب والأنساب ما علاقة الحساب والنساب بوثبة الشعب على ظالميه؟ انها الشعوبية التي يغيظها ويمزق أعصابها أن يقول العربي انه عربي؛ أما كلمة محمد شرارة فقد كانت كلها مخصصة للهجوم على الحجاج هذا البطل الذي أراد أن يحمي الكوفة من الغزو الفارسي الشعوبي؟

(1) الحرية، العدد: 1452.

(1/102)

الخ " (1) . وليس يهمنا من هذا النص تفسيرات السياب، فتلك أمور يختلف الناس حولها، ولكنا أوردناه ليصور مبلغ نشاطه الحزبي في تلك الايام، ثم لينقل لنا كيف انه اخذ يسخر شعره لخدمة الأغراض الحزبية، بعد أن مرت عليه فترة من الزمن وهو يفصل فصلا تاما بين فنه وحزبيته.

ولم تكد الحكومة العراقية تنعم بالهدوء الذي عقب تلك العاصفة حتى واجهتها مشكلة فلسطين؛ كانت الجامعة العربية قد قررت ان تقوم بخدعة كبيرة، حين طلبت إلى الجيوش العربية ان تدخل فلسطين محاربة؛ وجازت الخدعة على الجيوش وقادتها، إذ كانوا رغم قلة معداتهم وفساد أسلحتهم وضعف تدريبهم وبعد بعضهم عن مراكز التموين والإمداد، يظنون انهم يقومون بمهمة مقدسة، غير عارفين بالدور الخسيس الذي كان يمثله رجال السياسة العليا في كل بلد عربي. وكذلك كان دخولهم ؟من الناحية العملية - ترسيخا للحدود التي رسمها مشروع التقسيم، ثم حدثت خيانات وتنازلات ؟شهودها بين الأحياء كثيرون - أضافت إلى إسرائيل مناطق أخرى لم يكن مشروع التقسيم (وهو مشروع اغتصاب دبر في مدى ثلاثين سنة) يمنحها لها. ومهما يكن من شيء فقد كان دور الجيش العراقي في تلك الحرب ؟رغم ضعف معداته وقلة تموينه - دورا مشرفا، وكانت الحماسة بين العراقيين للقضية الفلسطينية متأججة. غير ان الحكومة العراقية حينئذ استغلت حالة الحرب لفرض القانون العسكري على البلاد، ومن خلاله استطاعت تقييد الحريات وتحيف الحقوق المدنية، وتحديد المجال النقدي للصحافة، وبالجملة شغلت الناس بالحرب وأظهرت أنها لبت نداء الواجب حين دعيت، واشتغلت بسلب البلاد ما حققته في وثبة كانون.

(1) الحرية، العدد السابق.

(1/103)

ذلك هو موقف الحكومة، فما هو موقف الحزب الذي كان ينتمي إليه بدر من القضية الفلسطينية ومن الحرب الفلسطينية؟

قد عرفنا فيما مضى أن العصبة اليهودية تغلغلت في الحزب الشيوعي، فأصبح يهودا صديق سكرتيرا للجنة المركزية بعد فهد، فلما اعقل يهودا خلفه ساسون دلال، ومهما يكن مبلغ عطف الشيوعيين اليهود على القضية الصهيونية فانهم لم يستطيعوا رسميا أن يتجاوزوا في بادي الأمر ما أعلنته روسيا، وهو تأليف حكومة ديمقراطية في فلسطين يشترك فيها العرب واليهود، فلما تورطت السياسة الروسية في الخطأ وحاولت منافسة أمريكا واعترفت بشرعية دولة إسرائيل، تحول الحزب الشيوعي العراقي عن موقفه تبعا لذلك، دون ان يكون بين الوقفين إلا فارق زمني بسيط.

في البداية وزع الحزب منشورا على أعضائه يشرح فيه شعاره الذي ينادي بتألف حكومة مشتركة من العرب واليهود، يقول بدر: " وكان الجواب الذي هيأناه لنجيب به كل معترض على ذلك الشعار هو: وهل تريد ان تتألف حكومة عربية خالصة فتكون مثل حكومة نوري السعيد مطية للاستعمار؟ وما ذنب اليهود المساكين القاطنين في فلسطين؟ أنلقيهم في البحر ثم نؤلف حكومة عربية خالصة؟ " (1) فلما تغير موقف روسيا اصدر الحزب منشورا يؤيد فيه التقسيم، وأخذت جريدة " القاعدة " تنشر المقالات العنيفة ضد الحرب الفلسطينية وتطالب بسحب الجيوش العربية من فلسطين (2) .

ولم يكن رجل الشارع في العراق قادرا على أن يهضم هذا التقلب في موقف الحزب الشيوعي، ولا كان يستطيع أن يستسيغ المطالبة

(1) الحرية، العدد: 1458.
(2) المصدر السابق.

(1/104)

بسحب الجيوش العربية، إذ كان يرى في الحرب ؟وهو يظنها حربا حقيقة - وسيلة لإحقاق حق ودفع ظلم؛ وكانت الحرب تعبيرا عمليا عن حماسته نحو اخوة مضطهدين مطرودين ؟ظلما وعدوانا - من ديارهم، فكل صوت ضد هذا الشعور خيانة آثمة، وانحياز إلى الصهيونية، ولهذا اصبح من السهل عليه ان يؤمن بأن الحزب الشيوعي العراقي صهيوني أو مؤيد للصهيونية. وحين استغلت الدولة هذه التهمة في محاكمتها للشيوعيين كانت تستغل فكرة من السهل ان تجوز على الفرد العراقي حينئ.

من هذا المنفذ نفسه اخذ القلق يتسرب إلى نفس بدر وشرع يحسس الانقسام في نفسه بين ولائه للحزب وإخلاصه لمشاعره العفوية. هل من الممكن ان يؤمن بالتقسيم، وهو يرى اللاجئين من أبناء أمته مطرودين من ديارهم؟ هل من السهل عليه ان يحقق ما يريده ساسون دلال (والخط الفاصل بين يهودي وصهيوني لديه خط وهمي) ويتغاضى عن سخط شعبه ؟سخط تلك الجماهير التي يتحدث باسمها - على الظلم الصارخ الذي يمثله ذلك الحل الجائر؟ إن مشكلة فلسكين لم تهز كثيرا من النظم البالية في البلاد العربية وحسب، ولكنها أيضاً عرقلت نمو كل حزب شيوعي فيها، وكانت رويا مسئولة عن ذلك الإخفاق الذي أصاب تلك الأحزاب، لأنها شاءت في لحظة لم تحسب نتاجها البعيدة ان تقوم بمناورة سياسية (1).

(1) بعد مدة غير قصيرة من كتابة هذه السطور نشرت مجلة الحرية البيروتية (العدد 454) بياتا للحزب الشيوعي العراقي (القيادة المركزية) يبين فيه آخر مواقف الحزب من القضية الفلسطينية، وقد جاء فيه: " أن الانجرار وراء اللعبة الاستعمارية الصهيونية الرجعية الخبيثة الماكرة بتأييد التقسيم أملاً في إيجاد حل سلمى يطفئ موقد التوتر مؤقتا كان خطأ تاريخيا " . وورد فيه أيضاً: " وقد ظل حزبنا حتى اللحظة الأخيرة ضد مشاريع التقسيم على نحو جدي قاطع ولكنه غير موقفه مع قرار هيئة الأمم المتحدة في أواخر 47 واستنادا إلى تقديرات ومنطلقات تبين ضلالها في التجربة؟. وقد أوضح الكونغرس الثاني (1956) خطأ تبني ونشر أفكار كراس " ضوء على القضية الفلسطينية " عام 48 الذي كان يعطي صورة وهمية خلابة عن حقيقية الكيان الإسرائيلي " ؛ والبيان وثيقة هامة من عدة وجهات.

(1/105)

ولنترك السياب يتحدث عن بعض أصداء تلك الأيام في نفسه: " لقد ظللت ليالي عديدة أعاني السهر والعذاب ؟يوم ان كنت ما أزال عضوا في الحزب الشيوعي - بسبب فكرة خطرت على بالي وأبت أن تفارقني: هناك صعلوك يهودي اسمه خضوري كان يطوف في قريتنا والقرى الأخرى فيشتري النحاس العتيق والزري العتيق وما شابه، ثم يبيعها بربح ويعتاش من ذلك. ثم (سقط) خضوري جنسيته وسافر إلى اسرائيل، وقد تبين انه كان يملك حوالي العشرة آلاف دينار، ولم يستطع خضوري أن يأخذ ماله معه، فتركه وسافر إلى وطنه القومي. وفكرت: ان الناس جميعا منذ القدم إلى الآن يحتقرون اليهود ويصفونهم بحب المال حبا جما، ولكن خضوري، هذا الصعلوك اليهودي الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة كما أعتقد، والذي كان يتحمل شمس الصيف ومطر الشتاء ونباح كلاب القرى وإيذاء سكانها في سبيل دريهمات يربحها، ترك حطام الدنيا كله ونزح إلى اسرائيل، في سبيل ماذا؟ ليعيش في بد يشعر بأنه واحد من أهلها في كل شيء ؟كما يتوهم - لقد جعله إخلاصه لقوميته - لهذه القيمة الروحية - يتنازل عن أمواله التي عانى حتى جمعها، وانا، أنا الذي أدعي بأنني أديب شاعر، بأني لست من عبدة المال، ولا المتهمين به، وأن قصيدة جيدة اكتبها احب إلى نفسي من آلاف الدنانير، لقد خنت قوميتي وتنكرت لكل القيم الروحية، في سبيل ماذا؟ أنني أمني نفسي بأن

(1/106)

دخلي سيكون أكبر، بأنني سأحصل على نقود اكثر، متى جاء الشيوعيون إلى الحكم. أذن فأنا أحقر من خضوري. وعذبتني هذه الفكرة؛ لقد حاولت الفرار منها بشرب الخمر والإدمان فيه، ولكنها ظلت تطاردني إلى اليوم الذي تخلصت فيه من الأفكار الشيوعية " (1).

ليس من حقنا أن نشك في هذا الاعتراف الذاتي، إذ حين يصبح الاقتناع شعريا يحجب وجه الخداع في المغالطات الذهنية، فمن المغالطة الدهنية ان يعتنق المرء مذهبا عريض المبادئ والغايات، لا لشيء إلا لأنه يرجو عن طريقه زيادة في دخله. ذلك تبسيط شديد، وتهوين للقيم، ولكن هذا لا يعني أن السياب كان كاذبا في إحساسه. ورغم هذا الصدق في الإحساس فأنه لم يخطر له الانفصال عن الحزب، إذ ان الانفصال ليس سهلا كالأنتماء، فهو يعني بلوغ الإرادة لحظة حاسمة لا محيص عنها ولا منفذ فيها للتردد، ولهذا فان مثل هذا الإحساس ما يزال بحاجة إلى عوامل أخرى تؤيد حتى يستطيع صاحبه أن يبلغ تلك اللحظة: لقد كان بدر يسمع رفاقه الشيوعيين يقولون عمن يفصل أو ينفصل من الحزب الشيوعي: أين يولي؟ وفهم بدر من هذه العبارة ان عضو الحزب الشيوعي كالطفل الصغير لا يستطيع ان يدبر شئونه دون أمه (2) ، ولكن دلالة تلك العبارة تختلف عما فهمه ؟فيما اقدر - ، أنها تعني أن العضو المنفصل سيظل حيثما اتج محاطا بتاريخه الحزبي، وسيظل مؤاخذا لدى الحكومة بذلك التاريخ حتى ولو أعلن براءته منه على رؤوس الأشهاد، وذلك يعني انه ؟في خارج الحزب - قد اصبح كالمنبت، لا أرضا قطع ولا ظهرا ولا ظهرا أبقى، ولو بقي في داخله لظل له شرف الغاية التي يجاهد من اجلها، مهما يكن مفهوم تلك الغاية في نظر الآخرين؛ ولا ريب ان بدرا ؟من بعد - وقع

(1) المصدر السابق.
(2) الحرية، العدد: 1443.

(1/107)

ضحية هذا الوضع في ظل لا يغفر للمرء ماضيه ولا يعترف بشيء اسمه " التوبة " .

على أي حال يجب ألا ننتقص من قيمة ذلك الإحساس فإنه يمثل ثلما في مشاعر الولاء الحزبي، ولكن بدرا كان ما يزال مندفعا بحماسته المستعلنة فيما يعده واجب الفتى المثقف ضد حكومة ونظام رجعيين، وكانت لذة المقامات الخطابية بين الجماهير ما تزال تأسره وتملك عليه إرادته، ولهذا ظل يشارك في المظاهرات، وإلقاء القصائد. وفي إحدى المظاهرات التي انتهت عند المقبرة في باب المعظم (من ذلك العام) كان بدر أحد الذين صعدوا جدار المقبرة من بين الخطباء الكثيرين، ليثيروا حماسة الشعب ويحركوا فيه روح الثورة على الأوضاع؛ وكان بين الخطباء " فتاة جميلة بيضاء مربربة في الخامسة عشرة من عمرها أو أزيد قليلا " فقد ألقت في الجماهير قصيدة حماسية، ولكنها ألقت في نفس بدر جذوة اشتهاء، تلك هي الرفيقة مادلين اليهودية التي سيكون لها في حياة بدر قصة عارضة نرويها في حينها (1) .

(1) الحرية، العدد: 1452.

(1/108)

- 9 -

المنتظرة

تلك صورة من نشاط بدر العملي والفني (عام 1948) في خارج دار المعلمين، ولكن الصورة لا تكتمل إلا إذا عرضنا إلى الجانب الآخر من سيرته في تلك السنة الدراسية الأخيرة.

كان قد ارتاح فنيا إلى شيء من الشهرة حين استطاع أن يطبع ديوانه " أزهار ذابلة " بمصر، حمله إخوانه البصريون إلى مطبعة الكرنك في القاهرة، وانفق عليه من المال القليل الذي كان يرسله إليه اهله، وكتب مقدمته الأستاذ الصحفي رفائيل بطي، وفي هذه المقدمة كلمات تركت أثراً عميقا في الوجهة الشعرية التي اختارها السياب من بعد، ولعل فيها من قوة التوجيه ما يسوغ ان نقتبس قوله فيها: " تجد الشاعر الطليق يحاول جديدا في إحدى قصائده، فيأتي بالوزن المختلف وينوع في القافية محاكيا الشعر الإفرنجي فعسى أن يمعن في جرأته في هذا المسلك المجدد لعله يوفق إلى أثر في شعر اليوم، فالشكوى صارخة على أن الشعر العربي قد احتفظ بجموده في الطريقة مدة أطول مما كان ينتظر من النهضة الحديثة " (1) ؛ وكان ظهور " أزهار ذابلة " في مطلع العام الدراسي الأخير بدار المعلمين، فتلقته الصحف بشيء

(1) العبطة: 10 - 11.

(1/109)

من التقريظ، ارتاح له الشاعر، واخذ يتردد على مقهى " حسن العجمي " حيث يجلس الأستاذ الجواهري وغيره من كبار الأدباء والكتاب (1) . وفي هذه الفترة توثقت صلته بالجواهري، وظل بدر يكن له شيئا كثيرا من التقدير والاحترام، دون ان يتغير فيه رأيه كثيرا من بعد ؟وان لم يتأثر بطريقته الشعرية تأثرا عميقا؛ وكان الجواهري من أقطاب حركة أنصار السلام، التي سيكون لبدر فيها دور أيضاً، سيجيء الحديث عنه في موضعه. وزادته الشهرة في المحافل العامة راحة نفسية، ولكنها لم تلهه عن شئون العواطف، ولا أغنى ضجيج الهتاف في أذنيه عن حاجة النفس بين جوانحه. فقد افتتح العام الدراسي باللهفة إلى المنتظرة (السمراء ذات الغلالة الزرقاء) وبالإلحاح على الليالي ان تقرب موعد الهوى، فلم يعد الريف مثوى جميلا، لان الغرام فيه مفقود (2) :

أيها الريف ما ذممت المقاما ... في مغانيك لو وجدت الغراما
إنما جنة الهوى حيث حوا ... ء وان كانت الجحيم اضطراما وهو يخشى ان يفاجئه الموت قبل ان يحقق له الحب، وهل من عجيب ان يعيد في القصيدة صورة الحلم الذي قصه قبل عام على صديقه خالد:

لقد سئمت الربى مللت الضفانا ... احسب الموج أو اعد الخرافا مثلما عد انجم الليل عراف فأنبت بموته العرافا ... أيها الشاطئان أوهى جليد الموت كفي فأرخت المجدافا ... وكأني بعيني غورا قائما احتسي دجاه ارتجافا ... أهبط الموج سلما بارد الألوان حتى أعانق الاصدافا ...

(1) المصدر السابق: 11.
(2) أساطير: 52.

(1/110)

يا لمثواي اعظما قضقضتهن الأعاصير والعباب اجترافا ... حيث لا نادب سوى اللج زخارا على أضلعي يعيد الهتافا ... إلا انه في هذا الحلم يموت غرقا، ويكون قبره قاع البحر حيث يعانق الأصداف، ويعب الموج فوق مثواه نادبا.

وهنالك شبح آخر يؤرقه قبل تلوح المنتظرة، وذلك هو شبح الخيانة ؟تلك السمة التي واكبت حب المرأة في العصور؛ ها هو ألفرد دي موسيه وجورج صاند في البندقية وهي تقسم له بالحفاظ على العهد، فأين ذهب قسمها؟ حذار أن تنخدع بعهد امرأة!! ولكن من هو الذي يحذره من ذلك: أنها عيون تطل عليه من الثرى، أفبعد ذلك يخفى على القارئ سر تمزق هذا الفتى؟ وهذا أيضا فتلى آخر ينقل الخطى على الرمل ليلقى ليلاه، ولكن أين ليلاه؟ ومن الكلمات التي تحمل صورة المبوة ان يقول الشاعر في تلك السن:

نقلتها على الثرى أرجل حيرى طواهن داؤهن الزمين ... غير ان صورة السائر الواقف الذي تعجز رجلاه عن النقلة ستواجهنا كثيرا في هذه المرحلة.

بهذه القصيدة استقبل عامه الدراسي الاخير في دار المعلمين، وهي تصور مدى تمزقه بين اللهفة إلى الحب والفرق من الموت. وبعد أقل من شهر على تاريخ هذه القصيدة، خيل إليه انه وجد المنتظرة في صورة فتاة ذات شعر مسترسل، وهم أن يهتف: هذه هي (1) :

أهم أن اهتف لولا خطى ... عابرة في الخاطر المجهد
أطياف حسناواتي استيقظت ... هاتفة بالذكريات اشهدي
ما نال غير أسمائنا ... تسخر من آماله الشرد
مكتوبة بالنار في شعره ... كالصورة الخرساء في معبد

(1) عبير (أساطير: 48) وتاريخها 10/12/1947.

(1/111)

ثم رأى عينين زرقاوين فاشتهى أن تكون هذه الزرقة هي التي تضيء أيامه وتقهر " أشباح الشتاء " فتفر هاربة.

إن رسم صورة كاملة لهذه المنتظرة التي كانت تداعب أحلامه ليس سهلا، ولكنه حين اخذ يتأمل الواقع وجدها سمراء ذات غلالة زرقاء وعينين زرقاوين وشعر اسود مسترسل (صورة لا تخلو من غرابة وربما كانت صورتين مجموعتين معا) ولا بد أن يكون فيها شبه من الحب الاول، لأنه كلما حاول الوقوع في حب جديد، استيقظت ذكرياته فوقعت حائلا دون ذلك، وتذكر الإخفاق المتوالي فارتجفت أوصاله بقشعريرة باردة. وهذه المنتظرة لا بد أن تكون هي نهاية المطاف، لا بد أن تكون زوجة لأن الحب لا معنى له إذا لم ينته بالزواج (1) :

الهوى بيت عاشقين اطمأنا ... لا سؤال أأنت قبلت فاها يشرف الحب جامعا بين زوجين يصفو الحياة أو في شقاها ... ينسجان الزمان من قبلة سكرى بكن الغد المرجى صداها ... ولهذا اصبح لقاء المنتظرة يعني تحقيق الحلم الأكبر وهو بيت على ربوة (وليكن كوخا) يشرف على النهر، وتحيط به من هنا وهناك أشجار النخيل الظليلة. ولم يكن استشرافه إلى هذه المنتظرة ناجما عن إخفاقه المتوالي في الحب وحسب، فلو اقتصر الأمر ذلك الإخفاق فأنه ربما أدى إلى ثورته المرأة ورغبته في التشفي والانتقام، وإنما كان العامل الأقوى الذي طوح بآماله إلى مسافة بعيدة، أعني نقلها إلى صورة مثالية، هو تجربته الواقعية في دنيا الأجساد، ذلك ان بدرا بعد عودته إلى المعلمين أثر حادثة فصله لم يعد يقنعه أن يحلم بدفء الجسد، ويتخيل لذة القبلات، بل أصبحت رجلاه جريئتين على تخطي الحاجز العذري إلى حيث يشتري اللذة بدراهم معدودات، وقد منحته

(1) أساطير: 56.

(1/112)

الحانات والمواخير شعورا بالراحة من عبء الفورات وحالات الكبت، وعززت شعوره بالاستقلال الذاتي وأضعفت من التردد والخجل اللذين كانا يقعدان به عن مواجهة أية فتاة بحقيقة ما في نفسه. ولكن هذه التجربة الجديدة كانت في كل مرة تنتهي إلى اشمئزاز لا بد منه، وثار الريفي المستكن في اهابه على هذا الانحدار في المجاري الدنيا من حياة المدينة. أيمكن أن تكون هذه هي الحياة الصحيحة للعلاقة بين المرأة والرجل؟ كلا؛ بل لا بد من حياة ينظمها الحب وتسيطر فيها الألفة لا " الأجر " المدفوع؛ وإذا كانت هذه التجربة قد أعجزت بدرا عن أن يحب امرأة معينة فأنها شحذت لديه الإحساس بحاجته إلى المحتجبة خلف أستار الغيب (1) . ولم يستطع انتماؤه وهتافه بالحرية والرجاء في المستقبل وإيمانه بأن " المنتظرة " كالصباح، لا بد من ان ينبلج ؟بل هو قد انبلج حقا - لم يستطع هذه جميعا أن تطرد صورة الموت من نفسه، ولما مات خاله بداء السل في حدود هذه الفترة تصور انه هو الذي مات بالداء نفسه، حين كتب قصيدة: " رئة تتمزق " : (2) :

الداء يثلج راحتي ويطفئ الغد في خيالي ... ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال ... تهتز في رئتين يرقص فيهما سبح الزوال ... مشدودين إلى ظلام القبر بالدم والسعال ... واحسرتاه ! أكذا أموت كما يجف ندى الصباح ... ما كاد يلمع بين افواف الزنابق والاقاحي ...

(1) يفهم من كلام الأستاذ العبطة (ص:75) أن بدرا كان يرتاد دور البغاء في وقت مبكر، ولكن الحكم الذي أوردته هنا مبني على تطوره الفني، فأن كانت تجربته في شئون الجسد قد تمت قبل ذلك فأنه كان يتلمس إخفاءها بحجاب صفيق من المثالية.
(2) أساطير: 43.

(1/113)

فتضوع أنفاس الربيع تهز افياء الدوالي ... حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح ... ولكنه لا يريد أن يموت؛ كان من قبل يتمنى الموت، كان يقول له: خذني بين ذراعيك، يوم كان الهوى وهما يعذبه الحنين إلى لقائه،أما اليوم، حين برزت السمراء كنجم تألق في مسائه، فليبتعد الموت عنه لينعم بحبها:

يا موت يا رب المخاوف والدماميس الضريرة ... اليوم تأتي؟ من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره ... انا ما دعوتك ايها القاسي فتحرمني هواها ... دعني اعيش على ابتسامتها، وان كانت قصيره ... كان في مطلع العام (1948) قد لقي المنتظرة، وقرأت ؟أو تخيل إنها قرأت - قصيدته " أهواء " التي سرد فيها تجاربه الأولى في الحب، فكتبت إليه ؟أو تخيل إنها كتبت إليه - تقول: " وها انا ذا ألقاك بعد بحث طويل (كانت هي أيضا تبحث عن المنتظر) ولكنني واحسرتاه لقيتك بعد فوات الأوان، لقد أحببت كثيرا من النساء حتى سئمت الحب، ووزعت قلبك بينهن، وسقيت التراب بالخمرة التي كانت في كأسك ولم تدخر لي منها قليلا " (1) . فذهب يؤكد لها انه نسي الماضي كله وليس في حياته سوى الحاضر:

وكان انتظارا لهذا الهوى ... جلوسي على الشاطئ المقفر
وإرسال طرفي يجوب العباب ... ويرتد عن افقه الأسمر
إلى أن أهل الشراع الضحوك ... وقالت لك الأمنيات انظري ولكن هذا الحب كان كالقنبلة الموقوتة بين القلبين، فهو مرهون

(1) أساطير: 18 وتاريخ القصيدة 16/2/48.

(1/114)

بزمن، وهو إذا تفجر وأهلك ما حوله. ولهذا كان كل منهما يحس ان هذا الحب يحمل في ذاته عناصر دماره؛ أما هي فلم يكد يمضي أسبوع على إعلانه فرحة اللقاء حتى طالعته بقولها: انه لا جدوى في هذا الحب ما دام خيطه القصير سينتهي بفراق وشيك، وكانت وهي تتحدث إليه بذلك يرتجف الحزن في عينيها ويضطرب اليأس في شفتيها، وقد سرت البرودة في يديها، وشحبت الظلال فوق جبينها (1) :

ثم انثنيت مهيضة الجلد ... تتنهدين وتعصرين يدي
وترددين وأنت ذاهلة: ... " أني أخاف عليك حزن غد "
فتكاد تنتثر النجوم أسى ... في جوهن كذائب البرد
لا تتركي لا تتركي لغدى ... تعكير يومي، ما يكون غدي؟
وإذا ابتسمت اليوم من فرح ... فلتعبسن ملامح الأبد

وكان عمري قبل موعدنا ... إلا السنين تدب في جسد وأما هو: فأنه كان يتمنى دوام هذا الحب ويخشاه في آن معا، وحين كان يستبد به حنين العودة إلى الريف، كان يهتف بالخشية التي تحبب إليه الفرار من اسار ذلك الحب (2) :

سوف أمضي.. اسمع الريح تناديني بعيدا

؟؟؟؟..

سوف امضي فهي ما زالت هناك
في انتظاري

؟؟؟..

سوف أمضي، حولي عينيك لا ترني اليا
أن سحرا فيهما يأبى على رجلي مسيرا

(1) قصيدة " لن نفترق " في أساطير: 21 وتاريخها 21/2/48.
(2) " سوف أمضي " في أساطير: 9 وتاريخها 30/2/48.

(1/115)

أن سرا فيهما يستوقف القلب الكسيرا

؟؟؟.

أتركني، ها هو الفجر تبدى، ورفاقي

في انتظاري.

وكان التباين في الدين من أقوى العوامل التي تجعل ذلك الحب ينحدر نحو يأس، ولهذا يضطرب هذا الشريط ؟على قصره - بشتى المواجد والانفعالات، فهو إذا استسلم للواقع ادرك ان حظه مما يعانيه سراب (1) :

سنمضي ويبقى السراب
وظل الشفاه الظماء
يهوم خلف النقاب
وتمشي الظلال البطاء
على وقع اقدامك العارية
إلى ظلمة الهاوية
وننسى على قمة السلم
هوانا؟ فلا تحلمي

بأنا نعود.

وإذا أخبرته أن آخر لقاء لهما، لان أهلها يمنعونها من لقائه اشتد به الذهول حتى ليعجز عن ان يحدثها حديثا مستويا لا يداخله التعبير الممزق المتردد؛ أنها التي انتظرها طويلا وفقدها ليس شيئا يسيرا يستقبله رواقي، لأنه يعني تحطيم الحلم الكبير، حلم الشباب (2) :

حدثني، حديثه عن ذلك الكوخ وراء النخيل بين الروابي ...

(1) أساطير: 24 (وتاريخها 27/3/48).
(2) أساطير: 38 - 39.

(1/116)

حلم أيامه الطوال الكثيبات فلا تحرميه حلم الشباب ... أوهميه بأنه سوف يلقاك على النهر تحت ستر الضباب ... واضيئي الشموع في ذلك الكوخ وان كان كله من سراب ... ورغم إدراكه بأن اللقاء محال بعد ذلك، فأنه ينادينا " اتبعيني " ؛ وقد تركت له من الذكريات الساخرة قولها له: " سأهواك حتى تجف الادمع في عيني وتنهار أضلعي الواهية " ، ولكن ذلك حديث الأمس، إذ أن الهوى ما كاد يبرعم حتى دب الملال إلى قلبها ؟أو كذلك خيل إليه - ولذلك فهو يسخر من قولها " أهواك " (1) ؟. :

دب الملال إلى فؤادك مثل أوراق الخريف
أهواك! ماذا تهمسين؟ أتلك حشرجة الحفيف
في دوحة صفراء يقلق ظلها روح الشتاء!!
لا تنظري! في مقلتيك سحابتان من الجليد؟

ثم هو يسخر مرة أخرى من هذا الذي قالته، في قصيدته " نهاية " (2) :

اضيئي لغيري فكل الدروب سواء على المقلة الشباردة
سأمضي إلى مجهل؟؟..
ثم يأخذ في تقطيع جملتها بنغمة تقطر بالألم والسخرية معا:

سأهواك حتى ؟.. نداء بعيد
تلاشت على قهقهات الزمان
بقايا، في ظلمة، في مكان،
وظل الصدى في خيالي يعيد
سأهواك حتى سأهوا ؟نواح

(1) أساطير: 58 (تاريخ 3/5/48).
(2) أساطير: 59 (تاريخ 26/5/48).

(1/117)

كما أعولت في الظلام الرياح
سأهواك حتى؟. س؟يا للصدى
أصيخي إلى الساعة النائية
سأهواك حتى؟ بقايا رنين
تحدين حتى الغدا؟!
سأهواك؟ ما اكذب العاشقين
سأهوا؟. نعم تصدقين!!!

وفي هذه القصيدة يتدحرج من قمة السلم الذي ارتقى درجاته نحو الأمل والحب إلى الهوة المريحة؟ إلى الموت. لقد ابتلع النهر الفتى (النهر هذه المرة لا البحر) وأخذ أبوه يجري هنا وهناك يسأل عنه المياه، ويصرخ في وجه النهر داعيا فتاه؟ وفي يده مصباح يرتعش ورعشاته ترسم هاتين الكلمتين: " محال يراه " ، وفي أثناء هذا البحث الملتاع أطلت من الماء صورتها تقول للوالد المفجوع؟ " لا لن تراه " ؛ هكذا يضطرب هذا الشريط اضطرابا شبيها بذبذبة المصباح المرتعش، وكأن الشاعر ما وجد المنتظرة إلا ليفقدها، فلو حاسبناه بحسب تسلسل قصائده لوجدنا ان حلاوة الوجدان لم تدم إلا أياما، ثم كانت آلام الفقد هي التي ترسم حروف هذا الشعر باللهيب والأنفاس المحترقة، ثم خلق الفقد معنى الملال بل معنى التغير والتلفت والخيانة والانطلاق إلى حبيب آخر.

وحين حمل الورقة التي جاهد في سبيل الحصول عليها خمس سنوات عائدا إلى قريته، كان يحمل معها أشلاء نفس هاوية، لا غذاء لها إلا الحسرة على ما كان؛ ليس الريف هو ذلك الريف الذي احبه، إنما هو خواء مقفر وخريف اصفر، يستيقظ الموتى فيه ليلا يتساءلون متى النشور؟ والردى يصيح في ضلوعه ليسمع التراب الذي كان " أمه "

(1/118)

ذات يوم، ويقول لها (1) :

غدا
سوف يأتي فلا تقلقي بالنحيب
عالم الموت حيث السكون الرهيب.

وإذا سمع أغنية في المقهى ثار به المجد وتساءل:

لم يسقط ظل القدر
بين القلبين؟ لم انتزع الزمن القاسي
من بين يدي وأنفاسي
يمناك؟ وكيف تركتك تبتعدين، كما
تترشى الغنوة في سمعي، نغما نغما!
وبهذه النفس الممزقة غادر الريف الجنوبي حين عين مدرسا في مدرسة الرمادي الثانوية، وتلك قصة أخرى، لم يحن حينها بعد.

تلك هي قصة هذا الحب كما يرويها الشعر، أما حظها من الواقعية فأمر محفوف بعلامات استفهام، ولكن مهما يكن حظها من الخيال، فأنها كانت ؟بعد الهوى الأول - أعمق العلاقات أثرا في نفس بدر، في حالتي الرجاء واليأس على التوالي، ولهذا خلدها في ديوان كامل هو ديوان " أساطير " وكانت آخر علاقة عاطفية قوية في حياته قبل الزواج.

وحين استيقظت ذكريات بدر بعد أعوام ؟وهو في الصحوة التي تسبق الموت - كانت " الشاعرة " هي الأخيرة ؟قبل الزوجة - في سلسلة اللواتي احبهن (2) :

وتلك؟ وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها

(1) أساطير: 68.
(2) شناشيل: 61 - 62.

(1/119)

شربت الشعر من احداقها ونعست في افياء
تنشرها قصائدها علي، فكل ماضيها
وكل شبابها كان انتظارا لي علي شط يهوم فوقه القمر
وتنعس في حماه الطير رش نعاسها المطر
فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسة
تؤج النور مرتعشا قوادمها، وتخفق في خوافيها
ظلال الليل. أين أصيلنا الصيفي في جيكور
وسار بنا يوسوس زورق في مائه البلور
وأقرأ وهي تصغي والربى والنخل والأعناب تحلم في دواليها
تفرقت الدروب بنا تسير لغير ما رجعه
وغيبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعه
فتذكرني وتبكي، غير أني لست ابكيها
كفرت بأمة الصحراء؟..

ويذكرها في قصيدة أخرى ؟وهو مريض بلندن - فيقول (1) :

ذكرت الطلعة السمراء
ذكرت يديك ترتجفان من فوق ومن برد
تنز به صحارى للفراق تسوطها الأنواء
ذكرت شحوب وجهك حين زمر بوق سيارة
ليؤذن بالوداع؛ ذكرت لذع الدمع في خدي
ورعشة خافقي وانين روحي يملأ الحارة
بأصداء المقابر، والدجى ثلج وأمطار.
وهنا وهناك تتأثر في هذه القصائد الأولى والأخيرة حقائق واقعية كبعض الصفات الحسية من طلعة سمراء وشعر اسود مسترسل، وزيارة

(1) منزل الاقنان: 71.

(1/120)

قامت بها " الشاعرة " إلى قرية السياب وركبت وإياه في زورق، ولهذا كانت صورة الشراع في ديوان " أساطير " هي احب الصور إلى نفسه.ولا ريب في أن بدرا صادق حين يقول: " واقرأ وهي تصغي " ، صادق فيما يذكره عن حديث السجن، ومن قبل ذلك كان يحدد عنصرا واقعيا هاما حين قال في ديوان " أساطير " : " وقف اختلافهما في الدين حائلا بينهما وبين السعادة " ؛ على انه بالغ حد السذاجة ؟وهو يحاول ان يؤكد واقعية ذلك الحب - في مقدمة الديوان: " وهناك شيء من الغموض في بعض القصائد ولكنني لست شاعرا رمزيا، وقد كنت مدفوعا إلى أن أغشي بعض قصائدي بضباب خفيف وذلك لانني كنت متكتما لا أريد ان يعرف الناس كل شيء عن حبي الذي كانت كل قصائد هذا الديوان صدى له، فقد كانت " موحية " هذا الديوان تغضب اشد الغضب إذا ذكرت شيئا عن قبلاتنا ومواعييدها، وكثيرا ما مزقت بعض القصائد التي كانت تشير إلى شيء تأبى هي ان يعرفه الناس، وقصيدة " أساطير " تكشف عن " العقدة " في هذا الحب ولكنها توحشت ببعض الغموض الذي تزيله المقدمة النثرية لهذه القصيدة (1) ، وكذلك الحال في قصيدة " اللقاء الأخير " ولولا أنها خانت هذا الذي كانت تسميه " النبي الوديع " لظلت هاتان القصيدتان غامضتين دون مقدمة يفهم منها القارئ ما اقصد " (2).

وان من السذاجة التي تشبه سذاجة بدر أن نتسائل عن مدى صدق تلك العلاقة، فالقلوب كوى مغلقة مظلمة حافلة بالأسرار مفعمة بالعجائب، ولكن بعض الناس يعتقدون ان الهوى يعمي ويصم، وانهم من موقف الخلي يستطيعون ان يروا ما لا يراه الشجي، (وويل للثاني من الأول) إذ لا تنسدل فوق أبصارهم غشاوة من شهوة أو هوى؛

(1) يعني إشارته إلى الاختلاف في الدين.
(2) أساطير: 7.

(1/121)

ولهذا زجر خالد صديقه ؟كما المحنا من قبل - لعله يرعوي عن الاسترسال في هواه ذات مرة لأنه فيه مخايل كاذبة؛ وقال مصطفى وهو يتشبث جاهدا بأهداب الموضوعية ليكون عادلا في حكمه عند الحديث عن حب بدر للشاعرة: " عاش أخي في قرية تنظر إلى المرأة نظرة محافظة، ولما هبط بغداد، لعله ؟أقول لعله - ظن الابتسامة تعني حبا؟. انني لا ادعي العلم بالمغيبات وأسرار الصدور، ولكن شواهد الحال كانت تقنعني انها تجامله أو أن شئت فقل: تعطف عليه " .

وقبل ان ينسدل الستار على هذه القصة كانت تجربة لقاء المنتظرة ؟ثم فقدها في سرعة - سبب خروج المرأة الواقعية من عالم بدر؛ لا اعني انه لم يعرف المرأة من بعد ؟عن طريق الحب قصيرا كان مداه أم طويلا - بل انه اصبح كلما خفق قلبه لطلعه جديدة هرب من بوادر الحب إلى فكرته الجميلة عن منتظرة تملأ الكوخ عند الروابي سعادة وهناءة، وأحيانا كان يتوهم ان هذه هي المنشودة ثم لا يلبث أن يدرك أنها ليست هي التي ينشدها. وقد لخص بدر هذا الصراع الطويل بينه وبين أحلامه بصراحة تامة فقال: " وكان عمري انتظارا للمرأة المنشودة وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة، وكنت اشعر أنني لن أعيش طويلا؟.. " (1) . ولكن الذي لم يقله بدر هنا هو ان هذا البحث عن المنشودة كان يحمل في ذاته عوامل الهرب منها ولهذا كان يسرع إلى تكذيب رائد قلبه أو يتعلل بتهمة التقلب والخيانة، وهو مشدود إلى وجه " الام " الذي يطل عليه متوعدا من تحت الثرى.

(1) أساطير: 8.

(1/122)

- 10 -

المعلم المفصول

بعد خمس سنوات دراسية نال بدر شهادة ب.ع. في اللغة الإنكليزية والأدب الإنكليزي من دار المعلمين العالية (لا تنس لفظة " العالية " فأننا سنحتاج إليها في المستقبل)، ويلخص بدر حصيلة ما درسه في القسم الإنكليزي بقوله: " فدرست شكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرومانتيكيين وفي سنتي الأخيرتين في دار المعلمين العالية تعرفت ؟لأول مرة - بالشاعر الإنكليزي ت.س. اليوت، وكان إعجابي بالشاعر الإنكليزي جون كيتس لا يقل عن إعجابي باليوت " (1).

لم اطلع على برنامج القسم الإنكليزي في دار المعلمين العالية، وعن عمد فعلت ذلك، لقلة احتفالي بما تمثله البرامج المكتوبة من فكرة إحصائية، فبين الجانب النظري والعلمي منها كثيرا ما يتسع البون. خذ عام الوثبة مثلا، وقل لي كم استطاع الطلاب أن يستوعبوا عمليا من البرنامج المكتوب؟ هذا شيء؛ وثمة شيء آخر، هو تفاوت الطلاب أنفسهم في القدرة على الاستيعاب؛ ولا ريب في ان بدرا كان ذا إحساس خاص نحو الأدب الجميل، ولذلك كانت قابليته لهضم ما يدرس أو يحفز التطلع إلى مزيد قابلية متفتحة إيجابية، ولكن ألا

(1) أضواء: 19.

(1/123)

يحق للمرء أن يتساءل كم كان نشاطه الحزبي يستغرق من وقته، وكم من الوقت كان يتبقى لديه لإشباع نهمته إلى الأدب؛ ثم لا بد ان يكون المستوى الذي يبلغه المتخصص في الأدب الإنكليزي محدودا بما تستطيع ان تيسره له دار المعلمين العالية حينئذ ولذلك يستطيع القارئ ان يسأل نفسه: ما معنى " درست شيكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرومانتيكيين " ؟ كم درس من شيكسبير، وماذا عرف من ملتون، وما مدى إلمامه بالفكتوريين ولم تجيء " ثم الرومانتيكيين " هكذا ضاربة وجه التأريخ الزمني بقوة؟ وليست هذه الأسئلة للتشكيك في معرفة بدر واطلاعه، ولكن ثقافة الشاعر أمر هام في تحديد المؤثرات التي تلقاها؛ ولو كنا نملك ان نحدد كل قصيدة قرأها، وكل كتاب درسه، لأفادنا هذا كثيرا في استبانة جوانب كثيرة من شعره، إلا أننا رغم ذلك سنشير إلى هذه المؤثرات حيث نجدها، حين نستطيع الكشف عنها،ويكفينا في هذا المقام ان نقول ان دراسته للأدب الإنكليزي ؟على تبعثر أجزائها وسرعتها وضعف مستواها - قد فتحت له نافذة يتطلع منها إلى غير الأدب العربي، اعني إلى الأدب الإنكليزي والآداب الأخرى المترجمة إلى الإنكليزية.

وكفلت له شهادته وطيفة معلم للغة الإنكليزية، فعين في مدرسة الرمادي الثانوية فانتقل إلى الرمادي وسكن في " احسن فندق بالبلدة " (1) . وبدأ نشاطه التدريسي (1948 - 1949)، ويقول بعض العارفين انه " كان له تأثيره الفعال على الطلاب لأنه كان يتحسس قضاياهم وكانوا هم يأنسون إليه وينصرفون بعد الصف إلى سماع شعره " (2) . أما هو فيقول شيئا آخر: " كان المفروض إنني مدرس للغة الإنكليزية ولكن الحق أني كنت اقضي اكثر من نصف مدة الدرس في

(1) الحرية، العدد: 1466.
(2) أضواء: 14.

(1/124)

التحدث إلى الطلاب عن الشيوعية؟. ورحت اشرح لهم مبادئ المادية الديالكتيكية وسواها من الأفكار الشيوعية، وكانت جميلة جذابة، فالشيوعية كما شرحتها ليست الذبح والحرق والنهب والقتل؟ الخ " . (1) وإذا لم يكن بين القولين من تناقض فانهما يتفقان في شيء من التعميم، فإذا عرفنا أن الفترة التي قضاها السياب في التعليم لا تتجاوز ثلاثة أشهر ونصف الشهر، أدركنا أنه لم يكد يثبت قدميه في هذا المجال حتى انتزعتا منه، قبل ان يكون له " الأثر الفعال في الطلاب " ، وقبل أن يجد الفرصة الكافية ليتحسس قضاياهم. وأما قول السياب: " ورحت أشرح لهم مبادئ المادية الديالكتيكية وسواها من الأفكار الشيوعية " ، فأنه قول موهم. نعم ان الطلاب في تلك السن يحسنون الإصغاء والتلقي، والانبهار بكل جديد مستطرف، ولكن يجب الا يخجل القارئ من ان يسأل: ما مدى ما كان يحسنه السياب من ثقافة شيوعية، لا المقدار الذي يكفي الطلاب وحسب، بل القدر الذي يجب أن يعرفه مفكر ؟لا شخص عادي - ينتمي إلى حزب ما. ان شواهد الحال المستمدة مما نثره السياب في مذكراته تدل على ان مفهوماته عامة في هذا الصدد، كانت خليطا مشوشا مما يقرؤه في " القاعدة " أو في نشرات الحزب، بل وفي الأدب المضاد للاتجاه الشيوعي، والمروجات العامة عما تعنيه الشيوعية؛ وهذا يؤدي بنا إلى القول بأن السياب كان مصابا بنوع من " التنفج " إذا تحدث عن الثقافة، أية ثقافة، فهو إذا افتخر على بعض رفاقه العمال قال: " أنني قد قرأت معظم ما كتبه شكسبير في لغة الأصلية " ؟ " ان الأدب هو (شغلتي) وقد تخصصت بالأدب الإنكليزي في دار المعلمين العالية " (2) ، وأظن ان المتخصصين في الأدب الإنكليزي من غير دار المعلمين لا يقولون انهم قرأوا " معظم " شيكسبير

(1) الحرية، العدد: 1466.
(2) جريدة الحرية، من مقال بعنوان " أخلاق الشيوعيين " .

(1/125)

في لغته الأصلية، لا لأن هذا عمل معجز، بل لأن هذا التوفر على شيكسبير يعني " الانقطاع " لدراسته والتخصص فيه لا في الأدب الإنكليزي عامة، حتى يكون لقراءته معنى غير معنى التسلية. ومن هذا القبيل حديثه عن " مكتبته التي كانت عامرة ذات يوم بمختلف الكتب الشيوعية من أدبية وسواها " (1) ؛ وقد طلبت إلى مصطفى أن يحدثني عن الجو الثقافي الذي كان يحيط ببدر في البيت، قبل الزواج وبعده، وإنما عمدت إلى هذا ليكون حديثه اخباريا وصفيا، دون أن أذكر له شيئا عما زعمه بدر، فإن ذكره على هذا النحو قد يثير فيه روح النقض بعد أن حدث بين الأخوين من التباين في الرأي ما حدث - فقال: " كانت اكثر قراءاته في الشعر، كان يكثر قراءة ت.س. اليوت، وشيكسبير، وكانت لديه مكتبة بسيطة؟ " ، ولست أجد سببا للطعن في رواية مصطفى، لأنها كانت عفوية نابعة من الاسترسال في الخبر غير مدفوعة بروح النقض أو التحدي.

ولم يكن للحزب الشيوعي في الرمادي من اتباع ولذلك كان بدر وزميل له في التدريس تخرج وإياه في دار المعلمين، وطبيب غير عراقي، هم كل من يمثل الاتجاه الشيوعي فيها حينئذ، وسرعان ما أخذ أهل البلد يتحدثون فيما بينهم بأمر بينهم بأمر الأستاذين الشيوعيين، والشابان غير ملقيين بالا لما يقال عنهما، مندفعين في سبيل إقناع الطلبة باعتناق المبدأ الذي يبشران به (2) .

وحين رأت الحكومة أن الذكرى الأولى للوثبة (27 كانون الثاني 1949) قد أصبحت وشيكة، لجأت إلى حيلة تتفادى بها ما قد يقوم به الطلبة من عنف أو اضطراب، فأوعزت إلى وزارة المعارف أن تمنح

(1) الحرية، العدد: 1469.
(2) الحرية، العدد: 1466.

(1/126)

المدارس عطلة ربيعية مبكرة، بحيث تحل الذكرى والطلاب بمنأى عن التجمهر، وقد آب كل منهم إلى بلده؛ وهكذا كان، فحزم بدر أمتعته عائدا إلى قريته، وبينما كان في محطة القطار سمع الناس يتهامسون بأن وزارة المعارف قد فصلته من وظيفته، وحسب ذلك شائعة تتردد على الأفواه لأنه لم يبلغ بشيء من ذلك.

وما كاد يصل القرية حتى أنبأه أبوه بأن الشرطة جاءت تسأل عنه، وربما كانت لها عودة، فليحتط للأمر، وليحاول الاختفاء إن قدر على ذلك، غير أنه اطمأن إلى الجو الماطر، وحسب أن الشرطة لن تتجشم البحث عنه مخترقة الأزقة القروية الموحلة، إلا أنه فوجئ بهم في اليوم التالي يطرقون عليه الباب، وقادوه معهم إلى المخفر موقوفا، فقضى يوما في أحد سجون البصرة ونقل من ثم إلى بغداد، وإلى موقف الكرخ بالذات، حيث وجد كثيرا من الرفاق ومن أعضاء حزب الشعب ومن أعضاء حزب البارتي الكردي (1).

كانت الحكومة العراقية عام 1948 قد أعادت محاكمة " فهد " ورفاقه موجهة إليهم تهمتين: اولاهما أنهم ظلوا يوجهون الحركة الشيوعية من داخل السجن، والثانية أنهم تبعا لذلك مسئولون عن أحداث الوثبة في كانون. وفي شهر شباط (فبراير) 1949 نفذ حكم الإعدام في كل من فهد والشبيبي وزكي بسيم ويهودا صديق، وبينما كان بدر والرفاق من حزب فهد يقضون ايام التوقيف ولياليه في الأناشيد والأغاني وممارسة الألعاب ومطارحة النكت، بلغهم النبأ ذات يوم بأن قادتهم سيشنقون غدا (ولم يذكروا يهودا صديق بين من سيلحقهم الإعدام لأنه كان قد خان مبادئ الحزب في نظرهم) فسيطر عليهم الوجوم؛ لم يبك بدر رغم أنه حاول البكاء فاستعصت عليه الدموع؛ كان البكاء حينئذ يعني أنه

(1) الحرية، العدد: 1471.

(1/127)

جاوز مرحلة الصدمة إلى مرحلة التأمل فيها والحسرة بسببها، وكان ؟وهو الشيوعي المخلص يومئذ - لا يصدق أن حكم الإعدام سينفذ حقا، لأن الجماهير الغاضبة لن تتخلى عن قادتها، وإنما ستهاجم السجن وتحطم أبوابه وتطلق سراح المعتقلين، وتفوت على الحكومة الرجعية مآربها.

وفيما هو غارق في هذا البحران الذي يمثل حمأة من اليأس المتفائل سمع في إحدى جهات المعتقل أصوات غناء ورقص وتصفيق، ولما استوضح حقيقة الأمر عرف أن أعضاء حزب الشعب كانوا يعبرون بذلك عن شماتتهم بفهد ورفاقه: " كانت صفاقة منهم ما بعدها صفاقة، فسبحان مغير الأحوال، لقد أصبح قادة حزب الشعب (الانتهازيون، الجواسيس، العملاء، كما كنا نسميهم ؟نحن الشيوعيين - آنذاك) هم قادة حزب الرفيق الخالد فهد الذي ما زال الحزب الشيوعي العراقي يعتز به، فصورته ؟مكبرة - معلقة في إدارة جريدة اتحاد الشعب؟ " (1).

أصيب الحزب الشيوعي بانتكاسة شديدة اثر إعدام قادته في شباط، وفي حزيران من نفس العام أعدم ساسون دلال، وفيما بين التاريخين، أخذت الدولة تعتقل كل من كشف عنه شهادة مالك سيف؛ وعاد بدر إلى قريته بعد أن قضى في الموقف حوالي ثلاثة أشهر، فاقدا وظيفته، فوجد يد الحكومة قد امتدت إلى قريته أيضا، فاعتقل عمه عبد المجيد ؟معتمد الحزب الشيوعي في ابي الخصيب - ثم حكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات، ثم سيق بدر بعد فترة قصيرة إلى المجلس العرفي ببغداد، وقد حكم عليه بالربط بكفالة شخص ضامن، مقدارها خمسة آلاف دينار، وكان الضامن هو والده؛ وعاد مرة

(1) الحرية، العدد السابق.

(1/128)

أخرى إلى القرية، ليجد أن أخاه مصطفى هو الذي يتولى القيام بأمر الحزب بدلا من العم السجين، ولكن دراسة مصطفى بمدرسة البصرة كانت تحتم عليه الابتعاد عن القرية، فلم يكن تحضر إليها إلا مرة في الأسبوع؛ وهكذا أصبح بدر هو المنظم الفعلي للشئون الحزبية.

تلك فترة حرجة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي كانت تنذر بتصدعه تماما، ولم تكن الروابط العقائدية والحماسة النظرية كافية للم الشمل والحفاظ على تماسك الحزب، وخاصة لمن مثل بدر يعمل في منطقة من الريفيين البسطاء الذين لا يدركون شيئا من المادية الديالكتيكية والصراع الطبقي وحتمية التاريخ؛ وكانت الوطأة التي صبتها الدولة على الحزب لحل روابطه وتفكيك عراه قادرة على أن تخفيف أولئك البسطاء وتجعلهم يفصمون علاقتهم به، ولهذا كانت أية وسيلة تسوغ الغاية، والغاية في هذا المقام هي الاحتفاظ بكل عضو منتسب والحيلولة دون انفصاله، ولم يتردد بدر نفسه في التهاج هذه المكيافلية، فأخذ يجزل الوعود ويبذلها دون حساب للفلاحين، ورسم بمعاونة بعض الحزبيين الكبار خريطة لبساتين البلدة، وعين لكل فلاح حصة فيها، وأخذ يدور بهذه الخريطة على الفلاحين، فاقتنوا لسذاجتهم وطيبة قلوبهم بتلك الوعود (1) ؛ أقول: إن بدرا نفسه يعترف بأنه لم يستنكف من انتهاج هذا الأسلوب المكيافلي، وهو مدرك تمام الإدراك أنه قائم على الزيف والكذب، مقدما على ذلك لحراجة الظروف التي يمر بها تنظيمه الحزبي، وفي التنظيمات الحزبية أشياء كثيرة من هذا القبيل، حيث يضحى ببعض القيم العقائدية تحت وطأة ظروف واقعية، لا تقبل الانصياع لمنطق تلك القيم.

وهبط القرية ذات يوم " رفيق " من أعضاء اللجنة المركزية للحزب

(1) الحرية، العدد: 1472.

(1/129)

ينوي السفر إلى إيران، وهو يحمل مالا وعناوين ورسائل ومنشورات حزبية، فقام بدر مع رفاقه الآخرين باستقباله ةتهيئة الوسائل الكفيلة بإبلاغه آمنا إلى هدفه، يقول بدر: " وعلمته ثلاث طرق لإخفاء الرسائل الحزبية التي تكون صغيرة الحجم عادة: في قفل شنطته بعد أن يخرج محتوياتها أو أن يلفها حول ثدي قلمه (طلمبته) " (1) ؟ونسي بدر الطريقة الثالثة - ولكن الرجل كان قليل الخبرة هيابا، فلما فأجأه شرطي الحدود قدم له رشوة ضخمة ورقة فئة العشرة دنانير - فارتاب الشرطي في أمره وقدر أن يكون يهوديا هاربا من العراق، فلما مثل أمام التحقيقات الجنائية، اندلثت الاعترافات من فمه طيعة غير منكبحة، وأدت فيها أدات إلى اعتقال مصطفى السياب فوقع الاختيار على عبد اللطيف ناصر (الذي كان يحلو له أن يلقبه الناس لتفينوف) منظما للحزب في أبي الخصيب، وربما كان الاحتقار الشديد الذي يكنه بدر للتفينوف (2) هذا من الأسباب القوية التي جعلته يتشكك في قيمة الانتماء إلى الحزب، ولكن الأمر لم يتخذ كل هذا العمق في نفسه لأنه نأى مؤقتا عن ما يصله بلتفينوف وتصرفاته حين وجد لنفسه عملا في شركة نفط البصرة (3) .

وكان بدر في وظيفته الجديدة ينتمي إلى فئة الكتبة في الشركة لا إلى العمال، وكان من السهل على سلام عادل مسؤول اللجنة المحلية في البصرة أن يعرف موضعه وأن ينده بصحيفة " القاعدة " وغيرها من منشورات الحزب، ويتخذ منه عضوا نشيطا في العمل والحركة، ولكن التنظيم العمالي كان بسبب قوته العددية وقدرته على إيجاد الأسباب

(1) الحرية، العدد السابق.
(2) يقول عنه في العدد ذ441 " فلاح من ذوي قرباي سخيف غاية السخف جاهل غاية الجهل وان كان يدعي العلم والمعرفة " .
(3) الحرية، العدد: 1477.

(1/130)

التي تسوغ الشكوى من سياسة الشركة أسرع إلى تنفيذ أوامر الحزب بالأضراب، ولم يكن كتاب الشركة عمالا بالمعنى الدقيق، ولهذا فانهم لم يتقيدوا بتلك الدعوة، مما أثار غضب العمال، فانهالوا في الصباح على أحد الكتاب وهو ذاهب إلى عمله ضربا وركلا، وفيما كان بدر وبعض الكتبة يقتربون من موقع الحادثة، عرفوا الخبر، فقرروا ؟ من باب طلب السلامة - أن يشاركوا العمال إضرابهم. وفي ذلك اليوم اجتمع الكتبة في حديقة أم البروم، واندفع بدر يخطب في رفاقه الكتبة ويحثهم على عدم التخلي عن إخوانهم، في هذا الموقف، فاستجابوا لكلمته، واختيرت لجنة لتنفيذ الإضراب كان هو أحد أعضائها. وقد استمر الإضراب مدة غير قليلة تعرض فيها العمال صابرين لضيق ذات اليد، فرأت فئة الكتبة أن تنقذ الموقف بالوساطة بين الشركة والعمال، وألمحوا إلى الشركة من طرف خفي أن العمال قد يقومون بأعمال عنيفة وربما عمدوا إلى حرق المخازن والخزانات، فواقف المسئولون فيها على تلبية مطالب العمال، وعد بدر ورفاقه هذا نصرا عظيما إذ كانوا يعلمون أن الإضراب سائر إلى الإخفاق، وأن كثيرا من العمال كانوا قد قرروا استئناف العمل لما بلغته حالهم من سوء (1).

ان عمل السياب في شركة نفط البصرة، يطوي من صفحات حياته اكثر عام 1949 وجانبا من العام التالي، وليس لدي ما يعينني على القطع اليقيني بسبب عودته إلى بغداد: هل فصل أو اختار العودة إلى الحياة الادبية؟ والامر الأول أقرب إلى طبيعة الأوضاع، إذ من المستبعد ان يكون نشاطه الحزبي قد ظل خافيا على الشركة، وهكذا وجد نفسه عاطلا عن العمل، فعاد إلى بغداد يبحث عن الرزق والشهرة الأدبية معا. وفي عام 1950 اصدر ديوانه الثاني " أساطير " .

(1) الحرية، العدد: 1477.

(1/131)

- 11 -

أساطير

ديوان " أساطير " مقصور على نتاج السنة الأخيرة التي قضاها السياب في دار المعلمين (1947 - 1948)، لا يتعداها إلا إلى الأشهر القليلة التي عاشها مدرسا في الرمادي، فهو ؟باستثناء ثلاث قصائد يستشرف فيها المنتظرة - يمثل اهتداءه إليها ثم فقده لها وانفعالاته التي عصف بنفسه، على صور مختلفة، في أثر ذلك الفقد؛ ولا يشذ عن ذلك إلا القصيدتان الأخيرتان في الديوان، أعني " خطاب إلى يزيد " و " إلى حسناء القصر " وهما دون تاريخ. ورغم ان اتجاهه العام في الديوان ما يزال يعبر عن اختلاجه في سكرة الرومنطيقية، فان الديوان يصلح أن يتخذ جسرا واصلا بين الطرفين، إذ تبدو فيه الازدواجية على عدة أشكال.

وأول صور الازدواجية هو ما تفرضه الرومنطقية من نزاع بين قوة الحب وقوة الموت، ولهذا ما يكاد الشاعر يتحدث في قصائده عن روعة الحب أو عن ألم الفقد حتى ليرجف فرقا من الموت الرهيب؛ وهو بين هاتين القوتين يحاول أن يجد رجاءه في الخلاص منهما معا، ولهذا فرضت عليه هذه الازدواجية أن يستخدم صورا مزدوجة أيضا فإذا تحدث عن الهرب من الحب وقال " سأمضي " أحس بأنه واقف لا يستطيع حراكا:

(1/132)

- اني لغيرك؟. بيد أنك سوف تبقى، لن تسير
قدماك سمرتا فما تتحركان، ومقلتاك
لا تبصران سوى طريقي أيها العبد الأسير.
- أنا سوف أمضي فاتركيني؟.
- أنا سوف أمضي، فارتخت عني يداها، والظلام
يطغى
ولكني وقفت، وملء عيني الدموع.

وإذا استراح إلى " النافذة المضاءة " ؟وهي منفذ من الرجاء للمواقف المترقب - أحس أن الظلام قد أخذ يطغى على نفسه حتى حجب عن عينيه تلك النافذة؛ وإذا خفق قلبه " للشراع " ؟وهو يرمز إلى قصة المنتظرة من أولها إلى آخرها - وجد هذا الشراع " يذوب " - أي يتوارى وينطفئ رويدا:

شراع خلال التحايا يذوب

؟..

وشراع يتوارى

؟؟؟

ضوأ الشطآن مصباح كئيب في سفينة
واختفى في ظلمة الليل قليلا قليلا.

ولذلك كانت الصور الكبرى المسيطرة على قصائد الديوان هي صورة الإنسان السائر الواقف، والشراع القادم المتواري، والنافذة المضاءة المظلمة؛ وكان كل شيء يذوب: الشراع يذوب، والنعم يذوب، والشتاء يذوب، والغيمة تنحل، والأرجل التي تهم بالمشي تذوب، والأفق يذوب، والمصابيح تذوب، وهذا الذوبان يدل على الاستحالة وعلى التلاشي معا، ويعود فيجمع طرفي الازدواجية الرومنطقية في نطاق.

(1/133)

ومن صور الازدواج في ديوان اجتماع الشكلين القديم والحديث فيه، فبعض قصائده (ما عدا خطاب إلى يزيد) هي من المثلثات أو المربعات؟ الخ: أي تتحد القافية فيها في دورات تتكون الدورة فيها من ثلاثة أبيات أو أربعة أو أكثر؛ وبعضها الآخر يعتمد مبدأ التفاوت في عدد التفعيلات، ولكن الشاعر رغم اعتماده للشكل الجديد، فلما يغفل القافية في هذا اللون من الشعر، مما يكسب قصائده الجديدة اتساقا داخليا في النغم، كما انه قلما يقطع معنى ويستأنف آخر في الشطر الواحد (وهو أمر سيكثر منه في المستقبل)، ومعنى هذا أن ابتعاده عن الشكل القديم لا يزال يتم في تهيب وحذر، ولذلك فأنه يعوض عدم التساوي في الأشطار بتنغيم مقصود، من الترديد المعتمد وغيره، فلا يحس القارئ بأن الشاعر ابتعد كثيرا عن شكل الدورة الثلاثية أو الرباعية.

وقد تحدث الشاعر في مقدمة ديوانه عن هذا اللون الجديد ؟حينئذ - من الشعر، فرد إقدامه عليه إلى تأثره بالشعر الإنكليزي الذي يعتمد " الضربة " أساسا فقال: " وقد رأيت أن من الإمكان أن تحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة ؟رغم اختلاف موسيقى الأبيات - وذلك باستعمال الأبحر ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت إلى آخر، وأول تجربة لي من هذا القبيل كانت في قصيدة (هل كان حبا) من ديواني الاول (أزهار ذابلة)؛ وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولا عند كثير من شعرائنا الشباب، اذكر منهم الشاعرة المبدعة الآنسة نازك الملائكة " (1).

وهذا الإطراء للشاعرة نازك يخفي في طياته دعوة إلى تنازلها للسياب عن السبق إلى ابتداع هذا الشكل الجديد؛ وذكر الشاعر

(1) أساطير: 6.

(1/134)

لقصيدته (هل كان حبا) ؟وهي مما نظمه في عام 1946 أي قبل أن تنشر نازك ديوانها " شظايا ورماد " سنة 1949 - يؤكد غايته هذه التي ظل يدافع عنها كلما أثير الحديث عن أولية هذا اللون من الشعر. ولكن هنا وهما لا بد من تجليته: ذلك أن للسياب قصيدة واحدة نظمها قبل عام 1948 يزعم فيها انه اهتدى إلى شكل جديد، ولكتها قصيدة لم تنشق عن الشكل القديم إلا انشقاقا جزئيا طفيفا، لا يوحي لأحد من الناس بالجدة، بينما أصدرت نازك (عام 1949) ديوانا يجري أكثره على هذا الشكل الجديد، وفيه محاولات عامدة لابتكارات وتنويعات في داخل هذا الشكل نفسه، وفيه مقدمة نقدية دقيقة تدل على وعي بأبعاد طريقة جديدة، بينما تمثل مقدمة السياب لديوانه " أساطير " (1950) خلطا صبيانيا وسطحية في الفهم للشعر الإنكليزي. وليست نازك أقل ثقافة واطلاعا على الشعر الأجنبي من السياب، فمن الغرور أن يزعم السياب لنفسه أنه هو الذي أوجد طرية حاكاه فيها الآخرون. وقطع القول أن الشعراء الشبان في الشبان في العراق كانوا يتململون سأما من الشكل القديم، وأن السياب عثر عفوا على قالب صب قصيدته " هل كان حبا " ، وأن نازك وضعت مخططا عامدا للخروج بالقصيدة إلى شكل جديد، وأن كلا منهما كان يعمل مستقلا عن الآخر، متأثرا ببعض أشكال الشعر الأجنبي. وقد شاع " شظايا ورماد " اكثر من شيوع " أساطير " ، دون أن يكون ذلك راجعا إلى أيثار الناس للجودة أو الجدة، وإنما لمحض التفاوت في القدرة على التوزيع لدى موزعي الكتب، وهذا يعني أنه كان أسرع إلى التأثير في نفوس القراء ؟سالبا كان ذلك الأثر أو موجبا - ، وأن السياب نفسه لم يكثر من النظم على الطريقة الجديدة إلا بعد ان تعرف إلى محاولة نازك، واتضحت أمام عينيه أبعادها. بل أزيد فأقول: أن قصيدة السياب " في ليالي الخريف " إنما نسجت على مثال قصيدة " الأفعوان " لنازك. أما أن الشعراء من

(1/135)

بعد أخذوا يحاكون السياب اكثر مما يحاكون نازك الملائكة، فليس سره في الشكل وإنما مرده إلى المضمون، وقد كان مضمون السياب ؟من بعد ديوان " أساطير " - أقرب من ديوان نازك إلى ما يراد من الشعر الحديث أن يحققه. وقد أدرك السياب مؤخرا أن إلحاحه على تقرير الأسبقية لابتكار هذا الشكل لا يحفل بمجد كثير إذ تقرير " الأوائل " من الأمور العسيرة، فقال: " ومهما يكن فان كوني أنا أو نازك أو بالكثير أول من كتب الشعر الحر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم؛ وإنما الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه، ولن يشفع له ؟أن لم يجوز - أنه كان أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية؟. أن الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت وآخر، انه بناء فني جديد، واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وأدب الأبراج العاجية وجمود الكلاسية. كما جاء ليستحق الشعر الخطابي الذي اعتاد السياسيون والاجتماعيون الكتابة به " (1).

إن أدراك السياب أن " الشعر الحر اكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين واجر " - لا يمثل مرحلة ديوان " أساطير " لأنه ان كل الشكل الجديد قد جاء ليستحق " الميوعة الرومانتيكية " ، فان ذلك الشكل - على جدته - لم يخدم تلك الغاية في ديوان " أساطير " ، وإنما جاء ليخدم الرومانتيكية على نحو جديد، على أن من الانصراف للسياب أن نقول انه من بعد حلول الانعتاق من اكثر ما يمثله هذا الديوان.

ولكن إن كان المضمون أحد مسوغات الثورة في الشكل، فان المضمون الجديد الذي مارسه السياب جزئياً في ديوان أساطير، وكان

(1) العبطة: 37 - 38.

(1/136)

الشكل الجديد ملائما له، معتمد على الصراع الذي يشبه المرض بين العقل الظاهر والواعي الباطن، لا على الصراع بين الإنسان والقيود التي تعيقه عن التقدم في واقع الحياة، فهو صورة فردية للهلاس الناجم عن طغيان الاستبطان الذاتي، وهو حيث نابع من داخل النفس، فيه بعض من اضطراب الحديث النفسي وشيء من تشتت الهواجس، وترديد الذكريات في لوعة ممرورة. ولكن السياب لم يكثر من هذا اللون لان طبيعة القصائد التي تتحمل التعبير به لم تتح له الاسترسال فيه.

غير أن الشاعر كان عندما نظم هذا الديوان يعيش حياة مزدوجة فهو مناضل يشارك في الكفاح من اجل غايات جماعية، وهو منكفئ على نفسه يجتر آلام الحب المخفق، ويتحرم بقدس ذاته، وكلن هذا الازدواج متباعد الطرفين، فلما حاول أن يقرب بينهما في ثنائية يمحي الخط الفاصل بين شطريها سقط سقوطا واضحا، ولذلك كان ازدواج المضمون واضح الافتعال في هذا الديوان: فالشاعر الذي يحلم بالموت ويسمع صوت أمه تناديه يقف ليأسف على أنه سيمضي ويبقى " الطغاة " ؟ولا معنى لذكر الطغاة هنا لأن الشق الأول وهو موت الفرد كان ناجما عن فقدان الملاذ العاطفي، لا عن وجود الطغيان في هذه الحياة (1) :

سوف أمضي وما زال تحت السماء
مستبدون يستنزفون الدماء
سوف أمضي وتبقى عيون الطغاة
تسامد البريق
من جذى كل بيت حريق

(1) أساطير: 69، وقد تكون لفظة " الطغاة " إشارة مواربة إلى " الأب " ، وتكون القطعة جزءا من الثورة عليه، وهي بهذا التفسير نفسه لا تدل على ثورة حقيقية ضد الإقطاع وأصحابه.

(1/137)

والتماع الحراب

في الصحارى ومن أعين الجاعين
وفي مثل هذا الافتعال وقع الشاعر في قصيدة " إلى حسناء القصر " فهو مفتون بهذه الحسناء، مسرف في تصوير مدى هذه الفتنة، وهذا الإحساس الكامن يجعل تهديد الحسناء بزوال مالها وقصرها، وبثورة المضطهدين، وإراقة الدماء في سبيل الحرية ازدواجا مضحكا يفضح نوعا من الصبيانية في فهم النضال، فلو أن هذه الحسناء أشارت له بطرفها لانتهى كل الحقد على القصر وأصحابه من نفسه. والحقيقة أن الشاعر كان ما يزال يؤمن بالاتجاه الذاتي في الشعر لعجزه عن التخلي عنه، ولهذا فهو يقول في مقدمة ديوانه: " وقبل أن أختم هذه المقدمة لا بد من التعرض لمشكلة كثيرا ما ثار حولها الجدل، تلك هي رسالة الفنان في المجتمع: أنا من المؤمنين بأن على الفنان دينا يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه، ولكنني لا أرتضي أن نجعل الفنان ؟وخاصة الشاعر - عبدا لهذه النظرية، والشاعر إذا كان صادقا في التعبير في كل نواحيها، فلا بد من أن يعبر عن آلام المجتمع وآماله دون أن يدفعه أحد إلى هذا، كما أنه من الناحية الأخرى يعبر عن آلامه وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها أحاسيس الأكثرية من أفراد هذا المجتمع " (1).

وتبقى قصيدة " خطاب إلى زيد " شاذة في هذا الديوان: شاذة بشكلها فأنها على طريقة القصيدة الكلاسيكية، شاذة في موضوعها بالنسبة لباقي القصائد، لأنها تتحدث عن الظلم الذي يمثله مصرع الحسين. وأنا اعتقد أنها قصيدة متكلفة وأنها أيضاً لا تمثل روح السياب، الذي كان ؟في بعض اللحظات - يرى في الحجاج بطلا عربيا،

(1) أساطير: 8.

(1/138)

رغم ما قرأه في كتب التاريخ من أخبار (صحيحة أو مكذوبة) عن عسفه ولهذا فأنه اتخذ في قصيدته طريقة التهويل بالفاجعة والتخزن على الضعاف والصغار العطاش، دون أن توحي قصيدته بمعنى البطولة التي يمثلها الحسين في نفسه. واكبر الظن أنه لم ينظم القصيدة ثم لم يدرجها في ديوان يتحدث كله عن الحب إلا إرضاء لصديقه الأستاذ علي الخاقاني الذي تفضل بطباعة الديوان، وهذه خلة في السياب سنصادفها في غير موضع واحد، فقد كان سريعا إلى الترضية، حتى ليتنازل في سبيلها عن كثير مما يحرص عليه، وتلك ناحية استغلت فيه وأسيء استغلالها في بعض الاحيان، وأصابت بشظاياها قواعد بعض قصائده وغاياتها.

وليس من الطبيعي أن نقارن بين هذه القصيدة ؟وهي طريقة وحدها - وبين قصائده المبنية على الدورات، ولكن الشاعر ؟على وجه الإجمال - يضيق ذرعا بالشعر الجزل الجاري على نسق عال من البيان المشرق، وهو قد أتقن الوحدات الدورية اتقانا رفع درجة الانفعال عن طريق الصورة والعبارة، واصبح في حاجة إلى مزيد من التحليل إذ لا يكفي أن تكون دورات القصيدة دائما وعاء لسكب الانفعال، بل لا بد من نقل خلجات النفس على نحو تأملي دقيق، وذلك هو ما أتاحه له الشكل الجديد، فكان انتقاله إلى هذا الشكل خطوة طبيعية. غير أنك لا تزال تلمح بعض إمارات الضعف القديم في الوحدات الدورية، ولجوءا إلى الاضطرار، وعدم تبلور في الصورة، كما في قوله (1) :

الدرب تحرقه النوافذ والنجوم المستسرة ... سكران تدفعه الظلال وتشرب الأوهام خمره ... وهذا النماذج من الضعف تجعل الانحياز إلى الشكل الجديد أمرا ضروريا، لأن هذا الشكل يغنيه عن الاضطرار، وعن الحشو لاستكمال

(1) أساطير: 25.

(1/139)

النغمة الموسيقية، وعن التبدد في الصورة المركبة، وهو يمنحه حرية الاختيار، فيرفض ما لا يلتئم مع السياق العفوي، أو ينبو في موضعه عن نقل التيار النفسي.
غير أن هذا كله قد يبدو حين ندرس بعض نماذج الشكل الجديد محض فرض نظري، ذلك لأن السياب لا يزال يثقل هذا الشكل بما تتطلبه الدورة الشعرية من تنغيم كقوله:

في بقايا ناعسات من سكون
في بقايا من سكون
في سكون.

ولا يزال يسترسل وراء كل طاقة من طاقات الانفعال على حدة دون أن يستطيع ضفر تلك الطاقات في سياق داخلي ينتظم حركة القصيدة ويمتد بأمتدادها، فهو مشتت مضطرب، ويعجز عن أن ينقل اضطرابه على نحو منظم، وهو لا يشبع من إثارة ما في الزوايا وعرضه على الناس مفقدا القصيدة قدرتها على الإيحاء الكلي، في ظمأة المتعطش إلى أن يبوح ويبوح؛ وهو ما يزال أسير عرف شعري، يفرض به على نفسه بسط الجو العام أولاً، ووضع القارئ فيه، لأنه لا يزال يحتفل بالمقدمة التي تهيء نفسية قارئه للتلقي، وهذا قد يجوز، بل يكون ضروريا، أحيانا، ولكن إمعان السياب نفسه فيه يجعله نوعا من " الصناعة " المتكفلة التي يترسمها الشاعر خضوعا لنظرة اطارية تقليدية أو تهيبا من إلقاء الخطوط المعبرة دون مشرع تمهيدي مسطح يفترش أرض القصيدة فيبدو كالمنظر الطبيعي الواقعي من خلف صورة تعبيرية أو رمزية.

وكثيرا ما يكون هذا المشرع التمهيدي تحديدا لطبيعة الزمان والمكان والحركة ؟خارج نفس الشاعر - مثل:

(1/140)

في ليالي الخريف الحزين
حين يطغى عليالحنين

؟؟

في المقهى المزدحم النائي في ذات مساء
وعيون تنظر فيتعب
في الأوجه والأيدي والأرجل واللهب
والساعة تهزا بالصخب.

؟؟.

الكوكب الوسنان يطفئ ناره خلف الظلال
والجدول الهدار يسبره الظلام
إلا وميضا لا يزال
يطفو ويرسب مثل عين لا تنام.
وعلى النقيض من ذلك استغناؤه عن مثل هذه الفواتح، في مثل قوله، مطلع قصيدة:

والتف حولك ساعداي، ومال جيدك في اشتهاء
كالزهرة الوسنى؟.

وأوضح قصائده تمثيلا لهذا المشرع التمهيدي قصيدته " في السوق القديم " التي أوحت بها تلك الفترة القصيرة في الرمادي؛ فهي تنقل إلينا مزايا الشكل الجديد وعيوبه معا ؟في تلك المرحلة - وتتكون القصيدة من أحد عشر مقطعا، وينحصر الموضوع الرئيسي منها في الأربعة المقاطع الأخيرة (8 - 11) حيث يتحدث الشاعر عن من لقيته وتشبثت به توهمه أنها المنتظرة، منذ عام واحد، وأخذت تلح عليه بأنها هي الحبيبة:

أنا من تريد فأين تمضي فيم تضرب في القفار

(1/141)

مثل الشريد؟ أنا الحبيبة كنت منك على انتظار

وتنبأت له بأنه رغم هذا الحب لن يحقق حلم الشباب (بيتا على التل البعيد) وأوضحت له انها تحبه ولكنها لغيره، وحاول أن يتفلت منها (أنا سوف أمضي فاتركيني؟ دعيني أسلك الدرب البعيد، حتى أراها في انتظاري؟ أنا سوف أمضي). ولكنه وقف لا يستطيع حراكا وملء عينيه الدموع.

ولا ريب في أن هذا التفلت كان هربا نفسيا طلبا للراحة من الحب، وقوله " سوف ألقاها هناك عند السراب " هو العودة إلى الماضي الذي أصبح ميئوسا منه، والضمير في " ألقاها " قد يشير إلى الحبيبة القديمة، كما قد يشير إلى الأم، إلى الموت، أو الراحة المطلقة، وإلا فلا معنى للهرب من هذه التي طال انتصارها إلى أن أشرقت، " حتى أتت هي والضياء " . ولكن الشاعر بدلا من ان يجعل هذه النواة الهامة محور القصيدة أورد قبلها سبعة مقاطع فتحدث عن منظر السوق العام في الليل، وكيف أنه يثير الذكريات ويشرع على " نافذة تضاء،:

وارتج في حلق الدخان خيال نافذة تضاء

ثم تحدث عن تناثر الأضواء الضئيلة التي كشفت له عن كوب يحلم بالشراب، وعن المناديل الحياري تخفق كأنها تنذر بالوداع وصوت يغمغم " مات. مات " وعن الشموع المعلقة في السوق، وكيف نقلته رؤيته لها إلى تلك الشموع نفسها وهي تضيء المخدع المجهول، ثم يحدث تلك الشموع أن قلبه كان مثلها خفاقا وكان يحلم والأعوام تمر (شراع في أثر شراع)، يحلم بالصدر والفم والعيون، وكان ينتظر والصيف يحتضن الشتاء، وهو ما يزال واقفا كالمنزل المهجور تعوي في جوانبه الريح:

كالسلم المنهار لا ترقاه في الليل الكئيب

(1/142)

قدم، ولا قدم ستهبطه إذا التمع الصباح

وظل قلبه كذلك " حتى أتت هي والضياء " . ولا ريب في أن استثارة الذكريات أمر طبيعي، والسوق القديم قادرة على ان تبعث هذه الذكريات، إلا أن الشاعر أسرف في نثر الخطوط من حول المنظر، دون تناسب، فالكوب مجتلب في سلسلة الأشياء التي تهمه في الضغط على زر التذكر، والمناديل (مناديل الوداع أو مناديل النائحات) ليست ذات قيمة كبيرة في الصورة، وليس من تناسب بين وقفته عندها ووقفته عند الشموع؛ وليس من ضرورة لسرد الأدوات التي تثير الحلم، فقد طال ذلك الحلم حتى أصبحت اليقظة على الأبواب، وكادت القصيدة أن تتحطم، وكان في مقدور الشاعر أن يستغني عن تعداد مناظر السوق وهو يمشي، وأن يوجز ويثف في سرد تاريخ حبه المخفق، ولكنه عاد وكأنما يتحدث مرة أخرى بالذكريات التي نثرها في قصيدة " أهواء " ذات المنزع التاريخي. ولهذا اضطر أن يوجز ويكثف ؟وحسنا فعل - في قصة المنتظرة المتشبثة ببقائه. أن القصيدة كما ترى ليست خفقة أثارت صورة المنتظرة ثم كان من حديث ومد وجزر بينه وبينها، وإنما هي ثلاث مراحل : منظر السوق وأدواته ؟منظر الشموع وحدها وصلة الشاعر به وسرده لماضيه على مسامعها - منظر اثنين يلتقيان فجأة ويفترقان كذلك رغم التشبث اليائس. والصلة بين هذه الأجزاء الثلاثة نوع من التداعي الحر، وهي صلة واهية، لأنها يمكن أن تظل تثير عناصر جديدة إلى مالا نهاية. لهذا فان الشكل الجديد يجب ألا يخدعها بجدته عما تعانيه القصيدة من استطرادات وانتحاءات، تجعل تماسكها مرتبطا بأضعف الخيوط الشعرية، وهو تلاحم الأوهام. وكل من يتمثل القصيدة من الداخل يستطيع أن يدرك أن الشاعر لم يستطع أن يحلم وهو يمدد ذكرياته كالخشب المستعرض في وسط السوق القديمة كلما رأى منظرا من مناظرها، ولذلك كان حديثه إلى

(1/143)

الشموع يقظة ومقارنة ومقايسة (وهذا يمثل المقاطع 5 - 7) ففي الصلب من القصيدة (بين الرؤية التي تحاول أن تنقلب إلى رؤيا على وقع الأدوات التي تهيج الذكرى وبين الرؤيا التي تمثل الرؤية في العلاقة بينه وبين المنتظرة) وقف الشاعر يحاكم ويعارض وقد فتح عينيه منبهرا على مدى التشابه بين قلبه وبين الشموع. وهكذا لم يكن البناء الحلمي المفضي إلى الوقفة النهائية منسجم الجوانب، وذلك كله ناجم عن ميل الشاعر للتمزق العاطفي والثرثرة التي تشبه اعترافات المريض تحت تأثير المخدر. فالشكل الجديد لم يمنح القصيدة جدة، أي أنه لم يخلق فيها وحدة سوى وحدة السرد، وهي وحدة تحقيقها القصيدة القديمة بكل يسر.

وقد تسأل نفسك لم اختار الشاعر السوق محملا لذكرياته، وليس في السوق ميزة تفردها عن سواها في إثارة الذكرى، فالأدوات التي رآها موجودة في غير السوق، ولكن الحق أن السوق تنفرد بميزة لا تتوفر في سواها: فالمنظر ليلى، والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب، والسوق قديمة كئيبة، وهي ممتدة أمام البصر، فهي من حيث طابعها العام تثير الكآبة في النفس المغتربة المستوحشة، وهي بامتدادها وخطى العابرين فيها وغمغماتهم تمثل تيار الحياة، والشاعر طاف فوق هذا التيار، بين الجموع ولكنه ليس بينهم، يرى ولا يرى، ويسمع وكأنه لا يسمع، وفي طفوه معنى الحركة والسكون في ان، وهو السائر الواقف، اليقظ الحلم. تلك حالة تهيئها السوق حقا، وقد كان الشاعر واقعي الاستشارة حين جعل منها مفترشا لشعوره بالضياع والإخفاق، ولكنه لم يكن واقعي البناء حين أطال في التذكر والوقوف عند أداة إثر أداة في تلك السوق الكئيبة. وحسبنا هذا القدر من الوقوف عند هذه القصيدة.

وبعد ذلك كله يصلح ديوان " أساطير " ليكون معرضا لبعض

(1/144)

المؤثرات التي أخذت تفعل في توجيه شعر بدر؛ فقد كنا لمحنا في ديوانه الأول تأثره بعلي محمود طه وإدراجه لقطعة من قصيدة إنجليزية في إحدى قصائده، ولكن ديوان أساطير يدل على اتساع في التأثير، وان كان ما يزال تأثيرا خارجيا - نوعا من الإشارة العابرة أو التضمين. فهو يعرف أن لاليوت قصيدة عنوانها " الأرض اليباب(آو الخراب):

فلتنبت الأرض الخراب على سنا النجم الحزين
صبارها؟.

ويعلق على لفظة الأرض الخراب في الحاشية بقوله " عنوان قصيدة للشاعر الإنجليزي الراجعي ت. س. اليوت " ، وقد وظعنا خطا تحت كلمة " الراجعي " لأن السياب بعد سنوات سيعد اليوت اعظم شاعر حديث بالغة الانجليزية، ولكنه يصفه بالرجعية هنا نزولا على ما يتطلبه منه اتجاهه اليساري. ولا ريب في أنه كان قد قرأ شيئا من اليوت، إذ أن قوله في قصيدة " ملال " :

وأكيل بالأقداح ساعاتي

إنما هو الترجمة لقول اليوت: " قد رت حياتي بملاعق القهوة " (1) ، وهذه ظاهرة حقيقية بالتنبه، فان السياب كان يستعير الصور المترجمة ويدرجها في شعره، فيخفى مكانها على القارئ في درج النغم. وهو قد قرأ قصيدة للشاعر الإنجليزي Bridges يستشرف فيها السفن ويتملك الحنين إلى البحر، وما قول السياب في قصيدة القرية الظلماء:

إني سأغفو بعد حين، سوف أحلم في البحر
هاتيك أضواء المرافئ وهي تلمع من بعيد
تلك المرافئ في انتظار

(1) I have measured out my life with coffee spoons.

(1/145)

تتحرق الأضواء فيها مثل أصداء تبيد
سوى صدى لوقفة ذلك الشاعر الإنجليزي وهو يحلم بالسفن والبحار.
كذلك فان قوله في القصيدة نفسها:

والآن تقرع المدينة البرج الوحيد

لا يمكن أن يفهم دون ان يربط الفريد دي موسيه: " دعي ساعة البرج في قصر الدوج تعد عليه لياليه المسئمات واتركينا نعد القبلات على ثغرك؟ " - أقول لا يفهم قول السياب في سياقه دون هذا الربط، لأن السياب يصور نفسه في القرية بعيدا عن المدينة، فقرع ساعة البرج يثير في نفسه ذكريات السعادة التي صورها الفريددي موسيه في البندقية، ولكن سرعان ما يتذكر السياب أن جورج صاند تخلت عن صاحبها وغدرت بعهده، ولذلك يسرع إلى القول:

دعها تحب سواي تقضي في ذراعيه النهار ... وتراه في الأحلام يعبس أو يحدث عن هواه ... فهو يرسم التناظر بينه وبين دي موسيه، وبين صاحبته وجورج صاند من طرف خفي. وهو يعرف أيضا " كيتس " ، ويجد في نفسه صورة منه، لأنه كان يحس أنه سيموت مثله في سن صغيرة ويقتبس قوله في آخر قطعة كتبها (1) :

تمنيت يا كوكب ... ثباتا كهذا - أنام
على صدرها في الظلام ... وأفنى كما تغرب وقد اختار السياب أسطرا متفرقة متباعد من قصيدة كيتس، وتدل ترجمته على أنه لم يكن دقيقا في فهم الأصل ونقله.

(1) انظر أساطير: 83 وقارنه بقول كيتس في Golden Treasury ص228 - 229.

(1/146)

البحث عن الملحمة

(1/147)

فراغ

(1/148)

- 12 -

فجر السلام

ليس في قصائد بدر التي نشرت في دواوين أية قصيدة تحمل تاريخ السنوات 1949، 1950، 1951 ولكن على الورقة الأخيرة من ديوانه " أساطير " إعلان عن اقتراب صدور ديوان آخر عنوانه " زئير العاصفة " ؟ويوصف بأنه ديوان اجتماعي، وتحته إعلان آخر عن قصيدة " حفار القبور " وأنها " قصيدة طويلة شائقة ستصدر في كراس " ؛ وقد نشرت هذه القصيدة سنة 1952، أما " زئير العاصفة " فلا نعرف ما حل به ولا أي قصائد يحتوي، ولكنه ؟حسب الإعلان - يمثل الكفة الثانية في ميزان السياب، فإن كان " أساطير " يصور الناحية الذاتية العاطفية في شعره فليكن " زئير العاصفة " ممثلا للناحية الاجتماعية، وقد كان يحس في قرارة نفسه أن صدور " أساطير " عن شاعر ذي رسالة إنسانية ضخمة سيقابل بشيء من الفتور في بعض المجالات، ولذلك قال في مقدمته: " لا تزال لدي مجموعة ضخمة من الشعر الاجتماعي الإنساني ستطبع في المستقبل ستطبع في المستقبل القريب " (1) ؛ وكل ما لدينا من قصائده في هذه الفترة قصيدتان طويلتان هما فجر السلام وحفار القبور، ويشير الأستاذ محمود العبطة إلى قصيدة طويلة ثالثة

(1) أساطير: 8.

(1/149)

بعنوان " القيامة الصغرى " نشر منها مقاطع في جرائد بغداد (1) ويقول أنها كانت أهم القصائد وأحبها إلى نفس الشاعر، وهو يعتمد في هذا الحكم على إجابة لبدر سجلها (عام 1951) عن أحب قصائده إليه فقال: " أحب شعري إلي ملحمتي الشعرية (القيامة الصغرى) التي بقيت مبتورة لم تتم والتي أحاول جهدي إكمالها، وأحب كذلك قصيدتي (فجر السلام) و (مقل الطغاة)، وعلى كل فالإجابة بصورة صحيحة عن هذا السؤال متعذرة ولكن هذه القصائد آخر ما كتبت؟ الخ " (2) وقد كانت هذه الإجابة مرهونة بظروفها أولاً لأنها كانت تشير إلى أن الشاعر قد سار في نهج جديد وأن جدة هذا النهج كانت تحبب تلك القصائد إلى نفسه، لأنها ؟حد تعبيره - " آخر ما كتب " ، ثم هو يعلم حق العلم أن الذي سأله عن أحب شعره إليه كان صديقا ذا ميول يسارية، ولذلك فان التنويه بهذه القصائد ؟دون سواها - يرضي ذلك الصديق مثلما يرضي بدرا نفسه وهو في غمرة الحماسة لنزعته اليسارية ولأثرها الموجه، في شعره.

ولكن الشاعر ؟بعد سنوات - أخذ ينظر إلى قصيدة " فجر السلام " بشيء من التردد، وقد يلمس القارئ في صيغة حديثه عنها ؟وان كانت تقريرية - جانبا من الندم المتزج بالسخرية، وذلك حين يقول: " أن تلك القصيدة كانت من الشعر الشيوعي النموذجي فقد شحنتها بأفكار حركة السلم: تحدثت عن أشكال السلام في البلدان الاشتراكية والبلدان الاستعمارية والرأسمالية والبلدان المستعمرة وشبه المستعمرة؟. ولم أنس أن أتحدث عن الأم الرءوم حصن السلام والاشتراكية فقلت:

(1) العبطة: 13.
(2) العبطة: 88.

(1/150)

هناك يرين السلام ... كأهداب طفل ينام
وحيث التقت ترنو ... عيون الورى في وئام

برغم اللظى والحديد ... (1) نمت زهرة للسلام " وقد نشرت قصيدة " فجر السلام " في ذلك الحين ؟ أخذها بعض الرفاق ونشروها دون أن يذكروا اسم ناظمها، وكان ذلك اقتراحا من بدر نفسه (2) ، وقد عني المحامي عطا الشيخلي بتقديمها إلى القراء في كراس خاص، ثم طبعت مرة ثانية ضمن مجموعة عنوانها " هديل الحمام " ؟قام بجمعها ونشرها باقر الموسوي (دون أن يذكر تاريخ الطبعة)؛ وصدرت هذه الطبعة الثانية بمقدمة لعل السياب هو الذي كتبها تصور غاية حركة السلام ثم تورد توضيحا لبعض أجزاء القصيدة.

وكانت خطة القصيدة ذهنية واعية تعتمد مبدأ التقابل بين جانبي الخير والشر، بين السلم والحرب، بين الإيجابية والسلبية: فالهول الذي تمثله الحرب يتطلب نغمة متفجرة، شديدة الوطأة، صخابة الجزالة، ثم تتلوها نغمة كالأغنية الرقراقة تمثل وداعة الحياة وهناءة العيش في ظل السلام، ولكن الشاعر لم يستطع أن يحتفظ دائما بهذا الشكل الصناعي على انسجام في التراوح بين الجانبين، ولم يبق لديه من الانسجام سوى النقلة من وزن البسيط (الذي يمثل جلبة الحرب والدمار) إلى أوزان اهدأ منه لتمثل سمات السلم في حياة بني الإنسان.

ففي الدورة الأولى صور تكالب تجار الموت على ان يقطعوا يد الشعب الخيرة البناءة بإثارة حرب جديدة، وسرعان ما ترك هؤلاء التجار يجمعون حطبهم لإضرام النار، والتفت إلى حمى السلم الآمن أو ما سماه " الأم الرءوم " فصور العيون التي يغازلها الرجاء، والعذارى

(1) جريدة الحرية من مقال بعنوان " شعاراتهم الجماهيرية " .
(2) المصدر نفسه.

(1/151)

وهن يحملن السلال في مواسم الحصاد، وشيخا قد كسر حراب الطغاة ودفنها في الجليد واستنبت بدلها ضوء الصباح الجديد، وتأمل السلام وهو يضحك في الحقول والأغاني والمعامل والمدن الضاحيات ورأى زهرته ترف رفيفها الجميل.

وفي الدورة الثانية صور الحرب وقد فتحت شدقها الواسع تحاول ان تلتهم كل ما يقع في طريقها:

شدق يزيد اتساعا كلما رفعت ... ستر الدجى خفقت من كوكب غربا
آلى على الأرض ان يجتث عاليها ... سفلا ويصفع من يأتي بمن ذهبا
ولا يريق دما إلا وأضرمه ... نارا وذرى رمادا منه أو لهبا

تسعى به الريح في الآفاق ناسجة ... للشمس من جذوة أو من دم حجبا وفيما هو يصور ويلات الحرب وكيف أصبحت الأرض " كالأبرص المنبوذ " وتكدست الأجساد تنضح قيحا، علق نظرة بأجساد النساء الجميلات وقد انمط ثديا كل امرأة منهن كالعجين الرخو، فقطع الوصف، وأخذ يتذكر ما كانت تلك المرأة تمثله من جمال:

كم عاشق كانت أمانيه أن ... يرتشف النور على جيدها وبهذه الالتفاتة، وهي تصور مبلغ حرص السياب على ما حرمه من حديث عن المرأة في مثل هذه القصيدة الغائية، فقد السياب ذلك التوازي الذي حققه في المقطع الأول بين هول الحرب ووداعة السلم في اتساق متعادل، وانحاز بنظرة إلى جزئية صغيرة من خيرات السلم.

وفي الدورة الثالثة تحدث عن القنبلة الذرية وفعلها في تشويه الآدميين، وحاول أن يوازي بين الهول في أثرها والتهويل التعبيري، وسماها " ظل قابيل " :

إذا تضرم فاندك الفضاء جذى ... غضبي ونش الدم الفوار والعرق

(1/152)

وانقض من حيث تهوي الشمس غاربة ... ليل من القاصفات أو شفق
جن الرضيع الذي يحبو وهب على ... رجليه يعدو ويلوي جسمه العنق

من فرط ما طال واسترخى وقد صهرت ... أعراقه الزرق نار فيه تختنق وحين أطبقت الظلمة إطباقاً أطلت من الأفق الذي يفتحه الشروق أيد تلوح بالسلام، وتوزع بين الناس نداء تتجمع حوله جميع رغباتهم هو نداء أنصار السلام في كل مكان. وهكذا جاءت هذه الدورة الثالثة منسجمة مع الأولى في رسم صورتي الظلام والنور.

وبدلا من أن يمضي الشاعر في رسم دورة جديدة ترجم فحوى النداء إلى شعر، فقدم صورتين متناقضتين إحداهما عن الأب والأم والزوجة والابن والجيران (ولكل واحد مقطع خاص) وهم يعانون أثر القنبلة الذرية والثانية عن صورة هؤلاء جميعا وهم يمارسون شئون الحياة في السلم، - وما أبعد الفرق بين الحالتين - ودعا من يستطيع رؤية الفرق الشاسع بينهما إلى التوقيع على نداء أنصار السلام، لأن هذا التوقيع يوقف الدم والدموع عن الانحدار، وعندئذ يتجلى الشاطئ الضحاك والقمر الطروب، وتتنفس الأضواء، وترفرف أجنحة حمامة السلام، والأطفال من ورائها يرمقونها بأعين ندية بالإخاء.

ولكن هذا كله لا يتحقق إلا بالثورة على العبودية وتحطيم الأغلال، ولهذا صور الشاعر في الدورة الختامية كيف بدأ ليل الاستعباد يزول، وثارت الأمم المستعمرة ؟والشرق في طليعتها - فحطمت الأغلال، ورفعت رءوسها أمم كانت مثل سيزيف مشدودة إلى الصخر، وكان يخدعها تجار الحروب فيعطونها الدراهم لتقتات باليسير، ويتحول القوت في عروقها إلى دماء تراق على مذابح الحروب، فهؤلاء العمال بئر من الدم سيغرق فيها الجيل المقبل وهكذا، وتبدو هذه الفكرة طريفة، ولكن تعبير الشاعر القاصر عن أدائها قد جعلها كالأحجية:

(1/153)

وابتاع بالدرهم المجبول من دمها ... فيض الدم الثر فيها شر تجار
واستأجروها لصنع الموت منه لها ... بالزاد يبقى دما فيها لجزار

أعمارها مثل بئر للدم ابتلعت ... جيلا سواها بهن ابتاعه الشاري وهذا يعني أن نداء السلم قد عم الكون ولذلك عاد الشاعر فكرر في ختام قصيدته تلك المقاطع التي عبر فيها عن أصالة هذا النداء وعن حمامة السلام التي نشرت جناحيها فلكما ظلماء الحروب ومهدا لطلوع الفجر - فجر السلام.

فالقصيدة تتكون من أربع دورات، في كل دورة شقان متقابلان ؟وبين الثالثة والرابعة يقع نداء أنصار السلام (وهو قائم على التقابل أيضاً بين صورتين)، وقد كان هذا الشكل صالحا لهذه القصيدة، لأن الوعي الذهني هو الذي يرسم لها كريقها، لو أن الشاعر أحسن الالتزام بصناعة البناء، وخاصة في فترات الارتداد من دنيا الأهوال والمخاوف إلى أحضان الهدوء، ولكنه لم يفعل، كذلك فان إيراد نداء أنصار السلام جاء دخيلا على هذا المبنى الواضح (وان التزم فيه الشاعر مبدأ التقابل)، أن التعاقب بين الخير والشر في بناء القصيدة هو خير ما فيها لأنه يضع الذهن في موضع المفارقة والمقارنة، وعن طريق ترسيخ هذا التأثير في نفس القارئ حاول الشاعر ؟واعيا - أن يقول كل ما يجعل الحرب كريهة لديه وأن يجعل السلم جميلا في عينيه، أي أن القصيدة تراوح مستمر بين التقبيح والتزيين؛ وإذا استثنينا حرصه على التدرج في بناء الشق الأول ؟أي رسم صورة مخيفة للحرب - فانا نجد أن قصيدته تشكو من نقص أساسي وهو عدم التمايز بين الدورات في طبيعة الموضوع الذي يعالجه، كما أن فيها معالجة من يعييه التعبير، وهذا يظهر على أشده في فترات الهدوء، أما في تصوير الرعب والفزع فقد حاول أن يغطي بصوت الهدير اللفظي على قصور عباراته، فوفق إلى حد إلا إن المدقق في أبياته يلمح معاناة شاعر مبتدئ متفاوت

(1/154)

الصياغة مضطر إلى الحشو، يحلق ويسف في البيت الواحد، ويركب ألفاظا لا تؤدي ما يريده من معنى إلا بالتعسف في التأويل.

ان قصيدة " فجر السلام " ؟رغم ما يعتريها من سمات الضعف الفني - ومعها قصائد مثل " القيامة الصغرى " و " مقل الطغاة " ، تومئ إلى تحول لدى السياب في الموضوع الشعري، بعد ان كان قد مارس التحول في الشكل في بعض قصائد ديوانه " أساطير " ؛ لقد أدركه الشبع من ذلك الشعر الذاتي الذي يعرض فيه مواجده على الناس، واخذ يحاول التوفيق بين فنه ومبدأه الذي يعتنقه، حتى خيل إليه في لحظة انه لن يكتب من بعد بيتا واحدا من الشعر الذي يشبه ما تضمنه ديواناه " أزهار ذابلة " و " أساطير " (1) . ولذلك صرح للأستاذ العبطة (1951) بأنه يكره الشعر الذاتي بل انه يعتبر الشعراء الذاتيين عملاء للاستعمار حتى وان لم يشعروا هم بذلك قال: " واهم خطر يجب علينا أن نحاربه أولئك الذين ينشرون الأفكار الانحلالية ويحاولون ان يخدعوا الجماهير بأن لا فائدة من نضالها، لأن الحياة شيء تافه لا يستحق كل هذا الاهتمام وان البؤس مقدر على البشر " (2) ؛ وأضاف انه يرى ان الشعر السياسي ؟رغم قصوره - افضل من الشهر الذاتي لأنا لو " نظرنا إلى الأمر نظرة عميقة لوجدنا من يقول: متى تتحرر من المستعمرين موازيا من حيث الفن لمن يقول متى ارى حبيبتي، إضافة إلى انه أنبل شعورا وأوسع نظرة " (3).

لهذا فان قصيدة " فجر السلام " ليست هامة في ذاتها، وإنما تكمن أهميتها في أنها خط فاصل بين عهدين، أو قل بداية عهد جديد يسميه الشاعر العهد الإنساني، ويؤكد فيه ضرورة الخروج من صدفة الذات

(1) العبطة: 88.
(2) المصدر نفسه.
(3) العبطة: 89؛ وسنجد من بعد أن السياب تخلى عن هذا الرأي.

(1/155)

لعرض المشكلات الإنسانية الكبرى. ومن الهام ان نتذكر بأن الموضوع الشعري رغم جدته وبعده عن الموضوع الذاتي القديم لم يتطلب شكلا جديدا أو قالبا خاصا من التعبير، وان السياب لم يجد خيرا من البحر القديم والتعبير الجزل الهادر ليعبر بهما عن آلام الحروب وبشاعتها. وقد رأينا ان اختيار هذا الشكل لم يكن مسئولا عن سمات الضعف الفني الذي لحق القصيدة؛ واذن فنحن أمام قضية هامة: في قصيدة " السوق القديم " استغل السياب شكلا جديدا لموضوع أزلي وأخفقت قصيدته، وفي " فجر السلام " ذات الموضوع الجديد استغل شكلا قديما وأخفقت قصيدته. وعلى هذا لا يحق لنا أن نقول أن الشكل هو الحقيق بإنجاح القصيدة ولا ان الموضوع هو الذي يستطيع أن يجعلها فنية، وإنما هو تلك الموهبة التي تستطيع ان تسخر أي شكل ملائم وتستغله لموضوع ملائم، وان الجدة في الشكل لا تصنع شعرا جديدا كما أن الجدة في الموضوع تعجز عن ذلك.

وقد يقال دون عناء إن السياب كان يجرب، فمرة يضع الموضوع القديم في شكل جديد ومرة يعكس الآية، حتى إذا استقامت التجربة وصلحت، ظهر نجاحه، وهذا أمر لست أناقشه لأن معناه ان الشاعر وجد طريقه الصحيح، ومن أبدى مثل هذا الرأي كان عليه ان يفسر لم يخفق موضوع جديد في شكل جديد فذلك أمر يدل بداهة على أن ممارسة الأمرين معا ليست كفيلة بالتميز الفني في كثير من الأحيان.

ولنعد إلى قصيدة " فجر السلام " : ان الطول الذي تتمتع به هذه القصيدة وأخواتها في الفترة نفسها يشير إلى ان الشاعر لم يحاول تحولا في الموضوع وحسب وإنما وجد نفسه ينتقل من دور القصيدة الأغنية ذات الطول المقتصد إلى القصيدة الطويلة، وقد شجعته قصيدة " السوق القديم " على هذه النقلة، فأضحت اكثر قصائده في هذه الفترة طويلة مسترسلة. حتى ليحس من يدرس نتاجه في هذا الدور

(1/156)

انه كان يريد أن يعرف بالقدرة على القصائد الطويلة: فجر السلام ؟ القيامة الصغرى ؟ حفار القبور ؟ المومس العمياء ؟ الأسلحة والأطفال ؟ أنشودة المطر، وان هذا الإحساس تملك الشاعر حتى سنة 1953 ثم تحول عنه تحولا ظاهريا وحسب، لأن كثيرا من القصائد التي نظمها في أوقات لاحقة إذا جمعت حسب موضوعاتها كونت كل مجموعة منها قصيدة طويلة.

وسر ذلك كله متصل بطبيعة السياب: فان القصيدة لم تكن تتسع لآنفعاله، فهو انفعال مديد متشعب احيانا، ثم هو قد نشأ معجبا ببعض القصائد الأجنبية الطويلة التي يسترسل فيها الشعور بين علو وهبوط كقصيدة " البحيرة " للأمرين، أو قصيدة " ثورة الإسلام " لشللي وغيرهما، ولعله كان يعتقد أن قصيدة " الأرض اليباب " هي التي كسبت لصاحبها تلك الشهرة وهي من القصائد الطويلة في الأدب المعاصر. يضاف إلى ذلك ان القصيدة العربية التي احبها السياب لدى أبي تمام أو البحتري أو المتنبي لا تعد قصيرة، ولم يغب عن مخيلته أن الجزالة التي لمحها في القصيدة العربية امتحان عسير للشاعر كلما طالت القصيدة، وهو قد نشأ على ايثار هذه الجزالة وان أعيته بصعوبتها في كثير من المحاولات؛ ووجدها تصح لشاعر معاصر يطيل القصيد دون ان يفقد تلك الجزالة وذلك هو الجواهري، الذي وجده السياب يتقمص النغمة القديمة بحذق ومهارة. ولم يستطع السياب ان يدرك الفرق بين نغمة الجواهري ؟في مدى التعمل الذي تجره في أذيالها - وطواعية التعبير عند اشد القدماء احتفالا بالصياغة اعني أبا تمام، ولهذا كان بناء القصائد الطويلة هو المجال الذي يريد السياب ان يتفوق فيه على سواه من المعاصرين، سواء أكان نهجهم تقليديا أو تجديديا - ؛ وقد تحدثت من قبل عن المقدمات الطويلة التي لم يكن يستطع أن يتحلل منها، وهي مقدمات تصلح أن يمهد بها للبناء الملحمي، ولم يكن السياب محروما من النفس

(1/157)

الملحمي، بل لعله هو الشيء الذي يميزه بين الشعراء المحدثين، والقصيدة الطويلة اقرب القصائد إلى الملحمة واشدها سماحا بالحشد الكثير، وتلك نزعة كانت تترك السياب طليقا في تحديد شكل القصيدة وفي نموها معا. وكان السياب في هذه المرحلة وربما في مراحل بعدها يحس ان انفعاله لا يستطيع ان يعيش في نطاق ضيق قصير، ولهذا أحس من بعد انه اخطأ حين كان يعمد إلى أن يقول كل سيئ، ولكنه قلما حاول النجاة من هذا الخطأ، لأنه لم يكن يملك إشباع ذلك الانفعال أو تسريبه في لمحات خاطفة أو ومضات سريعة تومئ إلى المحتوى بلباقة خفيفة اليد.

(1/158)

- 13 -

حفار القبور

ولعله نظم قصيدة " حفار القبور " بعد نظمه قصيدة " فجر السلام " بقليل، أو ربما في إنشاء القصيدتين في وقت معا؛ وهو لم يذكر قصيدة " حفار القبور " بين القصائد التي احبها في تلك الفترة، لا لأنها ليست تمثل موقفا يساريا وحسب بين تلك القصائد، وإنما لأنها تمثل مشكلة في طريق تطوره الفني، وهي من هذه الناحية مقدمة لقصيدة " المومس العمياء " التي ستفضح ازدواجية السياب، وتكشف عن ضعف انتمائه اليساري عامة. كلتا القصيدتين ظاهرتين قائمتين ؟على شذوذهما - في المجتمع، وتحاولان الحديث عن الظاهرة النتيجة، ولعل الفرق بينهما هو ان " حفار القبور " تتحدث عن النتيجة دون أسبابها، وان " المومس العمياء " تتحدث عن النتيجة مع إرجاعها إلى أسباب ثانوية أو خاطئة.

وحين وقعت إلي قصيدة " حفار القبور " بعيد صدورها كتبت مراجعة عنها، منقطعة الصلة بتطور السياب الفني، وما يلابس حياته ومبادئه، ولما كان رأيي في ما قلته حينئذ لم يصبه تغير يذكر ؟لأني عرضت لمضمون القصيدة وحده - فأني أعيده هنا بشيء من الإيجاز: " حفار القبور هو الرجل الجائع الذي يموت إن لم يمت الناس، فهو يكره السلام ويتمنى الحرب ويمقت الكسل والخمول في عزرائيل

(1/159)

ومن اجل ذلك يتفنن في تصوراته التي تنعش له مهنته، ويتمنى على الله ان يبطش بالناس " نسل العار " ويهلكهم بالرجوم:

يا رب ما دام الفناء
هو غاية الأحياء فأمر يهلكوا هذا المساء
سأموت من ظمأ وجوع
أن لم يمت بعض الأنام

كل ذلك لأن حفار القبور لا وجود لصنعته إلا بوجود الحرب. غير انه حفار بوهيمي لا يكاد يجد المال في جيبه حتى يندفع به إلى الحانات ودور البغايا، وقد تركته مهنته فريسة للنزوات من كثرة ما دس في الثرى من أجسام فاتنة، وفي الفصل الأخير من قصة هذا الحفار الذي يعيش على غرائزه يدفن المرأة التي كانت تهبه جسدها ويسترد الأجر الذي دفعه لها:

ماتت كما ماتوا ووارها كما وارى سواها
واسترجعت كفاه من يدها المحطمة الدفينة
ما كان أعطاها؟
وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد
ويظل حفار القبور ينأى عن القبر الجديد
متعثر الخطوات يحلم بإلقاء وبالخمور

ان في هذه " الملحمة " معنى المأساة الكامنة في ضروب الصراع، فالحفار في صراع مع غرائزه، وشعوره مقسم بين الدعوة إلى الحرب والثورة عليها، وإذا شعر من نفسه بالوحشية لتمنيه الحرب والدمار اعتذر عن ذلك بقوله:

أنا لست أحقر من سواي
وان قسوت فلي شفيع؟. أني كوحش في الفلاة

(1/160)

لم اقرأ الكتب الضخام
وشافعي ظمأ وجوع
أوما ترى المتحضرين
المزدهين من الحديد بما يطير وما يذيع
أني نويت ويفعلون
والقاتلون هم الجناة وليس حفار القبور

وهو حفار كثير التردد بين عقله وغريزته، متلظى الهواجس؟. هو صورة أخرى من المومس التي تعيش أيضاً في صراع بين المبدأ والحاجة ثم تغلبها شهوة النفس على كل مبدأ ولعلها تتصور ان الفضيلة التي تكبح شهوات الناس هي سبب موتها فهي تطلب الحياة من طريقها السلبي. وليس من العبث أن عمد الشاعر إلى الربط بين الشخصيتين في " ملحمته " ربطا وثيقا فجعل الحفار يهلل لمقدم أحد الموتى بقوله: " ضيف جديد " ! وجعل المرأة الخاطئة تردد القولة نفسها وهي تسمع طرقا على الباب. غير ان حفار القبور اكثر تورطا في أنواع الصراع من تلك المرأة وأقسى صورة منها وهو يسترد ما أعطاه لها حين يضعها في التراب، والمأساة الحقيقية ليست في مقدرات الحفار بل في تعاسة المرأة وليست في طبيعته الحيوانية بل في مهنته التي تضطره أحيانا ليدفن عمته أو أخته أو شخصا آخر كان حبيبا إليه.

ولست احب أن ابعد في الرمز فان من شاء أن يجد في شخصية الحفار معنى اعمق وجد، ولكني اعتقد أن الأستاذ السياب قد أسرف كثيرا في تصوير الشهوات حتى خيل إلى القارئ انه كان يريد ان يجعل قصيدته متنفسا للتعبيرات الشهوانية المحمومة؛ وهو قد أوقع نفسه في موقف لا إنساني حين جعل الحرب موضوعا للأخذ والرد وليس في الوجود ما يحسن الحرب من حيث المبدأ الإنساني العم حتى ولا منطق الوجود ما يحسن الحرب من حيث المبدأ الإنساني العام حتى ولا منطق الحفار القائم على جوعه وعوزه، لان الحرب في حقيقتها قد تأكل

(1/161)

الحفار قبل أن يهيئ له الطعام ؟وهي ناحية لم يلتفت إليها الشاعر - ولان الموتى في الحرب لا يدفنهم حفار بأجر - وهي ناحية أخرى من الواقع. فالروح المخربة التي تسكن في جسم ذلك الرجل ؟اعني الحفار - تجعلنا نضحي به من اجل المجموع وخاصة حين يكون الحفار رمزا للطاغية المستبد في الأمة يضحي بأبنائها من اجل أن يأكل، ويحفر في كل يوم قبرا أو قبورا ليداوي حمى الجشع في نفسه؛ ولقد كان في استطاعته الشاعر ان يتخذ من شخصية الحفار رمزا للقوى المتحررة لا لعبودية الغرائز .

و " ملحمة حفار القبور " تهم الذين يربطون بين الأدب والتحليل النفسي لأن فيها من صدق التصوير لبعض العقد الدقيقة ما يجعلها فريدة في هذا المجال ومن السهل أن يعثر فيها القارئ المدقق على فكرة " الولادة الجديدة " Re - birth التي يمثلها الإلحاح الشديدة في اعتصار الثديين ومنظر الدماء المعتصرة (ص15) والحفرة المعدة قبل الأوان لاستقبال العائدين إلى " رحم التراب " ؛ وفي هذه الملحمة ثورة نفسية عاتية على الأبوة ؟أو على الأب بتعبير أدق - ولكن مما يخفف منها أحيانا خضوع شخصية الحفار لغرائزه وجوعه وجهله، ونستطيع ان نجد هذه الثورة في مواقف كثرة من الملحمة، وخاصة وان الشخص الأخير الذي واراه الحفار في النهاية هو " الأنثى المظلومة " ؟رمز الأمومة - التي تكون فريسة له مرتين: حين يشتري جسدها بالنقود وحين يسترد نقوده منها. وقد كان من آثار هذه الثورة أن مضى الحفار عنا ونحن لا نعطف على وجوده، وظل في النهاية حيا ليظل نفورنا منه حيا، وماتت المرأة المظلومة قبله لتثير فينا شيئا من الأسى على مصيرها التعس " (1).

(1) مجلة الأديب (1954).

(1/162)

لعل القارئ قد لمح في هذه المراجعة أني تجنبت الحديث عن بناء القصيدة وانني جعلت اكثر الحديث متصلا بشخصية الحفار، ثم ألمعت في سرعة إلى بعض التفسيرات النفسية التي قد تطبق على القصيدة والى انه قد يكون لها محمل رمزي، وان كنت أوثر أن آخذها على وجهها الظاهري دون لجوء إلى الرمز. واليوم ؟وبعد سنوات على كتابة هذه المراجعة - اعود إلى القصيدة مفصلا لا مجملا، جاعلا القصيدة (بعد أن تجوزت في تسميتها ملحمة) في موقعها الصحيح من حياة الشاعر وتطوره الفني.

وأول سؤال خطر لي هو: هل كان من حق هذه القصيدة ان تنظم؟ ولست أسرع إلى الإجابة على هذا السؤال، لأن معظم ما سأكتبه من بعد يصلح جوابا عليه؛ ولكني أحب أن يظل القارئ واعيا بحقائق هامة تعد مقدمة للحديث عن القصيدة وهي أن السياب كان في تلك الفترة يعاني الضياع في شوارع بغداد ومقلهيها ؟كما سيتضح بعد قليل - وانه كان يحس بالهوة التي تردت فيها مثله الريفية النقية وهو يتردد إلى بيوت البغاء، وانه في الوقت نفسه كان يتجرع مرارة الإخفاق في حب يؤدي في حب يؤدي إلى زواج وينسب كل ذلك لأبيه، كما رأينا في قصيدة " سجين " ، وان ثورته على الأب كانت آخذة في الازدياد؛ وفي غمرة ذلك الشعور من نقمته على نفسه وعلى أبيه نظم قصيدة " حفار القبور " ، ليتلذذ بتعذيب نفسه المتهالكة على الشهوات، وتعذيب ابيه، الحفار القديم ؟الذي دفن أمه، وجعل من الابن " رذية " معقورة عند قبر، أي حفارا جديدا آخر، وامتزجت الصورتان معا في شخصية حفار القبور، مع ما اقتضاه التحوير الشعري اللازم لبناء القصيدة. والى هذا كله كان السياب قد قطع شوطا في الظهور بمظهر اليساري الملتزم الذي يتحدث عن الطغاة وفجر السلام، ولكنه لم يكن قد برئ من ازدواجية محيرة، فالنضال في سبيل الجماهير لم يستطع أن يريحه من

(1/163)

وقدة الجنس في عروقه، مثلما لم يستطع من قبل أن يخلصه من تلك الوحدة الرومنطية التي تتلذذ بالألم والشكوى والدموع. ولهذا اقدم على نظم القصيدة ليريح ضميره الرازح بالإثم الذي تسري فيه القشعريرة كلما ذهب صاحبه إلى ارواء ظمأه في المناهل الوبيئة. ولم يكن من منفذ لهذا كله إلا التشفي بقسوة جائرة من الذات، في صورة حفار قبور. ولا ريب في انه كان يعرف ؟بحكم يساريته - إن حفار القبور امرؤ لا ذنب له، ولهذا حاول ان يعتذر عنه بأنه لم يقرأ الكتب الضخام، وان تجار الحروب هم المسئولون عن كل ذلك:

وهم المجاعة والحرائق والمذابح والنواح ... وهم الذين ستركون ابي وعمته الضريرة ... بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظام ... أو يفحصان عن الجذور ويلهثان من الأوام ... ولكن هذه اللفتة بدت عابرة في سياق القصيدة وكان الإلحاح كله على تصوير حفار القبور وعبوديته لشهواته، ولهذا أضاع الشاعر من قصيدته الجانب الرمزي فيها، ولم يوفر للقارئ أي مجال للربط بين " الجبرية " التي يعانيها الحفار في عالم الفقر وبين الدمار الحقيقي الذي يصنعه تجار الأسلحة في عالم الأثرة الفاحشة.

ولتوضيح هذا الموقف علينا أن نتتبع القصيدة في سياقها العام: يفتتح الشاعر قصيدته برسم الجو الطبيعي وقد اخذ ضوء الأصيل يغيم على القبور، وأسراب الطيور تملؤ الجو نعيبا تردد صداه الصحراء، ثم اخذ ضوء ضئيل يتنفس وعلى رقصاته المرتعشة ظهر ظل طويل لحفار القبور:

كفاه جامتدان ابرد من جباه الخاملين ... وكأن حولهما هواء كان في بعض اللحود ...

(1/164)

في مقلة جوفاء خاوية يهوم في ركود ... كفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين ... وفم كشق في جدار

صورة الحفار قد ماتت فيها كل معاني الإنسانية وتزداد الصورة وحشة وخوائية وهو يناجي نفسه ويعلن عن مرارته الكامنة لأنه لا يرى نعشا يلوح عن المدى، فلم إذن تنعب الغربان؟ ولم يعيش المرضى الجائعون، ان ذلك معناه انه سيموت ولذلك فهو يتوجه إلى مخاطبة الله لعله يرأف بحاله فيأمر بإهلاك نسل العار، فقد مضى عليه أسبوع وهو يحفر ثم يملأ التراب المتهايل ما حفر؛ وهو يحس بجوع آخر:

هل كان عدلا ان احن إلى السراب ولا أنال ... إلا الحنين، والف أنثى تحت أقدامي تنام!! ... أفكلما اتقدت رغاب في الجوانح شح مال ... ثم يسأل أين هي الحرب مصدر رزقه الكبير، ولذلك يتمنى لو عاش في تلك البلاد التي حدثوه عما فيها الحرب:

ما زلت أسمع بالحروب فما لأعين موقديها
لا تستقر على ثراها؟

ويتنازعه الحنين إلى دفن الموتى وإلى الأجر الذي يهيئ له أن يحصل على الطيبات، ويحاول أن يعتذر عن مهنته فليس هو الجرم الحقيقي وإنما هم صناع الحروب ثم يستيقظ في نفسه المظلمة " قابيل " حين يلوح له من بعيد ما يحسبه ضيقا جديدا. وتحقق ما تمناه ودس في جيبه بعض النقود وجعل وجهته المدينة ومضى يحلم بالنساء العاريات وبالخمور:

وتحسست يده النقود وهيأ الفم لابتسام
حتى تلاشى في الظلام.

(1/165)

وبذلك ينتهي المشهد الأول. وفي الثاني نرى حفار القبور يسير إلى هدفه وبيده زجاجة يشدها في حرص وهواجسه تدور محمومة في رأسه وتمثل له اللذة التي سيمارسها:

والحلمتان اشد فوقهما بصدري في اشتهاء ... حتى احسهما بأضلاعي واعتصر الدماء ... باللحم والدم والحنايا منهما لا باليدين ... حتى تغيبا فيه في صدري إلى غير انتهاء ... حتى تمصا من دماي وتلفظاني في ارتخاء ... فوق السرير وتشرئبا ثم نثوي جثتين ... وفي المنظر الثالث وصف لحي البغايا، وطرق على الباب وامرأة تفتح ذلك الباب وهي تقول " ضيف جديد " . وفي المنظر الرابع، وهو الأخير، يعود حفار القبور إلى موقفه الأول، فيكرر أمنياته بالدمار الذي يبسر الموتى ويجلب الرزق ويحلم بما فعل في المنظر الثالث، ثم يفيق من حلمه على صورة نعش تحف به نساء وبينا يهتف لنفسه انه لا بد سيلقى المرأة التي تلذذ بجسدها، لم يكن يعرف أن التابوت القادم يحتوي تلك المرأة نفسها:

لو حدث التابوت عمن فيه أو رفعت يداها ... أو هبة للزعزع النكباء حاشية الغطاء ... تحت النجوم الساهمات، لكاد ينكر من رآها ... ودون ان يعلم، ألحد المرأ، وأخذ أجرا كان أعطاه لها وراح يحلم باللقاء وبالخمور.

إن من يتأمل هذا السياق للقصيدة يدرك ان الشاعر كان يحاول ان يحل مشكلة لا تحل وانه وضع حفار القبور في عربة حتمية مغمض

(1/166)

العينين، وأراد أن يرسم صورة مقابلة لامرأة ذات حرفة كحرفة الحفار؛ وجعل استرداد الحفار لماله موضع سخرية بهذه القوة العمياء التي توجه أمثال هذين المسوقين في طريق الحياة دون أن يعرفا لم وكيف. فالسياق الظاهري يعتمد قصة صغيرة لا تصلح ان تكون موضوعا فنيا، وإذا لم تكن تلك القصة ذات بعد رمزي فمعنى ذلك أنها أخفقت إخفاقا كليا. وقد نرجع إلى الرمز الذي أشرت إليه من قبل، فنجعل حفار القبور صورة للطاغية في الأمة الذي لا يعيش إلا بموت الآخرين والمرأة رمزا لتلك الأمة التي يمتص الحفار دمها ويسترجع ما أعطاه لها، ولكن تخليص هذا البعد الرمزي من ذلك الإسراف المتلذذ في وصف النزوات ومن تضاعيف التصوير الواقعي لبيوت البغايا أمر مشوب بالتعسف ولهذا فان الشاعر ؟مهما يبعد في الأخذ بالرموز - لم يكن على وعي بأن لقصيدته بعدا داخليا، ولو كان الأمر كذلك لاكتفى باللمحات بدل الصور التفصيلية.

ويتبقى بعد ذلك المحمل النفسي الذي تمثله القصيدة، فتجربة حفار القبور مستمدة من تجربة الشاعر الواقعية ؟الفتى البائس الذي لا يكاد يجد قدرا من المال في جيبه حتى يسرع ليطفئ ظمأه إلى الخمر والمرأة، فهو يتشفى بالأنحاء على هذه التجربة مثلما يبني في تضاعيفها صورة أخرى من الثورة على الأب، ومن الارتباط نفسيا بقبر الام أو بالعودة إلى الرحم، وفيما كان الشاعر يمزج بين ثورته على اللذات وثورته على الأب كان يحاول ان يخرج إلى مرحلة من " التسوية " المريحة، فالقصيدة جاءت تنفيسا وزحزحة للخناق الذي يشد على عنق الشاعر.

وإذا عديت عن هذه الغاية التي حققها القصيدة وجدت بناءها سهلا مسترسلا يشبه قصة قليلة الأحداث، ولما وجد الشاعر أن البناء لا يكلفه جهدا كثيرا، صرف ما ادخره من جهد في الناحية التصويرية

(1/167)

ولعل ابرز ما يميز القصيدة من الناحية الفنية، فنحن نحس أن الجو ينتمي إلى قطاع من عالم الأموات Hades ولذلك يتضاءل فيه النور وتملؤه الغربان بنذر من الشؤم؛ " وكأن بعض الساحرات مدت أصابعها العجاف إلى السماء " وكأن ديدان القبور خرجت من مكامنها، واستيقظ الموتى عطاشا يلهثون، وتضاف إلى هذه الصورة صورة ميت حي (وتلك سخرية مرة) موكل بدفن الموتى، فإذا صورته صورة ميت قد أدرك الجمود يديه ولاح فمه كشق في جدار، ثم تجتمع إلى ذلك كله صورة القبر الفارغ الذي تتثاءب فيه الظلماء، ثم تتلوها صورة الدمار الذي تخلفه الحرب، ثم صورة نعش في ضوء تذرذره مصابيح السماء كأنه ضباب؛ ولا تختلف صورة الطريق إلى دور البغايا ولا صورة منزل البغي عن هذا كله، فالدرب كأفواه اللحود، والحارس متعب وسنان، والباب عقيق إذا دق عليه الطارق أرسل صوتا كإيقاع المعاول بين القبور الموحشات، والمرأة حزينة تفرك عينيها في فتور وعلى وجهها ظل يزحف كالكسوف، وفي المنظر الأخير يبدو السماء لعيني الحفار كأنها صنم بليد، والطريق مكتظ بالأشباح، وفانوسه صدئ عتيق ؟مجموعة من الصور المتلاحقة ترسم صورة كبيرة لا يتخللها إلا نور ضئيل، وتسيطر عليها صبغة الموت واللحود والظلمة والنعيب المشئوم والإعياء المتهاوي ؟أنها صورة فقدت معنى الأمل وبسمته وضياءه، فزادت القصيدة نأيا عن حل مشكلة الإنسان.

(1/168)

- 14 -

يا مهلك موسى ومنجي فرعون

لم تكن التفاؤلية التي عبرت عنها قصيدة " فجر السلام " وما جرى مجراها من القصائد قادرة على أن تنسي السياب أن عالمه الحقيقي يشبه الدروب والزوايا التي وصفها في حفار القبور، وان الظلمات النفسية تصبغه بعتمة كئيبة، وان العدمية التي كان ينادي بها الحفار الجائع الظامئ ذو الشهوات المتوفرة إنما كانت صدى لحقد الشاعر على " نسل العار " ، وان فكرة الدفع واسترجاع المدفوع ؟بين الحفار والمومي التي ماتت - إنما كانت أمنية شاب لا يجد ما يسعفه على اكتساب بلغة من طعام؛ فقد كان في بقية عام 1950 ؟حين هبط بغداد دون عمل بعد أن فقد وظيفته في شركة نفط البصرة - متسكعا في الشوارع أو مترددا إلى المقاهي: " وأمسى ملازما لمقهى حسن العجمي يحيط به الشقاء والألم ولكنه يتحمله بصبر واباء، يعينه إخوانه الذين أتذكر منهم اكرم الوتري ومحبي الدين إسماعيل وخالد الشواف " (1).

ولكن سعيه وسعي أصدقائه في تدبير عمل يحفظ له كرامته قد استطاع أن يخفف شيئا من تلك الضائقة التي كانت تعتصر نفسه،

(1) العبطة: 12.

(1/169)

فاشتغل مترجما في الصحف مثل صحيفة " الجبهة الشعبية " و " الرأي العام " و " العالم العربي " وفي صحف الأستاذ الجواهري، غير أن رزقه من الصحافة كان مرهونا بما تواجهه من تقلبات الحال، إذ كانت تحتجب أو يلغى امتياز أصحابها، ولهذا أخذ يتردد إلى بعض المتاجر ويعمل فيها بأجر يومي (1) . ثم توسط له بعض الرفاق لدى المدير العام بمصلحة الأموال المستوردة لكي يوظفه دون ان يطالبه بشهادة حسن سلوك، ففعل (2) وهكذا ارتاح إلى مرتب منظم وان لم يخفف ذلك من نشاطه في الصحف.

في تلك الفترة عاد فالتقى بالصبية اليهودية مادلين، حين كان يسير ظهر يوم (1950 أو 1951 ) قرب مقهى الزهاوي ، فاستوقفته الفتاة وسألته عما لديه من شعر نضالي، وكانت لديه قصيدة طويلة لم تكن قد اكتملت يتحدث فيها عن نضال الشيوعيين في كل مكان: في الصين وفي اليونان وفي الاتحاد السوفيتي، فاتفقا على موعد، وجاء يحمل تلك القصيدة، ثم كان لقاء آخر بعد اسبوع، فمشى بصحبتها وهما يتحدثان في أمور نضالية، واتفقا على لقاء ثالث؛ واعد بدر لهذا اللقاء قصيدة يتغزل فيها بمادلين كتبها على ورق ازرق معطر ؟وخلع على القصيدة ثوبا نضاليا مهلهلا، ففرحت الفتاة بالقصيدة، قال: " وافترقنا وتواعدانا على موعد جديد ورحت أفكر بالموعد المنظر، فعزمت على أنني سآخذها هذه المرة إلى فندق من الفنادق المعروفة بأسرارها، وانتظرتها في الأسبوع الرابع، ولكن مضت ساعة على الموعد وهي لم تأت، وبعد أن يئست تماما انصرفت لأعلم فيما بعد ان الشرطة قد اعتقلتها ثم أطلق سراحها، لكنني لم أرها " (3).

(1) المصدر نفسه : 13.
(2) الحرية من مقال بعنوان: شعاراتهم الجماهيرية.
(3) الحرية، العدد 1452.

(1/170)

غير أن قصة مادلين لم تنته عند هذا الحد، فقد كان السياب ذات يوم في مديرية الأموال المستوردة عندما جاء أحد الرفاق وقال للموظفين: " إن لدينا رفيقة يهودية ؟وهي شابة جميلة - تريد الحكومة ان تسقط عنها الجنسية العراقية وتسفرها إلى إسرائيل وإذا تزوجها مسلم أصبحت هي مسلمة ولم تغد الحكومة قادرة على إسقاط الجنسية عنها " (1) ، وكان السياب أحد الذين سجلوا أسماءهم للزواج منها؛ تلك قصة بسيطة لكن دلالتها عميقة، فاالسياب لما شم رائحة الأنوثة المشتهاة نسي النضال، واصبح لا يفكر إلا في قضاء وطر عابر، وحين اصبح هذا الوطر لائحا عن طريق الزواج، لم يتردد ؟باسم المشاركة في خدمة الحزب ؟في ان يستفل الرباط الزوجي لتحقيق الشهوة التي كانت تجتاح كيانة. وقارى القصة إذ يقدر شجاعة الصراحة لا يملك إلا أن يعجب لذلك المد العاتي الذي كان يحيل كل غاية جادة إلى تهافت نفسي واضح أمام رغبات النفس الجامحة. ولكن ذلك كله لم يمنع ان يكون البيت الذي الذي استأجره بدر وشقيقه وكرا من أوكار أنصار السلام، فيه يجتمعون ويتباحثون ويقرأون المناشير (2).

واخذ الجو السياسي في بغداد يتلبد بالغيوم إذ قام رجالات الأحزاب ؟وخاصة أعضاء حزب الجبهة الشعبية والحزب الوطني الديمقراطي - بتقديم مذكر إلى الوصي تضمنت المطالب الشعبية، نشر بدر في جريدة " الجبهة الشعبية " قصيدة ثائرة تنبأ فيها بالوثبة الثانية، وسرعان ما حدثت تلك الوثبة التي عرفت في تاريخ العراق الحديث باسم " انتفاضة تشرين " (3) (1952).

وحين يرد بدر بداية هذه الانتفاضة إلى أسباب لا علاقة لها

(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر السابق.

(1/171)

بالسياسة أدت إلى إضراب كلية الصيدلة، وهي أسباب مدرسية صرف (1) ، فانه لا يتجنى على الواقع التاريخي، ولكنه ينسى أن أية حركة في ذلك الجو المحموم كان يمكن أن تؤدي إلى انفجارات متلاحقة، فقد كانت النفوس تضطرم بالتذمر و الغضب إزاء الحملات الانتقامية التي كانت تشنها الحكومات المتعاقبة على الشعب ، وإزاء الفساد الذي ينخر في الجهاد الإداري كله، و قد أشار بدر نفسه قبل قليل إلى المذكرة التي رفعتها بعض الأحزاب إلى الوصي مطالبة بالاحتكام إلى الدستور و احترام القضاء وإطلاق الحريات وأنصاف الفلاحين و تحسين مستوى المعيشة و غير ذلك من المطالب.

ولهذا ما كادت مظاهرات الطلبة تخترق شوارع العاصمة و يصاب فيها بعض الطلبة، حتى هب الشعب إلى إعلان سخطه، وأخذت فئاته تهتف مرددة إصرارها على نيل المطالب التي تقدمت بها الأحزاب في مذكراتها وفي 22 أكتوبر (تشرين الأول) وجهت الحكومة الجيش ليتصدى للاهلين، ولكن المتظاهرين هتفوا بحياة الجيش، فلم يطلق الجند النار على أحد، على نحو التضامن الضمني، ولم ينجح أصحاب السلطة في تحريض فريق من أبناء الوطن - أعني الجند - ضد فريق آخر - أعني الجموع الشعبية.

وعمدت الحكومة إلى إطلاق البوليس ليلا للقبض على من تعتقد انهم اشتركوا في تلك الانتفاضة، وملأت بهم المعتقلات، وبذلك استطاع القضاء على هذه الحركة.

وفي أحد الأيام المظاهرات - قبل أن تسيطر الحكومة على الموقف - حدثت مظاهرات عنيفة احرق فيها مركز الشرطة باب الشيخ وقتل عدد من الأشخاص، فيهم بعض رجال الشرطة. وكان بدر - حسب ما كتب من بعد - ذا دور بارز في تلك المظاهرات، ورأى أن القبض عليه أمر

(1) المصدر نفسه.

(1/172)

لن تتردد فيه الشرطة، وقدر انه قد يسجن وانه سيفصل من وظيفته ؟دون ريب - ولم تعد لديه وسيلة يلجأ إليها سوى الهرب من العراق، فتنكر في ملابس إعرابي وسافر إلى البصرة، وفي أبي الخصيب سلمه بعض أقربائه إلى بعض " المهربين " ، فنام ليلة في دار ذلك المهرب، وفي فجر اليوم الثاني ؟وكان يوما شتائيا باردا - أيقظه دليله، فسار بدر وراءه حتى بلغا نهرا صغيرا يفصل بين العراق وإيران، وحين اجتاز بدر ذلك النهير اصبح في ارض إيرانية (1) .

ولم تزد إقامة بدر هذه المرة في إيران عن شهرين وعشرة أيام، فذهب هو وصديقه العربي الإيراني محمد حسين إلى عبادان لعلهما يجدان سفينة تنقلهما إلى الكويت، وكان بدر يحمل كيسا صغيرا من القماش فيه دشداشة وفانيلة ونعل وكتاب " كيف تتعلم اللغة الفارسية في أيام " . وبعد ثلاثة أيام استطاع هو ورفيقه ان يصلا إلى القصبة، إلى الجنوب من عبادان، وهناك نزلا عند مختار القرية، وقد تجاوزا فترة الضيافة المعهودة، فكان المختار ضيق الصدر بهما، حتى إذا وجدا السفينة التي تنقلهما إلى الكويت كانت سفينة شراعية، قاعها من الطين لأنها " مطعونة " فالطين فيها يحول دون تسرب الماء ويسكبها ثقلا، وربانها رجل قذر مقامر سكير كليل النظر. وبينما كانت السفينة تسير بهم في عرض الخليج كادت تصطدم بأحد الفنارات، وصاح بهم الربان: " تشاهدوا " ، ولكن اليأس الغالب جعل بدرا يقوم فيعنف الربان، وبهذه الحركة حفز الركاب إلى إبعاد السفينة عن الخطر المحقق، ولكن الرياح والبرد القارس والجوع كانت عوامل قاهرة، ولما اشتد عصف الرياح اخذ بدر يدعو قائلا: " يا الله نجنا، يا مهلك موسى ومنجي فرعون؟. " وحين لاح بر الكويت كان يصرخ بينه وبين نفسه: " لقد

(1) الحرية: 1442، 1502.

(1/173)

قهرت الخليج بسفينة مثقوبة " (1) .

وهناك نزل هو ومحمد حسين على جماعة من الشيوعيين العراقيين كانوا قد فروا إلى الكويت، واضطروا إلى الإقامة فيها بعد أن حكم عليهم بالسجن غيابيا، وامتلأ المنزل بساكنيه إذ اصبح عددهم ثمانية، وفيهم السائق والعامل والافندي، وفيهم خريج من دار المعلمين الريفية، ومن بين نزلاء البيت ثلاثة مصابون بمرض السل، كذلك قال بدر (2) ، أتراه كان على خطأ لو جعلهم أربعة؟

وتوزع الأصحاء العمل فيما بينهم، وكان ان وكل إلى بدر القيام بأعمال الكنس وغسل الآنية وإعداد الأسرة وتحضير الشاي والطعام؛ ومن الطبيعي ان يتوقع المرء وهو ينظر إلى هذا البيت المزدحم وقوع المجادلات والمنازعات بين سكانه، خصوصا وان المشارب متفاوتة، والاغتراب يضع النفوس في توتر متحفز، والهنات تكبر إذا صادفت أعصابا مرهقة، والموضوع الصغير يتطور في سياق الجدل التنفيسي إلى مشكلة، فكيف إذا عرفنا ان بدرا لم يكن راضيا عن الدور الذي يقوم به في خدمة تلك العصبة، وهو يرى انه كان يجب ان يتمتع بشيء من امتيازات الفتى المثقف الموهوب الذي يحسن شيئا آخر أهم من غسل الصحون وكنس الغرف وإعداد الأسرة؟

وكان الآخرون ؟وأكثرهم من العمال - يعدونه " أفنديا " ويلمحون لديه عدم التزام دقيق بما يعتقدونه ولاء حزبيا ومبدئيا فهو يشتري قصة " عشيق الليدي تشاترلي " للورنس، فيرونها في يده، فيستنكرون ذلك ويمنعونه من قراءتها، وينصحونه بأن لا يتجاوز في قراءاته الحدود المعقولة المقبولة: ان يساريا مثله يجب ان يتسامى على

(1) جريدة الشعب العدد الأسبوعي: 4090 (15/2/1958).
(2) الحرية، مقال بعنوان " أخلاق الشيوعيين " .

(1/174)

الأدب المنحل والقصص البديء المكشوف، وان يقرأ ؟أن شاء القراءة - قصص غوركي وايليا اهرنبرغ وتشيكوف من الروس وكتابات دكروب وحنا مينه في لبنان، وشعر نيرودا وناظم حكمت.

واتهمه الرفاق بأنه ينتمي إلى طبقة البرجوازية الصغيرة وان ما لديه من آراء شاذة إنما هي رواسب تخلفت في نفسه بسبب ذلك الانتماء، ومرة قال له احدهم: " انتم الافندية؟ انتم أبناء الطبقة البتي برجوازية " ، فثار في وجهه قائلا: " تعال حاسبني، أينا الافندي وأينا الكادح؟ انك تتقاضى راتبا اكبر من راتبي، وتلبس ملابس خيرا من ملابسي، وتنام على فراشي، وتقوم بأعمال أهون مما أقوم به، انك لا تكنس ولا تغسل الاواني القذرة؟ " (1) .

وحلت ذكرى الوثبة، فأحب الرفاق الاحتفال بذكراها واعدوا كلمات لتلك المناسبة، وكان فيهم إيراني خطب بلغته، فقال في خطبته:

" إن فيصلا ونوري السعيد وعبد الإله اتفقوا ضد الشعب العراقي وعقدوا اجتماعا في قصر الزهور " ، فاستولى الضحك على بدر ولم يستطع إسكاته، لأنه حين تصور الملك الطفل تنسب إليه أمور خطيرة الشأن، أضحكته المفارقة، ولكن الرفاق ثاروا عليه، وقرروا طرده من الحفلة وحرمانه من العشاء تلك الليلة (2) .

وهكذا كانت الفترة التي قضاها في الكويت مليئة بالمهارات والمنازعات، في موضوعات مختلفة، ولكن اشد ما غاظ الرفاق فيه تفضيله شكسبير على ناظم حكمت وادلاله عليهم بثقافته الواسعة في اللغة الإنكليزية وغضه ؟في معرض التحدي والمهاترة - من كل الشعراء اليساريين كأن يقول: " أخي، ليس ناظم حكمت وحده بل لو

(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.

(1/175)

وقف ناظم حكمت ثم وقف على رأسه بابلو نيرودا ثم وقف على رأس هذا اراغون ثم وقف قسطنطين سيمونوف فوق رأس اراغون لما بلغوا جميعا كعب شكسبير " (1) ويشفع هذا كله باستعلائية غياظة وهو يتحدث عن " دار المعلمين العالمية " حتى قال له أحدهم مهما ترا منذرا معا: " نحن يا عمي عمال وقد تكون أنت قد درست الأدب الإنجليزي في دار المعلمين ولكن؟ ولكن سيأتي يوم حين نجلس نحن الذين لا نعجبك وراء منصفات القضاء لنحاكمكم " (2) .

ليس من الضروري أن تكون التهمة الموجهة إلى السياب - وهي أنه يحمل رواسب الطبقة البرجوازية - تهمة صحيحة، ولكن حسبها أنها التفسير الذي استطاع أن يهتدي إليه رفاقه حين كانوا يرون في تصرفاته ما لا يقرونه من الزاوية العقائدية. لقد وجدوه - كما وجد هو نفسه - يقرأ غير ما يقرءون، ويضحك في أشد الأوقات جدية، ويطامن من شموخ الأدباء الماركسيين، ولا يتورع حتى عن قراءة أدب موسوم بالانحلال . و رغم هذا التباين في الميول و المفهومات، و ربما في الغايات ، ظل بينهم يستقبل الرفيق " جنجون " ؟منظمهم الحزبي - الذي كان يسكن في محلة نائية من محلات تاكويت، ويهرع إلى لقائهم وهو يحمل جريدة الحزب أو أحد منشوراته، للدراسة والمناقشة.

ولما عاد إلى العراق ؟بعد ستة اشهر في الكويت ؟ووجد الأحوال فيه لم تتغير، لم يكن يحس بأنه ؟فيما تربى لديه من مشارب وآراء - قد اصبح غريبا على حزبه ومعقد انتمائه، وإنما ظل الحزب هو مفزهع الوحيد، ولهذا قرر أن يغادر العراق وأن يسافر إلى مهرجان الشبيبة في بوخارست، فأخذ من الحزب الشيوعي العراقي رسالة

(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.

(1/176)

توصيه إلى حزب توده الشيوعي في إيران (1) .
وقد زلزلت التجربة الإيرانية في المرة الأولى والثانية من زيارته لإيران، بقية الدعائم الحزبية التي كانت ما تزال ثابتة ثبوتا مؤقتا في نفسه، وقربته من لحظة الانفصال.

في تلك التجربة رأى العرب الذين يقطنون تحت الحكم الإيراني في منطقة " عربستان " ووجد لديهم شعورا قوميا قويا متسترا في آن، وذات يوم كان في أحد المشارب مع بعض أصحابه يتحدثون بالعربية فاقبل عليهم بعض الشبان العرب من أبناء عربستان، وراح أحدهم يقول في حسرة: انتم اخوتنا وكم تتمنى لو كنا معكم في بلاد واحدة، واخذ يغني اغنية عربية يذكر فيها الملك " فيصل " متدحا، ظنا منه أن ذلك يعجب العراقيين، فما كان من أحد السكارى الإيرانيين الا أن هجم على الفتى العربستاني صارخا: " أنت إيراني، غني على ملك إيران ؟شاهنشاه " (2) . ورغم أن أهل تلك المنطقة يتكلمون العربية فان الحزب الشيوعي يصدر لهم صحيفة تسمى " خلق خوزستان " باللغة الفارسية؛ وقارن بدر بين الحزبين: الحزب الشيوعي العراقي يكاد يكون في خدمة الاقليات وصوتها المعبر عن آمالها، فهو يصدر لكل اقلية صحيفة بلغتها، وحزب توده الإيراني يفيض بنزعة قومية غالبة؛ يقول بدر: " ورأيت ؟فيما رأيت - إن حزب توده كثير الاهتمام بالحوادث التقدمية والوطنية في التاريخ الإيراني، فهناك مثلا يوم يحتفل فيه الشيوعيون الإيرانيون احتفالا عظيما هو ما يسمونه بيوم " مشروطيت " وأظنه؟. يوما طالب فيه بعض الأشخاص الإيرانيين بتطبيق روح الدستور في إيران (3) .

(1) الحرية: 1442.
(2) الحرية: 1502.
(3) الحرية، من مقالة بعنوان: " تجربتي مع تودا " .

(1/177)

ثم حدثت الثورة على مصدق في تلك الفترة، وشهد بدر كيف تخلى حزب توده عنه حتى تمكن زاهدي ومن وراءه من المتآمرين من إنجاح خطتهم، ولما ثار بدر على هذا التخاذل وسأل عضوا من حزب توده ؟في طهران - كيف يدعون الأمور تتجه في هذا المجال أكد له ذلك العضو أن الثوريين كانوا يقدرون على سحق زاهدي وأردف قائلا: اسمع أيها الرفيق العربي نحن على حدود اتحاد شوروي (الاتحاد السوفيتي) واذا استولينا على الحكم ؟نحن الشيوعيين - فهل تظن الأمريكان يسكتون عن ذلك؟ بالطبع لا.. سوف يتدخلون، وإذا ما تدخلوا أصيب الاتحاد السوفيتي بالضرر " (1) وأيا كان حظ هذا التعليل من الوحاهة أو التفاهة، فإن موقف حزب توده قد مكن الفرصة لاستقواء الاتجاه اليميني في إيران وحصر حزب توده في " قمع بلوطة " ، ولكن هذا الموقف نفسه قد حطم بدر آمالا عريضة، وازدادت آماله تكسرا حتى أصبحت دقاقا مطحونا حين عاد إلى العراق وحدث رفاقه بما كان من تقاعس الحزب الإيراني، فوجد رفاقه العراقيين يصوبون ما اقدم عليه حزب توده، لأن في ذلك كل خير ومصلحة للسلام.

وبقيت الشعرة الدقيقة التي كان يستبقيها معاوية بينه وبين الناس فلا يسمح لها بأن تنقطع، ولكن بدرا كان غير معاوية، ولذلك يقول في وصف خيط الشعاع الهبائي: " لقد بقيت رغم هذا عضوا في الحزب الشيوعي العراقي معزيا نفسي بأن القيادة قد تتغير ويأتي إليها أناس يقدرون مصالحهم القومية حق قدرها. غير أني لم يعد يربطني بالشيوعيين غير خيط واه ضعيف، وكان أقل خطأ يرتكبونه كافيا لأن يقطع هذا الخيط بيني وبينهم " (2).

(1) الحرية: 1442.
(2) الحرية: 1442.

(1/178)

وذلك هو الجانب الحزبي من التجربة الإيرانية التي أمدت السياب بشئون أخرى مفيدة، فقد تعرف فيها إلى أشخاص كثيرين، وأتيح له من خلالها مزيد من التمرس بنماذج نفسية وأخلاقية مختلفة، ومشاركة في بعض ضروب النشاط، فقد كان يخرج مع " الرفاق " في نزهاتهم أيام العطلة الأسبوعية ويستمع إلى الخطب والقصائد، ومرة ألقى قصيدة عن السلام بالعربية ثم قرئت ترجمتها بالفارسية، واستنسخها أحد الرفاق ودرسها لتلامذته في إحدى المدارس الثانوية (1) . ويقول: " لقد تعلمت في هذه السفرة من فنون الحب ما كنت أجهله ولم يكن ذلك إلا عن طريق رؤيتي للآخرين " (2) . وقد تعرف إلى جوانب مختلفة من الحياة في عربستان وزار شمران ؟وهي مصيف على مسافة من طهران - وسكن في العاصمة الإيرانية وتردد إلى الحانات ودور البغاء في " دروازة قزوين " ، ورأى ؟عن كثب - أساليب زاهدي في تعقب الحزب الشيوعي، وتعلم قليلا من الألفاظ. الفارسية لتعسفه على التفاهم مع الناس.

ولما أزمع العودة إلى وطنه كان يعول على ثمانين تومانا استدانها منه أحد الشيوعيين العراقيين (وهو إيراني الأصل) ولكن المدين عجز ؟أو تظاهر بالعجز - عن الوفاء بدينه معتذرا بأن الأعمال معطلة وأنه لا يملك مصدرا للارتزاق، وعندئذ لجأ بدر إلى رفيق عراقي يعده مثال النزاهة بين من عرفهم من أعضاء الحزب ويرمز إليه بالحرفين (س.ج) فباعه فراشه وسريره واشترى تذكرة قطار في الدرجة الثالثة إلى المحمرة ليعود منها إلى العراق (3) ، وهو مثقل النفس بالتجربة الإيرانية المريرة.

(1) الحرية " تجربتي مع تودا " .
(2) المصدر نفسه.
(3) الحرية، مقالة عنوانها " نماذج من سلوك الشيوعيين " .

(1/179)

بقي أن أقول: أن التفرغ الذي هيأته له هذه المرحلة في الكويت وإيران، وشعوره بالغربة الضائعة، وتململه تحت وطأة الضيق المادي، وامتلاء نفسه بالمقارنات والمفارقات، كل تلك العوامل قد مكنته من الانصراف إلى إنجاز مشروعات شعرية غير قليلة، وخاصة في نطاق القصيدة الطويلة، وقد منحت شعره شيئا من تلوين جديد.

(1/180)

- 15 -

الأسلحة والأطفال

كان بدر يحمل في حقيبته عندما عاد من الكويت ثلاث قصائد، اثنتان منها طويلتان وهما: " الأسلحة والأطفال " و " المومس العمياء " وواحدة متوسطة الطول هي " غريب على الخليج " وهو يضيف إلى هذه الثلاث قصيدة رابعة يقول انه نظمها في الكويت: " أتعلم أن قصيدة أنشودة المطر التي كتبتها أثناء إقامتي في الكويت هاربا من العراق أيام نوري السعيد كانت قصيدة يغلب عليها طابع الالتزام ولكنني حذفت منها عدة مقاطع فصارت على ما هي عليه؟ " (1) فهذه تجعل القصائد الطوال ثلاثا، وتؤكد أن السياب وجد لديه في الكويت متسعا من الوقت ليحقق أمنيته الكبرى وهو أن يعرف بين الناس باسم " شاعر القصائد الطويلة " ، ولكنه وجد عند عودته إلى العراق أن مثل هذه القصائد لا تتسع له صدور الجرائد والمجلات ؟بسبب الحجم - ، وأن العثور على ناشر يضطلع بنشر كل قصيدة على حدة في كراسة خاصة أمر عسير، ولهذا اضطر أن يعود إلى الشكل المتوسط أو القصير، وكان ظهور القصائد التي تحمل اسمه على صفحات الجرائد اليومية أو المجلات وصلا لما انقطع أثناء غيابه، وتأكيدا لاستمراره في

(1) أضواء: 54.

(1/181)

الشعر، وذلك لأنه لم ينشر بيتا واحدا خلال الفترة التي قضاها في إيران والكويت، وحين عاد إلى العراق وجد أن غيابه قد كان مجالا لبروز شعراء آخرين ينافسونه في ميدان الشهرة، هذا إلى قلة صبر الناس على قراءة القصائد الطويلة، إذا تجاوزنا حلقات النقد الأدبي ومجالات الاهتمام الخاص بالشعر والحركة الشعرية الحديثة.

وكان نظمه لقصيدتي " الأسلحة والأطفال " و " المومس العمياء " في فترة واحدة يدل على أن الانقسام القديم الذي أثمر قصيدتين سابقتين وهما: " فجر السلام " و " حفار القبور " ما يزال يفعل فعله في نفسه، فبينا تعد " الأسلحة والأطفال " انطلاقا طبيعيا من قصيدة " فجر السلام " وتطورا فنيا على أصول الموضوع المشترك، تجيء قصيدة " المومس العمياء " تتمة لأختها السابقة " حفار القبور " أو صورة من روح الاستسلام للتعذيب في مقابل تلك الروح " السادية " الطاغية عند الحفار.

ومن الطبيعي أن يرحب " الرفاق " بقصيدة " الأسلحة والأطفال " وأن يبدوا شيئا من التردد في قبول القصيدة الثانية، لأن الأولى " تخدم السلام وتدعو إليه؟.. وان المعركة الرئيسية هي معركة السلام، وأما ما عداها ؟وخاصة المشاكل التي تناولتها المومس العمياء - فأشياء ثانوية " (1) ؛ وإذا كان هذا الموقف تعبيرا عن تعبيرا عن وجهة نظر سياسية، فأنه يتضمن أيضاً ؟سواء عرف الرفاق ذلك أو لم يعرفوه - حقيقة فنية، تتصل بطبيعة المهمة الشعرية: فقصيدة " الأسلحة والأطفال " صورة لحرية الإرادة الإنسانية والفعل الإنساني، وهي نغمة من الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير والثورة، ولذلك فأنها تحمل ما يحمله الأمل المتفائل من ارتياح نفسي، بينما تمثل قصيدة " المومس العمياء " أقسى أنواع الجبرية، إذ لم يكتف الشاعر بأن يصور مومسا مسكينة جنت عليها

(1) الحرية، العدد: 1443.

(1/182)

ظروف قاهرة، بل جعلها عمياء، ليجعل نبذها حتى عند طلاب الشهوة أشد، ويكدس فوق كاهلها المرهق عبء السنين وزحف الشيخوخة، وموت الطفلة، والعمى المقعد، دون أن يكون هناك بصيص من نور بين تلك الظلمات المتراكمة في ذلك البحر اللجي الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب؛ فالقصيدة من ثم تملأ النفس بنقمة على علة محتجبة، وتبهم الغاية، وتحيل التأمل في المصير إلى كآبة مرهقة. والتوفر على نظم القصيدتين في فترة واحدة يؤكد ان الجسر الذي يصل بين حرية الإرادة والجبرية المطلقة ما يزال مفقودا لدى الشاعر، وانه لم يستطع بعد أن يختار طريقه في النظرة إلى الإنسان. كان ما يزال يحس وهو في الجماعة الكادحة المكافحة أنه أحد أبنائها الذين يستطيعون أن يغيروا معالم الشقاء والويلات، فإذا خلا إلى نفسه وتحس آلامه الفردية ؟ وهو ضائع في الكويت " ينفق ما يجود به الكرام على الطعام " (1) ، وجد الصورة السالبية الاستسلامية أقرب إلى تصوير ما يعانيه في قرارة نفسه ورأى صورة " المومس العمياء " مثالا فاجعا لذلك الاستسلام.

وفي أساطير اليونان أن أدونيس (وهو صورة أخرى لتموز) تنازعت حبه كل من برسفونة التي اختطفها (هيديز) القيم على العالم السفلي حين كانت تجمع الأزهار في المروج الصقلية، وأفروديت (وهي صورة أخرى من عشتاروت) ربة الحب، فقضي عليه أن يقسم السنة بينهما، لهذه شطر وللأخرى شطر. كذلك كان الشاعر في هذه الفترة وفي ما سبقها، ما يكاد يمشي خطوة حتى يحس بأنه موزع بين قوتين تشده كل منهما إليها ونريد أن تستأثر به، ولم يستطع أن يجمع بين قوتين إلا حين استكشف رمز " أدونيس " أو " تموز " ، ولكن الحديث عن هذا

(1) من قصيدة " غريب على الخليج " في ديوان أنشودة المطر: 16.

(1/183)

الكشف سابق لأوانه، وان كانت حدة الانقسام في هذه الفترة إرهاصاً نفسيا بذلك الكشف.

ويتسلل الانقسام ؟أو الازدواج ؟ إلى القصيدة الواحدة من قصائده، في مبناها الموضوعي والفني، ففي قصيدة " الأسلحة والأطفال " عاد الشاعر إلى ذلك المبنى السهل الازدواجي الذي اختاره في قصيدة " فجر السلام"، أعني موضوع التقابل بين " السلام والحرب " وبنى قصيدته على أساسه. ومع أن الموضوع مستوحى من طبيعة انتمائه السياسي والإنساني العام، فانه ؟فيما يبدو - اتكأ فيه على الشاعر الفرنسي أراغون، إذ لمح لديه ما يمكن أن يتطور إلى قصيدة طويلة، ومن المحقق انه كان قد عرف " عيون إلزا " لذلك الشاعر ؟وهي قصيدة ترجمها السياب ونشرها في كراسة ونشرها في كراسة مع قصيدة أخرى لأراغون بعنوان " الأيام الضائعة " . ولقصيدة " عيون إلزا " عنوان فرعي هو " الحب والحرب " وهذا هو الموضوع الذي اتجه إليه السياب في قصيدة " الأسلحة والأطفال " ، وكان الجو في قصيدة أراغون يسيطر على نفسه، ولكنه تحول به تحولا قويا: كلا الشاعرين على سيف خليج وأحدهما ينظر إلى السفن التي أغرقتها المعارك الحربية والثاني ينظر إلى السفن المحملة بالبضائع ؟وربما بالركاب - وهي تهم بالأقلاع؛ والحنين إلى العراق يغمره، فيتصورها سفنا حربية نقل الجنود إلى المعركة وهم يلوحون لحبيباتهم الواقفات على رصيف الميناء ويودعونهن " وداع الذي لا يعود " ، وبينما يتحدث أراغون عن " القبرة " ويرمز بها إلى الحبيبة، يتحدث بدر عن " القبرة " التي تصدح في الفضاء، لتضفي على صورة السلم طمأنينة وارتياحا، ويمزح بين القبرة وبين الفجر فيذكر أبياتا لشكسبير في مسرحية روميو وجوليت فيستعيرها على النحو التالي:

(1/184)

" دعيني فما تلك بالقبرة ... دعيني أقل انه البلبل ... وان الذي لاح ليس الصباح " (1) ... ويتصور أرغوان أنه سيصرخ طالبا العودة إلى حبه كأنه شاحذ سكاكين ينادي في الصباح الباكر " سكاكين..سكاكين " ويستعير السياب هذا النداء ويحوله إلى نداء اخر - نداء امرىء يلم ما لدى الناس من أدوات معدنية عتيقة ليقدمها مادة لصناع الاسلحة، كي يصنعوا منها القتل والدمار، وهو في ندائه يصيح: " حديد عتيق..رصاص..حديد " . ويتحول الصراع بين الحب والحرب في قصيدة أراغون إلى الصراع بين حياة السلم جملة الخروب، وبذلك يتسع المجال أمام السياب ليكبر الصورة، ويتفنن في جزئياتها المفردة فالمنظر العام في القصيدة قروي الطابع يبدو فيه الأطفال رمزا للبراءة المطلقة في لعبهم ولهوهم، ويستعير فيه الشاعر صورة من طفولته، وهو يلقط المجار على ضفة النهر فيتصور أن أقدام الأطفال الأبرياء " محار يصلصل في ساقية " ويرسم حور طافحا بالنعومة حين يتصور أن أكفهم المصفقة " كخفق الفراشات مر النهار عليه بفانوسه الأزرق " . ثم يرسم من خلال الجو الذي يضفيه الأطفال على الحياة صورة للوداعة والسعادة والطمأنينة: فالأب ينسى التعب حين يعود فيتلقاه طفله " يكركر بالضحكة الصافية " والعجائز يجمعن من حولهن أولئك " الورود " - في الشتاء - لهم حكايات جميلة، ويتخيلن حين يرونهم أنهن عدن إلى عهد الطفولة الجميل؛ فإذا طلع الصباح نهض الأطفال يخفقون بخطاهم الصغيرة على السلالم ويدغدغون وجوه أهلهم النائمين، أو يرافقون أمهاتهم إلى الموقد لا ذكاء النار فيه؟.

(1) الأسلحة والأطفال: 5.

(1/185)

ولكن سرعان ما يتحول هؤلاء الأطفال إلى جنود يخوضون ساحات الموت بدلا من ساحات الطفولة وملاعبها وإذا هناك جثة دامية وخربة بالية؟.ان نذر الشر تحيط بالأطفال وهم يلهون ويغردون كالعصافير، ويغطي على أصواتهم الرقيقة صوت أجش يصيح في أرجاء القرية " حديد عتيق، رصاص،حديد " - صوت ينضح بالدم، صوت ذلك التاجر المشؤوم (1) الذي يشبه في حرفته " حفار القبور " فهو لا يستطيع ان يطعم أبناءه إلا بالاتجار فيما يصبح مادة لحصادهم، أو قبورا لهم.

وحين يتردد الصوت المنكر مرة ومرة تكبر الربوة التي يلعب عليها الأطفال، فإذا بها تشمل كل ربوات هذه الأرض - ولا تعود مقصورة على القرية - ففي كل بلد أطفال أبرياء يلعبون، والناس سعداء كالأطفال سيتخذ هذا الحديد أغلالا لهم ونصلا لقطع أوردتهم وقفلا دون حريتهم: يستوي في ذلك أطفال كورية وعمال مرسيلية وأبناء بغداد؛ ويتقابل الصوتان: صوت الأطفال وصوت التاجر، ولكن الصوت الثاني يفتح أمام عيني الشاعر صور الويل والخراب والدمار والأشلاء والانفجارات، وانهدام الجدران التي خط عليها الصغار لفظة " سلام " ويتغير وجه الأرض:

فمن يملأ الدار عند الغروب ... بدفء الضحى واخضلال السهوب (2) ... ويستمر التاجر في ندائه: فإذا أم تخرج من بيتها لتبيعه السرير العتيق " المهاد الذي التقى عليه عاشقان " ليصبح في المستقبل شظايا تفصل ذراعا عن ذراع، ولكن هكذا شاء أرباب " وول ستريت " :

(1) راجع صورة خضوري اليهودي الذي كان يجمع النحاس العتيق، فيما تقدم.
(2) الأسلحة والأطفال:5.

(1/186)

وأرباب وول ستريت القساه ... يحيلون حتى حديد السرير ... جناحا عليها المنايا تغير ... ويعود الصوتان إلى التقابل: وما أسرع ما يرى الشاعر آلام العذاب القاتل الذي يعانيه عمال المناجم ليبنوا حضارة سلمية من مركبة " يخف لها الصبية حين يسمعون أجراسها " وجسر وناعورة ومحراث يهز قلب التراب " وتخضل حتى الصخور الضنينة " ؟ ولكن وسائل السلم قد تتحول في يسر إلى و سائل دمار فلا يسمع إلا " صوت الرصاص وآهات الثكلى والطفل الشريد " . ولكن كيف تكون حال الأرض إذا خلت من الأطفال؟ وعند هذا الحد ينتهي التقابل بين الصوتين، فيقسم الشاعر بأقدام الأطفال وبالخبز والعافية أن جباه الطغاة لا بد من أن تعفر، ولا بد من تحويل أدوات الحرب إلى حروف هادية.، ولا بد من تحرير آسية من المغيرين: ثم يأخذ في إهداء " السلام " إلى مناظر السلم الجميل من حقل ودار ومعمل وزهرة وصبية وشاعر، وقد انتشرت ملاءة ذلك السلم فوق الدون والصين " والحاصدين، وصياد أسماكها الأسمر " فلولا الحرب التي يثرها الطغاة لما بكت نساء الجنود ولا بكى الأب بنيه، ولا شبت نيران الحقد لتحصد حي الزنوج ولا عاش أبناء يافا - على مقربة من لألاء مدينتهم - يعانون الزمهرير القاتل؛ ويمضي الشاعر في نشر رايات السلام فوق مختلف البقاع: فوق مدفن شكسبير، وباريس روبسبير وايلوار وتونس والرباط وفينيسية والكرنفال والمسيبسي وأغاني الزنوج من حوله؟ ويعود منظر الصبية العصافير، والدواليب تدور في كل عيد:

فقد لاح فجر العبيد ... وأنا رفعنا لواء السلام ... رفعناه فليخسأن الظلام ...

(1/187)

فالرصاص والحديد لم يعودا يتخذان للحرب وإنما لبناء كون جديد.

تلك بإيجاز هي الصورة العامة للقصيدة، ويتضح منها أن المبنى الشعري أقيم على أساس المقابلة بين دنيا الأطفال في براءتها وحيويتها وما تضفيه من هناءة في القلوب، وما تعقده من علاقات سلمية في الحيات و بين الدعوة إلى الحديد و الرصاص ؟وقد كان هذا التقابل يمثل الدورتين الأولى والثانية في القصيدة على نحو مسترسل ضاف، فيه طول النفس وفيه جمال التصوير لدينا الأطفال والصورة المضادة لها، ولكنه انقلن إلى تصوير جزئية صغيرة - منظر أم فقيرة تبيع سريرا كان ذات يوم مهدا للحب - ثم عاد يرسم التقابل بين تعب العمال في استخراج المعادن التي تبني الحضارات، وتحول هذه المعادن نفسها في خدمة الشر والطواغيت، ثم يجيء قسم بتحرير الأرض من أولئك الطغاة، وتمجيد عالم السلام وصانعيه في عدد كبير من الأمكنة، وتختم القصيدة بالأمل في فجر جديد؛ وقد أضطرب البناء على الشاعر، ولكنه في كل مرة لم يفلت الخيط العام الذي يربط أجزاء القصيدة، وذلك الخيط هو الالتفات دائما إلى الأطفال - والى سحر عالم الطفولة، فإذا أضطره المقام إلى الابتعاد عن تصوير هذه الناحية إيجابيا تساءل: كيف يكون العالم إذا خلا من الأطفال؟

فمن يتبع الغيمة الشاردة ... ويلهو بلقط المحار؟ ... ويعدو على ضفة الجدول ... ويسطو على العش والبلبل ... ومن يتهجى طوال النهار ... ومن يلثغ الراء في المكتب ...

(1/188)

ومن يرتمي فوق صدر الأب ... إذا عاد من كده المتعب؟ (1) ... ولهذا احتفظ بأجزاء قصيدته مرتبطة معا، وان كان اضطراب المبنى قد جعلها عرضة للتكرار غير الفني، وللاختلال في الصورة الكبرى. لماذا حدث ذلك؟ - أعني اضطراب المبنى - قد يكون هناك غير سبب واحد: أما أولا فأن الاحتفاظ بالازدواجية التي ظهر في الدورتين الأوليين لم يكن ممكنا، فقد وضع فيهما الشاعر الخطوط الأولى لكل ما يريد ان يقوله وثانيا ان الشاعر لا يكف قلمه عن الأسراب وراء أية جزئية في موضوعه، ولم كان ذلك خروجا على المبنا العام، وثالثا إن الموضوع الذي اختار الشاعر كبير يتسع للحياة الإنسانية كلها ومن ضعف التصور أن يظن أي شاعر انه قادر على الوفاء بمثل هذا الموضوع، وموقفه أدق حين يكون - كبدر - شاعرا يستهويه التفصيل؛ ورابعا لأن المبنى المزدوج يظل يتقبل مزيدا من الدورات دون أن يبلغ مرحلة الختام، ولهذا اضطر الشاعر ان يحول القصيدة إلى " شعارات " ، يحيي فيها جميع العاملين من أجل السلام، وان يمنحها خاتمة تشبه أن تكون من قبيل التفاؤل المقرر سلفا.

ومع ذلك كله فان للقصيدة جمالا خاصا يفردها بين كل ما عرفناه من قصائد بدر، لانا إذا تجاوزنا الشكل السياسي المفروض على ذهن الشاعر من الخارج وجدناها قصيدة تنبض بشتى صور الطفولة العذبة، وتفيض بمشاعر إنسانية قوية وخاصة عند التصدي لغياب نجوم الطفولة عن عالم الإنسان - انها انتصار للحياة على الموت، وهذا شيء فذ في شعر السياب - أو في اكثر شعره، على وجه الدقة. وهي بهذا كله ترتفع كثير على قصيدة " فجر السلام " وان اشبهتها في بعض تفاؤلها

(1) الأسلحة والأطفال: 17.

(1/189)

الختامي. وهي إلى ذلك تعبير عن قدرة بدر على ان يصور الحياة ببساطة ودون حشد زاخر من الصور، مثلما حاول أن يفعل في " حفار القبور " . ومع ذلك كان بدر فيها - من حيث البناء الكلي - ضحية طموحه بأن ينقل قطاعات كثيرة من الحياة الإنسانية، ويضعها في إطار واحد، ولو اكتفى برسم صورة الأطفال اللاعبين، المنادي الذي يشتري المعادن العتيقة وما ينجم عن هذا التقابل من فزع في نفسه إزاء صورة ثالثة تمثل الدمار، وتقتل البراءة بقتل رموزها، ولكن ذلك أقدار على التأثير الفني، عن طريق الاكتمال الطبيعي في البناء. ومهما يكن من شيء فأن قارئ القصيدة يحس بنضج الحنين في نفس الشاعر إلى بيت وطفل، ولعل هذا الشعور العاتي هو الذي مكنه من أن يجعل الأطفال محور الجمال وقطب الترابط في قصيدته، غير ناس أن ينعش من خلال ذلك صور طفولته في جيكور.

وتتميز القصيدة باتساق الروافد الثقافية في حزمة واحدة، وقد ألمحت من قبل إلى الأثر الخفي الذي تركه فيها أعوان، وتلك الاقتباس الجميلة التي وقعت موقعا جميلا حين انتزعها عامدا من رواية روميو وجولييت؛ ولأول مرة نجد عنده اقتباسا من اديث سيتول (1) ، الشاعرة التي ستهبه في المستقبل دنيا من الصور والرموز؛ وتناسب في ثنايا القصيدة خفقات من قصيدة شوقي، التي يتحدث فيها عن الأطفال:

ألا حبذا صحبة المكتب ... وأحبب بأيامه أحبب
ويا حبذا صبية يلعبون ... رداء الحياة عليهم صبي بل ان المفارقة التي رسمها شوقي بين عالم الأطفال وعالم المستقبل الذي لعب بمقاديرهم ونثر تلك الباقة الجميلة بيد قاسية، هي المفارقة

(1) انظر ص : 16 وهو اقتباس مباشر، ولكن اثر اديث سيتول قد ظهر في قصيدة " فجر الإسلام " حيث تحدث عن " ظل قابيل " .

(1/190)

التي نقلها السياب بين عالم الوداعة وعالم الحديد والرصاص. ومن الطريف ان الشاعر عاد إلى جزء من قصيدة " نهاية " - وكان قد نشرها في ديوانه " أساطير " - فاقتبس ذلك الجزء الذي يصور فيه منظر أب غرق أبنه، فهو في لوعته وتفجعه يتردد هنا وهناك كالمذهول سائلا عنه المياه، وضمنه قصيدة " الأسلحة والأطفال " ليقول انه رأى هذا المنظر في الواقع عيانا وشهد صورة مجسمة التي يجلبها الموت (1).

وحين أعاد الشاعر نشر هذه القصيدة في ديوانه أنشودة المطر (دار مجلة شعر - بيروت، 1960) أجرى فيها بعض التغيير والحذف، فهذا البيت:

سلام على (الدون) فاض النعيم ... اصبح:

سلام على (الكنج)؟ ... وحذف من القصيدة كل شيء يتحدث عن طواغيت " وول ستريت " كما اسقط هذا المقطع التالي الذي يتحدث عن حي الزنوج:

ولم تحصد النار حي الزنوج ... ولا مج فيه الرصيف الدماء ... ولا اجتاحه المجرمون العلوج ... بما جرروا من غلاظ الحبال ... وما صفدوا من رقاب الرجال ... ولا أن مرضى بطاء الليال ... وحذف مقطعا آخر طويلا يتحدث عن الزنوج وعن وسائل الفتك بهم (2) ؛ وتخلى أيضاً عن الخاتمة التي جاء فيها:

(1) انظر أساطير: 61 وقارن " الأسلحة والأطفال " : 18.
(2) انظر ص 28 من الطبعة الأولى.

(1/191)

فقد لاح فجر انطلاق العبيد ... وانا رفعنا لواء السلام ... رفعناه فليخسان الظلام ... وليس ما أخلت به الطبعة الثانية مما حذف لان الشاعر حاول أن يعدل في المبنى الفني؛ وقد يسأل سائل: هل أخل هذا الحذف ببناء القصيدة، وهل يستطع ان يدركه من كان لا يعرف الطبعة الأولى؟ وهذا سؤال لا يحتاج جوابا، فقد سبق أن أشرت إلى أن التفصيلات الجزئية في القصيدة كثيرة، ومعنى ذلك ان هناك جزئيات أخرى لو أسقطت منها لما أحس القارئ بأن هناك لبنة سقطت من موطنها الطبيعي. والسؤال الذي يحق ان يلقى هو: لم حذفت تلك الأجزاء دون سواها؟ إذ من الواضح ان المحذوف يتصل بموضوع واحد، وهو إخفاء الهجوم على طواغيت " وول ستريت " وإخراس الصوت الذي يتحدث عن قضية الزنوج، وطمس الخاتمة التي تتحدث عن رفع " لواء السلام " . ولا يحتاج القارئ إلى تأمل كثير كي يدرك سر الحذف، فان كان الذين تولوا نشر الكتاب هم الذين قاموا بذلك، فان طبيعة المحذوف تفضح ماهية الهدف، وان كان السياب هو الذي تولى ذلك فانه أمر قد يحمل على نزعة المراضاة والمجاملة للناشر، وهو أمر يقرر ان هذه النزعة لدى السياب ؟كما أشرت من قبل - كانت تصيب مبادئه ودفنه بخدوش، وأحيانا بجروح عميقة. أم ترى أن السياب راجع خطأه حين وجد ان الزنوج كانوا ينعمون بالحرية والمساواة وان عصا التفرقة العنصرية قد كسرت إلى الأبد؟ من العسير ان ننسب إلى الشاعر عرضه للمبادئ والمواقف ؟حسب متطلبات السوق الراهنة - ، ولكن من العسير أيضاً أن تتصور مفكرا يتنازل عن نزعته الإنسانية في سبيل عرض هذا الأدنى ؟اعني المراضاة والمجاملة، والفوز لقاء ذلك بطبعة أنيقة لديوان شعر.

(1/192)

- 16 -

المومس العمياء

حين انتقل الشاعر إلى كتابة قصيدة " المومس العمياء " لم يكن يدرك أن القصيدة التي تبنى على التضاد بين موضوعين (كالحياة والموت أو الحرب والسلام) قد تخفق، ولم يحس انه قد اخفق حقا في هذه المحاولة مرتين، ومع ذلك فانه في قصيدة " المومس العمياء " تجنب موضوع التضاد، شبعا مؤقتا من ذلك النوع من المبنى، وانتحى منحى آخر، لعله ابسط بكثير من البناء المزدوج.

كان في قصيدة " حفار القبور " قد ترك الباب مفتوحا ليعود إليه، لكنه بدلا من ان يعاد الكتابة مرة أخرى عن الحفار، وجد انه قد ضحى بالمرأة البغي في سبيل التصوير الفني حينئذ، فلم لا يتناول الحديث من زاوية النظر إلى تلك المرأة، فان الموضوع اشد اثارة واقرب إلى النفوس من موضوع " الحفار " ؛ وإذا كانت شخصية الحفار تمثل النزعة السادية الطاغية ؟كما أشرت من قبل - فأن تصوير نظريتها، في حالة استسلامية، اقرب إلى الناحية الإنسانية لأنه يستطيع ان يثير قدرا اكبر من الشفقة والعطف والرثاء.

ولقد كانت بعض الأدوات التي أسعفته في قصيدة الحفار ما تزال جاهزة لديه: فهو بحاجة إلى المنظر الليلي وإلى صورة الحارس

(1/193)

المكدودة، وصورة العابرين، وإلى السكير الذي يرتاد حي البغاء، ولكن لا بد من تغير الدافع المحرك للقصيدة: فقد كان هو المال لإشباع الشهوة الجنسية، أي أن الظمأ الجنسي كان هو الدافع الأقوى في توجيه قصيدة الحفار، ويصبح عنصر المال أقوى في قصيدة " المومس والعمياء " وتصبح الشهوة الجنسية وسيلة للحصول عليه، وتغدو الغاية من العنصرين: الشهوة والمال هي الحصول على القوت. وحين يتغير الدافع في القصيدة تتغير معالم أخرى كثيرة تبعا لذلك: فتدخل في الصورة شخصيات جديدة منها عدد من البغايا، والقواد، والجنود وصورة والد الفتاة التي أصبحت بغيا، وزوجة الشرطي، وبائع الطيور في حي البغاء، وعندما يتغير الدافع ويقوى عنصر المال يصبح إفراده بالحديث أمراً طبيعيا في القصيدة الجديدة؛ وتتعدد المسارب النفسية إلى الموضوع: فيمكن الوقوف عند الانتحار، والاحتجاج الجريح على هذا الوضع السلبي، والتغلغل في الذكريات، والمقارنة بين الصبا وخطر الشيخوخة الزاحفة، وبالجملة فأن قصيدة حفار القبور ليست سوى صورة لرجل معين يمشي في الطريق من الجبانة إلى المبغى ثم يعود إلى القبور. أما قصيدة " المومس العمياء " فأنها تاريخ حياة امرأة ؟شريط زماني يسترسل في داخل مخطط مكاني عريض هو حي البغاء في بلد عراقي. ولذلك كان هم الشاعر أن لا يعزل استرسال ذلك الشريط عن الواقع المكاني، بل ان يبقي البعدين الطولي الزمني والعرضي المكاني متجاوزين أو متلازمين.

وتاريخ حياة إنسان قد يقص حسب تتابعه الزمني، ولكن القصيدة تضيق ذرعا بذلك أحياناً، لأن نمو القصيدة ليس من الضروري أن يعتمد على تسلسل الزمن ؟كنمو الإنسان؛ فإذا تذكرنا ان قصة حياة فتاة تحترف البغاء لا تصور إلا في لحظتين: ما قبل السقوط وما بعده، أدركنا ان اللحظة الأولى هي

(1/194)

الجديرة بالتصوير، لرسم المفارقة البعيدة أولاً بين الماضي والحاضر، وللهرب إلى أحضان الماضي الجميل من شقاء التعاسة الراهنة؛ أي أن نمو قصيدة تتناول مثل هذا الموضوع يتم بالمزج بين الرؤية للواقع على ضوء من الذكريات، كما يكون للتداعي واللمح الرجوعي أثرهما في بناء القصيدة. وعلى التداعي والرجعات الخاطفة اعتمد السياب كثيرا في قصيدته، حتى جاءت سلسلة: حلقاتها الرؤية (أو التأمل في الواقع) والاستنكار، وليس يربط بين تلك الحلقات أحياناً إلا الخيط العام وهو صلة المرأة بكل حلقة منها على حدة. ويتم وصل هذه الحلقات بسرعة خاطفة تفوت على القارئ الفحص عن مدى التعسف أو الضرورة في ذلك الربط.

وتتخلص القصة ؟من حيث كيانها التاريخي - في سطور: فتاة اسمها سليمة، من أصل عربي صريح، عاشت في كنف أب فقير، كان يعمل حصادا بأجر، وذات يوم سمعت طلقا ناريا في الحقول، فهرعت تستطلع الخبر، وقلبها يحدثها ان والدها ربما صاد بطة تصلح طعاما لهم في ذلك اليوم، ولكنها تجد أباها مضرجا بدمائه، قتله إقطاعي (أو حارسه) اتهمه بأنه دخل حقله يسرق من قمحه الناضج، والفلاحون من حوله يهمسون في ذلة مرددين تلك التهمة: " رآه يسرق " . وتنشب الحرب وتجيء آلاف الجنود إلى العراق، فتستباح اعراض، وتقع سليمة فريسة لهذا المد العاتي، وتصبح بغيا محترفة، ويكون الإقبال عليها في شبابها كبيرا، ولكنها تصاب بالعمى وتحس بوطأة السنين الزاحفة، كما يتغير اسمها بعد فقد البصر فيدعونها " صباح " . وبسبب عماها يبتعد عنها طلاب الشهوة وتحس بالجوع والحاجة إلى المال. وفي غمار تلك الحياة القاسية تفقد بنتا كانت من ثمرات الإثم؛ وها هي في ذلك الوضع المحزن تستدعي الأيدي التي تشتري جسدها بما يسد الرمق فلا يسمع دعاءها أحد.

(1/195)

إن هذا السرد التاريخي يبين ان انتقال القصيدة حسب السياق الزمني سيكون خلوا من الأحداث، ولهذا لا يمكن اعتماده في القصيدة واهم حادثة في حياة هذه الفتاة هي ما اتصل بمقتل والدها، ولهذا كان البدء بها ممكنا. ولكن الشاعر كان يعتقد أن القصيدة الطويلة لا بد من ان تكون ملحمية الطابع، والملحمة تتطلب فاتحة تمهيدية، فذهب يمهد للقصة طويلة زادت على ست صفحات: عرض فيها للصورة الليلية التي أطبقت على المدينة، فإذا المدينة نفسها عمياء، والعابرون في طرقاتها هم أحفاد " أوديب " الأعمى ؟فهم أيضاً نسل العمى - تقودهم شهواتهم العمياء إلى المبغى حيث المقبرة الكبرى التي تطبق على جيف مصبغة بأنواع الطلاء، واحد السكارى (أعمى آخر) يدق على الباب يحلم بدفء الربيع، فيسخر الشاعر منه ومن حلمه الكاذب ويخبره ان شيطان المدينة (أي المال) لم يراهن في ذلك الحي إلا على أجساد مهينة محطمة، فليضاجع أية امرأة منهن لييسر لها الطعام، وليس ذلك السكير بأسوأ حالا من الأب الذي جعل من ابنته متاعا يشرى بالمال، فهو قد دفعها (في عماه وجهله) إلى ذلك المصير، وليست التي لحقت بالمواخير أسوأ حالا من " النائمات في كنف الرجال " اللواتي يعاملن بامتهان فهن أيضاً عمياوات في الذلة المضروبة عليهن، وكلهن ؟سواء بقين في كنف الرجال أو في حظيرة الإثم - يربين أطفال الحقد في صدورهن ليعصفن بالرجل المستبد الممعن في عماه.

تلك هي المقدمة وهي رغم التنقل السريع بين جوانب مختلفة من الصورة الكبرى لوضع المرأة، وقسوتها التقريرية، ووضوح التوجيه المقصود، من خير المقدمات التي يعنى بها السياب عناية خاصة في قصائده الطويلة، لأن وحدة " العمى " الحقيقي والمجازي فيها تجعل قصة المومس العمياء جزءا لا يتجزأ من اللوحة الكبرى.

وتبدأ القصة بعد ذلك بصورة بائع الطيور وهو يعرض سلعته في

(1/196)

حي البغايا، وتناديه سليمة لتتحسس ما يبيع، وفيما هي تمر يدها على الطيور تتذكر أسرابها التي كانت تراها في صباها، وتتذكر أباها والطلق الناري والفاجعة، وتسمع صوت قهقهات بعيدة فتعرف أن السمسار قد عاد " من الترصد بالرجال على الوصيد " وتتمنى لو كانت متزوجة فتخطر على بالها قصة زوجة بائسة هي امرأة الشرطي الذي يعمل حارسا في حي البغاء لكي يضمن ألا يتم اتجار بالخطايا " الا لعاهرة تجاز بأن تكون من البغايا " ، وتدرك أن الزوجة ليست أحسن حالا؛ فينصرف خاطرها إلى الانتحار فتدفع عنها هذه الخاطرة لأنها " حرام " فيستبد بها الغيظ وتتساءل في حرقة بالغة: أذن " لم تستباح " ؟ ويغلي الغيظ في صدورها حقدا على الرجال، وتتشفى بتوزيع الداء عليهم، ولكنها تتذكر انهم ليسوا سواء: فمن كان منهم كأهل قريتها كانوا أناسا طيبين، جائعين مثلها " ومثل آلف البغايا، بالخبز والاطمار يؤتجرون " ومن كانوا كالذين اغتصبوها ؟من جند الحرب - فهم المجرمون حقا، في استعلائهم وزهوهم؛ وتسمع وقع أقدام السكارى فيتمثل لها الوجود كله مقسوما في شطرين يفصل لبنهما سور، ها هنا بغايا وهنالك سكارى - تلك هي حياة البشر، وكل فريق منهما يطلب الآخر، ولكن السور عنيد كسور يأجوج ومأجوج الذي سمعت عنه في الصغر، لا يمكن ان يدكه إلا طفل اسمه " ما شاء الله " ، ويدركها الإحساس بأن الزناة يعرضون عنها. ألانها عمياء؟ ولكن الذين يطلبون جسدها لا يبحثون فيه عن عينيها. أترى ان رفيقتها " ياسمين " هي سبب أعراضهم عنها لأنها تزينها بالطلاء، فتتعمد تشويه محاسنها؟ ولكن لا، أنها تغيرت حقا عن تلك الصبية التي كان شعرها يلهث بالرغائب والطراوة والعبير، الصبية ذات الثغر الجميل والنهد الكاعب. ولكن إلى متى هذا الجوع والذباب قد شبع من قمامة المدينة؟ الجوع الصارخ يجعلها تصرخ ؟بينها وبين نفسها - مستدعية السكارى

(1/197)

مدلة بنسبها العربي، لم لا يأتي هؤلاء السكارى فيضاجعون دماء الفاتحين ؟دم خير الأمم كما كان أبوها يقول - ليكون في ذلك درس لكل أب لا يزوج ابنته متشبثا بخرافة النسب. وتسطع المفارقة حين تتذكر المصباح الذي تضيئه للآخرين وهي لا تراه، بزيت تدفع ثمنه من سهاد مقلتها الضريرة ؟والزيت غزير في بلدها - ؛ عشرون عاما مضت وهي تأكل بنيها من سغب، تريد الحياة وهي تخون سنة الحياة، وقد ماتت " رجاء " ابنتها، ولكن موتها كان راحة لها؟ انتظار؟ انتظار: " الباب اوصد، ذلك ليل مر، فانتظري سواه " .

ومن هذا العرض الموجز يتضح مبنى القصيدة، وتظهر الحلقات التي تكون السلسلة: الطيور ؟القهقهات ؟ وقع أقدام ؟ تذكر المصباح ؟ وفي جوف كل حلقة منها خواطر مستدعاة أيضاً، فالتداعي في داخل الحلقات موضوعي (مثلا: تمني الزواج ؟لا زواج فالانتحار بديل - لا انتحار فاحتجاج جريح: لم تستباح؟) ولكن تداعي الحلقات نفسها تعسفي يفرضه الشاعر للاستمرار في البناء، وليس من رابطة بينهما كما أشرت من قبل - سوى صلتها بالمرأة التي تتحدث عنها القصيدة. وهذا بناء سهل لا يكلف الشاعر شيئا من التخطيط سوى ان يترك " بطل " القصيدة حرا في هواجسه، يثبت ما يشاء منها ويحذف ما يشاء، ولا يقف هذا الشكل حين يقف الا عند التعب من التذكر أو عند فقدان المدد الهاجسي الصالح للإثبات والاختيار، ولهذا جاءت خاتمة القصيدة مؤقتة اعني أنها حين أعلنت " ذلك الليل مر فانتظري سواه " تركت الباب مفتوحا للتقفية على آثارها بقصيدة أخرى؛ ومثل هذا المبنى يوفر وحدة موضوعية ونفسية كما يكفل إيجاد جو عام يقوي هاتين الوحدتين ولكنه لا يستطيع أن يؤمن " وحدة ضرورة " اعني نمو الحلقات نموا حتميا، إحداهما من الأخرى. وقد كان من الممكن لهذا المبنى ان يكون مركبا لو كانت الرجعات الخاطفة تنقلا بين

(1/198)

" المونولوج " الداخلي وتيار الحياة الخارجي، ولكن الشاعر آثر ان ييسر على نفسه حين راوح بين القصص السردي والتأمل الاستطرادي، حتى انه ليستنفر الأسلوب الملحمي في سياق القصة نفسه:

يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد ... لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد ... قصي عليها كيف مات وقد تضرج بالدماء ... فبدلا من ان يتركها تعرض القصة من الداخل، يأخذ هو دور الموجه للسياق القصصي.

اذن فإن المبنى لا يجعل من قصيدة " المومس العمياء " قصيدة متميزة، أو نموذجا للقصيدة كما يريدها الشعر الحديث، فهل هناك عناصر تكفل لها القبول في النطاق الشعري العام؟ هناك لباب وأهداب:

أما اللباب فيتمثل في الفكرة المحورية وهي الصورة الداخلية القابعة وراء الانشغال بالصورة الجزئية، صورة فتاة مسكينة جنت عليها ظروف العيش. وتقول الصورة ان المجتمع ؟من حيث الأخذ والعطاء - فريقان: فريق المسخرين ؟بفتح الخاء المشدودة - وهم هؤلاء الطيبون الذين يؤجرون مقابل الشبع، وهم يأنفون من لفظة " بغي " دون أن يكون بينهم وبينها فرق طبيعة المعاملة المتسلطة التي تنحدر فوق رؤوسهم؛ وفريق أرباب " السهام التبرية " التي تصفر في الهواء، وبها قتل والد سليمة، وباسمها قامت الحرب، وبفعلها تم تحويل البنت الشريفة إلى بغي، والرجل العاطل إلى قواد، والشرطي إلى حارس على ممارسة الزنا بعد دفع الثمن للدولة؛ وعندما تحول هذا المجتمع على هذا النحو انقسم أهله في فريقين: فريق السكارى وهم الرجال العمي الذين يدفنون خروق جواربهم في أحذيتهم ويساومون البغي ليوفروا ثمن العطور، وفريق البغايا وهن جميع النساء

(1/199)

اللواتي يمارسن حياة البؤس في ظل الزوج أو دون زوج، وبين الفريقين سور كسور يأجوج ومأجوج لا يفتحه إلا " الشاطر " المسمى " ما شاء الله " . وهذا هو القدر في اعتقاد أولئك التعساء:

ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين
حتم عليها أن تعيش بعرضها

؟؟؟

والله ؟عز الله - شاء
ان تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراق

آلاف آلاف الجنود

؟؟..

الله عز وجل شاء

ألا يكن سوى بغايا أو حواضن أو اماء

أو خادمات يستبيح عفافهن المترفون (1)

هل يريد الشاعر ان يثير النقمة على " القدر " ؟ انه يسرد ما يعتقده أولئك البائسون دون تلميح، ولكن ما شاء أن يأخذ التقرير موشحا بمفارقاته وجد فيه استهجانا أو سخرية، وهو اثر تحجبه طبيعة الانهماك في القصة وتفصيلاتها دون الماع إلى رؤية جلية، في هذا الصدد.

ويتمشى مع الفكرة المحورية ذلك التيار النقدي في القصيدة وهو يتناول سيطرة المال واثر الحرب في المجتمع، والتشبث بفكرة النسب اصريح، وغمز الواقع المتصل الاقتصادي غمزا جانبيا سريعا:

ويح العراق أكان عدلا فيه انك تدفعين

سبهاد مقلتك الضريرة

(1) المومس العمياء: 12.

(1/200)

ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيرة ... كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين (1) ... ولكن اعمق نقد في القصيدة هم ذلك الذي يعالج العلاقة بين الحرفة والحياة: فالمرء يكدح للحياة في خدمة إقطاعي مثلا ولكنه يخون الحياة من حيث لا يدري، لأنه يعين الظلم عل الاستمرار ويفتح الباب لعبودية عشرات آخرين مثله، وكذلك البغي فان الطبيعة هيأتها لتكون أما، ولكنها تضاجع الرجال لتأكل لا لتبقي على استمرار النسل، بل تتعمد ان لا تثمر تلك المضاجعة فتقطع بذلك حبل الحياة، وتضفر حبلا سواه، فتشنق في النهاية بالحبل الذي تضفره.

ذلك هو لباب القصيدة، وهو يمنحها قوة موضوعية وفكرية؛ أما الأهداب فهي العلائق التجميلية والتخيلات الفنية ومنها: اعتماد الرموز والأساطير، فهذه أول قصيدة يتكئ فيها السياب على الأساطير اليونانية وغيرها بشدة، وكان من قبل لا يشتشير سوى قصة قابيل، اما الآن فهو يجمع إلى تلك القصة صورة ميدوزا وأوديب وافروديت وفارست وابولو، ولكن هذه الأساطير تدخل في قصيدته مدخل الإشارات التاريخية، والأسطورة الوحيدة التي تحتل موضعا راسخا في قصيدته هي التي تحدث فيها عن يأجوج ومأجوج والسور:

سور كهذا حدثوها عنه في قصص الطفولة ... يأجوج يغرز فيه من حنق أظافره الطويلة ... ويعض جندله الأصم، وكف مأجوج الثقيلة ... تهوي كأعنف ما تكون على جلامده الضخام ... والسور باق لا يكل، وسوف يبقى ألف عام ... لكن: إن شاء الإله ...

(1) المومس العمياء: 25 - 26.

(1/201)

طفلا كذلك سمياه ... سيهيب ذات ضحى ويقلع ذلك السور الكبير (1) ... ومن تلك الأهداب استغلاله المفارقة الساخرة في القصيدة: المفارقة التي الحارس ساهرا على اقتضاء حق الدولة في إجازة الخطيئة لا على حماية الناس منها، وتجعل هذا الحارس نفسه وهو في حي البغايا يردد أغنية " تصف السنابل والازاهر والصبايا " والمفارقة التي تجعل الذباب شبعان من قمامة المدينة والخيول تجد غذاءها في الحظائر والحقول بينهما الإنسان جائع، والمفارقة التي جعلت " الشرف الرفيع " و " الآباء " و " العزة القعساء " سلعا تعرض في سوق الشهوات فلا تجد مشتريا. والمفارقة التي تجعل عمياء تنفق كسبها القليل لإضاءة مصباح، ثم تلك المفارقة الساخرة في الأسماء: فالمرأة تسمى سليمة وهي لديغة تسوطها الشهوات وترقع وهيها بالدهان، وإذا عميت اصبح اسمها " صباح " ، وإذا رزقت بنتا سمتها " رجاء " ليموت رجاؤها جملة؟

وهناك عذوبة الاقتباس من حياة الناس في أحاديثهم اليومية وأغانيهم:

وتوسلته " فدوى لعينك؟ خلني بيدي أراها " (2)

؟؟؟؟؟

وصدى يوشوش " يا سليمة يا سليمة

نامت عيون الناس آه؟ فمن قلبي كي ينيمه " (3)

ومحاكاة الأغنية الشعبية بما يكسر من حدة الاندفاع السردي في قوله:

(1) ص 18 - 19.
(2) ص: 20.
(3) ص 20 وهي ترجمة لأغنية شعبية. انظر ص: 31 الحاشية: 11.

(1/202)

كالقمح لونك يا ابنة العرب ... كالفجر بين عرائش العنب

أو كالفرات على ملامحه ... دعه الثرى وضراوة الذهب

لا تتركوني فالضحى نسبي ... (1) من فاتح ومجاهد ونبي وهذا الارتكاز على لباب جوهري وأهداب تعتبر ؟في مجملها - علائق فنية جميلة قد يعوض بعض تعويض عن التعسف الذي ادخل الحيف على المبنى الفني الكلي، إذ نجد في اللباب مطلبا أكبر من الحديث عن مومس بائسة، كما نجد في الأهداب مكملات ضرورية للبراعة في السرد أو في التصوير. ومع أن القصيدة لا تتحمل بعدا رمزيا في جميع شخوصها وأحداثها، فإنها يمكن ان تتخذ في عمومها صورة لوضع اجتماعي عام يسوده الاضطراب والفقر والتشبث بمثل بالية؛ آلا أنها تصف اكثر مما تضرب جذور العلل والأدواء، ولا تحمل المسوغات حين تحشد الكوارث، وتطلق " الجبرية " من عقالها وتغل يد الإنسان عن التغيير، وتلقيه في الانتظار، ولعل بواعثها الذاتية إنما كانت نقمة الشاعر على المدينة وسأمه النفسي من تجاربه في دروبها المظلمة.

وقد خضع السياب فيها لمؤثرات خارجية: أما في الموضوع فإنه كان مأخوذا بسحر الروايات الميلودرمية الشائعة التي تهول على المشاهدين بما تكدسه من فواجع، لاعتقاد كتابها ان ذلك يبتز العطف والرثاء ويستدر الدموع؛ وأما في السياق فقد أراد أن تكون القصيدة شاهدا على أتساع الثقافة، ولهذا حشد فيها كثيرا من الإشارات إلي الأساطير - كما رأينا - وقد بدت أكثر تلك الإشارات مجتلبة، ما عدا ذكر أوديب، توطئة للحديث عن العمى، ورمزا للاستباحة العمياء التي لا تستطيع التفرقة بين الحلال والحرام؛ ثم إن " أوديب "

(1) ص 24.

(1/203)

في القصيدة شديد بروحها " الجبرية " التي تشبه فكرة القدر اليونانية، وهي فكرة العقاب للبريء أو المخطئ جهلا دون تقديم علة، حتى ولا علة امتحان المؤمن (كما في قصة أيوب). وقد كان السياب بحاجة إلى ان يدرك ان يدرك ان ترديد الأسماء الأسطورية أو التاريخية محض ترديد لا يصنع رموزا؛ وأن صهر الإشارات في سياق القصائد أكثر انسجاماً واقدر. على تحقيق حسن الظن بالثقافة الواسعة، ففي قوله:

انك تقطعين

حبل الحياة لتنقضيه وتضفري حبلا سواه

إشارة إلى بنيلوبه وهي تحيك غزلها ثم تنقضه في انتظار عولس، ولكنها انصهرت في السياق، وأصبحت تومئ من بعيد إلى قصة قديمة، وهي على هذا النحو خير من التصريح بذكر بنيلوبه وفرضه على المقرئ فرضا.

وليس في كل حين يكون الاستمداد من النبع الثقافي موفقا، كيف كانت في الصبا، حتى تنكر من نفسها ما صارت إليه:

تلك المعابثة اللعوب؟ كأنها امرأة سواها ... كالجدولين تخوض ماءها الكواكب، مقتاها ... والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير ... ؟.

كانت إذا جلست إلى المرآة يفتنها صباها ... فتظل تعصر نهدها بيد، وتحملها رؤاها ... من مخدع الآثام في المنفى إلى قصر الأمير ... تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير ...

(1/204)

وهذه اللفتة مستمدة من ثقافة السياب، فقد قرأ لعمر أبو ريشه قصيدته جان دارك - فيها احسب - ووقف فيها على قوله (1) :

وأكفها في شعرها ... تزداد دغدغة ولهوا
والناهدان بصدرها ... يتواثبان هوى وشجوا
فتشد فوقهما وسادتها ... وفي شغف تلوى ؟.
وتمثلت خدنا يحل ... براحته لها المازر

ويضمها شغفا وتهمي ... فوقها القبل المواطر وقد ضل السياب حين تابع أبو ريشة كما ضل صاحبه من قبل، وكلاهما غرف من شهوات نفسه ما سكبه على " بطلة " قصيدته. لا لأن جان دارك لم تكن فتاة جملة ريانة العود مفعمة بالشهوة ولا لأن " سليمة " لم تكن مكتملة الأنوثة، صاخبة النفس بأحلام الجنس؛ ولكن لأن من يريد ان يتحدث عن " قديسة " ؟في قصيدة لا في سيرة حياة - لا يتحدث عن لبؤة قد تضرمت نيران الشهوة، ومن يريد أن يثير عطف الناس على مومس أذلتها الحيات لا علاقة له بالحديث عن سعار الجنس الذي كان يستبد بها في شبابها، إذ كيف يصدق الناس ان حاجتها هي التي دفعتها إلى ذلك المنحدر دون تركيبها الشهواني المستعر بشبق جارف؟

(1) من شعر عمر أبو ريشة: 99 -100.

(1/205)

- 17 -

أنشودة المطر

حتى هذا الحد كان السياب يرى القصيدة الطويلة بناء يعتمد على قطبين (كما في فجر الإسلام والأطفال) أو على الاسترسال مع التداعي (كالسوق القديم وحفار القبور والمومس العمياء)؛ وكل قصيدة منها لا بد من ان تعتمد على مشرع تمهيدي يهيء الجو العام أو يطرح المشكلة ولو لم يخبرنا ان قصيدة " أنشودة المطر " كانت قصيدة طويلة لتصورنا فيها حين تنظر إلى اعتمادها على فاتحة مسترسلة؛ وكذلك جاءت قصيدة " غريب على الخليج " ، وهما تمثلان وجهتين لقطعة عملة واحدة، فتؤكدان التقارب الزمني بينهما. إلا أن قصيدة " غريب على الخليج " ربما كانت اسبق في زمن لأنها لا تزال تحمل طبيعة المقدمة التي افتتحت بها قصيدة " المومس العمياء " كما تحمل إثارة من صور هذه القصيدة وبعض أفكارها.

وقد يوهم بناء كل من هاتين القصيدتين " غريب على الخليج " و " أنشودة المطر " أن الازدواجية لا تزال هي القاعدة التي ترتكز إليها كل منهما. فالأولى تمثل الإحساس بالغربة والشوق العارم للعودة إلى العراق ولكن عدم وجود النقود يقف حائلا دون هذه العودة، والثانية تصور العراق نفسه من خلال المنظر الماطر. والحقيقة ان الازدواج في القصيدتين قد يسمى ازدواج التطابق: فالعراق والنقود التي تمكن الغريب من العودة شيئا متطابقان ؟أو هما أيضاً وجها

(1/206)

قطعة العملة الواحدة - أحدهما لا يستقل بالوجد دون الآخر، والعراق والمطر في قصيدة الثانية شيئان متطابقان أيضاً، بل هما اشد تطابقا من العراق والنقود، لآن الصلة بينهما صلة حياة مستمرة، لا عودة فردية محفوفة بظروف عابرة.

وتعتمد الإثارة فيهما على السحر البدائي الكامن في اللفظة؛ فاللفظة المتكررة هي التعويذة التي يرددها السحر القديم، أو هي " افتح يا سمسم " ؟كلمة السر التي تفتح على وقعها مغيبات النفس وهذه اللفظة هي " عراق " في القصيدة الأولى وصنوها " نقود " ، وفي الثانية " مطر " وليس لها صنو منفصل، وإنما تحمل صنوها " عراق " في ذاتها حمل الأم للجنين.

في القصيدة الأولى " غريب على الخليج " تتفجر في داخل النفس " عراق " والموج يعول " عراق عراق " والاسطوانة في المقهى تردد " عراق " ، وينفتح على ترديد اللفظة أبواب الماضي: فإذا بالطفولة المتمثلة في وجه الأم والنخيل وحكايا العمة والتنور الوعاج، واذا الشوق:

شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولادة (1)

- عودة طبيعية اثر تلك اللفظة السحرية، ولكن سرعان ما يعود الشاعر من حلم الماضي إلى واقعة ليرى نفسه:

تحت الشموس الأجنبية
متخافق الاطمار ابسط بالسؤال يدا
صفراء من ذل وحمى ؟ ذل شحاذ غريب
بين العيون الأجنبية

(1) ديوان أنشودة المطر: 13.

(1/207)

بين احتقار وانتهار وازورار أو " خطية "
والموت أهون من " خطية "
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية
قطرات ماء؟. معدنية (1)

العراق هنا لا تحققه هذه القطرات المعتصرة: واحدة، اثنتان، ثلاث.. العراق يحققه رنين قطرات أخرى.. نقود.. لمعة الموج تقول: نقود؟ كواكب الخليج: نقود؟ وعند كل رنة يردد الصدى ..ود.. فتصبح " أعود " .. " العراق " لفظة تفتح مغالق النفس المتناهبة بين جمال الماضي وبؤس الحاضر ولكن لفظة " نقود " تفتح العراق المغلق؟ ولكن لا عودة لأنه لا نقود؟ هنالك عوضا عنها قطرات الدموع وهي هذه المرة تتساقط: واحدة. اثنتان. ثلاث، من عيني الواقف أمام الباب المغلق ؟ الباب المغلق ذي المصراعين: العراق والنقود، لكنها ليست قطرات الماء المعدنية التي كانت تعتصرها العيون الأجنبية.

القصيدة أذن تموج النفس في صعود يتلوه هبوط (الماضي ؟الحاضر، الأمل في العودة - اليأس منها) بين لفظتي " عراق ؟ نقود " ، فهي صورة سجين، لسجنه بابان مغلقان، يفضي أحدهما إلى الآخر،ولا تجدي القوة السحرية البدائية أمامهما شيئا لأن الواقع أقوى من السحر. وقبل ان نغادر هذه القصيدة يجدر بنا أن فيها إلى أمرين: أولهما أن الشاعر يلتفت لأول مرة إلى المسيح والصلب:

وحملتها فأما المسيح يجر في المنفى صليبه (2)
وهي لمحة عابرة، ولكنها ضرورية لتصور ما حدث من بعد في

(1) نفس المصدر: 14 - 15.
(2) ديوان أنشودة المطر: 14.

(1/208)

شعر السياب. والثاني: أن الباب الذي فتحه ترديد لفظة " عراق " أفضى إلى عراق الطفولة لا إلى عراق الواقع الراهن حينئذ ؟أو ما يسميه الشاعر " عراق روحه " ، فكأن الصلة التي تربطه با العراق هي عالم الطفولة وذكرياتها.

وهذا الأمر الثاني يؤدي بنا توا إلى قصيدة " أنشودة المطر " والى الفرق الكبير بينهما وبين القصيدة السابقة، بل إلى الفرق بينهما وبين كل ما سبقها من قصائد دون استثناء، فهي تقارب قصيدة " غريب على الخليج " في استغلال السحر الكامن في الكلمة، ولكن الكلمة هنا حقيقة كلية، تحقق عالما جديدا لا عودة ذاتية؛ وفي كلتا القصيدتين تنبعث الطفولة، ولكن انبعاثها هنالك ذكرى جميلة (تزيد من وضوح المفارقة مع الحاضر) أما هنا فان الطفولة جزء من حياة كبرى - فالعودة إليها ليست هربا إلى الماضي، وإنما هي وصل للماضي بالحاضر، ووصل للذات بالمجموع، ووصل للفرد بالمجتمع، حتى ينتج عن ضروب هذا الوصل وحدة عامة تستشرف المستقبل في ثقة الإنسان المطمئن إلى المصير الإنساني.

الحبيبة ؟في فاتحة القصيدة - هي الأم أو القرية أو العراق، أو هذه الثلاثة مجتمعة، والحب قوة ساربة في الإنسان والطبيعة على السواء: العينان غابتا نخيل ساعة السحر وحين تبسمان تورق الكروم وترقص الأضواء كأنها أقمار في نهر يرجه المجذاف، أو كأن النجوم ترقص في غوريهما، فإذا غابتا في ضباب الأسى أصبحتا كالبحر " سرح اليدين فوقه المساء " وأخذ يخفق فيه تيار من الحياة ؟فهو يعكس دفء الشتاء وارتعاشه الخريف والموت والميلاد والظلام والضياء؟ لا فرق بين الأم الكبرى والأم الصغرى، كلتاهما لبعدها تثير في نفس الطفل " رعشة البكاء ونشوة وحشية تعانق السماء " ؟. عينا الأم

(1/209)

الصغرى تغيم بالأسى، والطفل يحس برعشة البكاء، فتلتفت الأم الكبرى بعينين باكيتين ووقع قطراتهما يقول: مطر؟ مطر؟ مطر؟، أنشودة متصلة متقطعة في آن تشبه هذيان الطفل الذي قالوا له ان أمه ستعود، ورفاقه يهمسون ان قبرها هناك على التل، يشرب قطرات المطر؟ ويجتاح كله حزن غامر، فيزداد إحساس الغيب بالضياع على سيف الخليج، فيصيح به " يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى؟ " .

المنظر ناضح بالحزن حتى أعماقه، ورغم انه يصور طفولة الشاعر ويستمد اكثر مواده منها فانه الحقيقة التي يجب أن تلد حقيقة مغايرة.. من الحزن يجب ان يتولد المرح، كما يتحتم أن يتولد عن المطر خصب وغلال، ولكن الشاعر غريب ناء ولهذا فان المطر لم يولد في نفسه إلا جوعا، - شوقا إلى الام، إلى القرية، إلى الطبيعة؛ والشاعر والعراق سيان، لأن المطر لم يولد في العراق إلا الجوع؟ لأن الغلال التي يسكبها المطر لا يأكلها إلا الغربان والجراد؟ وتاريخ المطر في العراق طويل، ولهذا كان تاريخ الجوع فيه طويلا:

وكل عام حين يعشب الثرى نجوع (1) ... ما مر عام والعراق ليس فيه جوع ... والمطر يهطل: دفقة اثر دفقة؟ والرحى تدور في استخراج الغلال؟ ولكنها تمزجها بقطرات الدم ؟دم العبيد العاملين لإشباع الغربان والجراد،؟. إلا أن دفقات الأمطار والدماء لا بد ان تنداح كراتها وقطراتها عن عالم فتي جديد فيه الحقيقة المغايرة، فيه البسمة والنور:

(1) ديوان أنشودة المطر: 164.

(1/210)

في كل قطرة من المطر ... حمراء أو صفراء من أجنحة الزهر ... وكل دمعة من الجياع والعراة ... وكل فكرة تراق من دم العبيد ... فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد ... أو حلمة توردت على فم الوليد ... في عالم الغد الفتي واهب الحياة ... مطر؟ ... مطر؟ ... مطر؟ ... سيعشب العراق بالمطر (1) ... ويعود الشاعر فيتذكر جوعه ؟ظمأ إلى العراق، ويصيح بالخليج فلا يجيبه إلا صدى موجة تتكسر على الشاطئ حاملة الرغوة وبقايا بائس غريق ظل يشرب الردى من لحة الخليج - ارتوت عروقه حتى كادت تنفجر،؟ ولكن في العراق ريا آخر إلى جانب الظمأ والجوع: " ري الأفاعي التي تشرب الرحيق من زهرة يربها الفرات بالندى " إلا أن الحقيقة المغايرة لا بد أن تولد؟ من قطرات المطر وقطرات دم العبيد.

المطر " تلك هي الصفحة الخارجية من حقيقة الحياة، لشاعر يحس بالعربة عن الوطن والأم، ولكنه رغم المطر يحس بالظمأ، مثلما يحس العراق اثر المطر بالجوع، فالصفحة الداخلية من حقيقة الحياة هي الظمأ والجوع والموت؟ موت البائس الذي قذفه موج الخليج إلى الساحل، وموت الشاعر على سيفه في الوحشة والغربة والضياع؟

(1) أنشودة المطر: 165.

(1/211)

ولكن الموت لا يخيف، لأنه يلد الحياة، والجوع والظمأ لا يخيفان لأنهما سيفرجان عن شبع وري. الحقيقة الكبرى هي ان الطبيعة أم حانية: كلتاهما قد تبكي فتعبث اللوعة في نفوس، ولكن هذا البكاء بدء حياة جديدة، لأن قانون الحياة يقول: أن المطر لا بد من أن يلد عشبا، وشبعا وريا، وهذا الشبع والري من حق الذين يصنعون الحياة بدمائهم وليس من حق الغربان والجراد والأفاعي.

ها هنا الوحدة الكلية بين الفتى والأم والطبيعة والبائسين من بني الإنسان، مثلما هي الوحدة الكلية بين النشيد المتصل في القصيدة وشخوصها وبين الأضداد الظاهرية من حزن وابتسام وجوع وشبع وظمأ وري، لأن قوة التحول لن تجعلها أضداد إلى الأبد.

القصيدة بسيطة: لفظة واحدة استطاعت ان تغوص إلى سر الوجود، كما استطاعت ان تربط خيوطا مختلفة، وان توحد الطاقات في حبل قوي، هو حبل الأمل، فلم يعد الشاعر منفصلا بمشاعره الذاتية، ولم تعد النظرة الإنسانية مفروضة على هذه المشاعر من مبدأ خارجي، وإنما هي تسترسل ؟كما يسترسل المطر - من طبيعة الموقف كله، أنها صورة التلاحم بين الخصب والجوع دون إغراق في التصوير واستجلاب للانفعالات، وخروج بالأسى عن وقدته الطبيعية التي تشبه وقدة النار تحت الرماد. ومع أن عرض القصيدة قد اظهر كثيرا من الصبغة التقريرية، فأنها في الواقع من اشد قصائد السياب اعتماد على ألا لماح السريع والربط الداخلي، أول قصيدة من نوعها في شعره، وهي فاتحة ما يمكن ان يسمى " شعره الحديث " - اعني أنها في داخلها مبينة بنا تكامليا، وفي خارجها تتكئ على دورات متصاعدة، قليلة الاستطراد إلى الجزئيات التي تنحرف بها عن وجهتها العامة وعن غايتها النهائية. وإذا غاص القارئ بإحساسه الطبيعي في أعماقها وجد نهرا يعب كأنه صورة الخليج المرئي: فيه

(1/212)

اللؤلؤ والمحار وفيه الردى أيضاً، فيه الدم والجوع والحب والطفولة والموت، ولكن لا بأس: انه نهر الحياة الذي يحمل الناس جميعا إلى عالم فتي يهب الحياة. وهذا الهدوء التقبلي ليس جبرية وإنما هو اطمئنان إلى قوة التحول، إلى النظرة البدائية التي تربط الإنسان بالأرض وفصولها؟ القصيدة هنا كالأرض تهتز بالمطر لتربو نسمة الحياة، وان كان المطر يحدد سطحها ويجرف بعض معالمها، والأرض هي الأم، التي تمنح الحياة ولادة جديدة، ولما كانت القصيدة صورة للولادة الجديدة، فإن الإحساس بها يملأ النفس باستجابة غامضة، تكاد تكون لا شعورية.

ولهذا كله امتلأت القصيدة بصور نابضة أو متفتحة أو مشرفة على التفتح: " الكروم تورق ؟الأضواء ترقص ؟المجذاف يرج الماء - النجوم تنبض ؟ارتعاشه ؟الخريف ؟رعشة البكاء ؟الخليج يفهق بالؤلؤ والمحار والردى ؟العراق يذخر الرعود والبروق ؟الرجال يفضون الختم عنها ؟القطرة تنفتح عن أجنة الزهر - ؟ " وليست هذه صورا للتزيين، وإنما تعتمد إيحاءات اللفظة والصورة معا لتمهد الطريق إلى التفتح الكبير ؟الذي تستعد له الحياة، وقد استطاع السياب أن يتخلص من صور الجنس التي كانت تعذبه وتملأ أخيلته في قصائده الأخرى حين جعلها تخب تحت صور الحياة عامة، ولم ينثرها على سطح الصورة الكبرى؛ وبالجملة صهر السياب ذاته وتجربته السابقة وموقفه الإنساني في " قصيدة " ، بعد أن طال به العهد وهو يجيل قلمه في ميدان التجريب والخطأ.

(1/213)

فراغ

(1/214)

- 3 -

تجلي إرم

(1/215)

فراغ

(1/216)

- 18 -

انفصام الرابطة الحزبية

لقصيدتي " غريب على الخليج " و " أنشودة المطر " دلالة أخرى سوى دلالتهما على المرحلة الفنية التي كان الشاعر قد بلغها، فقد صورتا إحساسه الذاتي بغربة قاسية فريدة، وعذابه الأليم في تلك التجربة الكويتية الايرانية، وحين أخذ يتأمل في طبيعة تلك الغربة وذلك العذاب ازداد إحساسه بالعراق ؟عراق الطفولة وعراق البؤس والجوع، واقترن الاثنان في نفسه اقترانا شعوريا وفنيا لم يتحقق من قبل على هذا النحو. لم يقفز إحساسه حينئذ إلى رؤية البؤس الانساني؛ لم يفكر في أطفال الزنوج أو في عمال مرسيليا، أو في الكادحين في كل مكان من الكرة الأرضية؛ ذابت تلك الخفقة التي عبرت عنها قصيدة " الأسلحة " والأطفال " ليحل محلها شعور مستبد طاغ بالطبيعة العراقية والذكريات العراقية ومطر العراق وعمال العراق وفلاحي العراق وجوع العراق ؟وكبرت صورة العراق في نفسه حتى طردت كل صورة أخرى، أي كبر الاحساس بالوطن وبالرابطة الوطنية القومية، دون سواها من الروابط الأخرى، وكانت قصيدة " المومس العمياء " مقدمة طبيعية لهاتين القصيدتين، لأنها جعلت تلك المرأة عربية عراقية مستباحة الجسم والنفس؛ وكانت التجربة المريرة مع حزب توده هي النافذة التي انفتحت لاستقبال ريح تلك الاحاسيس؛ انه ؟حسب تجربة السياب - حزب

(1/217)

أممي من حيث المبادئ ولكنه يتغنى بالأمجاد القومية والماضي القومي والتاريخ القومي، ويتعصب للغته وتراب أرضه عصبية قد تجوز على المشاعر القومية عند الآخرين كما قد تتنافى مع المبادئ التي اتخذها له شعارا. لماذا لا يحق للسياب أن يتعصب لوطنه وقوميته على هذا النحو؟ ألأن الحزب الشيوعي العراقي الذي ينتمي إليه يمثل الأقليات؟ ثم ماهو التعويض الذي يرجوه الغريب عن التعاسة والبؤس في ديار الغربة؟ انه بحاجة إلى صدر الأم، إلى صدر الوطن الجميل العطوف، وحين أتحدث صورة الأم وصورة الوطن كان السياب يقترب من العراق قربا مساويا لبعده عن الأممية. كانت الأممية وثبة في فضاء مجهول لا تتلاءم وطبيعة الطفل الذي يرى الحياة قبرا ونخلة على ضفة " بويب " ولا تنسجم وطبيعة اليافع الذي يحلم بالحبيبة ؟الام، ولا تتواءم ومشاعر المراهق الذي يعانق الحب والموت في آن، ولا تتمشى واحساسات الشاب الذي يحب كل فن جميل ولو كان صاحبه خائنا لكفاح الطبقات الكادحة. وعاش الشاب منقسم النفس: لأن الكفاح الجماهيري كان قد أصبح ؟منذ سنوات - قدرا لا يستطيع التراجع عنه، ولأن الفردية الصارخة كانت ما تزال تشده إلى أحلام الحب والموت، وحين تزوجت هذه الفردية الوطن، واتحدت به اتحاد التطابق، استراح الشاعر إلى وضع جديد، وإذا هو يحس - ألم أو تأنيب نفسي ؟ ان رابطته بالأمية قد انفصمت في يسر، وانحلت العقدة حين تباعد طرفاها عفوا دون أن تحتاج إلى إرادة لتقطعها قطعا.

ليس معنى هذا أن الأممية تنكر الشعور المخلص الصادق في خدمة الوطن والتضحية من أجله. ولكني هنا أتحدث عن وضع محدد، وعن أحاسيس مرهونة بظروفها. ومن تتبع الصفحات السابقة من هذه الدراسة استطاع ان يجمع عددا كبيرا من الأسباب الكبيرة والصغيرة التي أدت بالسياب إلى الانفصال عن الحزب الشيوعي العراقي، وكل ما

(1/218)

أريد أن أقوله هنا هو ان تلك الأسباب المجتمعة و ضلت بفعلها و تأثيرها إلى اللحظة الحرجة

حين كان السياب يعاني تجربة غربة مريرة ، ساعتئذ أحس ؟ بطريقة عفوية ؟ إن الوطن أحق با بستقطاب مشاعره ، بل هو قد استقطب حقا مشاعره جميعا على نحو من الحنين و التصور الرومنطيقي :

الشمس اجمل في بلادي من سواها ، و الظلام
حتى الظلام ؟ هناك اجمل فهو يحتضن العراق
و احسرتاه متى أنام
فأحس أن على الوسادة
من ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق (1)

وكان هذا الشعور ينسجم مع طبيعة طفولته و ذكرياته ، لآن المسافة بينها و بين فرديته أصغر بكثير من المسافات بين تلك الفردية و النزعة الإنسانية الكبرى . ساعتئذ أحس ؟ مخطئا أو صيبا - أن الوطنية بمعناها القومي تصلح بديلا عن تلك النزعة الإنسانية العامة، فنانق الاتجاه الجديد، دون ان يعلن لأحد ان صلته بالحزب قد ماتت ؟هكذا في يسر - من غير ان تعاني شيئا من سكرات الموت، أو شيع بالبكاء والعويل. تلك حقيقة لا تغير منها العوامل الأخرى التي طرأت بعد العودة إلى العراق، وإنما تزويدنا اطمئنانا إليها:

عاد السياب إلى بغداد فوظف في مديرية الأموال المستوردة بوساطة من صديقه عبد الرزاق الشيخلي، وعاد دولب الحياة يجري كما كان يجري من قبل. إلا أن العراق الذي كان يتراءى له في الغربة لم يكن كذلك: كلما اقترب المرء من دنيا الحقيقة ذابت من حولها

(1) ديوان أنشودة المطر: 14.

(1/219)

أنسجة الأوهام؛ ولكن ؟مهما يكن من شيء - فان القروش القليلة في بغداد وبين الصحاب أجمل كثيرا من غسل الصحون وتنظيف الغرف وترتيب الأسرة في الكويت.

وأكبر شيء تلقاه السياب الضربة المفاجئة انه وجد رفاقه اليساريين قد تناسوا مواقفه في المظاهرات وقصائده المثيرة للجماهير، وأحس أن الغربة قد جعلت ألوان كفاحه تميل إلى الشحوب، بينا أخذ يلمع في الاتجاه اليساري اسم شاعر آخر، هو عبد الوهاب البياتي، فلم يغفر السياب لليساريين ما عده تنكرا لفنه في سبيل اليسار، ولم يغفر للبياتي هذه الجرأة التي منحته الشهرة دونه، ولم يغفر للزمن ذنبه في أن أتاح للبياتي تلك الفرصة؛ وأخذت النار تقترب من الفتيل المشبع بالبنزين ؟الفتيل الدقيق الذي يربط بين السياب واليساريين.

وأخذ السياب يعرض ما كتبه أثناء اغترابه على الرفاق، فأعجبتهم الروح العامة في قصيدة " الأسلحة والأطفال " ولكنهم أبدوا شيئا من التردد في قبول " المومس العمياء " ، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد في فرض رأيهم عليه حين أمروه ؟على حسب تعبيره - بأن ينشر القصيدة الأولى قبل الثانية (1) . وبدأت المحاكمات والمكايدات الصغيرة تكشف عما قد اختمر في نفسه، وكانت الظروف معينة على تطوير تلك المكايدات. فقد نصحه بعض أصدقائه بأن يثبت وجوده في الميدان لئلا ينساه الناس، وأن يطلب الشهرة خارج حدود العراق، ذلك لأن ما ينشر في العراق ربما يتجاوز حدوده في كثير من الأحيان، وتلفت السياب حوله فرأى ان مجلة الآداب خير ما يكفل لشعره الذيوع والشهرة، فأرسل إلى المجلة قصيدة بعنوان " يوم الطغاة الأخير " وكتب تحت العنوان: " أغنية ثائر عربي من تونس لرفيقته " ، وليس في القصيدة

(1) الحرية: 1443.

(1/220)

أية دلالة على تونس أو على أي مميزات خاصة تجعل الثائر عربيا، ولكن السياب كان يعلم أنه يتقدم إلى مجلة الآداب أول مرة، وأن للمجلة طابعا خاصا ونزعة معينة تحرص عليهما، فكان إهداء القصيدة تقربا إلى المجلة وقرائها.

ويقول السياب: " وثارت ثائرة الشيوعيين لهذا الإهداء " (1) ولا يستطيع المرء الذي لم يلابس طبيعة تلك المماحكات والمكايدات عن كثب أن يجد أية علة مقبولة للغضب من تلك العبارة، فالثائر حين يثور لا يتخلى عن انتمائه، اللهم الا أن يكون بعض الناقمين على ذلك الإهداء كانوا يرفضون ان يعدوا التونسي عربيا. وأيا كانت الأسباب فان السياب مضى في المكايدات شوطا آخر، ليوجد لنفسه عذرا في الانفصال مستمدا من أحداث الواقع لا من الأحاسيس النفسية الدخيلة. فنشر قطعا من قصيدة " المومس العمياء " في مجلة الأسبوع العربي التي كان يصدرها خالص عزمي (2) ، ومنها تلك القطعة التي تتحدث عن أن " بطلة " قصيدته عربية النسب، فلما قرأها بعض الرفاق (وأكثرهم من اصل إيراني) هنأوه عليها (3) لأنه غمز من قناة العرب وأسطورة العرض والشرف الرفيع؛ وكان السياب ؟في حقيقة الأمر - قد جعل ذلك المقطع من قصيدته للغاية التي أدركها الرفاق فيه، فأحس في سرورهم أنه يكاد ولا يكيد، وأنه قد عرض قومه للشماتة، فأحب أن يرد الصاع بمثله، فلما نشر القصيدة كاملة في كراسة مستقلة، كتب تعليقا على ذلك المقطع يقول فيه: " ضاع مفهوم القومية عندنا بين الشعوبيين والشوفينيين، يجب أن تكون القومية شعبية والشعبية قومية؟. أفليس عارا علينا نحن العرب أن تكون بناتنا بغايا يضاجعن الناس من

(1) المصدر السابق.
(2) العبطة: 14.
(3) الحرية: 1443.

(1/221)

كل جنس ولون؟ " (1) وكان واضحا ان هذا التعليق توجبه جديد لمحتوى ذلك المقطع من القصيدة وانه أيضاً مماحكة سافرة؛ وقابلة جماعة من الرقاق وقالوا له: ما الضرر في أن يضاجع المومس العربية أي امرئ كان ما دامت هي قد رضيت أن تكون بغيا؟ ورد السياب بأنه