*( أَوَمَن كَانَ مَيِّتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ...)*
قرآن كريم، الأنعام، 122.
إلى بسمة؛ أفرح باسمك الذي هو مروحة من ضوء.
تَصْرَعُنا الظلمات:
ما يلبث منا، وليس يُنقِذُه سوى ما يلبث فيه من الضوء
ما يسبقنا إلى أن يكون سيِّد الميراثِ؛
" هاماكِ " الخسارة الذي يستلقي فيه
كي يرى، مترجحا، ذروة الحطام
ويرانا ضاربِينَ بالمصابيح المعطوبة في الليل
ما يُنْجيه افتتانُه بالهش
وبالمعنى الذي لا يدعمه سوى تلَعْثمِ شفتين
تنثران الريش وتتلقيان كلاما تمليه صاعقة ـ
إذ ينهض من كَبْوَتِه،
يَمْثُلُ مرة أخرى إزاء الضوء
مفتونا بذاته وبالضوء الذي معه
وما لم يلبث؛
كل الذي ترنح متلاشيا بين السقطة والهبوب والغياب
وساريا في الهباء، كي يكثر الهباء
يُحْدِثه الضوء دائما في اسم آخر.
إ. ع.
(كتبت هذه النصوص بين 09 شتنبر 2007 و ديسمبر 2009
1 ـ
هنا، قبل اثني عشر عاما، في قطار تلبَّث طويلا بهذه المحطة، وكان ينهال من سقفه تراب وهباء، تلبَّسَتْ يدَكَ أحوالُ النائم، فذهبتْ وحدها. كتبتْ عن أرضٍ كنت تعْبُرُها، وحمامةٍ مجروحة تتخبط في النجيل تحت النخل، و أطفالٍ دانين من الأرض في أسمال تشبه التراب، لدى مِدْماك البئر، أحدُهم يمسك الرِّشاء والدلو المطاط السوداء الملفقة، وآخرُ يحبس ذراع البكرة، ورايتين كنت تراهما هنا، عقدَتْهُما الريحُ (*).
ثم صرتَ النازح؛ الآخرَ الذي يُبرِّرك باللا أنت، يعطيك برهان الظل وقوة الأقنعة. تهجر البلقع ، فتتلقاك السبخة. في وجهك وَمْحَةٌ من شمس هجرات. تأكل ظلك الطرق التي تبيد من خلفك كلما خطوت. وروحك التي كانت صحوَ الخيل، لم تكن معك. الأفقُ ذاتُه كان لجامَك الطويل، ممسودا ل من لعنة وهُذاء، يمتد من فمك المبتلى بما ترى عيناك إلى " باب المندب"؛ الجهةِ التي هناك في اللاجهة، حيث تَعلو البلدَ المحروقَ سقيفةُ البراكين، ويهذي السَّنط والدُّوم في ريح السَّموم.
الريح تلك سكنت في لباسك. وكانت تأتي من ثُغرة البحر، بعد أن تُبدِّل أجنحتها المليون في الأحراش، صاعدة من فجاج سحيقة في اليمن، أو من سباسب مهلكة تهدهد الوحشةَ والرياحَ في أصقاع الصومال والحبشة.
كانت المالنخوليا تَضْرِسك بشكيمتها ـ الدوارِ، وتجذب اللجام كي لا تنْتِق عن ظهرك أمتعتها؛ ودائعَ اللاشيء التي أوكلها بها الأرق. نداؤك المكتوم يُزْبِد في لهاتك ، وفي رسغك عضة الليل. لم تعُد ترى غير حافة تسبقك، تدْهامُّ الغيابة تحتها، وتنْحَتُّ فوقها السماء، وغيرَ الرايتين المعقودتين أبدا، اللتين بقيتا في وراءٍ لا يَبْلى، تنْصُلان وتَرِثَّان في عودين.
اليوم، يأخذ العصف ذاتُه كفَّ بنتِ أخيك. تتبع كفها فتهُشُّ بها على الجهات كي يخرج منها الوعل، نافرا في غِلالة الضوء، ظاهرا بقرنيه في منقلب البدائه، كأنه بدعة المكان. كأنَّ له في رأسه جناحين، ويهمُّ أن يطير.
2 ـ
ختمت "صابرينا" قصيدتها
تداركت " بسمة " فيها هفوتين؛
درجتين مفلولتين في المرقاة
التي أسندتها أختها إلى الحلم
كي تصعد ذاتها
ـ شفاهنا تخون العالم
كيف لا تخونه يدٌ تحْلُم؟ ـ
هل ينقِّي الزُّراع البِذار
إذا استبقوا الموسم المبكر إلى المشارف
مفتونين بغد يُعلي البيادر في الحقول؟
الشعر نديم الزَّلَّة
يرقصان التَّانْغو معا في رُقعة حَرجة
يدان تحملان مصباحَ مَا يَجِيءُ
والأخريان مظلةً خضراءَ من لبلابٍ حيٍّ ـ
فخُّ الضوء منصوب
اُنظرْ: تشدُّ زُنْبُرْكَه اللذةُ والصحوُ
ويتداولان الشَّعرة التي تكبحه
كامنين خلف كتفيكَ
أنفاسهما تُذكي سمعك المنذَر
ولا تتلفَّتُ.
حذارِ! إن تُلْقِ كفَّك إلى الفخ
تَنْتَثِرْ في قلبك النجوم.
3 ـ
مبدَّدا فزَّ سِرب القُمْرِيِّ من الرصيف
رُماةٌ يرسلون البومرنغات
يتدربون على البهجة
يومك سعيد ياهذا، برغم الحجر الأكدر في قلبك
تترجم البنتان لك الكلام الغريب
بأكتافهما ترفعان حديقة:
أتتقاسمون المعنى
أم الضوء؟
سربُ البلشون الذي علا منتثرا وارتد
غير بعيد، في الحقل البور
رسم ظلَّ نافورة يُلابسه ظلُّ شجرة؛
الماء والنبات اندلعا من لا شيء
خذوا اللاشيء من حولكم واستهلوا السماء
وادخلوا المعنى
البلد الذي تتقرَّون خرائطه الغريبة
ليس وراء النافذة
ولا التلالِ التي تحجب البحر.
أكنتم في عربة قطار
أم كنتم تتناجون داخل مرآة أسطوانية
هادئا، من غير سائس
يديرها ويطوف من حولَكم رَعيلٌ من الخيل؟
4 ـ
سجّادتا أمِّك تُطوَيان وتُنشَران
يقف المصلون عليهما إزاء اللانهاية
ثم يذكرون ظل السيدة
لكن، من ورث الضوء القلق
الذي كان مخبَّأ في حبات سبحتها ؟
5 ـ
من لغة إلى لغة
ومن لسان إلى لسان
ينشأ الطريق منشعبا
يمشي فيه حاملو القنديل
وتتفرق على ذاتها الريح
بمحارتين كبيرتين
بنت ورجل كهل
كانا يَكْلِتان الضوء
والتي تكلمت باللغة الغريبة بقيت صامتة
إزاء النهر الذي أتى
كأنها لم تعد تعرف كفها
لكنه نهْرُها هي
حيوانُها الكبير الذي يَلين.
العالم كله شرفتها
ترى منها العالم.
6 ـ
هاتوا العجين المبارك
معنا خميرة اللغز
معنا ما يُقْدِر الحيَّ على أن يتذكر الأسماء
ويفتح في البُهرة عينين
ويَعْرف أنه يرى
من غير نار، في ظلمتنا
سينضج وحده الرغيف.
من القنديل الأرضي الذي لا مالك له
تعلَّمْنا الضوءَ
تعلمت أيدينا أن تتقاسمه
7 ـ
" في زرقة الرحابة
للغيمة الشهباء
تُحَلِّق الطير
جذلى بلقاء سماء جديدة
في كرة صفراء باهرة
تضحك من وصولها. " ـ نص كتبته بالإيطالية، في عربة قطار بمحطة بوسكورة، صابرينا عيسى، (11 سنة)، في 9 شتنبر2007
مصاحبة الضوء:
مبهم قولكِ أيتها البنت
سيوف من خفة وظلال منظومة
يسيل بها الساحل في سراب الظهيرة
يمر بها على وجهي سرب نوارس
ولا تجرح
وتتكلمين باللسان الغريب.
قلتِ: " سأكتب قصيدة. "
عزمك كان أحسم من هبوب الصقر
خالسا يعمر المرأى
ويتلاشى في دكنة السرو
قبل أن تلحقه أصبع الناطور
لم تستأذني في الخروج إلى الضوء الأول
نتشْتِ ورقة صفراء من كراسة
تلكأتِ قليلا لدى العتبة؛
حيث يلعب اللغز بفلقة مرآة
مطوِّحا فَلْس الضوء المجنونَ على الجدار
قبل أن تقتحمي وحدك الأرض القصية
تلعثمتْ شفتاك بالقول العسير
يأتيك من حيثما ـ كصباح من الوحش،
أمما وعشائر ـ تأتيك الحروف
والكلمات
والأصوات
واللاشيء الذي يدنو كي تسمِّيهِ.
وكنتِ تلاقينها بإلماح هُدْب
تدنو وتُسْلِم لك الناصية
تلمسين الحيوان العابر تحت عينيك، هناك
فيصيب كفَّك اللغزُ
كنت كمن يصيدون المياه في البراحات
ويُكَذِّبون آلات القَناقِن:
غامضين وراء شفاههم
في أيديهم عيدانٌ ورُقىً
يكلمون التراب والحجارة ويُحَيُّون الأمكنة
يشيرون بأيد عليمة
فتظهر الينابيع.
8 ـ
آه ! " باب المندب "
هناك، حيث حملتُ المدى مِقْطَرَةً
دُهِنت لي بالقَطِران الصلب
وكنت أذكر اسم الحيّ
السَّحَرُ شدني مرة إزاء البحر
وأوقفني لدى نخلة الهاش التي تَرِنُّ
الأرق يعصب عينيَّ بشاشِهِ الحارق
وكانت امرأةٌ سمراءُ تغطس في الماء عارية
زوجها قائم عندها يحمل الصبيَّ
ولباسَها المطويَّ على ذراعه
يراها واجما ويودُّ لو تقوم
مغسولة بالملح والسماء
وفي لباسها الذي ترتديه من بعدُ، صحوُ البحر
وتقدر أن تخطوَ أبدا كالموج
ترتدَّ من ذاتها إلى ذاتها من غير ما سياج
ظلا في الظل وامرأةً بين الناس
حدستُ: هذه رهينة ألم
أختي في الألم الذي يزيِّن الحافة
وتغطس في الماء الأول
على الحجر الذي يذوب في جسمها؛
حجرِ العافية
قلت: بالأجاج هذا تسعى إلى الضوء
هي الفقيرة في هذا الخلاء
حكيمة وتعرف أنه هنا
وأنه في اسمه الذي هو الاسم.
نخلة الهاش كانت معي
أسندت كفي إليها مرتجفا
رأيت المرأة تغطس في مائها
لباسُها مطوي على ذراع البعل
وطفلها المحمول يحمي فعلها الذي يأتيه من حلم
وفي البيت كلمتُ الله بشفتين مشقوقتين
وقدمين ـ مِغْزَلَين يبرمهما دُوار
خوفي سرب من المها في المهمه الوسيع
يركض مزحوما في فج
يضيق به براح الروح
ناديت: " حيُّ !
ها إنني الأعمى بمصباحي الفقير
مشكاته تراب وعمى
وأمشي أبدا إلى الضوء
في الطريق الذي يفضي إلى الطريق
وإليَّ واقفا بمصباح؛
يا لا حيَّ إلا أنت !
معي الخريطة التي لا تُفَكُّ ولا تنطمس
وعيناي مشدوهتان بما أرى
كأني موكول بأن أسعى أبدا إليّ
هبني أن أمشي إليك مرة واحدة
بخطوة واحدة هي الطريق ولاأنا
كن جهتي في اللامكان
وكن في الضوء
قلبي قفل الظلمات
أنا المصباح الذي يذهب
مشكاته التراب والعمى ويحمله الفقير." .
وكنت على ركبتيّ
وجهي في البحر الذي أراه في البيت عبر الدموع
وأرى فيه إخوتي الأطياف
نشيجي إبَّالات السعف
محزومةً، وتطيش منها وشيعة،
مسحوبةَ الأذيال على الأرض
يعْتِلها بوّابون أحباش
ظهيرةً، كي يركموها على الساحل.
9 ـ
تتذكر البنت
تنده لاحقة أختها
كأنها تطل من شرفة وفي كفها قفص
به طائر يخلب الناس
وتكلم الذين تدأعوا تحت شرفتها:
"M’illumino d’immenso "(*)
تضع كفا على كف
كأنها تخبئ المفتاح
تكرر العبارةَ التي تبرعمت فجأة
في الشجرة التي تدلت عليها
الحيوانات التي خاضت عميقا في الأرض الصفراء؛
أرضِ الطفلة التي شاءت أن تشاء بلدا
لا يدخله عليها أحد
ولم نعرفها إذ آبت لتشرد بيننا
بنظرة الذين يهجرون القرى
كي يدبِّروا موسم الأمطار
وفي كفها شيء من سكينة الكروان ـ
نادت من أرضها حيواناتٍ أشباهاً أخرى
ترتع في ذاكرة الأخت
فكرت: " مرآة تلاقي مرآة
وليستا ترجِّعان الصور
ولا المسافة بينهما حيث يسقط الضوء
بل الأصداء."
استبقت: " بلد آخر تدخله مع البنتين
مصباحك ظاهر عال
يصيب وجهَك المذهول
وتهمُّ أن تصرخ إنك ترى الضوء. "
وقلتُ: " إن الشعر يبدأ بخفة هكذا:
كأن تغمض عينيك على صورة قافلة
وتمشيَ فيها، في ذاتك، حافيا
يلهب قدميك الرمل والحجارة
ويبهرك السطوع. "
10 ـ
صداح البلبل يأتي بالحديقة
ويعلقها لك في سقف الغرفة
من سعف الرافيا
ومن وسواس في الصفصاف
يأتي النوم في الظهيرة بمروحة من أصداء وسهو
هي مجرة تنشأ في تدويم وسديم
من صحراء الملح
التي تحوم فوقها كفُّكَ مبتلاةً باللايقين
يأتي الأرَقُ الصَّبَّاغُ
يعطيك سُلَّما وفرشاة كبيرة
ويدعوك أن تدهنا معا باللالون، بادئين بالأركان
جدران الليل التي تدور
من الظلمات دائما
ومن العزلة التي شطرته عن خامه
يأتي الحجر الغريب ذو الأقنعة
الذي يعرف أن يصنع النار
إذا حاقت به المصابيح
يحملها رهطُ نقَّابين كسروا آلاتهم في الجبل؛
خلطوا لباسهم بالعزلة
وخبرت أيديهم بأس الحجر
عاشوا يحفرون من أجل ناره الظلمات.
11 ـ
أحيانا، في عتمة الأسوار المنسية في القلاع القديمة، ترسل جذرَها تينةٌ مرحة، أو تتجاور طلحةٌ ودِفْلى تدحرجتا في الأرض وأُوكِلتا بابا في الغيب. بأقدام واثقة لا تُرهَق، تخوض الشجراتُ في المعنى. بتلمُّسٍ ودبيبٍ بين الهَيْشَر والقندول، يفلُلْن الصَّخر الهصَّ ويعثرن على العتبة.
أَكُفًّاً قوية تبرز الشجرات. ظلالهن خطى جريئة تبدأ من غياب كنداءات عائدين بالبشرى من مدشر هبَّت عليه زفرة الوباء. يَرجعن ثانية إلى الضوء كي يهزمن الجدران، ويصرخن في عزلتهن القديمة. كل منهن، منذئذ، تبقى مع العالم وحدَها، بسلاح وحدتِها، بدرعها التي يَحُكُّ عليها ظهرَه الزمنُ، بمصباحِ ما يكون، يأتيها به موقدُها الذي تحميه في بيتها الضنك الذي اختارته.
تعلو أو تميل مقوَّسة في ريح البحر،
وتحمل السماء.
*) من نص لي كنت كتبته في قطار توقف برهة بمحطة " بوسكورة "، سنة 1995,