لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

أخبار مجنون ليلى

|
|
|
|
|

قاسم حداد
(1996)

عن قيس

قاسم حدادسَأقُولُ عَنْ قيس
عَنِ الهَوَى يَسْكُنُ النّارَ.
عَنْ شَاعِرٍ صَاغَنِي في هَوَاهُ.
عَنِ اللَّوْنِ والإِسّْمِِ والرَائِحَةْ.
عَنِ الخَتْمِ والفَاِتحَةْ.
كُنْتُ مِثْلَ السَدِيمِ ، اْسَتَوَى فِي يَدَيْهِ.
هَدَانِي إِليْهِ.
بَرِئْتُ مِنَ النَاسِ لَمَّا بَكانِي إِليْهِمْ
زَهَا بِيْ وغَنُّوا الأَغَانِي بأشْعَارِهِ.
فَمَا كانَ لِي أَنْ أُقَدّرَ هَلْ أَشْعَلَنِي أَمْ طَفَانِي.
سَأقُولُ عَنْ قَيس
عَنْ جَنَّةٍ بَينَ عَيْنَيَّ ضَاعَتْ
عَنْ هَوَاءٍ أَسْعَفَ الطَيْرَ واسْتَخَفَّ بِنَا واصْطَفَانَا
عَنْ كُلّمَا هَمَّ بِيْ تُهْتُ فِيهِ
وبَاهَيْتُ كَيْ نَحْتَفِي بالمَزِيجْ
عَنِ العِشقِ تَلتَاعُ فِيهِ الحِجازُ
ويَشّْغَفُ فِي ضِفَّتَيهِ الخَلِيجْ.
سَأقُولُ عَنْ قَيس
عَنْ حُزْنِهِ القُرّْمُزِيِّ
عَنِ اللَّيلِ يَتْبَعْ خُطَاهُ الوَئِيدَهْ
عَنِ الماءِ لَمَّا يَقُولُ القصيدة
بَكى لِي البُكاءَ،
وهَيأَ لِي هَوْدَجَاً
وانْتَحْى يَسْأَلُ الوَحْشَ عَنِي
كَأَنِّي بِهِ لا يَرَى فِي القَوافِلِ غَيْرَ الخُيول الشريدة.

سَأَقُولُ عَنْ قَيس
عَنِ العَامِرِيَّ الذِي أَنْكَرَتْهُ القبيلةُ.
عَنْ دَمِهِ المُسْتَبَاحْ.
عَنِ السَيْفِ لَمَّا انْتَضْاهُ مِنَ القَلْبِ
واجْتازَ بِي أَرْضَ نَجْدٍ لِيَهْزِمَ كُلَّ السِلاحْ.
عَنِ اللذَّةِ النادرة
عَنِ الوَجْدِ والشَوْقِ والشَهْقَةِ الساهرة
عَنِ الخَيْلِ تَصْهَلُ بِي فِي الليالِي
والصَّهْدِ يَغْسِلُنِي فِي الصَبَاحْ.

و يا قَيسُ يا قَيسُ
جَنَّنْتَنِي أَو جُنِنْتَ ،
كِلانَا دَمٌ سَاهِرٌ فِي بَقايَا القَصِيْدَةْ.

***

إنه لا أحد

هُوَ قَيسٌ، وهو مُعاذُ بنُ كُلَيبْ، وهو قَيسُ بنُ مُعاذ العُقَيلِي، وهو البُحْتُري بنُ الجَعْد، وهو الأقْرَعُ بنُ مُعَاذ، وهو المهدي وقِيلَ اسْمُه قَيسُ بنُ الملوَّح مِنْ بَنِي عَامِر. ولما سُئِلتْ عَنْه بُطُونُ بَنِي عَامِرٍ بَطْنَاً بَطْنَاً أنْكَرَتْهُ وقَالتْ (باطِلٌ وهَيْهات)، ثُمَّ قِيلَ إنَّهُ لا أَحَدْ. ذَهَبَ في حَياتِه بِقَلْبٍ مَفْقُودٍ وعَقلٍ مَأْخُوذْ. أخَبَرَنَا الأصفهاني عَنْ أحَدِ الرُاوةِ وكانَ كاذِبَاً فَصَدّقْناه، عَنْ رَجُلٍ يَرَى غَيْبَ النَاسِ قَالَ ?ثَلاثَةٌ لَمْ يَكُونُوا قَطْ ولا عُرِفُوا، ابنُ أبِي العَقِب صَاحِب قَصِيْدة المَلاحِمْ، وإبنُ القِـريَّـةِ، ومَجْنُونُ بَنِي عَامِر. أَمْا نَحْنُ فَقَدْ رَأَيْنا أخْبَارَنا عَنْهُ فِي رُقَعٍ أسْقَطَها الوَرَّاقُون واحْتَفَتْ بِها الأحْلامُ، وكَشَفَتْها لَنَا طَبِيْعَةُ المَحَبّةِ أَكثَرَ مِمَّا كَرَّها الرُواةُ الذينَ أعانُونَا عَلى مَا نُرِيدْ. فَسَمِعْنا مِنْ أَبي بَكْرٍ الوَالِبيِّ الذِي أَحَالَنَا عَلى غَيْرِهْ. ولَذَّ لَنا مَا يَحْلُو مِنَ الأخْذِ عَنْ أبي مَسْكينٍ والشَيْبانيِّ وأَبِي إسْحاقٍ والجَوهَريِّ والرِياشِيِّ وابنُ شَبَّة والمدائِني والمُهَلّبي والأصْمَعِي عن صَاحب الأغَانِي، الذِي أَتَاحَ لِظَنِنَا شَاسِعَ الشَكِّ فَاهْتَبَلْنَاهُ. فَوَََقَعْنا عَلى مَا لاءَمَ مِزاجَنَا. ثُمَّ سَاقَ اللهُ لَنا مَا تَيَسَّرَ مِنْ أصْدَقِ الكَذَبَةِ فِي رُواة عَصْرِنا، فَانْتَخَبْنا مِنْ غِوَايَاتِهِمْ، وتَبَادَلنَا مَعَهُمْ الأنْخَابَ، وزِدْنَا فِي ذَلكَ كَمَا نَهوَى، فَطَابَ لِلمَجْنُونِ ذلكَ واسْتَحْلَيْناهُ.

**

عن ليلى

سَأقُولُ عَنْ ليلى
عَن العَسَل الذِي يَرْتَاحُ فِي غَنَجٍ على الزَنْدِ.
عَنِ الرُمَّانَةِ الكَسْلَى.
عَنِ الفَتْوَى التِي سَرَّتْ لِيَ التَشْبِيهَ بالقَنْدِ.
عَنِ البَدَوِيَةِ العَيْنَينِ والنَارَينِ والخَدِ.
لَها عِنْدِي
مُغَامَرَةٌ تُؤَجِجُ شَهْوَةَ الشُعَراءِ لَوْ غَنُّوا
صَبَا َنجْدٍ مَتَى قَدْ هِضْتَ مِنْ َنجْدِ
عَنِ النَوْمِ الشَفِيفِ يَشِي بِنَا.
عَنْ وَجْدِنَا ، عَنْها.
لِئَلا تَعْرِفَ الصَحْراءُ غَيْرَ العُودِ والرَنْدِ.
سَأقُولُ عَنْ ليلى
عَنِ القَتْلى.
وعَنْ دَمِنا الذِي هَدَرُوا.
عَنِ الوَحْشِ الصَدِيْقِ.
وفِتْنَةِ العُشاقِ
واللَّيلِ الذِي يَسْعى لَهُ السَهَرُ.
عَنِ الطِفلَينِ يَلْتَقِيانِ فِي خَفَرٍ
ولَمّْا يُزْهِر التُفاحُ يَخْتَلِجانِ بِالمِيزانِ
حَتْى يَخْجَلُ الخَفَرُ.
لِليْلى شَهْقَةٌ أَحْلى
إِذا ما لَذّةٌ تَاهَتْ بِنا
وَتَناهَبَتْ أَعْضَاءَنا النِيرانُ.
مُتْنا أَو حَيِينا.
أو يَقولُ الناسُ أخْطَأنا.
سَتَبْكِي حَسْرَةٌ فِينا إذا غَفَرُوا.

سَأقُولُ عَنْ لَيلى
عَنِ المُسَافِرِ عِنْدَمَا يَبْكِي طَوِيْلا
عَنِ السِحْرِ اللَّذِيْذِ إِذا تجَلّى فِي كَلامِ عُيُونِها
عَنْ نِعْمَةٍ تُفْضِي لأنْ أقْضِي رَحِيلا
عَنْ مَراياها مُوَزّعَةً تُخَالِجُ شَهْوَةَ الفِتْيانِ
عَنْ مِيزَانِها مَشْبُوقَةً.
عَنْ عَدْلِهَا فِي الظُلْمِ.
عَنْ سَفَرِي مَعَ الهَذَيَانِ.
عَنْ جِنِيةٍ فِي الأِنْسِ تَنْـتَخِبُ القَتِيلا
لَيْلايَ لَوْ يَدُهَا عَليَّ
ولَوْ يَدِي مَنْذُورَةٌ تَهَبُ الرَسُوْلا
سَأقُولُ عَنْها مَا يُقالُ عَنِ الجُنُونِ إذا جُنِنْتُ
ولِي عُذْرٌ إذا بالَغْتُ فِي مَوْتِي قَلِيلا.

***

البرق الأول

الصَحْيِحُ الذِي هُو شَكٌ خالِصٌ، أنَّ قَيسَاً ولَيلى عَامِرِيانِ، الْتَقَيَا صَغِيرينِ يَرْعَيَانِ في نَجْدِ الجَزِيْرَةِ، بِوادِيَيْنِ يَتَّصِلانِ بَكثِيفِ النَخْلِ مِنْ جَانِبٍ، ووَعْرِ القَفْرِ مِنْ جَانِبْ. هُو كَثِيرُ الشُرُودِ، بَاكِرُ الحُزْنِ، مَيّالٌ لِلّعُزْلَةِ، يَأنَسُ لِرِفْقَةِ البَهْم فِي المَرَاعِي، و يَرْجُزُ فِي قَطِيعِهِ مَوَاجِدَ حَسِبَها النَاسُ كَلامَاً حَفَظَتْهُ سَلِيْقَةُ الصَبِيِّ مِنْ مَسَارِ الرُعَاةِ، ولمْ يَصِحْ لَهُ أَنْ يَزَعَمَ شِعْراً فِي ذلِكَ العُمْرِ لِئَلا يُكَذِّبُوه. وهِي كَثِيرَةُ الأَحْلامِ، غَزِيْرَةُ الخَيْالِ، غَرِيْبَةُ الأَطْوَارِ، رَوَتْ قَرِينَاتٌ لَهَا أَنَّهَا مِنَ الجِنِّ إِلا قَلِيلاً ومِنَ الإِنْسِ بِمقْدارْ، اتَّصَلَتْ بِإبْنِ عَمِّها وبِشَاعِرِيَتِهِ الباكِرَةِ، رَافَقَتْهُ فِي الوادِيَينِ حَيْثُ كانَتْ قَرِينَاً لَهُ فِي اللَّهْوِ البَرِيْء، فيما كان يَشِبُّ ويُشْعِلُ الشِعْرَ بِها. فأُخِذَتْ بِهِ وصَارَتْ تَلِـزُّ بِبَطْنِ الوَادِي، لِيَتَقَابَلا فِي غَدِيرٍ، تَلتَقِي عِنْدَهُ غَنَمُهَما، هُوَ مَعَ إخْوَتِهِ، وهِي فِي قَرِيناتٍ يَتْبَعْنَ القَطِيعَ فَأْتَلَفا. واْزَْدَهَرَ بَيْنَهُما وَلَعٌ، مِثْلَمَا تَلْتَهِبُ الحُمْرَةُ فِي وَرْدَةِ القَلْبِ، وَصَارَ الشِعْرُ مَوْقِدَ المَحَبَّة. ويُرْوى أَنَّ قَيسَاً حَكى فَقَالَ (عِنْدَ غَدِيرِ الوادِيَينِ نُورِدُ الغَنَمَ ونَتَزاحَمُ عَلى المَوْرِدِ بمَرَحٍ صَاخِبٍ، كُلٌ يَأخُذُ بِالماءِ يَرُشُّهُ عَلى الآَخَرِ، فَنَتَدَافَعُ وتَضْطَرِبُ أَجْسَادُنا الغَضَّةُ، فَصَادَفَ أَنْ قَارَبْتُها فَتَلامَسْنا، ومسَّ كَتِفِي صَدْرَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدْ أكْعَبَ ولا اسْتَنْهَدَ ولا اسْتَدارْ، لَكِنَّنِي شَعَرْتُ سَاعَتَها بِخَيْطٍ رَهِيفٍ مِنَ البَرْقِ يَجْتَاحُ أَعْضَائِي ورَأيْتُها تَخْتَلِجُ و يَتَصَاعَدُ مِنْها شِبْهُ نَحْيِبٍٍ كَمَنْ مَسَّهُ الهَلَعُ، فَعَرَفْتُ أَنَّها سَمِعَتْ مِنْ رُوحِيَ شِعراً لَمْ يَجْرِ عَلى لِسَانِي بَعْدُ فَرَكضَ كُلٌ مِنْا صَوْبَ غَنَمِهِ يَهُشُها عَائِداً إِلى مَضَارِبِهِ، ولَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذلكَ زَمَنَاً حَسِبْتُ فِيهِ أنَّني لَنْ أَرَاها أَبَدَاً، وَكُنْتُ مِنَ الحُلْمِ قَرِيْبا).

***

لم يكونا في مكان

خَالَطَ الشَّكُ سِيْرةَ المَجْنُونِ، لِيَخْتَلِفَ الرُواةُ فِي شِعْرِه، فَرَدَّهُ بَعْضُُهْم إلى شَاعِرٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّة، عَشِقَ زَوْجَةَ أَحَدِ الوِلاةِ وخَشِيَ أَنْ يَشِيعَ خَبَرُهُما، فَأطْلَقَ النَصَّ عَلى إسْمَينِ لَمْ يَكُونَا فِي مَكانٍ، تَناقَلَهُ النَاسُ عَنْ لَيْلى ومَجنُونِها، وزادُوا فِيهِ مِنَ الكَذِبِ مَا يُضَاهِي الصِدْقَ فَصَدَّقْنَاهُ. وقَالَ أَمِينُ صَاحِبُ الحُجْرَةِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ ولا وَثِيْقَةٍ عَنْ شَخْصٍ يُدْعَى رَضْوانُ الجِنِّ، قَالَ إنّ قَيسَاً حَقِيْقَةٌ ولَكِنْ شِعْرَه مَوْضُوعٌ، وإنَّه يَعْرِفُُ خَطَاطَاً اسمُهُ جَمَالُ اللَيلِ الوَرَّاق اشْتَغَلَ عَلى نَسْخِ ذلكَ الشِعرْ، وقَدْ صَنَعَه شَاعِرٌ عَشِقَ فَتَاةً مِنْ بَدْوِ الجَزِيرةِ بَينَ نَجْدٍ والطائِفْ، تَزَوَجَتْ سِواهُ عَلى كُرْهٍ، فَذَهَبَ الشَاعِرُ إلى أَنْ يُشْعِلَ النَارَ فِي القَبَائِل، فَانْطَلَقَ فِي هَواءِ الجَزِيرَةِ خَالِقَاً النَصَّ والخَبَرَ، وقَالَ كُلَّ شيء عَنْ المَجْنُون الَذِي لا حَرَجَ عَلَيِه ولا لَوْمْ. فَطابَ لِكُلِ ذِي رِيْشَةٍ أو قَلَمٍ أَنْ يَفْعَلَ ما لَـذّ لَهُ مِنَ الجُنُون، لِئَلا يُقَالَ أَنَّ ثَمَّةَ زَمَان شَغَرَ مِنْ أصْحَابِ العِشْقِ والَّلوْعَةِ. فَانْهَالَ مَجْنُونُ اللَّونِ عَلى مَجْنُونِ الشِعْرِ بالنِيرَانِ مِنْ كُلِّ جانِبٍ، وبُعِثَتْ الحَرارَةُ فِي ذاكِرةٍٍ مَشْبُوبَةٍ، مِثْلَما تَهُبُّ الرِيْحُ فِي شَهْواتِ الجَمْرِ.

***

الأشياء

غَابَتْ عَنْهُ وهُو فِي انْتِظَارٍ، يَجْلِسُ فِي غُرْفَةِ الطَرِيقِ. أَشْياؤُهُ مَنْثُوْرَةٌ لِلنِّسْيَانِ والتَذَكُّر، والنَاسُ يَعْبُرُونَ مِثْلَ الأثَيِر. ومِنْ نَوافِذِ أَجْسَامِهمْ، يََرى إِليها تَرْكُضُ إِليهِ ولا تَصِلْ، يَركُضُ إِليها ولا يَصِلْ، والنَاسُ يَعْبُرُونَ عَلى أشْيائِه المَنْثُوْرَة (رِيْشَةُ قَطَا مُسْتَدِقَّةُ الرَأْسِ /خَيْطُ حَرِيْرٍ أَخْضَرُ عَقَدَتْهُ أُمُهُ فِي زَنْدِ طُفُولَتِهِ / خَاتَمُ عُرْسٍ مَنْحُوْلٍ مِنْ فَرْطِ الخَلْعِ / حِجَابٌ فِي جِلْدَةِ ضَبْعِ / عُوْدُ سِواكٍ يابِسٍ/ كِسْرَةُ ياقُوتٍ مَعْرُوقٍ بالفَحْمِ / خُرْجٌ ثَقَبَتْهُ الرِيحُ / أشْلاءُ لِجَامٍ تَنْضَحُ مِنْهُ رِيحُ الخَيلِ / وَحْشَةٌ) يَلْتَقِطُونَ مَا يُصَادِفُ أَقَدامَهُمْ. نِسْوةٌ يَجْلِسْنَ إِليِه يَسْتَنْشِدْنَهُ شِعْراً، يَسْأَلُهنَ عَنْ لَيلى. فَيُخْبِرْنَهُ أنْها فِيْهِنَّ وتَتَخَفّى لِئَلا تَفْضَحَها القَبِيْلَةُ. فَيَقُولُ إِنَّها وهِي مَحْجُوبَةٌ تَتَراءى لَهُ أَوْضَحَ مِمَّا لَو كانَتْ مَكْشُوفَةً. فَيَستَنْشِدْنَهُ فَيَرفَعُ صَوتَه لَعَلَها تَرَاهُ. وكانَتْ هُناكَ وهِيَ تَسْمَعُ، يَقُولُ شِعراً يَفُتُّ الجَلامِيْدَ، والنِسْوَةُ يُطْلِقْنَ التَنَهُداتِ وهِي تَسْمَعُ، يَتَفَجَّعُ لَهُنّ بِالفَلذاتِ، وهُنّ يَسْتَزِدْنَ وهِي تَسْمَع . الناسُ يَمُرُونَ بِنَوافِذِ أجْسَامِهم الواسِعَة، يَأخُذُونَ أَشْيَاءَهُ المنْثُوْرَة ( فَصُ فَيرُوزٍ شَائِخ/ حُقٌّ بِثُمَالَةِ العَنْبَرِ / كُوفِيَّةُ طِفْلٍ هَلْهَلَها الرَمْلُ / خُصْلةُ شَعْرٍ غَامِضَةٍ / مَا يَرْجِعُ فِي السَّرْجِ مِنَ الحَرْبِ / قَلَقٌ ) ويَعْبُرُونَ، والنِسْوَةُ يَتَطايَرْنَ فِتْنَةً وإعْجَابَاً. يَقُولُ شِعْراً فَيَتَضَاحَكنَ، و يَبْكي، وهِي تَسْمَع. فَأدْرَكَتْ النِسْوَةُ أَنَّ الأَمْرَ َتَجَاوَزَ طَاقَةَ الشَّخْصِ، وكَادَ يَتْلَفُ مِنْ صَمْتِ المحْبُوبْ. النَاسُ يَعْبُرُونَ وأشْيَاؤُه المنْثُورةُ ( غِمْدٌ فَارِغٌ / آثَارُ دَمٍ فِي خِرقَةٍ / رِتَاجٌ مَكْسُورٌ/ جُزْء (عَـمَّ يَتَسَائَلُونَ فِي صُفْرَةِ الوَرَقْ/ تَعْوِيْذَةُ إِلْفٍ /سِقَاءٌ مُتَقَلِّصٌ / مِخْلَبُ نِسْرٍ / عِرْقُ لُبَانٍ / قِطْعَةُ لَحْمٍ مَقْدُود ) تَكَادُ أَنْ تَنْفدَ، وهِي تَسْمَعُُ. فَقُلْنَ لَه (يا قيس، لَقَدْ ظَلَمَكَ الحَبِيبُ بِلا رَأفَة، وَحَقُكَ أَنْ تُسَيِّبَه لَعَلَهُ لايَسْتَحِقُ). فَصَرُخُ بِهِنّ :
(لا والله، كُلُّ خَشْيَتِي أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ جَدِيراً، فَحَقُهَا عَليَّ أَنْ أُبَاهِي بِأَنِيَ الخَيْطُ المُنْسَّلُ فِي ذَيلِ وِشَاحِها، وأَقْبَلُ إِذا هِي قَبِلَتْ.
فَإذا ِبنَشِيجٍ يَصْدُرُ مِنْ جِهَةٍ تَشِفُّ عَنْ رُوْحٍ أَدْرََكَها بُكاءٌ لَمْ تَقْدِرْ عَلى صَدِّهْ، فَالْتَفَتَتْ النِسْوَةُ يَنْظُرَْنَ مَصْدَرَ النَشِيجِ، فَأَشْرَقَتْ شَمْسٌ صَغِيرَةٌ مِنْ مَطْرَحِها وغَابَتْ كَأنَّها تَدْخُلُ إلى خِباءٍ، وتَرَاءى لَهُنَّ أَنَّ لَيلى طَافَتْ وأَخَذَتْ مَا تَبَقَّى مِنْ أشْيَائِهِ المنْثُورَة (ثَالِثَةُ أَثَافٍ مَحْرُوقَة /غُصْنُ أَرَاك / صُوفَةٌ مِنْ وَبَرِ الإبلِ / نوَاةُ تَمْرٍ مَثْقُوبَة بِشَعرَةِ الخَيْلِ/ خُفٌ حائِلُ اللْونِ/ نَوْمٌ قَلِيلٌ/ قَوْسُ قُزَحٍ شَاحِب) وقَيسٌ مَشْدُودٌ، يَكادُ يَخِفُّ إِليْهَا مِنْ مَكانِهِ، اِنْجِذابَاً وهِي تَذْهَبُُ عَنْهُ ذَهَابَ القَمِيصِ مَسْلُوْلاً مِنَ الجَسَدِ. فَأَدْرَكتْ قَيْسَاً رَعْشَةُ رِيحٍ بَارِدَةٍ مَسَّتْ صَدْرَهُ المَكْشُوف بَعْدَ اِنْسِلالِ القَمِيصْ. جَالِسٌ فِي غُرفَةِ الطَرِيقِ، يَسْقِي النِسْوَةَ شِعراً، ويَبكِي عَطَشَاً، وهُنَّ يَتَضَاحَكنَ مِمَّا يُثِيرُهُ الحُبُ فِي كَيَانِهِنَّ الذِي مِنْ مَاءٍ لا تُطْفِئهُ النِيران، يَتَضاحَكْنَ وهُو يَبْكِي. وشَمْسُهُ الصَغِيرَةُ تَذْهَب.

**

قندة الجسد

يُقالُ لِقَيس إنَّ البَادِيَةَ كُلَّها أَضْحَتْ تَعْرِفُ عِشقَكَ لِليلى، وهذا يَكْفِي،
فَيَقُولُ (لكنَّ لَيلى لا تَعْرِف)
ويُقالُ لَه إنَّ نَاسَ البَدْوِ والحَضَرِ كُلهُم، يَتَناقَلُونَ حُبَ لَيلى لَك، وهذا يَكْفِي،
فَيقولُ (لكِنَّ قَيسٌ لا يَعْرِف).

قَالَتْ لَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ :
إِنَّ الذي لَكَ عِنْدِي أكْثَرُ مِنَ الذي لِيَ عِنْدَكْ. وأُعْطِي اللهَ عَهْدَاً مَا جَالَسْتُ بَعْدَ يَوْمِيَ هَذا رَجُلاً سِواكَ حَتْى أَذُوقَ المَوْتَ، إِلا أَنْ أَُكْرَهَ عَلى ذلِكْ).
فَسَمِعَتْ مِنْهُ وبَكَتْ مَعَه ُوهِيَ تَضَعُ بَنانَها فِي زَعْفَرَانَةِ شَعْرِهِ، حَتْى كَادَ الصُبْحُ أَنْ يُسفِر، فَتَنَبَّهَتْ لِنَفْسِها فَإذا هِي سَجِينَة زَنْدِهِ القَوِيَة مِنْ غَيْرِِ عُنْف الصَارِمَة بِغَيْرِ غِلْظَةْ، تَتَمَرّغُ فِي صَدْرِهِ الفَارِهِ، مَحْلُولَةَ الشَعرِ، فَارِطَةً مِنْ كُلِّ قَمِيصٍ، وهو يَمْنَحُها ما مُنِعَتْ عَنْهُ، وما جاءَتْ إِلَيْهِ وما لَمْ تَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلْ. وعِنْدَما أَدْرَكَها الوَقْتُ، شَبّتْ مِثْلَ شُعْلَةِ اللَّهَبِ نَاهِضَةً، تَشُدُّ أَرْدِيَتَهَا وهُوَ يَبْحَثُ لَها عَنْ دُرَّاعَتِها وأَوْشِحَتِها ويَعْقدُ مَعَها الدِكَّةَ والزُنّارَ، وهِيَ تَلُمُّ نُثَارَها الذِي غَطّى البُسُطَ ومَنَحَ الخِبَاءَ أَلوانَ اللَّيلِ والنْهَارْ، ثُمَّ وَدَّعَتْهُ وانْصَرَفَتْ. وكَانَ هَذا أَولَ عَهْدِهِ بِالجُنُونِ الذي يُوْرِثُهُ اسْتِذْواقُ قَنْدَةِ الجَسَدْ .

***


ها أنت سمعت .. ها أنت رأيت

رُوِي أَنَّ اليَومَ الذِي حَصَلَ فِيهِ اليَقِينُ، وَقَعَ فِي ثُلَثاءٍ يُوافِقُ العِشْرِينَ مِنْ ذي الحِجَةِ فِي عَامٍ صَادَفَتْ وَقْفَتُه يَومَ جُمْعَة، فَاجْتَمَعَ يَومَها مِنَ الخَلقِ ما لَمْ يَجْتَمِع فِي حَجٍّ مِنْ قَبْلْ. وهُو حَجٌّ جَفَلَ مِنْهُ قَيسٌ عِنْدَمَا أَخَذَهُ والدُه إلى الكَعْبَةِ بِنَصِيحَةٍ مِنْ الناس لَعَلَ اللهَ يَشْفِيهِ مِنْ لَيلى. قِيلَ فَلَمَّا طَلَبَ مِنْهُ والدُه أَنْ يَتَعَلَقَ بِأسْتَارِ الكَعْبَةِ ويَدْعُو الله الفَرَج، وَقَفَ قَيس فِي نَهْدَةٍ مِنَ الأرضِ صَارِخَاً فِي البَيْتِ وأَهْلِهِ (اللهُمَ زِدْنِي لِليلى حُبْاً وبِها كَلَفَاً ولا تُنْسِنِي ذِكرَها أَبَدَاً ولا تُشْغِلْنِي عَنْها).

فَبُوغِتَ أَبُوهُ، والْتَفَتَتْ إِليهِ الجُمُوعُ مُسْتَغْرِبَةً مُسْتَنْفِرَةً، فَمِثْلُ هذا دُعاءٌ لَمْ يَعْهَدْوهُ ولَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ فِي هذا المَوْقِفْ، فَاسْتَكْبَرَهُ جُمهُورٌ رَأى فِيهِ بَوْحَاً لا يَلِيْقُ واسْتِهْتارَاً لا يُسْكَتُ عَنْه، فَشَخَصُوا حَوْلَ قَيسٍ وتَناهَبُوهُ، وهُو يُرَدِّدُ الدُعاءَ ذَاتَهُ، لا يُغَيّرُ فِيهِ إِذا لَمْ يَزِدْ. وأَبُوهُ يَذُودُ عَنْه مُسْتَرْحِمَاً مُعْتَذِرَاً مُتَعَذِرَاً بِجُنُونٍ أَلَمَّ بِوَلَدِهِ لِفَرْطِ العِشْق. لَكِنَّهُمْ لايَسْمَعُونَ إِليْهِ، حَتْى أَوْشَكُوا عَلَيهِ. وَفِيمَا هُو مَحْمُولٌ يُخْرِجُونَهُ مِنَ الحَرَم، يُنْقِذُونَهُ ودَمُهُ يَغْسِلُ الطَرِيقَ، كانَ يُردّدُ بِصَوْتٍ واهِنٍ، لا يَكادُ يُسْمَع : (ها أَنْتَ سَمِعْت .. ها أَنْت َرَأَيْت).

. ولما رَجَعَ قَيسٌ إلى قَومِهِ، شَاعَ مَا فَعَلُه فِي البَيْت، فَوَصَلَ الخَبَرُ إلى لَيلى، وَشَاقَها أَنْ تَجْتَمِعَ بِهِ، فَأَرْسَلَتْ تَدْعُوه، فَطَارَ إِلَيْها يُرِيْدُ أَنْ يُصَدّقْ. وعِنْدَما دَخَلَ عَلَيْها كانَ مُحْتَقِنَا.

***

حديقة الحصن

لَمْ يَكُنْ جَسَدَاً، حَدِيْقَةَ الحِصْنِ كان.
وكانَتْ الجِراحُ تَتَفَتَّحُ مِثْلَ وَردٍ كُلمَا وَضَعَتْ يَدَها عَلَيهِ.
لِلحَضْنِ هذا الجَسَدُ ولَيْسَ لِلقَصْفِ. لأِصَابِعَ تُحْسِنُ الحُلمَ وتَفْسِيرَهُ. الأهْدابُ لِرَاحَةِ المَسَاءِ والوِسَادةُ لآثَارِ الوَيلْ. لَكَ الكَتِفُ لِتَبكي عَلَيهِ وخَيْطُ الدَمْعِ لِتَسْكَرَ، هَاتِ الأعْضَاءَ والعَنَاصِرَ امْزُجْهُمَا بِمَا يَفِيضُ مِنْ أنْفَاسِي أُرْقِيْكَ بِالكُحْل والسُوَيْداءِ وفَصِّ الهَوْدَجِ لا يَأخُذُونَكَ مِنِي ولا يَأخُذُونَنِي مِنْكْ. نَضَتْ قَمِيصَهُ وراحَتْ تُدَاوِيهِ بِبَلْسَمَينِ، الحُبِ والشِعرِ. وأخَذَتْ تَمُرُّ بِأنَامِلِهَا عَلى جَسَدِه كَمِنْ يَقْرَأ :
( كُلُ هَذِه الجِرَاحُ فِي جَسَدٍ صَغِيرٍ إلى هذا الحَدْ؟)
فَيَقُولُ : ) أَنْتَظِرُ أَكْثَرَ مِنْ هَذا وأقْدِرُ عَلَيهِ لَوْ أنَّكِ تَصْبِرِيْنَ عَليَّ وتُصْغِينَ لِي، لَوْ أنَّكِ لِي(.
فسَمِعَ مِنْها مَا أَوْشَكَ اليَأسُ أَنْ يَمْحُوهُ مِنْ كِتابِه .

**

سترتني فافضحني

قِيلَ لِقَيْس بنِ الملَوَّح (مَا أَعْجَبَ شيء أَصَابَكَ مَعَ لَيلى)
قَالَ (طَرَقَنَا ذَاتَ لَيلَةٍ ضُيُوفٌ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَنا شيء نُوْلِمُ بِهِ لَهُمْ، فَبَعَثَنِي أَبِي إلى مَنْزِلِ عَمْي المَهدِي أَطْلُبُ مِنْهُ مَا يُوْلَمُ بِهِ، فَأتَيْتُهُ فَوَقَفْتُ عَلى خَيْمَتِهِ، فَقَالَ : (مَا تَشَاءُ؟), فَسَأَلْتُهُ حَاجَتِي. فَقَال ( يَا لَيلى أَخْرِِجِي لَهُ ذلِكَ المَاعُوْنَ وامْلأي لَهُ إِنَاءَهُ مِنَ السَمْنِ). فَأخْرَجَتْهُ لِي وَجَعَلَتْ تَصُبُّ لِي السَمْنَ ونَحْنُ نَتَحَدَّثُ بِهَمْسٍ مُتَقارِبَينِ وأَيْدِيَنا أَرْبَعٌ فِي أََرْبَعٍ، فَأَخَذَتْنا الغَفْلَةُ حَتْى فَاضَ السَمْنُ وانْصَبَّ فَرَكَعْتُ أرشَفُهُ مِنْ أَصَابِعِها وأصْعَدُ مَعَهُ إلى بَاطِنِ ذِرَاعِها وهِيَ تَدفَعُنِي أَنْ أَكُفّ فَأصْعَدُ بِهِ إلى كَتِفها الذِي تَهَدّلَ عَنْهُ جَيْبُها والسَمْنُ يَقُودُنِي إلى نَحْرِهَا وهِي تَنْتَفِضُ وتَدْفَعُنِي أَنْ أَكُفَّ فَأدُسُّ بِشَفَتَيَّ إِلى مُلْتَقى النَهْدَينِ وقَمِيْصُها يَنْحَسِرُ ويَتَحَدّرُ بِفِعْلِ السَمْنِ وأَنَا أتْبَعُ مَسْراهُ فَتَطْفُرُ فِي وَجْهِيَ الفُهُوْدُ والنُمُورُ وهِي تَقُولُ خُذِ القَمِيْصَ عَنِي فَآخُذُهُ وتَقَولُ خُذْنِي فَآخُذُهَا وتَقُولُ لِي سَتَرْتَنِي فَافْضَحْنِي فَأفْضَحُها فَلا نَعْرِفُ كَيْفَ يَفِيْضُ السَمْنُ بِنا وكَيْفََ يَنْعَقِدُ، وهِي تَقُولُ والله إِنَّ جُنُونَكَ يَزِنُ عَقْلَ بَنِي عَامِرٍ وأَوَلُهُمْ هَذا الذِي يَجْثُمُ فِي خِبائِه، تَقْصِدُ أَبَاهَا.

**

الحب

 

هَاجَ بِه الشَوقُ ذاتَ لَيْلٍ، فَخَرَجَ مُيَمِّمَاً دَارَها، مِثْلَ ذِئْبٍ يَتْبَعُ عِطْرَ قَرِينَتِه، يَجِدُّ في السَّعي ويَلْهَجُ بِاسْمِها ويَتَهَدَّجُ بِآخِرِ ما قالَهُ فِيها مِنَ الشِعرِ، يَتْلُو صَلاةً كَمَنْ يَقْصِدُ الفَجْرَ قَبْلَ أَوانِه، وأَخَذَ يَطُوفُ حَوْلَ خِبائِها حتى اسْتَفْرَدَ بكُوَّةٍ تَفْتَحُها لَهُ كُلَّمَا جُنّتْ إِلَيْهِ، فَدَفَعَ خِرْقَةَ الكُوَّةِ وكانَتْ ذِرَاعَاها فِي لَهْفَة، وهَمَسَ لَها أَنْ تَقُولَ لَهُ الكَلامَ. ارْتَعَشَتْ أَعْضَاؤُها تَنْثُرُ كَبِداً فَرَاهَا العِشقُ وصَعَدَ مِنْها الزَفِيرُ الأَعْظَمُ. امْتَدَتْ لَهُ كالجِسرِ، وسَمِعَ فِي جَسَدِها غَرْغَرَةَ زُجَاجَةٍ تَمْنَحُ مَاءَهَا، فَكَانَ لهَا الإنَاءُ تَسْكُبُ ويَشْرَبُ، وكُلَّمَا قَالَ لَهَا زِيدِي تَزِيدُ وعَرَقُها يَتَفَصَّدُ والخِبَاءُ تَنْداحُ أَسْتَارُهُ وأسْنِحَتُهُ مِثْلَ رِيحٍ وهُو يَقُولُ زِيدي فَتَزِيدُ والعَرَقُ بَيْنَهُمَا يَنْضَحُ وأَوْتَادُ الخِبَاءِ تَتَأَرْجَحُ مِثْلَ إِعْصَارٍ يَتَشَبَّثُ بِالمِزَقِ لِئَلا تَنْهَاُرَ وهُو فِي حَالِ الإناءِ يَفِيْضُ ويَسْتَفِيْضُ والزَبَدُ يُجَلِّلُ أَعْطَافَهُمَا فَتُصِيبُهُمَا الإنْتِحَابَةُ. فَتَكُونُ قَالَتْ لَهُ الكَلامَ كُلَّهُ وقَدْ سَمِعَهُ. ويَكُونُ نَالَ مُتْعَةً يَغْتَرُّ بِها العَاشِقُ وتَاجَاً تَتِيْهُ بِهِ المُلُوكُ. ثُمَّ قَالَتْ لَهُ : (وأَنْتَ، مَا تَقُولُ فِي هذا اللَيل الذي يَطُول ). فَقَالَ لَها (الحُبَ).
وكَانَ أَوَلَ عَاشِقٍ يَكْتَشِفُ هذِهِ الكَلِمَة، وقِيلَ اخْتَرَعَها، وذَهَبَتْ فِي لُغَةِ العَرَبِ دَالَّةً عَلى وَصْفِ مَا لايُوصَفُ مِنْ خَوالِجِ النَاسْ، ولَمْ يُدْرِكُوا كَلِمَةً بَعْدَها عَلَى هذا القَدْرِ مِنَ الجَمَالْ. أَمَّا لَيلى فَإِنَّها بَعْدَ أَنْ سَمِعَتْ الكَلِمَةَ أُغْمِيَ عَلَيهَا، ولَمْ تُفِقْ حَتْى يَوْمِنَا هَذا. ويُرْوَى أَن اسْمَها امْتَزَجَ بِلَيلِ المُحِبِين الذِي يَطُولُ فَتَتَأَجَّجُ فِيْهِ شَهْوَةُ العُشّاقِ ويَتَفَجّرُ جُنُونُهمْ، وقِيلَ إنَّهُ لَيلٌ لا نَهايَةَ لَهُ. فَذَهَبَتْ لَيلى مَثَلاً أَكْثَرَ مِمَّا ذَهَبَ قَيسْ.

***

الذئب

سُئِلَ يَومَاً وهو سَاهِمٌ فِي الوَحْشِ : (مَا أَجْمَلَ مَا رَأَيْتْ؟)
فَقَالَ (لَيلى)
قِيلَ لَهُ : (نُدْرِكُ هَذا، ونَعْنِي غَيرَها؟!)
فَقالَ : أُقْسِمُُ أَنْ لا غَيرها، لَكِنََّ ذِئْباً بَهِّيَ الطَلعَةِ، نَشِيْطَ السَّمْتِ، طَيِّبَ الرِيحِ، صَادَفَنِي ذَاتَ قَفْرٍ وأَنَا أَحْنُو عَلى ظَبيةٍ وأَتَمَسَّحُ بِها وأُخاطِبُها لِفرْطِ شَبَهِها بِلَيلى، فَأَمْهَلَنِي حَتْى أَطْلَقْتُها وإذا هُو يُطارِدُهَا، فَانْطَلَقْتُ خَلْفَهُمَا لِكَيْ أَطْرُدَهُ عَنْها، فَكلَّتْ سَاقَايَ مِنَ الرَكْضِ، حَتى غَابَا عَنِي، وبَعْدَ رَاحَةٍ تَبَعْتُ أَثَرَهُمَا، وإذا بِهِ قَدْ فَتَكَ بِها فَأخَذْتُ سَهْمَاً أَصَبْتُه، وشَقَقْتُ بَطْنَهُ فَأَخْرَجْتُ مَا أَكَلَ فَضَمَمّْتُهُ إلى صَدْرِي، ورُحْتُ أَتَمَسَّحُ بِهِ وأَصْبِغُ بِمَزِيْجِهِ خِرْقَةً كَانَتْ عَلى جَسَدِي وأَدْهَنُ جُمَّةَ شَعْرِي وناصِيَتَهُ، وأَنَا أَشْهَقُ، تَنْتَابُنِي شَهْوَةٌ مَا ذُقْتُ مِثْلَها إلا مَعَ لَيلى. وغَشَيتُ بِفِعلِ اللَذَّةْ. وحِيَن صَحَوتُ مِنْ غَفْوَتِي إذا بِالذِئْبِ يَقُومُ مِنْ ذَبْحَتِهِ كَمَنْ يَنْهَضُ مِنْ نَوْمٍ. وَيتَبَدّى لِي أَكْثَرَ جَمالاً مِمَّا كَانْ، فَاقْتَرَبَ مِنِّي ورَاحَ يَفْركُ رَأَسَهُ فِي كَتِفِي وعَيْناهُ مُغْرَورَقَتَانِ. فَقُمْتُ أَسِيرُ مَعَهُ لِيَأخُذَنِي إِلى المَكانِ. ومِنْ ساعَتِها لَمْ يَعُدْ ذلِكَ الذِئْبُ يُفارِقُنِي، وكَانَ كُلَّمَا سَمِعَ مِنِّي شِعْرَاً أَذْكُرُ فِيهِ لَيلى اغْرَورَقَتْْ عَينَاهُ وأَصْدَرَ عُوَاءً أَجْمَلَ مِنْ نَحِيبِ بَشَرٍ في الحُبْ.

**

ليلة العرس

شِعْرٌ غَزَلَهُ المجْنُونُ فِي لَيلى، صَارَ عِطْرَاً نَافِذَ السِحْر. ذَاعَ فِي بَدْوِ الجَزِيرَةِ وحَضَرِهَا، ليَسْمَعَ بِه شَخْصٌ اسْمُهُ ( وَرْد )، يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفِ الطَائِفِ،ِ مُتَتَبِعَاً أَخْبَارَ لَيلى مُتَقَصِّياً مَضَارِبَ بَنِي عَامِرٍ، مِنْ طَرَفِ الجَزِيْرَةِ حَتْى قَلْبها. وقِيلَ إنَّ ( وَرْدَاً ) كَانَ يَحْفِظُ كُلَّ أَشْعَارِ قَيس ، حَتى أنَه عِنْدَمَا دَخَلَ عَلى والِدِها خَاطِبَاً، كَانَ يُرَدِدُ شِعرَ المجنُونِ أَكَثَرَ مِمَّا يَقُول كَلامَاً مِنْ عِنْدِهْ، حَتى قِِيل إنًّ ورْداً جَاءَ يَطْلُبُ لَيلى مِنْ أَهْلِها بِشَفِيعٍ واحِدٍ هُو شِعْرُ قَيسٍ فِيها. ورُوِيَ أَنَّ المهْدِيّ والدَ لَيلى وَجَدَ فِي وَرْدٍ الثَرِيِ مِنْ ثَقِيْفِ، شَخْصَاً مِنْ أَهْلِ الجَمْعِ والمَنْعِ، جَدِيْرَ المَنْزِلَةِ، وأَنَّهُ إلى ذلك سَوْفَ يَضَعُ لِقِصَةِ قَيس مَعَ لَيلى حُدُودَ الأَعْرَافِ التِي يُوْجِبُها الزَوَاجْ. أُجْبِرَتْ لَيْلى عَلَى الزَوَاجِ مِنْ وَرد، بَعْدَ تَهْدِيْدٍ بِالتَمْثِيلِ بِها إنّْ رَفَضَتْ. فَوَقَفَتْ لَيْلَةَ العُرْسِ فِي مُنْتَصَفِ الخِبَاءِ قَائِلَةً لِوَرْدٍ : (لقَدْ تَزَوَجْتَنِي لأنَهُم ْ لا لأَنِي، وأَنْتَ تَدْرِِي عَنْ حُبِي لِقَيس وعِشقِهِ لِي، وقَدْ حَذَرْتُكَ مِنْ هَذا، أما وَقَدْ حَصَلَ مَاحَصَلْ ، فإِنَّكَ تَعْرِفُ أنَّ لِقَيسٍ فِي رُوْحِي أَكْثَرَ مِمَّا لَكَ فِي جَسَدِي، فَإِذا كُنْتَ قَبِلْتَ ذلكَ مِنْ قَبْلُ لابُدَ لَكَ أنْ تَقْبَلَ هذا مِنْ بَعْدُ، فَاْعْرِفْ أَنَّ لَهُ عِنْدِي النِصْفَ والثُلْثُينِ وَمَا يَفْضُلُ، وإِنَّ جَمْعَكَ ومَنْعَكَ، اللذَيْنِ جِئْتَ تَشْتَرِينِي بِهِمَا، لا يَجْعَلان لَكَ سُلْطانَاً عَليّ، وهذا الأمْرُ بَيْنَنَا مِنْ هَذِهِ اللَيْلَة، فَإذا قَبِلْتَ فَاعْلَمْ إنَكَ زَ وْجِي أَمْامَ الله والنَاسِ وهَذا حَسْبُك، لَكنَّهُ حَبِيبِي أَمَامَ الجَمِيعِ وهَذا لا يَكْفِينِي ولَنْ يَكْفِيهِ).

قِيلَ فَلمَّا سَمِِعَ وَرْدٌ كَلامَها أَطْرَقَ طَويلاً ثُمَّ نَظَرَ إِلى الوَاقِفَةِ أَمَامَهُ، مِثْلَ حُلُمٍ بَينَ يَدَيهِ، يَرْشَحُ مِنْ أَصَابِعِهِ، ولايَقْوَ عَلى مَنْعِهْ. وقَالَ بَعْضُهُمُ إنَّ (وَرْدَاً)، رُبَّمَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذا لابُدَ واقِعٌ، فَأَحَدٌ لا يَعْرِفُ مِقْدارَ مَا بَينَ قَيس ولَيلى مِثْلَمَا يَعْرِفُ وَرْدٌ وَيُدْرِك. لكِنَّ وَلَعَهُ بِلَيلى، هَوَّنَ عَلَيْهِ الخَسَارَةَ كُلَّها. وقِيلَ إنَّ (وَرْدَاً) كَانَ قَدْ اسْتَحْوَذَتْ عَلَيْهِ مَاهِيَّةُ قَيسٍ، حَتى اسْتَبْطَنَتْهُ وتَقَمَّصَها، وما سَعْيُهُ لِلزَواجِ مِنْ لَيلى، إِلا نُزُوْعَاً لإحتِيَازِ الحُلْمَ الذِي ابْتَكَرَهُ قَيسٌ فِي شِعْرِهِِ، وما كانَ لِورْدٍ أَنْ يُفَرِّطَ فِي هذا، وقَدْ تَيَقَنَ أَنَّهُ لَنْ يَنالَ مِنْ لَيْلى إِلا ما أَرادَتْ .

**

تاج الضحايا

يَسِيْرُ ويُهْمِلُ أشْيَاءَهُ فِي الطرِيْقِ
شاجِنَ الحُنْجَرةْ.
حَدَّثُوهُ عَنِ العُرْسِ،
فَانْقَضَّ فِي جِلْدِهِ.
قَفَّتْ يَدَاهُ عَلى الماءِ حَتى العَطَشْ
أَرَاغنهُ حَجَرٌ صَادِحٌ
والهَوادِجُ تَمْضِي بِلَيلى إلى العُرْسِ
والعُرْسُ يَذْبَحُهُ.
والهَواءُ قَمِيصٌ لِنِيرانِهِ

لَهُ اللهُ
حَبِيبَتُه في السَبايا
يَسِْيرُ ويَحْملُ جثْمَانَه
شَاخِصٌ فِي غُبَارِ القَوافِلِ،
تَحْدُو وتَتْرُكهُ فِي البَقَايَا.

رَأيْنَاكَ يَا قَيسُ
يا قيسُ
يا تَاجَنَا فِي الضَحَايَا.

***

ليلة الوصف

مِمَّا يُسْتَشَفُ مِنْ نُتَفِ الأَخْبَارِ ومُسْتَكْنِهاتِ مُعْظَمِ النُصوصِ وسَواطِِعِ بَعْضِها، أَنَّ قَيسَاً لَمْ يَكُف عَنْ لَيلى بَعْدَ الزَواجِ ولا هِي عَفَّتْ عَنْهُ، فَكَانَتْ تَسْتَقْبِلهُ فِي غِيابِ زَوْجِها حِيْنَاً وتَطِيْرُ إِلَيْهِ فِي القَفْرِ أَو الجَبَلِ حِيْنَاً آخَرْ. وَرُوِيَ عَنْ صَاحِبِ الأغَانِي قَالَ إنَّ زَوْجَ لَيلى وأَباها خَرَجَا إلى مَكةَ، فَأَرْسَلَتْ إلى المجْنُونِ تَدْعُوهُ، فَأَقَامَ عِنْدَها لَيْلَةً لَمْ يَخْرُجْ مِنْها إِلا فِي السَحَرِ مَسْحُورَاً، وقَالَتْ لَهُ : (عُـدْ إليَّ مَا دَامَ القَوْمُ فِي سَفَرٍ).
فَكَانَ عَلى ذلِكَ حَتى قَدِمُوا. ورُوِيَ أَنَّها كَانَتْ مِنَ النَشْوَةِ بَعْدَ اللَّيْلَةِ الأخِيْرَةِ حَتى لَمْ تَقْوَ عَلى كِتْمَانِ حَالِها أَمَامَ (وَرد)، الذِي دَخَلَ عَلَيْها مِنَ السَفَر مُحَمَّلاً بِالهَدايا مُسْتَمِيْلاً ودَّها، فَكانَ كُلَّما أَخْرَجَ لَها هَدِيَةً يَسْأَلُها ( كَيْفَ تَجِدِينَ هذا الخَزَّ وما تَرينَ بِهذا العِطْرِ وهذا العقْدِ وهذِهِ القِلادَةِ). كَانَتْ تَقُولُ لَهُ : (كُلُّ هذا لَيْسَ بِشَيء)
ثُمَّ تُعْرضُ عَنْهُ. فَأَدْرَكَ أَنَّها لَيْسَتْْ فِي شَأْنِهِ، وأن قَيساً قَدْ اسْتَغْرَقَها فِي غِيَابِهِ، فَطَوَى هَدَايَاهُ وَخَرَج. ورُوِيَ عَنْ جارَةٍ لَها سَأَلَتْها عَنْ تِلْكَ اللَّيلَةِ ، فَقالَتْ : (وَالله إِنَّها لَلَيّْلَةٌ تَجِلُّ عَنِ الوَصْف)
فَلَمْا اسْتَزَادَتْها الجَارَةُ زادَتْ :
(لَعَمْرِي مَا اشْتَمَلَت النِسَاءُ عَلى رَجُلٍ مِثْلهِ قَطْ).

***

أفعال الشطح

قِيْلَ إنَّهُ حِينَ يَفِيْضُ بهِ الوَجْدُ وتُدْرِكُهُ التَجَلِيات، يَخْرُجُ فِي المَضَارِب، يَكْشِفُ أَسْتَارَ الكُوَى فِي جَوانِبِ الخِيامِ وخُدُورِ النِسَاءِ، مُنادِيَاً فِي بَنِي عَامِرٍ (يَاغَلَظَةَ الأَكْبَادِ افْتَحُوا كَي يَتَخَلّلَ الحُبُ قُلُوبَكمْ وتَنْتابُكُمْ الرَعْدَةُ البَهِيّة وتَنْثَلِجُ أَوْصَالُكُمْ ويَرِفّ عَلى أَفْئِدَتكم مَلاكُ الجَنَّة والنْارِ، واطْرَحُوا مِنْ أَيْدِيكُمْ الشُغْلَ والتِجارَةَ واتْرُكُوا لأَجْسادِكُمْ حُريَةَ النِزالِ والإنْزال، وسَمّوا كُلَ شَيءٍ بِإسْمِهِ، وقُوْلُوا هُو الحُبُ، لَعَلَكُمْ تَنَالُونَهُ وتَقَعُوْنَ عَلى نِعْمَتِهِ وتَسْتَطْعِمُونَ بَعْضَ مَا أَنا فِيهِ، لِكَي لا يَكُونَ فَكاكٌ لَكُمْ ولا أَنْتُمْ تَبْرَأُون). ثُمَّ يَطُوفُ عَلى مَرَابِطِ الخَيلِ والإِبْلِ، يُطْلِقُ عِقالَها فِي غَفْلَةِ القَومْ، حَتى إِذا ما الْتَفَتُوا لَمْ يَجِدُوا فِي الحَيِّ بَهِيْمَةً فِي رِباطِها. وكانَ ذلِكَ مِنْ أَفْعالِ الشَطْح.

**

الهداية

لا يَيْأَسُ، ويَظَلُ في انْتِظارِهِ مَفْتُونَاً بِوَعْدِها. فَتَتَحَينُ لَيلى غَفْلةَ (وَرْدٍ) فَتَبْعَثُ إِلَيهِ تَدْعُوهُ، فَيَأتِي مِثْلَ الرُوحِ المَأخُوذ، وهِي تَكادُ تَحْتَقِنُ لانْتِظَارِه الذِي لا ينْفدُ، والنَاسُ فِي طَرِيقٍ مُؤَثَثَةٍ بِالأشْيَاءِ المَأخُوذَة. يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَتَقَومُ إِلى بَابِ المكَانِ تُغْلِقُ رِتَاجَهُ وتُرْخِي الأسْتَار، وقَيسٌ يَهِيمُ بِهَا ويَهُمُّ مِثلَ طَيفٍ أخَذَ مِنْهُ السِحْرُ وشَحَذَتْهُ النَطْرَةُ. يَجْلِسَانِ مُتَلاصِقَينِ، صَمْتُهمَا أَضْعَافُ الكَلامِ، كُلَّمَا قَالَ لَهَا سَكَبَتْ لَه، أيُّكُمَا سَيُطْفِئُنِي هذِهِ اللَّيلةَ وأيُّكمَا سَيُشْعِلُنِي، وهو لا يَعْرِفُ بأيِّ عِضوٍ يَأخُذُ مَا تُعْطِيهِ، وكَيْفَ يَحْتَفِي بالنِعْمَةِ التِي تَبْذلُها لَه، يقُولُ وتَسْكُبُ وتَنْسَكِبُ عَلَيهِ، وهو لا يَكادُ يَفْرَغُ مِنْ رَشْفَةٍ حَتْى تُدْرِكهُ شَهْقَةٌ، تَشْحَذُ جَسَدَهُ بالرُوحِ، فَيَتَطَايَرُ الشَرَرُ وتَشُبُّ النِيرانُ فِي الثِيابِ، حَتى لا يَجِدانِ مَفَراً مِنَ التَخَفّفِ فَيَرفَع