********
السِلالُ ذات الخفّة
تَزنُ السِلالُ خفتَها
وهي تتأرجَحُ خلفَ النساء
متقمّصاتٍ هيئةَ طفلاتٍ يُقلّدنَ أمهاتهنََّ
السِلالُ في الخفّةِ
و النساءُ يتكئنَ على هواءٍ شاغر
لكي يُحسِنََّ رّصْفَ الأكاليل وهي تَتهدَّلُ
طائرةً وراء السلال
وضَعْنَ فيها مؤونة البيت
كمن يكنس السوق كله
كدّسنَ فيها الزيتَ المعصور بالصخرة المصقولة
وخبرة العمل
وخبأنَ في جيوبهنّ الأعشابَ و الأبازير .
كدنا نفقد شهية العراك
و السلال لم تزل في رشاقة القصب
تقلد أكثر المكاييل خفةً في اليد
بلا ضغينةٍ
بلا ضغينة
لا أحد يَغارُ من السِلال
ولا أحد يضاهي نساء يخرجن في واضحة النهار
يختبرنَ الموازينَ و مكاييل السوق
يفضحنَ ذرائعَ الباعةِ
ويَطفقنَ عائداتٍ بالمؤونة .
***
ظلامٌ عليك أيها الجبل
كان الجبلُ في أحداقنا
ينقّل أقدامَه الزجاجية من حلم في هيبة البحر
إلى حلم في أبّهة النخيل
ذهبنا لشحذ أعضاءنا بأسنانه
بصلافة صخوره وغدر نتوءاته
فيما هو منشغلٌ بصقلُ شظاياه
مباهياً بهيبة مراثيه وبراثنه الباسلة
رعاياه
نزن به أحلامنا كأنه معدن الوقت
يكنز نعمتَه في غيومٍ غامضة
مبذولة لترف المكائد
تتماهى في خلاعة الأشكال
وتشفُّ عن الماء اليابس
قمصاننا تشيع الفتنة لجسدين في لذة السفر
نغفل عن خيوطها المشاعة فنخسر قناديل الطريق
مثل نجوم مُدلاّةٍ في تجاعيد الوحشة
تظنُّ أنها السماء .
جبلٌ يَخُبُّ في جُبّتِه الموشّاة بأحداقٍ ثملة
وأهداب فَضَّة
ترصد رعيةً في وحشة السفوح
نحنُ رعاياهُ المستوحشون
تنالنا جهامةُ الليل.
شعبٌ يستفرد به حجرٌ كئيبٌ
محمولٌ على المناكب
غاباته مكتظة بيقظة الحواس
تزعم أنها ثمالة حنيننا الموصول بعدالة المطر
ما إن نغفل حتى تغدر الشباكُ بشعبٍ يَشُطّ
يرشده أدلاّءُ يعرّيهم الجبل بكمائنه
ويفضح خطواتَهم بالكواسر
ما إن نغفل حتى تطيش جمرةُ الغابة
لفرط النَّطْرةِ وضغائنِ الفصول
رعايا نحنُ
نَعُقُّ عن هيبة الجبل
ونزخرفُ جسدَه بمرايا مشروخةٍ
تفضح خِرقاً مزقتها مواكبُ الجنازات
واندلاعُ النيازك اليائسة
رعايا
نرفع أسمالَنا رايةً في طليعة النص
فتخرُّ الخرائطُ مهتوكةً بصراحة الكذب
نعرف في الحجر ذريعةَ الطريق
تأخذ أقدامَنا بهجة المسافة
وطبيعة السفر
كأنَّ الماء في المنحنى
كأنَّ شجرة الغابة تقويمنا لندرك خاتمة السَّرد
كأنَّ زفير المآتم سأمنا الأخير لتفادي نردَ القرابين
كأنَّ بريد القرى المستباحة بلاغة المدينة
تميمتها لتدارك فضيحة التهتك في حضرة القتل
نعقُّ مثل رعية تفقد حرية النوم
نقول للجبل : غَيِِّرْ غيومَكَ
هيئْ ضريحَكَ
وافتحْ ألوانَك على الناس
نقولُ له : ظلامٌ عليك أيها الجبل
ولكَ قوسُنا الشاهقُ .. سرادق الأفق
نقولُ له : سئمنا سيداً يَسكتُ عن أحفاده
ويُطلقُ لأسلافِه سطوةَ الندم
جبلٌ يَنْهَرُ أحلامَنا ويَشِي بنا في محفل الصيارفة
يقودنا بأدلاّئه المذعورين
ويعتذر عن أجمل أخطائنا أمامَ قناصل الدول
ومبعوثي الجيوش
نقول للجبل : الجبالُ تَرْحَلُ أيضاً .
***
زعفرانة البحر
آخَيْنا زَعفرانةَ البحر
وهي تَخرج عن خَبيئة الجبل
تُزخرِفُ مخيلةَ الغابة
وتَمنحُ الغريبَ وردةَ الليل
آخينا الماءَ بزرقته القانية
وهذيانِه الناضج
نغسله بمراراتنا القديمة
فيتفجّر في أعطافنا حنينُ الوحشة
نخبئ أفئدتنا المرتعشة
تحت القمصان والأغطية وضراوة الثلج
مثل ذئاب متوحدة
نُخفيها في آبار الذاكرة
لئلا تفضحنا بنشيجها المكبوت
جئنا بأكثر الأعضاء رهافة
لننساك
لننسى نسيانك
فتشهق بنا جمرةُ القلبِ
تلامس حواسَنا الشجرةُ ذاتُها
الغابةُ ذاتُها
والهواءُ الشفيفُ ذاتُه
هذا هو إذن
الفضاء الذي ازدحمَ بك
الخضرةُ التي شَغَرَتْ من أجمل كائناتها
بعد رحيلك
جئنا
نؤاخي غابةً ثاكلةً بعدك
لننساك
لننسى نسيانك
فتشهق بنا الأفئدةُ
كمن يطلق الريحَ في جمرة النص
جئنا
رحيلاً من جنة الأعالي نحو السواحل المأهولة
بنحيب القواقع واحتدام الموج
من سواد البلاد المكتظة بتاجات النخيل
والمياه القديمة
نحو الجزر الموشّحة بأهداب النيازك
المشحونة بالمرارات
جئنا نسألُ المنتجعَ
علاجاً لنسياننا
رحيل ٌ مترفٌ بالوجع ومواكب الدمع
في الخطى المشبوبة
ساعيةً لعدالة المطر وهو يغسلُ الرجال
بنسوةٍ ينسجنَ القوسَ الفادح
مجللاتٍ بسوادِ البهجة
فيهنَّ حاملات القرابين
فيهنَّ المعصوبات بالسَعَفِ الطازج
فيهنَّ المندلعات بأثداء النعمة
اللائي يَدْهنَّ بالتوابل أجساداً تسوقُ النوارسَ
مزينةً بالريش المبتلّ ، مغرورةً كالريح
في مرورنا الرشيق بين موائد البحر
نُلملِمُ عسلَ الشموعِ ونبجّلُ به غيابك الغامر
لعلَّ رحيلنا الباكر يمنحنا نعمةَ نسيانك
في الأقداح المعْبُوبةِ حتى الثُمالات
بالشفاه المرتعشة تحت المطر العادل
يستعيدُ لنا فصاحة الحواس
وهي تَصِفُ الهوادجَ في ترنّح الرحيل
أقداحٌ نعبُّها حتى تَشِفُّ صُورُ نسائِنا
في الزجاج الثَمِلِ مصقولاً بجوهرة الأفئدة
في تاجاتِ الزبد تحرس مراكبَنا مبحرة
مثل حليبٍ يطيشُ في القَصْعَةِ
ويمنحُ الطفل أختامَ النشوة
ليظنَّ أنها الملاكُ .. وينامْ
رحيلٌ يضع زفيرَ أرواحِنا في التجربة
يُعرّينا من حنينٍ جامحٍ
رحيلٌ فادحٌ
خَلَعْنا له أجملَ قمصانِنا
لنجِدَ أعضاءَنا مستوحشة في وحدة الطريق
في مِلحٍ جارحٍ يؤجج الجراحَ
متوغلاً في الخفيّ من أسرارنا
رحيلٌ يذهب بنا
تاركينَ دفءَ أكواخِنا في غياهب النخل
ميمّمينَ نحو مسارب الحجر
أعطافُنا مثقلة بذريعة الطرائد
رحيلٌ مثل فرارٍ فاجعٍ من شِراك الغُبار
نلثُم رطوبة الرمل بالأهداب
ونطبع القبلاتَ في هواءٍ يتكاثفُ على زجاج أيامنا
دخانُ الأكباد يندلعُ مختلطاً بتشنجات العضل
وافدينَ مثلَ مرضى الجَنَّةِ على مشارف الجحيم
في تَهدّج مُهَجِنا المُستثارةِ بفعل المسافة
نساؤنا يُمزّقنَ أسمالَهنََّ لئلا نذهبْ
فنشُدُّهنَََََّ من قلائد أعناقِهنََّ لفرط الرحيل
نؤجِلُ بِهُنَّ ليلَ الأسلافِ
بكُتبٍ تفتحُ الطريقَ أمام أشباحِنا
نرسم لأحفادِنا مستقبلَ النوم
بالحليب الشَحيح في أثداءِ نسائِنا
ونُهَدْهِدُ مُهودَ أطفالِنا بزفير الأفئدة
لئلا ينالَهم نَدمٌ على ذهابنا الباكر
في اختلاجِ معاجِمنا باللغة
نتلو صلواتٍ مكسورةٍ بماءِ الرغبة
قدمٌ في النوم
وقدمٌ في نعاسٍ نظُنُّ أنَّه اليقظة
تلك هي جذُورنا صاعدةٌ
في غَيمٍ لا يَعرفُ تقويمَ الفصول
تلك هي خريطَتُنا المنهوبة
مبذولة للمهبّ
ما إن تغفو أجسادُنا في شهوة الليل
حتى تستفرد بنا ضِباعٌ تتبعُ خطواتنا
تشمُّ رائحةُ الدم وتمشي عليه مثل الخيط
تقتحم علينا غُرفة القلب
منتهكة بكورة أحلامنا
ليس فينا من ينسى نسيانه
ولسنا في الأسلاب
نذهبُ في رحيلنا
ونسمّي أحلامَنا تميمةَ السفر.
***
مرارات
مررنا بهم
أسرى مثل أقفاصٍ تَحرُسُ الأجنحة
يذودونَ عن أرواحِهم بالمراراتِ
تحت آباطِهم مفاتيحٌ تَصْدأُ
وفي أحداقهم ما يُشْبه القناديل
ضوءٌ شاحبٌ في عاصفة
لجوعهم أنينٌ مثل جوقة الكهنة
نسمع حَـكَّ الحديدِ في أخماصِ أقدامهم
مررنا بهم
فانتابنا زفيرُ المجامر
لَهُمْ رائحةُ الزبد الطائشِ من أشداق الخيول
مجدولو الذوائب
تتدلى على أكتافهم صناجات تطردُ ذريعة الفرار
يضعون ذاكرتَهم في رمادٍ باردٍ
وبين أيديهم كُتبٌ تَتَضَرَّعُ لشجاعة الصلاة
كلما قامَ منهم شخصٌ تساقطت أعضاؤه
مثل شجرة تسبقُ الخريف
ظهورُهم موشومةٌ بأشكال الساعات
بعقارب ترصدُ المواقعَ وتحرسُ المدنْ
مررنا بهم
يَشْخَصُونَ إلينا بأحداقٍ تَطلعُ منها طُيورٌ عمياء
نَكْسُرُ في وجوههم الشمسَ بالمرايا
فلا يَرُفُّ لهمْ جَفْنٌ ولا تَتَهَدّلُ أهدابُهم
يَتَفَصَّدُ الرُخامُ من مُقَلِهم
ويَنْبَثِقُ كأنَّه الحُمَمْ
كلما ظَنَنا لَهُمْ شَكلاً
طاحَ قِناعٌ لِنُدْركَ قناعاً آخرَ خَلْفَه
مررنا بهم
نحمُلُ المَديحَ الفادحَ
فإذا بالمراثي تَقْصُرُ عن وَصْفِهم
مُصابُونَ باحتدام الجيوشِ تَحتَ جُلودِهم
دونَ أن تكفَّ دورةُ الدمِ في الزجاج
مررنا بهم
صَرعى صِراعاتِهم
زَرَعُوا أشلاءَهم بزهرة الكباريت
فلم يُدركوا غَيرَ براثنَ الجليد
تَنْغَرِسُ في عاجِهم العاري
انْتَهَبُوا خريطةَ الناسِ
واقتَتَلوا عند اقتسام الأسلاب
جديرونَ بما يجعلُ الرحيلَ تحيةَ البحر
وقلقَ السفنِ وقلادةَ المسافرين
جديرونَ
والوقتُ وَشْمٌ على ميزانِهم
ومن أضلاعِهم يأخُذُ الاسطرلابُ أشكالَه الغامضة
مررنا بهم
يَعُبّونَ طُحْلُبَاً فاسداً من قَصْعاتِهم
ويَسُفّونَ الرملَ بلهفَةِ العَطَشِ
يَتحاجَزُونَ بِمُهَجِ الناسِ
ويَتَقاذَفُونَ بالمَواعِينْ
نَطْرَحُ الأسئلةَ عليهم
فَتَفُوحُ من أفواهِهم الأبخرةُ
ويَطْفُرُ الكلامُ بلا دلالةٍ ولا معنى
وكلما اقتربنا من بياضِ أحداقِهم
صَفَعتْنا أجنحَةٌ بلهاء
تَطْرُدُ الهواءَ لئلا يُوقِظَ طبيعَةَ الطير
مررنا بهم
مثلما تَمُرُ الثَواكلُ على قُبورِ المفقودين
ليسوا من القتلى
و لا يَصُدّونَ اللوْعَةَ عن أفئدةِ النساء
مررنا بهم
نَفْضَحَهُمْ بذاكرةِ المستحيل
جَمَعنا لَهمْ القَرائِنَ كَي يَكُفّوا عن الموت
مَدَحْنا لهم الغيابَ بفصاحةِ الصمتِ
كي يُدرِكوا الفَرْقَ بينَ القواميسِ وقناديلِ الطريق
فَلَمْ يلتفتُوا ولَمْ يُصْغُوا لوَقْعِ مُرُورِنَا الصاخِبِ
كُـتُبنا تَتَشَبَّثُ بأخبارِهم
وهُمْ يَتَقَفَّصُونَ على أنفاسِهم الأخيرة.
***
حكمة النساء
أجْهَشَتْ النساءُ المغدورات برجالِهِنََّ
و أوشَكَ الجَزَعُ أنْ يبلغَ بهنّ
ليرمينَ خواتِمَهُنَّ في وجوه الرجال
لكنهنَّ استدركنَ فأمسكنَ عن الخَلْعِ
واستدرنَ نحو دُورِهنَّ
يَِدْهَنَّ الأسرَّةَ بالتوابل
ويُؤجِّجنَ القناديلَ بزعفرانِ السهرة
و يَذْهَبنَ في استجواب المرايا
يَشْحَذْنَ َ أسماءَ عُشاقِهنَ بالأكبادِ
وكانَ في ذلك حكمةْ
سَأَلَتْ امرأةٌ
وهي تَشُقُّ القمصانَ من كل جانب
لماذا لا تُطلِقُ الغابةُ كائناتَها فَصْلاً واحداً
تمتحنُ بها طبيعةَ النساءِ المغدورات
رهيناتِ الوَحشَةِ في الغُرفِ الشاسعة
مثلَ شتاءِ الغُربة؟
سَأَلَتْ امرأةٌ ، محسورةُ الروحِ
وكانَ في ذلك حكمةْ
أخَذَتْ امرأةٌ عُدّّةَ زوجها
وبَدأتْ في كسر أرتاجِ الأبواب
وخَلْعِ النوافذ بستائرها المَسْدَلَةِ
فَتَحَتْ ثغراتِ الفضاءِ في جوانبِ الدار
وسَمَحَتْ لشمسِ الليل أنْ تَسْهرَ في البهو
وللنجوم أنْ تَحرسَ المداخل
لئلا يَسْتَوْحِشَ كائنٌ في الظلام
كانتْ تلك مبادرةٌ باسلة
استيقظتْ بها أحجارُ الغابة
ونهَضَتْ لها شكيمةُ المبارزات
لم تكنْ المرأةُ وحيدةً في شهوة الشُغل
وكانَ في ذلك حكمةْ
سَحَبَتْ امرأةٌ سَرِيرَها المَشْبُوقِ نحو حَوشِ الدار
و أطلقَتْ وحشَ الأساطير في بخور الأرجاء
ثم طَفَقَتْ في الأغنية
كانت جوقة الملائكة معها
و مجامرُ العَنْبِرِ معها
ومعها قَنْدَةُُ الليلِ تَحْرُسُُ السَهرَةَ
فَطابَ لها أنْ تَقْتَرنَ بالهواء
وكانَ في ذلك حكمةْ
أخْرَجَتْ امرأةٌ صندُوقَ عُرْسِها
المكتظ برسائل الحب
وراحَتْ تتلو أجملَ الكلام
كمنْ يقرأ التعاويذَ في محراب
فأخذَ المارةُ يتقاطرونَ حولها
مأخوذينَ بكلام الأكباد
وكانتْ المرأةُ مَلْتَذّةً كأنَّها في الحُبْ
وشَبَحُ الشَخْصِ ماثِلٌ في الذاكرة
طَفَقَتْ الريحُ تَمْدحُ الكلامَ
كمن يوقظ الفتنة
وكانَ في ذلك حكمةْ
حَلَّتْ سَيَّدةُ البيتِ شَعْرَها
وبَدأتْ تَغزُلُ به حِجاباً غامضاً
يَغْلِبُ القاطنَ المستَقرْ
ويُغْرِي الرأسَ بوسائل السفر
بَكَتْ معها غَرِيزَةُ الغريب
وبَكَتْ عليها حكمةُ القلب
فاحتدمَ حَشْدٌ من كائناتِ اللذَّة
يُؤَلِفْنَ الكُتُبَ
و يؤثثنَ الطبيعةَ بالأسرار
و كانَ في ذلك حكمةْ
نساءٌ مغدورات برجالهن
يَغْدِرْنَ بهمْ
ويَكْشِفْنَ لهُمْ ذَرِيعَةَ الفِتْنَة
كأنَّ في ذلك حكمةْ .
***
ما لا يسمى
عندما أسمُكَ في طريق
ورأسُكَ في طريقٍ أخرى
تَتَقَهقَرُ بِشَهوَتِكَ إلى عَتْمة الأزقة
نحو خزائن التجربة
لتسعف الرجفة الخفية
رعشة مسوّرة باحتدام الجموع
وهي تتخطّفك
مستصرخاً ذاكرة الشaِراك
من أين إلى أين ؟
تضع لاسْمِكَ الأسبابَ
لتذهبَ بكَ في مسارب رؤوسٍ محتدمةٍ
تضطرمُ بحرائق الطريق
تضعُ له ما يُسْعِفُ الشارعَ بالحَجر العتيق
بأشلاء رغبات تنطفئ في صراحة الشمس
تضع له رأسك المكنوزة بخبرة الخرائط
وشهوة العمل
تضع لاسمك زهرة الرأس
كمن يبذل وردته على جنازته
عندما سُبلكَ أكثر من أقدامك
وأسلحتك في مزاد السماسرة
يفيض رأسك بزادٍ يكفيك
ويصونك من مائدة مثقوبة بفاكهة تفسد
لفرط الأسلاف
ينالها العطبُ ويطفح بها التفسير
تتقهقر مطأطئ الرأس
نحو غبار المخطوطات
في تاريخ الجسد ووحشة الروح
تنحدر بك حشود الشارع في ليل واضح
في ذبائح مهدورة
في ماء قديم يأسن
في ذخيرة مبتلّة بزفير التجربة
في غفلة البصيرة وكسل المخيلة
تنحدر
ورأسك كنيسة النوم
عندما رمادك يبرد
تكـرُّ عليه ضباعُ المستنقعات
يُسمِّيكَ ما لا يسمى
تسألُ ضميركَ صراحةَ الهواء
وأنت خَدِينُ الخذلان
يشدّك حشدُ الشارع
مأسوراً بقديم الجراح
فيطيش عليك فيضُ الأساطير
تطير في وجهك غربان الغابات
يغطِّيك كرادلةُ الكهوف
بأوشحة كثيفة كتعاويذ الوهم
يَغُرُّونَكَ
يُغوُونكَ بجنّةٍ تَنْجُو منها
عندما تنسى
يسمِّيك ما لا يسمى
سيف النسيان عندما تنسى
تحت قميصك المليكُ في حريته
تحته الطيور والأجنحة
وها أنت تفقد المعدنَ الخفيفَ
تفقد حريةَ الهواء
كأنكَ تفقدَ النصَّ
تنسى أنك رأسُ الهجوم
في جيشٍ يقهر الكتبَ وهي تنسى
تطير بأجنحتك في هواءٍ فارهٍ
لماذا رأيتَ في أدلاّءِ التيهِ نجمةَ المنعطف
وفيهم مَنْ يَشْحَذُ ضوارِيهِ في النَّحْرِ
ممعناً في براءةِ أخبارك
لماذا رأيتَ في مغاراتهم آباطَ الدفء
وفي زَرَدِ خِطابِهم الفَجِّ حَرِيرِ الحنانِ المفقود
لماذا . مثلَ طفلٍ
تلعبُ به غريزةُ اللهو ، يُخَبّئُ النارَ في ثوبِه
لماذا وضعتَ رأسَكَ الناضجةَ
في خدمةِ الاسم المُغْتَرّ بسمتِه
مأخوذاً بعناقات تهيّجُ الجموعَ
متجرعاً شجاعةَ البرزخ
بينَ أن تكونَ عدواً ماثلاً
أو خصماً في الظَنْ
لماذا . عندما رأسُكَ ضحيةُ اسمٍ يتلاشى
في ظهيرة ليلٍ يتظاهَرُ بطبيعةِ النهار
امْتَدَّ بكَ الحُلمُ في يدينِ مغلُولَتَينْ
لماذا عندما نَهَضْنا بِكَ
تُريدُ أنْ تُجهِضَ زَهرةَ يأسِنا
وتُرَشحَ حَيزومَ سفينتِنا المكتنزةِ
لصخرةِ الجبل
ماذا تَعرفُ عنا
بذلنا لك جنونَ القلب
لئلا ينتابَكَ ما لا يُسمّى
وقُلنا لك هذا القلبُ لكَ
حِصْنٌ يَصُونُكَ
فاشَمخْ به
يَتَمَجّدُ بكَ و يَنْهَضْ.
***
سَـلة الأسلحة
لكِ الوقتُ يا سيدةَ المُنتَهى
صديقاتُنا الغامضات يَركضنّ في شتائهنَّ
مغموراتٍ بالغَيرة لفرطِ حُضُوركِ في كِتابنا الأخير
لا يَفْتَحْنَ فَصلاً إلا وصُورتك الحميمة زِينَةُ النَّصْ
صورةٌ تَهطُلُ على أهدابهنَّ بغرائز هَذيانكِ
لا يَنْتَهِينَ من نَصٍ إلا ولُغتُكِ المهتاجة تَشُبُّ
مثلَ غُبار اللَذَّة
صديقاتُنا في جَنةِ الغّيْرةِ
مصقولاتٍ بالغَيْظ
خُذي الوقتَ كلَّه
نَتَهَدْهَدُ بينَ ذراعيكِ يا سَلّة الأسْلحةِ
لا مخافة من تأنيبك
ولا خَشية من انحسار أرديتنا عنك
فاندياحُكِ في ماءِ كلامِنا ونحنُ نَمرحُ في جنائـنك
يجعل غَيرةَ صديقاتِنا الغامضات أكثرَ غموضاً
وأكثرَ فصاحةً من مَديحنا لاستدارةِ فَمُكِ الباهر
كلما لَمَحْنا أعينهنَ مُخْضَلّةً بمَطرِ الضغينة
أشْرفنا على إغماءةِ البهجة
فمَنْ يعرف الغيرةَ غير كائناتٍ مزدوجةِ المَرارة
مشتبكةٍ في اقتتالٍ فادحْ
ليس في اقتسام الروح
غير قطيع من ذئاب تستبسلُ في الليل
وتنشُبُ مخيلتها في جسدٍ مغدورٍ بالسلالات
في نهارٍ شاسعٍ من الكتبِ
يا سلة الأسلحة
خذي وقتَكِ
خذينا من صديقاتٍ يتوشْحَنَ بغموضٍ فاضحٍ
خذينا
نُزيّنُ السُلالةَ بتشَنج الحجر وازدهار المبارزات
بتثاؤب البروق وهي تَصقُلُ الحبَ مثل تاج
باصطخاب أنخابنا وهي مجللة بغيمها الأبيض
في قبة الذهب
عندها تُدركُ صديقاتُنا الغامضات
أنكِ لستِ إلا مليكةُ الكتابة
تَحرُسٍينً لنا السُلالةَ من قراصنةِ النص
وتصدّينَ كتائبَ الغُبار عن أصابعنا
لاهيةً بموهبة الخَلْق
و أنكِ لستِ غير دليلنا في ليل المكابدة
و قنديلنا في ليل الناس
عندها تدركُ صديقاتُنا المترفات
بالضغائن الحميمة
أن غيرتَهُنَّ موجٌ يُسْعِفُ سفينتَنا
بصواريها الشامخة نحو لا مُنتهى المسافة
حيث لا ينجو أحدٌ
من صديقاتٍ غامضاتٍ مثلَهنَّ
وسيدةٍ نبيلةٍ مثلكْ
عندها فقط
يتيقنُ
من خالجته غَيرةٌ كهذه
أنَّ ازدواجاً عارماً
كالذي تتخبَطُ في براثنه صديقاتُنا الغامضات
ليسَ له أسمٌ آخر غير الحب.
***
المرضى من الشرفة
يَضَعونَ تاريخَ أعضائِهم على الطاولة
يَسْهَرُونَ بها شِطْرَنجاً لا ينتهي
يتبادلون أحلاماً مُؤجَّلةً
يذهبون بها إلى النوم الكثيف
مثل فَنارٍ يَرْصُدُ الكوابيس
يرصدونَ خرائطَ اليأسِ من شُرفةِ السماء
مُعلِنينَ لِمَنْ يَلتَحقُ بهم
أنَّ مَنْ يموتَ معهم
لا يموتُ أبداً
مرْضى بذرائعِ الكيمياء
يتفادَونَ الموتَ في المأدبة
أعضاؤهم تشِي بالرغبة وتشُفّ عن الحنين
اسْتَدَقّتْ منهم الأطرافُ
واسْتَرَقّـتْ العناصرُ
وفاضَ بهم بوحٌ غَرّرَ به الأدلاءُ
وفَتَنَتْهُ شَهوةُ المبالغات
يقرأ بعضُهم الكلامَ في صمتِ الآخر
ويفزعُ أحدهم لقميصٍ
ينْكَسِرُ وحيداً في مقعدٍ شاغرٍ
ويَدُه في عُروةِ القَدَح
يكبتُ الجميعُ نحيباً ناضجاً
ينصبونَ شِراكاً في حديقة أحلامهم
يذْرَعونَ المسافةَ بينَ خسارةِ الأملِ و خزانةِ اليأسْ
متقمصين بَسالةَ الأدلاء
يرونَ في الآنيةِ وجهَ الوحشِ وطبيعةَ النهايات
يفقدونَ اللّذَّة ونكهةَ الملح
تنتابُهم رهبةُ الأعالي و الغيابُ الأقصى
يرونَ في الطعام أشداقاً تزدَرِدُهم
وتَفِيضُ بهم المواعينُ في مزيجٍ رهيبٍ
من الروحِ و الجسد.
***
الأسير
يذرعون به المدينة
برسغين مغلولين
وكاحلين في الأسر
يؤرجحون عرباتهم بالأكاذيب
فيخرجُ الناسُ شاخصينَ
مثلَ رومِ القياصرة
يرونَ جيشاً صغيراً
يرفعُ كفَّينِ مَضمومَينَ بالمعدن
مبتهجاً
كمن يصقلُ قيودَه بالريح
و الأحداقُ المتقاطرة
ليستْ مذعورةً ولا مطمئنةْ
خوفٌ
يعلنونَ به هزيمةَ انتصارهم
ويغسلونَ به الطرقات
ومنعطفاتِ النهار
نهارٌ كاملٌ يكسون به وحشة المدينة
عارياً
وقمصانُهم ملوثةٌ بالجريمة
أخبارُه مكبوتةٌ
و بريدُ الفضيحة يندلعُ
في ناسِ المدينة
يَدّخِرُ دَمَهُ المحتقن تحت الأظافر المنزوعة
وجلده المُزْرَقّ في الكوعين و الركبتين
و خاصرته المخدوعةِ بالحزن النحيل
يستعيدُ مثلَ فهرسٍ
تفاصيلَ كوابيسِه الليلية
و انهياراتِه المتبادلةِ مع الأساطير
كل ذلكَ كان معه في الموكب الغامض
الذي يجوبُ المدينة
كل ذلك كان يخفره
ويَرصدُ مواقعَ أحلامِه
حتى إذا ما نالَ الاحتضانَةَ الخاطفة
ومَسَحَ الحزنَ المترف في دهشةِ طفلتِه
أزاحَ الموتَ الذي تَعَثَّرَ به عابراً شجرةَ العائلة
انفجرتْ فيه شهوةُ السَردِ
فوقفوا به عند البحر
بحرٌ سيأخذُه إلى بيتٍ آخر .
***
القبائل
جامعو ثروات الثلج
في حرية الرماح المفتونة بحمأة الفراغ
ماذا تريدون
عائدين في عربات الريح و العابرات
ماذا تريدونَ أيضاً
يداي فارغتان إلا من الصَدأ
تقرآن حديداً قديماً
في صحراء من المراثي
تحرثونها بالعُقبِ و الجنازير
فيطْفُرُ في آباطِكم حَسَكُ الأحافير
و ثآليلُ الجُذور اليابسة
ماذا تريدونَ أيضاً
تستديرونَ نحو مرافئنا المكسورة
تقذفونَ بحقائب البريد
مكنوزةً بأزهار الكبريت
نظنُّها الهدايا المتأخرة
لعاشقين نالَ منهما السفرُ
فتهتفونَ لنا بأهازيج الحرب
وبينَ أسنانكم أعوادُ المقاصل
كأنها الكلام
تستعيدون أشباحاً من ذخيرة الماضي
تُفتَحُ لكم الكتبُ
وتبدأ في تفسير الهلاك
وهو يأخذُ شكلَ الحكمة
تزرعونَ نجائلَ الثلج في صحراء
يتناسلُ فيها الجبلُ و قرينه .
***
الذخائر
يَشْطُرْنَ الماءَ بالسكاكين
ويوزّعنَه في كتيبةِ الحرس
بمهارة النَمِرُ الفاجر
لئلا تأخُذهم الغفلةُ عن أكثر المهمات
شهامةً وصلافة
يَصقلنَ أقداحَهُنَّ المعدنية
بأخماص البنادق
مثل فارسٍ يُحَرِرُ مارْشَ العبيد
من ورق النوتة
يَكذُبنَ قليلاً
لكي تسري في عروقهن صحوةَ الماء المذبوح
يَشْكُرْنَ نُدماءَ السهرة
لفرط العناية الفاحشة
ويطفقنَ في التّرنّح
متدافعاتٍ نحو سرادقِ العُرس
يُباهِينَ بالنياشينِ و الأوسمة
و الدمُ اليابسُ في الجراح
حارساتِ الشَهوةِ
تسهرُ على راحتهنَّ ساحراتٌ يَشْطرنَ الماءَ بالسكاكين
في مدينةٍ يموتُ بها الناسُ والأشجارُ لفرط الحب
كل ذلك لا يجعل لهم العذرَ لادخار الضغينة
لمن يفتح نسيانَه على النساء.
***
الأسماء
سَمَّينا نساءَنا المنكسرات وراءَ المُهودِ الشاغِرَةِ
المستعاداتِ من سُلالَةِ الحروب
حارسات الأحلام
لئلا يذهبُ ليلنا وحيداً بلا رسائل
و لا أجنحة
سَمَّينا لهُنّ الأسماءَ
وعزّينا حسرتَنا بصخرة المنعطف
وحيدات
لهنّ أصابع تُحْسِنُ القَبضَ على قناديلِ السهرة
فلا يعودُ لليل قرينةٌ للغدر
ولا عذرٌ للضغينة
نساءٌ يَرسِمنَ لكل مَهْدٍ غيمةً من النوارس
حتى يُوشُكُ الموجُ على تبادلِ الصِفاتِ مع السُفن
و البياضِ الشاهق
لتنبعثَ من ريشِ الوسائد لثغةُ الطفولة
وهي تنشأ في سُلالةٍ تبتكر النشيد
لنسائنا طبيعةُ الجلاميد
يعْلِنََّ فضيحةَ الجبلِ
يَقتلنَ الوهمَ وقرينَه
فيتولّـهُ بِهُنَّ الرجالُ مفتولو الأحلام
نساءٌ
يَعْبُرنَ ليلاً مخذولاً بذرائعَ تَقْصُرُ عن النوم
النساءُ اللواتي يَتَجَلَّلنّ بانكساراتهن
ويَصِفْنَ للرجالِ الكتبَ و التآويلَ وزهرَ الليل
يتناسَلنَ في أرجوحةِ المَهد
وهو يتصاعدُ في بخارٍ و في تمائمْ
يُطْلِقنَ الشَهقَةَ في هامشِ الليل
ونَشِيد الجَسَد
فيخرجُ الأطفالُ نُطَفاً في ماءِ الطَيْف
مَمْهُورِينَ برغَباتٍ صريحةٍ و باكِرة
نساؤنا
دَرْسُ البحرِ
وهو يرى المراكبَ تتقاطَرُ مَشْحونَةً بالطِيبِ و البَهارْ
فينتابُه الفَرحُ
ويَلُذُّ له دَفعُ أحجار الموانئ
لكي يَتَسِعَ الأفقُ أمامَ النشيد بلثغتهِ الفاتنة
وأجسادِه المشبوقة .
***
شهوة الجسور
في الجزر المخطوفة
يركضُ شاحبُ القدمين
خطواتُه تَسْبَقُ الوقتَ
و أناشيدُه مذعورةٌ مثله
يَجْمَعُ القَرائِنَ في مِلحِ السواحل و أنواءِ الماء
تُطاردُه الشَهوةُ وتَتَهجّى كتابَه الأخير
يُؤجَّلُ الليلَ و النهار
ويُدركُ الوقتُ حجارةَ أحلامِه
يُخِيطُ فُتُوقاً بين الماء و اليابسة
و يؤججُ طبيعةَ العِناقِ في الأجساد
جُزُرُه مَخُطوفَةٌ
وتارِيخُه مَهدُورٌ في الأقاصي
ولا يزالُ في التِيه و الاختناقات.
***
تراث السفر
مثلُ فارسٍ يقعُ من صَهوةِ السَفَر
فيما الحصانُ ينهبُ الطريقَ
تتعثرُ به الجثثُ وهو يتدحرجُ
غاسِلاً أحجارَ الأرضِ بدمِه النافرِ الكثيفْ
لا يتوقفُ لأجلِه المقاتِلون
و لم تلتفتْ نحوه الأحصنة
المُرْضِعاتُ في السَبايا
وَحْدَهُنّ تّريثْنَ لأجله
يُضَمِدنَ جِراحَه بأسمالِهِنَّ
ويَدفَعنَ بأثدائِهنَ المكتَظَةُ بِلَبَنِ التجربة
نحو الشفاهِ اليابسة
والجراحِ المُعَفّرةِ بقَطِيعَةِ الرَكْب
الفارسُ هنا
و الصهوةُ في مسافةِ السَفَر .
***
حيوان الحكمة
انتبهتُ لها
و عناصري في الأسر
كائنات تحمل النار في الهوادج
طرائدُ مذعورة
و اللهبُ يتصاعدُ منها مثل تيجانٍ يفرّ بها الملوكُ
ويخْفرُها الفرسانُ
تركضُ
كأنها تَسبقُ الطريقَ
كأنها تذهبُ إلى مكانٍ غامضٍ في النوم
النوم حتى ظلال الأرض المغدورة
حيوانٌ واحدٌ يتكرر في النسْلِ
يتكرر في الكتب و القراءات
تلاوات تفوحُ منها أبخرةُ المَنْيِّ
مثل طلعِ النخيلِ في الريحْ
و العناصرُ في غفلتِها
لئلا ينشغلَ الكائنُ عن حمولتِه التي من الجحيم
طريدٌ ،
والنارُ في الفَرْوِ الفاضحِ
ويريدُ أن يَنسى
المسافةُ مكفولةٌ برسائل الذهب
بالقِبابِ التي تحرسُ الدمّ
كأنَّ السفر لها بيتٌ
و المسافةُ مكانْ
حيوانات تبالغُ في شهوةِ الفَلكِ
وهو يحضنُ الكواكبَ
واصفاً المَجرةَ :
مسافةٌ من مَرََضِ الجَسَد
ونشاطِ الروح
انتبهتُ
كانتْ النيرانُ في القوافل
حيواناتٌ وئيدةٌ لفرط العبء
و الجحيمُ جنةِ الكائن .
***
كلام الشمس
قالت الشمسُ لي
ضُمّنِي
واسقِنِي ماءَ زندَيكَ
وأعْبُرْ بِيَ المستحيلَ الأخيرَ الذي صاغَنِي
قالت الشمسُ ،
و ارْتَجّ بي أنَّنِي
لم أكنْ قبل الا اندلاعُ الأغاني
ولم أفتحْ البابَ كي تَرتَمِي في فِراشِي شُموسٌ
ولا ينتهي في كتابي سُوى الليلُ
بالغتُ في الحُبِ كي تَفْهَمَ الشَمسُ أنِي
تَضَرَّعتُها
وانتخبتُ الفراشَةَ في عَرشِها
كلما طالها النومُ
أجَّجتُ ناري و ايقّظْتُها
قالت الشمسُ لي
و انتَمَتْ للهزيع الأخير من الأرض
حيثُ المدائنُ مذعورةً سوفَ تركضُ
نحو النهار الوحيد الذي جاءني
قالت الشمسُ لي
فانتهيتُ إلى كيمياءِ المعاجم
وهو الذي راقَنِي أولَ النص
وهو الذي تَرْجَمََ الليلَ لي
بالقليلِ من الماء
وهو الذي خانَنِي
قالت الشمسُ لي
ضُمَّنِي عندَ زِندَينِ كانا يَِهُزّانِ لي هَودَجاً
كلما ضاقَتِ الأرضُ بي
قالت الشمسُ
وانتابني ما يَشِي بالجنونِ الحنون
الذي هيأ النصَّ و اختارني.
***
فهداً .. فهداً
ألَسْنا مَنْ رَصََّ بأكتافِه الأحجارَ
لتنشأ الجُسورُ
ورَصَّّع الطِينَ و الجِصَّ بالأكُفّ المُرتعِشة
ومَنَحَ السُورَ متانَةً تَحمِي دُورِنا العَطْشى
بالعُتمَةِ ورُطوبَة الحَبْس
ألم نَفْتَحَ لَهُمْ الشواطئَ
يَصُفّونَ فيها سُفُنَهم الطَويلةِ
ألم نَرسُمَ لهمْ النَخلِ
أصطبلاتٍ وثِيرةٍ
يَنْسِلُونَ فيها من صَافِناتِهمْ الـمُصِنّاتِ
نَجائِبَ الخيلْ
نبني لصيفِهم المُتْرَف أسِرّةَ السَعْفِ وصَبْرَ الحُقولِ
ينامونِ في أحلامِهم ليصلَ إلينا شَخِيرُهمْ الفَجّ
شَخِيرٌ يُذْعِرُ أطفالَنا ويُفَزّّزهُمْ من اليَقْظَةْ
ألسَنا من ظَنَّ أنهم الضُيوفُ الطارئون
يَعْبُرونَ مثلَ الطرائدِ
قافلةً في رحيلٍ متواصِل
نَظُنّ أنَّهم مأخوذونَ بالأرض لفَرطِ الصَحراء
نتبادلُ معهم رأفةَ القاطنِ بتعب السَفَرِ
فنَضَعُ لهم البيتَ في الوليمةِ
نبسط لهم النطع
نُدِيرُ الطَشْتَ لَهُمْ
ونَقِفُ عليهمْ
نَغسِلُ أجسادَهم من المِلحِ و الغُبار
ونَحِكُّ عن أطرافِهم الأصدافَ و الحَراشِف
ونقولُ لهم عن الطريقِ و الطريدة
فنُدرِكُ أنهمْ يعرفونُها أكثَرَ منا
قلنا لهم أن يَضَعُوا أطرافَهم المَغْدُورة
في حَنانِ النخل
ويَرشِفُوا أعذَبَ الماء في المواعِينِ المَصْقُولةِ بِكَواحِلِنا
فَتحنا لهم فيزياءَ الشُرفَةِ
قَبَلْنَا بِهمْ يَقْتَسِمُونَ معنا الظِلَّ وقَرينَه
الشُباكَ وفهرسَ الأسماك
وعَلْمناهُمْ، حتى الأحفادِ
كيفَ يَتَهَجَّونَ التاريخَ وهو يَتَفَصَّدُ
في الكتبِ و مُنعَطفاتِ الليل
رَبْينِاهُم فَهْداً فَهْدآً
مَزَجْنا سَوادَ شِطرَنْجِهمْ بأحداقِنا الساهرة
لتزهو الرَّقْطَةُ في فَرْوِهِمْ الكَثِيفْ
ويأخُذُ كلُّ منهمْ قِسْطَهُ مِنَ الماءِ و السَكِينَة
وافِراً .. وافِراً
ربيناهم فهدآً فهدآً
لكي يلتفتَ الضَئيلُ منهم
نحو أكثرَنا اطمئناناً
وينشِبُ فيه المَخالِبَ و الأنياب
فَهدآً فَهدآً
كنا نَظنَّ أن الوحشَ
هو الحيوانُ فَحَسْب .
***
حصتنا في النساء
تَجتاحُنا صَرخَةُ المرأةِ في مَخاضِها
مثلَ كلامِ الأعاصير
المرأةُ التي أمْضَينا العُمرَ في خِدَمتِها
ونَسِينا تأنِيبها الفادح
رأينا في سريرِها جَنَّةَ التحولات
صَريخٌ يَسِبقُ الأنبياءَ ويتبَعُ الآلهة
مَنْ يُصغِي له ويذهبُ الى النوم
من لديه امرأةٌ نبيلةٌ مثلَ سيدتنا
يتصاعدُ مخاضُها في بخار الأضرحة
تَجِسُّ العناصِرَ و مناجِمَ الروح
وتَتَجاسَرُ مثلَ نَمِرَةٍ تَلِدُ النُمُورَ الغَضّة
وتَذُودُ عنْها مثلَ تاجِ الهيكل
تَـزوَجنا لأجلها خطواتَ النهر
و سمّينا أحجاره المصقولة حريرَ العمل
تَزَوَّجْنَا عَشِيقاتَنا قبل أوانِهنَّّ
وبّذّرنا في فاكهتهِنَّ الفَجّة أجملَ الأجنّة
مَزَجْنا بِزعفَرانِ أخبارِنا تَوابِلَهُنَّ النَفّاذّة
وها هُـنَّ يَتَصاعَدْنَ
في مخاضٍ يَمْتَحِنُ السَيّدة
امرأتُنا مليكَةُ الوِلادات
يَنتابُنا مَخاضُها مثلَ نُمورٍ في المَهدِ
تحتَ غِلالاتٍ مَسْدُولةٍ منذ الخَلقْ .
صَرِيخُ آلهَةٍ تَلِدْ ،
سيدتُنا المُزدَانَةُ بفِتنَةِ الذَهبِ في ليلٍ يَمُوتْ ،
نحنُ الذين بَذلنا لها نِعمَةَ البحر
غُصْنا نحو هَداياهُ الخَبِيئَةِ
في مَحارٍ مَحْرُوسٍ بماءِ الرَغْبَةِ ،
يَتَحصّنُ بِزَرَدِ الأقاصِي .
نمدُّ له اليدَ فينالُ الذراعَ حتى الكتف
فنمسكُ الهدايا بالنواجِزِ
بذلنا الجسدَ يأكل منه المِلحُ وصلافةُ الحِبال
وحنانِ الجُوع بأحلامِه العَلِيلَة.
لماذا ينبغي أن يطيشَ بنا الجنونُ
لكي نعرفَ أسرارَ المعنى في قديمِ الكتبِ
نتدافعُ مترنحينَ في تَجربةِ السَفَر
نستحضرُ مختبرات اللغة،
تمتحننا القواميسُ ،
لكي نقرأ كلاماً في ظلامِ الذاكرة .
لماذا ، ونحنُ نطأُ الجمرَ،
نهتدي بمصابيح مطفأة ؟
امتحانٌ لنا،
نَحِزمُ المدينةَ بنخلٍ
حرثنا له الطينَ بعاجِ عظامنا
ليفيضَ بطلعٍ يقطر الدمَ
ويصبغُ الممرات الطرية لأطفالنا،
فيأخذونَ درسَ اليأسِ بقوة.
امتحانٌ لنا،
نحبُ سيدتَنا إلى هذا الحدْ
فنصاب بمخاضها الملكي
بصراخها، أجراس النحاس الخائف
صراخ ينشأ قبل الحديد و الذهب
صراخٌ يمزِقُ استسلامَنا
وتثاؤبَ صلاتِنا في ليلِ النسيان،
ينتشِلُنا من الآبار
فتتصلّبُ عضلاتُ أعناقِنا مَنْتُورَةً ،
كمَنْ مَسَّتْ جُثمانَهُ مُعجزةُ الآلهةِ قُبيلَ اللحدْ.
نعمَةٌ أنَّ في الثُمالَةِ ما يُضاعِفُ مَرَضَنا
بِعُشقِ النساءِ البعيدات
لئلا يُقالَ إن سيدةَ الأعالي
تَقْصُرُ عن أطفالِها المصابينَ برُهابِ السُفُوحِ
عندما يَحِينُ وقتُ الصواري
ونشرُ الأشرِعَةَ في بَعِيدِ البِحار .
نِعْمَةٌ ،
ونحنُ في برزخِ اليأسِ والأمل
لم يبقَ لنا في قَصْعَةِ الحياةِ
غَيرُ غُسَالَةُ المَنادِيلِ بعدَ وداعٍ شَامِخٍ
فحينَ تَفرَغُ المرأةُ من مخاضِها
تِدُبّ رَعشَةُ الماءِ في عِظامِنا المُنْهَكةِ
وتَفِيضُ الأقداحُ بأرواحِنا الطاعِنَة في السفَر .
المرأةُ ذاتُها،
سيدتُنا النبيلة ،
تَصُونُ حِصَتَنا في قَصيدةِ النساء .
و إذا كانَ فينا من لَـهَى وبالَـغَ في النسيان
أو تَباطَر َبشَهوَةِ المُكابَرة
أو بادَرَ بالموت ،
فذلكَ من طبيعةِ النومِ في سريرِ الكوابيس.
غير أنَّ المرأةَ ،
المرأةُ ذاتُها
سيدتُنا ، نبيلةُ الخِصْال،
سوف تَغفِرُ شَطَطَ بعضِنا
وتُشَرِّعُ رَحابَةَ إيوانَها لبعضِنا
وتمنحُ البعضَ الآخر شهوةَ النسيان.
تلك هي نعمةُ العملِ في خدمةِ السيدة
تلك هي نعمةُ المخاضِ