لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع












































 

أمبرتوايكو
الحديث عن حرب بين المرئي و المكتوب
أمر تجاوزته الأحداث


     حوار أجرته : اليزابيث شيملا
ترجمه عن الفرنسية : وليد سليمان


سؤال: أنت تكره المقابلات الصحفية لأن وسائل الأعلام، كما تقول، تعرض للمشكلات التي تثير اهتمامك بتأخير يبلغ عشرين عاما عن الأحداث نفسها. فهل تشذ المنافسة بيمن المكتوب و الصورة عن هذه القاعدة؟

جواب: أبدا، الدليل هو أنكم تسألون عما إذا كان المكتوب قد خسر الحرب في مواجهة السمعي- البصري في اللحظة التي ينتصر فيها بشكل مطلق، لأول مرة في التاريخ بفضل الحاسوب الذي يقلب علاقاته بالصورة- بما أنه توجد كلمات على شاشة الكمبيوتر، وهو أمر لم يكن موجودا بالطبع على شاشة التلفاز. إننا نعيش تحولا في النوع سوف ألخصه على هذا النحو: اليوم، صار يمكن لأي موظف أن يقرأ معلومات على شاشة صغيرة بسرعة فائقة. إن الحاسوب يمثل حضارة الأبجدية، مثلما كانت الحضارات، من الهرم إلى الكنيسة الباروكية. حضارات صورة إذن، فالأسئلة التي سوف تطرح من الآن فصاعدا هي أسئلة مختلفة. مثلا: هل ينشط عبر الكمبيوتر نشر المعرفة من خلال الكتاب أم لا. ثم كيف تؤثر السرعة في كيفية امتصاصنا للمعلومة. وهل يولد الإفراط في المكتوب (المطبوعات و المنشورات بجميع أنواعها، والإفراط الجنوني في النسخ الإلكتروني للوثائق والهجوم المقلق لهذه المنشورات الذاتية samizdats التي تخرج للهواء الطلق من الفاكس)، هل يولد ذلك أمراضا جديدة مثلما قد يحدث عند الإفراط في الأكل بعد قرون عديدة من المجاعة؟

سؤال: كيف تفسر النمو المتزامن لاستسهالك الصور (سينما، تلفزيون، إشارة) واستهلاك الأعمال المكتوبة؟

جواب: يمكننا أن نكتفي بتفسير تكنولوجي وهو أن آلات جديدة تبهر مستهلكين مختلفين بشكل موازي. لكن غالبا ما يكونه نفس الأشخاص هم الذين يستخدمون هذه الوسائط المتعددة . ويبدو لي أن المعلومة التي تمررها الصورة لا تلغي الحاجة للمعلومة التي تصل عبر المكتوب إلا لدى الأشخاص الذين يشكلون بعض الخطورة. لكن لدى أكثرية الأشخاص العاديين يحدث هذا النوع من المعلومات لا العكس فضولا لما هو مطبوع. وأعتقد أن هناك دافعين متناقضين. الأول، هو الحاجة الطفولية إن لم نقل المرضية للتكرار، فأنا أعلم عن طريق التلفاز أن السيد فلان قد سقط من النافذة، وقراءة ذلك في الغد في الجريدة يطمئنني ويجعلني واثقا من نفسي، إنها الطقوس والإيقاعات. والدافع الآخر هو الحاجة للتعمق والتفكير لأن السمعي –البصري يخلف إحساسا بعدم الاكتفاء. وليس صدفة أن يوجد اليوم هذا العدد الهائل من الجرائد و الكتب. وهذه المجموعة الغفيرة في المكتبات وهنا أكرر أن الحديث عن الحرب بين المرئي والمكتوب يبدو لي أمرا قد تجاوزته الأحداث كليا. بل يجب ، على العكس، تحليل التكامل القائم بين الاثنين وهو قوي ومتواصل لدرجة أن متعهدي إعلانات ( بنيتون) benetton كانوا على حق عندما وظفوه.

سؤال: بأي معنى؟

جواب: إن هذا المولود الجديد الملطخ بالدم قد أحدث ثورة في تاريخ الإشهار. وقد كانت الصحافة المكتوبة وحدها هي التي حققت لها القبول لدى الرأي العام، وذلك بانتقادها المستمر لهذه الصورة المقرفة وبإعطائها بعدا جنونيا أو مجتمعيا. وكان ذلك هو ما أراده أهل الإشهار الذين يبحثون دائما عن تقنيات جديدة ويستمعون للعالم الذي يحيط بهم. لقد اختاروا، منذ البداية، صورة كانوا يعرفون جيدا أنها لمن تبقى معروضة إلا زمنا وجيزا في البلدان التي يوجد بها بينتون. واختاروا تنمية مبيعاتهم عبر الخطابات الصحفية المطبوعة التي لم تكلفهم، فضلا عن ذلك، فلسا واحدا. يالها من ضربة !

سؤال: هذا التكامل بين المكتوب والصورة هل يبدو لك أمرا حسنا أم سيئا بالنسبة لحضارتنا ؟

جواب: يتعين علينا أن نرفع التباسا يغطي على حديثنا فأنا ارفض الموقف المانوي لأشباه المثقفين الذين يمثل المكتوب بالنسبة إليهم الخير وتمثل الصورة الشر، الأول يمثل الثقافة والثاني يمثل الفراغ. ودعنا أن الصورة كانت، أو أنها (دافنشي) أو (رفائيل)، وأنهما يقولان لنا أشياء لا تستطيع الكلمات قولها. والحال أن النشر، الذي يفترض أن يكون المكان الحقيقي للمطبوعة، صار هو نفسه أداة لنشر الصورة. وحتى الصحف والمجلات الأسبوعية صارت تهدي كتيبات حول (فان جوخ)!

كلا، إن ما يثير اهتمامي في هذا التكامل هو الشكل الذي ينخرط به في تسجيل ذاكرة الناس. في مرحلة أولى. حافظت الإنسانية على آثار تجربتها الماضية عبر التقليد الشفهي. ثم ظهرت الكتابة التي قامت المطبعة بتضخيم وتعميم طابعها الثوري، فبظهورها مررنا من الخطية الزمنية ( ….ز…….) للخطاب الملفوظ (……..) إلى خطية مكانية (تسمح بالسعي لاستعادة المعلومة السابقة بشكل متواصل. فأنا أستطيع العودة من ت إلى ب ، بتقليبي لصفحات كتاب ما، لكني لا أستطيع الرجوع في نفس الوقت من ت إلى ب، ومن ب إلى ت. ثم يأتي القرن العشرون ومعه السينما و التلفزيون. فماذا يحدث ؟

إن هذه الحضارة تقترح علينا الوضعية السابقة لوضعية المطبوع. وهي وضعية تمتزج فيها الصورة مع الشفهي ويتعاضدان. وها أن الحاسوب قد أتى في نهاية القرن ليقلب كل شئ رأسا على عقب بإعادة تشكيله لحضارة ليست فقط أبجدية و انما تسلسلية أيضا. بل و أكثر من ذلك، ويخول لنا ما نسميه بالنص- الأعلى الحصول في نفس الوقت على معلومات مختلفة متأتية من فضاءات مختلفة من القرص على الشاشة وهو في الحقيقة أشبه بكتاب يمكنك من أن تستعيد في الآن نفسه الفصول 1 و 3 و 17 و لأن تتحصل عليها أمام عينيك في الوقت نفسه.

 

أمبرتو ايكو
سؤال: كيف ستكون ردة فعل الإنسان إزاء هذا المعطي الثقافي الجديد ؟

جواب: بأن يثبت أن لديه المرونة اللازمة للتكيف مع هذا النوع من المعلومات الذي يجمع بين التصوري و الحدسي. ويرجح أننا سوف نحتاج من أجل ذلك لاستخدام نصفي مخنا عوضا عن تفضيل أحدهما على حساب الآخر. مثلما ما زلنا نفعل إلى حد الآن.

سؤال:كل هذا يبعث على الدوار. فما الذي سنفعله بهذا الكم الهائل من المعلومات؟

جواب: في الواقع، نحن نواجه خطر الكثرة وانتصار المكتوب يساهم في ذلك. إنها مأساة. فالإفراط في المعلومات يعادل الضجيج. وقد فهمت السلطة السياسية في بلداننا ذلك جيدا. فلم تعد الرقابة تمارس عبر الاحتجاز أو القضاء، و انما عبر الإفراط، إذا يكفي اليوم لتدمير خبر إرسال خبر آخر خلفه تماما. وأحسن مثال على ذلك هو ما حدث خلال حرب الخليج. ولكن يمكننا أن نسوق أمثلة أخرى، في ميادين أخرى. ماذا سيحدث حينما تصبح الذاكرة الإنسانية بأكملها محفوظة في جاسوب؟ أن ببلوغورافيا تحتوي على عشرين عنوانا هي مفيدة جدا ما دام الإنسان سيستبقي منها في النهاية ثلاثة كتب يقرأها. لكن ماذا نفعل بببلوغرافيا تحتوي على 10000 عنوان تظهر بمجرد الضغط زر بجهاز الكمبيوتر؟ أنلقي بها في سلة المهملات! وبنفس الطريقة يقتل النسخ الإلكتروني القراءة، وبالتالي المعرفة. في الماضي كنت أذهب إلى المكتبة و آخذ الملاحظات حول الكتب التي تهمني. و الآن، صرت سعيدا جدا بأن أحمل معي إلى المنزل هذا المخزون من المعرفة الذي قمت بنسخه إلكترونيا –لأنه الأسهل- لدرجة أني لا أقوم حتى بفتحه.

كل المشكلة إذن تتمثل في التوصل لتصفية هذا الإعلان المفرط ( …….ز ) وأن يتم ذلك فوريا لأنه لم يعد لدينا، للقيام بهذه التصفية، الوقت الكافي للتفكير الذي كنا نملكه في الماضي.

سؤال: انك بهذا تضع تعريفا للإنسان الأعلى ( …………) ؟

جواب: نعم ، ولكن لما كان وجود الإنسان الأعلى مستحيلا فانه يتعين علينا أن نوجه اهتمامنا نحو الغزارة المفرطة

(………). ويرجح أننا سوف نبتكر آليات تشبه تلك التي نستخدمها عند قيادتنا للسيارة. لاستبعاد ما لا يناسبنا. وأننا سوف نمارس مسؤولياتنا الشخصية في نفس الشكل تماما.

سؤال:لنعد إلى الكتب التي هي "بمثابة الخزائن" التي تودع فيها المعرفة والذاكرة. هل أنت قلق بشِان مستقبلها، و أنت الذي لا تعيش إلا عبر الكتب ومن أجلها؟

جواب: في البداية ، ألاحظ أننا نعيش في مجتمع تجمع فيه ساعات (swhatch) التي يفترض أن يلقى بها بعد الاستعمال ويلقى فيه بالكتب في سلة المهملات وهي التي ينبغي أن يحتفظ بها. لكن تلك ليست هي المشكلة الأهم. فأخطر من ذلك هو تدمير الكتب لنفسها بنفسها، وذلك عبر الإفراط في الإنتاج والتكديس. ثم، وبقطع النظر عن كل ذلك، ثمة ما يقلقني أكثر في حياتي. وهي مسالة حفظ الكتب، فكل مفكر وكل كاتب يسأل نفسه هذا السؤال الجوهري، وهو : ما العمل إزاء الخلود؟

أنا اشعر بالرعب لمجرد التفكير في أن كل الكتب التي ظهرت على ورق السلولوز منذ القرن التاسع عشر هي معرضة للاندثار من شدة هشاشته. فمعدل عمرها هو سبعون عاما! وأنا عندما أمسك بين يدي بكتاب نشرته دار غاليمار في الخمسينات، يخالجني انطباع أني أمسك بشريحة من خبز القربان المقدس، (…………..) ستتهشم. إني أضع ملاحظات على جميع كتبي، فتلك هي ذاكرتي. ولا أعرف ماذا سأفعل بنسخة من طبعة جديدة لأحد الكتب التي قرأتها. إننا نواجه خيارا حضاريا. فالمكتبة الفرنسية تدرس جميع طرق الحفظ، ويكلفها ذلك مبالغ طائلة، وبالطبع ثمة إمكانية تسجيل إلكتروني أو عبر الميكروفيلم. لكن هذه الطريقة القبرية في الحفظ، ذات الأسلوب الفرعوني، والتي لا يحسن فك رموزها اللا تقنيون قلائل، لا تبعث على الرضى. وماذا عن إعادة الطباعة؟ لكن من، وما هي السلطة التي سوف تقرر الكتب التي يجب استبقائها؟ إن أفلاطون ودانتي قد عرفا فترات فقدا فيها الخطوة، ومع ذلك فقد خلدهم الزمن فهل سيكون ذلك ممكنا غدا؟

سؤال: ما الثقافة بالنسبة إليك ؟

جواب: إنها الحاجة البيولوجية للنوع. ولن تتوصل أية شاشة أو تكنولوجيا لإلغاء الحاجة التقليدية للقراءة. في الفصل الرابع من (عوليس)، يشير (جويس) إلى هذه الحاجة بشكل رائع، فعندما يتبول، ليبوبولد، يقوم بقراء الجريدة، ويرافق إيقاع القراءة إيقاع تقلص العضلة العاصرة. وليس هذا الأمر حكائيا ولا هامشيا. فالكل يذهب إلى المرحاض متأبطا كتابا أو مجلة. إذ أننا نقرأ عبر ثقب مؤخرتنا. إنها حاجة ملحة جدا لدرجة أن الطابعة لا غناء عنها للحاسوب.

انك تكتب على الكمبيوتر لكنك في لحظة معينة تحتاج لأن تطبع وتعيد قراءة ما كتبت على الصفحة. الطابعة سوف تدوم ألف عام على الأقل : انه شبح الكتاب ينبعث من جديد.

سؤال: انك تكتب على الحاسوب، فهل استغنيت عن قلم الحبر؟

جواب: على الإطلاق، فأنا استعمل الأداتين، ليس اعتباطا ولكن تبعا للحالة النفسية التي أكون فيها وتبعا للسياق، إن القطار وغرفة النزل لا يثيران الحاجة نفسها التي يثيرها المكتب. فثمة من المواضيع ما يتطلب بطء الكتابة باليد إذا أن الورق يقاوم سرعة أفكارنا. وهناك مواضيع أخرى، قد أخذت حظها من التفكير ويلائمها أكثر أن ترقن على الشاشة، ذلك أننا نحتاج لأن نلقي بها خارج أنفسنا بأتم ما في الكلمة من معنى.

سؤال: ما هو التغيير الذي يحدثه الحاسوب في الكتابة ؟

جواب: أشياء كثيرة أولها، أن الإمكانية التي يوفرها الانسان عندما يكتب، من أن يوظف ويمزج كتابات سابقة(وهو ما كنا نسميه في الماضي بالملاحظات والجذاذات)، ومن أن يقوم بنقل كتل من المعلومات من أماكنها، أقول أن هذه الإمكانية تضع الإنسان دفعة واحد في التناص اللغوي الذي هو في صميم التفكير الفلسفي لمسيرة الأدب المعاصر. ثم، ولأول مرة في تاريخ الكتابة صار يمكننا أن نكتب بنفس السرعة التي نفكر بها تقريبا، وذلك دون أن نقلق بشأن الأخطاء. وهذا التحول من الأهمية بحيث يمكن مقارنته بطريقة تسمح بتسجيل آلي للأحلام، وهذا من شأنه أن يقلب التحليل النفسي رأسا على عقب! بفضل الحاسوب، يمكنك أن تسجل على الشاشة كل أفكارك حول موضوع معين آليا. إنها الكتابة الآلية للسريالية وقد تحققت أخيرا! فماذا يحدث إذن؟ انك في مواجهة فكرك الخام. ويقوم الكمبيوتر بنسف هذا الستار الذي يقف، عن طريق الريشة و الورقة بينك وبين نفسك فهو، بهذا المعنى روحاني، وهذا يعيد لي حاسوبي روحانيتي الكاثوليكية كرجل تربى لدى الفرانسييسكانيين. وبديهي أن يبدو ذلك النص مثل مونولوج داخلي لشخص مجنون. لكن، حينئذ تأتى المرحلة الثانية وهي مرحلة المراقبة العقلانية والتنقيح الذين تسمح بهما الآلهة إلى ما لانهاية. فهناك، إذن، صراع في الكتابة، بين فكري المتوحش وفكري المتحضر. وحينئذ يكون علي أمن اقر أيهما أود أن أختار، فلدي التحكم الذهني الكامل فيما أنتجه.

 

أمبرتوايكو


سؤال: انك تحدث عن هذه العملية وكأنك تتحدث عن مخدر؟.

جواب: الحاسوب استمنائي. ويبلغ افتتاني به حد أنه يحدث أحيانا أن أكتب عليه لمجرد لذة استخدام هذه الآلة. وعندما اتصلتم بي هاتفيا لطلب هذه المقابلة كان رد فعلي الأول هو أن اقترح عليكم مقالة، بسبب هذه اللذة. وهكذا فأنا أمارس على نفسي انضباطا ذاتيا، أو لنقل أني اتبع حمية. فأقرر أن أظل خمسة عشرة يوما دون أن أرى الكمبيوتر، ودون أن أتحدث مع أصدقائي الذين حرموا مثلي من اكتشافاتهم الأخيرة وعاداتهم المستهجنة، بل أني أهرب للريف لكي أنجو من الغواية !

سؤال: كثيرا ما يقال أن الحاسوب مختزل للغة، فما رأيك في ذلك؟

جواب: لقد علمتني تجربتي العكس. وأعتقد أمن الحاسوب، الذي يحتوي على قاموس يمكن مراجعته آليا، هو على العكس يعرض لخطر الغزارة المعجمية، ذلك أننا نميل للبحث المنظم عن المرادف. وفي المقابل هو يثري تركيب الجملة ويسهل تعرجاتها، هناك من يزعم أنه (همنغوي)، نسبة إلى همنغوي، وأنه يخلق جملا جافة وقصيرة. وهذا ليس صحيحا، إذا أنه (بروسكي) ويمكنك من تقويم جميع التناقضات. وذلك حتى في النحو. ومع الأجهزة الأخرى عموما. لا يكون لديك الوقت ولا الشجاعة الكافيان لأن تفعل ذلك وسوى بالنسبة للموقف الفكري أو للإبداع بحصر المعنى. يجعلك الحاسوب أكثر حرية في معالجة أدق المعاني وفي توليد الأفكار. انه يجعلك اقل وثوقية.

سؤال: أنت لديك القوة لأن تتخلص من الآلة، وأن تتبعه نظاما، لكن الجميع ليست لهم هذه القدرة؟

جواب: هناك حمقى الحاسوب مثلما هناك حمقى (الولكمن) الذين نراهم يتراقصون ويصيحون في حفلات الروك. ولكن هل هم أكثر حماقة مت أناس القرون الوسطي الذين كانوا يجلدون أنفسهم بالسياط؟ إن أشكال تدمير الإنسان لنفسه تتغير عبر العصور. ثم أنه لا يجب إرجاع كل شئ إلى هذه الحماقة. إذ أننا نجد بين ألئك الذين يستمعون إلى (الولكمن) من يقرأ أفلاطون ويقوم ببحوث علمية. ففي مجتمع الثرثرة الذي خ=هو مجتمعنا، عناك الغبي، لكن هناك أيضا من يعيش تحولات متواصلة وهو ذلك الذي يستطيع العيش ضمن هذه التعددية في اللغات المعاصرة بشكل مثير للاهتمام. وأنا لست مجبرا على إصدار الحكم على ذلك، إذا أني أكتفي بالنظر.

سؤال: ألا يخلق هذا التعدد و التداخل التزامن بين اللغات (المكتوب، و الصورة، والصوت) قطيعة جوهرية ؟

جواب: إذا نظرنا نظرة هيغلية للتاريخ، فان ذلك يكون مؤكدا. فلم يعد ممكنا اليوم أن نفكر في اللغة و الفن باعتبارهما سلسلة من التحولات التدريجية، حيث كل لحظة جديدة تدمر لحظة سبقتها. والحال أننا لو نظرنا بإمعان أكثر، ألا نجد أن الانطباعيين كانوا يتجاورون مع المتحذلقين، والتكعيبيين مع الواقعيين الجدد؟

لقد اخترع الإنسان كلمة ما بعد الحداثة هذه ليعرف ما أفضل أن اسميه بالتعدد اللغوي المعمم للثقافة. فبديهي إذن، أن تدهشنا الأشياء التي لا نفهما حولنا- إذا اعتبرنا ذلك صدى لهذه الصيحة الجديدة مثلما كان (بيكاسو) صيحة جديدة بالنسبة للانطباعيين. حسنا، أنني أعتقد ببساطة أنه لا يجب انتظار ذلك أبدا. إن ما يميز حضارتنا التي يختلط فيها التلفزيون مع السينما و الصحافة و(البيتلز) (……………..) و(استوكهاوسن) (…………….) .

هو بالضبط ذلك التعدد اللغوي للصيحة. والخطر يمكن بالطبع في ما يشبه العي (……………….) اللامسؤول الذي يمكن أن يؤدي إليه كل هذا، أو إلى تلك الثرثرة التي كنت أتحدث عنها منذ قليل.

سؤال: لو نطبق كلامك على الإبداع، هل ينبغي أن نستنتج أننا نخلط بين نهاية الرواية ونهاية الأدب ؟

جواب: أن السردية تمثل بعدا أساسيا للكائن الإنساني. فالكتاب المقدس، و(الإلياذة) و (الأوديسة) ما هي إلا أعمال سردية. وكذلك الصور التي نجدها في مقابر الأهرامات، وأيضا (بييروديلا فراشيسكا) ( …………ز). منذ البداية، اتحدت السردية الشفهية بالسردية المرئية. وهذا الانصهار يبلغ ذروته في السينما و القصة المصورة (……………………) . في الأثناء، لنقل أنه من (مدام ديلافييت) إلى (بروست)، وجد شكل خاص من السردية، ألا وهو الرواية البرجوازية، حيث تتحدث طبقة عن نفسها، وتبرز سلوكها أمام نفسها. وكان (بروست) قد اختار بالفعل طرقا أخرى، ثم قرع (جويس) الجرس.

إن الفصل المركزي ل (عوليس) يقدم نوعا من لعبة المنظورات يتم النظر عبرها بنفس الحدث من وجهات نظر مختلفة، فالسردية المكتوبة تستحوذ هنا على تقنيات المرئي. وانطلاقا من هذه اللحظة تكون الرواية التي تتحدثين عنها دق ماتت. لكن الأعمال السردية التي يتم فيها السرد بشكل مختلف، مازالت تواصل الظهور. والحقيقة أني لا أعرف كيف يمكن لها أن تتوقف مادام الناس جائعين بهذا الشكل للسردية، وماداموا يبحثون عنها في كل مكان: في الصحف والمسلسلات التلفزية والسينما …. والكتب.

سؤال: خلاصة القول هو أنك مطمئن جدا إزاء هذا التحول الذي تشهده الحضارة؟

جواب: لقد قضيت في تحرير الكتب وأنا أعيش في عالم المكتوب و النشر، إذا أني أنتج المكتوب، وأفقي تؤسسه مواد مكتوبة، كما أني أجمع الكتب القديمة وأكتب كتبا جديدة. ويمكن أن اشعر بالضيق في زمني هذا. ولكن محاولة فهم ما يحدث هي الطريقة الوحيدة بالنسبة لي للخروج من هذا القلق.

*درس أمبرتو ايكو السيموطيقا بجامعتي نيويورك ونورث وسترن بالولايات المتحدة الأمريكية. وهو يدرس حاليا بجامعة وبلونيا
*لأمبرتو ايكو عديد الكتب التي ترجمت إلى لغات مختلفة مثل: (حدود التأويل) و(إنتاج العلامات)، (العلامة).
*نشر هذا الحوار في مجلة (لونوفيل أوبزرفاتور) الفرنسية، العدد 1406 في 17-10-1997 -ننقل ترجمته المنشورة في مجلة (الحياة الثقافية) التونسية- عدد – ؟ - تاريخ (……)

أعلى