كتابان اصدرهما معا الشاعر العراقي باسم المرعبي المقيم في السويد، صاحب مجلة ملامح الأدبية التي تصدر في اللغتين العربية والسويدية. الأول هو مجموعة شعرية تحت عنوان اظلال وأقنعة بـ والثاني مجموعة مقالات نقدية في الأدب عامة وفي الشعر خاصة، تحت عنوانين، واحد رئيسي اضوء الشعر وعتمته'، وآخر ثانوي اآراء في الشعر والشعراءب. الاثنان صادران عن منشورات ابيت الشعرب في السويد. باسم المرعبي من بين الأسماء الجدية والرصينة في الإنتاج الشعري منذ عقدين ونيف ولكلمته الشعرية وقعها وطعمها الخاصان، هو المستقل في طيرانه وحيدا في عالم الإبداع. كانت لقاءاتنا الأولى في بغداد في اواخر الثمانينات، وكان ينتمي الى مجموعة شباب شغوفين كل الشغف بالكتابة والمطالعة والمعرفة، لكن ايضا بالخروج الى فضاءات اوسع، وقد نجح البعض في الخروج، وأحدهم المرعبي الذي كان قد نال في منتصف الثمانينات جائزة رياض الريس للنشر وقد استلمها في لندن آنذاك، ثم استطاع ان يستقر في السويد ويتعلم لغتها.
آراؤه في الشعر التي نشرها في الكتاب المذكور أعلاه، وهو كناية عن مجموعة مقالات، مطابقة لما يكتبه شعرا وبالتالي لِما يؤمن به فعلا. بالتالي، صور باسم المرعبي في قصائده جميلة وصافية، صور شعرية صرفة، وقصيدته مبنية على ذلك التواصل الحقيقي بين عالم الداخل وما يحيطه خارجا ً، على الرغم من قوله في احدى القصائد
انقيم في الظلال متفقدين ذخيرتنا من الأقنعةب. انه يرى العالم من خلال أعين عدة، من خلال نظرة ملتبسة ومتراكمة، انه ينتمي الى تلك الروح المتعددة والمتكاثرة. اصورة الذئب في القمر والرياح محت كل شيءب يقول المرعبي وكأني به في عدم الأشياء وفي صفر الحياة وفراغها. أليس هذا تعبيرا عن اقصى معاني الفراغ والتشاؤم ؟ الا يقول في مكان آخر االرجل والمساء صديقان عجوزانب؟ انه الكلام عن العزلة، ليس فقط عزلة الوجود التي يعيشها الشاعر لحظة بلحظة، انما ايضا العزلة القاسية التي يختبرها كل مهاجر ينتقل الى ارض لا تمت اليه بصلة لا عرقا ً ولا تاريخا ولا بيئة اجتماعية ولا مناخا. انها ذروة التسكع في حياة شاعر تسكع في ارضه ولا يزال هكذا في ارض الغرباء.
الم يقل ايضا وفي السياق ذاته 'صيف ازرق وبلا سواحل ... اترك للهواء ان يقودني الى الجهة التي يعثر فيها القلب على جهته'؟ انه الشاعر الذي تتلاعب به اهواء الحياة المتقلبة هو الغريب عن بيته وعن الدنيا كونه الباحث الدائم عن حدود وجوده الا ان زرقة البحر الجميلة والغشاشة لم تهدِه الى الأمان والسواحل المطمئنة لم يعثر عليها بعد، فكُتب له ان يذرع الأرض من دون بوصلة ولا هوادة. حزنٌ وتسكع ٌ، عزلة وتشردٌ، هكذا باتت حياة الشاعر تخط ملامحها وخارطتها داخل الغياب، هو الذي غابت عنه وجوه الأحبة والإنسان الأهم في ذاكرته، الأم 'هو وجه امي، غائبا الى الأبد ...'، او هو الرجل في ذروة حزنه والذي يتعرى من كل شيء ليواجه الواقع بأقصى مرارته
ايطرح الرجل الوحيد قناعه ويقول، هذه حياتي لا قناع يواريها، فتشوا قلبي فلن تجدوا الا اودية مليئة ببقايا نصال ومرايا تعكس وجه عالم حزينب. كيفما قرأنا باسم المرعبي في كتابه الجديد، نقع على جوّ الشجو الذي يغلّف كيانه ويمنحه النظرة ذات الأبعاد الوجودية الى ما يحوطه، فنشعر وكأنه على استعداد دائم لخوض آخر معاركه وأقصاها ضد مسببات الكآبة، وهذه المعارك دائما يترجمها شعرا ً جميلا ً .
وفي الكتاب الثاني حيث يتناول شعراء عدة، نقع على نقد واع ورصين في تناول مواضيعه، وقد اختار في دراساته كلاً من صلاح نيازي وشارل شهوان وسيف الرحبي، وآمال نوار تحت عنوان اليس ككل الأسماء، آمال نوار'، وهو طبعا على حق لأنها شاعرة مبدعة، وتوفيق الصايغ الخ. عناوين مهمة فيها فكر عميق، نقرأ منها: الشعر حرفة اليد والقلب وكامل الحواس، وفي هذا الفصل الأول يطرح الشاعر مواضيع مثيرة ليتكلم على تجربته الخاصة في الشعر تحت عناوين عدة ثانوية: اكيف جئت الى الشعر، من انا من دون القصيدة، السؤال الجريح، يمضي الشاعر حتى آخر كلمة في دمه، ما الذي يبتغيه الشاعر؟ ما الذي يكتبه؟'، وعناوين أخرى في الكتاب، منها: اصلاح نيازي السومري الجريح، شارل شهوان عنوان مشبوه، ناديا انجومان هكذا يصل اسمها، البقاء على قيد القصيدة، ما الفارق بين انطولوجيتين لبنانية وسويدية ، صورة الشعر العربي اليوم، هولدرلين مختصر محنة الشعراء، عن بعض انطولوجيات الشعر، كتابة الشعر اسهل من فهمهب الخ.
مجموعة مقالات صريحة وصادقة، ولكن أيضا نابعة من نظرة نقدية عميقة وواعية، والشاعر الحقيقي لا يستطيع سوى ان يكون على هذا المستوى من الفكر والحساسية الكتابية. باسم المرعبي يتمتع بكل هذه المزايا وعن جدارة، هو الذي يكتب من الداخل، من الصمت والعزلة والهدوء، من الزهد والنزاهة الوجدانية، هو الذي يعرف كيف يجمع بين الكلمة الناقدة والكلمة الشاعرة، هذا هو المرعبي في جديديه، عابرا اقانيم العزلة الجغرافية والبشرية لبلوغ اماكن الكتابة الرحبة التي لا يطالها سوى من أجاد في ذلك.
11-11-2008
شاعرة من لبنان