1/1
كما لو أن الشعر بالنسبة لصاحبته هو البحث عن البريق الصادم في التماعة شعرية هنا أو هناك من القصيدة، أو كما لو أن الشاعرة تريد أن تقول كل شيء دفعة واحدة أو مرة واحدة، ربما لذلك تذهب في صنيعها الشعري نحو التأمل بأقل الكلام وأوضحه وأكثره مباشرة في المعنى، هذا ما يشعر به قارئ ديوان الشاعرة ظبية خميس: نحو الأبد، الصادر مؤخرا عن منشورات اتحاد كتّاب وأدباء الامارات بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في 145 صفحة من القطع المتوسط.
تقول الشاعرة: “الكلام زبد النسيان”، وتقول أيضا: “الربيع هدية السماء القصيرة للصاعدين على جبالها”، وسواهما كثير حتى لكأن الشاعرة بهذه “الاختصارات” الشعرية المتناثرة في قصائدها تريد أن تختصر تجربتها الانسانية في العيش والكتابة والقراءة.
وربما يصح أن هذه النزعة إلى تأمل الذات تجد ما هو أكثر تعبيرا عن نفسها في القصيدة التي حملت العنوان: “الكتابة”
“حروف الكتابة
ليست هي حروف الكلام
أن تخطّ بيديك
هو أنْ تكسر فولاذ العالم
الذي يتسلل لأصوات الكلام”.
هذا التأمل الشعري، هو مبتدأ الكلام في القصيدة اللافتة في الديوان، لجهة أن تأمل الكتابة بوصفها فعلا إبداعيا نادر في الثقافة العربية، وربما في ثقافات العالم كله، فما من مبدع سعى في شعره إلى هذا التأمل الشعري، بل في نثره، على الأرجح، وهذا نادر أيضا.
الشاعرة ظبية خميس في “الكتابة”، تكتب جملة خبراتها هي في كتابة الشعر وليس في الكتابة عموما؛ تكتب حاجتها إلى الكتابة وما تفعله وما تترك من آثار عميقة فيها، حتى إنها تكاد تتنفس الكتابة:
“للكتابة نوافذها، أرواحها
صدّها المؤلم
عزوفها عن الحديث إليك
أو إقبالها
في مزاج لا يتحكم فيه غيرها هي
هي
الطريق إلى خلاص ما
ربما للأنا
ربما للبشرية”.
لا تؤثث ظبية خميس قولها الشعري باستعارة أو بلاغة من أي نوع، بل تقول ما تقوله بكلام عادي لا يحتمل أي إفراط في التأويل أو الشروحات، فهي كما لو أنها تؤثث عزلتها بالكتابة، فالأمر هنا ليس بطاولة وكرسي وبضع ورقات وقلم، بل ثمة نوافذ وارواح وصدود وإقبال وخلاص من نوع ما يشعر به الشخص السارد في القصيدة، أو الشاعرة ذاتها، أكثر مما يسعى إلى نقل هذه الصور من مستوى الشعر إلى مستوى التقعيد.
تقول ظبية خميس في مقطع آخر من قصيدتها:
“تمنح للبعض كوة من نور
وتمنح للقلة بوابات مذهبة بحجم
الكون
ثم لا تمنح إلا ابتسامة السخرية
من أولئك الذين يصدقون أنهم
حقاً.. حقاً جديرون بها”.
يبدو أن جذر هذا الكلام يمتد إلى الشك أو بالأحرى القلق. إذ يبدو أن معاينة ذلك المصير الفردي والمحض للكاتب وإلى أي “ذِكْر” بين الناس والعالم سوف تأخذه يبدو أمرا باعثا على القلق، كما لو أن الشاعرة تتساءل: هذا الشعر الذي نكتب، هل هو حقاً الكتابة؟ إن من العسير حقا على أي شاعر أن يخرج من دائرة هذا القلق المرّ حول مصير الكتابة، ذلك لأنها عسيرة على التحديد كجوهر بل هي قائمة في أصل ما يعزّ على التوصيف، أو ما لا تدركه الصفة، على ما قالت العرب قديما.
هنا، وعلى رغم الغموض الشفيف الذي يطبع هذا المقطع في مطلعه، إلا أن هذه النتيجة التأملية هي نتاج فعل القراءة الذي تمارسه الشاعرة، ليس هذا بدافع من تعدادها بعضاً من الكلاسيكيات التي تركت أثرا فيها ربما، إنما هي المكتبة التي تتحدث عنها الشاعرة هنا أو ما هو أشبه بذلك والتي هي بالتالي حاضنة الكتابة والتي تقوم بتأبيد هذا الفعل بوصفه “العيش” و”الفعل” الأكثر غرابة لأولئك الذين مرّوا من هنا، من على وجه هذه البسيطة وتركونا نحدّق هكذا كأطفال في ماضي الكتابة العجيب.
الخليج
29/11/2008