فينسينت فان غوخ (1853- 1890) عبقرية فنية عاش لفنه ومات ولم يربح قرشا من اعماله الفنية التي ناهزعددها الآلاف بينما تحولت اعماله الى تجارة وصناعة تدر المليارات في بلده، فيما زينت اعماله جدران المتاحف والصالات والبيوت الراقية من اليابان الى هولندا وفرنسا وامريكا. فهذا الفنان الذي ظل يعمل على تطوير ادواته واساليب الرسم والملاحظة ويخترق جبهات جديدة على الفن ظل مسكونا بحس الفشل، كما تشي رسالة له في الايام الاخيرة من حياته لشقيقه ثيودروس (1857 -1891) المعروف بثيو حيث كتب له من مصحة في جنوب فرنسا ان ما يعلم حياته هو فكرة الفشل، ولكنّ شخصا مسكونا بهاجس الفشل لا يواصل الرسم في الايام السبعين الاخيرة من عمره وينتج لوحة كل يوم على الاقل. كان فان غوخ ورحلته المأساوية دائما يتراوح بين الجنون والعبقرية كما يحبذ البعض النظر اليها لانها في مجملها خروج عن المألوف الاجتماعي والفني وتميزت بمراحل من الهروب والتشرد في بلجيكا والعيش حياة بوهيمية في لندن وباريس وشجارات مع صديقه الفنان بول غوغان في ' البيت الاصفر' بمنطقة ارليز الفرنسية، وحادثة قطع اذنه واطلاق النار على نفسه بسهل مفتوح خارج باريس، هذه المعالم قد تقود الدارس لحياة هذا الفنان العبقري للتوصل لهذه الفكرة ومع ذلك تظل النظرة الاحادية هذه قاصرة لاعماله لان حياته كانت عن الفن وفهمه وتطوير قدراته والتعلم والدراسة فنحن امام تجربة فنان دائب، مجد في الدراسة والعمل وحريص على فهم درجات الفن ودور الفنان في الحياة وفكرته عن نفسه ومجتمعه. فالفنان هو بطل خارق يقوم بعمل المستحيل وتقديم ما هو خارج على الفهم.
يجب ان نقرأ رسائله
ومن هنا فالمعرض الكبير والذي يحظى بشعبية كبيرة منذ افتتاحه قبل عشرة ايام في لندن تحت عنوان 'فان غوخ الحقيقي: الفنان ورسائله' ومن خلال دراسة وعرض الرسائل يقدم المعرض فهم الفنان لنفسه ولاعماله وللطريقة التي تحدث فيها عن ولادة عمله الفني والتجارب الاولى التي قام بها من اجل التوصل للنسخة الاخيرة. ورسائل فان غوخ الكثيرة تعكس روحا قلقة وتوقا وتشوقا للمعرفة وحرصا على زيارة المتاحف ولقاء الفنانين المعاصرين له والتعلم منهم. وقد كتب فان غوخ لشقيقه معظم رسائله ولأخته ويلمين ولاصدقائه واخرين واحدة لبول غوغان واخرى لبرنارد، وتزيد عن الفي رسالة، وما نجا منها قليل (819 ) بسبب تنقلاته الدائمة بين مدن هولندا وفرنسا وانكلترا ومن هنا يحاول المعرض بناء صلة بين حياة الفنان وتطور تجربته الفنية وبين الرسائل التي لا يشك احد في قيمتها الادبية العالية، خاصة اننا من خلالها نقف امام فنان مثقف مطلع على عدد من اللغات فقد كان يعرف الهولندية، لغته الام، والفرنسية والانكليزية ويقرأ بالالمانية وكان اضافة الى ذلك مطلعا على ادباء فرنسا وفلاسفتها. ويبدو من الرسائل الاولى التي ارسلها في بداية السبعينات من القرن التاسع عشر ترددا من الكاتب حول نفسه ومحاولة لاثبات نفسه خاصة انه لم يدرس الفن على ايدي الاساتذة وكل ما كان يملكه كان موهبته وشوقه للمعرفة، فسيرته تقدمنا لشخص متردد بين اكثر من همّ فكونه ابن رجل دين وولد في رهبانية حاول دراسة الديانة المسيحية والتخصص بها ولكنه ملّ منها وخرج وتشرد بين عمال المناجم في بلجيكا حيث عاش معهم، ورسائله من هذه الفترة مكتوبة على ورق رخيص، وعادة ما تمتلئ بالاخطاء والتصحيحات، الشطب والمحو، لغتها مباشرة وتعكس روحا متمردة لم تعد تلقي بالا للتقاليد، لكن ما يميز رسائل المرحلة هو احالاتها الدائمة الى قراءته الدائمة لفيكتور هوغو وإرنست رينان وتوماس كارلايل.
الكتابة وفكرة الفنان البطل
المهم في رسائل فان غوخ انها ليست مذكراته او يومياته ويجب ان لا تقرأ من هذا الاطار مع ان الفنان كان يعمي الحقيقة التي يتحدث عنها وهذه الرؤية العامة للرسم والفنان، فعلى الرغم من ادعائه بقول الحقيقة الا انه لا يقدمها على حقيقتها. تتوزع رسائل الفنان بين عدد من الاماكن مع ان اكثرها موجود في متحف في أمستردام فبعد وفاته ورث شقيقه ثيو ما تبقى منها، ثم قامت ارملته اي أرملة ثيو، بنشر نسخ عدد منها محررة. يفهم ان الكتابة مثل الرسم عنت لفان غوخ اكثر من شيء فهي وان كانت مجالا للحديث عن تجاربه الفنية مع اللون والضوء والمواد وتجاربه التي كان يقوم بها سواء في الريف او رسم الرموز والشخصيات الا انها كانت تمثل، اي الكتابة، طريقة للتفريغ عن النفس، وتجلية افكاره. فبالنسبة لرجل مثله كان يدور بين الواقع والتخيل كانت الكتابة مراحا جيدا له لاستعادة ذاته لا وبل تحديد هويته فقد كتب لاخيه ان ' الكتابة هي طريقة بشعة نشرح فيها الاشياء لبعضنا بعضاً'. واذا كانت كتابة الرسائل هي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين البشر في القرن التاسع عشر فقد مثلت الكتابة مساحة للخروج من ازمة الحاضر والهروب منه على حد سواء. ومنحته الرسائل وسيلة لشرح موقفه من الفن ودور الفنان في الحياة، فقد آمن بما كتبه ارنست رينان في حياة السيد المسيح من ان وجود الانسان على الارض ليس من اجل ان يكون سعيدا ولا من اجل ان يكون وفيا ـ مخلصا بل وجود الانسان مشروط بانجازه شيئاً وعبر المجتمع لشيء متجاوز اكبر من الوجود التافه للبشر والذي يجر كل واحد منا وراءه. واضافة لتعريفه دور الفنان ورؤيته للفن الذي يجب ان يكون مرتبطا بالجماهير والمسحوقين، الفلاحين والمحرومين، فالرسائل تمثل جسرا بين الرجل وفنه. ومن اجل التعرف على فن فان غوخ علينا ان نقرأ رسائله. فتلك المكتوبة قبل عام 1881 كانت ساذجة وتميل نحو اخلاقية ولكنها لا تخلو من اشارات الى المدارس الفنية التي تعرف عليها والحديث عن جهوده لتعلم الرسم واتقان مسك ادواته ـ القلم والفرشاة ودراسة نظرية اللون كما تحمل الرسائل حسا من الاحباط لان الفنان لم يكن قادرا في ذلك الوقت على بيع اي من لوحاته اضافة لآرائه حول المجتمع والادب وقراءته الخاصة وعلاقاته الخاصة المعقدة. ولان شقيقه ثيو قدم الدعم المالي والمعنوي له ولمدة عشرة اعوام، فقد كان يرسل اليه كل شهر ما نسبته 15 بالمئة من دخله، ولهذا فقد كانت الرسائل ردا وتأكيدا على وصول المبالغ الواردة منه.
الواقع والفن والادب
ولا تخلو الرسائل من محاولات لاشعال النقاش حول قضايا معينة لكنه كان يتجنب فكرة أن يفرض اي شخص رأياً او موقفاً عليه. في احيان كان فان غوخ غير قادر على فهم الواقع لكنه كان يعرف ان الطريق الذي يسير في الحياة كان من اختياره. وبسبب هذا الغموض والتوزع فقد فكر في لحظة ان هناك علاقة تجادلية بين الحياة والفن والادب فقد كتب عام 1883 ان ' الكتب والواقع والفن هما شيء واحد بالنسبة لي' ومع ان هذا الموقف قد يكون ساذجا الا انه لم يكن ليمتنع عن الحديث عن ارتباط الفن بالحياة ففي هذه المرحلة كتب يقول ' يجب ان لا يكون الفن صورة عن الواقع ولكن يجب ان تكون الاصالة والحقيقة جزءا منه'، ويلحظ ان كلمة ' الحقيقة' تتكرر دائما في رسائله فعلى الواحد منا ان يعمل بجهد للوصول للحقيقة. في عام 1881 اشار فان غوخ الى انه كان مهتما بالوصول بفنه الى درجة يشعر فيها من يشاهد عمله ' بعمق اللوحة ويتفاعل معها ولكن بلطف'، فقد قال انه يريد الوصول لهذه النقطة من خلال تجنب رسم ' سوداوي او حزين'. ويبدو من رسائل هذه الفترة ان فان غوخ كان مشغولا بتجلية ' الرسالة- المضمون' داخل اللوحة على الرغم من عدم اغفاله لتطوير ادواته واساليبه. وعليه فرسائل 1882- 1884 كانت تشير الى نقاشه حول العلاقة بين الشكل والمضمون وايهما اهم ونتاج هذا النقاش في عمله الرائع ' آكلو البطاطا' وسلسلة لوحاته عن الحياة الريفية في هولندا، مواسم الحصاد والوحل، وتغير الفصول، وان تميزت اعماله في هذه الفترة بالقتامة والحزن الا انه توصل هذا الوقت كما فهم من كالاريل إلى ان التاريخ والفن هما من صنع الرجال العظام، وينسحب هذا على موقفه من فن غوغان، فرغم اعجابه الشديد وحرصه على صداقة هذا الفنان الكبير لاحقا الا انه ظل يؤمن ان الفن الباقي والدائم هو في النهاية من صناعة رجال - فنانين اكبر من الحياة. من بين الفي لوحة لم يناقش فان غوخ سوى 600 منها. ونلاحظ في مجمل الرسائل الطريقة التي تعامل فيها مع اللون، ففي فترته الهولندية آمن فان غوخ بأن ظلال اللون الرمادي والاخضر هي احسن طريقة للتعبير عن المزاج ولكنه في فترة لاحقة من حياته الفنية سيكتشف اهمية اللون ودرجاته في اللوحة وسيغير موقفه عندما يتعرف على اعمال الاساتذة الكبار من المدرسة الهولندية واكتشافه الرسوم اليابانية بزخرفتها ورموزها والوانها المشرقة. وستمثل اللوحات اليابانية بحد ذاتها الجنة. يكتب في الفترة الهولندية حول لوحة 'آكلو البطاطا' ان اللون يشبه ' حبة بطاطا مغبرة، غير مقشرة طبعا'. وعن اهمية اللون في المزاج يكتب عن لوحته ' المقهى الليلي' انه اراد من خلال اللون وشكل الزوار تمرير فكرة مفادها ان القهوة هي مكان ' يمكن ان تجن فيه وترتكب فيه جريمة، وقد حاولت هذا عبر اللون الزهري والاحمر الدموي...'. قد تبدو رسائل فان غوخ على انها صورة عن انفجار مشاعر رجل يدور بين الجنون والعبقرية ولكننا نظلم الفنان بهذا فالرسائل مكتوبة بوعي ودراسة، فهو يرى ان من واجب الفنان ان يدرس الطبيعة بعمق ويستخدم كل ذكائه في العمل حتى يفهمه الاخرون.
الطبيعة وسحر اليابان
تظل الطبيعة جزءا مهما من حياة فان غوخ الفنية فهو وان كان يطمح ببداية حياته الفنية إلى ان يرسم لوحات وشخوص وهو ما كان يطبع فن زمنه الا انه وبسبب عدم قدراته المالية انتبه للطبيعة حوله وصارت الطبيعة بمثابة الدين بعد ان وجد عطل الدين وعدم قدرته على مواصلة تعلمه، فلوحاته الاولى عن فضاءات والحياة اليومية للفلاحين، النساجين، الحقول، والحدائق والحصادين وباذري الحبوب وزارعيها في برابانت الهولندية تمثل جزءا من هذا الانشغال وسيعود للطبيعة عندما رحل لفرنسا. والفترة هذه تمثل قمة انتاج الفنان. ولكن رسائله تظهر الكيفية التي بدأ فيها يملك زمام امره ويشعر بالثقة ومن ان ما كان مستحيلا صار ممكنا. كانت زيارته لمتحف ' رايخ' في امستردام الذي كان قد افتتح قبل سنوات بمثابة مرحلة جديدة في تطور اسلوبه الفني فتعرفه على اعمال الاساتذة الكبار الهولنديين قاده لاهمية الالوان المضيئة والمشرقة وسوف يتعـزز ذلك من خلال المرحلة اليابانية التي اكتشفها في انتويرب 1883 وكتب عنها قائلا ' كل اعمالي تقوم على الفن الياباني' وسنعرف ان هذا الرأي سيتغير في مرحلة من محاولات الاكتشاف فسيتعرف على اعمال الانطباعيين في فرنسا عندما سافر اليها عام 1886، وسيدرس لوحات ديلا كروا (1798 -1863) وهذا الاخير ترك اثره الكبير عليه كما كان قد تأثر باعمال الطلائعيين من امثال اميل برنارد وهنري دي تولوز ـ لوتريك، لكن اليابان ستظل نقطة مرجعية له فعندما وصل للجنوب الفرنسي كتب قائلا ان جمالها يشبه جمال الطبيعة في اللوحات اليابانية. وفي كل مرحلة من مراحل تعلمه كان يدخل تطويرات على ما كان يتعلمه، فالتجريد الياباني والزخرفة، مثلا،مزجهما فان غوخ بواقعيته وقدرته على ملاحظة الطبيعة والبحث في اسرارها.
رسم نفسه عندما لم يجد موديلا
يأخذ المعرض زائره في رحلة حول الموضوعات التي تمحورت حولها رسائل فان غوخ مع انه لا يمكن ربط لوحة معينة برسالة ولكن مجمل العرض يدور حول علاقة فان غوخ بالطبيعة والفضاءات المفتوحة ، وحرصه على تسجيل اليومي والعادي من الاشياء وبحثه عن رمزية في العادي مثل تصويره اشياء بيته ،طاولة بكتاب ورسالة وشمعة، قنينة فارغة وابريق قهوة وصحن بصل، ولكنه كان عادة يجد في الطبيعة عزاء له ومصدر راحة والهام مع انها كانت تمثل فضاء مثيرا للسوداوية والحزن، ولهذا اقبل على رسم الحدائق والسهول والمتنزهات واماكن عامة اخرى. كان هم فان غوخ ان يتقن رسم الشخوص ففي رسالة إلى اخته ويلمين 1890 يقول ان رسم الشخوص هو جوهر الفن الحديث. وفي بداية حياته الفنية كان يحرص على ان يتقن هذا الجانب من الفن ولهذا اقنع سين هورنيك، وهي عاهرة سابقة، بالجلوس امامه ورسمها واولادها في اكثر من موضع مع انه لم يكن يعطيها اجر موديلات الفنانين، وحتى موديلات فان غوخ كانت استثنائية ولم تكن تمثل فن الصالون فاعماله في الفترة ما بين 1883- 1885 حفلت بشخصيات مقهورة وعادية، فلاحين وفلاحات، الوانها قاتمة موحلة تحمل قتامة وقهر الحياة التي يعيشها هؤلاء الناس. في باريس حاول التخلص من قتامة اللون ذلك انه جاء الى العاصمة الفرنسية للتعلم ولان يكون جزءا من العالم الفني ولقاء الفنانين فيها وتركت اثرها عليه من خلال التحول نحو الوان فاتحة ومشرقة، ولكنه لم يكن قادرا على بيع اعماله علاوة على استئجار الموديلات، ولهذا قام برسم نفسه كما رسم صديقه تاجر اللوحات الفنية الاسكتلندي الكسند ريد عام 1887، ومن هنا يفهم من تحول فان غوخ نحو الطبيعة وان جاء بدافع ديني الا انه كان بسبب قلة الحيلة وذات اليد. وعندما سافر الى الجنوب قام برسم ضابط في المدرعات الفرنسية كان في الجزائر وعامل البريد جوزيف رولين وعائلته، حيث انتج لهم اكثر من لوحة، وعندما تأخر صديقه غوغان في الوصول الى بيته الاصفر رسم كرسيه الفارغ وكذا كرسيه هو، اي فان غوخ، الفارغ والمثير للدهشة ان فان غوخ لم يرسم لوحات لاقرب شخص له وهو شقيقه ثيو.
وحي الجنوب
وتظل المرحلة الاخيرة من حياته مرتبطة بالطبيعة والفضاء العام، ورحيله للجنوب جاء لانه لم يكن قادرا على تحمل ضغط المدينة وحياتها البوهيمية ووساختها ومن قرر الانتقال للجنوب الى ارليز حيث طاف مناطقه. وتتحدث الرسائل عن طموحاته باقامة مركز للفنانين، استديو، يجلب اليه اصدقاء ومحبي الفن. ومن هنا عندما اخبره غوغان عن نيته في القدوم انشغل فان غوخ بالتحضير لقدومه وانقلبت حياته رأسا على عقب وكما نعرف فالتجربة انتهت نهاية مأساوية بين الفنانين ليس لاختلاف المزاج ولكن لانهما يمثلان مدرستين مختلفتين. وعليه ماتت التجربة ومعها انتهى حلم البيت الاصفر حيث اتسمت حياة فان غوخ الاخيرة بالتردد على المصحات النفسية والانهيارات العصبية والانقطاع عن العالم، ومن هنا اكتفى برسم ما حوله وعليه عاد لرمزية الحديقة كما تبدو من مصحته 1889. وبسبب تغير المحيط حوله تغيرت رؤيته للرموز التي حضرت في اعماله خاصة زهرة عباد الشمس وحل محلها الصنوبر والسرو. تظهر الرسائل عقلا وقلبا وعينا ظلت تراقب ما حولها ترسم وتكتب وتتقبل شروط الحياة التي عاشها او اختارها لنفسه، لكن الشيء الوحيد في رحلة فان غوخ مع الرسم انه لم يتخل عن فرشاته وعينه الملاحظة وقلمه، فقد ظل كلما خرج من المشفى مليئا بالمشاريع والخطط وكما قلنا في البداية ان رجلا يقيم حياته بالفشل ويستمر برسم لوحة كل يوم كان يسعى لبناء مشروع اكبر من الحياة. مشروع فان غوخ تغذى من تجاربه المتقلبة وارتباطه بالطبيعة وحبه للجمال وقراءته المستمرة، فرسائله تشير الى 150 كاتبا وتحيل قارئها على 800 كتاب قرأها وكفنان آمن بالقراءة الادبية والتقنية بمعنى تطوير ادواته واغناء رؤيته للفن ودور الفنان في الحياة. ما علم حياة فان غوخ الفنية هو خوفه من الفشل، ومن هنا بدا طوال الوقت متحمسا للفن الذي اصبح معادلا للحياة وانتج بالتالي اعمالا رائعة حتى النهاية. ربما لن نعرف لماذا اطلق الرصاص على نفسه عام 1890 ولكننا قد نتكهن ان الخوف من كساد اعماله، الوحدة وعودة المرض اليه قد تكون اسبابا. لم يكن يعرف الراقد في اوفيرز الفرنسية ان رسائله ستنشر بل وتـُعرض في المعارض العامة ولكن ها هي جنبا الى جنب مع لوحاته تتحدث الينا....
The Real Van Gogh
The Artist and His Leers
Royal Academy of Arts
London/ until April 2010
القدس العربي
01/02/2010