الصور، الكلمات، المعاني، وحتّى الجُمل في النّصوص الشّعرية في مجموعة الشاعر المصري "عماد فؤاد": "عشر طرق للتّنكيل بجثّة" الصادرة حديثاً عن "دار الآداب" على عنفها، هي جزء من الشّعر أيضاً، العنف الذي يقدّم إمكانية إضافية للشّعر، إمكانية جوهرية ليست عنفية كما تبدو في الشّكل، بل رثَّاءة وباكية للجمال الذي أهمده الأذى، وأماته النسيان واللامبالاة:
"غبيةٌ وتموت!
لا تعرفُ أنَّني تعبتُ حتى وجدتُها
لا تعرفُ أنَّني أهدرتُ من عمري عشرةَ أعوامٍ في محبَّتِها، زرعتُ ورودًا كي تزهرَ في الصَّباحاتِ النَّديّةِ أمام شباَّكِها المفتوحِ، وغيَّرتُ ألوانَ جدرانِ بيتِنا كي يحلو لها تخيّلُ البحيراتِ التي تترقرقُ خلفَ حجارةِ الغرفةِ
غبيةٌ
وتتركُ نفسَها فريسةً للموتِ، لم تقاومْ ولم تجزعْ ولم تصرخْ ولم تبكِ ولم ترفع إليَّ عينينِ واسعتينِ مملوءتينِ بالنَّدى المملَّحِ كي تناشدَني أن أترجَّى الموتَ يتركُها نائمةً في حضني".
ولكن هذا العنف الشّكلي، العنف الذي يُعاتب العنف على عنفه، وهو التيمة الغالبة على مجموعة "عماد فؤاد" الجديدة، لن ينجو من تساؤلنا: كيف يمكن للشّعر أن يندمج مع الأذى الحقيقي، مع الموت الذي يطال الكائنات كلّها، ويغدو التعويذة السحريّة لعالم الشّاعر وعالم قصائده؟ هل يعني ذلك أنّ إمكانية الشّعر في عالمنا الكافكاوي الراهن، تصبح قدراً شخصيًّا للقصائد؟ قصائد قصيرة، ونصوص شعريّة يغلب عليها طابع السرد أحياناً، يُخيّل لي أنّه كتبها في أوقات تفترق فيها صورة طفولة الشّاعر بما هي جمال خالص، مع الحياة نفسها، وتقف حرّة وطريّة ومزغّبة تنتظر أن يكتبها الشّاعر، ويتذكّرها جيّداً، ورويداً رويداً تبدأ تحكمه بجمالها، لأنها أكثر حقيقيّة، من أيّة حقيقة حدثت في ما بعد. الطفولة، التي هي محبّة فائضة، بعد أن كبرت وهرمت، لم يعد لديها أي نيّة أن ترفع إصبعاً من أجل الشّاعر، من أجل سعادته وأمنه، بينما الموت الذي يطال الحبيبات والفراشات، على استعداد لعمل قدر الشّاعر، قدره الذي لا يشعر بمسؤوليته عنه.
"عماد فؤاد" الشاعر المصري المقيم في بلد أوروبي، حرر قصيدته من تابوات المكان، وخوضه الشعري من التّلعثم، فعلامة الشّعر الجيّد ليست في رقّته ولطفه، بل في كل تلك التركيبات الأصليّة والمشاهد الحقيقيّة، التي تحتفظ بها العين والذاكرة، ويدافع عنها الشّاعر بكل جرأة، بما فيها نقط الدم، والكدمات الداكنة على الجثث.
السفير
الأربعاء 11 أغسطس 2010