مقارنةً بأندريه بروتون ولوي أراغون، ما يزال الشاعر الفرنسي وأحد مؤسسي الحركة السريالية فيليب سوبو (1897-1990) قليل الشهرة، حتى في موطنه، مع أنه هو الذي اكتشف عام 1917، في إحدى المكتبات الباريسية، نسخة من كتاب لوتريامون "أناشيد مَلدورور" ومرّرها، بعد قراءتها بولعٍ كبير، إلى رفيقيه المذكورَين مسبِّباً بذلك ثورة حقيقية في ميدان الأدب، والشعر تحديداً، وهو أيضاً الذي صرف في سن الواحدة والعشرين مبلغاً كبيراً لتأسيس مجلة "أدب" الطليعية الشهيرة، ثم خطّ مع بروتون، في ستة أيامٍ فقط، وبدون أي حذفٍ أو تصحيح، كتاب "الحقول المغناطيسية" واضعاً، من خلال الكتابة الآلية المعتمدة حجر الأساس لشعرٍ محرَّر من القوانين الموروثة ومن المنطق. وهذا بالتأكيد ما دفع الباحثة الفرنسية بياتريس موسلي إلى كتابة سيرته التي صدرت حديثاً لدى دار Flammarion.
وتجدر الإشارة أولاً إلى أن موسلي سبق ولفتت انتباه النقّاد بسيرتين ممتازتين، الأولى لفاليري لاربو عام 1998 والثانية لماكس جاكوب عام 2005. والقاسم المشترك لهذه الوجوه الشعرية الثلاثة هو احتلالها موقعاً مركزياً وهامشياً في الوقت ذاته في تاريخ الشعر الحديث. لكن، هل نجحت الباحثة في سيرتها الأخيرة من إخراج سوبو من الظل والهامش ومن محاصرة كامل أبعاد شخصيته انطلاقاً من أحداث حياته الرئيسية وكتاباته، كما فعلت مع الشاعرَين الآخرين؟ في الواقع، لم يترك سوبو للأخصائيين، مثل موسلي، مهمة الانكباب على حالته. فمنذ عام 1923، منحنا تفاصيل انطلاقته الشعرية بأحداثها الصاخبة وأفكارها في رواية "الرسول الصالح"، ثم سرد لنا ذكرياته في كتاب "قصّة رجلٍ أبيض" (1927)، قبل أن ينشر في نهاية حياته كتاب "ذاكرات النسيان" الذي يقع في ثلاثة أجزاء ويتوقف فيه عند جميع مراحل حياته.
ولا تبتعد موسلي كثيراً في سيرتها عن الطريقة التي تحدّث فيها سوبو عن نفسه في هذه الكتب أو في الحوارات الكثيرة التي أجراها مع الصحافيين، كما يتجلى ذلك في مضمون عرضها ظروف ولادته وطفولته داخل عائلة متيسّرة، ثم اكتشافه الرومنطيقية الألمانية في سن المراهقة وكتابته قصيدته الأولى عام 1917، فدور أبولينر ولوتريامون في انطلاقته الشعرية.
ومن المنطلق ذاته، تتناول الباحثة بعد ذلك لقاء سوبو ببروتون عن طريق أبولينر الذي كانت نتيجته إصدار مجلة "أدب" وكتابة نص "الحقول المغناطيسية" الذي يُعتبَر اليوم النص المؤسِّس للحركة السرّيالية، قبل "البيان السرّيالي"، مستعرضةً بالتفصيل نشاطه البارز داخل حركتَي الدادائية والسرّيالية في باريس حتى عام 1926، وبعض الأسباب التي أدّت إلى انفصاله عن رفاقه لخطّ مسارٍ خاص كشاعرٍ وروائي وصحافي لا ينتمي إلى أي جماعة.
وبالنسبة إلى مرحلة الثلاثينات، تركّز موسلي على نشاط سوبو الإعلامي الكثيف الذي رصد جزءاً مهماً منه لفضح صعود النازية ببصيرةٍ وعنفٍ نادرَين، قبل أن تبيّن تقرّبه من المقاومة الفرنسية أثناء الحرب العالمية الثانية واختباره السجن في تونس بضعة أشهر عام 1942 على يد حكومة فيشي. ولا تُهمل الباحثة مسألة تطوّر إنتاج سوبو الشعري والروائي بموازاة عمله الصحفي، من الأربعينات وحتى وفاته، لكن شغفها به، الضروري لخط سيرته، ألغى أحياناً لديها ذلك الحسّ النقدي الضروري أيضاً في مشروعٍ يُنتظر منه أن يُشكّل مراجعة علمية وموضوعية لحياة الشاعر، سلوكاً ومواقف، وأن يساهم بالتالي في كشف صورته الحقيقية، لا أن يُعزِّز أسطورته.
افتراق (2)
فعلى سبيل المثال، فات موسلي، لدى محاولة تفسيرها افتراق سوبو وبروتون عام 1926 على الرغم من مشاركتهما الأفكار نفسها، النقطة الأساسية التي تكمن في الاختلاف الكبير بينهما (لمصلحة بروتون) في مسألة التطلّب من الذات لبلوغ مسعاهما المشترك، كما تجاهلت (أو أنها تجهل حقّاً!) أن سوبو الذي كشف لبروتون وأراغون عن "أناشيد مَلدورور" هو نفسه الذي تبنّى، في مقدّمته لأعمال لوتريامون الكاملة التي صدرت عام 1927، الإشاعة المضحكة التي خلطت بين إيزيدور دوكاس (لوتريامون) وكاتبٍ آخر يدعى فليكس دوكاس، وأن سوبو الذي كتب أجمل القصائد الحرّة هو نفسه الذي أصدر رواية "الرسول الصالح" الضعيفة التي لا يُنقذها إلا جانبها الوقح والمرِح. وحول الانفعال الذي أبداه سوبو في مراسم دفن بروتون ثم انطلاقه، مباشرة بعد ذلك، بعملية تصفية حسابات دنيئة معه في نص "ذكريات" الذي أرسله إلى "المجلة الفرنسية الجديدة" للمشاركة في العدد الخاص الذي خُصِّص آنذاك لمؤسِّس السريالية، تعتبر موسلي أن هذا النص لم يكن سوى "تمرين شفائي، فالمقاطع العنيفة حذفها سوبو قبل نشرها"، في حين أن الحقيقة هي أن صديق بروتون، جوزي بيار، هو الذي قام بذلك، بعد إعلام سوبو، وخطّ مع جان شوستر وجيرار لوغران منشوراً وصفوا فيه تصريحاته الأخيرة "بالشهادة المزوّرة والحُكم الأبله والالتباس في قراءة التاريخ".
باختصار، تقيّم الباحثة بشكلٍ جيد نشاط سوبو الشعري وكمدير سلسلة كتب لدى دار "ساجيتير" العريقة وتبيّن معرفةً دقيقة بشبكة العلاقات التي سمحت له بنشر جايمس جويس وفيتجيرالد وغوميز دو لا سيرنا وتوماس مان وغوركي، لكنها لا تملك المعطيات الكافية حول الحركة السريالية لكتابة سيرة أحد أبرز روّادها. فمع أنها لم تُخدَع دائماً في مسألة الحرّية الكبيرة التي قرأ سوبو فيها تاريخ هذه الحركة، باعترافه شخصياً، لم تجهد إطلاقاً في إظهار الحقيقة، بل اكتفت غالباً بأقواله وبمعلومات مستهلكة وعامة حول الحركتين الدادائية والسريالية. وفي سعيها الحثيث إلى منح سوبو المكانة التي يستحقّها، في نظرها، أضافت الى بحثها أخطاء غير مبرّرة، كقولها إن سوبو كان "أقدم صديق إلى بروتون"، متناسيةً تيودور فرانكِل ورونيه هيلسوم وجاك فاشي، أو اعتبارها انتحار رونيه كروفيل "كتمرّدٍ أخير على بروتون وزمرته"، أو إعادة توظيفها ادعاءات سوبو غير المبنية والمتكررة حول أهمية أبحاث الطبيب النفسي بيار جاني في انبثاق الكتابة الآلية، وحول ناديا عشيقة بروتون كمريضة كان جاني نفسه يعالجها، وحول موعدٍ خيالي مع هذه الشابة حلّ سوبو فيه مكان بروتون، بدون أن تحاول التأكّد من صحّة هذه الادعاءات أو حتى أن تذكر قيام الباحثة مارغريت بونّي بدحضها داخل تقديمها لأعمال بروتون الكاملة في سلسلة "لابلياد" العريقة، تماماً كما فعل جان شوستر وبول تيفونان قبلها في نصٍّ طويل يحمل عنوان "رسالة مؤجّلة إلى فيليب سوبو"...
المستقبل
الاثنين 23 آب 2010