لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع




















































 

"محمد علي شمس الدين: أميرال الطيور"

شبّابة جبل الريحان

محمد علي شمس الدينيلقي أستاذ الأدب الحديث في الجامعة اللبنانية - كلية الآداب محمد حمود في كتابه الجديد الصادر له عن "دار الفكر اللبناني" بعنوان "محمد علي شمس الدين - أميرال الطيور" (440 صفحة من القطع المتوسط)، الضوء على دواوين الشاعر شمس الدين، كل ديوان بمفرده ابتداء من "قصائد مهرّبة الى حبيبتي آسيا" وانتهاء بـ"شيرازيات" من خلال دراسة تحليلية نقدية شائقة تناولت معظم المحطات الشعرية للشاعر، وقد أضاف الباحث عملاً رائداً، عن شاعر من أبرز شعراء العصر الحديث، الى جانب ما صدر من أعمال وأبحاث ورسائل جامعية عنه، في لبنان والعالم العربي، وبعض الجامعات في أوروبا (مثل جامعة الأوتونوما في مدريد)، ذكرها الطالب في متن بحثه، دليلاً على المكانة التي يحتلها الشاعر في ضمير الشعر العربي الحديث والمعاصر.

اقتحم حمود بساتين شمس الدين، في أوج نضجها، وهي تقطر شهداً غير خائف من صقور شعره التي تحرس الاشجار وتسقيها، إذ ليس من البساطة أن تخترق حجب الافكار والمعاني عند محمد علي شمس الدين، من دون أن تكون مسلّحاً بعين ثاقبة وعقل قادر على رؤية ما لا يرى واكتشاف المحجوب، ولم يكن حمود بعيداً عن ذلك، بل كان الغطّاس الماهر الذي استطاع أن ينفذ الى كنوز اللؤلؤ والمحار في بحر هذا الشاعر.

بين النرجسية والهم الوطني

منذ "قصائد مهرّبة" يشعر المتأمل أنه أمام امتحان فكّ الرموز، وتتوالى عناوين الدواوين، أسماء ذات رموز ودلالات بعيدة، وهنا ربما يقع القارئ في شرك أكبر، فالشاعر شمس الدين، يبدو في رأي حمود، الأكثر عمقاً وشاعرية وتوهجاً وتنويعاً في الموسيقى والإيقاعات، واتساعاً في الأخيلة والآفاق، وغنى في الافكار والرؤى، وهذه خلاصة مصغّرة لموقفه من إنتاج شمس الدين الشعري.

ولم يكن حمود بعيداً عن الحقيقة، بل كان في صميمها عندما سبر أفق الشاعر وتلمّس عمق خياله، وقدرته المدهشة على التخيّل المركّب والمفكك، كما أنه تحدث في مواضع كثيرة عن نرجسية الشاعر، ويرى أنها لحماية الذات، وليست تشوّفاً وانغلاقاً. يقول شمس الدين في قصيدة "الوجه والقناع" (من ديوان "ممالك عالية"): "... وتقصد أنك لستَ على وجه التحديد/ محمّداً بن علي/ وسليل سلالة شمس الدين/ وجدّك شمس الله/ وأمك آمنة المعصومة من كيد الفتنة/ وتزوجت خديجة ذات مساء من أزمنة عَبرت/ وولدتَ عليّاً وثلاث بنات زرقاوات منها/ والرابعة اقترفت مثلك نار الشعر فصارت لهباً مشتعلاً". إنها عائلة الشاعر بالاسماء، وهي متطابقة الى حد كبير مع مزايا أفراد البيت النبوي وأسمائهم.
هذه النرجسية ربما تظهر أكثر عند الشعراء الذين يتلقون شعرهم من طريق الإلهام، وقد أشار اليها الباحث في أكثر من موقع من الكتاب. ومن صور النرجسية، قصيدة "في المرآة" ("ممالك عالية"): "أنظر في المرآة لأبصر فيها وجهي/ لا أبصر غير قناعي/ أين مضى وجه محمد هل غادر صورته؟ هل سافر غامر هاجر حجّ الى وادي مكّة؟". إن شمس الدين، من خلال نرجسيته، يحاول أن يعيد الشعر الى شموخه وسموّه.

علاوة على النرجسية، ركز الناقد محمد حمود على قضايا أساسية شكلت عماد التجربة الشعرية عند شمس الدين، وأولها الجنوب اللبناني. مسقط الشاعر وأرض الشهداء، الذي لم يغب عن قلبه وأحاسيسه، وتكفي قصائده التي أشار اليها الكاتب وأجاد في الحديث عنها، لتشير الى بوصلته الشعرية، من بينها قصائد: جبل الريحان، قبر للارض، أغنية كي تنام زينب، الغيوم التي في الضواحي، موشح الى أعمدة الريح الجنوبية، قمر الجنوب، الرعد يأتي من الجنوب، فتى الرمان، يصنع مهداً من أغصان الكرمة... وسواها. وفيها يلتقط الشاعر بعين بصيرته المشاهد، ثم يصفيها من الشوائب، ثم يُمِرّ عليها لمساته السحرية. فالجنوب في القصائد، كما أشار الباحث، هو بيت القصيد، وهو مشاهد عالية خلاّبة مستعصية على المحتل كما في قصيدة "جبل الريحان" وقصيدة "ذوبان جبل خفيف من القهر". من البدايات: جنوباً... جنوباً... "وكل الجهات التي حددتني غدت واحدة" الى "سفح أرنون" في "الغيوم التي في الضواحي" كان الجنوب في قلب الشاعر وعقله.

أما المواضيع الأخرى التي وقف عندها حمود، ودلّ عليها من خلال القصائد، فهي الالتزام بالوطن لدى شمس الدين، وخصوصا ان موهبته الشعرية نضجت وتألقت في بداية الحرب الاهلية، وعلامات الريف والمدينة في شعره، والرموز التراثية والدينية، وسواها من التيمات الجوهرية في مسيرته الشعرية.

شيرازيات

كما يخيط الشيرازيون عباءاتهم وسجادهم الشيرازي، هكذا يخيط محمد علي شمس الدين شيرازيات الشعر، حتى كأن لشيراز حافظين، يفصل بينهما سبعمئة عام على وجه التقريب، إلاّ أنّ سلكاً من الروح يجمعهما.

حافظ هناك وحافظ هنا يجدّد عمارة مهندس الغزل العرفاني الصوفي، وينقل الشعر إلى حيويّة حديثة قادرة على أن توائم بين الشرق والشرق الآخر، وهما أشدّ ما يكونان تواصلاً في فنون الشعر وأمزجته. وقد أبلى الباحث حمود بلاء حسناً في التصدي لشيرازيات شاعرنا، فيقول إنه أعاد قصائد حافظ إلى ذائقته وروحه الشعرية، شعراً خاصاً به.

"شيرازيات" شمس الدين، لم تذهب إلى حافظ في عتاقته الذهبيّة، بل جاءت بهذه العتاقة الذهبيّة إلى الحاضر، واستمطرتها واعتصرتها. فقد أخذ محمد علي بيد الكلمات، صنع لها حياةً جديدة، وحطّ رحالها في أرض جديدة عربية التكوين، فانبعثت مجدداً، وكأني بالشاعر تغذّى بضوءين شعريين، ضوء شعر حافظ وضوء شعره القوي المتوهّج البارق الملتمع أصلاً.
ما ذكرت جزء يسير مما أشار إليه الكاتب والباحث والأستاذ الجامعي محمد حمّود في صفحات كتابه الموفّق الذي سمّاه باسم أحد دواوين الشاعر "أميرال الطيور" وقد قبض الباحث على الحقيقة، فشمس الدين أمير الطيور المهاجرة والمعتمة. إنه شبّابة جبل الريحان، وأرغن الجنوب المحنّى بدم شقائق النعمان، قمر الجنوب المزيّن بالتبغ والحنّاء، لقصائده طعم الشهد النقي، وصوت تراتيل المؤذنين وصداح أجراس الكنائس وأصوات النسور في الأعالي والحمائم في الأبراج.

محمد علي شمس الدين سرّ شعري لا يوصف.

حسن جعفر نور الدين
( أستاذ الأدب العربي في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب (فرع الجنوب))
4 نوفمبر 2008

أعلى