في المقدمة التي كتبها البروفيسور الان باديو استاذ الفلسفة بجامعة باريس لكتاب سلام الكندي (الراحل على غير هدى شعر - وفلسفة عرب ما قبل الاسلام) الصادر حديثا عن منشورات الجمل (ترجمة محمد بنعبود) يقول انه ذهل عندما اطلع على المعلقات الجاهلية التي يدور الكتاب حولها، لانه لم يكن يظن ان العرب القدماء او بدو الصحراء، انتجوا شعرا وفكرا بهذه الاهمية. «لقد انتابني وانا اقرأ هذه القصائد شعور مرير بأننا (يقصد الاوروبيين) معوقون روحيا دون ان ندري، لا يماثله الا ذلك الشعور الذي تملكني حين قرأت من قبل ملحمة «قول الجينجي» واكتشفت انه بينما كنا في اوروبا القرن الحادي عشر نكتب بصعوبة ملاحم بدائية فجة، سبقت السيدة مورازاكي في اليابان، مارسيل بروست بتسعة قرون بأكملها، ليس في دقة تحليل نذر الحب وتوهجات العشق وآلامه وحسب، بل ايضا في عمق التأمل فيما يعنيه لحن قيثارة او مشهد حزام ازرق على خصر فستان او اشاحة مروحة في يد امرأة، من قدرة الابداع الروائي على تشكيل الماهية المطلقة للزمان.
ويتحسر آلان باديو للمصير الحزين الذي لقيته هذه المعلقات الجاهلية على مدى العصور، فقد جرت عملية تغييب هائلة لماهية الشعر العربي السابق للإسلام، كما اضحت هذه القصائد حبيسة للقراءات الدينية، كما تعرضت للتشكيك في صحتها التاريخية باعتبارها شعرا منحولا كتب بعد ظهور الاسلام، وحرمت بالتالي مما كانت تستحقه من نقد ادبي خالص لجوانب الحيوية الشعرية العارية من تراكمات ما تلاها من رهانات دينية وسياسية وتاريخية.
آلام الوعي!
اما سلام الكندري الذي كتب كتابا بالفرنسية، كرسالة جامعية على الارجح فهو يتحدث عن «الشاعر البدوي كانسان هائم يطوي جراحه، يعود الى الديار بعد شرود غير واضح المعالم، فلا يلقى من اثر الظفائن سوى طلل الرحيل، ووشم المنازل تحت الرمال.
ولا تنفك ذكرى هوية الحبيب تلهب آلامه كلما لاحت من عمق غيابه الغارق في غياهب الزحف الراسخ للبيداء. لكن آلامه ليست آلام الحزن الرومانسي في مواجهة صرامة قدر لا يبالي بعواطف البشر، وانما هي آلام الوعي الذي يلتمس بين حبائل العدم شجاعة الاصرار على الجهر بالكلمات. ذلك ان الانسان الرومانسي هو الذي لا يهجو القدر إلا ليفتخر بشدة عاطفته ورسوخها عبر الزمن. فالشاعر البدوي لا يتوجه للزمان، لكنه يسائل الفضاء المفتوح. وشعوره بالفقدان يملأ هذا الفضاء بالقيم الرمزية الجماعية (عشيرة أو القبيلة) دون أن يمكنه هذا الملء الرمزي من استعادة ذاته وامتلاك وجوده والقضاء على اغترابه.
شعر يواجه الغياب
في كتابه يريد سلام الكندري أن ينقل إلينا شعراً يواجه الغياب بوصفه صدعاً يمكن رأبه أو افتقاداً يمكن ملؤه ووصله، ولكن باعتباره فقدانا بلا براء وداءً بلا دواء. نريد محوا لكل أثر كان يترتب عليه امحاء ما يكن أن يكون، بيد بلا واحات، وفقدان الهائم الوحداني الذي ليس له عزاء.
ويقول سلام الكندري ان الشعر الجاهلي يتميز أول ما يتميز بموضوعاته. وهناك تعاقب لمجموعة من الصور تشكل كل واحدة معنى من أجل ان تبني، شيئاً فشيئاً كثافة خطاب يعد مرادفاً لهذا الشعر. وفي كل معلقة جاهلية تحضر، وبنفس الترتيب، الموضوعات التالية:
- يصل الشاعر إلى المضارب التي ترك بها المرأة (المعشوقة) التي ظعنت، والمضارب نفهسا لم تبق سوى آثار بائدة.
- ينصرف الشاعر وحيداً، راكباً ناقته، هائماً دون اتجاه في الصحراء، فيسوق وصفاً لحيوانات داجنة مرتبطة به وبرحلته (الناقة والحمار) ويصف ضواري من حوله. أما الناس فلا يبرزون، ها هنا في الأفق إلا استثناء.
- ينغنى الشاعر بأمجاد قبيلته وبمعنى الشرف عندها، وبخصلة الكرم التي تتمتع بها، ويعلن نفسه مستعداً للقتال في سبيلها، ان اقتضى الأمر.
ويرجى الباحث أن الشعرية العربية الجاهلية التي تفتتح بمعاينة الطلل وتستقر في عمق الضياع، تحيل على تجربة تاريخية وجودية.
ان هذا الشعر، منذ الصوت الأول فيه، منذ أول شيء يعلن به عن نفسه، يلتفت إلى موضع آخر، أو ما كان موجوداً ها هنا (الديار، المرأة) ثم ظعن أو ضاع. ان ما يميز هذا الشعر يكمن في تجربة ما لم لا يكف فيها الأليف عن التلاشي».
نقطة تحول
ويعتبر عري الطلل بدوره بمثابة نقطة تحول في التجربة: لم يعد ثمة إلا البلى والتلاشي والبقايا. لكن هذا العراء نفسه يشهد سلباً على انه قد كان ثمة شيئا آخر. وهذا هو ما سمح لطرفة بن العبد بأن يقول:
لخولة اطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد.
ويضيف: عند عرب ما قبل الإسلام ليس ثمة تمييز ولا فصل بين وجود الشاعر والطلل وما يحمله هذا الأخير في ذاته من إعراب عند الفقد. ان ما نسميه بشعور الشاعر يعد هنا ملازماً للطلل ولا يتميز عنه، إذ يشكل معناه الداخلي. فالطلل في شكله نفسه في ارتعاشه من عريه، يُعرب عن عوز يدل على الفقر وافتقاد الامتلاك. ان تبدد الماضي الهارب يتحول في الشيء نفسه إلى انحلال مدوخ للحاضر. يمكن للشاعر في اتصاله بالمكان أن يتعلق عن طريق الذاكرة بما سبق، لكن المكان نفسه يبقى أصم تجاه هذه المناداة، وهو يطويها في البؤس الذي يُعد في ذاته شاهداً عليه. هكذا نظن في بداية معلقة امرئ القيس اننا أمام نوع من دفق وجداني:
«قفا نبك. من ذكرى حبيبٍ ومنزل.»
لكننا مباشرة بعد ذلك ننتبه إلى ان البكاء هو بكاء المكان نفسه: «بسقط اللوى»
وهذه الأمكنة: لم يعف رسمها.. لما نسجتها من جنوب وشمال..
ويقول ان علينا ان نحذر التعبير الشائع: «الوقوف على الأطلال» ويرى ان التعبير الصحيح هو «الوقوف بالأطلال».
ويؤيد ما ذهب اليه باحث مصري (حسن البنا عز الدين) من ان احد العناصر المهة في الشعر الجاهلي التي ساعدت الشاعر الطللي على الانعكاس في محاولته للحوار مع ذاته ومع الآخرين امام الطلل، لقد كان الشاعر الجاهلي يبدو مؤمنا ايمانا لا خيار له فيه بان السبيل الوحيد لاكتشاف النفس هو اكتشاف العالم اولا. لقد كان الشاعر الجاهلي يعتبر نفسه جزءا من العالم في مقابل الشاعر المسلم الذي يعتبر العالم جزءا منه.
على هذا النحو، يعالج الباحث قضايا الشعر الجاهلي في بحث جامعي رصين، وينهي بحثه بهذه الابيات الجاهلية يهديها، على سبيل التأمل، للشعراء العرب:
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا
صما خوالد ما يبين كلامها
عريت وكان بها الجميع فأبكروا
منها وغودر نأيها وثمامها
بل ما تذكر من نوار وقد نأت
وتقطعت أسبابها ورمامها!
القبس
الاحد 20 يوليو 2008