لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



















































 

صقر الرؤى لهادي دانيال "مختارات شعرية"

مصطفى الكيلاني
(تونس)

هادي دانيالالكتاب: صقر الرؤى
المؤلف:د. مصطفى الكيلاني
الناشر: دار الفرقد، دمشق، سوريا،
الطبعة الأولى 2009
(مقتطفات من المقدمة)

لئن ذهب نوفاليس إلى أن التسليم بأنّ سطراً شعرياً واحداً هو مُحصَّل ثمرة حالات و مواقف و نتاج زيارات مدن و مدن فإنّ قصائد هادي دانيال، دون انتقاء، هي الكلّ المتداخل المتواصل الشبيه بهرم سامق متناظم لا يقبل الاستغناء عن البعض و البقاء على البعض الآخر. إلاّ أنّ ضرورة الانتخاب تستلزم النفي قصد الإثبات على أساس النفي. و ما يحدث من فراغات في الأثناء لا يمكن ملؤها إلا بانتخاب ذاته الذي هو قراءة من نوع خاصّ، تاريخية بالنصّ، أدبية بمدلول تاريخية النصّ ذاته أيضاً.

و بناء على هذا السلف يتحدّد منهجنا العام في الاختيار بمشترك القيمة الجمالية و تفرّد الحال و اختلاف الموقف مقارنة بين السابق و اللاحق من مجمل تجربة الكتابة. ذلك أننا عند قراءة مختلف تجارب الشعراء من عرب و أجانب، قدامى و محدثين، نلاحظ وجود قصائد تكرّر قصائد، و قصائد تختلف عن قصائد أخرى، و بها نؤرّخ للمحطّات الكبرى في مسارّ التجربة، كما تتواصل ضمن أدقّ خصوصيات الحال الشعرية العامة للذات الشاعرة الواحدة.

و لأنّ الذات القارئة تختلف في استراتيجيا القراءة عن الذات الشاعرة فإن بإمكان الأولى أن تثبت و تنفي انتقاءً عكس الذات الثانية التي تنظر إلى جميع القصائد على كونها تنتمي إلى قيمة واحدة و لا تقبل التفضيل، إذ لكلّ قصيدة-فلذة تاريخ خاصّ و فرح مخصوص، ولما تمثلّه أيضاً في الواقع الكينوني من عبور لحظة تترك أثرها عميقاً في النفس الشاعرة، فلا يمكن تغييبها بأيّ حال.

و إذا الشعر هو بعض من الالتزام، مثلما يبدو الالتزام، حينما نطوف في أقاصي عالم هادي دانيال الشعري، بعضاً من الشعر. أما الواصل بينهما فهو الوجود، ذلك الحافز المشترك عليهما في ذات الحين، تقريباً، إذ الشعر و الالتزام الثوري يتحدّد بعض من ماهية الوجود الذي وسم ذات الشاعر، بل لعلّ القصيدة بما تحمله من همٍّ ثوري هي الأقرب إلى التدليل على ماهية الأصل و المرجع، لأنها الحرية المنشودة بدءاً و في الأثناء قبل الانتهاء، و هي الملاذ كلما انقلب الوجود إلى جحيم الم ممضّ و استحالت الرؤية بغياب الوجهة أو الاتجاه، و هي لحظة "استمتاع" خاصّة تمارس بها الذات أعمق حالات اشتهائها المتكرّر أو المستعاد:

"عندما
تنهض مِنْ مًكمنها
القصيدة المُداهنِهْ
تنسلّ من مفاصلي
مُتْعبةً
و فاتنهْ
مُشعِلةً في الروح
وتراً
موقظةً في العينِ
شبَقاً
و ذكريات ماجنِهْ؟!."

كذا الكتابة الشعرية لدى هادي دانيال، و في تقديرنا، لحظة يتقاطع من خلالها الاستذ1كار و التموقع في "الآن" و "الهنا" و الاستباق أيضاً حينما تبطن الذكرى- الحال، أو الحال- الذكرى، حلماً هو بمثابة الطيف أو الوجه الآخر للذات(...).

وجهان،إذن، في واحد: ذاك الذي يقول الشعر و ذاك الذي ينقال شعراً. و بين الاثنين صوتٌ و صدى، واقع و حلم، ذاكرة و حدْس، تاريخ عاصف و إمكان للزمن المختلف بشاعرية الحلم و حلم الشعر.
(...)

(...)
و كما تنفتح الذات بالكتابة يضحي الجسد واصفاً و موصوفاً في الآن ذاته، كأن يستحيل إلى رمز كاتب و موضوع للكتابة، فيستقدم إليه تاريخ فلسطين و عشق القدس و ذكريات دمشق القديمة و الحادثة.
(...)

لذلك يلتزم الشاعر بالقصيدة كالتزامه الثوريّ آنَ انخراطه في العمل السياسيّ و الكفاحي الفلسطيني المعلن من موقع إيديولوجي أشار إليه مراراً في قصائده السبعينية على وجه الخصوص، و قد تمثّل في الماركسية تحديداً.
إلا أنّ اليأس القريب في مدلوله من " السلب الفاعل" يمثّل بذرة تنمو، هي الأخرى، داخل منظومة الوعي المشترك الواصل بين الثورة و إبداعية الكتابة الشعرية، و هو يأس يعود بنا في الأصل إلى البدايات الأولى في كفرية اللاذقية، إلى طفولة مندهشة متسائلة رافضة مسكونة بالقلق و الارتياب مدفوعة من الداخل إلى المغامرة.
و إذا الوقائع اللاحقة في حياة الذات الكاتبة مقترنة في الأساس بوعي بدئي يصرّ على الفعل إصراره على المساءلة. و بذلك ينشأ خطّان متوازيان يصلان بين اليقين الفعل الثوري و حيرة السؤال بتمثّل وجوديّ هو أساس الفعل في تقديرنا، و المعنى المرجعي، ذاك المتعدّد الأسئلة:

" ما الذي تبقّى
من الليلة الماضية
غير ذكرى
تغصّ بها الذاكره؟
ما الذي يتبقّى
من الجسد المتنائي إلى الرمل
غير رائحة عابره؟
ما الذي يتبقّى من الانفجار
الذي عرّشتْ نارُهُ بيننا
غير هذا الخراب
و ذاك الصدى
آخ.. يا بردى!".

(...)
و لئن جسّدت القصيدة أفقاً أمْكن به التحول اليأس إلى أمل مراراً و تكراراً فقد مثّلت الذاكرة القديمة و الحادثة أفقاً آخر أكسب الوجود صفة أخرى غير صفة الجحيم، عوْداً إلى ذكريات الأب و لأمّ و العائلة في كفرية-اللاذقية، و إلى سوريا الرحم الأوّل، و شتّى أحلام الوطن الكونيّ، كما تمثّلته الذات بطفولة الوعي السياسيّ الذي حفز الذات على الرحيل تِلو الرحيل بوجهة دائمة التغيُّر نتيجة حيرة الاتّجاهات، قبل اتّخاذ قرار الظعن في تونس، بعد أن خاض مختلف التجارب و قارب تخوم الحياة و الموت في لبنان، على وجه الخصوص، ليشهد بذلك ولادة أخرى لذاته، هي الثانية مجازاً في مسارّ وجوده...5
(...)
... القصيدة لدى هادي دانيال في عديد من المواطن أقرب إلى الواقع منها إلى الإيديولوجيا، و إلى تداعيات الحال و آنيّتها منها إلى مطلق القيمة و مُسْبَق المعنى، لتكتسب بذلك صفة التوهّج و انفلات المعنى من واحديّته بحادث الاستعارة و مختلف الحال و جديد الحدث، إذ أن واقع الوطن، الأمة، الحال الشاعرة أعمق أثراً في القصيدة من شعارات الثورة(...) و كالاستمرار في البقاء بمحض الصدفة بعد أن عاشت الذات مقاربة تجربة الموت في بيروت أثناء الحرب الأهليّة و فاربت تخوم الكارثة بالرغبة- الاشتهاء التي مثّلت الوجه الآخر للموت، بمشترك الباتوسية في اتجاه و الحال الايروسية التي لا تخلو هي أيضاً من حضور الموت المجازيّ:

" ضمّها، لفحته بأنفاسها
و ارتمى خنجر العائله
بين صدريهما
فاستدار..
حين أغفى
على جرحه
طاردت سِرّها
بالدموع التي
أغرقت غرفة الانتظار.."

لقد أدركت الذات الشاعرة فشل الحلم الثوري ليتملكها في الأثناء وعي كارثي لا ينجو من عبث ارتدّ على موصوف الواقع و منشود الرغبة-الحلم دون التوغل في كتابة البوح التي تذهب بعيداً ف] الكشف عن أدق الأسرار الخاصة بتجربة الالتزام. ذلك انّ الذات الشاعرة مصرّ’ على حلمها البدائي و إن انزاح سريعاً عن المجال الكونيّ إلى قضايا الأمّة، و فلسطين منها على وجه الخصوص.
(...)
(...)

إلا أنّ زمناً آخر للانكسارات و الهزائم بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على الواقع و الذات، كأن يستشرف الشاعر في "أفق يتكور" فاجعة كونية قادمة بانهيار المنظومة الاشتراكية الوشيك و حدوث "الزلزال" الهائل الذي زجّ بالعالم في أتون حروب مروِّعة باسم العولمة و الديمقراطية و حقوق الإنسان. فاستقرأ من خلال مشاهد "بلغراد" (1987) علامات الفوضى القادمة من خلال حضارة سروال الدجين و الويسكي و لينين التركي و "الحجارة التي تحكي و تبكي". و كأنّ الفاجعة الكونية تزامنت و نزيف الحزن الهائل الذي سكن ذات الشاعر منذ موفّى الثمانينات من القرن الماضي لتشمل الكارثة بذلك الوجود و الموجود في آن واحد.
(...)
(...)
و إذا الاسم يتضاءل بعد أن فقد المسمّى الماهية التي بها كان و يكون إذ اندفع توصيف الحالات إلى مزيد من اليأس الدالّ في المضمر على إمكان الأمل، و إن داخَل بين الأشياء حدَّ العبث، اللا-معقول. الملل الذي قلب الحبّ إلى "مشاهد" جنسية باردة عارضة يمارسها جسد"بلا ذاكرة"، مسكون بالحزن و القلق و الانتظار الباهت دون قصد أو غاية. و كأن الكتابة تضحي انتحاراً بطيئاً:
" رتقَ الذي فتقَ
قلمٌ على جرْح يفيضُ كلامه
وفتاتي القلقِهْ
تنسابُ تحت كلاميَ
ورقهْ"
(...)
(...)

لعلها الأنوثة-الرمز المتبقية أو المرتجاة التي تحيل على أنوثة البدء:
" يا أمّي
لماذا أبحث عن امرأةٍ
تلدني ثانيةً؟"
هو الانتظار، آخر الأفعال و أهمّها في ذات القصيدة، انتظار "امرأة بلا ملامح" قد تعيد للروح نبضها السالف المتمرّد، انتظار فيض آخر للرغبة، انتظار وجهة جديدة في زمن فقد فيه الكائن مختلف الاتجاهات ليظلّ السؤال الحارق قائماً في ذات الحدث الكتابي و صميم الروح الشاعرة رغم كلّ الانكسارات: ماذا نكتب بعد الأن للمصير الفرديّ المتبقّى و مستقبل المجموعة؟ أو ربما: كيف نكتب؟

إنّ هادي دانيال، في خاتمة هذا القول، اسم لشاعر غالب الحياة و ضانك الحرف، و لهذا الاسم شاعرية خاصة نقترحخ أداءها بمحاولة انتهاج لغة الشعر ذاته، كلآتي:

" يفتح باباً
لينغلق في الأثناء بابْ
بين قاسيون و آخر غيمةٍ هنا
رجلٌ يشرب قهوتَهُ
يقرأ جريدةً
يكتبُ قصيدةً
يستعيدُ صامتاً
حُلْمَ طيور باب البحر،
و حفيفِ الأجنحهْ..."
القلعة الّغرى

ونس في 5-2-2008

أعلى