لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

ليل مشغول بالإوزة

فهد توفيق الهندال
(الكويت)

سعدية مفرح" سعدية مفرح .. تحكي سيرة الأوزة "
هكذا كان عنـوان الأمسية النادرة لشاعرة فضّلت حضورها شعرا يُحكى بعيون وقلوب الآخرين دون صوتها الهامس ، مستمتعة بذلك الهدوء الساكن ألقا بين زوايا معان حقيقية ..
" لا تحتاج أوعية لغوية أو صوتية لا تحتاج سوى أن تكون " ، مستمعة بأحلام ليست مستحيلة لكل من يريد " ذكرى حلوة يقينا شعريا و نهار جديدا " . فأي نهار جديد ستبشر به هذه الأمسية ؟
أثناء الطريق ، يشدك منظر الهلال الوليد ، وأنت تسابق الوقت شوقا و فضولا ، لتنصت لما ستحكيه " سعدية " في أمسية انتظرها كثيرون .. اصدقاءها .. قراءها .. ومن لم يبتسم له الحظ سابقا ليكون ضمن جمهور أمسياتها التي تسكن الذاكرة السعيدة .. وأنت منهم .
ولكن السؤال .. لماذا الأوزة ؟
تتساءل .. حتى تدرك أن لبعض الطير منطقه العجيب و تحليقه البعيد نحو سماء مدهشة بالألوان ، لا تمسها إلا أجنحة الحالمين . والأوزة بمشيتها الأنيقة ، أجمل لوحة للطير في شعر "سعدية " .
تصل للمكان الفريد بنوعه ، وهو الذي يشهد حضورا مستمرا لكل ما تعلق بالوطن توعويا و إبداعا .. جمعية الخريجين الكويتية .. وقد لبست حلة المساء الجميل في أسعد ليلة في العالم ، وقد اجتمعت الملايين حول مائدة عيد الأم والأسرة ، والشعراء يحيون بشعرهم وأسلافهم كواكب جديدة في الكون الفسيح ، وأصدقاء وقراء تجمعـوا في " المكان " الذي احتفى ببداية مؤجلة مغايرة ، أقبل له الجميع يبحث عنها ، يستعيد بها ، بعضا من ثنايا الذاكرة المخبئة ، وبعض ضياء مستتر .. تبحث عنه أصابع الروح في حديثها الذاتي .. لتحي أملا جديدا :

" في كل قميص جديد
بورود ناعمة وألوان مبهجة وأزرار مصنوعة من الصدف اللامع
تلبسينه تحت أسودك الأبدي
درعا ضد القتامة والهواء الجاف
وجدارا بينك والتاريخ القديم بخرائطه المشوشة " .

فجاء الشعر سورا أخضرا للمكان ومن فيه ، بمجرد أن بدأ العود أولى مداعباته الحسية لأرواح المكان ، فتوقف الزمان برهة يستمع لذلك الانسجام بين حس الإنسان " الفنان فيصل المغربي " ورنين الآلة الحية ، وسط صمت بقية الآلات المزعجة ، فيسري ذلك الدفء العجيب لقلبك ، فتؤمن عندما تحلق .. تركض نحو منبع الدفء فيتساب برودة الجمود وتطرب معه ، وتتغلغل في هالة ، تعزل صخب الخارج عن عالم الداخل ..

" أتغلغل في عافية الموسيقا
فيختبئ الحزن البارد
خجلا من موسيقاي " .

جلست .. والفرح بعينيها ، تبصر في عيون الحاضرين ، وقد تزاحم فضولهم و شغفهم لأولى الحروف .. ، لتنسج سعدية .. بعد التحية .. أولى خيوط الحكاية . الزمن .. حيث فصول الربيع مع درويش ، تسرد حكاية أبطالها الشعراء المسافرين بين أصقاع البلدان .. وكلٌ تسرد حكايته بصوتها .. فحكت لنا بعضا من سرد رسول حمزاتوف عن بلده داغستان ، وأوطان ايملي ديكنسون الصغيرة ، ومن شغل الدنيا وملء فم الزمان ، وهي جزء من هذا العالم المشغول به إلى اليوم .. المتنبي ، و فهد العسكر .. " الله يا فهد العسكر " كم رنت هذه العبارة كثيرا في الوجدان .. واهتزت بها المشاعر مع عتبه الجميل بصوتها العذب " كفّي الملامَ وعلليني.. فالشك أودى باليقينِ " . واحسب أن فهد العسكر جالس يستمع معنا .. كرجل بعيد . لكن ليس وحده من يقول : .. يالله .
وبعد سرد حكايا الآخرين ، تسرد لنا وتسرنا بسر جديد ، عن قصيدة ما تزال في مهد خلق القصيد ، أوحت عبرها عن فلسفـة الشعر لديها ، أنه تلك الروح التي لا تحدها قوالب ولا أشكال ، بل سماء مفتوحة رحبة نحو فضاء أرحب .. عموديتها في صورتها المعمّدة بالانسانية ، حريتها في تفعيلاتها التي لا تلغي شعرية النثر ولا نثرية الشعر .. تقول في مطلعها :

" هدهدتني القصيدة حتى بدايات موتي
وللموت حتى يحين فصول
تراوح بين الصعود وبين الهبوط اغتباطا،
وقالت كثيرا.. كثيرا..
وغابت طويلا.. طويلا..
وكانت بداية فصلي الأخير "

لتهدهدنا جميعا ، وتناغي فضولنا الوليد للتو ، حول هذه القصيدة التي ما تزال تحبو لتتهيأ لمشية الأوزة الرشيقة ، لتنتشلنا عندها ثانية في تحليق جديد ، اجنحتنا سؤالها المعتاد : " كيف أتم القصيدة ؟ "
واثق أنه ستكون لها دهشتها المتناسلة بين الأصوات.
وتمضي " سعدية " تهمس بصوتها ، وتجول فرحا في عيون الحضور ، وقد توشحت بوشاح الليل الأزرق ، يزينه هلال باسم ، لتشدو أكثر بصوت كلثومي " هو صحيح الهوى غلاب ".
نهتف لها .. ولها : عظمة على عظمة يا ست .
ووسط التصفيق .. تبقى كلماتها تصدح بصداها الروحي في مسمع كل صديق ، بالنسبة لها وطن صغير ، عيونها المسافرة ، نبضاتها الخافقة ، وهي تشد أوتار الحنين ، لخيمة ظليلة ، حنونة ، تسمعها من هناك .. في هذه الأمسية القصيرة بالوقت ، المديدة بالحلم ، فتبقي بعض ضياء في نعاس السماء ، قبل الهزيع الأخير من الليل ..
" وإلى أن يجيء الصباح
تسمي الجميع الوطن ".

أعلى