لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

شيركو بيكه س، صوت ضخم نازل بجبال كردستان

وأنهارها وأساطيرها إلى هذا العالم الجاف

(في بيروت في أمسية غاب عنها الشعراء)

ناظم السيد
(بيروت)

في بيروت في أمسية غاب عنها الشعراءقال لي الشاعر 'إسكندر حبش' الذي كان يجلس على كنبة حمراء كبيرة في زاوية إحدى قاعات 'مسرح بابل' التي أحيا فيها الشاعر الكردي 'شيركو بيكه س' أمسيته بدعوة من المسرح الذي أسسه ويديره المسرحي العراقي جواد الأسدي: بدك تكتب للقدس العربي عن الأمسية؟ قلت: إيه. قال: أكتب عن لساني، عيب على الشعراء في لبنان أن يكون 'بيكه س' في بيروت ولم يحضر منهم أحد. جملة إسكندر حبش تلخص بعضاً من الأمسية التي خصصها 'مسرح بابل' لأهم شاعر كردي. فقد اقتصر الحضور في هذه الأمسية على شخصيات عراقية مثل الباحث فالح عبد الجبار وزوجته الناقدة الأدبية فاطمة المحسن وبعض الأكاديميين الذين سمعتهم نهاية الأمسية يقدّمون أنفسهم إلى الشاعر، إضافة إلى جمهور في غالبيته من الأكراد الذين راحوا يتحدثون مع الشاعر بالكردية في ختام الأمسية ملتقطين معه الصور. أما لبنانياً فاقتصر الحضور على الشعراء 'شوقي بزيع' و"غسان جواد' والروائية 'علوية صبح' والأستاذة الجامعية 'خيرية قدوح".

إذا كان غياب الشعراء اللبنانيين وحتى الصحافة المكتوبة عن أمسية 'شيركو بيكه س' إهانة للثقافة في لبنان، فإن الحضور المختلف الذي ملأ القاعة تقريباً ساهم في نجاح الأمسية. لعلها واحدة من الأمسيات النادرة التي تقام في بيروت في غياب أهل الأدب وبجمهور من نوع آخر، ذلك أن الأنشطة الأدبية خصوصاً والثقافية عموماً في هذه العاصمة يصنعها أشخاص يتكررون في كل مناسبة. لا بأس في ذلك، فالشاعر الكردي الغريب لن يُفاجئ بهذه الضيافة هو الذي كتب من قبل: 'الكرد والله ندان/ كلاهما وحيد لا شريك له".

في البداية قدّم جواد الأسدي الشاعر بكلمة موجزة قال فيها إن '"شيركو بيكه س' أبرز من يكتب الشعر باللغة الكردية، وأقول هذا لأن الكثير من الشعراء الأكراد المهمين يكتبون قصائدهم بلغات أخرى، حتى تلك التي تتغنى بقومهم وبيئاتهم. وتلك مفارقة ينبغي من خلالها فهم شعره من حيث هو صراع مع الوجود المتحقق للغة مهددة بالفناء. ليس النضال في معترك الأبجدية وتطويرها وإغناء قاموسها كانت فقط من مهمات شيركو، بل ما تعدى هذا إلى منافسة تطاول قامات الشعر الشرقي، روح الملاحم التي قاربها شيركو في سخاء صوته وفرادته وسحره الجبلي الخاص". وأضاف الأسدي: 'في حداثة اكتسبها من اضطراب الأوقات بين يديه، كان شيركو يؤسس وصحبه موجة موازية للموجة العراقية الستينية، ويمضي بعيداً في تسجيل أماكنه وحوادثه، وهي تشف عن صورة الشفاهي فيها. فإن كانت بغداد وهي في ستينات ألقها الثقافي، قد تعرفت واحتضنت شيركو شاعراً تفاعل معها، فقد نقل هو إليها عبق جبال كردستان، وتراثها المحمّل بأغاني الناس وآلامهم وملاحمهم".

بعد ذلك تحدث صاحب 'مضيق الفراشات' و"الكرسي' و"سفر الروائح' و'مقابر الفوانيس' و'نغمة حجرية'، بكلمات موجزة عن تعرّفه إلى لبنان من خلال أدب جبران خليل جبران، وصوت فيروز الذي منحه 'النشوة الأولى للأغنية العربية"، وليس من خلال 'الأيديولوجيا والسياسيين". مقدمة سريعة أعقبتها قراءات للشاعر رافقها عزف العود من مقاطع بالكردية من قصيدته الطويلة 'مضيق الفراشات". المقاطع نفسها قرأها بالعربية جواد الأسدي. ومن ثم قرأ شيركو مقاطع بالكردية وبالعربية، ليختم أخيراً بقراءة قصائد قصيرة بالعربية فقط.
قدّم شيركو بيكه س في أمسيته هذه نماذج عدة أظهرت جانباً من شعره: النص الطويل الملحمي، النص القصير المكثف، القصيدة القائمة على المفارقة، القصيدة القائمة على الحكاية، النص المختزل، النص النثري السائل. نماذج بدت فيها تلك الروح الملحمية التي تجمع ما بين السرد والغناء، ما بين التاريخ الكردي والحياة اليومية، ما بين اللغة المنحوتة المعجمية والشفاهة. نماذج تحضر فيها كردستان بناسها وشعرائها وقادتها وشهدائها ومهرّجيها ونكباتها ونسائها وطبيعتها القاسية واللينة بجبالها وأنهارها ومدنها وقراها. شعر لا يستلهم الأساطير اليومية للكرد وإنما يجعل من يوميات الكرد البسيطة أسطورة كبيرة. شعر بقدر ما يمثل الجماعة بصوتها الهادر، لا يغيب عنه هذه الأنا الصغيرة لشاعر قادر على التقاط حركة يدي الزوجة التي تحوك جورباً لزوجها الذي سيفقد إحدى رجليه بالطريقة نفسها التي يتحدث بها عن مجزرة مثل حلبجة. وكل هذا عبر أداء مسرحي دفع الشاعر إلى الخروج من وراء طاولة الإلقاء والمشي على المنصة الصغيرة من غير الحاجة إلى ميكروفون. فقط وجه متجهم وملامح حادة ويدان تذرعان الهواء وصوت يعلو وينخفض ويغني ويحدو كأنه قادم من بعيد كأنه ذاهب إلى البعيد.

القدس العربي
7/8/2008

أعلى