لم يكن ثمّة خروج عن المتوقّع، حتى أنه بالإمكان القول مجازاً، بأنّها المرة الأولى التي يخرج فيها الجميع برضا عن نتائج مسابقة ما، سينمائية أو غير ذلك. ربما كان مقدراً لطابع الرضا عن النتائج هذا، أن يطغى ليخيم على أمزجة الكثيرين ممن ساءهم سوء التنظيم، وحصول بعض الارتباك في إدارة حفل توزيع جوائز مسابقة مهرجان الريف الثاني للأفلام القصيرة التي اختتمت مساء أمس الأول على قاعة الصالة الثقافية بحضور ورعاية سعادة الشيخ راشد بن عبدالرحمن آل خليفة الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والتراث الوطني.
وكانت ذهبيّة المهرجان الذي انطلق في السادس عشر من الشهر الجاري، في فرع الأفلام البحرينية ذهبت إلى فيلم “عشاء” للمخرج البحريني حسين الرفاعي الذي حصد جائزة “البانوش الذهبي”، وحاز فيلم المخرج محمد راشد بوعلي “غياب” على فضيّة المهرجان “جائزة البانوش الفضي”، كما حصد المخرج علي العلي “البانوش البرونزي” عن فيلمه “شهوة الدم”، وجائزة لجنة التحكيم عن فيلمه “صرخة ألم”.
وفي مسابقة الأفلام العربية حاز الفيلم الإماراتي “تنباك” للمخرج عبدالله حسن أحمد على جائزة “البانوش الذهبي”، والفيلم “فيولينا” المصري للمخرجة سوزان عباس على جائزة “البانوش الفضي”، وجائزة “البانوش البرونزي” لفيلم “بنت مريم” الإماراتي للمخرج سعيد سالمين المري، بينما ذهبت جائزة لجنة التحكيم للفيلم البحريني “غياب” للمخرج محمد راشد بوعلي.
نقد شديد لمستوى
الأفلام البحرينية المشاركة
ووجهت لجنة التحكيم المؤلفة من الكاتب والسيناريست فريد رمضان، والممثل المسرحي والكاتب الزميل مهدي سلمان والكاتبة منصورة عبد الأمير، في بيانها نقداً شديداً للأفلام البحرينية التي تقدمت للمسابقة وقال البيان إن اللجنة شاهدت »٠٢ فيلما بحرينيا قصيرا، غلب عليها عدم الاهتمام بجماليات الصورة السينمائية، وافتقادها للشرط الإبداعي، ناهيك عن حدة الطرح والمباشرة، وافتقار المخرجين المشاركين مفهوم ثقافة الإخراج السينمائي، وهو الأمر الذي لمسناه من خلال عجز أغلبية الأفلام عن توصيل الفكرة التي قام عليها سيناريو العمل، إضافة إلى افتقار العاملين إلى الخبرة العملية، في مجالات عديدة مثل التصوير والمونتاج والمؤثرات الصوتية والتأليف الموسيقي”.
وفي مسابقة الأفلام العربية، قال البيان إن اللجنة شاهدت ٦١ فيلما روائيا قصيرا اختارت بينها لجنة التحكيم ٤ أفلام من البحرين، وذكر البيان إن الأفلام “تفاوتت في مستوياتها الفنية بين العالي الجودة جدا والمتواضع جدا، مما يتطلب على إدارة المهرجان تحديد ملامح وطبيعة المسابقة العربية التي تريدها وذلك للارتقاء بالمسابقة والمهرجان والذي نتمنى أن يستمر ويتطور في الدورات القادمة”.
وقال بيان لجنة التحكيم في جملة توصياته التي رفعها في ختام المهرجان، إن اللجنة ترى “أن الظروف الموضوعية والفنية لمهرجان الريف غير مؤاتية حاليا لتنظيم فرعين في المسابقة، وتتمنى التركيز على مسابقة الفيلم البحريني وتوفير الدعم الكامل له. مع إمكانية استضافة الفيلم العربي خارج المسابقة، مما سيحقق الهدف المرجو من هذا المهرجان ويساهم في تطوير الفيلم البحريني”.
كما أوصت اللجنة بتشكيل لجنة لاختيار الأفلام التي تدخل المسابقة ضمن شروط فنية وإبداعية ترتقي بحجم المنافسة في المسابقة، سواء على مستوى مسابقة الأفلام البحرينية أو المسابقة العربية. ورأت أن “أي مهرجان سينمائي لا يتحقق إلا عبر توفير الدعم المادي، والدعم الرسمي، وهو الأمر الذي يفتقر له هذا المهرجان بشكل كبير، وليتسنى له أن يتطور في السنوات القادمة عليه أن يحقق هذه المعادلة”.
وجاء في بيان لجنة التحكيم الذي ألقاه عضوي لجنة التحكيم فريد رمضان ومهدي سلمان، إن اللجنة منحت فيلم “عشاء” ذهبية المهرجان، “لطرحه البليغ لموضوع حساس تعاني منه مجتمعاتنا الشرقية والمتعلق بجرائم الشرف، وابتعاده عن الطرح المباشر، وتكثيف الحالة عبر طرح يرتقي فيه بالبناء الدرامي للفيلم، خدمه أداء متميز في التمثيل”، وفيلم (غياب) “لمعالجته الشعور الحاد بالعزلة وعرضها بشحنة شعرية عالية، واقتضاب مكثف وبليغ للصورة السينمائية ودلالاتها الفنية”، وفيلم (شهوة الدم)، “لتوظيفه جماليات الصورة السينمائية في حكاية فنتازية تستفيد من المتخيل بلغة سينمائية وحكاية تحتمل التأويل واستخدامه الأدوات التقنية بجودة جمالية جيدةس، وفيلم (صرخة ألم)، “لنجاحه في تقديم فيلم ديكودراما يتناول قضية هامة تتعلق بنشر الوعي حول قضية التطوع بالكلى لإنقاذ حياة العديد من المرضى، عبر مزج موفق بين الدرامي والوثائقي”.
وفيلم “تنباك” الإماراتي، “لبلاغته السينمائية العالية، وقوة طرحه لقضية مسكوت عنها في السينما العربية، تتصل بقبول الآخر ورفضه وهو المتعلق بمفهوم الهوية العرقية وتأثيرها الخطير على المجتمعات العربية، يوازيها حساسية عالية في إيقاع العمل عبر السرد والصورة”، و فيلم “فيولينا” المصري، “لمعالجته المرهفة تصَورياً وجمالياً لسرد تاريخي لحياة الفنان والموسيقار ميشيل المصري، مترافقا مع المتغيرات في المجتمع المصري العام”، وفيلم “بنت مريم” الإماراتي، “لبوحه الجمالي وسرده الشفيف بين عالم الطفولة وعالم المرأة المحاصرة بسطوة المجتمع الذكوري، وأمنيات التحرر، من خلال المزج بين الأحلام والمطر”، وفيلم “غياب” البحريني، “لنجاحه في تقديم فيلم شاعري مرهف نجح في إيصال حالة الوحدة والوحشة بلغة سينمائية بسيطة ومكثفة”.
الشهادات التقديرية
للعناصر المتميزة في صناعة الفيلم
كما كرمت اللجنة المنظمة، بترشيح من لجنة التحكيم، العناصر المتميزة في مسابقتي الفيلم البحريني والفيلم العربي، وحصد الموسيقار البحريني الشاب محمد حداد شهادة تقدير عن موسيقاه لفيلمي عشاء وغياب، كما حصلت الفنانة البحرينية أحلام محمد على شهادة تقديرية من اللجنة عن دورها في فيلم عشاء “لأدائها المعبر وتجسيدها شخصية الأم الخاضعة لسطوة قانون المجتمع، ومغالبتها لشعور الأمومة تجاه أبنتها، وفي نفس الوقت دعم الفيلم البحريني القصير” وفق اللجنة. كما كرم الفنان عبدالله ملك عن دوره فيلم في غياب، والفنان عبدالله السعداوي عن دعمه المتنوع للشباب العامل في المجال السينمائي، و الفنان إبراهيم خلفان عن دوره في فيلم عشاء، والفنان محمد الصفار عن دوره في فيلم شهوة الدم، وفيلم زمن آخر، “لأدائهم المعبر ودعمهم التطوعي لتطوير التجربة السينمائية القصيرة في البحرين”.
وحصدت شركة عمران للإنتاج الفني و فرقة المعامير الفنية على شهادتي تقدير “لدورهما كمؤسستين خاصتين لدعم إنتاج الفيلم البحريني القصير”.
ومنحت لجنة التحكيم شهاداتها التقديرية في مسابقة الفيلم العربي، للمايسترو المصري ميشيل المصري عن موسيقاه لفيلم “فيولينا”. وعن دوره في فيلم “تنباك” حصد الفنان حبيب غلوم شهادة اللجنة التقديرية، كما منحت اللجنة تقديرها للممثلة نيفين ماضي عن دورها في “بنت مريم”، وشهادة تقدير لأفضل مونتاج للمونتير وليد الشحي عن فيلم “تنباك”، و مدير تصوير “فيولينا” أحمد درويش، وشهادة تقدير في هندسة الديكور لأحمد حسن أحمد عن فيلم “تنباك”، و شهادة تقدير للسيناريست محمد حسن أحمد، عن كتابة سيناريو فيلم “تنباك” و “بنت مريم”. ولمؤسسة “قطيف فريندز” عن مجمل الأعمال التي شاركت بها في المهرجان “لدورها كمؤسسة خاصة تدعم إنتاج الفيلم السعودي القصير”.
الفيلم البحريني “عشاء”
جائزة البانوش الذهبي
العمل السينمائي الأول للمخرج والمنتج حسين الرفاعي. سبق وأن تم عرضه في مهرجان الخليج السينمائي بدبي في أبريل الماضي، وعرض أيضاً في مهرجان الفيلم العربي في روتردام هولندا، وفي مهرجان الفيلم العربي بوهران الجزائر ومهرجان نابل بتون.
الفيلم من تأليف أمين صالح، تصوير عبد الرحمن الملا، الموسيقى التصويرية محمد حداد، ومنتجه عايض الكعبي بالمركز الفرنسي للإنتاج الفني لعلي العرادي. وبطولة الفنانة أحلام محمد، هيفاء حسين، إبراهيم خلفان، وحسن الماجد.
لفت الفيلم أنظار عدد من مديري ومنظمي المهرجانات السينمائية العالمية الذين اختاروه للمشاركة في كل من المهرجان الدولي للفيلم المستقل في بلجيكا من ٤ إلى ٩ نوفمبر القادم ، مهرجان بيل باو الدولي للأفلام القصيرة والوثائقية في أسبانيا من ١٢ إلى ٩٢ نوفمبر القادم، ومسابقة أفلام هايدن بنيويورك في يناير من العام القادم، كما قال الرفاعي إن عشاء من المقرر أن يشارك في مهرجان الفيلم العربي بوهران.
تدور أحداث هذا الفيلم القصير خلال ساعات قليلة في يوم ما امرأة شابة ارتبطت بعلاقة مع شاب، هذه العلاقة أدت بالمرأة إلى أن تثمر بطفل وعندما تنصّل الشاب من المسؤولية، اضطرت إلى الهروب من بيت العائلة، وإجهاض الجنين، والإقامة عند صديقتها. هذا ما نفهمه من حوار المرأة التي تعود إلى أهلها أبيها، أمها، أخيها الأصغر ملتمسة الصفح والحماية بعد أن شعرت بوطأة الخوف والقسوة في العالم الخارجي الذي لا يرحم.
الفيلم البحريني “غياب”
جائزة البانوش الفضي
من إخراج محمد راشد بوعلي في ثالث تجاربه الإخراجية القصيرة، وكتب السيناريو الناقد السينمائي حسن حداد عن نص “الوحيد وحده” للشاعر الكبير قاسم حداد، تمثيل عبد الله ملك وشيماء الكسار، وتصوير عبد الله رشدان، وموسيقى محمد حداد، ومونتاج وغرافيك محمد جاسم وعلي نصر، وماكياج ياسر سيف وجعفر غلوم، وتصميم البوستر حافظ بوجيري.
يتناول الفيلم في عشر دقائق حالة إنسانية خاصة تجحد الإحساس بالوحدة والانتظار اللذين يسيطران على اثنين في الخمسينات من العمر يعيشان لوحدهما في المنزل.
شارك الفيلم في مهرجان الخليج السينمائي الأول في دورته الماضية، وحاز على إعجاب وتقدير الكثير من النقاد والسينمائيين.
شهوة الدم
جائزة البانوش الفضي
وتدور أحداث الفيلم السينمائي القصير “شهوة الدم”، للمخرج الشاب علي العلي، حول الخيانة والزوجية، ومايترتب عليها من آثار قاسية في المجتمع الشرقي، وتحديداً العربي منه، حيث يمثل الفنان القدير محمد الصفار شخصية الزوج المخدوع، فيما تجسد الفنانة “ذكريات”، شخصية الزوجة الخائنة.
ويتشاطىء فيلم “شهوة الدم”، لعلي العلي، حين وقوع بنائه القصصي على أسماعنا مع البناء السينمائي التلقليدي في محتوى ما هو متعارف عليه، من ترتيبات جزائية وضعية فيما بين البشر، وهذه الترتيبات هي العرف الدارج، ولكن ما هو غير دارج قيامة الروح “محمد الصفار”، بعد فناء الجسد، والفيلم باختصار حبكة فانتازية اكثر منها واقعية، يستعرض من خلالها المخرج قوة صورته الاخراجية، واهتمامه باللغة البصرية.
الايام- 23 اغسطس 2008