لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































ديوان الشرق و الغرب

في إطار برنامج (ديوان الشرق و الغرب) من قبل (معهد غوته) الألماني.، يزور البحرين الكاتب الألماني اليا ترويانوف في إقامة أدبية، بوصفه الشريك الألماني مع الشاعر قاسم حداد من البحرين،

Ilija Trojanow
إيليا ترويانوف

Ilija Trojanow في إطار برنامج (ديوان الشرق و الغرب) من قبل (معهد غوته) الألماني.، يزور البحرين الكاتب الألماني اليا ترويانوف في إقامة أدبية، بوصفه الشريك الألماني مع الشاعر قاسم حداد من البحرين، الذي يستضاف ضمن البرنامج نفسه لعدة أسابيع لتقديم فعاليات أدبية في مدن ألمانية منتصف شهر يونيو 2006.
وتعريفاً بالضيف الألماني، هنا ملف يعرّف بجانب من تجربة اليا ترويانوف، الذي سيشارك زميله البحريني تجربة أدبية وقراءات شعرية، بالاضافة إلى تعرفه بالمجتمع البحريني. ليكتب نصه الخاص في خلاصة شخصية لهذه التجربة التي تصوغ، في سياق رؤية مشروع (معهد جوته)، شكلاً من الحوار الحضاري بآلية إبداعية شخصية حرة بالغة التأمل.

وكان (ديوان الشرق و الغرب) قد استضاف من العرب في نفس البرنامج، في سنوات سابقة، كل من : رشيد الضعيف من لبنان، وعبدالله زريقة من المغرب، وميرال الطحاوي من مصر، وشهريار ماندابور من إيران، وعباس بيضون من لبنان، و إدوار الخراط من مصر. مع شركاء أدباء ألمان : ,Albert Ostermaier, Ulrike Draesner Joachim Helfer ,Martin Mosebach

*************

مؤلفات الكاتب الزائر اليا ترويانوف:

  • الأسطورة والحياة اليومية في شرق أفريقيا 1993
  • حراس الروح مقابلات مع كبار السن في زيمبابوي،
  • 996( بالاشتراك مع الكاتب الزيمبابوي شينجاري هوف)
  • انه عالم كبير و ملاجئ إنقاذ في كل مكان (أولى رواياته )- 1996- (عن عائلة من البلقان تلجأ إلى ايطاليا)
  • مراسل لعدة صحف ألمانية في الهند 1998
  • كتاب عن عودته إلى بلغاريا 1999
  • على خطى الرحالة المستشرق ريتشارد بيرتون (كتاب عن رحلة إلى تنزانيا) 2001
  • على امتداد نهر الكنج: إلى الضفاف الداخلية للهند (عن رحلته إلى الهند) 2003
  • الحج (إلى المنابع المقدسة للإسلام) 2004

****

Postcard-Story Nr. 13
Ilija Trojanow - letters

أحرف

إليا ترويانوف

Ilija Trojanow هناك، حيث تؤدي الدروب عبر جميع الآكام إلى الشمس، وإلى القمر إياباً، اجتمعت رموز وغدت كتابةً، وفتحت باب الرقص. وكان شيخ الرقص رجلاً له اسم لا يُكتب. جعل الأحرف تتماوج واندهش. كانت الأحرف منطلقة وجادة، وراح الشيخ يراقب منهمكاً ما سيتطور من تلك اللحظة التي تحمل في طياتها إمكانيات غير محدودة. إلا أن الكهنة حشروا أنفسهم بين أفكاره وقرعوا طبول المعركة. دُعيت الأحرف للانضباط. ما كان يجب إنجازه أُنجز، فَلْيسد الجمود منذ الآن. نُفي الرجل ذو الاسم الذي لا يُكتب.

Translation: Günther Orth

******

إليا ترويانوف

مقتطفات من رواية "جامع العوالم"

ترجمة: جونتر أورت
(المانيا)

Ilija Trojanow هذه الرواية مستوحاة من حياة وأعمال ريتشارد فرانسيس بورتن (1821-1890). فهي تعالج في ثلاثة فصول محاولته أن يكون من جهة ضابطاً للإمبراطورية البريطانية، وأن يوغل من جهة أخرى قدر الإمكان في ثقافات وأديان غريبة، ليس فقط من أجل فهمها، إنما حتى يكتسب منها ما يبدو له ثميناً فيها. أدى الحج إلى مكة تحت اسم "الشيخ عبد الله". أما سيدي مبارك بومباي فكان من الأدلاء المواطنين للبعثة الأوربية الأولى التي استكشفت ينابيع نهر النيل. صدرت الرواية باللغة الألمانية في دار نشر هانسر في مارس 2006.

***

من الجزء الأول: الهند

حكايات كاتب خادم السيد

الهند البريطانية عام 1843

كانت الشمس قد بلغت ارتفاعاً لا يَرحم. وكان بعض الرجال يستمتعون بالظل تحت عرباتهم. وكانت أبقار تمضغ. لم يحدث أكثر من ذلك في ساعة كبد السماء تلك.
: تعال!
لاحقه صبي.
: تعال معي! عليك أن تتعرف على القاضي. لا يجوز لأحد أن يغادر هذا المكان، دون أن يتعرف على القاضي أيرونسايد.
سحب بورتن من كمه ومشى معه في أزقة طينية، بينما تباهى الصبي الذي مشى بجانبه وظل يشده من كمه، بأسماء السادة الكبار الذين كان قد قادهم إلى القاضي سابقاً. عدَّدَ ألقابهم للمرة الثالثة عندما وصلا مبنى المحكمة المحاط بحديقة، كانت العدالة تحتمي بها من أوساخ الشارع. بحركة سريعة شد الشوكيدار الواقف أمام المدخل حزامه الملطخ، وبيساره أدى التحية ولم يصدر منه سوى خيط لعاب رفيع انزلق على شاربه.
: ربما لا يعمل القاضي اليوم؟
: القاضي موجود دائماً. أين يمكن أن يكون القاضي في غير هذا المكان؟
تبعا طريقاً مرصوفاً بالحصى، زُرعت ذات يوم على جانبيه شجيرات بشكل أنيق، بيد أنها أهملت بأكملها مع مرور الزمن. امتلأ المرج أمام الرواق بمواطنين جلسوا القرفصاء هناك، وخدش الكتبة أوراقهم بما يُهمس لهم من التماسات بين الأعمدة، ثم ختموها بنظرات فاحصة. دخل الصبي المبنى واثق النفس ولم يستأذن أحداً، علماً أنه لم يكن هناك من يستطيع أن يستأذنه أصلاً. مرا بمحاذاة بعض رؤوس رخامية ذات نظرات صارمة دون أن يعترضهم أحد، ووصلا إلى قاعة ذكّرت بورتن بكنيسة على شاكلة بازليكا، إذ انتهى سقفها الطويل في قبة ضخمة. دارت بعض المراوح المثبّتة على أسياخ طويلة تدلت من السقف. بل كانت هناك عصافير، وقد أحدثت رفرفة أجنحتها أصواتاً أعلى من أصوات المراوح. عصافير خضراء لا تحصى. يبدو أنها دخلت من فتحات في القبة. أما في وسط القاعة، فقد جلس رجل تحيط به أكوام من الأضابير وبعض الأقفاص والشمعدانات ومحبرة ضخمة الحجم. كان يعتمر بروكة وكان منهمكاً بدراسة الأضابير. بعيداً عن مكتبه جلس بعض الملتمسين على أعقابهم. كانت الأرض بينهم وبين القاضي تلمع - فلا يمكن أن يكون ذلك الرجل الشاحب الوجه ذو اللحية الهزيلة كلحية الماعز إلا القاضي. بدا الارتباك على الصبي لأول مرة. وراقب بورتن بروكة القاضي، التي كان الهواء يهز شعراتها فوق الجبين، بينما كانت تتدلى من الأذنين كخرقة مبلولة. ظل القاضي يقرأ بتأنٍ، ولم يتحرك حتى عندما حط عصفور كناري على كتفه الأيمن. وظل الملتمسون صامتين بلا حراك كذلك، وكأنهم يقدمون صبرهم نذوراً لذلك الوثن الغريب. فجأة، دون نحنحة أو مقدمة، أعلن القاضي عن حكمه. أما بعد ذلك فلم يرفع عينيه ولم يدعُ المنتظرين للانصراف بجملة ختامية أو بحركة. نهضوا بتثاقل وسط الصمت المتراكم وانسحبوا.
: الآن!
: أيها القاضي! هناك زائر. جئتكم بزائر، أخيراً أتى من يزوركم.
بينما اقترب الاثنان من مكتب القاضي إثر حركة مشجعة منه، هرع رجل قصير القامة يحمل دلوًا إلى الداخل. مسح الأرض لتلمع أكثر من ذي قبل، غير أنه توقف عن المسح حيث كان المواطنون قد قعدوا من قبل، كأن حدوداً غير منظورة رُسمت هناك.
: لا فائدة من زيارتك لنا. أخشى ألا أستطيع أن أقدم لك شيئاً اليوم. لم تعلن عن الزيارة مسبقاً. أمر مؤسف للغاية! كان بإمكاني أن أقوم بتدابير لو عرفت بزيارتك. أما الآن فليس لك إلا ثمرة الصدفة.
: لم أكن أعلم ما ينتظرني في مهو. على الأقل، استطعنا أن نزور الكهوف البوذية في الطريق إلى هنا.
: هل التقيت بالزاهد؟
: يصادف اليوم يوم صمته. نظرنا إلى بعضنا البعض فترة.
: كما قلتُ، إنه أمر مؤسف. مؤسف للغاية. لا يجب أن نترك شيئاً للصدفة، لقد كان علي هنا أن أدرك أن هذا هو أهم مبادئ المدنية. العصافير تروث على أضابيري. هل تعتقد أن لذلك مغزى ما؟ لم أفلح في التخلص منها. يتم استدراجها إلى هذه الأقفاص وبيعها في السوق، إلا أنها أصبحت بائرة نوعاً ما. أُشبعت الأسواق بها، أتفهم؟ عصافير كثيرة تدخل من الفتحات. لا تستطيع أن تتصور منذ متى أنتظر الموافقة على الترميم. بأعجوبة لم يهطل أي مطر حقيقي هنا منذ عدة سنوات. الله يقف إلى جانب العدالة.
: يفضّل العدالة من بين بناته.
: وضعت نظاماً خاصاً بي. ركزت على المجالات التي أستطيع أن أتحكم بها. هل تحب أن تعرف كيف؟
: في الحقيقة أحببت فقط ...
: سألت نفسي: ما هو أزعج الأمور بالنسبة لنا؟ الأوساخ؟ نعم. إلحاح الناس؟ أجل! عدم الدقة بالمواعيد؟ بالتأكيد. ف لذا عزمت على إزالة هذه المصائب. فرضت منطقةً محظورةً لا يجوز لأحد أن يطأها بقدميه. عليك أن تغفر لي قلة الأدب، ولكن قبول الاستثناءات يعبر عن ضعف. حاولت أن أفرض زياً رسمياً. لم يكن ذلك موجودًا من قبل البتة: زيّ للمدعين، زي للمدعى عليهم، وآخر للشهود. ولكن ذلك كان طموحاً يستحيل تحقيقه. فكرت في الأمر طويلاً، وتوصلت إلى خلاصة مفادها أن أصوات هؤلاء البشر تدفعني لليأس. تلك الجلبة الحادة الرنين التي توحي بأن الكلمات تتشكل بمحض الصدفة تجعلني أجن! لذلك حظرت الكلام، مهما كان.
: الكتبة الموجودون أمام الباب...
: أية عريضة يجب أن تقدم خطياً. لا يجوز الكلام في المحكمة. الحكم هو من ينطق. والصمت يسود هنا يومياً. أسعى لإفهام هؤلاء البشر مدى أهمية الحد من التحدُث.
: في القديم كان ...
: ولكن ذلك لم يكف! كان لا بد من محو إهمال المواعيد الدائم. ما أعظم هذه المهمة! كم من أشخاص فشلوا فيها من قبلي. أتعلم ماذا فعلت؟ فرضت نظاماً للوقت أعتبره أكبر إنجازتي على الإطلاق.
كان طرف لحية القاضي الهزيلة قد انزلق في المحبرة وهو يهز رأسه تأكيداً للكلام في وسط الجملة.
: نهارنا يتكون من أنصاف ساعات. أمنح لكل قضية ثلاث وعشرين دقيقة، فتبقى لي سبع دقائق لأستريح. سوف ترى بعد قليل، كيف سيحضر أصحاب القضية التالية في ميقاتهم المحدد بدقة "بيغ بين". ولو جاؤوا قبل الموعد أو بعده، لا أتناول قضيتهم، ولا يمكن أن يعترضوا على ذلك، بل عليهم أن يقفوا من جديد في نهاية الطابور!
كان طرف اللحية ما زال في المحبرة، وأخذ لون الحبر يمتد عبر الشعرات إلى أعلى. تشكلت شرايين زرقاء صغيرة، اقتربت من الذقن خصلةً تلو الأخرى.
: ربما اعتقدتَ أن هذه العصافير تهوم في عقلي؟
ضحك. كانت أسنانه مطلية بلون أزرق، وكذلك لسانه.
فكر ما شئت، ولكن تأكدْ من أنني على مستوى مهمتي أكثر من أية محكمة لعينة أخرى في هذا البلد اللعين. علي أن أستعد للقضية القادمة الآن.
تناول إضبارة من كومة صغيرة بجانب مقعده. رفعها إلى فمه ونفخ غباراً غير مرئي.
: الغبار في كل مكان. الكركم يفيد ضده إذا تداويت به يومياً. يجب أن تأخذه في المساء، مخلوطاً مع قليل من العسل، عندها لن يضرك الغبار بشيء. ابقَ هنا إن أردت، ولكني أخشى أن القضية ستكون مملة، بل مملة حتى الأعماق.
انهمك القاضي بدراسة الملفات من جديد، قبل أن يستطيع بورتن أن يودعه. شده الصبي من كمه وقاده إلى المخرج الخلفي في الطرف الآخر للقاعة. قبل أن يصلا إلى هناك خطر ببال بورتن سؤال ملح، فسأل بصوت اختلط مع الصدى:
: أيها السيد القاضي! ماذا كان هذا المبنى من قبل؟
بينما أفزعت كلماته العصافير تحت القبة، نظر القاضي إليه نظرة مستنكرة قائلاً:
: ضريح إسلامي. انصرف!

******

من الجزء الثاني: الجزيرة العربية

الحاج، المرزبانة وخاتم التحقيق

في طريق الحج عام 1853

كان يثير الانتباه إن سجل شيئاً على الورق. إذا أراد أن يتفادى الشكوك، كان يجب ألا يفاجئه أحد وهو يمسك القلم بيده. كان عليه أن ينسحب من أجل الكتابة. كان ذلك سهلاً في القاهرة، ولكن أثناء الرحلة قلما سنحت فرصة للانسحاب. لم يكن ملائماً أن يكتب بحضور أناس آخرين، لا سيما البدو، إلا إذا ادعى أنه يصوغ طالعاً أو تعويذة، إذ أن ذلك كان يُعتبر من ملكات درويش.
في البداية كان قد سجل ملاحظاته، العادية منها والسرية، باللغة الإنجليزية ولكن بحروف عربية. وكان قبل أن يدون انطباعاته في مفكرته يتأكد من أنّ أحدًا لا يراقبه . ولكن مع الوقت، وبعدما تأكد من مكانته وشعر أنه بمنأى عن تشكيك أحد فيه، بدأ يهمل هذا الإجراء الوقائي، فاتخذت خطوطه أشكالاً لاتينية، وبين حين وآخر سجل شيئاً في ضوء النهار من غير أن يلفت انتباه أحد، جالسًا على ظهر جمله، ومخبئاً قصاصة ورق في راحة يده.
: ماذا تكتب أيها الشيخ، هنا في وسط الصحراء؟
كان حامد قد ساق جمله من الخلف إلى عنده خلسةً.
: آه يا صديقي، إنني أدون دَيناً آخر، حتى لا نُحرَج في يوم القيامة.
فرد حامد، قبل أن يبتعد من جديد: رجل مثلك يجد في كل شيء منفعة ما.

******

(...)

ص 265

دوت طلقات. بدا الوادي الذي عبروه مؤهلاً لكمين على أكمل وجه.
: بدو، كلاب قذرة!
انحنى محمد، وردّ الشيخ عبد الله على إطلاق النار.
: كلا! صاح به الجمّال. إذا قتلنا أحداً من هؤلاء اللصوص، فستتحد القبيلة كلها ضدنا، وستهاجم القافلة قبل أن نصل المدينة، ما يعني هلاكنا جميعًا.
قال الشيخ: ولكنهم يطلقون النار علينا!
: لا تطلق النار إلا في الهواء، في الهواء فقط، لكي يسترنا الدخان قليلاً.
: اللعنة على هذا البلد! العدالة فيه مقلوبة!
وضع الشيخ أعيرةً جديدةً في سلاحه، وعاود إطلاق النار لكن من غير تصويب. بعد برهة انتهى دوي الطلقات. وصلوا إلى بلدة الشهداء. لقد خسروا بعض الجمال ودواب أخرى. ما أهزل هذه الغنيمة التي هُدرت من أجلها حيوات اثني عشر رجل، توجب دفنهم على عجل قبل أن يستطيعوا مواصلة الطريق.
?????
طالما كانت القافلة تتحرك لم يكن مضطرًا أن ينتبه إلى عتاده، إذ أن الجمّالين تولوا المسؤولية كاملةً. أما أثناء استراحات الليل فكان يتعين على كل واحد أن يحرس أغراضه الثمينة بنفسه، ولم يدم طويلاً إلى أن حصلت أولى حالات السطو على ممتلكاتهم. كان وراءها الجمالون أنفسهم: حرّاس في النهار، لصوص في الليل.
: كلاب أبناء كلاب!
أصر محمد أن يقوم هو بالنوبة الأولى.
: أرباب الجبن، آه، ألا تبّت أيديهم، ألا شلت أصابعهم!
بالشتائم تسلى محمد كيلا ينام.

******

(...)

ص 266

في المساء الثاني كان على الشيخ عبد الله أن يتولى نوبة الحراسة. فك ضماده. كانت آلامه شديدة، وأراد أن يضع جرحه الملتهب في النار. أو ربما كان لضماد رطب، إذا نقعه بأوراق الشاي، أن يخفف من آلامه. كان عليه أن يلهي نفسه بأية طريقة، وإن كان بسرد أسماء النجوم، فسماها بأسمائها اللاتينية في البداية، ومن ثم بالانجليزية. سوف يصلون إلى المدينة المنورة قريباً، تلك المدينة الأسطورة، مدينة الملجأ، التي تحميها الخرافات ومردة جبابرة وأمازونيات بحوافر ماعز وعمالقة أحدثوا في جنونهم انزياحات جيولوجية. وبعد وصوله إلى المدينة، وهي - كما يعلم الجميع - موطن كل ذوي دماثة ولطف، سوف يرى بأم عينه، إن كان ضريح النبي يحوم فوق الأرض حقاً. كان يحمل في المحفظة القرمزية اللون التي أهداها له الحاج علي بدلاً من مصحف صغير ساعةً وبوصلة ومطواة وبعض أقلام الرصاص. ولم يكن على المرء، إذا كان مجهزاً بأشياء كهذه، أن يخاف من المردة، بل، في أسوأ الأحوال، من البشر. تمشّى قليلاً ليريح رجليه. عندما جلس ثانيةً، أحس بألم في رجله يشبه طلقة نارية.
قام سعد. كان أرقاً. كان يقول: بعدما أؤدي كل مهامي سوف أشبع نوماً. حضّر شاياً وجلس بجانب الشيخ عبد الله. اكتفى بجملتين ليعلق على تلك الليلة الخالية من الأحداث. سأله الشيخ عبد الله إن كان يتشوق للعودة وللقاء الأحباء؟
: بلى أفرح، أفرح كثيراً، ولكن تلك الفرحة ستزول.
: لِمَ هذه الكآبة، يا سعد؟
أظل مسروراً لبضعة أسابيع، ولكن بعدها أشعر بقلق، إذ أتخيل أن الأعمال تناديني، فأندفع للرحيل.
: أنا أعرف، إنها متعة السفر، قال الشيخ عبد الله.
: نعم، لا بديل عن السفر، بالرغم من المتاعب. السفر يجعل قلبي يخفق. نحن فرسان بين محطات، وكُتب علينا أن نصل لننطلق من جديد.
وأضاف الشيخ عبد الله: وآمالنا الطويلة تمتد عبر عمرنا القصير.
: غداً سأكون في بيتي إن شاء الله العظيم المجيد، ولكن أنت يا شيخ أمامك طريق طويل. أحسدك. ما زال الوقت مبكراً، ألا تريد أن ترقد، دعني أنا أحرس عنك.

غفا الشيخ عبد الله وفكره منشغل بالقبة الخضراء. عندما استيقظ أدرك أن الانطلاق قد بدأ. فتح عينيه ورأى محمدًا وهو يمسك بمحفظته القرمزية اللون. لم يكن قد فتحها. أحس محمد بالنظرة المصوبة نحوه، وأدار رأسه ببطء. أمعنا النظر ببعضهما البعض. محمد، في حالة المباغتة تلك، قام بمحاولة متلعثمة للهروب من المأزق.
قال: لم أجد نسختي. المصحف. أثناء الصلاة في الفجر. لم أكن على يقين. على يقين من آية.
: في أية سورة يا صديقي العزيز، قد أستطيع أن أعاونك؟
: سورة التغابن.
: السورة الرابعة والستون؟
: لماذا تعد السور؟
: هذا مألوف عندنا في الهند. نحب الأرقام، لقد اخترعناها أصلاً.
: صحيح.
: ما هي الآية التي نسيتها؟
: يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن. هذه هي البداية
: أتريد أن تعرف البقية؟
: لا، أعرف البقية، ولكن الآية التي تليها لا أتذكرها بدقة، وأردت أن أتصفحها. أنا آسف أنني لم أستأذنك، كنتَ ما زلتَ نائماً.
: لا عليك، يا محمد، يشرفك أنك تريد أن تزيل جهلك فوراً. سأقول لك الآية التي لا تذكرها. أن تسمعها من شفاه صديق خير من أن تقرأها من ورقة، أليس كذلك؟ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير.
: صحيح، جزاك الله خيراً، كيف نسيتها؟
:لا تغتم. إنك حصيف بما فيه الكفاية. لو ناولتني من فضلك محفظتي. علينا أن نجمع أغراضنا، ستنطلق القافلة قريباً.

******

(...)

ص 269

ينتاب أصحابه القلق. بينما كانوا يجلسون على جمالهم بلا حراك من قبل ويندمجون مع دوابهم صبراً، تشرأبّ أعناقهم الآن نحو الشرق ويسوقون الجمال باتجاه الشمس التي تشرق في البعيد فوق سلسلة هضاب مألوفة. يخاطبه سعد من تلقاء نفسه لأول مرة: بستانه الصغير، التمور اللذيذة - تتحرك أصابع يده كأنها تمسك تمراً - سيقدمها له شخصياً، إنها ألذ من كل ما ذاقه طيلة حياته. لا يمكن تخيل الفكرة. لا تزال الدواب تتخبط في ضباب يحوم فوق الدبش. تبدو له الصخور لانهائية منذ أيام، بينما التلال الصدئة اللون كرصاصات قديمة تكثر، والمياه تندر. يبدو تخيُّل نخلة في خضم حمم البراكين هذا مثل كذبة غليظة. لا شيء يشير إلى زهرة الإسلام التي سوف تنبسط أمام عينيه قريباً، سوى قلق أصحابه. لقد انتابت القافلة حركة فجائية، وازدادت سرعتها وعلت الأصوات. بعض الفرسان ينطلقون إلى الأمام بطمأنينة، إذ لا خوف من غازٍ هنا، وهم قاب قوسين من مقصدهم. بقي صعود خفيف عبر وادٍ جاف، ثم أدراج سوداء منحوتة في البازلت، انتهاءً بفتحة صخرية في أعلى المرتفع.
: هذا شُعب الحج.
يمر منه عمر على ظهر جمله: بعد قليل سوف تشاهد يا شيخ ما كنت تتشوق إليه طيلة زمن. سوف تعشق الصحراء، بل الصحراء والعالم معاً!
يتوقف المسافرون فوق المرتفع، يقفزون من على جمالهم. يلاحظ تضاريس تجثو، يسمع صيحات عالية، عَلَمٌ من الغبطة يلوح فوق الأكمة بلون الأرجوان والذهب. يلحق بهم ليجد أمامه مائدة مستطيلة من حجر، عامرة بالبساتين والديار والأخضر اليانع والنخيل. إلى اليسار ترتفع كتلة صخرية شهباء، كما لو تشكلت من انهيار جبلي عظيم. حوله تعلو هتافات النصر، ويُمدح النبي كما لم يُمدح بشر من قبل. فليعش خالداً ما دامت النسمة الغربية تهب بِرِقّة فوق تلال نجد، وما دام البرق يضيء سماء الحجاز. حتى أشعة الشمس التي يرطبها الندى تبايعه! ورغم أنه يمعن النظر ولا يستطيع أن يعتبر المنظر خارقاً - فالبيوت هي بيوت عادية، والنخيل هو نخيل عادي - إلا أنه يود أن يشارك في الحماسة. لا يؤثر بهم ما هو ظاهر، بل الآيات التي يراها كل واحد منهم بعين قلبه. لا يرون تلك البلدة الصغيرة العادية، تلك الواحة الصغيرة وسط القفر، لا يرون "المدينة" كمدينة، بل يستوعبون عظمة الإيمان، المصدر، الأصل. هو أيضاً ينظر من فوق إلى المدينة المجيدة، وتعلو صيحاته كذلك بين الصخور، ورغم أنه لا يبكي بخلاف بعض الحجاج الآخرين، يعانق سعد بشدة ويغرق في ذراعي ذلك الرجل العملاق ويهمهم بكلمات شكر صادقة.
: أكبر سعادة في الدنيا، يقول سعد، أكبر سعادة في الدنيا!
يظل واقفاً على المرتفع لدقائق طويلة. واحد من كل. تحتضنه الأخوّة الاحتفالية بفعل منظر المدينة. لو سأله أحد الآن عن انتمائه، لنطق بالشهادة الأولى بكل صدق، بدون ذلك التحفظ الذي يخطر بباله بعد دقائق
: مهلاً، إنك لست منهم. لماذا تهلل؟ بلى، أنا منهم. عليك أن تراقب. أريد أن أشارك.
يواصل المسافرون السير، ينـزلون عبر المنحنيات، وتأخذ أنظاره تخترق السحر، تحلق فوق البلدة، تشرّحها، ويحفظ كل شيء: التضاريس. السور. المباني الكبيرة. البوابة المستطيلة "باب عنبري" التي سيدخلون المدينة منها. وعندما يستريح من المراقبة الصارمة يلاحظ أن حماسته قد غادرته.

(...)

ص 288

كان مهيئاً لكل احتمال، حتى أن يتم كشف أمره ويُقتل، ولكن لم يخطر بباله أبداً أنه سينبهر بما يراه. لا يقدر على مواصلة السير، يضطر على التوقف مرة بعد أخرى. لا شيء فيه يقاوم الشعور بالغبطة الذي بدأ ينتابه. حوله تتجلى العبادة في كل الوجوه. أمامه تنتصب فكرةٌ، الكعبة، فكرةٌ جلية ملموسة، مغطاة بقماش أسود كحجاب عروس، مزركشة بالذهب كأغنية حب. يا أسعد الليالي! يعيد نطق الجُمل الساحرة، يفهمها. يا عروس ليالي العمر، يا عذراء بين عذارى الزمن! دوامة الحُجّاج تنساب عكس اتجاه عقارب الساعة. الشيخ عبد الله هائج، وكأن شحنات أحلام العمر التي تتحقق في محيطه تمنحه طاقة. يسلّم نفسه للدوامة ليطوف حول المكعب الجامد/الراكد سبع مرات، كما يتعين عليه: ركضاً في البداية، على أطراف الدائرة تقريباً، ليس في الداخل، حيث يجمد الازدحام، كما ينبِّهه الدليل. يُفترض ألا ينظر أثناء ذلك إلى الكعبة، ذلك المركز غير المُدرَك، إلا أنه لا يستطيع أن يحيد النظر عنها. بعد ذلك، وهو قريب منها، حيث يستطيع أن يمس حجابها إذا مدّ ذراعه كبقية الحجاج، يشعر أنه يذوب في الازدحام، يعذبه هذا الشعور، إلى أن يكف عن مقاومته. التيار يحدد كل شيء: الاتجاه، والسرعة، والاستراحات التي يتم أثناءها التوقف لتلقي البركة المنبعثة من الحجر الأسود، وللهتاف بالبسملة والتكبير. بعد الطواف الأخير يندسّ في الزحام نحو الحجر - يساعده محمد في شق طريق - ينحني ما استطاع باتجاه الحجر اللامع، يلمسه، يفاجئه صغره، ذلك الحجر الذي يقال إنه كان مرة أبيض مثل الكلس، قبل أن يسوَّد أكثر فأكثر بفعل شفاه وأيادي المذنبين الكثيرة التي تقبله وتمسحه. الأسطورة تقدم تفسيراً يتلاءم مع حالته العاطفية؛ في المساء سوف يسجلها وسيدون افتراضه أن الحجر عبارة عن نيزك.
هو واحدٌ من كثر تدور أفكارهم وصلواتهم حول الكعبة. هو جزء من دائرة تتوسع إلى دوائر أخرى تمتد عبر مكة، عبر الصحراء ومحطاتها، لتصل إلى المدينة، والقاهرة، وإلى أبعد من ذلك، إلى كراتشي وبومباي، وما بعدها. حجر وقع في بحر البشرية، فوصلت حلقات أمواجه حتى أنأى أرض. لقد طاف سبع مرات، وأنجز الصلاة عند أثر قدم إبراهيم. يشرب ماءً من بئر زمزم. حجاج من الهند يهنئون بعضهم البعض، يضمونه في معانقاتهم. يُقِلّ الكلام. يراقبه محمد. إنها فكرة جميلة حتماً، أن يكون جميع البشر أخوة وأخوات. إلا أن شبهةً تبدأ تطوف حول الكعبة، وتتزايد مع كل دورة: إذا كان كل إنسان قريباً إلى نفسك، فمن الذي ستعتني به، على من ستشفق؟ قلب الإنسان وعاء محدود الاستيعاب، بينما الإلهي هو مبدأ لا يعرف القياس. لا يتلاءم الاثنان كثيراً. فجأة يشك في النهج الذي تعلنه الكعبة. يدير ظهره لإخوته ويشرب كوبًا ثانياً من ماء زمزم. لِمَ يجب أن يكون هناك مركز؟ من أجل الشمس؟ من أجل الملك؟ من أجل القلب؟ لقد قال الشيخ الهندوسي، عندما عوتب لأنه يوجه قدميه نحو مكة: قل لي أين الجهة التي لا يتواجد فيها الله؟ هذا ما كان في بال المخترِع، بل بالأحرى هذا ما كان يجب أن يكونه غير المخترَع، غير المخلوق. الشكل الظاهر ضروري لمن ينقصهم الخيال، لمن لا يستطيعون تصور ما هو حاضر في كل مكان، إلا منحوتاً في حجر، مزركشاً في قماش، ملقىً على شاشة.
طعم الماء كبريتي يميل للملوحة، لكنه لا ينضب. الماء وهب هذا المكان الحياة، وبالتالي أصبح جزءاً من أسطورته. لن يشربه ثانيةً إذا استطاع تجنب ذلك، خلافاً للرجل الواقف على الرصيف أمام الجامع والذي ينبهه إليه محمد. رجل مريض قد حلف يميناً بأنه سيشرب من ماء زمزم بما يكفل استعادته لصحته.
يسأل محمد: وماذا إذا لم يصح من جديد؟
الإجابة: سيكون سبب ذلك بالتأكيد أنه لم يقدر على شرب الماء بما فيه الكفاية.
كما سبق مراراً، ليس على يقين أيعيد هذا الولد ثرثرة أجداده أم أنه يسخر منهم؟
يضيف محمد: هناك الكثير من الحجاج ممن يرسلون من يجلب لهم جرادل من ماء زمزم إلى مكان إقامتهم، ليسكبوه على أجسادهم، لأنه يطهر قلوبهم كما يطهر أجسادهم. من الخارج إلى الداخل. نحن أهل مكة نفعل عكس ذلك.
شكوك الشيخ عبد الله تنمو مع كل خطوة يخطوها وهو يبتعد عن الكعبة.

******

ص 293

تبدو ألوان الصحراء ممحوة في النهار. والصحراء موجودة في مكة بالرغم من المباني العالية والأزقة الضيقة. لا تدوم فترة الانتقال بين النهار والليل طويلاً، حيث تعوض عودةُ ظلال الألوان المرء عن رتابة ضوء النهار. يبدو للشيخ عبد الله، الذي اختار لنفسه مكاناً مريحًا تحت الأعمدة، وكأن مروحة ملونة وقعت من جيب شبح يرتدي ملابس بيضاء حصراً. يندهش لظلال اللون الأبيض المختلفة التي يكتشفها فجأة في ثياب الإحرام. بعد قليل توقد المشاعل، يتألق الجامع الكبير وتسوَّد السماء شيئاً فشيئاً. الصلوات التي تحيط به تعديه. يريد هو أيضاً أن يتعمق في شيء ما، ولكنه حائر. أثناء تلاوته للقرآن يتعثر مرة بعد أخرى بأفكاره، بحثاً عن مغزى السورة. يحاول أن يصلي، لكنه يكف عن ذلك بعد قليل، إذ يتيقن من أنه لا يقبل الصلاة إلا كفعل جماعي. لا يستطيع أن يجبر نفسه على الصلاة منفرداً. ينهض ويبحث عن مرتفع ليطل منه على الكعبة من فوق رؤوس الحجيج الطائفين. إذا كان اللسان يرفض الصلاة، فسيصلي بعينيه. تظل البشرية تدور حول ما تعتقده النواة بالسرعة ذاتها، كأنها تقف على مخرطة خزف الله. بوسعه أن يتأمل هذا الدوران لساعات. يتخيله تارة حركة انخطاف أبدية، ورقصة عمياء تارة أخرى.
يحس أن هذا المكان احتضنه، فرش له مضجعاً، حرره من فخاخ ومصائد الحياة. انضم للإسلام أسرع مما توقع، تجاوز التوبة والتنسّك ودخل على الفور هذه الجنة. لم يوفق تقليد آخر في إيجاد لغة للتعبير عما لا يقال بهذه الدرجة من الجمال، بدءاً بتراتيل القرآن ووصولاً إلى أشعار كونيا وبغداد وشيراز ولاهور التي يتمنى أن يُدفن على سماعها. الإسلام يجرد الله من جميع الصفات، ويبدو له ذلك صحيحاً. يحرر الإنسان، لا يخُضعه للخطيئة الموروثة ويسلّمه للعقل. كغيره بالطبع لا يستطيع هذا التقليد أن يرقي الإنسان وأن يُنهض المنكسر. ولكنه يسمح بعيش أكثر اعتزازاً من المسيحية بما فيها من عبء الذنوب والامتناع عن الفرح. لو استطاع أن يؤمن بتفاصيل التقاليد - ليس ضرورياً أن يؤمن المرء بالمعتقدات العامة، ذلك هو قمة العرفان - ولو استطاع أن يقرر بحرية وأن يختار بحرية، لاختار الإسلام. ولكن لا يمكن ذلك، فالكثير يقف في طريق ذلك: قانون بلده، وشريعة الإسلام، وتحفظاته هو أيضاً. يؤسفه ذلك في لحظات كهذه. يستمتع بالجنة التي تحيط به، إلا أنه لا يُعقل افتراض حياة بعد الموت ولو بأحسن نية، ولا الحسابات التي يُزعم أن الله يقوم بها ليسكّن البشر جناته. كلا، الله كل شيء، والله لا شيء، ولكنه لا يعمل محاسباً.
?????
في ذلك المساء طلع هلال جديد فوق مكة. جلسا بالقرب من أثر قدم سيدنا إبراهيم.
: ما شعورك؟ سأله محمد.
فأجاب، وفقاً للمتوقع: إنها أسعد ولادة هلال جديد في عمري. قالها، ثم تأمل في كلماته واستنتج أن ما قاله لم يكن خطأ تماماً.
وأضاف لمسمع دليله الشاب الذي لن يكف عن ترقب خطأ يأتي منه: نسأل الله القدير العظيم أن يجعلنا ننطق بالشكر على نعمته وأن يوعينا كم وهبنَا من فضله جزاءً، وصولاً إلى قبولنا بالجنة ومكافأتنا بكرم أفعاله الخيّرة المألوف، وعونه ودعمه اللذين يكرمنا بهما.
: آمين، همهم محمد بخفر.
أغلق الشيخ عبد الله كتاب الأسئلة بعبارة آمين لفظها بعاطفة كبيرة، فحلقت في الهواء، كأنها حمامة من حمام مكة.
بعد ذلك، عندما ابتعد محمد ليشرب بعضًا من ماء زمزم، رسم الجامع، ثم قطع الورقة إلى قصاصات صغيرة كثيرة، ورقّمها ووضعها في محفظته.

*****

من الجزء الثالث: شرق إفريقيا

ص 321

في الذاكرة تبهت الكتابة...

سيدي مبارك بومباي - عام 1856

جزيرة زنجبار وقعت ضحية لمينائها. انفتحت الشِعاب أمامها كبوابة في حائط من مرجان. كان على الغرباء فقط أن يطووا شراعهم ويرفعوا علمهم. رُقّعت الأشرعة ورُبطت، إلى أن تبحر السفينة ثانية. كانت الأعلام ترفرف، إلى أن حل محلها غيرها. نُزّل لواء السلطان، وضحك سيدي مبارك بومباي الجالس في مكانه المعتاد ضحكة خفية، وكأنه يستهجن كل هذه الحماقات التي صادفته في حياته.
: كل شيء يغرق، قال صوت إلى يساره.
: لن يتغير شيء، عارضه صوت لشخص أكبر سناً إلى يمينه.
رُفع علم جديد على عجل كأنه إعلان: استقال الأحمر، وحلت محله أشعة شمس على شكل نصال أسهم تطير في سماء زرقاء، وإلى جانب ذلك، ربما تكريماً للسفن الثقيلة الكبيرة الراسية خارج الميناء، صليب أسود، هو لواء ذلك الحاكم الذي يسميه البيض قيصراً.
همهم العجوز: لا يجلس يومٌ حيث كان قد جلس آخر.
ودّع الرجالَ الذين شاركهم دهشتهم، وانسحب إلى أحياء المدينة القديمة التي كانت أزقتُها الضيقة تناقض ترحاب الشِعاب للغرباء.
من رسا في زنجبار لم يصل بعد إلى مقصده. تطلّب ذلك وقتاً، وافتقر البيض إليه. زال فضولهم قبل أن يفقدوا شهيتهم. كانت كفاءتهم على الرياح والأمواج أكثر من تقبلهم لمتاهة المباني. زحف العجوز بجانب مبانٍ مرجانية متكلسة وزاحمته أشباح هرعت في الأصيل. تجنب ازدحام سوق الملح واختصر طريقه بدخوله سوق اللحم الذي كان خالياً إلا من روائح كريهة. كانت الأزقة هنا أقل اكتظاظاً، وسلمت عليه أشباح آتية من أمام ومرت. وصل إلى مسجد حارته. سُمعت تلاوة سورة من أصوات متعددة من مدرسة قرآنية مجاورة. توقف العجوز واستند بيديه على حائط بيت. كان حجر الحائط مجعداً، وكان بارداً، كان مطَمئناً مثل وجه مألوف. أغمض عينيه. تلاوة سورة الإخلاص، خرير جميل، وعد أجوف: لا شيء يظل أبدياً، ولو غنت له أصوات أطفال. استدار العجوز ومشى في الزقاق المنحدر المؤدي إلى بيته. ظل يفكر ويبخل بالتحيات إلى أن وقف أمام باب مقوس كانت دفته اليسرى مفتوحة. سبحت أسماك بين أمواج على خشب الباب، نحتتها يد بإحكام وبهدوء غياب الرياح. كان الإطار مزخرفاً بنخيل، وعلى مستوى عيني حفيده الأصغر ازدهرت زهرة لوتس. مع كل سؤال سأله الصغير تفحص الباب من جديد. تدلت من القوس بعض قصاصات ورق غطتها زوجته بالأدعية كل صباح، كأنها لا تطمئنّ بأن الكلمات الجامدة المحفورة في الخشب كفيلة بإبعاد الجن. صاح العجوز من الخارج بطلبه إلى فناء الدار الذي اجتمع فيه من لم يكونوا على درجة من النقاء تسمح لهم بدخول الطابق الأول. جلس على المصطبة الملاصقة للحائط الخارجي للبيت. كان الوقت لا يزال مبكراً، سيأتي الأصدقاء فيما بعد، ولكنه لم يشعر بحاجة إلى أن يستلقي لغفوة قصيرة كما اعتاد ذلك قبل متاعب المساء. سيجلب له سليم بعض حليب جوز الهند بعد قليل. سيسحب حفيدَه الأصغر إلى عنده وسيستمتع بشقاوته فترة. ثم سيستلقي على المصطبة وسيرخي رأسه على المسند الحجري.

(...)

: السلام عليكم.
: وعليكم السلام
: هل الدنيا بخير؟
: إنها بخير، وليست بخير في آن.
: العائلة على ما يرام؟
: البيت عامر بالصحة.
: وعامر بالذهب؟
: عامر بالذهب والمرجان واللؤلؤ.
: وعامر بالسعادة؟
: هْم.
: مرحباً.
: مرحباً.
: لي رغبة في قهوة قوية.
: أهلاً بك.
: إن أعجبني طعمها فسأسر إليك ما علمت عن أمين صندوق السلطان.
: سيُمسح الغبار قريباً بعلم السلطان.
: لذلك قدم أمين الصندوق خدماته للوازنغو.
: هؤلاء لا يمكن إبهارهم بأصولك وحدها. ما يُعدّ لديهم هو ما تستطيع إنجازه.
: يحتاجون هم أيضاً إلى مصاصي دماء. فمن الذي له أهلية في ذلك أكثر من أمين الصندوق؟ من خدم الأولين سيخدم القادمين كذلك، وبصورة أفضل.
: إنك على حق، أسلِّم بذلك. ولكن اجلس أخيراً، وإلا اعتقد الناس أننا اختلفنا، وبالتالي سيصدّقون هراءك.
: أخلاقك تشرفك.
: إنها عادة قديمة لا أستطيع أن أتخلص منها بسهولة. فكرت في الأمر قبل قليل. لا تَقُل شيئاً الآن، لا تستعجل في مقاطعتي، لقد فكرت في ثقة الوازنغو بأنفسهم. قليلة كانت معرفتي لهم في البداية، قليلاً كان فهمي لهم. أما اليوم فعلقوا لنا عَلَمهم على أعلى مرتفعات الجزيرة. كان كل شيء في الرحلة الأولى مثل الوحي... آه، يا سليم، تعال يا صغيري، اجلس لدينا... وحْيٌ لم يأت مفاجئاً تماماً، لأن هذا كان ما جعلني أرافقهم، تلك الطمأنينة التي منحها لي ذلك الموزنغو الحنطي اللون منذ البداية، تلك الثقة بأنه يمكن الوصول إلى أي مكان بمعيته. فيما بعد فقط عرفت أنهم يحتاجوننا لكي يصلوا إلى هناك، ولكنهم كانوا مطمئنين. أتفهم هذا؟
: هل كنت تعرف جدتي آنذاك؟
: كلا، يا سليم، لم أكن أعرفها، ولكن صدقني: أنا لم أرحل كي أتعرف عليها. بل بدا لي أن أجدادي نادوا بي إلى البلد الذي أنا منه والذي لم أكن قد عدت إليه قط. كنت في عمرك تقريباً، يا عيني، عندما طاردوني وصادوني واختطفوني، كانوا عرباً ارتدوا ثياباً ثقيلة وحملوا بنادق مدوية. كنا قد سمعنا بهم من قبل، حذرونا منهم، ولكن هل تؤمن بوجود الجني الذي لم تصادفه أبداً؟ هل رأيت جنياً بعينك؟ ماذا ستفعل إذا هجم عليك يا نور عيني؟ لا تدري! انقضوا علينا أسرع من الموت، كانوا في كل مكان، أطلقوا النار ببنادقهم المدوية وهتفوا بأوامر أحرقت أذنيّ، أوامر جريحة اختلطت مع صرخات أمهاتنا وجداتنا وأخواتنا، أحرقت أذنيّ. إذا سمعتُ اليوم صرخة تشبه تلك الصرخات، إذا سمعت نحاسياً يصيح بخادمه، أو غواصاً يعود إلى بيته متعباً ومكشراً، أسمع كل شيء من جديد: كل صرخة، وأرى كل الأشياء من جديد، نعالنا التي تهرع إلى البحيرة، أجل، أرى نعل خوفي. من يدري لماذا بحثنا عن الأمان عند البحيرة بدل أن نختبئ في الغابة كما فعل غيرنا، كما أعتقد، إذ أنه فيما بعد، عندما أوقفونا في صفوف وأيدينا مقيدة بسلاسل إلى دعامة من خشب، كان بعض إخوتي غائبين، لم يكونوا معنا، وكانت تلك هي الفرحة الوحيدة التي أحسست بها. كنت في عمرك، كنتُ عصفوراً صغيراً يحط هنا أو هناك ولا يجب عليه أن يدرس في الكتّاب، ولا أن يجلس في فناء دار، بل يستطيع أن يقفز في الغابات والمروج ويسبح في البحيرة إذا كان هناك من ينتبه إلى التماسيح ويضرب الماء إذا اقتربت. ثم جاء اليوم الذي ارتدى قناع شخص مجهول والذي كُسرت فيه جناحاي وساقاي، بحيث لم أدر هل أنا أكثر من مجرد كتلة لحم تُسحب على الأرض الحارة؟ الأقنعة المجهولة تحدثت بلسان الكرابيج. يا حبيبي، أنت لا تعرف لسان الكرابيج، ولا حتى الهراوة، لأن والدك ينسى كل غضب بوجودك. أنت لا تعرف كيف يهينك الكرباج قبل أن يؤذيك، كيف يعاقبك قبل أن يهددك، كيف يقطع أحاسيسك، كيف يُركعك ويجعلك تتخبط إلى الأمام... تريد أن تقطع هذا اللسان، لكن أيدينا كانت مكبلة، وإذا استرحنا في الليل، إذ كان علينا أن نمشي ليلاً في أكثر من مرة، قُيدت أقدامنا أيضاً، وإذا نظرتَ اليوم، بعد ثلاثة أعمار، إلى معصمي جدك، هنا، رأيت الندوب الناتجة عن تلك الأيام التي مات فيها عمري الأول، هو طفولتي، وحياتي مع أجدادي وذوي القربى. لم ألتق بعد ذلك قط أحداً يعرف قريتي ويصلي لذات أجدادي، ولم ألتق من يجيد لغتي إلا بعد مواسم عديدة لهطول المطر.
كنت وحدي منذ ذلك اليوم. كان الليل هو الأقسى، ففي الليل كانت الضباع تحوم حولنا وكنا نسمعها، وسمعها أيضاً العرب، فرموا أحجاراً في الظلام، [...] ثم خلدوا للنوم آمنين إلى جانب النار، بينما صرخنا نحن، فصرخاتنا كانت سلاحنا الوحيد ضد الضباع التي أخذت تتشمم حولنا، وكانت سلاحاً ضعيفاً زادت من خوفنا، بينما الضباع تقترب أكثر. لا تتخيل يا صديقي كيف يصرخ الإنسان قبل أن يُعضّ وينقطع صوته، ثم تسمع ما لم تسمعه من قبل، ويفترض ألا تسمعه أبداً. لم نُطق أن ننظر في وجه الصباح الممزق، إخواننا لم يعودوا بشراً، تدلت شرائح لحم من أجسادهم، فطيس، وأشباحهم مشت على رؤوسها أو ضربت الأشجار مثل الصاعقة وشوهتها وشوهت كل من يمر منها. عندما وصلنا الساحل كنا ميتين، أشباحاً، ميتين أحياء، ميتين على أرجل حية، ميتين بعيون تشبه برخاوتها ثماراً عفنة. لم أشم البحر ولا عفن الطحالب، لم أسمع تلاطم الأمواج، لم أذق الهواء المالح... هنا، في هذه المدينة، في الساحة التي يبني الوازنغو فيها معبدهم اليوم، تم عرضي للبيع، ولم يشترني أحد إلا بعد ثلاث شموس لا ترحم، اشتراني رجل بانيان مقابل بضعة فلوس. أخذني إلى بيته، حيث أطعمني آخرون مثلي طعاماً، لم أستطع التحدث إليهم، وأروني مكاناً لأغتسل.
الرجل الذي استولى على عمري الثاني كان رجلاً نبيلاً لم تسمح له قوانينه القديمة بالتجارة بالحيوانات، كما منعته من أشياء أخرى كثيرة. كان يعيش وسط الكثير من القوانين غير المرئية من شأنها أن تحميه مثل السلك الذي علقناه نحن فوق بوابة فناء دارنا لنصون بيتنا من اللصوص، ولكن قوانينه كانت تحميه وتحبسه في آن، وكانت تسكت مثل نصّاب فُضح إذا اشترى إنساناً كأنه يشتري لحماً. كانت قوانينه تمنعه من التجارة بصدف الكاوري خوفاً من أن يسبب وفاة قوقعة، فالتزم بذلك، ولكنه تاجر بقرون وحيد القرن وبفرو فرس النهر وبالعاج، وانتهك بذلك قوانينه، ولكن إذا اشترى بشراً كان على حق لأن قوانينه كانت تسكت عن ذلك. على كل، هذا البانيان لم يبعني لغيره، ولم يتركني أكدح في مزرعة ما، بل أبقاني في بيته. شغّلني في عمل أعاد إلي قواي، وفي يوم من الأيام أخذني معه إلى مدينته الأصلية وراء البحر، كانت تبعد مسافة أيام كثيرة من الطعام اللزج والأحلام العفنة، وإذا أردتَ أن تعرف اسم تلك المدينة، يا جالب حظي، فعليك فقط أن تلفظ باسم جدك. لا، الاسم الآخر، الأخير! بوم-باي، نعم. يُحمد أجدادي على هذه البركة، ذلك الرجل الدمث بقوانينه الغريبة، فلولاه، لما جلست اليوم هنا على هذه المصطبة. أبحرنا في مركب شراعي كبير، ليس مثل هذه "المتيبه" التعيسة التي تعرفها أنت، ليس على أحد تلك القوارب التي تغادر إلى تنجانيقا، كلا، بل على سفينة كبيرة عظيمة فاخرة كانت تمتطي الأمواج...
: كأنها تملك كل خيول الدنيا.
: السلام عليكم، بابا إلياس. كنا في انتظارك.
: إذن، يا بابا إلياس، اخترعت خيولاً مائية؟
: السفن لا تمتطي الخيول، والخيول لا ترمح في البحر، ولكن يمكن قوله، وأنا أقوله، وآخرون يقدرون ذلك، إلا بابا إسماعيل الذي غطيت أذناه بالحديد. يحتاج المرء إلى مسامير بدل لسان لكي يصل إليه.
: إنك تجيد الحديث، يا بابا إلياس. يكاد يكون خسارة أنك لا تخطب خطبة الجمعة.
: يسترني الله من إغراءات كهذه!
: يغرينا بابا إلياس بكلماته أحياناً، إلا أن الكلمات لا تخضع لإرادته.
: ربما خضعَت ماما مبارك لإرادتنا وجلبت لي القهوة الموعودة؟
: ربما، ربما
: ألم تحزن يا جدي عندما فقدت اسمك؟
: أحزن؟ ولماذا يحزن بابا سيدي؟ إنه انتحل لنفسه اسماً جديداً ببساطة.

ترجمة: جونتر أورت

***********

Willkommen

Gesang auf einen weiteren Wal

Ilija Trojanow

Bring mich nach Hause, Fremder,
dein Ruder ist mein Grenzpapier.
Wenn Zweifel auftauchen
Kippt ein Mond ins unfruchtbare Land.

Wenn die Flut zurückpeitscht
Verknotet die Tochter des Admirals
ihr Haar im modrigen Gestank und hängt
die Wäsche der Matrosen an Perlenschnüren auf.

Wirf die Augenlider aus, Fremder.
Gewähr mir Zuflucht in deinem Leid.
Wo die Knochen zerschellen
Kriecht die Küste in ihr Gebet.

***********

Die Sonnenuhr des Sawai Jai Singh

Nach seiner Geburt
skizzierte der Astrologe des Hofes
die Zukunft des Zukünftigen.
Einfache Mittel sind genau.

Jai Singh, mit elf schon König,
wurde Astrologe. Mathematiker. Astronom.
Er las Ptolomeus
er las Euklid
er las Isaac Newton
und Mohammed Beg.

Er beschloß, die Sonne genauer zu messen
als je zuvor.

20 Sekunden schritten die ersten Schatten aus,
das war Jai Singh nicht genau genug.
Er ließ eine Treppe zu den Sternen bauen,
die erst ein Ende fand,
als sich im Reich kein Marmor mehr fand.
Tagsüber zerrann die Sonne im Sekundentakt,
nachts, im Schneidersitz, auf der letzten Stufe,
richtete er sein waches Auge
auf die vielen zurückgeworfenen Lichter.

Diese Uhr geht nach, genau um 11 Minuten,
sagt die Frau unter breiter Krempe und streckt Jai Singh
ihren blassen Arm hin.
Madame, die Sonne irrt nie.
Diese Zeit stimmt für den Fleck,
auf dem wir beide stehen.
Die Uhr, die sie tragen,
hierhin und dort,
stimmt überall,
und doch hier ist sie ungenau.

***********

Original German version:

Ilija Trojanow

Buchstaben

Dort, wo die Wege über alle Hügel zur Sonne führen, und auf dem Rückweg zum Mond, kamen Zeichen zur Schrift zusammen und eröffneten den Tanz. Meister des Tanzes war ein Mann mit unausschreiblichem Namen. Er ließ die Buchstaben wirbeln und staunte. Die Buchstaben waren ausgelasssen ernst, der Meister beobachtete aufmerksam, was sich aus diesem Augenblick unbegrenzter Möglichkeiten entwickeln würde. Doch in seine Gedanken hinein bliesen Priester zum Marsch. Die Buchstaben wurden zur Ordnung gerufen. Was zu erschaffen war, war geschafft; von nun an sollte Stillstand herrschen. Der Mann mit unausschreiblichem Namen wurde verbannt.

*****************

Welcome

Ilija Trojanow

The Sun Dial of Sawai Jai Singh

At his birth
the court astrologers sketched
a future for the future king.
Simple means are most exact.

Jai Singh, king at eleven,
became an astronomer.
A mathematician.
He read Ptolemy,
he read Euclid,
he read Isaac Newton
and Mohammed Ulug Beg.

He decided to measure the sun
more exactly than ever before.

The first shadows took steps of twenty seconds.
That was not good enough for Jai Singh.
He built a stairway to the stars,
that only ended,
when his kingdom ran out of marble.
Through the day the sun melted by seconds;
at night, cross-legged on the top-most step,
he pointed his watchful eye
towards the many lights thrown back at him.

This clock has fallen behind by eleven minutes,
says the woman from under her broad brim,
and stretches her pale arm out to Jai Singh.
Madam, the sun is never wrong.
The time is right for this spot,
where we stand together.
The watch that you wear
is correct wherever you go
but not here.

****

Ode to Another Whale

Carry me home, stranger,
your rudder is my passport.
When doubts surface
the moon breaks on barren land.

When the surf beats a hasty retreat
The admiral’s daughter ties
her hair with tang and hangs
the sailor’s laundry on necklaces of pearl.

Draw eyelids on reason, stranger,
give me refuge in your tear.
Where skeletons are scattered
the coast crawls out to pray.

****

Angkor Wat 1

South-western outer wall,23/05/2002

Let’s presume the artist
Carved leaves out of bark
And stuck them on trees,
Speared by the thrust of soldiers
Marching out of their lives.

The arteries of the leaves,
The scalpel edge of the spear –
Blood is never spilled on bas-reliefs.
Worshipping hands caress the calves,
The warriors saved from time’s disdain.

Angkor Wat 2

North-eastern outer wall, 23/05/2002

If you can imagine Eden
you will enter heaven.
All sculptors failed.
I am only inspired,
one of them confessed,
lifting a glass too many
in the after-hours of sold-out love,
when I bend down
to chisel away at hell.
The moment my foot
steps on the ladder
my fingers become numb.

Maitreya

Marble Mountain, 02/06/2002

Tell me what will happen.
A line drawn in curves
Turns to benediction,
Seamed with hawkers
On their own salvation franchise.

At the hour of right angles
A ray lights up the one,
Who is always steadfast
And his marble smile flutters
Over the whims of human limestone.

Overgrown

Ta Prohm, 22/05/2002

Green is the upper side of wet,
the sulphate shade of oblivion.

Who can decipher the doctrine
of tight nooks and parasitic syllables?

We will always feed on the past,
the exiled greenery proclaims.

The gods agree, of course,
the servants lose their heads.

They have misunderstood another order –
the niches are empty of diamonds and gold.

Terminal detachment rooted in stone.

Farsight

Tuí Sam, 26/05/2002

Fields of stubbornness.
Red socks drawn over fists,
the knuckles watered with pain.
Set the pace, swing the hoe.

Day of hats and hammocks,
of saturated colours with well-rounded hips.
If rain is your best bet,
what does plastic buddha do for you?

We will climb the mountain,
we will burn the sticks.
Should we take a picture?
After all, we are clicking into place.

Rudimentary

Prasat Kravan, 23/05/2002

The beginning:
Fear makes big cubes
And shapes blind as shelter.
Every word is a prayer by default,
Every god a patriarch in disguise.
 
Chronology:
After the surrender of evolution,
The temples feature categories,
Every stone has become a slave.
Infinity has been found wanting.

Killing Fields

Phnom Penh, 25/05/2002

Wan to see killing fields, mista?
I give you cheap, mista!
Dead cheap?
Wise crack no bone.
Play the numerology game.
One million? Must do better.
Study the entrails of a dumb dog.
Two million? Better than that.
Hold your moistened finger against the wind.
Three million? Convene a round table of seers.
Silence one better than shame.
Ok, let’s ride to the skulls.

In a school they gambled with the devil.
Another victory at hand,
he stood up, derision on his tongue:
You always let me win,
me, the most feeble of your excuses.

Afterwards, floating to the moon,
a voice of reason blew a fuse.
Wan to have lady massage, mista?
I give you cheap, mista!
Not as cheap as skulls, though.



One notch higher the poet speaks to mandarins

Temple of Literature, 08/06/2002

It was here
Underneath these beams
That the students surfaced for clarity
A well-worded page away from heaven.



Admitted to glory and concubines

Your name carved in blue

And carried to posterity by turtles
You might choose to forget:

There is but one character
For pain, for despair
And the melting footsteps
Of a retreating army.

Ode to Another Whale

Carry me home, stranger,
your rudder is my passport.
When doubts surface
the moon breaks on barren land.

When the surf beats a hasty retreat
The admiral’s daughter ties
her hair with tang and hangs
the sailor’s laundry on necklaces of pearl.

Draw eyelids on reason, stranger,
give me refuge in your tear.
Where skeletons are scattered
the coast crawls out to pray.

*****

The Nonsense Mantras of Our Times

What's the world like?
A flock of sheep.
One falls into the ditch,
the rest jump in.
-- Kabir

On TV screens across the globe, for more than two months now, the sheep have been jumping into the ditch without a bleat of protest. What's worse, they believe that's the way to go, the way of justice and salvation. Kabir's acerbic stanza accurately describes the debate in the mainstream media
following the events of September 11. Legions of experts and viewers have
committed themselves to an absurdly simplistic and Manichean account of the world, in which President Bush and his cast of international supporters are portrayed as God's good men, arrayed in battle against maniacal fiends in turbans, baggy robes and sandals, who threaten the world's sanity and security.

Within weeks, the debate on terrorism and global conflict has been reduced
to a mumbo-jumbo of self-justifying mantras, which have instantly become
axiomatic. Foremost among these is the infamous "clash of civilisations"
hypothesis most often associated with a certain Samuel Huntington, but which has a genealogy of its own, leading back to such justifications of
imperialism as Arnold Toynbee's schema of antagonistic civilisational blocs.

The Toynbee-Huntington vision emphasises the fault-lines among "eight or
nine" cultural-political blocs arbitrarily defined as 'civilisations', and
seen to exist in a state of conflict based on profoundly distinct cultural
values. In Huntington's view, the great clash of our times, which takes the
place of the Cold War face-off between the USA and the USSR, is that between Islam and the West. After September 11, he has popularly and uncritically been hailed as the prophet of the age.

The truth is somewhat less dramatic, if no less violent, and has more to do
with fundamental differentials of economic and political power than with
fundamental cultural differences. Civilisations, as the proper scrutiny of
historical evidence would show, are marvellous hybrids: they have never been pure, self-consistent entities. Historically, they have evolved through
exchange and synthesis, through the encounter of different races, religions
and philosophies. What is of interest, in the study of civilisations, is not
the differences that hold people apart, but the heritage that people are
able to share across borders.

A more tenable view than the "clash of civilisations" is that the
battle-lines run through societies, not between civilisations or
nation-states. A US pacifist, who believes in the necessity of social
justice, is worlds apart from an American investment banker, whose clients
include Lockheed and Unocal, and who believes that each man is master of his own destiny. An urbane West European, who practises yoga, has a deeply informed interest in African art, listens to reggae, and travels the world in search of cultural inspiration, is equidistant from both the West
European skinhead and the Bajrang Dal storm-trooper.

Has there ever really been a clash of civilisations? Did Venice and the
Ottoman Empire clash because of differences in their interpretation of
Abraham's decisions, or because they were locked in a struggle for control
over the Mediterranean maritime trade? And why, throughout the Mughal and colonial periods in India, did both elite and subaltern-resistance movements comprise coalitions of Hindus and Muslims, if Hinduism and Islam are fundamentally irreconcilable? Huntington's theory cannot explain why the Rajputs supported the Mughals, why Akbar created a culture of
multi-religious dialogue and understanding, why some of Aurangzeb's
highest-ranking military commanders were Hindu, why the sanyasin-fakir
resistance movement against the East India Company embodied an alliance of Hindu and Muslim ascetic-warriors, and why the Indian National Congress comprised the enlightened leadership of the Hindu and the Muslim communities.

Civilisation can never be defined in absolute and static terms. It is a
fragile construct: a constant process of self-evaluation rather than a
stable cultural structure. And once it tears apart under economic or
political strain, it can quickly uncover the most terrifying barbarism. No
one has depicted this syndrome more poignantly than Joseph Conrad in Heart of Darkness; the most enduring and unfortunate example of this syndrome is the rise of Nazism from the rich soil of German culture.

Unfortunately, the assumptions of the West, which are based on binary
models, continue to be projected upon the former colonised world, often with the devastating effect of the self-fulfilling prophecy. The worst example of this tendency may be summed up as the 'principle of ethnicity as the basis of political conflict'. Put to excellent use by the Western powers in such situations of conflict as Lebanon and Rwanda, this principle has most
recently been introduced into the Afghanistan debate, immediately following the flight of the Taliban regime from Kabul and the entry of the Northern Alliance into the Afghan capital. For the notion of the tribe is accompanied by the stereotypes of primitive, tribal behaviour: barely had the Northern Alliance marched into Kabul, when the Western media came abuzz with loose talk of 'revenge killings' and 'warlordism' (the US Air Force's killing of Afghan civilians is not, apparently, to be categorised under the former rubric; and the strategists at the Pentagon, calibrating the precise degree of offensive force, are not warlords, since neither Powell and Rice favours turbans).

As has been well established, 'tribes' were often invented by
anthropologists ranging unfamiliar terrain driven by a classificatory mania.
Never mind that the identities on the ground were often shifting in
character, language defining one affiliation, clan system a second,
religious sect a third, and political allegiance a fourth. Also, identities
and allegiances could change, leaving the already inaccurate taxonomy
further behind; but the so-called tribal differences, once established by
the Western knowledge system, were exploited by the Western power system through the honourable imperialist formula: Divide and rule!

Until the Soviet occupation, ethnicity played a minor role in the modern
Afghan consciousness. After 1978, however, the foreign powers which
interfered in Afghanistan (and kept the civil war going) raised and
supported militias that were organised on ethnic lines. Within this scheme,
the success of the Taliban was due only to the fact of a vacuum in Pashtun
representation. Nevertheless, Kabul's Pashtun population has welcomed the predominantly Tajik and Uzbek Northern Alliance troops. Should the foreign powers continue to insist on bizarre ethno-federalist structures with quotas, veto rights and reservation proportional to clout in the
post-Taliban scenario, this would spell disaster for Afghanistan's future.

There will always be forces that will instrumentalise differences. What is
needed is a vision of unity, a vision of what the Afghan people really need
to invent themselves out of and beyond the quagmire in which they have been thrust by superpower politics and the cynical power-games of regional powers.

It's Religion, Stupid!

The current debate proceeds from broad, unquestioned certainties about the
nature and history of Islam, certainties that are as dogmatic as the
supposed dogmas that they oppose. This critique-by-media of Islam proceeds
on the basis of certain 'core Western values', founded on the principles of
the Enlightenment, that are assumed to lie at the base of all civilised
discourse. Interpreted correctly, these core Western values enshrine the
method of radical doubt, which is central to Enlightenment discourse, all
the way from Spinoza and Descartes to Derrida and Foucault. This method
helps us to unmask religion as ideology, to examine the overt practices and
concealed motives of ideology, the manner in which it masks a power
structure and the interests of a dominant class. Unfortunately, the current
rhetoric of the West -- in government and media -- proceeds in complete
contravention of this heritage.

The academic gurus are no better. According to Francis Fukuyama, "Islam is
the only cultural system that regularly seems to produce people like bin
Laden or the Taliban, who reject modernity lock, stock and barrel." As a
matter of fact, it is precisely the lock, stock and barrel of modernity that
Islamic extremism has taken up, since military technology was the aspect of
Western civilisation that the colonialists exported most vigorously (read,
for example, T. E. Lawrence's classic of romantic-Orientalist autobiography,
The Seven Pillars of Wisdom). Even today the West blesses the world with
lock, stock and barrel worth billions of dollars. Consider, also, the
various unexamined axioms built into this ill-fated sentence.

"The only cultural system?" Three decades ago, such irrational violence was
believed to be the monopoly of the Vietcong, who then yielded place to the
Khmer Rouge. Were the Vietcong and the Khmer Rouge closet believers in the
Word of Allah? Has North Korea, regarded by US leaders through the 1990s as
the major scourge of humankind, fallen under the influence of the mullahs?
"Regularly produces people like bin Laden"? How many bin Ladens have the 1.2
billion Moslems produced? 50? Or 500? And to blame Islam for the disaster in
Afghanistan, a country repeatedly abused by Britain, the Soviet Union and
the USA, is to indulge in despicable cynicism.

Western Values, and the US as their Guardian

Instead of scrupulous attention to the historical record and the application
of the core Western values, then, the Western media offer us nonsensical
mantras that, by repetition, have acquired the air of spiritual truths. Paul
Pillar's formulation, in his Terrorism and U.S. Foreign Policy, sums these
up briskly: "The longevity of the principles (of US counter-terrorist
policy) attest to their firm grounding in an American political, moral, and
legal tradition that places high value on the rule of law and on the idea
that malevolence should be punished." To point out that this sentence has no
relation to reality would be an offence to the intelligence of the reader.

Malevolence should be punished? The USA has consistently supported states
that sponsor terrorism, and has itself committed acts of terrorism -- for
instance, the Contra war against Nicaragua, as a result of which the US
government was tried, found guilty and mandated to pay substantial
reparations by the International Court, The Hague. But since the law is only
respected if it reaches a verdict in the bully's favour, the USA didn't part
with a dime.

The rule of law? Once in a while, the truth shines through in an article or
a statement:: "If we are hamstrung by absolutist definitions of friend and
foe, and democracy and dictatorship, our chances of victory will the
diminished" (Robert D. Kaplan, in the New York Times). This is refreshingly
honest, by comparison with the (oxy)moronic euphemisms of the propaganda
machine (Stanley Hoffmann, writing in the New York Review of Books, praises
the "benign US hegemony").

As for free speech, a central tenet of the Western value system,
Washington's approach to the fair reporting of the war has been to ask the
Emir of Qatar to curb Al Jazeera, the only free TV channel in the Arab
world. The Emir, wily Oriental that he no doubt is, took refuge in the Fifth
Amendment!

In other words: One rule for the West, another for the others. This
illiberal attitude within the liberal tradition goes back to J S Mill, that
fountainhead of European liberalism who opposed the idea of
self-determination for the world's colonised peoples. This colonialist
ideology has not yet been eradicated from the Western mind, and though we
have achieved a sort of globalism in terms of mass communications and trade,
we are still a long way from evolving a global ethics, that would guide the
relations among nations and peoples. Without being as ambitious as the
Advaita, we would have achieved a great change if every human life could be
held to have the same and equal value.

The Illusion of a "Safe and Comfortable World"

The worst genocide in recent times took place in Rwanda, and left close to a
million people dead. UN peacekeepers pulled out; the complicity of France in
supporting and arming the mass murderers became clear. But there was hardly
a ripple of public disquiet, as the radical artist Alfredo Jaar chillingly
demonstrates in his elegiac installations, 'Let There Be Light' and 'The
Eyes of Gutete Emerita'. These installations are situated within a
performance during which Jaar flashes a sequence of US magazine covers and
narrates, in parallel, the events taking place Rwanda in the same weeks.
While the numbers of those butchered rises, and the nature of the slaughter
becomes more and more feral, Time and Business week continue to put other,
more US-centric matters on their covers. The genocide might well have been
unfolding on another planet.

No minutes of silence were maintained for the victims of the Rwandan
genocide; no candlelight vigils were held in their memory, no
celebrity-endorsed prayer meetings were convened. On the contrary, the
shameful involvement of functionaries of the Roman Catholic Church in the
genocide was glossed over: no commentator was inspired to publish vicious
diatribes against Christianity as a cultural system that regularly breeds
blood-thirsty maniacs. But let's not forget that we are only talking of a
million dead blacks. There have been worse times, but hardly more
hypocritical ones.

As against the complete global and certainly Western apathy towards the one
million victims of the Rwandan genocide, September 11 is seen as epochal and
apocalyptic for the whole world. The emphasis is on the supposedly sudden
burst of dramatic violence into the lives of an otherwise happy and
peaceable America.

The blissful ignorance or deliberate self-delusion of the Western elites is
eloquently, if also comically, illustrated by the Tory MP Bernard Jenkins'
view from the charmingly pastoral locale of North Essex: The events of
September 11, in the worthy MP's opinion, "shattered the illusion of a safe
and comfortable world." On the other hand a journalist in Bihar wrote, a few
days after the attacks on New York, that such horrors would hardly make an
impression on a Bihari, who has to endure murder and terror on a daily
basis. The world is, in reality, far more similar to Bihar than it is to New
York or North Essex, and the last few decades have witnessed an increasing
global Biharisation.

Not only are we speaking of increased violence in the Third World, but we
also refer to the routine violence of American life. George Bush, in his
address to the nation on 7 October, bravely asserted that "we defend... the
freedom of people everywhere to live and raise their children free from
fear". This sentiment does not cover even the inner cities of his own
country, the Bihars within the USA.

In fact, the only novel feature about the 11 September kamikaze attacks is
that, for the first time, people from the world's powerless hinterlands have
struck at the very heart of the imperium, shattering the myth of the
invincibility of the continental USA.

War on Terror -- War or Terror?

The definition of terrorism is conspicuous by its absence. If terrorism is
an attack on civilians or civilian objects with the intent to terrorise the
people or the government, then the war on terror should be a war on the
whole world order, a system of permanent terror for three-quarters of
mankind. By distinguishing between State and non-State terror, the main
culprits are left out, and by differentiating between "our friends and our
foes", it is narrowed down to a ridiculous proportion: bin Laden, the
Taliban and Saddam Hussein. In the cartoon-strip style of argument pursued
by the Western powers, these isolated figures are the chief proponents of
terror, promulgators of violent manifestos and makers of catastrophic
weapons.

On the other hand, as some clear-sighted commentators have pointed out, the
USA has supported (and continues to support) states like Pakistan and Saudi
Arabia, who are probably more to blame for the attacks on New York than the
Taliban. And what about the ongoing direct involvement of the "coalition
against terror" in terror? There are an estimated 500 million small arms and
light weapons in the world, and they have killed 2 million children in the
last decade of the 20th century, according to UNICEF estimates. And these
killing-machines are produced mainly by the states that are permanent
members of the Security Council and enjoy the absurd privilege of a veto.
The same global powers, individually or jointly, block all initiatives
against weapons and war -- most recently, for instance, the international
agreement on land-mines. Surely the production and sale of weaponry for the
purpose of profit qualifies as complicity in terrorism? You don't have to be
a fanatic to be a murderer: the military-industrial complex is governed by
suave, pleasant men actuated by family values, men who keep their eyes
focused on spreadsheets rather than manifestos.

The definition of terrorism is kept unclear, not only because the phenomenon
covers a multiplicity of changing approaches and contexts, but because such
a lack of clarity leaves states a free hand to deal with opposing forces. We
see here a shifting game of legitimising self-interest; there is no moral
focus to the debate over war and terrorism. There has, in fact, been little
moral development since antiquity, despite the persistent talk of Western
values. The reality has been aptly described by Thucydides: "They that have
odds of power exact as much as they can, and the weak yield to such
conditions as they can get." The fashionable argument of the 'just war' is
nothing more than an effort at masking this truth.

A just war would assume a consistency in dealing with the "evil". When some
murderers get punished and others get to enjoy the beaches of Florida, how
can we take justice seriously? Not to speak of the death of civilians, which
the last 'just war' against Iraq took into account so blithely. Such deaths
are c