لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

نازك الملائكة، قضية الشعر العربي المعاصر

ملف السفير

الكاهنة

شوقي بغدادي
(سوريا)

أبداً، لا نتعود على الموت. يظل مفاجأة باستمرار، حتى ولو كان الشخص العزيز على فراش المرض القاتل منذ سنوات فكيف إذا كان اسمه نازك الملائكة؟!.
يغدو الموت جريمة حين يقترب من مثل هذه الأسماء اللطيفة التي كانت تعزّينا بصوتها الرقيق المرتعش، من لذة الشعر أن بؤسنا ليس ثقيلا الى الحد الذي كنا نتصوره ما دام هناك شعر مُنعش الى هذا الحد الخارق.
أذكرها الآن بكل جوارحي. منذ ستين عاماً وأنا في ريعان العمر أقارب ما يهب على البلاد من نسمات شرقية آتية من صوب العراق، لم يكن يدهشني اسم مثل اسم نازك الملائكة. كان لجيلنا من المؤمنين بآلهة الشِعر ان هذا الاسم أشبه ما يكون لكاهنة بُعثت حية في معبد سومري عتيق، جاءت كي تعلمنا صلوات الحب، والجمال والحزن، وبالتالي الفرح بالحياة وأن فيها محطات استراحة بهذه الروعة تأخذنا إليها كلما ضاقت بنا سُبل العيش.
وازداد إيماني بها أعمق فأعمق حين اجتمعت بها عام 1957 في مؤتمر الأدباء العرب في القاهرة. وكنا معا نزلاء في فندق واحد اسمه على ما أذكر سميراميس على شاطئ النيل.
كانت لا تتكلم كثيراً، فإذا فعلت ارتعش جسدها مع كل كلمة كانت تنطق بها، فإذا بالحاضرين يصمتون لا لشيء سوى أنهم شعروا أنهم فقدوا القدرة على الكلام أمام كاهنة الحب والشِعر. وحين كان يأتي دورهن للإلقاء في مهرجان الشعر كانت تبدو كمن يوشك ان يتحول الى طيف يهم بالطيران بعيداً، غير أنه يبدو في الوقت ذاته مرتعدا كأنه فرخ في تجربته الأولى للطيران.
لم يكن بين الحاضرين، نساء ورجالاً، امرأة من هذا النوع العجيب. كنا جميعا نبدو عاديين إلا في ساعات معينة متوهجة بنيران الشِعر، إلا نازك فقد كانت تبدو باستمرار امرأة غير عادية في جلوسها، وحريتها، وحركاتها، وعلى الكلام أو في مرابع التسلية التي كانوا يأخذونها إليها أحيانا.
أين هي نازك؟... هكذا كان أصحابها يسألون كلما غابت، فإذا حضرت سكتوا كأن كل شيء قد حضر معها.
لم يكن شِعرها وحده السبب في حضورها الرهيف وإنما في الهالة التي كانت تحيط بشخصها. وحين كنا نتناقش في أمور الشِعر كانت تصغي طويلا، فإذا شاركت بدا أن ليس ثمة مشكلة نختلف حولها ما دام هناك امرأة مؤمنة بما تقوله الى هذا الحد.
ماتت إذن نازك الملائكة. فماذا على الملائكة ان يصنعوا الآن كي يقنعوني ان الدنيا بخير، وأن الشعر العربي في صحة جيدة، وأنه ما يزال ديوان العرب؟!
ليكن الله في عوننا كي نتعود على مواجهة الركاكة والغثاثة قبل ان يلتحق من تبقى من رموز الجمال وهم قلة بنازك الملائكة...

***

تأنيث الحداثة

شوقي بزيع
(لبنان)

ندر أن تحدث أحد عن الحداثة الشعرية العربية إلا وكان الحديث مقروناً بأسماء العراقيين الثلاثة: نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي. فعلى يدي هذا الثالوث الريادي والتأسيسي تمكنت قصيدة الشعر الحر من ان تتبلور وتتطور وترسخ حضورها في ساحة الشعر العربي التي ظلت طوال خمسة عشر قرناً من الزمن حكراً على العمود الخليلي باستثناء بعض التجارب الوزنية المغايرة في الجاهلية والأندلس. وإذا كان البياتي قد تأخر قليلاً عن الملائكة والسياب فإن ما يجمعه بهما ليس فقط التواريخ المتقاربة للولادة والنشر بل كونهم جميعاً، إضافة الى لميعة عباس عمارة، قد درسوا في معهد المعلمين العالي وتخرجوا منه. وهي ظاهرة تستحق الالتفات إليها من قبل الدارسين والنقاد، وخاصة ان الأمر نفسه قد حدث في بيروت فيما بعد، بحيث ان القسم الأوفر من شعراء السبعينيات في لبنان هم من متخرجي هذا المعهد.
اتفق الدارسون جميعهم على تأخر البياتي عن زميليه في الشعر والدراسة، لكنهم لم يتفقوا على رأي واحد بالنسبة لأسبقية نازك أو السياب في نشر أول قصيدة خارجة عن مألوف الشعر العربي. ويبدو ان شاعرة «قراءة الموجة» «وشجرة القمر» قد اهتمت كثيراً بهذا الشأن الذي يعني لها الكثير في ظل سيطرة الرجل وهيمنته الكاملة على السياسة والاجتماع ونظام القيم، كما على اللغة والإبداع. ولذلك فهي تجانب الحذر والخجل، المعروفين عنها على الصعيد الاجتماعي والسلوكي، وتعلن في كتابها النقدي المتميز «قضايا الشعر المعاصر» ان قصيدتها «الكوليرا»، التي كتبتها حول الوباء الفتاك الذي ضرب مصر، هي أول قصيدة عربية مكتوبة وفق نظام التفعيلات الحرة والمتنوعة لا وفق نظام الشطرين. فالقصيدة وفق نازك قد نشرت في بغداد بتاريخ 1/12/1947 في حين ان ديوان السياب الأول «أزهار ذابلة» قد صدر بعد هذا التاريخ بأسبوعين اثنين متضمناً قصيدته الحرة الأولى «هل كان حباً؟». ومع ذلك فإن السياب قد ذيّل قصيدته المذكورة بتاريخ سابق هو 29/11/,1946 ما يعني ان سنة كاملة تفصل بين القصيدتين.
إلا أن السبق الزمني، على أهميته، ليس هو المعيار الحاسم في تحديد قامات الشعراء وعطاءاتهم. لا بل إن هذه الأهمية تتضاءل كثيرا اذا ظلت المحاولة في إطار المصادفة العارضة أو التجريب المحض ولم تكن جزءا من مشروع حداثي أو تصور مغاير للعالم. وما يلفت النظر في هذا الإطار هو ان نازك في كتابها النقدي الصادر في منتصف الخمسينيات تذهب الى القول بأنها لم تكن أول من كتب القصيدة الحرة بل ثمة من سبقها الى هذا النوع من الكتابة بسنوات عديدة. ومن بين هؤلاء المصريون بديع حقي ولويس عوض وعلي أحمد باكثير. لكن الذي سبق الجميع في رأيها هو العراقي احمد مطلوب الذي نشر قصيدته الحرة «النظم الطليق» عام 1921م. ومع ذلك فإن السجال حول ريادة الشعر الحر لم يظل دائماً في سياقه النقدي الصرف بل كانت تداخله أحيانا النعرات العربية القطرية، بحيث يرى بعض اللبنانيين ان هذه الريادة تعود إليهم بالذات عبر نصوص حرة لجبران خليل جبران وأمين الريحاني. دون ان نغفل مزاعم الشاعر اللبناني الراحل فؤاد الخشن من ان قصيدته «سوار الياسمين» المؤرخة عام 1944م. هي أول قصيدة شعرية حرة.
لا تجافي نازك الملائكة الحقيقة كثيراً حين تربط الحداثة بالمشروع والوعي والدعوة، وإن كان الأمر لا يأتي بناء على النوايا الطيبة أو على التعسف والافتعال بل نتيجة لتغيرات الواقع وانسداد أفقه ولقلق الإنسان وحاجته الملحة الى كسر النمط وهتك المحظور وركوب المغامرة. وتتجلى هذه المغامرة في مواقع عدة من دواوين الشاعرة التي تعلن حينا «نسير ولا نستطيع الوصول»، وتعلن حينا آخر:
«سأحلم بالزائر المستحيل الذي لم يجئ». وفي كلتا الحالتين تصيب نازك كبد الحداثة التي هي في جوهرها إصغاء عميق لنداءات المجهول ولبناء يوتوبيا إنسانية جديدة تكون بديلاً افتراضياً عن تلك التي خسرناها.
على ان أهم ما في محاولة نازك الملائكة الجريئة يتمثل في قدرة المرأة العربية على استعادة الزمام من يد الرجل وفي كسر الغلبة الذكورية التي كانت تربط دائماً بين الشعرية وبين الفحولة، وفق ما ذهب إليه الناقد السعودي عبد الله الغذامي. كما ان ثمة دلالات رمزية لافتة لمشاركة نازك في التأسيس الثاني للحساسية الشعرية العربية بعد ان أسهمت الخنساء في التأسيس الأول. وفي رأيي ان الشاعرة التي عاشت في نهاية حياتها، متوارية وشبه منسية، في القاهرة قد تعرضت الى ظلم فادح بعد ان اتهمت زوراً بالارتداد الكامل عن الحداثة، في عملية تماه قاسية بين الردة الإبداعية والردة الدينية. والحقيقة أن من يقرأ كتابها النقدي وآراءها المختلفة لا يتلمس أي شكل من أشكال الردة بل يتحسس خوفاً على الحداثة بعد ان تعرضت للتسيب والفوضى والاستباحة، من جهة، وللنمطية والرتابة والمحاكاة الفارغة من جهة أخرى. ومثل هذه الآراء لا تستحق الرجم بأي حال بل إننا جميعاً مدعوون الى تأملها ومناقشتها بعمق بعد مرور ستين عاماً على قصيدة «الكوليرا» وبعد ان أصبحت الشاعرة نفسها في عهدة الموت.

***

في الإسم شيء من المعنى

قاسم حداد
(البحرين)

سوف أظل أحب نازك الملائكة بوصفها الرمز الشعري لحركة لا تزال فعالية قابلة للتأويل، أقول التأويل وليس التفسير، تفادياً لتفريط حاصل لشعرية الحركة التي لا نزال نتمرغ بغابة عطاياها دون أن نبرأ من مخرجاتها السطحية.
سأحب نازك الملائكة لأن ثمة إشارة شعرية منحني إياها اسمها الشعري الفاتن: (نازك الملائكة).
تعودت أن أصادف في اللغة إشاراتها الرمزية الغامضة قبل أن أخضع لجاهزية معطياتها الذهنية المباشرة.
وقتها، يوم كنا في ستينيات القرن الماضي، كان كل شيء مرتبطاً بالحلم الصادق لسعينا، حلم رومانسي يبدأ من الحب ويعلو عند شهوة تغيير العالم، ويجد تمثله الجميل في الشعر.
لذلك وجدت في اسم نازك الملائكة ما يمنح ولعي بالشعر وأحلام التجديد الشعرية حديقة غنية بالدلالات، فاسم مثل (نازك /الملائكة) لا بد له أن ينتمي للفعل الكوني الخارق من جهة: نازك، وبراءة العمق الروحاني من جهة ثانية: ملائكة.
وإذا كنت أحببت نازك بدءاً من اسمها، فلأن هذا سوف يستقيم، لاحقاً، مع قناعة اكتسبتها من تجربة الحياة والشعر، بأن الشعر ليس فحسب في القصيدة، لكنه سوف يتمثل دائما في الفعل الإنساني اليومي المستمر في الحياة. حيث ستصبح تفاصيل الحياة هي بمثابة الدليل الحي على كوننا شعراء، حتى الذين لا يكتبون الشعر (في القصيدة) يمكن أن نصادفهم شعراء يغنون حياتنا الإنسانية.
لذا سوف اشعر الآن، وأنا أفقد نازك الملائكة، أن أحداً منا يجب ألا يفرط في جمال الدلالات التي تمنحنا إياها الأسماء، ففي التسمية شيء من المعنى.
فربما يسعفنا هذا الالتفات إلى فسحة رحيمة نحتاجها لكي نتمرن على الإصغاء لأصوات أرواحنا، ونحسن الحوار فيما بيننا، انطلاقاً من موسيقى الأسماء في أرواحنا.
الآن،
أي نيزك سوف يحمل ملاكاً شعرياً إلى ملائكة ينتظرون؟

***

الدور التأسيسي وهمّ المراجعة

جودت فخر الدين
(لبنان)

يصعب علينا أن نتجاهل نازك الملائكة إذا أجرينا الحديث على انطلاقة الحركة الشعرية العربية منتصف القرن المنصرم. وأما تقويم شعرها، فمن شأنه ان يضعنا في موقف حذر، أو لنقل في موقف حساس يتطلب منا قدراً كبيراً من الدقة والموضوعية، ولكن، في أية حال، كانت نازك الملائكة جزءاً من الاندفاعة الجريئة التي قتلها الأوائل من شعراء الحداثة إزاء القصيدة العمودية، أو بالأحرى إزاء التقاليد الشعرية الموروثة.
لقد تمثلت بدايات الشعر العربي الحديث بنازك الملائكة، كما تمثلت ببدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي... وغيرهما. ولكن بعد هذه البدايات، راحت الملائكة تبتعد قليلاً أو كثيراً عن المشهد الشعري، وراح التمثيل الأبرز ينتقل الى آخرين التحقوا بالركب، وفي طليعتهم شعراء مجلة «شعر»، ولعل ادونيس من بينهم هو الذي راح يبلور المفاهيم والمرامي التي انطوت عليها حركة الحداثة الشعرية، ليس في شعره فقط، وإنما على وجه الخصوص في مقالاته ودراساته.
لو أردنا اليوم ان نتقصى أثراً لنازك الملائكة في حركة الشعر الحديث، التي مضى على انطلاقتها أكثر من نصف قرن، لربما أمكننا القول إن حضورها ليس ملحوظاً كحضور البعض من أبناء جيلها، وعلى رأسهم السياب. يصعب علينا مثلا ان نتكلم على اتجاه شعري يمكننا ان ننسبه إليها، وأن نلحظ بالتالي تأثيراً له في الأجيال التي تعاقبت على مر العقود السابقة. ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع ان نهمل ما قدمته الملائكة في الشعر، وكذلك في النقد، إذا ما أردنا ان نؤرخ للأدب العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.
قد تكون الفضيلة الكبرى لنازك الملائكة أنها أبقت على «الحداثة» في موضع الشك، أو المراجعة، أو النقد. لم تندفع اندفاعاً حماسياً أو متهوراً، كما أنها لم تلتزم موقف التزمت أو الانحياز للماضي. كانت كمن يتقدم، ثم لا يلبث ان يستدرك محاولاً النظر الى ما حققه مشككاً فيه، أو خائفاً من الشطط أو المغامرة في جانب من جوانبه. ومثل هذا الاستدراك يبدو ضرورياً، خصوصاً اذا نظرنا الى ما آلت إليه اليوم حالة الشعر من فوضى وتخبط.
لقد ظلت نازك الملائكة مأخوذة بدورها التأسيسي. وربما حاولت ان ترسي قواعد لاتجاه جديد في الشعر، وهذا ما أظهرها أحيانا في موقع المحافظ، أو المتراجع إزاء المتاهات المستجدة. لقد حاولت الملائكة ان تعبر عن وجهة نظرها الخاصة في كتابها المعروف «قضايا الشعر المعاصر». حاولت ان تقدم مفهومها للحداثة، وأرادته ان يكون بسيطاً واضحاً متحرراً من تعقيدات الحياة والثقافة التي راحت تغزو واقعنا العربي على نحو كاسح. ربما أمكننا القول إن الملائكة أرادت ان تأخذ بجوانب معينة للحداثة، وأن تعرض عن جوانب أخرى. ربما أمكننا القول إنها ركزت على الجانب «العروضي» أو «الوزني» في الكتابة الشعرية، أكثر من تركيزها على الجوانب الأخرى الكثيرة. وهذا واضح في كتابها النقدي الذي أشرنا إليه، كما هو واضح في كتاباتها الشعرية.
لقد عاشت نازك الملائكة همومها الشعرية والنقدية متمسكة بدورها التأسيسي. وإذا كانت قد ابتعدت في مراحل معينة عن المشهد الشعري، بهذا القدر أو ذاك، فحسبها أنها ظلت جزءاً لا يمكن إغفاله من حركة الشعر التي تبدو لنا الآن مفتوحة علي مختلف الاحتمالات والآفاق.

***

الريادة المسروقة

منذر مصري
(سوريا)

برغم معرفتي بأنها ما زالت على قيد الحياة، فقد كنت، لفترة طويلة، منساقاً إلى شعور عام، بأنها ماتت منذ زمن.. ماتت كأقرانها من أولئك الذين تنازعوا على ريادة الشعر العربي الحديث بأنواعه، وكذلك القسم الأغلب من الجيل الذي تبعهم، صانعاً لنفسه ما شاء من ريادات، شعراء من طبقة بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولويس عوض وصلاح عبد الصبور ويوسف الخال وتوفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا ونزار قباني ومحمد الماغوط... الريادة التي كنت أتمنى، شخصياً، أن نبقيها لها من دون تردد، وذلك كرغبة مني بأنثوية الريادة لشعرنا الحديث، الأمر الذي لا نعرفه نحن العرب بتاريخنا كله. هي التي شعرت بأنها سرقت منها، سرقها أولئك الذكور الملعونون!.. فسارعت لكتابة، واحداً من أول وأهم الكتب، التي تتصدى، على نحو كاد يكون حدساً واستشرافاً، لما سينزلق إليه هذا الشعر من استسهال ونمطية وقوالب جاهزة، ما عبرت عنه بقولها: (التشابه والتكرار الممل).. وذلك كدليل باكر على افتعالية وفجاجة نقطة انطلاقه، وضعف الأساس الذي بني عليه!؟ نازك الملائكة.. إذا نجح في انتزاع ريادتها لهذا الشعر آخرون، فهي بلا منازع رائدة كشف عطوبته وهشاشته.. وبالتالي عطوبة وهشاشة الحداثة العربية برمتها، الحداثة التي لم تجد سوى الشعر رائداً لها. وهذا ما يجعلني أعترف بأن كل ما أحتفظ به من شعر الملائكة هو كتابها ذاك (قضايا الشعر المعاصر) الذي منذ أن قرأته متأخراً في طبعته الثالثة عام 1971 جعلني أرى، بوضوح كاف، النهاية المسدودة لذلك الطريق الملتوي.
غير أن أكثر ما همني في هذا الكتاب المشاكس، هو الفصل المخصص بقصيدة النثر، حيث في ردة فعلها على مجلة (شعر) أبدت الملائكة، أكثر ما باستطاعتها من قسوة وتحجر، معبرة عن رأيها الصريح بأن: (وقد تبنت مجلة (شعر) هذه الدعوة الركيكة الفارغة من المعنى!؟). ومع أنها اعترفت مراراً بأنها اتبعت في قصيدتها (كوليرا) الأسلوب الإنكليزي. فهي تقول عن (شعر) بأنها مجلة بلغة عربية وروح أوروبية!؟ ولا تجد سوى الاستغراب من أن يرضى جبرا إبراهيم جبرا نفسه تسمية ما يكتبه توفيق الصايغ بأنه شعر!؟ منتهية إلى حكم ملتبس لحد كبير، بأنه: (إذا استحال معنى كلمة (شعر) إلى التعبير عن النثر... غير أن الشعر وجد لنفسه اسماً آخر صادقاً ينص على الوزن الذي حاولوا قتله. ولسوف يبقى الناثرون حيث كانوا مع الناثرين).
هي ماتت .. لفظة دون معنى/ وصدى مطرقة جوفاء يعلو ثم يفنى). هذا من شعر نازك الملائكة، وقد وجدت نفسي أتلوه المرة بعد المرة، وأنا أكتب هذا عنها. هي التي كتبت في إحدى رسائلها لعيسى الناعوري: (لست مسؤولة عما صار الشعر الحر إليه اليوم.. أما المعارضة فهي المدرسة الكبرى في نظري).

***

أردت لها جائزة المؤتمر

أحمد عبد المعطي حجازي
(مصر)

نازك الملائكة عَلم من أعلام الشعر في كل العصور ودورها في الكتابة الشعرية في ديوانها عمل متميز ولغة شعرية خاصة بها، وثقافة شعرية كذلك متميزة تجتمع فيها العناصر العربية من جهة والإنكليزية من جهة أخرى التي شكلت ثقافتها، بعد ذلك يأتي دورها في التجديد دور هام بل هو من أهم الأدوار، وإذا ذكرت خمسة أسماء من رواد الشعر العربي المعاصر فنازك الملائكة في المقدمة.
نازك لم تكن كذلك مجرد شاعرة مبدعة بل شاعرة ناقدة ومفكرة ومقدماتها لدواوينها وكتاباتها عن قضايا الشعر من أهم مصادر النظرية الشعرية الجديدة.
ونازك أيضا كانت كذلك متصلة أشد الاتصال ببقية شعراء الجيل والأجيال السابقة لها والأجيال اللاحقة لها، وهي تدين بالفضل لهؤلاء الشعراء السابقين لها، ولها عنهم كلام مهم ليس من الوجهة الفنية فقط بل ومن الوجهة الأخلاقية. لأن غيرها يظنون أنهم يوجدون بغياب غيرهم.
كنت أتمنى في مؤتمر الشعر العربي الذي عقدناه أخيرا أن تذهب جائزة المؤتمر لنازك الملائكة لأن لها السبق في حركة التجديد، وكذلك هي أستاذة وأيضا لأنها اختارت القاهرة للإقامة والمعيشة بعد أن وصلت إلى سن عالية، لكن آخرين من ذوي السلطان والنفوذ أصروا أن تذهب الجائزة إلى غيرها.

***

انتهاء في تاريخ الشعرية العربية

محمد عبد المطلب
(مصر)

إن موت نازك الملائكة يمثل انتهاء في تاريخ الشعرية العربية، وهو ما يجب أن نهتم به، لأنها أسست لشعرية الحداثة حتى يومنا هذا، حتى أنها تنبأت بما يسمى بقصيدة النثر وناقشتها، إذن هي كانت على وعي بالقديم والحاضر والآتي، وأظن أن الشعرية العربية والثقافة العربية سوف تخلد هذه الرائدة بوصفها مرحلة كاملة في تاريخ الشعر العربي، وأنا أدعو المؤسسات الثقافية في العالم العربي أن تقيم المؤتمرات والندوات التي تكشف عن الدور الريادي لهذه السيدة وعن الأثر الذي تركته في مسيرة الشعر العربي كله وفي الوقت ذاته أدعو إلى الاحتفاء بالرائدين الباقيين على قيد الحياة وهما أدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي حتى نتخلص من ظاهرة البكاء على الموتى.

***

الخوف من المستقبل

محمد سليمان
(مصر)

إن نازك الملائكة شاعرة رائدة في حركة الشعر العربي الحديث وأول من شق الطريق لحركة التجديد في القصيدة العربية بقصيدتها الكوليرا التي نشرتها في منتصف الأربعينيات، ويضيف سليمان: لكني أظنها تراجعت في منتصف الستينيات لأنها رأت قصيدة التفعيلة وهي تتطور وتحارب في الوقت ذاته القصيدة العمودية وتدفعها للتواري وتوقعت نازك أن تتوارى الأشكال الشعرية والثراء الشعري وأن يحاول الشعراء الجدد محاربة كل التيارات الشعرية الأخرى، لذلك هاجمت في كتاباتها التطرف في التجديد وإهمال الكتابة بالشكل العمودي وتوقعت نوعاً من الدكتاتورية الإبداعية التي نعاني منها الآن، فلدينا جماعات شعرية متعددة كل شكل شعري يحاول إعلان موت الأشكال الشعرية الأخرى، شعراء التفعيلة يرفضون قصيدة النثر ويحاربونها، والعموديون يرفضون الجميع، بينما يتصور شعراء قصيدة النثر أن ترسيخ قصيدتهم وشكلهم الشعري لن يتم إلا بموت الأشكال الأخرى.
أصبحنا إذن ضد الثراء والتنوع، وأظن أن نازك الملائكة كانت في الستينيات ترى المستقبل وتخشاه لكنني لم أكن في صفها عندما هاجمت حركة التجديد، لأنني أعتقد أن كل شاعر حقيقي هو تجريبي بالدرجة الأولي وعليه دائما أن يعيد اختراع الشكل وأن يضيف وأن يختلف عن الآخرين، لا حدود للتجريب ولا قفص يحبس الشعر فيه.

***

كبيرة وسط كبار

ميسون صقر
(الامارات)

أبدت حزنها الشديد على الرائدة الراحلة وأشارت الى أنها نازك الملائكة اختارت أن تختفي عن الحياة لفترة طويلة معتزلة الحياة الثقافية والشعرية. وأضافت: لكن يظل الجانب الشعري والنقدي فيها مستمراً بحكم ارتكازه على أعمدة قوية من الرؤى لا تتزحزح، فقد حققت ريادة في القصيدة الحديثة.
ترى ميسون صقر أن نازك غيرت فكرة الشاعرة المرأة بإنجازها وحضورها ورؤاها، ومن رأيي أن الخنساء ونازك الملائكة ومي زيادة يمثلن ثلاثة محاور مهمة تعتمد عليها المرأة الشاعرة في الدخول إلى عالم الشعر بقوة وثبات، حيث فتحن الطريق ومهدنَه لها لتأتي بإبداعها بجرأة وقوة.
لقد تحققت نازك رائدة وسط شعراء كبار ولا تستطيع أن تفرق قوة لغتها وشخصيتها ورؤيتها عن جيلها من الشعراء، لا أنثوية ولا ذكورية، إنها التميز والريادة يضاف إليها القوة النقدية والفكرية، لقد كتبت نازك قصيدتها التي تعد من أوائل قصائدها المهمة الكوليرا في مصر وها هي تموت أيضا في البلد الذي أحبته وكتبت عنه.

***

الموت والنقد

أحمد الشهاوي
(مصر)

أرجو أن لا تأخذنا عاطفة الموت بحيث لا ننظر إلى تاريخ الشاعرة وسعيها نحو قصيدة جديدة نظرة نقدية وتاريخية ونتفحص ما كتبه نقاد وأساتذة الأدب وشعراء عاصروا الشاعرة حول (ريادتها) للشعر الحر.
فمثلاً ما ذكره عبد الله الغذامي في كتابه (الصوت القديم والصوت الجديد دراسات في الجذور العربية لموسيقي الشعر الحديث) حيث خصص فصلاً عنوانه (نازك ومستقبل الشعر الحر) هذا الفصل الذي يعرض لتاريخ رواد قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر يفند المزاعم التي تخص نازك كريادة مزعومة، وأظن أن هناك عشرات الدراسات ومئات المقالات التي كتبت خلال الثلاثين عاماً عن هذه الإشكالية التي ينبغي أن يعاد طرحها لأن أسماء مهمة قد ظلمت تحت سنابك نازك ومؤيديها.
المسألة الأخرى التي أود أن أشير إليها أن نازك التي حملت مصر والقاهرة خاصة في ثقافتها وتكوينها، هذا جعلها وزوجها د. محبوب المدفون في ثرى القاهرة عام 2001 تحتفل مصر وتحتفي بالشاعرة الكبيرة. فللمرة الأولى في تاريخها الشعري والأكاديمي يصدر لنازك كل كلمة كتبتها في مجلدات أصدرها المجلس الأعلي للثقافة وبيعت بسعر زهيد، كما أن هناك أكثر من عمل شعري وأكاديمي صدر لها في طبعات عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهذا الموقف ليس غريباً عن مصر التي كتبت عنها نازك عام 1967 قصيدتها الكوليرا حيث حصدت آلافاً من أرواح المصريين، وهي القصيدة التي يزعم كثيرون أنها أول قصيدة في الشعر الحر على الرغم من أن أباها قال لابنته وقتئذ أن هذا يا نازك ليس شعراً.
ولعل المناسبة تتيح للنقاد والشعراء أن يبحثوا في نكوص وارتداد نازك إلى السلفية والتقليدية وعزوفها عن الكتابة الجديدة منذ فترة طويلة جدا كأن (الطفرة) الشعرية التي بدأتها لم تكن ذات أساس سليم وغير نابعة من روح متأصلة في المغامرة والتجديد.

***

نازك الملائكة شاعرة العرب الأولى ومعلمة الشعراء
ماذا يبقى منها؟

اسكندر حبش
(لبنان)

يعيدنا خبر رحيل الشاعرة العراقية نازك الملائكة، إلى بدايات حركة التحديث في الشعر العربي المعاصر، إذ لطالما اعتبرت الشاعرة واحدة من رواد (رائدات) الشعر الحر في العالم العربي. واحدة من الذين انقسم حولهم النقاد معتبرين أن قصيدتها «الكوليرا»، (التي كتبتها عام 1947 ونشرتها عام ,1949 في ديوان «شظايا ورماد»، وفق ما اتفق عليه)، كانت نقطة انطلاق شعر التفعيلة وقد سبقت بها عظيما كبيرا آخر، هو بدر شاكر السيّاب. أيضا، لطالما تعارك الاثنان حول من كانت له الأسبقية والحق في هذا الادعاء، متناسين معا أن ثمة من سبقهما من حيث الخروج على الوزن الخليلي، وحتى في الذهاب إلى أبعد من ذلك، أي كتابة قصيدة نثر. من هنا أين نضع مثلا أمين الريحاني في كتابه «هتاف الأودية»، الصادر عام ,1905 وبخاصة مقدمته التي طرح فيها هذه الإشكالية، مستندا إلى الشاعر الأميركي والت ويتمان، وقبل زمن طويل من حديث أهل مجلة شعر عن نظرية سوزان برنار. بهذا المعنى أيضا، كيف نقرأ جبران خليل جبران، وكيف نقرأ توفيق صايغ، الذي لم نرغب بعد في إخراجه من تهمة مجلة حوار وارتباطه مع من ارتبط؟ فكرة سخيفة بالطبع، في زمن هذه التحولات الجذرية التي نشهدها في عصورنا الراهنة، أليس كذلك؟
في أي حال، ثمة «طرح ما» قد يعيدنا إليه خبر الموت هذا، إذ لا بد أن يقودنا إلى إعادة قراءة نازك الملائكة بعد أن ابتعدت من على الساحة الأدبية، بسبب أمور شتى، وربما بعد أن طواها الزمن الحديث، بمعنى من المعاني، ليضعها بعيداً عن تحولات الراهن وحتى بعيداً عن تجذراته الجديدة، التي أخذت الشعر العربي الحديث، إلى آفاق لم تكن لتخطر على بال هؤلاء الرواد، وما نادوا به. حتى إن رغبنا في تقصير حديثنا، عن تلك الفترة، لوجدنا أن أسماء أخرى، بقيت حاضرة أكثر مما يحضر اسم نازك الملائكة.
آخر مرة عدت فيها إلى قراءة شعر نازك الملائكة، كان يوم صدور عدد «كتاب في جريدة» العدد 41 لرغبة في الكتابة عنه، وقد وجدت فيه عدداً من الحسنات، البعيدة عن الشعر، إذا جاز القول، إذ أنه وضعنا أمام قراءة شاعر عراقي آخر، وهو شوقي عبد الأمير، لقصائد الملائكة، فكل مختارات أدبية (أي كل أنطولوجيا) تملك، في عمقها، مشروعها النقدي. لأن القراءة، كما أجدها، ليست في النتيجة سوى عمل نقدي، وبخاصة إذا كان القارئ يتعاطى شأن الكتابة والأدب.
أما الحسنة الثانية، فقراءة القارئ للمختارات، التي تملك زاويتي نظر، أو قراءتين. القراءة الأولى، قراءة المختارات التي اختارها المعد والثانية، قراءة الشعر نفسه، شعر الشاعرة بعيدا عن أي قناة للتوجيه.
تلك المختارات أتاحت لنا أن نتذكر مجددا بأن نازك الملائكة وبعيداً عن قضية «الكوليرا»، وبعيدا عمن سبق الآخر «كانت رائدة الرومانسية في الشعر العربي الحديث بالمعنى الفلسفي والرؤيوي، فهي المرأة الشاعرة الأولى التي خلطت حلم الموت بالحياة، في نسيج رؤيوي لغوي موسيقي مبتكر في شعرنا المعاصر». قد تكون هنا «أهمية» نازك الملائكة، في كونها نحت إلى صوغ الرومانسية في قلب العملية الشعرية العربية الحديثة. ثمة العديد من قصائد دواوينها «عاشقة الليل» و«شجرة القمر» و«مأساة الحياة» و«شظايا ورماد» و«قراءة الموجة» و«يغير ألوانه البحر»، التي تنحو إلى كتابة هذه الأحاسيس، في بعديها التوصيفي الخارجي والحسي الداخلي، التي ترتكز على مسحات الكآبة والتي تغني الطبيعة... بمعنى آخر، نجد في شعرها، كل تلك الموضوعات التي كانت عزيزة جداً على قلب الرومانسيين، إلا أن الملائكة، لا تحاول نقلها، بل تعجنها بعجينة بيئتها وثقافتها ورؤيتها الخاصة.
وبعيداً عن ذلك كله، ما الذي تبقى اليوم من شعر نازك الملائكة؟ ليس في السؤال أي محاولة للتجني، ولكنه الأدب الذي يفرض علينا دوما، أسئلة مشابهة، في ظلّ هذه التطورات اليومية التي تدفع المعارف إلى أماكن مختلفة وجديدة.
أعترف أني لم أكن أشعر يوماً بانجذاب حقيقي إلى كلام الشاعرة. قرأتها إذ كان عليّ أن أقرأها. من هنا جاءت المختارات في «كتاب في جريدة» لتذكرني بها، إذا جاز التعبير، بعيدا عن أي تاريخانية وبعيدا عن موقعها وسؤال ريادتها. من هنا أيضا، أتساءل عن معنى هذه الريادة. لو أن الملائكة لم تكتب الشعر الحر، هل كانت حضرت بهذا الوزن في الشعر العربي المعاصر؟ لولا معاركها النقدية مع السياب، هل كانت تبوأت «المكانة» التي هي عليها اليوم؟ لكن عن أي مكانة نتحدث؟
في أي حال، لا استطيع أن أنسى، الفترة التاريخية التي عاشت فيها الملائكة، بيد أن الفن حيث يقع أسير لحظته التاريخية، لا بد وان يتقادم مع الزمن، أن يسقط معه، أن يغيب معه، أي أن يبقى في لحظته التاريخية، من دون أن يجد مقومات استمراره، هذا ما لم يقع فيه بعض الشعر الجاهلي، وبعض الشعر العباسي... الخ، أي ما زال الكثير من شعراء تلك الفترة، يحضرون بقوة، أكثر من غالبية رواد الحداثة، الذين حقا، لا افهم معنى ريادتهم.
ومع ذلك، لنعد قراءة الشاعرة، إذ لن يتوقف حضورها على ذائقتي الشخصية، وإنما هو سؤال من ضمن هذه الأسئلة، التي تطرأ على بالي في كثير من الأحيان.

السفير- 22 يونيو 207

******************

ملف الحياة

نازك الملائكة رائدة الشعر العربي الحر
ترحل عن 84 عاماً في القاهرة منفاها الاختياري

غيّب الموت الشاعرة العراقية نازك الملائكة في القاهرة ليل الأربعاء الفائت عن عمر يناهز 84 سنة. وهي من رواد الشعر العربي الحديث، وساهمت في إرساء ثورة الشعر الحر مع الشعراء الرواد من أمثال بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وسواهما.
ولدت في بغداد عام 1923، ونشأت في بيت علمٍ وأدب، في رعاية أمها الشاعرة سلمى عبدالرزاق أم نزار الملائكة وأبيها الأديب الباحث صادق الملائكة، فتربَّت على الدعة وهُيئت لها أسباب الثقافة والأدب. وما أن أكملت دراستها الثانوية حتى انتقلت الى دار المعلمين العالية وتخرجت فيها عام 1944 بدرجة امتياز. ثم دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت في قسم الموسيقى عام 1949. وفي عام 1959 حصلت على شهادة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكنسن في الولايات المتحدة الأميركية. وعينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت.
عاشت في القاهرة منذ 1990 في عزلة اختيارية.
من أعمالها الشعرية: عاشقة الليل (1947)، شظايا ورماد (1949)، قرارة الموجة (1957)، شجرة القمر (1965)، مأساة الحياة وأغنية للإنسان (1977)، للصلاة والثورة (1978)، يغير ألوانه البحر، الأعمال الكاملة – مجلدان – (طبعات عدة).
ومن أعمالها النقدية والنثرية: قضايا الشعر المعاصر، التجزيئية في المجتمع العربي، الصومعة والشرفة الحمراء، سيكولوجية الشعر.
كتبت عنها دراسات عدة ورسائل جامعية في جامعات عربية وغربية.

*****

نازك الملائكة أحدثت ثورة الشعر الحر وغرقت في الصمت

عبده وازن
(لبنان)

رحلت الشاعرة العراقية نازك الملائكة ليل الأربعاء - الخميس عن أربعة وثمانين عاماً في القاهرة التي اختارتها بدءاً من العام 1990 منفى طوعياً، بعدما ضاقت في وجهها ظروف الحياة في بغداد. جاءت الى القاهرة مريضة من جراء الاكتئاب الذي ألمّ بها ولزمت منزلها ثم الفراش طوال سنوات. ولم تكن تقابل سوى الأقارب، ثم اشتد عليها المرض فانقطعت عن العالم، حتى ظن الكثيرون أنها رحلت. والضجة التي أثيرت اخيراً حول معاناتها المادية هي التي أعادت اسمها الى الذاكرة فتذكّر الجميع انها ما زالت حية.
لكن نازك الملائكة، الشاعرة الرائدة والناقدة يصعب أن تُنسى لا سيما بعدما دخلت «تاريخ» الشعر الحديث من باب الريادة وشكّلت دواوينها التي تناهز التسعة «تراثاً» حداثياً مستقلاً بذاته. ولا تُنسى ابداً المعركة التي دارت بينها وبين زميلها في دار المعلمين العليا في بغداد الشاعر بدر شاكر السياب حول القصيدة الحرة الأولى. وكانت تعتبر انها السباقة الى كتابتها عبر قصيدتها «الكوليرا» التي نشرتها مجلة «العروبة» البيروتية لصاحبها الشاعر اللبناني محمد علي الحوماني في 1/12/1947، فيما كان السياب الذي يصغرها ثلاث سنوات يقول ان قصيدته الحرة «هل كان حباً؟» ظهرت في ديوانه الأول «أزهار ذابلة» الصادر في القاهرة منتصف العام 1947. حينذاك دار سجال واسع حول هذه الريادة شمل العالم العربي وشارك فيه ايضاً شعراء آخرون قالوا انهم سبّاقون الى كتابة الشعر الحر. إلا ان نازك ما لبثت ان اعترفت لاحقاً عندما احترفت «مهنة» النقد أن بضعة شعراء كتبوا القصيدة الحرة في مطلع القرن الماضي.
لا تكمن اهمية الدور الذي أدته نازك الملائكة في حركة الشعر الحديث في تجديدها الشكلي أو الإيقاعي فحسب، على رغم الثورة العروضية التي أحدثتها، منطلقة من إحساسها الموسيقي العميق، هي التي درست الموسيقى في كلية الفنون واحترفت العزف على العود. بل ان ما يميز شعرها ايضاً هو انفتاحه على قضايا وجودية وشؤون فلسفية ذات بعد وجداني، وعلى أسئلة الحياة والموت. ولم يكن مفاجئاً ان يحمل ديوانها الأول عنواناً رومنطيقياً هو «عاشقة الليل» (1947)، فالليل كان أنيسها هي الشاعرة المتبرّمة بالحياة المفعمة بالألم والإبهام، والمتشائمة والعاجزة عن استيعاب المآسي البشرية. ولعل ديوانها الثاني «شظايا ورماد» (1949) رسّخ هذا الطابع الكئيب والسوداوي الذي وسم قصائدها الأولى، وقد تضمن قصيدتها «الكوليرا» التي كانت كتبتها كرد فعل إزاء مأساة مرض الكوليرا الذي فتك العام 1947 بأهل الريف المصري. إلا ان الشاعرة لن تتوانى في ديوان مثل «شجرة القمر» الصادر العام 1968 عن خوض التجربة السياسية ناظمة قصائد حماسية عن فلسطين والوحدة العربية والثورة العراقية التي عرفت بثورة الثالث عشر من تموز (يوليو) 1958. وبعد هذه المرحلة تستعيد الشاعرة إيمانها في مواجهة أحوال الكآبة والتشاؤم والقلق، وتكتب خلال شهر رمضان 1974 قصيدتها الإسلامية الشهيرة «زنابق صوفية للرسول» وقد ضمّها ديوانها «يغيّر ألوانه البحر».
يصعب حقاً اختصار عالم نازك الملائكة والمراحل التي اجتازتها نظراً الى رحابة هذا العالم وتداخل تلك المراحل. واللافت في مسارها الشعري الحداثي انها لم تتخلّ عن القصيدة العمودية على نحو مطلق، فمعظم دواوينها عرفت حالاً من «التعايش» بين الشعر الحر القائم على نظام التفعيلة والشعر الكلاسيكي القائم على وحدة البيت، لكنها تظل شاعرة التجديد، في الإيقاع والبنية.
اما نازك الناقدة فكانت الوجه الآخر للشاعرة: ناقدة صارمة ذات منهج شبه أكاديمي، تناقش وتساجل وترفض وتنتقد بشدة أحياناً. وكتابها الشهير «قضايا الشعر المعاصر» ما برح واحداً من المراجع المهمة التي لا بد من العودة إليها لقراءة النظريات والمفاهيم التي رافقت ثورة الشعر الحر.
رحلت نازك الملائكة بعد سنوات طويلة من المرض والعزلة، رحلت كما لم تتمنّ يوماً، بعيداً من بغداد مدينتها التي حملتها في القلب وصانتها من عبث العابثين ومن الجرائم التي شوهتها وما زالت.

****

الصوت الرومنطيقي الآخر

شوقي عبدالأمير
(لبنان)

رحلت أمس نازك الملائكة، الشاعرة الرومنطيقية الحقيقيّة في أدبنا العربي... كانت نازك الملائكة نموذجاً متفرّداً لما يُعرف بالرومنطيقية في الآداب العالميّة والتي كان جلُّ عطائها الشعري متماهياً بالروح ذات الوهج «الملائكيّ» والنغمات التي تُذكّر ب «ووردزورث» و «شيلر» و «بايرون» و «لامارتين» في الشعر العالمي.
أولئك هم آباؤها ولا أبوّة لها في الشعر العربي. كما أن نازك الملائكة لم يكن لها أبناء في شعرنا المعاصر، هكذا فقد أدار شعر الحداثة العربي ظهره هو الآخر عن تجربتها المتميزة وظلّت حاضرة ربما في نصّها النقدي.
ترى هل هو زهدُها الشخصي في إرتقاء المنابر وتعبئة الحشود والمريدين، أم كونها إمرأة، أم أنّ السبب يكمن في خصوصيّة نصّها الشعري الذي لا يقبل التقليد من ناحية ويمتاز بحصانة أدبيّة قَلَّ نظيرُها.
هي «عاشقة الليل» التي عاشت في «قرارة الموجة»، تستفيء في ظل «شجرة القمر»، لتكتب «مأساة الحياة وأغنية الإنسان» قصائد وأغاني، مقاطع ملتهبة «شظايا ورماد». تواصل الحياة والعمل بعُلوٍّ وتجرّد وكأنها في سيرورة «للصلاة والثورة». هكذا تمضي في مسيرتها الشعرية الحياتية، في هامشها المضيء اللامتناهي، في منطقة النصّ الشعري الخالص حتى «يغير ألوانه البحرُ».
ليست أهمية نازك الملائكة كما اعتاد النقّاد والجمهور الحديث عنها في قصيدة «الكوليرا» عام 1947 في كونها أول نص شعري «حر» ولا في نقدها الأدبي الذي تمثل في كتابها المعروف ولكن في كونها رائدة الرومانطيقية الشعرية العربية بمعناها الفلسفي والرؤيوي فهي الأولى التي خلطت حلم الموت بالحياة في نسيج رؤيوي لغوي موسيقي لم يعرفه قط شعرنا العربي المعاصر. تلك حداثتها التي لم تتكرر.
أما نازك المرأة الشاعرة فقد رحلت عن الحياة الثقافية قبل رحيل جسدها، وكانت تضيء في عزلتها «المقهورة» وليست «القاهرية» التي إختارتها ملجأً صامتاً حتى الشهادة:
«أين أمشي؟ مَلَلْتُ الدروب،
العدوّ الخفيّ اللجوج
لم يزل يقتفي خطواتي، فأين الهروب؟»
لعلها اليوم وجدت طريق الخلاص.
الكلمات بين قويسات هي عناوين دواوينها الشعرية.

***

أجمل السجالات وأرصنها

قاسم حداد
(البحرين)

كانت قد افتتحت أكثر السجالات النقدية جدية في تاريخ الشعر العربي المعاصر. فبعدها، سوف نصادف نادراً سجالات على تلك الدرجة من الجدية والرصانة. فذلك الحوار الساخن، حول تجديد القصيدة العربية، لم يكن يصدر سوى عن رغبة معرفية صادقة لفهم ما كان يحدث على صعيد التحولات الجذرية في الكتابة الشعرية العربية.
وفي كتابها «قضايا الشعر المعاصر» كرست اجتهاداً نقدياً لا يمكن، في النقاش الرصين تفاديه، ولعل في المعارضات (التقنية) التي ميزت اجتهاد كتابها دليل على أن للرأي المحافظ، آنذاك، الرصيد الكافي لاحترام شرط الحوار الثقافي الذي يغري بالسجال.
ساعتها، والحماسة النقدية على أشدها، نشأنا على مثل ذلك النقاش البالغ التنوع، في الاختلاف والشغف بالاكتشاف. وأخذنا درس نازك النقدي مأخذ الجد فعلاً. وعلى رغم حمأة الانحيازات الأيدلوجية التي عملت على تجيير بعض تلك الاجتهادات، إلا أنني استفدت من مسافتي الجغرافية لكي أبتكر مسافة نقدية تساعدني على الإصغاء لمختلف تلك الاجتهادات، وربما شغف جيلي بالتجديد لمس في منافحة نازك الملائكة عن (شعريتها) شكلاً رومانسياً تقتضي الحكمة عدم التفريط به.
وأذكر أنني فيما كنت اقرأ فصول كتابها، أبتكر محاولاتي النقدية متوهماً أنني أستعد لصياغة شخصيتي النقدية على شاكلتها، ظناً بأن قدر الشاعر المعاصر هو أن يكون ناقداً أيضاً، لكي ينافح عن ما يكتبه وما يؤمن به من شعر.
ونحن نودع واحدة من أهم التجارب النقدية التي رافقت خطوات التحولات الشعرية المعاصرة في الثقافة العربية، لعلنا نجد الفسحة اللازمة للتوقف وتأمل كم نحن بحاجة ماسة لضرب من السجال النقدي والثقافي الراقي برصانته ومستواه المعرفي. ونحن في هذا المناخ الذي يتفسخ على غير صعيد، من دون أن نستثني الأخلاق الثقافية.

****

وجه تاريخي

أحمد عبدالمعطي حجازي
(مصر)

نازك الملائكة وجه تاريخي من وجوه الشعر العربي، وإبداع سوف تظل قيمته ثابتة على الأيام، ونازك الملائكة لم تكن مجرد شاعرة ولم ترض بالمكان المقدر للشاعرة العربية، وهو في الغالب ليس المكان الأول.
وجهود نازك الملائكة في الحركة الشعرية العربية جهود فعالة مؤثرة في سلم الشاعرية، ونستطيع أن نقول إنها مغيرة، وحتى زميلاتها المعاصرات على أهمية بعضهن لم يبلغن شأوها لا في الشعر ولا في التفكير للشعر ولا في نقد الشعر.
وفي السنوات الماضية توقفت جهودها وللأسف أيضاً أصبحت الحياة الأدبية العربية تسيطر عليها قوانين التجارة والذي يملك الأدوات التي يفرض بها نفسه هو الآن في المقدمة، أما الذين يكتفون بعملهم ويلوذون بالإنتاج وينأون بأنفسهم عن المضاربات تنساهم الحياة الأدبية التي أصبحت غير عادلة وغير وفية وفاقدة للذاكرة، ونازك الملائكة انقطعت عن الظهور والإنتاج منذ أكثر من 20 سنة.
وفي مؤتمر الشعر الذي عقدناه في مصر في شباط (فبراير) الماضي اقترحت أن تعطى الجائزة لنازك الملائكة لكن الاتجاهات الأخرى تغلبت، ولو كانت الجائزة ذهبت إليها لكان هذا مكافأة بسيطة واعتراف بدورها وعملها لكن أنا متأكد أن الأيام المقبلة ستنصف نازك الملائكة.

*****

شاعرة تقيم في اللغة

أدونيس
(سوريا)

ترحل نازك الملائكة رحلتها الأخيرة كي تقيم في اللغة. إشارة أخرى الى أن قومها العرب الذين أحبتهم، ودافعت عن تراثهم، لا مكان لهم إلا في اللغة. كانت ترثي لبعضهم وهم الكثرة الكاثرة، لإصرارهم على تحويل اللغة الى دبابات وطائرات وألغام وقنابل. الى قبائل من الحديد حيناً، ومن الورق المقوى، حيناً آخر. وكانت تتعاطف وتتضامن مع بعضهم، القلة القليلة، الذين كانوا يحوّلون اللغة الى توهّم، عارفة انه ليست لتلك الكثرة الكاثرة غير الكارثة وغير الدم والانقاض. كانت تعرف كذلك أن التاريخ يفتح في أحضانه لأولئك القلة زاوية، ولو صغيرة وهامشية.
نازك الملائكة تدخل الآن الى هذه الزاوية الى جانب الراحلين السابقين. تدخل، تاركة وراءها المشهد العربي نعشاً يتحرك من المحيط الى الخليج، تحت قُبّة هائلة من الغُبار هي ديار الاسلام: نعشاً راقصاً.
وقد أمضت نازك الملائكة سنواتها الأخيرة منزوية، تكاد أن تُطبّق أجفانها لكي لا ترى هذا النعش – المشهد، فيما كانت توغل، شعرياً، في توهم يكسر الجسد الذي يربطها بهذا الواقع. هذا الإيغال هو أجمل ما في شعرها، وهو الأبقى.
عرفت نازك الملائكة في بيروت. وكانت بيننا خلافات، لكنها كانت عالية، وبقيت عالية في سماء الأخوة الشعرية. لقد فجعتها وخانتها قضايا السياسة. غير أنها، هي، لم تخن نفسها، ولم تخن قضية الشعر.

****

المالكي دعا الى نقل الجثمان الى بغداد لكنها دفنت في القاهرة بحسب وصيتها

علي عطا
وعلا الشافعي

شيعت القاهرة ظهر أمس الشاعرة العراقية نازك الملائكة من مسجد الأميرة عين الحياة المعروف شعبياً باسم جامع الشيخ كشك في القاهرة، وتقدم المشيعين الكاتب فخري كريم ممثلاً رئيس الجمهورية العراقية، وكان في مقدم المشيعين مثقفون مصريون كثيرون من مثل رئيس المركز القومي للترجمة الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثقافة جابر عصفور والأمين العام الحالي للمجلس نفسه علي أبو شادي والشاعر حلمي سالم وسواهم. وتوجه موكب الجنازة عقب الصلاة على الجثمان إلى مقبرة الأسرة في مدينة 6 أكتوبر جنوب غربي القاهرة حيث دفنت الملائكة إلى جوار زوجها الراحل الدكتور عبد الهادي محبوبة بناء على وصيتها.
وقال الكاتب والباحث العراقي صادق الطائي ل «الحياة» إن قنصل العراق في القاهرة نزار مرجان أبلغ أسرة الملائكة أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أبدى الاستعداد لنقل جثمان نازك الملائكة إلى العراق لتدفن في وطنها، إلا أن نجلها البراق عبد الهادي أكد له أن لا بد من تنفيذ وصية والدته. وكشف الطائي أن الملائكة نقلت مساء أول من أمس إلى مستشفى قريب من شقتها في ضاحية حدائق القبة شرق القاهرة بعد إصابتها بأزمة تنفسية، لكن المنية وافتها بعد نصف ساعة من نقلها إلى المستشفى، وجاء في التقرير الطبي أن الوفاة نجمت عن هبوط مفاجئ في الدورة الدموية.
ونقلت فضائية «العراقية» الرسمية مراسم التشييع والدفن على الهواء مباشرة، وقررت العائلة إقامة مجلس للعزاء في قاعة «العلم والإيمان» في شارع مصر والسودان القريب من منزل الراحلة مساء غد السبت. وكانت الملائكة وزوجها غادرا العراق إلى الاردن في 1995 لأسباب صحية، مشيراً إلى أن ظروف الحصار حالت دون تلقيهما العلاج اللازم من أمراض ترتبط عادة بالتقدم في السن، ثم توجها إلى مصر في 1998 وفي العام 2000 غيب الموت عبد الهادي محبوبة عن عمر يناهز الخامسة والثمانين.
وخلال تشييع الجنازة قال الدكتور جابر عصفور: «إن نازك الملائكة هي أول شاعرة تساهم في تأسيس القصيدة العربية الحديثة وتدافع عنها نظرياً وجمالياً. فقدنا شاعرة لا وجود لأمثالها الآن في العالم العربي ويصعب أن توجد شاعرة تعوض مكانتها في القريب المنظور. كانت نازك الملائكة من أصدق وأنبل الأصوات الشعرية منذ العصر الجاهلي وإلى الآن».

*****

رائدة الحوار مع الذات والعالم

فاطمة المحسن
(العراق/لندن)

طوت نازك الملائكة بصمتها صفحة من صفحات الأدب العربي، حيث بدت المرأة أكبر من مشروع لتدوين العواطف والمظالم. وكان ظهورها في أربعينات القرن المنصرم وفي العراق على وجه التحديد، ثمار النهضة التي أضحت دانية القطوف بعد أزيد من ثلاثة عقود تغيرت فيها القيم والعادات والأفكار، وقادت فيها الطبقة الوسطى المجتمع في محاوره الحساسة: السلطة والثقافة.
كان وقتها وقت الشعر في العالم العربي، ولذا غدت نازك شاعرة، ولو قيض لها ان تعيش في عصر آخر لما كتبت الشعر، ولخاضت غمار الأفكار التي جادلت فيها على غير صعيد. كانت القصيدة بالنسبة لنازك ذريعة للحوار مع الذات والآخرين، فهي بنزوعها الفرداني وحبها للجدل العقلي، وقفت في عالم تشكك فيه بقواعد اللعبة الشعرية إن لم ترتبط بفكرة المعاصرة، فهي لا تقر بالموهبة وسيلة وحيدة لنجاح الشاعر، بل ترى في قدرة الشاعر على فهم عصره أساس انبثاق الحداثة. تكتب الملائكة حول شعر ايليا أبي ماضي معرّفة التجديد: «الشاعر المجدد هو ذلك الذي يقدم في شعره وجهة نظر جديدة، تحدد علاقات لم تؤلف سابقاً بين القصيدة والشاعر من جهة، والقصيدة والعصر كله من جهة أخرى».
تولت نازك الدفاع عن الشعر الحر من منطلقات علاقتها الوثيقة بالتراث واللغة العربية حيث لم يضارعها زملاؤها من الرواد، كما أضافت دراستها في أميركا على عدد من نقاد الحداثة، تطوير ثقافتها في المجالين، وكان مشروعها يقوم على فحص النتاج الشعري والبحث عن قاعدة أساسية ومنطقية لتشكله. وبصرف النظر عن نتائج البحوث التي كتبتها والتي اتسمت بعضها بالتشبث بالأصول العروضية على نحو صارم، غير انها من جهة أخرى حاولت فيما لم يحاوله غيرها من نزوع الى غربلة وقراءة مكون القصيدة الحديثة بنية لغوية وموسيقية.
عمر نازك الأدبي أقصر من حياتها التي أورثتها حساسية مفرطة إزاء المحيط وأدت بها الى مرضها النفسي في وقت مبكر، فنازك التي نشأت لعائلة مثقفين، ساعدتها العائلة على ان تمتلك صوتها الخاص حيث الابتكار يعني طريقة جديدة في التفكير. ونازك التي تعلّمت العود والتمثيل في بداية الأربعينات عندما كانت طالبة في دار المعلمين العالية، كانت تطمح الى دورة حيوات أكبر من عمر امرأة، ولكن الجانب المحافظ في تلك العائلة خلّف لها رهاباً من العالم، والمزيد من الانكفاء على الذات. ولعل في سيرة نازك الملائكة ما يذكرنا بمصير الكثير من المبدعات اللواتي تواشج إبداعهن مع مرض الاكتئاب ورفض الحياة.
كتبت نازك النقد وحاضرت في الشأن الفكري والسياسي وقضايا النساء، ولكنها أيضاً كتبت القصة، ومجموعتها القصصية سيرة متخيلة لحياتها، تلك السيرة التي تشف عن منزع صوفي وأرواحية عالية، فهي تتواصل مع الأشياء والنباتات وحتى الشخصيات التاريخية عابرة حلم اليقظة الى عالم يجعل الواقع ظلاً له، وسنرى هذا ينعكس في خيارات ترجمتها للشعراء الذين كان بينهم جون دن شاعر الميتافيزيقيا الأقدم. وفي واحدة من قصصها تتحدث عن بيتهم «هذا البيت الكبير المتمادي في القدم، بزواياه المظلمة، وأقبائه وأواوينه. هذا البيت الذي يزرع الكآبة في نفسها دون أن تشخّص مبعثها». كتبت حياة شرارة الأديبة العراقية التي انتحرت، سيرة نازك، وكانت لها فرصة التحاور معها حيث تحدثت عن هذا البيت الذي حملته نازك في أعماقها قلقاً مقيماً تجهل سره.
كان المثل الأعلى يسكنها وبحثها عن الكمال يقض مضجعها، لذا اختصرت التواريخ كلها في رحلتها الى المستقبل، فتاهت عند مفترق طريقها، ولكنها خلّفت أثراً لن تمحوه ذاكرة الزمن.

****

بين نازك وجميلة بوحيرد

عز الدين ميهوبي
(الجزائر)

لا أعرف لماذا أجد شبهاً كبيراً بين الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة والمناضلة الكبيرة جميلة بوحيرد... فلو سألت قبل يومين واحداً من شعراء الجيل الجديد عن نازك الملائكة لأجابك «كانت رحمها الله...» من دون أن يعلم أنها على قيد الحياة إلى بداية صيف 2007 لأنها تنتمي لجيل الرواد الذين غادرنا كثير منهم قبل أربعين أو خمسين عاماً... فنازك ظلت حية ميتة بيننا... إنما صمتها عزز الظن بأنها لم تكن من هذا العالم... وهي الشاهدة على انهيار العراق وعلى حروبه الكثيرة... وهي الشاهدة أيضاً على فتنة الشعر العربي في زمن العولمة والبحث عن ذائقة جديدة...
وأما جميلة بوحيرد، فهي المرأة التي هزأت بجلاديها وخلدها السياب وقباني وعبدالصبور وحجازي في أشعارهم... واعتقد الشارع العربي الذي تفاعل مع الثورة الجزائرية وانتصارها أن جميلة واحدة من شهيدات هذه الثورة فأطلقت اسمها على شوارع عدة في عواصم عربية... في حين أن جميلة لا تزال حية ترزق بأناقتها وجمالها وكبرياء المرأة المنتصرة التي آثرت الصمت حتى تحتفظ بذلك الرصيد الثوري الذي أسكنها قلوب الملايين...
نازك وجميلة، هما امرأتان من طينة مختلفة تماماً، وكتب عليهن أن يلتزمن الصمت المقدس حتى يحتفظن بذلك التوهج الآسر والحب الكبير في وجدان الناس. كل الناس.
إن رحيل نازك الملائكة، المرأة التي سبقت عصرها برؤية المبدع المتجاوز للغة والزمن والتلقي، فاجتازت بوعي كبير حواجز النمطية للخوض في عملية تجريب عميقة على مستوى النص الشعري العربي الذي وصل مرحلة إشباع في الذائقة، وصار في حاجة إلى منافذ أخرى ومتنفسات على مستوى الإيقاع والبناء الفني... فظهرت نصوصها التي هيجت دعاة المحافظة على ما ترك الأولون (...) فنجحت المرأة الجريئة في إثارة حفيظة الرجال المنعمين بالركود القاتل... وفتحت مع أولئك الذين أدركوا الحاجة إلى التغيير والابتداع الواعي، وحققت النقلة الإبداعية المستمرة، ومنحت للشعراء فسحة أخرى لكتابة نص مختلف، لا يلغي ما كان قبلة، ولا يتفرد عما سيأتي بعده، بل هو إضافة نوعية ولمسة فنية متألقة، كانت اللغة والشعر العربيان في حاجة ماسة إليها في فترة بروز الرواية وبلوغ الشعر الكلاسيكي منتهاه. رحم الله نازك الشاعرة التي رحلت في هذا الزمن المر جداً.

****


نار القصيدة

محمد علي شمس الدين
(لبنان)

أخيراً ماتت نازك الملائكة. نكاد لا نصدق لكثرة ما أشيع عنها في السنوات العشر الأخيرة من حياتها المديدة من شائعات المرض والموت. حسناً! لقد ماتت أخيراً كما ينبغي لكل انسان. فلتكن مشمولة بما يليق ب «عاشقة الليل» وصاحبة «أنشودة الموت والحياة» من مقام.
يبقى من نازك شعرها وأثرها الابداعي والنظري في تحديث القصيدة العربية، فقد بدأ اسمها يلمع بقوة مع جيل الريادة الأولى من الحداثة الشعرية في العراق، مع السيّاب والبياتي وبلند الحيدري. زاملتها يومذاك شاعرات من مثل: فدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي. لكن اسمها كان الأهم، حتى بين الرياديين الذكور. وسبب ذلك يعود الى مجموعة قصائد حديثة كتبتها نازك من بينها قصيدة «الكوليرا» و «قصائد الألم». كتبت ثلاثة أناشيد للألم وخمس قصائد للألم. تميزت هذه القصائد بالتجديد الإيقاعي والبنائي للقصيدة الكلاسيكية، وبالنبض الانساني العميق، وملامسة الألم الذي كان يصهر هذه القصائد بنار حامية حتى لكأنها كانت تكتب في حال الغليان. أردفت الشاعرة هذه التجربة الإبداعية التجديدية بكتاب نظري مبكر حول الشعر الحرّ وهو كتاب عميق وريادي ومثقف وأخذت يومذاك ما تستحق من صدى.
ولكن فجأة وإثر عوامل يرجّح انها تربوية وبيئية اجتماعية عاد فغلب عليها التقليد وانحصرت شجاعتها الإبداعية، بل لعلها ارتدّت دفعة واحدة ضد الحداثة وضد نفسها أولاً، بما يشبه التبكيت الذاتي. دخلت في ما يشبه تجاهل النقد الحديث لها ولتجربتها اللاحقة ودخلت أيضاً حياتياً في هامش معتم من النسيان.

****

كاسرة الجمود والمألوف

عبدالعزيز السبيل
(السعودية)

الراحلة نازك الملائكة قامة إبداعية كبيرة، أحدثت حركة تحول فى مسيرة الشعر العربي. وإذا كانت الثقافة العربية قد فرضت على نفسها وألزمت الشعر العربي بأن يرتهن لقيود عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، فإن نازك الملائكة هي التي أعتقت الشعر من جموده الإيقاعي، وفتحت له آفاقاً رحبة وجدنا معها الشعر العربي ينطلق إلى فضاءات إبداعية أكبر.
إن نازك الملائكه كانت على وعي بما كتبت وما قدمت من تجديد، وإذا كانت بداية الشعر الحر تتنازعها أسماء كثيرة، فإن الريادة من دون ريب لنازك لأنها قدمت مشروعاً تنظيرياً متكاملاً، وهي التي حطمت هذا السور التقليدي، لينطلق بعدها المبدعون والمبدعات إلى تجارب شعرية ثرية ومتنوعة.
وإذا كان الشعر مذكراً والإيقاع مذكراً، فإن أنثوية نازك الملائكة هي التي نجحت في تحويل مساره الإبداعي.
إذا كانت نازك الملائكة رحلت عن دنيانا، فإنها ستبقى خالدة في ثقافتنا وفى أذهاننا، وستظل رمزاً لكسر الجمود واختراق المألوف لدى جميع الأجيال القادمة.

***

حارسة القصيدة الحرّة

سعد الحميدين
(السعودية)

نازك الملائكة عاشقة الليل وشاعرة الأجيال ومخططة مسار القصيدة الحديثة من القرن الماضي، بدءاً من قصيدتها «الكوليرا» 1947 ومقدمة ديوانها «شظايا ورماد» و «قرارة الوجه».
كانت الشاعرة الراحلة تمثل الخط الأول للدفاع عن الشعر الحر، إذ جعلته قضيتها فقد كتبت الدراسات والمقالات الكثيرة منظرة ومدافعة عن التوجه الجديد للشعر العربي في الخمسينات من القرن الماضي، فكانت تمثل المرأة العاكسة للحدث الشعري الذي مثل منعطفاً مهماً في الفن الشعري، عندما كونت الكثير من المعلومات عن الشعر الجديد ورصدتها ووثقتها في كتابها الشهير «قضايا الشعر المعاصر»، الذي كان النواة الأولى في الدراسات حول الشعر الجديد «الحر» من الناحية الفنية والرؤيوية، وجسدت فيه ما يشبه العرف الذي ساد عند الشعراء والناقدين مدة طويلة.
فقد رجع وما زال يرجع إلى كتابها هذا عدد من الباحثين والناقدين من الدارسين للشعر الجديد، والى اليوم تذكر نازك الملائكة في كل وربما معظم الدراسات عن الشعر العربي في تقنياته الجديدة وتوجيهاته الحديثة.
قادت الشاعرة العراقية نازك في شعرها حملات تنويرية حول الشعر الجديد وفتحت بابا للدراسات التي توالت وما زالت عن التحولات الحديثة في الشعر العربي، وهى دراسة واعية تملك ثقافة عريضة مصممة بالمعارف كما تدل على ذلك مؤلفاتها عن الشعر والحياة مع دواوينها الشعرية، التي كانت مواكبة للمتطلبات الحياتية لشاعرة مهمومة بالحياة والناس.
غابت الملائكة ولكنها تركت الكثير من الإعمال المهمة في الشأن الثقافي والإبداعي، ومهما كانت المحاولات لطمس منجزاتها التي تركزت على تطوير الشعر العربي، فإنها بإعمالها بقيت وستبقى متجددة على مر الزمن وهكذا شأن المبدع الصادق.

الحياة يونيو 2007

************************

رحيل الشاعرة العراقية نازك الملائكة
(1923 - 2007)

أضاءت كالنيزك في فضاء الريادة الشعرية الواسع
ثم اختارت أن تنتظر كل شيء في الظلال الرطبة

بيروت القسم الثقافي / عمان موسى برهومة

نازك الملائكة رحلت، محزونة، خائبة، معدمة، مريضة، وحيدة في منفاها في القاهرة، وكأن مصير المثقفين العراقيين والكتاب والفنانين أن يموتوا في منافيهم الكثيرة. رائدة الشعر العربي الحديث، مؤسسة ثورة الشعر الحر، عن 84 عاماً (مواليد 1923)، مخلّفة وراءها إرثاً لم يكن يوماً سوى ما نضح به قلبها وعقلها وشعريتها، وما نبع من حالاتها واعتمالاتها وقلقها، وحضورها كإمرأة، تحمل ما تحمل من هواجس المراحل، ومن تفتحات القيم الجديدة، ومن إلزامات الموروث، ومن الخروج على "طاعة" الأمر الواقع. إنها امرأة افتتحت الريادة الشعرية، بكل "عفوية"، عفوية "الخروج" أو "التمرد" أو "الجنون" لكنها بهدوء امرأة تربت على الصمت، والهامشية، والكتاب، والشعر، وهذا ما ترك أثره على امتداد حياتها. لم تألف الضجيج الإعلامي، ولم تحترف أسلوب "العصابات" والمافيات، والأخوانيات، ولا طقوس التزلف، ولا مراتب الأنظمة والأحزاب والقبائل والطوائف. سجلت ريادتها وحدها هكذا، كما فتح نافذته وأطلق منها طيراً فريداً... ولهذا، بقيت، باختيارها، على الهامش... حتى النسيان، وفي العزلة حتى التجاهل، وفي الانفراد حتى حاول كثيرون من ممتهني "سرقة" أدوار الآخرين أن يصادروا دورها وريادتها ونفاذها الى معظم الشعراء الذي كتبوا بعد قصيدتها الأم في الريادة "الكوليرا" (1947). إنها رفيقة السيّاب، وشقيقته في "الاجتراح" لكنها تداركت، وكأنها تبغي تراجعاً عما أنجزته في قصيدة التفعيلة تعود الى العمودي المشطر، بل وكأنها "ثارت" واستكانت، أو فلنقل عادت الى شيء من الواقع الأليف. لكن مع هذا لم يكن في شعرها العمودي الذي ابتدأت به عام 1945، والذي صاغته بعد ثورتها، من مألوف نمطي. كأنها أكملت خروجها على الموزون التاريخي، بدخولها إليه، لتحاول جعله حيّزاً حياً يمكن أن يختزن ما يعتمل به الداخل، أو القلق.
في هذه المناسبة، شهادات من كتاب وشعراء وشيء من شعرها ويومياتها.

***

بدأت قصيدتها باسمها

سميح القاسم
(فلسطين)

نازك الملائكة تركيبة لغوية وشعرية إنسانية فريدة. من اسمها نبدأ، فنازك يوحي بالأناقة والرقة والأنوثة واللباقة. والملائكة توحي بما توحي به من خيال وطهارة ونبل وقدرة على رؤية العالم.
بدأت قصيدتها باسمها. ومع مرور الزمن أثبتت جدارة هذا التناسق بين الاسم والفكر والجسد والروح والقصيدة.
نازك من أسماء التجديد العالية في الشعر العربي الحديث. وكلنا يذكر معركتها حول دورها في الريادة مع بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي.
وبغض النظر عن الروزنامة، تبقى نازك من الإشراقات الأولى في تحديث الشعر العربي. ويظل دورها كشاعرة وامرأة وإنسانة عراقية عربية جميلاً ومتداخلاً بحيث يغدو رحيلها محزناً بكل المقاييس.
وما يدهش أن الأرض العراقية تبدو أرضاً صالحة لنمو الشعر. فبعد نازك الملائكة والبياتي والسياب والعملاق محمد مهدي الجواهري ما زالت الأرض العراقية والعذاب العراقي والدم العراقي يقدم جدارته الأصيلة في الإبداع الشعري، ففي العراق أصوات جديدة جديرة بكل انتباه.
ولا يبقى لنا إلا أن نطلب لأختنا وحبيبتنا نازك الملائكة غفران الله ورضوانه، فكل نفس ذائقة الموت حتى أنفس الشعراء.

***

ثارت قبل ستين عاماً

إبراهيم نصرالله
(الأردن)

ذات يوم وضعت اللبنة الأولى في مبنى حداثتنا الشعرية، ذات يوم كانت الأم، وسواء واصلت الانجاب أو توقفت فإنها تبقى أمّاً، وإلا فالأمر يدعو للحزن والأسى، إذا ما اعتبرنا الأم، أي أم، ليست أماً، لمجرد أنها كفّت عن الإنجاب.
لعل نازك الملائكة لم تلدنا مباشرة نحن الذين جئنا بعد ربع قرن من بدء مسيرتها، لكنها بالتأكيد ولدت كثيرين قبلنا، وكان لهم الحضور اللافت في مسيرة أرواحنا.
المحزن في كل هذا، هو دورة الحياة، ورياح الموت التي لا تبقي ولا تذر، فكلما ودّعنا أحداً من هؤلاء الكبار، اقتربنا أكثر من تلك اللحظة التي لن نستطيع فيها أن نلوّح لأنفسنا في وداعنا الخاص.
ستعيش نازك الملائكة بقوة الريادة، لأن الريادة تحمل في جوهرها قيمة الشجاعة وكسر الساكن وتذرية الغبار المتراكم على إيقاع القلب وشفافية الروح.
لقد فعلت الكثير حين ثارت قبل ستين عاماً، ولم تكتب قصيدتها فقط، بل كتبت القصائد التي كُتبت بعدها، والتي ستُكتب.

****

أهميتها مرتبطة بسياق تاريخي

فيصل دراج
(فلسطين)

تعود أهمية نازك الملائكة إلى