لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

قاسم حداد بصوته قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

لكنها المقاومة

لهنري ميشو قصيدة بعنوان ملكي يقول فيها (اطبق على ملكي في الليل، اقوم إليه بالتدريج وألوي عنقه، يستعيد قواه فأرجع إليه وألوي عنقه مرة أخرى. أهزه، أهزه كشجرة خوخ عتيقة الى ان يضطرب التاج على رأسه.
ومع ذلك فهو ملكي، اعرف ذلك ويعرفه، وأنا بالتأكيد في خدمته.
(في غرفتي الصغيرة اضرط على وجه ملكي خفية وانفجر بعدها بالضحك، يحاول ان يبدي وجها هادئاً خالياً من الاهانة لكني لا اتوقف عن الضراط على وجهه إلا حين استدير إليه وانفجر ضحكاً من وجهه النبيل وهو يسعى الى ان يحفظ جلاله.
هكذا اسلك معه، وهكذا تستمر حياتي المظلمة بلا نهاية.
والآن، ألقيه الى الارض واقعد على وجهه، وجهه المعظم، بنطلوني الخشن المبقع بالزيت ومؤخرتي، فهذا في الخلاصة اسمها، يستقران بلا منازع فوق هذا الوجه الذي صنع ليحكم، اصفعه، اصفعه، وأمخطه هازئاً كما لو كان طفلاً، مع ذلك لامراء في انه هو الملك وأنا تابعه، تابعه الوحيد).
كان يكفي مقطع من قصيدة ميشو، (هل تبقى قصيدة مع كل هذا الضراط والمخاط) لكني آثرت أترجم (لست اول مترجميها) اثنين او ثلاثة منها. لربما كان من الاساءة للشعر ان نجعل منه شاهدا على حال من احوال الواقع، لكن اعجوبة الشعر في احيان ان يقول في كلمة خلاصة سلسلة متفجرة من المفارقات والمتناقضات، قصيدة ميشو قادرة على ذلك وبنوع من النفاذ والعبقرية، إذ اننا لا نستطيع ان نحصي الملوك الذين لا تستطيع كل اهانات الواقع واهانات العصر وحتى اهانات رعاياهم وسخفهم بل وعارهم احياناً. لم يستطيع كل ذلك ان يمنع بقاءهم ملوكاً، وان يمنعنا من ان نكون في لحظة اتباعهم، او ان يمنع وجوههم المعفرة بالاهانات من ان تعود جليلة، وتيجانهم الساقطة في القذارة من ان ترتفع مهيبة، ملوكنا اصنامنا الجليلة، اقانيمنا العظيمة التي لا ينتصر عليها هزء العالم والتاريخ والوقائع، ولا ينهيها ان تقع مرات بعد مرات في الوحل، او ان يثبت كل يوم بؤسها ولا جدواها، انها تنهض من تحت الصفعات والبصقات والضراط، صفعاتنا نحن وبصقاتنا وضراطنا ملكية من جديد، ليس في الأمر بالطبع خديعة ولا مكيدة ولا حيلة، وليس فيه تمويه او التباس ولا شبهة، الوضوح العاري والحقيقة الساطعة وكل شيء يحصل في نهار جلي الملك لا تمويه والتابع بلا لبس، مع ذلك هناك اسم الملك واسم التابع، وبهذا الاسم يبقى الملك ملكاً والتابع تابعاً.
منذ 1967، تبدأ اللعبة، انهار الحلم العسكري في يوم، القائد الذي ظل طويلاً جنرال الحق وجنرال الأمة بدأ في لحظة مغلوباً، والجيش الذي كان الصورة المثالية للشعب عاد مزقا. كانت هذه أيضا لحظة تهريج ضخمة فجر الناس خيبتهم في أطنان من النكات والضحك، ثم نزلوا الى الشارع، منادين القائد ان يبقى قائداً والجيش ان يبقى جيشاً.
كانت الهزيمة موحية، يسارا ويمينا كان ثمة وحي آخر ربما نسينا اليوم الحلم الفيتنامي حرب الشعب لكن الحلم الاصولي ما زال قائماً وما زال قاعه مثقوباً وبلا نهاية، ليس هذا هو المهم، عند اول محك ظهرت الاشباح جميعاً ولكن غالباً في صور اسوأ، القائد مع كل الاعذار والتغاضيات فقط يبقى قائداً. وليكون لنا قائدا. جنرالات الحق في كل مكان، وهذه المرة بلا حدود ولا شروط، هزيمة حزيران تكررت عدة مرات لكن بمسامحة مطلقة كان يكفي الآن تغير الاسم، تسمي الهزيمة نصرا ويكفي، تضيف للقائد أسماً آخر فيعود جديداً ويولد ثانية، بدل الهزيمة نحارب شعباً آخر. بدل فلسطين نضطهد الاكراد. وبالطبع هناك اسم آخر لكل ذلك، في النهاية تعد الوطنية والحرب والقائد اقانيم ثباتة، لا نتكلم عن الهزيمة، ليس للهزيمة اسم عندنا، بالطبع لا نحلم بمديح الهزيمة كما فعل الألمان، تلك ثقافة أخرى.
اسم يحيي واسم يميت، بدل الحرب الاهلية والانقسام اللبناني بين العرب وأعداء العرب. يغعدو اسم لبنان البلد العربي المقاوم، هذا اسم فوق كل شيء وضد كل شيء. ويكفي لقلب الامور كلها وتضييع الامور كلها. اخيراً المقاومة العراقية، تفجير الأمم المتحدة، نقول هذا ليس صائباً إننا نخطئ تحديد العدو، مع ذلك تبقى المقاومة هي المقاومة وبهذا الاسم سنستصرخها ونناديها من اعماق حطين ونسلمها اللواء.
تفجر المقام الشيعي وتقتل المصلين لكنها المقاومة ونحن لسنا سوى اتباعها ومناصريها، نقول هذا ليس وطنيا ولا مقاوماً ويهيئ لحرب أهلية لكنها المقاومة ونحن اتباعها.
تطلق الصواريخ على زوار الاربعين في النجف ويسقط مئتان ونقول ان هذا طائفي وليس وطنياً لكنها المقاومة ونحن لسنا سوى اتباعها ومؤيديها، وفي اللحظة المناسبة نستصرخها ان تزيد.
تفجر مراكز التطوع العراقية ونقول هذا غلط هذا ليس وطنياً تماماً ولا عراقياً لكنها المقاومة ونحن اتباعها، وفي لحظة ما نستصرخها ان تزيد، نلاحظ قطع الرؤوس وتصفية الاجانب، نقول هذا ليس انسانياً انه غلط ويبرر الاميركيين ويغطي على جرائمهم في (ابو غريب) وعلى انتهاكاتهم الفظيعة؟ للمساجين والسجينات، لكنها المقاومة في نهاية الأمر!! وبهذا الاسم لا نستطيع ان نكون سوى اتباعها. نشك في بيان الزرقاوي البول بوتي. بيان التصفية شبه العامة ثم نتحقق منه وفي الحالين هي المقاومة وبهذا الاسم لسنا سوى اتباعها، نفهم انها واعية او غير واعية تدبر لحرب أهلية طويلة وبلا نهاية نقول هذا، لكنها المقاومة ولسنا سوى اتباعها وفي اللحظة المناسبة نستصرخها لتزيد.
سنقول في يوم انها ليست وطنية وفي يوم انها ليست عراقية، وفي يوم انها ليست مقاومة لكنها المقاومة.. وبهذا الاسم لسنا سوى مؤيديها واتباعها، هل اعيد لازمة قصيدة ميشو (انه ملكي وأنا في خدمته).

*******

الشعر والحقيقة

في آخر امسيات <جدل> الشعرية قرأ حاكم مردان قصائد، لا اعرف بأي نعت اصفها. سأسميها مؤقتا <حقيقية>. هل نستطيع ان نجد صلة سهلة بين الشعر والحقيقة. لا أظن، فالشعر والحقيقة مفهومان بلا تعريف، والربط بينهما هو اذا استعرنا عنوان وديع سعادة وصل ضفتين بصوت. أو إذا شئنا أن ننوع على وديع سعادة قلنا إنه وصل وهمين بصوت. مع ذلك فإن حاكم مردان مر بخفة بين ضفتي الفراغ هاتين وأعطانا صوته. صوته الذي لا يعرف التوسط. انه الطفل احيانا والكهل احيانا اخرى، يريل كعجوز ويلعب كطفل. ليس شابا إلا قليلا. لا اعرف اذا كان حاكم مردان وحده ينسى الشباب. مديح الشباب يأتي في العادة متأخرا، في الواقع ما من عمر طيب. لا نحسن الكتابة الا انتقاما من الأعمار. الطفولة الملائكية تنقضي بالخوف. المراهقة تنقضي بالقلق. الشباب ينقضي بالخيبة. والشيخوخة، الشيخوخة تكذب العمر. المهم ان حاكم مردان يحاذر ان يغني. اذا فعل ذلك فلأن زهرة لوز سقطت تماما بين أصابعه وسيعد أوراقها قبل ان يكتفي باسمها الجميل: زهرة اللوز. يحاذر ان يغني وكما يجدر بشاعر يحاذر ان يكون شاعرا. انه يطعم الشعر احيانا للحقيقة. يتركها تبتلعه بكل قوافيه وسمع احيانا قافية تتحطم بين اسنانها. كان صوت حاكم مردان خفيضا لكن واضحا. لم يكن بحاجة الى علو ولا الى وضوح. مع ذلك كان بحاجة الى شيء آخر ليؤكد لنا ان الحقيقة تحب ان ترى. ان الشعر يمكن ان يكون مشعا بعد ان تبتلعه الحقيقة.
في نهاية الامسية وبعد ان ختم حاكم وابتعد، أحب ان يقرأ شعرا باللبنانية. قرأ قصائد نموذجية اذا فكرنا بقصيدة تلخص ميشال طراد وسعيد عقل وطلال حيدر وموريس عواد وعصام العبد الله وبقية الشعر اللبناني. اذا فكرنا بمحاكاة كاريكاتورية لهؤلاء تنتج نصا لبنانيا مغفلا وبلا توقيع او مؤلف. صنع مردان هذا النص. ضحكنا. قالت صديقة انها معارضات ساخرة. لم يقصد مردان هذا بالتأكيد. ربما لم يفهم تماما لماذا ضحكوا. كان يحيي في نصوصه الشعر اللبناني واللهجة الللبنانية وحياته في لبنان. مع ذلك بدا نصه تقليدا ساخرا. ضحكنا لكننا ضحكنا وحدنا ومن أنفسنا. فكرت ان من الممكن ان نصنع نصا مماثلا في محاكاة الشعر الفصيح. لن نكلف به حاكم مردان بالتأكيد. لا بد من آخر يأتي ويرينا كم نقلد نحن انفسنا. ألم أقل إن عند حاكم مردان تلك الصلة الخطرة بين الشعر والحقيقة. الغريب ان <الشعر والحقيقة> العنوان الذي وضعه لسيرته الذاتية، ماذا كان الألماني الكبير يقصد بهذا العنوان؟

السفير -2006/05/15

****

الطريق إلى صور

أول ما رأيناه جبلين من الأنقاض على الأوزاعي. جبلان صغيران توأمان متقابلان. لم يكونا مجرد كومة هائلة من شقف وأحجار، لم تُلق البقايا كما أتفق، كان هناك جبلان مستويان بجوانب شبه ملساء (من بعيد) وشكل متناسق، جبلان متآخيان على الأرض المسلحة وتقريباً على الشاطئ، كانا موجودين في فضاء كاف وفراغ كاف ورغم حجمهما الكبير كانا ممشوقين ومتآلفين كثيراً مع المدى البحري والبري، لقد اعتني بالتأكيد لكي لا يكونا كوماً مرمية على بعضها البعض وقمامة حجرية، اعتني ليكونا شكلاً مستوياً بسيطاً متناسباً مع خطوط البحر والأفق، أثارني كونهما اثنين. الشعر العربي القديم يتكلم دائماً عن اثنين مسافرين يقفان على الأطلال، وها هي الاطلال نفسها تسافر في اثنين. لا أعرف اذا كان من نسّقوهما على هذا فكروا به فعلاً، أم ان هذا كان مجرد ترتيب للكتلة والمساحة، ما طغى عليّ كان إحساساً جمالياً، كنت قرأت أفكاراً عن نصب تذكاري لتدمير الضاحية لكني وجدت ببساطة النصب جاهزاً قلت لميرييل هذا هو النصب. بالتأكيد لن يدوم فهو يأكل من المساحة اكثر مما تحتمل ناحية مسكونة. لكنه جميل. بل أنا لم أر شيئا من زمن بمثل هذه الطمأنينة والإلفة والسلام، لقد تحول الانهدام والانهيار والدمار والكتل المتهاوية والصراخ والرعب والسحق الى شيء ساكن في الشمس والضوء والمدى البحري، الى أخوين داجنين يتسايران على الطريق، كان رعب ليال كثيرة واعتداء جحيمي في هذا الشكل الشبيه كثيرا بما ظنه الجميع في “الأمير الصغير” لسانت اكسوبيري قبعة فيما كان الطفل وحده يعرف أنه الشكل النهائي والأخير لحية تبتلع فيلا. ترى هل تستقر هكذا ونهائياً تلك الأهوال في هذين الشكلين، في الشعر العربي القديم ليس الاثنان واحداً في السلوك. أحدهما ينادي الآخر ليشاركه في الوقوف على الأطلال. لا بد انه هو الذي يبكي والآخر يسنده ويعزيه، إنه يعينه على تحمل حزن لو عاناه وحيداً لقتله، أفكر اذا كان الأمر كذلك بين الجبلين. اذا كنا مستعيدين رمزية الشعر القديم، نستطيع ان نفكر بأن الجبل الأصغر هو هنا لمصاحبة كهذه، إنه يعين هؤلاء المقصوفين المردومين على ان يعبروا بسلام ليل رعبهم الطويل، أفكر بأنها قد تكون مصاحبة الأحياء للموتى تلك التي ستستمر طويلاً الى ان ينتهي الحداد. إنها المصاحبة التي لم ينفرز بعد فيها الجمعان من بعضهما البعض، والتي ستبقى طويلاً في ظل الايام الهائلة التي لم تفرز بعد ذلك الخليط الهائل من الموت والعراء والنزوح والتدمير، أشعر عندئذ أنني أدخل في مسام الجبلين، فإن الشكل المسالم البسيط بدأ يتحول الى لحن لوعة متتابع، وأحس ان عيني تكادان تبتلان.

كل هذا لا أستطيع ان أفسره لميرييل، لو فعلت لكان مفيداً لريبورتاجها الإذاعي لكني أقول لها فقط، إن المشهد جميل وأروح أسأل نفسي اذا لم يكن في ذلك الاحساس بالجمال شيء من السخرية من نفسي، نوع من اللامبالاة الضمنية، كيف يمكن ان نفكر بالأنقاض هكذا بدون ان نكسر المأساة، بدون ان نهين الألم البشري ونجعل منه فحسب خاتمة للفن. فكرت أنني استطيع ان أبني شيئا كهذا من الجثث ايضا. أني ربما العب بحياتي على النحو ذاته وأحولها الى خردة فنية، ربما كان هنا الشيء الذي تظنه ميرييل خوفاً او هروباً. لكن هل عليّ حق ان استحي بهذا الشعور في الوقت الذي لا أحس فيه بأي ندم وأكاد أحسب انه شعور نبيل وأنه تعامل صحي وإنساني مع الألم، كنت دائماً أتضايق من هؤلاء الذين يأتون عندنا بعد كل فاجعة ليؤكدوا لنا قدرة اللبناني، الفائق على الحياة وأقول في نفسي إنها أفضل وسيلة لنسيان قدرته الفائقة على الموت. لم أكن ابداً جاحداً للنسيان ولا أجد سبباً للترهب للذاكرة. لكن هذه الفكرة عن القدرة الفائقة على الحياة مع كل تظاهرها بالحياة ليست سوى كليشيه. بل هي نوع من إرضاء جاهز للذات ومسامحة شبه مسبقة لها. نقول إن لدينا دائماً ما نعلمه ولا نطيق النظر الى وراء، لدينا دائماً ما نعمله. إنها هذه النزعة البوليمية الى ان نملأ انفسنا بأي شيء، مع ذلك بقي لدي هذا الإحساس بأن هذا النصُب سوّى نفسه، لقد كانت هذه طريقتهم في توضيب البقايا ونفذوها مراراً. لقد كوموها بنظام ولم ينتبهوا الى انهم صنعوا شيئا جميلاً. ربما كنت أول من لاحظ ذلك ويمكن ان اهنئ نفسي. لم يكن شبه المستطيل اللطيف اعتداءً، لم يكن حيلة لإخفاء القسوة، كان فقط جبلاً، أليس مؤثراً ان نجعل من الألم جبلاً. ان نمنح هذا العلو وتلك الصلابة لشقائنا الخاص، وجدت معنى مماثلا لترحيل الانقاض، لإعادة نصبها في مكان آخر، ليس فقط بسبب البعد “النزوحي” للمأساة بل ايضا بسبب هذا المعنى الإضافي التي تكسبه الاشياء من انتقالها. فكرت بأن هذه الخطوط البسيطة هي ايضا اوتار لذلك الشيء الواحد والحقيقي والذي لا يمكن إنكاره كالألم.

كنا نبحث في الغازية عن فرن لشراء منقوشة حين انتبهت فقط انني في الغازية، كان علي ان أكون دليلاً جيداً لميرييل، الست عائداً الى بلدتي، لكن أفران السفيحة ورائحة الشواء لم ترشدني إلا بصعوبة الى أنني هناك. ساعة انتبهت التفت ورائي فرأيت فوراً بيتاً واحداً مدمراً. كان ساقطاً الى داخله بدون ردم حوله، لقد انخسف السقف المقطع وأتكأ على الجوانب بادياً هكذا وكأنه اجنحة مقصفة، كان البيت هكذا خالياً كلعبة، وبدا غير لافت جنب الأماكن العامرة الآهلة كأنما وجد جنبها من زمن، لقد دخل بسرعة في سوية السوق. بدا كأنه تعرض لحادث وترك على جنب الطريق، مع ذلك كان وحده في ذلك المكان الذي يعج بالشغل والحركة. جعله هذا يبدو مهجورا، خمنت ان المنطقة في الاعلى ردم كثيف ففي هذا المكان حدثت مجزرة. لا شك ان هناك انفجارا ما زال صارخاً ولم يهدأ في ضجة السوق. لم أقترح على ميرييل ان نذهب الى هناك، لم أرغب في ان أرى بحرا من الدمار، ربما من خشية ان يتشبع بصري باكراً.

كان عليّ ان أعيد على ميرييل حكاية هذه البلدات الجديدة التي تنشأ على طرفي الطريق العام حيث لا يبقى حد بين الشغل والاقامة والفراغ فتغدو جميعها واحداً تقريباً، وتغدو الحياة معها ساعة واحدة بدون اي تمييز. لكن هذا رغم كل شيء كلام قديم.

على الزهراني حيث مصفاة النفط رأينا الجسر مقطوعاً تماماً من منتصفه. كنت رأيت من قبل جسوراً مزعزعة في وسطها بخروق وقضبان حديد عارية اما هذا الجسر فكان مقطوعاً تماما، رأيته من تحته فبدا لي وكأن القطع يستمر نزولاً حتى الأرض. فاغراً كأنما هو بئر في الفراغ. طالما أحببت الجسور، ما ان تصعد بي السيارة جسراً حتى أشعر أنني ارتفعت عن الأرض. ان في ارتقاء جسر صعوداً الى السماء او كأنه بحد ذاته تقليد للطيران، احب اللحظة التي تعبر فيها السيارة الجسر. أحس انها تقريباً لحظة إقلاع، أحبها وهي تطير على الجسر وأحس انها على وشك ان تحلق. أحب ان أرى العالم من جانبي الجسر. انه دائا ممتد من تحت، أحببت مدناً لجسورها، عمان مثلا، أعرف ان بيروت قائمة على جسور وحينما كنت أسمع اخبار القصف الإسرائيلي، وأعد مزيداً من الجسور، اتعجب لوفرة ما يجدون منها وأشعر ان البلد كله قائم على جسور، بدا لي أنهم هم ايضا زهقوا من فرط كثرتها، قصفوا سبعين كما قرأت في مقالة جون لو كاريه Jeon le Carre في اللوموند. وبقي امامهم ما يفعلونه. الجسور التي كانت محفرة شعرت، إزاءها كما لو كانوا القوا زجاجة أسيد على وجه جميل. فكرت انهم نجحوا فقط في تشويهها وأنها الآن مخرقة كما لو كانت اسمالاً. لم أحب النظر في القضبان البارزة كرهت هذا النوع من التعرية المهنية، بدت لي الجسور المصابة ممرغة الوجوه. أما هذا الجسر فمقطوع بكل هيبته. ذلك ظاهر في قوة الضربة. في الحد المبتور تماما، في العمق النازل الارض، في القوائم التي تحمل الوجه المصدع لكن غير المهان، في الماضي كانت الجسور تحمي، أذكر صورة اشتهرت يومذاك لرجل مذعور من القصف لاجئ الى تحت جسر، الآن نصل الى جنب الفجوة الهائلة ونرى الجسر ايضا مخيفا وجليلا لنحيد ونهبط عنه، ولا نعرف إلا بعد ضياع قليل اين تبدأ الطريق.

في صور نجلس على صخرة “الجمل” المدقوقة في عمق البحر وتكاد تشقه الى بحرين يلتقيان في قوس عن يمينها وشمالها، كنا امام الماء الكحلي وتكلمت عن البحر، وانا الذي كتبت قصيدة طويلة عن البحر لم أجد سوى ان اذكر حلما عن البحر كتبته غالبا وصدقت بعد ذلك اني رأيته، رجعنا الى حديث المدينة، كيف أريد ان أتكلم عن هذا الصلح مع امهاتنا غير الجميلات كما كتبت بعد دمار الضاحية، كنت أفاجأ بدمعة في حلقي واتوقف قليلا حتى أبتلعها وأشد صوتي، وأقول حين لا انجح في ذلك بأنها حالة ميلودرامية وان تروما الحروب تجعلنا نريّل على أنفسنا.

في العودة نظرت الى بناية الدفاع المدني الذي راح في قصفها 27 شخصاً، كانت منكسة قليلاً لقد تحول رأسها الى رقائق اسمنتية متراكمة لكنها لا تزال واقفة. احرقوا 27 شخصاً فقط في الطوابق العليا التي كبست فوق بعضها وغدت اشبه بصفحات كتاب ملتصقة. رأس مسحوق ومترمد هرس بالكامل ولا يزال باقياً. لا أعرف لماذا فكرت ببرج التجارة العالمي. شيء ما ذكرني فيه، استطيع انطلاقا من ذلك ان اتخيل كيف كان الأمر بعد ان اخترقت الصواريخ الطبقات العليا وكيف بدأت هذه تصطكّ فيما الدخان يفور منها.

السفير -الجمعة، 6 تشرين أول «أكتوبر» 2006

*****

بورتريهات جيلبر حاج وحديث عن الهويات الشقية

نعرف الى أين تتطلع وجوه جيلبر حاج. عيونها معلقة بعين الكاميرا الآلية. لا وهم في هذه الوجوه. إنها صنيعة الكاميرا ولا تقول شيئا آخر. لا تقول إنها لقطة من الحياة سرقتها الكاميرا. لا تقول إنها تقليد للحياة. ما تقوله هو العكس. إنها تمتثل للآلة. تقف كما تريدها أن تقف. وضعة وجاهية بلا أي تعبير. الوضعة الوحيدة التي نحسب أنها تقليد للآلة. ما تريده هذه الوجوه ليس توثيقا ولا تسجيلا ولا سردا ولا وصفا. ما تريده هو الصورة فقط، الصورة التي هي أعلى من اللحظة. من اللقطة. من الحياة الجارية. من التعابير والمشاعر. بل هي أعلى من موضوعها. الوجوه المصورة لن تتذكر شيئا عن نفسها في هذه الصورة. إذا خطر لها شيء فلن يخطر لها سوى وضعها أمام المصور وعين الكاميرا المسلطة عليها. الوجوه المصورة لن تجد نفسها تماما في هذه الصور. ستجد شيئا آخر. شيئا لا يمكن أن تكونه إلا بالموت أو بالاختفاء. لا يمكن أن تكون إلا إذا سبقت نفسها، أو إذا وجدت نفسها في إطار ثان. قد تضحك من نفسها في الصورة وقد لا تضحك، لكنها تعرف أنها صورة لزمن ثان. إنها مؤجلة لما بعدها أو أنها نوع من تصبيرها كما تصبر الطيور أو الحيوانات. لن نقول إن استديو المصور هو دائما مختبر تحنيط وتصبير. لكننا ازاء صور جيلبير الحاج نجرؤ على أن نقوله. ليس التخليد أو التأبيد ما تريده الوجوه من هذه الصور. إنها لا تجد نفسها بالضرورة متسامية مؤلهة فيها. قد تضحك منها. قد تجدها فقط لاستعمال سريع. جواز سفر أو هوية. ثم إنها في العادة تختارها لنسخ كثيرة إذ يحتاج الجوار والهوية الى أكثر من نسخة، وإذا فضلت نسخة وفاضت عن الاستعمال فلا بأس من إهمالها أو رميها. كل منا يحمل في جيبه صورة كهذه وقلّما ينظر إليها إلا وهو مفاجأ وكأنه لا يصدق أن من الممكن أن يكون بعيداً عن نفسه الى هذا الحد. هذه صور تصفنا لآخرين لسنا بالنسبة لهم إلا غفلاً. آخرين يطابقون بين وجوهنا وصورها في الجواز أو الهوية مثلاً أو يتأكدون فيها من هارب أو مطلوب أو مخطوف. إنها صورنا حين لا نحتاج الى أن نكون نحن إلا بمقدار ما يعني هذا الآخرين. حين نكون بالنسبة لهم توقعا أو نعمة أو علامة فارقة..
هذه الصور ليست شيئا سوى صور صافية. إنها لغة الآلة وفكرتها عن الشيء. بل هي صورتنا حين لا نكون سوى صورة، إنها مطابقة وليست مطابقة. لا تتطلع الى أي شيء سوى نفسها وسوى المكان الذي خرجت منه إلى عين الكاميرا. وإذا دلت فهي تدل على فارق ضمن العموم. إنها فقط لكي لا يختفي المرء في العموم ليكون له ذات الوجه. ذات الصورة مع فارق تفصيلي يجعله لا يدخل السجن عن غيره من فرط ما يمكن أن يكون غيره.
ربما يريد جيلبر حاج أن يكلمنا عن وجودنا القبلي والمسبق في الكاميرا. عن صورتنا الافتراضية. عن صورتنا الصافية والكاملة التي لا تلبسنا تماما إلا في غيابنا. إذا كانت هذه الوجوه التي مثلت للكاميرا لا تريد أن تضع فيها إلا ما تعتبره حصة الكاميرا وواجبها، فإن أسهل ما يمكن هو إعارة أنفسنا دائما لآلة ما. قد تكون آلة كلام أيضا. وننتظر منها أن تظهر صورتنا الافتراضية القبلية تلك.

هناك آلات كلام وفن إذن ونحن نتطلع الى عينها وننتظر منها أن تمنحنا تلك الصور العامة التي تتمايز بفارق وحيد قد يكون الاسم والتوقيع. تتباهى الأمم وتتباهى الأعراق في هذا العموم السديمي إذ لا يمكن للمباراة أن تتم إلا حين يكون الامتحان هو نفسه للجميع. المباراة تتم بين تلك الصور الافتراضية التي تصنعها آلة واحدة أو آلات متقاربة. للوطنيات على سبيل المثال لغة متقاربة، وكم يرعب أن نكتشف أن شيئا من لغة النازي موجود عن قصد أو غير قصد في لغة مثلا le pen وطنيات أخرى. إذا كان الوجه أبيض أو أشقر أو أسود أو فتى أو امرأة فإنه يفوّض الكاميرا أن تجعل له صورة تتخطى ذلك وتؤمثله. لا شك في ان العالم في نظر الكاميرا الاشتراكية السوفياتية كان واحدا ولم تكن الألوان والأعراق والظروف سوى فوارق ثانوية. قبيل الحرب كانت مؤتمرات الحزب الشيوعي على يقين من اندراج المجتمع اللبناني في صفوف طبقية. كان الليبراليون اللبنانيون لا يشكون أننا أدنى ما يكون من دولة حديثة تنتظم فيها الكتل والجماعات حول رؤى ومصالح سياسية واقتصادية. لم يكن الشيوعيون يحسبون أننا وصلنا لكنهم لا يشكون أننا بدأنا. وكذلك كان الليبراليون، أي إن الجميع يعتبرون الخصوصيات حالة من الفوضى والتبعثر قبل أن تصل الى جادة السياق العام. الى الصورة الصافية التي تنحصر فيها الفوارق في أقل عدد وأقل صفة. لكن الفارق لا يحتاج الى عدد أو صفة ليغدو فجأة حاسما أو متسلطا. سنتكلم عن هذا في ما بعد، لكن ما يهمني الآن هو الآلات التي تصنع صورا على مقاسها وتوحي لنا بأن نقلدها. ما يهمني هو هذه الحاجة الى صور تتجاوز دائما خصوصياتنا وتجعلنا نحن أنفسنا نوعا من الصور. ليست هذه عن سذاجة ولا جهالة وليس لنا أن نتهم أصحابها بالتعالي أو الانفصال عن الواقع، فالواقع يفتقر الى التحديد، وليس دائما صدقا وحقا فهو يشمل الوهم والخداع. ثم انه يتظاهر في كل الأشكال والأحوال، وقد يكون مجرد عدة نختار منها ما يناسب ونغفل ما لا يناسب. ليست سذاجة ولا جهالة بل هي حاجة الى أن ننظر الى أنفسنا في أنساق لا نعرف أو لا نريد أن نعرف من أين سقطت علينا، أهي من الآلة التي وقفنا قبالتها فحسب، هل أتتنا عرضاً أو خطرت لنا صدفة من أي مكان لتغدو فجأة أصلا لا يتزعزع في تعريفنا بأنفسنا أو تقديمنا لها. كانت القوميات دأب النخب في مطالع القرن الماضي، وها هي الآن نبض الشارع، ولا نعرف الى الآن إن كان هناك ثمة مثال سابق لياسر عرفات وصدام حسين وحتى أسامة بن لادن، بل نحن لا نعرف كيف استحالت هذه أو تلك أنماطا مسيطرة. فانتقال الصور كاجتراحها أمر عبث. تبدأ الصور غريبة محيرة ثم تتلبسنا وتغدو كل فكرتنا عن أنفسنا. هناك بالطبع هذه الحاجة الى العموم لكن أيضا الحاجة الى الفارق الوحيد غالبا الذي هو أيضاً صوري لكنه يغدو فجأة حداً بين ذوات وذوات. الفارق الذي يكون بحت تكرار أو بحت تسمية، فما يعني أن تكون عربياً أو ألمانياً أو فرنسياً، سوى تكرار ذلك كل مرة أو إضافته كل مرة وكأنه توقيع لا غنى عنه. صناعة الصور هي أيضا صناعة الفوارق. لا تختلف وجوه جيلبير الحاج في شيء لأول وهلة. تتمايز عيونها وألوانها وسحنها بالطبع، لكن ما تريد أن تقوله هو انها رغم ذلك لا تملك فكرة أخرى عن أنفسها.

رغم ذلك نرى أن اللحظة التي تفترق فيها عن بعضها بأي وازع ليست بعيدة. يمكن للاسم أو اللون أو الجنس أن تغدو فجأة حدوداً لا تقهر. يمكن بالطبع أن تقع الصورة الطارئة على نعرة متأصلة فتلبسها وتستمد منها. وحتى في هذه الحال تزداد النعرة تحت الاسم الجديد خفاءً وتبقى الصورة أظهر وأشد بروزاً. لا نعرف الآن لهذه النزعة الجهادية الضاربة قاعدة واضحة. يستهوي ايناسيو سيلونه في اللوموند أن يجد فيها عنوانا آخر لنزعة قومية مستترة، لكن النزعة القومية بنت في يوم على نعرة مستترة أيضا. وهذا بحد ذاته دوران في فراغ، لكن الصورة التي هي نمط عام تقدر على أن تستولد من نفسها فرقاً قاتلاً على حد لغة أمين معلوف في الهويات القاتلة، ولا نلتمس بسهولة تحليلاً لذلك إلا أن أموراً هي في بدئها تقنيات أو إسقاطات لا غير تغدو في ما بعد كهانة مخيفة. قد تظهّر الصورة أشياء كامنة لكن هذا ليس هو الموضوع. فالمهم أن ليس بين الصورة وموضوعها علاقة ضرورية. بينهما مسافة متروكة للصدفة والارتجال والمصاقبة الصرفة.

لكنهما بقدرة غير مفهومة يستحيلان في لحظة جسدا واحدا. كان لكلمة وطنية في الحرب اللبنانية سيادة في الجانبين المتقاتلين، ولم يعن اشتراك الاثنين في الكلمة شيئاً ولا ترك شبهة على اقتتالهما نفسه. يختلف المتكلمون في الجهاد على معناه ويتباينون من الهداية بالكلمة الى قص الرؤوس بجر سكين مثلومة تتمادى في الذبح. لكن الجهاد يبقى مثلاً وصورة تتلبس كل ذلك بلا فرق. ذلك أن الحضور الاعتباطي للكلمة هو ذاته الحضور الاعتباطي للصورة. الصور التي تُعد بقياس محسوب وشرط محسوب لجواز السفر هي الغريبة تماما عن صاحبها، والصور التي يعدها لآخرته غيرها. إنه يعدّ لها صورا أجمل وأنجح يقدر على أن يتخيل ذاته فيها أو يعتقد أنه فيها، لكن الصورة النمطية، صورة الجواز، تغدو صورته الرسمية، الصورة الأصل، وما سواها متفرق جزئي. لنتأمل هذه المطابقة الغريبة لما لا يتطابق أو لم تكن المطابقة غايته. شيء كاعتباطية الدلالة كما افترضها سوسير. إذا كانت مفردة الكرسي تدل على الكرسي دون نقاش فإننا لا نعرف تاريخا كانت فيه كلمة الكرسي والكرسي منفصلين. ذلك متعذر نظريا على الأقل لكن بين الصورة وموضوعها، بين الوطنية والجهاد وتجسيداتهما، مسافة زمن على الأقل. يمكننا نظريا أن نتصورهما منفصلين أو متباعدين. لذا نعجب من أن يتطابقا فجأة وكأنها من معدن واحد. تقع الصورة على الموضوع في أول الأمر وقوعا مضطربا محيّرا. فيظهر بين الاثنين اختلال أو تباين أو تراكب قلق، ثم إذا بهما في لحظة قد تلابسا واندمجا. كانت العروبة في أول أمرها نبتاً مسيحياً ثم إذا بها والإسلام شيء واحد وقد تلابس في ما بعد طائفة أو مذهباً. ثم إن الصورة قد تصنع تاريخها. يقول السلفيون إنهم أمناء للسلف لكن هذا السلف ليس الترجمة ولا علم الكلام العقلاني ولا الفلسفة ولا الشعر ولا الحكاية، فأين يكون هذا السلف إذن. وإذا علمنا أن الصينيين يزعمون انهم اخترعوا الشاي قبل أن توجد الصين، فهمنا أن تلك الآصرة بين الصور الأصلية والقدم خادعة ومصنوعة، واحتجاج هذه الصور بالتاريخ بلا أساس، وما من سبيل الى أن يغدو التاريخ أسطورة وقدسا وحرزا إلا أن نستنبعه من صور كبرى أو أصلية. كأن التاريخ حيلة الصور لتبدو أقدم من نفسها. إذا كانت الصور في حقيقتها بلا ماض فإنها هكذا تستولي على ماض أو على الماضي. ليس ذلك صعبا عليها لأنه لا يحتاج الى علم ولا الى تثبت، فليس أسهل من أن يتلبس التحريض ثوب العلم والتاريخ وليس أسهل من أن ينجح التحريض ويعم. يكفي أن تقول إن شيئا في خطر ليهب الجميع. يكفي القول إن الأمة أو الثقافة أو شجرة الأرز أو النخلة في خطر لتجد مصغيا ولتجد تكتلا. ليس لزاما أن تكون القضية أكبر أو أصغر، فالتحريض ليس بموضوعه انه بنعرته. ليس أكثر من مباريات الكره إظهارا للعصبيات من كل نوع، ولا نعرف كم يمكن أن ينجح التحريض حتى حين يكون المحرض مكروها أو ظالما. فالحاجة الى نعرة شيء قلما تتعافى منه الأمم. وإذا تكالبت الأمور والهزائم والمواجع على شعب خرج منها الى أي نعرة كانت، خاصة تلك النعرة التي تلقي التهمة على الأجانب والعملاء. لكم تأجل مصير طاغية بسبب نعرة كهذه، وكم نجح حكم مهترئ في أن يطيل أمده بإحياء نعرة كهذه. وحتى الأمم التي تتعافى نسبيا لا تأمن من أن يعاودها المرض. يكفي أن ينحسر العصر الذهبي ليابان اليوم وتتحول أميركا عن دعمها حتى تعاود الوطنية الإمبراطورية شباناً يابانيين. الأرجح أن التحريض لا يحتاج الى متانة أو صلابة، فقد يكون سخيفا وطفوليا وينجح. من ذلك هذه المباراة الطفولية بين الأشجار. نخل عربي وبرتقال فلسطيني وأرز لبناني ولا نطيل، لكن الصينيين يقولون أيضا ان تاريخ ستة آلاف سنة تفوح كل صفحة فيه بعبق الشاي. تقع الصورة على الموضوع وبينهما أحيانا ما بين الشاي والعزة القومية الصينية. اعتباط بحت. بينهما ما بين أهداف الكرة والنصر الوطني. اعتباط بحت لكن مثقفين فاعلين لا يمتنعون عن أن يزينوا ذلك، وأن يصوغوا ما بين الشاي والعزة القومية أشعارا وخطبا وفلسفة وفكرا، ولا بأس من أن نقول إن جانبا كبيرا من ثقافتنا كان بهلوانيات كهذه وأن أمرا كهذا يؤخر ولادة الثقافة والمثقف طويلاً.

إذا كان ماركس تحدث عن تحول الفكرة الى قوة فإن من شأن العصبيات تحويل الحذر او الخوف او الحسد الى قوة. هناك صورة تقع اعتباطاً على موضوع أصغر يستند بدوره الى عامل لا يصرح باسمه خجلا او حرجا، فقد يكون أطماعا صريحة او منافسة صغيرة او غيرة طفولية. هكذا نغدو في دائرة بل دوائر يصعب فكها. إذا نظرنا الى صور الاسلاف الباقية أحيانا على الجدران بشواربهم المعقوفة وعيونهم الصقرية أصابنا شيء من خوف. فهذه الصور لا تزال بعد زوال الظروف والايام تحتفظ بقدر من سلطانها الذي هو سلطان الصورة بلا أي إضافة. وقد يصعب علينا ان نتخيل ان صورنا سيكون لها ذات يوم على جدران الاحفاد الاثر نفسه. ان اجتراح القوة استعداد فطري للصورة ما ان تقع ولو مصادفة او مصاقبة على نعرة او عصبية او موضوع. سيبدو هذا الكلام سخفا بل سيبدو تدنيسا كبيرا. فما نأخذه بهذه الخفة كان موضع عبادة وتعلق الملايين، ومات من أجله الملايين. في العراق اليوم هذه المفارقة، إذ لا يوازي عبث ما يجري إلا الزخم والعنف اللذين يتم بهما هذا العبث. هكذا يرد الكلام على نفسه. إذ نفهم ان الضرورة والسببية والنظر العقلاني ليست هي التي تمنح الأمور قوتها او جبروتها. قد تدل النتائج على ان للأشياء منطقا خفيا وأن ما نراه فورات غير مفهومة إنما هو تظاهر التاريخ وطرقه الغامضة. لست أستبعد هذا لكن انتظار النتائج لا يترك قولاً لأحد. فالعبرة هنا هي دائما لمن يأتون بعد، أما قبل ذلك فلنا الظاهر وحده. والظاهر يرينا أن ما يفلت من عنف جبار ليس دائما من معدن الحادثة ولا في حدود حاجتها.
يتراءى لنا ان شيئا غير السبب وغير الدافع وغير الحاجة يتدخل. إنه شيء من الخيال، من الغريزة، من المصادفة. من هنا ينجح التحريض بقوة وبائية، بعدوى تكرارية لا أكثر. كان الغرب بالنسبة للعرب مخادعا ومفتريا في اثنتين: سايكس بيكو وقيام إسرائيل. أتكلم عن العصر الحديث بالطبع فحديث الصليبيين قديم بعيد. ورغم ان الاثنتين كانتا حارّتين طازجتين فقد اختارت الحركات الاسلامية الاصولية مراعاة الغرب في السعودية ومصر وبلاد العرب لاجتهادات خاصة آنذاك. هكذا سار أجداد بن لادن أو آباؤه. فما الذي جرى بعد أن برد الجرح او كاد لتتحول الاصولية الإسلامية الى هدم الغرب ومطاردته وناسه وأهله في كل مكان. ليس هذا بالطبع عبثاً في عبث لكن أسبابه ليست على الأقل في ظاهره. ربما هذا ما يجعل الهويات قاتلة لكن غريبة أيضاً. من غريبها أنها لا تتعلم بقدر ما تنسى الدروس، بل الاغلب أنها كلما استفحلت عادت القهقرى. تنام وتصحو صحوة أهل الكهف في غير عصرها وزمانها، وترجع غالبا بالخطاب والشعارات والرموز ذاتها بلا فرق. تخطئ تماما حيث أخطأت من قبل وبالحرف وتعيد سلوكها. وإذا تغيّر شيء فيها فهو ان تزداد عنادا وتبسيطا وانغلاقا، ذلك تدهور أكثر منه تغيرا، إذ قلما تفعل إلا ان تمضي قدما وفي الطريق الذي اختطته ولو واجهت الكارثة بأعين مفتوحة. لو أحصينا هزائمنا لهالنا ان ثمة قرنا كاملا مهدورا هنا. من الهجمة الأولى الى الهجمة الأخيرة تكاد الأمور تتكرر بحرفها ولا يبدو ان ثمة استعداداً، أي استعداد، للرجوع عن خطأ او هفوة. حركة بعد حركة ينتهي الأمر بلا دروس. يُلدغ المرء من الحجر ذاته مرات ومرات. من ال48 بل ال36 حتى حروب الخليج المتكررة، ومن ال56 حتى ال67 حتى ال73. لا تتغير الرحى ولا الخطاب ولا الآلة ولا الزلات ولا النتائج.

حين يتكلم الأميركيون عن القيم الأميركية فكلام واثق. هانتغتون الشهير يسمّيها ويحصي من بينها اللغة الانكليزية والمسيحية والالتزام الديني فضلا عن المفهوم الانكليزي للقانون والحق والفردية وقيم العمل والقناعة بأن في وسع الانسان إقامة جنة على الأرض. ربما يسعفنا ذلك في ان نفهم ماذا عنى بوش بالنمط الأميركي غداة 11 سبتمبر. سيبتهج كثيرون من العرب بهذه القيم وسيقولون ان عندهم امثالها، اللغة العربية والاسلام والالتزام الديني، وعندهم أضدادهما الشهامة والكرم والانضواء العائلي. سنتذكر ان رسالة المثقفين الأميركيين الى العالم بنت على هذه القيم. وإذا علمنا ان هانتغتون يقول هذا عن خوف من ان يفسد دفق اللاتينيين هذا النظام بلسانهم غير الانكليزي وديانتهم غير البروتستانتية.. إذا علمنا ذلك وجدنا ان هانتغتون وبوش يهوّنان الأمر علينا، ويرفعان عنا حرجاً كبيراً، فأغنية القيم هذه تصلح لكل الشعوب.

لكن السؤال هو عما إذا كان المثقفون هم حراس القيم السائدة، وإذا كانت الثقافة هي حقا عبادة القيم الثابتة او تكريسها. يغرينا على الأقل من باب التكافؤ أن تكون الاسطورة هي نفسها هنا وهناك. لم يكن عربيا على كل حال أول من ساوى بين خطاب بوش وخطاب بن لادن. لكن هذا على ما فيه من إغراء ومن تعزية خطر. إنه يجعلنا نتساوى في الأسوأ ويرفع عنا مغبة التصدي للأسوأ. بل يجعلنا متفرجين على ما يستفحل في ديارنا وبيتنا وكأنه لعبة أمم لا تعنينا. الخطر هو عدمية سياسية تجعل الخيارات كلها متوازية. تفرز أميركا من حين لحين يمينا طفوليا ويمكن ان تفرز مثلها فرنسا (Le pen) مثلا او النمسا او هولندا.. لكن هذا لا يجعل الديموقراطية والبارانويا الاستبدادية في ميزان واحد. كما انه لا يجعل من كراهية أميركا دينا سياسيا وحيدا او مصدرا وحيدا لكل سياسة. ا

لمساواة في الأسوأ هي الحجة الكبرى لتبرئة الذات. تبدو الحرب اللبنانية أمام مساواة كهذه عاجزة عن ان تصل الى نهاية. لقد انتهت الى تواز مسدود. توازت الوطنيتان في بؤسهما وتحولتا الى وطنيتين شقيتين. شقاء اللبنانوية وانهزامها لا يقل عن شقاء العروبية وانهزامها. بدا وجودهما المأسوي لا يتيح لأي منهما ان تكون حلا او مخرجا. يكفي ما نراه الآن من حصار لهاتين الوطنيتين في داخل البلد وخارجه لنفهم ان الاحتجاج بنسب قديم او امتياز جغرافي لم يعد كافيا. ما نحن فيه هو وطنيات حزينة ولست أكيداً من ان الوطنيات الحزينة تصلح لأن تكون أملا فاعلا. الوطنيات الحزينة هي تبديد الذات غالبا في مشاعر قاتلة لكنها بدون أفق. إنها اجترار بحت، والحال أن الذي يتطلع الى لغة الشبان السياسية اليوم يتراءى له أنها لغة الآباء بل ما قبل الآباء بلا فرق. الوطنيات الحزينة هي أيضا رثاء للذات وانطواء وجداني وشعور مسبق بالهزيمة. وهذه لا تكوِّن هويات فاعلة، بل الأغلب انها هويات متململة ضبابية متشظية. إذا سمعنا كثيرا هنا لغة ما قبل الحرب بل لغة أوائل القرن الماضي فلا يشعر أحد بأن هذا من بقاء الأمور على حالها، فالأرجح ان هذه اللغة تدوّي في فراغ ايديولوجي، بل تدوّي في الواقع في فضاء من اللاتاريخية النافرة، تعمل فيه الآلة اللفظية او تطحن بلا أي صلة معلنة بمسمّياتها. لغة كهذه تبدو تمويهاً لانسداد أيديولوجي سياسي تعود فيه بقايا ايديولوجية الى الظهور مجددا. لم تقدم لنا الحرب حطام مجتمع وحطام دولة وسياسة فحسب بل قدمت أيضا حطاما ايديولوجيا وفكريا. لقد بدت الرهانات كلها متساوية في لحظة ما، سواء على الغرب وعلى العرب وعلى الداخل والخارج. بدت هذه رهانات على هزيمة او رهانات على اكذوبة. الارجح ان الجماعات اللبنانية ضربت أولا من بيوت آبائها الحقيقيين والمتخيلين. هكذا بدت فجأة بلا رهانات وبدت الاطروحات نفسها مجرد اقاويل بلا سند وقوتها في ذاتها فحسب. هكذا نفهم كيف ندخل في منطقة من الغموض واللاتحديد فيما توحي الأبواق الأيديولوجية الصارخة بالعكس. هل نحن حقا ما زلنا في حرب الهويات والوطنيات. هل ما زلنا مجددا أمام وطنيتين وهويتين أم نحن في الواقع في دائرة غامضة بين هويتين ووطنيتين مهزومتين. ماذا يعني لبنان منهار اقتصادياً وتحت الوصاية، لبنان نزف ديموغرافي وتوازن طوائفي مضطرب في وضع عربي مفلس وأمام غرب منقسم. هل يسعنا ان نفصّل من هذا الوضع حقا وطنيتين وهويتين، أم نحن أمام بقايا وطنيتين او حطام وطنيتين وفي دائرة وسطى بينهما ومنهما لا نعرف تماما ما هي. لقد ولدت اللبنانوية من الحلم اللبناني، والعروبية من حلم عربي، فأين بات هذان الحلمان. إنهما بالتأكيد في نكسة. وماذا يمكن ان ينتج من لبنانية مكسورة وعروبية مكسورة.

إذا دققنا قلنا ان الفوقية اللبنانوية سقطت فيما بقي لبنان للجميع، وإن العروبة في مأزق فيما تبقى اللغة العربية للجميع. إذا دققنا أكثر رأينا ان التجاذب الطائفي أكثر علنية وظهورا من ان يكون حقيقيا. فقد أمكن لهذا التجاذب في ما مضى ان يكون محركا مظلما لكنه بقي مموّها قادرا على ابتكار سطوح أيديولوجية مختلفة وعلى الاختلاط بعناصر أخرى. أما أن يبدو صافيا وعلنيا فهذا ما يشعر بأنه يتحول من محرك الى أداة وربما الى تكتيك او خلاصة واضحة للإفلاس السياسي. يمكن القول إذن انه في المنطقة الرمادية التي نعيش فيها فإن أكثر ما لا يصدق هو ما يسمى الواقع. أكثر ما لا يصدق هو الصور المعلقة الثابتة التي لفرط ما هي كذلك تبدو أبدية. هكذا تبدو العبارات والشعارات وحتى القيم مستعارة من أقرب زمن.
كأننا تقريبا بلا لغة. في المنطقة الرمادية الوسطى حالة من الكمون شبيهة بالتخمر شبهَها بالاستنقاع او الاحتضار الطويل، وربما كانت هذا او ذاك او ذلك. قد تطول الساعة الرمادية او تقصر لكن اللغة المعارة لن تغدو حقيقة.
ومهما طال ذلك الدوي فلن يصبح زمنا فعليا. ربما هو انتظار شاق. انتظار الوقت لناسه. من الصعب الخروج من نفق الوطنيات الكبرى الى شيء ابسط من عدم الأمان، ومن الصعب موازاتها بأحلام من الحجم ذاته. لا شيء يعادل البرانويات الضخمة والاحتقانات الضخمة والكراهيات الضخمة. وإذا شئنا ان نصل الى بر فسنجد أنفسنا مطرودين خارج كوابيسنا العملاقة وأحلامنا. ستكون الخيبة حاضرة في كل وقت فالسلم دائما بارد وليس مثيرا بالطبع. هذا التدرج البطيء في التعايش كما يقال والتدرج البطيء في الحرية الشخصية والحياة الخاصة والقيام بلغة أم مع تعدد لغوي ولا بأس من سنوبية عالمية، فهذه تغدو مع الزمن تقليدا. سيكون هذا باردا وبطيئا ولا يشكل جماع حلم او كابوس، لكن تعريفات العالم والإنسان تصبح اليوم أكثر فأكثر متفرقة متعارضة.
لعلنا أطلنا على جيلبر حاج، او حملناه على ما لم يقله. ليس مراد الحاج تأليه الآلة ولكن ما يتصدّى له هو تأليه الانسان. يمكن ان افكر لقاء هذا التساوي في الصور بوارهول او بجياكوميتي. الأرجح ان هذا التكرار اقرب الى متوالية باخية او نوع من الذكر. لكننا ننسى ان لشخصيات الحاج عيوناً وهذه العيون تسطع أكثر حين تكون الوجوه متماثلة. تسطع أكثر دون ان تخرج من الوضع الإنساني، لكنها تمنح دائما هذه القدرة على عدم الذوبان والعودة الى نقطة البدء.

*ألقى عباس بيضون هذه المحاضرة خلال حفلة الافتتاح للمعرض الفوتوغرافي "هنا والآن" للمصوَر اللبناني جيلبر حاج، المنظم بدعم مكتب الشرق الأوسط لمؤسسة هينرخ بُل بماسبة افتتاح المكتب في 3 تشرين الثاني 2004 في المركز الثقافي "Espace SD" في بيروت.

******
أمجد ناصر: النثر طريق الشعر

“الحياة كسرد متقطع” حاجة في شعرنا. اذا كان أمجد ناصر يريد ان يصل الى الشعر عن طريق النثر فقد فعل هذا وعكسه. وصل ايضا الى الشعر عن طريق النثر. هذا الجدل هو محرك كتابه الجديد. لقد نقل تمرسه بالشعر واللعبة الشعرية الى الفضاء النثري، ليست شعرية النثر وحدها الموضوع هنا، بل اعادة وتجديد السؤال الشعري عمل كهذا من المهم ان يستولد سجالا، وليس غرض هذا الحديث سوى التحريض عليه.

- في مجموعتك الشعرية هناك نزوع الي التجريب بلغات وجمل متعددة، هذا مزاج ام اختيار محسوب.. هل تعتبر نفسك تجريبيا وهل للتجريب قيمة بحد ذاته، ام هو محاولة لتوسيع الحيّز الشعري؟

ناصر: "النزوع للتجريب قائم عندي كما هو قائم عند معظم الشعراء، او لأقل عند الشعراء الذين تعنيهم قضية الشعر، وتؤرقهم اسئلته. نادرا ان تجد شاعرا مهتما بسؤال الشعر وقضيته وليس فيه شيء من التجريب. التجريب، في كل حال، هو تعبير عن قلق ذاتي وموضوعي في آن، كما انه رفض، بطريقة او اخري، لما هو قائم. لماذا تجرب اذا كنت تألف وتطمئن تماما الى ما تعرف وما يتواضع عليه الآخرون؟ المطمئن الى ذاته وادواته وعالمه هو الذي لا يجرب.. فلماذا يجرب والطمأنينة تسري في قوله وموقفه من العالم. قد يبدو التجريب لعبة لا قصد لها سوى ذلك.. ولكني اظن انه ابعد من اللعب واستعراض المهارات.. انه قلق. وزحزحة عن السياق والثبات اللذين لا يفسحان مجالا لهواء ودم جديدين.

"بهذا المعنى اعتبر نفسي تجريبيا.. فأنا اصلا انقلبت، باكرا، على ما كان سائدا في الكتابة الشعرية.. ومذ ذلك وجدت نفسي خارج التلقي العام. ليس لي، اصلا، حصة في هذه السوق، فصارت علاقتي بالشعر شخصية تماما. أي إنني أكتب ما يرضيني ولكن هذا لا يعفيني من المسؤولية، إن كانت هناك مسؤولية اصلا، حيال وضع الكتابة الشعرية، فرغم انني اكتب في وضع تام من العزلة واحساس بعدم وجود التلقي، الا ان تجريبيتي ظلت في حدود ما هو تجريبي اصلا في الشعرية العربية. فقد كتبت ودافعت عن سياق شعري معين ضد سياق آخر، وخضت مع غيري حروبا من أجل ان تتقبل الثقافة العربية خيارنا الشعري الذي بدا وكأنه من خارجها.
وهذا يعني، في ما يعني، ان التجريب هو ايضا توسيع للحيز الشعري وطرح اقتراحات على الشعرية."

- آخر مجموعاتك “مرتقى الانفاس”، لا تنمّ عما ستصل اليه في الحياة كسرد متقطع، بالعكس يبدو انك وصلت في الاولى الى نهاية مقلب وانتقلت في الثانية الى مقلب مختلف. ان لم يكن العكس، كيف حدث انك وصلت في فترتين متتابعتين الى طريقين شعريين متعاكسين، او على الأقل مختلفين الى هذا الحد؟

ناصر: "أذكر، انك انت نفسك، كتبت حيال “مرتقى الانفاس”، تقول ان هذا الكتاب نوع من الاكتمال، ولا بد ان الشاعر في سبيله الى رحلة اخري لماذا تنبأت بذلك؟"

- لماذا؟
ناصر: "لأنك لاحظت هذه النقلات بين الاعمال عندما جمعت في مجلد واحد. انا شخصيا لاحظت ان كل مجموعة تنتهي بما يشي ان هناك طريقاً آخر للمجموعة اللاحقة، خذ مثلا “مديح لمقهى آخر”، لقد ضم ما سيشي بهذا الانقسام والانقلاب على الذات. كان يمكن ان يكون، لو انني اضفت اليه كل القصائد التي كتبتها في الاردن قبل مجيئي الى بيروت، موزونا تماماً. حينها كنت اكتب قصيدة الوزن.. ولكن بيروت غيرتني. فجاء الكتاب الأول حاملا لبذرة الانقسام التي سترافقني طويلاً. تذكر انه ضم في ثلاثة ارباعه قصائد موزونة وفي ربعه الاخير قصائد نثر او لأقل قصائد تتحرر من الوزن.

"كان يمكن ملاحظة الوجهة القادمة من الربع الاخير من قصائد الكتاب. صحيح انني لم اعد الى الوزن في الكتب اللاحقة، ولكن الكتاب الثاني “منذ جلعاد”، لا يشبه كثيرا الكتاب الثالث “رعاة العزلة”، من حيث الكتابة والموضوعات، كما ان وصول “الغرباء” كتابي الرابع كان يحمل، عندما صدر عن دار رياض الريس في لندن عام 1990، بذور الكتاب اللاحق “سرَّ من رآك”، بل انني ضممت الى سر من رآك قصيدتين او ثلاث قصائد من وصول الغرباء ابرزها القصيدة الطويلة، “وردة الدانتيلا السوداء”، ثم ان “مرتقى الانفاس” كتاب شعري يذهب الى موضوعة تاريخية هي سقوط غرناطة، وبهذا فهو يختلف تماما على اعمالي السابقة سواء من حيث الموضوع ام شكل الكتابة وأفق تحركها.

"أليست هذه انتقالات ايضاً، انها ليست سلسلة مترابطة كخرز الدرع. لست شاعراً يواصل كتابة قصيدة واحدة، ولا مشروعاً واحداً، ولا شاعرا ينضبط الى سياق، بل لعلني شاعر مزاج وقلق. هل يجعل هذا مني شاعرا تجريبيا، او شاعرا بلا صوت منتظم وعالم متواصل، قد يكون الأمر كذلك. ولكن هذا ليس صحيحا تماما. فقد ظلت هناك ثيمات وظل هناك قاموس وظلت هناك جمل تتواصل من عملي الاول الى عملي الاخير. لعلني شاعر عالم واحد ولكني احفر فيه كل مرة، من طبقة ووجهة مختلفة، وبأدوات مختلفة.

"ثم، اخيراً، لا تنسَ أن “مرتقى الانفاس” مكتوب، تقريبا، في منتصف التسعينيات، ولم اصدر كتاباً شعرياً مذ ذاك. اي ان هناك نحو عشر سنين مضت على كتابة هذا الكتاب، وجاء بعده كتاب صغير آخر، مختلف ايضا، هو تلكأت في اصداره لانني شعرت انه صار بعيدا عن مزاجي الشعري بعد ان بدأت في حياة كسرد متقطع، والمفارقة انه سيصدر هذه الأيام في عمان. غير انني لن أسلسله بعد حياة كسرد متقطع بل قبله، حتى وان صدر بعده بشهر او شهرين تقريباً."

الشعر الحر
- لا نشك ان الحياة كسرد متقطع، كما يقول احد نقادك محمد علي شمس الدين ذو وجه نظري ونقدي للشعر. يمكننا القول، اذن، انك لم تصل اليه بالمزاج وحده، بل بقدر من التأمل في الشعر، ما هي دواعيك الى ذلك.. اقصد الدواعي النظرية؟

ناصر: "حسنا، لست من الذين يحسنون التنظير للشعر، ولكنني، في المقابل، لم اكتب شعرا مزاجياً خالصا قط، اي انني، منذ كتابي الاول، وانا مشغول بسؤال الشعر. وكل انتقالاتي، او قفزاتي اذا شئت، كانت مدفوعة بهذا الهاجس. رأيي في الشعر والشعرية كنت اعبر عنهما بالشعر نفسه. ثمة من يستطيع ان ينظّر ولا يأتي التنظير قريباً من كتابته. لدينا الكثير من هؤلاء، اصحاب البيانات الشعرية، وانا، لا اقلل من قيمة ذلك، ولا اعرّض بهم.

"ولكنني نادرا ما رأيت القصيدة صاحبة البيان النظري مطابقة للبيان نفسه، قصيدتي معاكسة لذلك تماماً. انها تفكر في الشعر وهي تكتبه. تفكر في وجهته، موضوعه، اسلوبه حتى وهي تخوض فيه. لكنها لم تصل في وقت من الأوقات الى درجة البيان الشعري، اذا جاز القول، الا في هذه المجموعة الأخيرة.

"دعني اقول انني سعيد لأن اول استجابة نقدية تجاه الديوان جاءت ليس فقط من شاعر عربي مرموق مثل محمد علي شمس الدين، بل من شاعر راسخ في قصيدة الوزن، وربما، لم يكن على علاقة جيدة مع قصيدة النثر السائدة.. اسئلة محمد علي شمس الدين حول الكتاب والكتابة شديدة الاهمية انها اسئلة الشعر من شاعر تؤرقه قضية الكتابة. شاعر على درجة عالية من الحساسية، حيال القصيدة. لقد اسعدتني مقالته، وربما، طمأنتني الى ان الاسئلة التي اطرحها على نفسي هي نفسها التي طرحها عليَّ وعلى نفسه ايضا. فهو اعتبر الكتاب برمته نوعاً من البيان الشعري، وهذا عمليا، صحيح.

"لم تكن الصدفة البحت هي التي قادتني الى هذا العمل، بل الانشغال الطويل بسؤال الشعر، وتحديدا سؤال قصيدة النثر ورأيي في الأمر كالتالي: ان معظم ما يكتب تحت يافطة قصيدة النثر عربيا ليس قصيدة نثر بالمعني الاصطلاحي الغربي Prose poem بما ان منشأ قصيدة النثر غربي اصلا، بل هو اقرب الى ما يسمي في الغرب الFree Verse اي الشعر الحر.

"ما هو الفرق، فعلا، بين قصيدة النثر في النسخة العربية (او في الغالب الأعم من هذه النسخة) وبين الأصل الذي جاءت منه؟ انه فارق كبير. ولكني دعني اسأل قبل ذلك. ما هو الفارق بين قصيدة النثر العربية، وبين قصيدة التفعيلة، الفارق ليس كبيرا. الأولى لا تحمل وزناً ولا قافية، بينما الثانية تفعل ذلك!

"انت تعرف ان قصيدة النثر الغربية لا تكتب، ابدا، ولا هي قريبة، قطعا، من النسخة العربية. اول الفوارق شكلي. انه تقطيع القصيدة وصفها على الصفحة، اي طالب اوروبي او اميركي في الثانوية يعرف، من مجرد النظر الى الصفحة، الفارق بين قصيدة النثر والشعر الحر. فالاولى تكتب على شكل كتلة نثرية على الصفحة.. بينما قصيدة النثر العربية، في مجملها، لها تقطيع يشبه تماما. تقطيع قصيدة التفعيلة.

"هذا أمر لاحظته بعد سنين من الاقامة في الغرب والاحتكاك بشعراء غربيين، والقراءة في مهرجانات غربية. ولكن هذا ليس هو الفارق او السور الصيني العظيم الذين يفصل القصيدتين عن بعضهما البعض.. فالأمر يتعلق كذلك بعالم القصيدة نفسها، باللغة. كأن طموح الشعر هنا هو النثر وليس العكس، حيث ستجد عالم النثر قائماً بما يعني السرد، ولكنه ليس نثرا اخباريا وظيفيا، بل هو نثر مشعرن اذا جاز التعبير، اي النثر الذي يخترقه توتر الشعر وتثوي في اعماقه، لا على سطحه، جمرة الشعر.

"هذه أمور فكرت فيها كثيراً في السنين الاخيرة. كيف يمكن ان تصل الى الشعر عن طريق النثر؟ او كيف يمكن ان تزج النثر في الحقل المخصوص للشعر؟ قصيدة النثر العربية، السائدة، لا تفعل ذلك تماما. فعالمها ليس نثرياً ومادتها ليست، تماماً، نثرية.. هنا ارجع الى الشكل مرة اخرى. فالسطر الطويل والجملة الطويلة الملتفة التي لا يمكن تقطيعها على شكل قصيدة التفعيلة يمكن لهما ان يستضيفا عالم النثر، بما يعني الحياة النثرية وما هو مستبعد لاسباب جمالية، من القصيدة. وفي هذا الخصوص، قرأت مؤخراً قصائد عربية، ذات سطر طويل.. وذات كتلة، تبدو نثرية، على الصفحة.. ولكن هذه الجملة الطويلة يمكن تقطيعها من دون اي ضرر يلحق بشكلها ونفسها في شكل قصيدة التفعيلة. فالسطر الطويل في هذه القصيدة التي تدعي شكل قصيدة النثر له تجهيز اجباري. فهو، كجملة ونفس ومعنى، ينقطع في منتصف الصفحة. التواصل في السطر والكتلة مفروض من الخارج بينما هو عندي في حياة كسرد متقطع تلقائي ومتدفق بشكل طبيعي، ومن المستحيل تقطيعه او صفّه بطريقة اخرى. هذا الفارق هو الذي يجعل حياة كسرد متقطع أكثر نثرية من كل اعمالي السابقة."

- ولكن ماذا عن عالم هذه المجموعة؟

ناصر: "عالمها، ايضا، مختلف، انها تتضمن استجابة الى اصوات خفيضة غير مدونة، أو لا تجد سبيلا الى التدوين، الشعري خصوصاً، باعتبارها ليست من عدة الشعر وعتاده.

"ان التعالي الجمالي، للقصيدة العربية، ما بعد المرحلة الكلاسيكية، أو ما سميناه ب الشعر الحر، هو الذي جعل شاعرا، مثل محمد الماغوط يحتل، دفعة واحدة، حيزاً كان شاغراً في الشعرية العربية المعاصرة. ولكن قصيدة النثر، العربية لم تواصل طريق الماغوط ونثريته، فظل قسم لا يستهان به منها يعتصم بترفع جمالي ولغوي لا يختلف كثيراً عما هو عليه في الكلاسيكية العربية...طبعا لم يكن هذا قصد قصيدة النثر حتى عند بودلير.. بل العكس تماما، فهو، بوصفه والد قصيدة النثر الغربية كان يحاول الخروج من ارستقراطية الشعرية الي بورجوازية النثر، بحسب وصف الناقد الاميركي جوناثان مونرو. كان النثر هو الوحيد القادر علي استضافة الهوامش والفقراء.. اي انه ايديولوجيا كان في مواجهة الشعر ذي الفضاء الارستقراطي. هل فعلنا في قصيدة النثر العربية هذا؟ اي هل كانت قصيدة هوامش الحياة وبشرها الساعين في مناكبها؟ لا اظن.

- أيضا، في المجموعة الجديدة تنتقل الى لغة نثرية، ليس فقط بسبب صياغتها النثرية: السرد، الاستنتاج، البرهان، التقرير، وانما، اعتمادك على الصورة النثرية، التي هي الكناية او الصورة المأثورة والمتداولة.. اي انك تختار النثر بجملته واسلوبه وصورته، في هذه الحالة أين نجد الشعر؟

ناصر: "كنت أريد ان اكتب في هذا الديوان، قصيدة هي أقرب ما يكون الى ما أقوله وافكر فيه واسمعه في المقهى والشارع، هناك موضوعات لم أستطع ان افكر فيها شعريا في الشكل السابق الذي كتبت فيه قصائدي. وهذا سيرجعنا مرة الى سؤال الشكل باعتباره جوهرا أو أمرا عضويا في القصيدة. لماذا لم أستطع ان أكتب عن القبلة مثل ما كتبت بالعرض والتقرير والاستنتاج والكنايات التي اشرت اليها الا في هذا الكتاب؟ باختصار لأن الشكل السابق لم يستطع ان يقدم لي مثل هذه الخدمة. لقد كتبت شعرا في النثر. هذا تناقض ظاهري أعرفه.. وطرح من قبل، ولكن هذا التناقض، بالذات، هو أحد خصائص قصيدة النثر. ولا سبيل الى حله. بل ربما لا ينبغي حله.. أو البحث له عن حل. ولكن الشعر لا يوجد فقط في شكل القصيدة السائدة وموضوعاتها.. بل يمكنك ان تجده في نثر واسع وعريض في المدونة النثرية العربية التراثية.. لماذا قال بعض العرب القدماء عن سور من القرآن انها شعر رغم انها نثر؟ لأن جوها، تجليها، الحالة التي تنقلها الى القارئ، او المستمع، هي شعر أو قريبة من الشعر. بالطبع لم أفكر في الامثولة القرآنية وأنا أكتب، بل في اليومي والراهن والمعيشي، وكذلك في مخزون الذاكرة الشخصية.. أردت ان اكتب هذا من دون تعال جمالي او اعتصام ببرج عاجي مخصوص للشعر كجنس.. كنوع، متعارف عليه. هل هذا ممكن؟ لا أدري تماما. ولكنني حاولت ذلك."

- هل يمكننا عبر شعرية النثر الوصول الى نوع آخر من الشعرية. شعرية ذات تراث وتجربة كبيرين. اي نصل الى نوع آخر من الشعر، اذا كان مهما بعد ان نسميه شعرا؟

ناصر: "تلاحظ، عزيزي عباس، ان كل اسئلتك تشكيكية. ولا أجد غضاضة في ذلك. ولكن حتى عندك لم تلق هذه المجموعة او هذا الكتاب الشعري او هذا الديوان، سمّه ما شئت قبولاً مريحا، او هيناً.

"هناك قلق في نبرتك استغربه عن صفاء الشعر. كأنك تذود عن حياض المستقر والثابت. او كأنك تشكك في امكانية ان يصل الشعر عبر اللغة، بوسيط مثل النثر.

"لست منزعجا من هذه الاسئلة ولكنها تطرح عندي، مرة اخرى، فكرة استقرار الانواع وثباتها وخصوصا الشعر، وهذه اسئلة لا نطرحها كثيرا على نوع أدبي مثل الرواية او القصة، او فنون اخرى مثل الفن التشكيلي والسينما. افهم ذلك لأن الشعر ببساطة هو تراث عربي عريق وانا لست ناكرا لهذا التراث، بل المشكلة، انني من الذين يهتمون به.

"كل سؤال عن اجناس ادبية، او فنية اخرى نقبله، ولكننا نتريث كثيرا عند الشعر، لأن في المساس بالثابت والمنجز نوع من المساس بالذات. اسمح لي، مع ذلك، ان اقول اننا يمكن ان نصل الى الشعر من طريق النثر، من دون خلط الانواع تماما، ولكن ايضا، من دون الدفاع المستميت عن الانواع.

"الانواع ليست مقدسة بحيث لا يمكن تخطي حدودها.. بل هي تعرضت حتى في شعريتنا الى تغيرات كبيرة بحيث لا يمكن لشاعر او قارئ من عشرينيات او ثلاثينيات القرن الماضي ان يتصور ان الشعر العربي يمكن ان يصل الى هذه الحدود.

"ولكن التواضع على تحديدات معنية للاجناس الادبية اصبح عسيرا جدا حتى في الغرب.. فليس هناك مثلا، تعريف جامع ومانع ينفي كل لبس على الFree Verse، مثلما يصعب اكثر وضع تحديد جامع ومانع لقصيدة النثر Prose Poem. وهذا يعني ان الشكلين متحركين، ومتجددين، على عكس ما يراد له عربيا. فالوزن (اقصد التفعيلة) استقرت على حدود معينة.. لقد اكتفت، بقناعة شديدة، بالبحور الصافية ذات التفعيلة الواحدة.. ونادرا جدا ما تجاوزت ذلك. "

اقتراح
- هذه المحاولة اين تجد اسلافها او اشقاءها الشعريين العرب وغير العرب؟

ناصر: "عربيا، لا اعرف، ولكن غربياً هناك ما يشبه ذلك، خصوصاً في قصيدة النثر الاميركية التي هي الانشط غربيا اليوم."

- هذه محاولة راديكالية وذاهبة نهائيا في العمق، هل يعنيك بعد الدفاع عنها على انها شعر ومحاولة التدليل على ذلك، ام ان لا فرق عندك، وقد تتصرف مثلما تصرف جاك بريفير حينما اثقلوا عليه بالكلام عن ان ما يكتب ليس شعراً، فكان ان عنون احد كتبه نثر وهل يحتمل عنوانك حياة كسرد متقطع ردا كهذا؟

ناصر: "لم اكن اعرف ان بريفير يكتب نثراً وليس شعراً. انا لا أعرف الفرنسية.. ولكننا في العالم العربي لم نعرف بريفير الا شاعرا سواء كانت ترجماته جيدة ام لا. هذا يعني انه حتى وان كان بدا للبعض في فرنسا انه لا يكتب شعرا، بالمعنى المألوف للكلمة، فهو لم يتم التعامل الا كشاعر.

"وبصرف النظر عن المقارنة، بين الشخصين او الكتابتين، فأنا لا اخفي ولا اتنصل من ان ما اكتبه هو شعر في النثر. اعني لم اتنصل من النثر.

"لقد جئت مما يسمى عربيا قصيدة النثر، اعني انني، اصلا، واقع تحت هذه الطائلة، وتحت هذه التهمة: النثر. ولكنني لم اصل ابدا الى هذا الحد من النثر الاّ في هذا الكتاب.

"هذا الكتاب فعلا مادته وقوامه هما النثر ولكن جمرته الخفية او مقصده هو الشعر. اعي التناقض الذي اوقع نفسي فيه. اعرف انني ادافع عن كتابة لم تأخذ هذا المنحى النثري من قبل ويصر صاحبها، في الوقت نفسه، على انها شعر.

"قد اصل الى الحد الذي لا احفل فيه بما يقوله الآخرون عن هذه الكتابة. ولكنني لم أصل الى هذا الحد بعد، ما زال يعنيني ان ادافع عن خياري هذا في اطار الشعر، من دون ان افرض شيئا على الآخرين. دعني اسميه اقتراحا شعريا ليس اكثر.

"ثم لا ادري ان كان جواب الشاعر الفرنسي جاك بريفير في عنوان كتابه مشابها لعنوان كتابي. فلم أواجه باسئلة كهذه من قبل في خصوص اعمالي السابقة. ولكن ربما يتوجب علي ان اوطد النفس عليها منذ الآن. حياة كسرد متقطع يشبه في كلمة واحدة عنوان بريفير انها سرد. كأن سرد هنا، تعني، بالضبط، كلمة نثر .. التي استخدمها بريفير.. ولكن لم اقصد هذا بالضبط.. قصدت ان الحياة هي مثل سرد، ولكنه ليس متصلا، ومتواليا ومتتابعا، بل سرد يتقطع. انه مثل سرود الواقع المشظاة، ومثل سرود الذاكرة ايضا."

- ما هي الردود التي تلقيتها او تتوقعها على كتابك. هل تتوقع تجديداً للسجال حول الشعر، علما ان هذا السجال يكاد يكون متوقفا، وربما الابتكار متوقف رغم كل المظاهر.

ناصر: "الغريب انني القيت كثيرا من قصائد هذا الكتاب في ملتقيات شعرية عربية، وكانت ردود الفعل مستحسنة، ولكنها عندما صدرت في كتاب ران صمت حولها لم يحط ايا من اعمالي السابقة.

"ربما تفيد الملاحظة هنا ان اول كتابات قرأتها في نقد الكتاب او في الكتابة عنه لم تكن من نقادي المعهودين. اول مقال هو كما اسلفت لشاعر لم يتطرق من قبل، رغم انه كتب في نقد الشعر، هو محمد علي شمس الدين، الى اي من اعمالي السابقة، بل كان يخالجني الظن انه يقف منها في الوجهة المقابلة. كان هذا مدهشا حقا.

"مقال اخر اعتبره مهما وحمل قراءة حقيقية للعمل هو للشاعر السوري عابد اسماعيل الذي تابعت نقوده في الشعر في الصحافة العربية ولكني لا اعرفه شخصيا، ولم يكتب شيئا عن اعمالي السابقة.

"تعرف ان شمس الدين كتب عما يحمله الكتاب من رؤية للشعر، وحول الاسئلة التي افترض ان الكتاب يطرحها على المشهد الشعري العربي، بينما لم يتوقف عابد اسماعيل عند ما اثاره شمس الدين الاّ في جملة واحدة في ختام المقال يقول فيها ان هذا الكتاب يضيف حساسية جديدة الى قصيدة النثر العربية.

"أي انه اعتبر وقوع هذا الكتاب في حيز الشعر مفروغا منه ولا يحتاج الى وقفة، فصرف باقي المقال، وهو طويل، في الحديث عن البنية الدرامية والحكائية، التي يتضمنها الكتاب.

"هذا يعطيك فكرة عن نوعين من المقاربة النقدية للكتاب، وان كنت اتوقع ان اسئلة شمس الدين ربما تكون الغالبة على رد الفعل. هذا من دون ان ننسى ان الكتاب مقدم اصلا من طرف ناقد اساسي في شعر اللحظة العربية هو صبحي حديدي، الذي كان مدركا تماما للاشكالية التي قد يطرحها الكتاب خصوصا لجهة الجنس الادبي. فشدد في كلمته الدقيقة على كونه قصيدة لا قصة او اقصوصة شعريتين. "

"اما بخصوص بعث السجال في الشعرية العربية فلا اتوقع ان يفعل كتاب واحد هذا الأمر. اتفق معك على توقف السجال، بل ربما على موته في كثير من قضايا الحياة العربية. انها لحظة رجراجة ومهزوزة لا يكاد يثبت فيها شيء. لحظة لم نعرفها من قبل، ولا ادري ان كانت ايذاناً بانطلاق رؤي وتصورات جديدة ام انها ستفضي الى موات فعلي."

أكثر من ضفّة
- ماذا بعد هذه المحاولة التي يبدو وكأنك وصلت الى نوع من الذروة، والى الاقصى، الى اين سيصل الأمر؟

ناصر: "لا ادري الى اين سأصل، ولكن المؤكد، حتى الآن، ان مزاجي الكتابي لا يزال في جو هذا الكتاب. هناك حالة دفع قوية ما ازال مندرجاً فيها، ولا اشعر انني استنفدتها.

"وبقدر ما هذا الكتاب كما تقول ذروة وحدّ اقصى، فهو ايضا بداية. فكيف تستقيم البداية. مع الذروة، اجد الأمر عسيرا على التحديد.

"المؤكد بالنسبة لي ان هذا خط أو لأقل مرحلة على غرار ما هو موجود عند الفنانين التشكيليين الذين يحلو لهم ان يقسموا اعمالهم الى مراحل. هذه مرحلة قد تستغرق كل ما تبقى لي من كتابة وقد لا تطول، وقد تتداخل مع خط قديم، او شيء مستحدث.

"لست معنيا بعد الآن بالسياق الشعري العربي السائد.. لا يهمني ان ابدو غريبا او شاذا داخله.. فأنا لا اعيشه حياة، بل اطل عليه من بعيد. حياتي موزعة على اكثر من ضفة وجهة.

"احببت، شخصيا، الحل الذي عثرت عليه للمأزق الذي وجدت نفسي فيه بعد مرتقى الانفاس، ما اكتبه الآن هو استمرار ل”حياة” كسرد متقطع وهو يلبي حاجتي الشخصية والفنية لايجاد مسرب آخر للشعر في شكل مختلف. ولكن هذا السؤال طرح عليَّ شخصيا من بعض الاصدقاء الذين بدوا قلقين من انني اضعت طريق الشعر.

"يريدون ان يتأكدوا ان ما كتبته في هذا الكتاب مجرد نزوة سرعان ما انتهي منها لاعود الى الشعر.

"هل ترى اننا نبقى احيانا في تعريف الشعر، نقول ان الشعر هو هكذا وهكذا، وافترض ان قصائدك امثلة على هذا التعريف، او على الاقل، امثلة لهذا التعريف. اذا كنا نبقى في التعريف، اليس للانجاز الشعري قيمة بحد ذاته، قيمة لا تنحصر في التعريف؟

"كل تاريخ الشعر محفوف ومخترق بالتعريف. لم يتوقف الشعر قط عن ان يطرح مثل هذا السؤال، ولكنه لم يحصل مرة واحدة ان وصل الى تعريف جامع مانع. هناك تواضعات معينة، خطوط كبرى يتم الاتفاق عليها في لحظة تاريخية معينة ولكنها سرعان ما تتغير بتغير اللحظة نفسها، بل ثمة دائما من كان يناهض الاجماع، اذا افترضنا ان هناك اجماعاً.

"واظن ان التعريف كان يسير في محدداته وقيوده في جهة فيما الشعر يمضي في وجهة، اخرى، او على الاقل. في وجهة خاصة به. الشعر هو أبن الانجاز أبن الكتابة وليس وليد التعريف. لم ينطلق شعر قط من التعريف. التعريف دائماً لاحق على الكتابة.

"في الخمسين سنة الاخيرة عرف الشعر العربي عددا كبيرا من التعريفات، او من محاولات الوصول الى اجماع على ما هو الشعر، ومن اي طريق يأتي وبأي شكل يكتب. لكن الاجماع لم يحصل. صحيح ان هناك تيارا يسود كل مرة ولكنه لا يتواجد وحده، بل غالباً ما توجد مناهضة لهذا التيار من طرف شعراء وكتابات اخرى. وهكذا، نحن الآن، رغم ما يبدو من اجماع في اللحظة الشعرية على تعريف، فان هذا مجرد سطح خادع.

"الواقع ان هناك استنقاعاً او استنفادا للقوى والطاقة هو الذي يجعل مثل هذا التعريف مستقرا.

- هل تتوقع في كتاب جديد تسوية ما، وعودة الى عناصر بدأتها في مجموعتك هذه؟

ناصر: "ممكن، لأن هذا الكتاب كما قلت هو بداية وليس ذروة او نهاية طريق. وككل بداية هناك تعثرات، هناك شوائب ربما تحتاج الى تصحيح او تصفية. كتبت على نحو هادر وبلا انقطاع قصائد هذا الكتاب، بدا لي التيار جارفا، وقد يكون هذا التيار الجارف حمل ما يدعو الى التصفية والعزل والتنقية.

"ورغم الجو الموحد الذي ينطوي عليه الكتاب الاّ ان هناك نغمة واحدة قد تكون هي التي سيصار الى الركون اليها، او تعزيزها."

- قصيدتك عن ابن عربي في المجموعة، وهي بالمناسبة جميلة جدا، لاتندرج تماما في سرديتك الرديكالية، مع ذلك فهي من اجمل قصائد المجموعة بدون ان تبدو مختلفة تماما. او خارجة عنها.. الا يدعوك هذا الى التساؤل عن الحاجة الى تسوية اكثر من نفض راديكالي؟

ناصر: "من الممكن ان يحصل هذا، فالكتابة تملك القدرة على تصحيح او تعديل مسارها. هذا نوع من الغريزة، اذا جاز التعبير، تنطوي عليه الكتابة اصلا.

"قد تكون لهذه الملاحظات، لهذه الاسئلة المدوخة التي حاصرتني بها، وكذلك ردود الفعل الاخرى، دورها في التسوية التي اشرت اليها. وبخصوص قصيدة ابن عربي، بالمناسبة هناك قصيدتان عن ابن عربي في الكتاب، واحدة تتحدث عن تحولات سحرية تحدث لي داخل ضريحه الذي زرته فعلا، وظلت هذه الزيارة في ذهني طويلا الى ان وجدت تعبيرا شعريا عنها في هذا الكتاب، والثانية نوع من المساءلة لما هو دنيوي وما هو إلهي عند ابن عربي. ربما لم تكن هذه هي القصيدة الاولى في الديوان، ولكن الديوان بدأ من لحظة صوفية او دعني اقول على نحو ادق، من لحظة اقتراب ومساءلة للحالة الصوفية ولشيوخ متصوفين بعينهم مثل السهروري ايضا. وقد افضي عملي الشعري السابق على هذا الكتاب الذي سينشر قريبا وهو بعنوان “كلما رأى علامة”، الى اجواء الكتاب الجديد حياة كسرد متقطع ففي ذلك الكتاب تأملات شبه ميتافيزيقية ولو انها اتخذت الطابع الشذري.

"هناك اختلاف، ربما في الايقاع بين قصيدة مساءلة ابن عربي وبعض القصائد الاخرى في حياة كسرد متقطع الايقاع مشدود اكثر، الحالة شعرية اكثر ايضا، السرد اقل حدة، ربما هذا هو الذي اعطى الانطباع باختلافها النسبي من باقي قصائد الكتاب.

- لغتك كلاسيكية، متينة، هل هذا نوع من البديل عن الانفجار اللغوي الفلكي السيال والمائع المعروف. ماذا عن اللغة، هل تنكفئ من موضوع للشعر وغرض الى اداة ام ان المسألة مختلفة، او اننا لا نستطيع ان نجزم؟

ناصر: "انا اصلا، لست من مدرسة اللغة الانفجارية، الفلكية السيالة، لم اكن قط، قريبا، من هذه المدرسة التي لم يقنعني ابدا، انفجارها اللغوي الذي يطغي على الشعر، بل يصبح هو الشعر.

"اللغة عندي اكثر من وسيط واداة واقل من غرض. اي ان اللغة ليست مجرد حامل للمعنى، بل هي عضوية في الكتابة واساسية ولكنها لا تتحول الى غاية، الى نهاية الكتابة وختام مطافها. المعنى مهم عندي، الصورة اكثر اهمية، انا شاعر صور.. ولكنها ايضا صور منضبطة. باختصار انا شاعر معتدل في اللغة والصبور ولكنني قد اكون متطرفا في الخيارات او في زج هذين الاعتدالين في راديكالية لا تشط، على ما آمل، عن غرضها. اما العماء اللغوي، الانشطارات والتداعيات التي تنساق لغواية اللغة فلا اطيقها.

"كنت اظن انني انحزت الى لغة بسيطة، واحيانا شفوية، في هذا الكتاب على عكس ما فعلت في “مرتقى الانفاس” او في “سر من رآك”، ولكن يبدو ان أثار هذين الكتابين الخاصين في مدونتي الشعرية لا تزال ملموسة.

"اقول لك شيئا.. كنت اريد ان اتخفف، ما امكن من البلاغة والصور، وكل ما يمكن ان يصنف في خانة المهارات، في هذا الكتاب اردت ان اصل الى الدرجة صفر في البلاغة.. ولكنني على ما يبدو لم انجح في ذلك.

"كان هذا في رأس مقاصد حياة كسرد متقطع . اذكر انني تحدثت معك في هذا الشأن اكثر من مرة في لقاءاتنا المتقطعة..لقد لاحظت انت شخصيا ان ميلا مشتركا في قصيدتنا ينحو نحو مباشرة الموضوع من اقرب وجهة لغوية وجمالية، وهذا يعني ان امر اثبات القدرة والمهارات اللغوية والجمالية لم يعد هاجسا."

القدس العربي- 04/02/2005 13:46

*****

ترجمة الشعر واثرها في القصيدة المعاصرة
الترجمة اصلا وساطة الاخر وغواية الضعف

افترض أن الاثر الاجنبي عن طريق الأصل أو الترجمة من مكونات القصيدة الحديثة المفعلة والنثرية ، وقد أقول تجوزا أن من التواريخ الممكنة لهذه القصيدة تاريخ ما دخل فيها من أثر اجنبي. واذا عدنا الى بدايات القصيدة الحديثة وجدنا أن الترجمات تحضر بنفس قوة الآثار المنتجة، لا نشك أن هذه البدايات لم تكن فقط انشودة المطر وأغاني مهيار الدمشقي ولن وأباريق مهشمة وحزن في ضوء القمر ومدينة بلا قلب وأقول لكم وغيرها. ولكن ايضا أربعاء الرماد والرجال الجوف ومنارات وأوراق العشب وأغان غجرية . لقد ولدت هذه القصائد اصلية ومترجمة في الوقت نفسه وربما من المخاض نفسه ، لعل هذه الولادة المزدوجة ميزة مجلة (شعر). فهذه كانت بالدرجة الأولى معمل ترجمة او قل ان الشعراء المترجمين كانوا بين محرريها الاوائل . ولو راجعنا المجلة لوجدنا أن سنواتها الخمس الأولى حافلة بالترجمة ، واذا دققنا في الاسماء وجدنا بين اعلام اعداد 1957 عزرا باوند وخمينين واليوت وايف بونفوا ورينيه شار وايدث ستويل وسان جون برس . بين هؤلاء الاعلام اثر اليوت وبوس بقوة وسيؤثر شار وبونفوا في السبعينات وما تلاها. نقلت اعداد العام الثاني الثلاثة الى العربية اشعارا لأليوت وبول لكوديل وويتمان واثر من هؤلاء ويتمان واذا تجاوزنا الى اعداد الأعوام الثلاثة التالية وجدنا دايلن توماس ولوتر يامون وفاليري وشكسبير ورامبوا وييتس وكواز بمردوا ويبار جان جوف ولوي مكنيس وايف بونفوا وفيليب لاركن و.و.س مروين وارتو والان جوفروا وبيار ايمانويل واندريه دوبوشبه وجاك دوبان واندريه دومانديارغ وتريستان تزارا وميشال بوتور. وسيضاف الى هذه الاسماء فروست واوكتافيوبات ولوركاوميشو... قائمة طويلة حداني الى ذكرها ما تفعليه من رقعة واسعة بلغاتها واعلامها واتجاهاتها. فهنا مصادر خمس للترجمات "فرنسية ، وانجليزية ، واميركية ، واسبانية ، وايطالية ". إلا أن المصدر الفرنسي هنا أكثر تماما فلو احصينا الشعراء المترجمين لخرجنا منهم بانطولوجيا مقبولة للشعر الفرنسي آنذاك . ولا ننسى أن بونفوا لم يكن باشر اربعيناته فيما كان دربان ودبوشيه في ثلاثيناتهما أي ان القصيدة الفرنسية نقلت في وقتها.. تعرف قواء شعر انئذ على شعراء يومهم . وكذلك على اوكتافيوبات المكسيكي ومرون الاميركي. كانت (الشعر) بذلك مجلة واهنة ومعاصرة . تواقتت الترجمة اكثر من أي وقت مضى مع الاثر المترجم ، فكانت اقرب الى معاصرة المعاصر.
يميز بين قراءة الأثر الاجنبي في لغته وقراءته مترجما، والفارق ليس نظريا فقط . فقراءة الاثر الاجنبي في لغته عملية تفاعل بين لغتين غريبتين عن بعضهما بعضا، محله ذات الشاعر وعقله . والارجح ان هذا التفاعل يفعل في عمل الشاعر بقدر ما يستطيع الاثر الاجنبي ان يثير في لغة الشاعر نظيرا له من ايقاع وصدى، وان يستنبت في لغة الشاعر نزوعا مختلفا ويستنبش فيها قابليات نائمة ، وهذه عملية مدارها ذات الشاعر ومردها اليها. فالارجح ان ما يستولده الاثر الاجنبي في لغة الشاعر مرهون بهذه اللغة واستعداداتها ونوازعها، والايقاعات التي تستنبشها نائمة في الاصل فيها، والارجح ان يستثير النص الاجنبي في لغة شاعر مالا يستثيره في غيرها وان يدخل في نسيج هذه ´للغة ونحوها وتراكبيها بقعا لشاعرية الشاعر ومراسه اللغوي. هنا يغدو الكلام عن النسخ والنقل واهيا. فما اضعف ان ندخل فى قصيدة الشاعر صورة ومعنى لغيره .. هذا ان حدث لا تقوم به قصيدة ولا شعر والارجح ان التأثر اعم من ذلك . انه في الايقاع وفي الجملة والتخييل وهذه امور لا تنتقل مباشرة من لغة الى لغة ولا يتأتى لها ان تنتقل الا بعملية تحول وخلق توليد عملية هي في صلب الابداع الشعري وتلاقح ليس مؤداه النسخ والنقل ولكن الابتكار والتوليد. هذا بالتأكيد لا يرضي من يظنون ان للأدب اصلا واحدا ويحسبون له نسبا صريحا وأبا متسلسلا لا نسبا مختلطا ومولدا. والحال أن رد كل شاعر الى آخر اجنبي وكأنه شيطانه وشيخه قلما يجد دليلا وقلما يقوم بدليل. لا تكفي صورة من هنا وعبارة من هناك فالعبرة في قوام النص وبنيانه كلا ولا احسب ان من اولعوا برد شاعر الى شاعر يفحصون بنيان النصين ويوازنون بينهما في الايقاع والتخييل .
اغلب الظن ان مثل هذا لا يدخل كثيرا في النقد. اذ يغفل اهله عن ان الشعر ابن لغته وانه يستولد منها ايقاعاته وعادته ، ولا يسع الشعر ان يكون خلوا من كل لغة ، وان يكون مادة تنتقل كما هي من لغة الى لغة ، فلا يكون للغة سوى دور النقل البرىء. هذه الدعوى اقرب الى ان تكون أيديولوجية فاصحابها في الغالب قلما يبحثون عن معنى وصورة مجلوبة ولكنهم يصمون بالترجمة والاجنبة كل معنى يحسبونه غريبا مخالفا، وهم غالبا يحملون على الترجمة كل ما ينافي ذائقتهم وفهمهم ، وعلا لما وصموا بالاجنبة والترجمة كل ما يغمض عليهم او يدق عن تناولهم ، وكأن الغموض والتجريد والتركيب امور ليست من لغتنا. هكذا تتهم بالا جنبة احيانا كل فرادة وكل خروج .
طالما استعار صلاح عبدالصبور من اليوت اولمح اليه لكن ذلك لا يجعل لعبد الصبور جملة اليوت ولا ايقاعه كما ان ترجمة ادونيس لبيرس وهى ادونيسية على حد قوله تختلف عن شعره والامر ابعد حين يتعلق بالسياب فشبهة اليوتينية واهية .
للنص المترجم حين يقرأ في اللغة التي نقل اليها شأن ثان ، فهو قد استوى في كلام عربي واستوى نصا عربيا. ان له جملة وايقاعا عربيين ، واذا كان الامر كذلك اشبه ان يكون اصلا، وقرىء معنى وصوتا وتركيبا كما يقرأ لكل نص . عندئذ جاز ان نجد في بعض الترجمات اصولا ونماذج أولى تستلهم وتحاكى وينسخ عليها. واذا كان لنا ان نتصفح اعداد مجلة (شعر) الأولى وقابلنا بين الترجمات والنصوص الاصلية . وجدنا انفسنا اميل الى الترجمات اذ لا مجال آنذاك للمقارنة بين نصوص في متأنه اربعاء الرماد ومنارات ومرثاه اغناثيو مخياس وما يكتب قبالها من نصوص مؤلفة . معظمها بالقياس اليها اقرب الى تمارين . لقد بدا النص المترجم في اوقات كثيرة اصلا اكثر من الاصل . ولا نشك ان افتتان قرائه به ليس افتتانا بمعانيه وحدها، فمن العبث ان نفصل هنا الصوت عن المعنى عن الصورة عن البناء ولا تستقيم قراءة على هذا النحو، انما نقرأ صوتا ومعنى نقرأ ايقاعا وتركيبا، يستوي في ذلك المترجم وغير المترجم ، وقراء النصوص المترجمة فتنوا بالتأكيد بلفة المترجم لو بدت هذه اللغة اقل استواء وتآلفا وجزالة ومراعاة للأذن العربية . ولا نشك ان شيئا من لغة المترجم ) قد دخل في الشعر.
كانت الترجمات جمة على نحو ما ذكرنا رغم نقص في المتابعة الاميركية والانجليزية وفقر في المتابعة الاسبانية والايطالية وعدم في المتابعة الروسية والالمانية .
القراءة اصعب واقل ذاكرة . هكذا ضاعت اسماء ولم يبق سوى اقطاب قلائل لوركا، وولت ويتمان ، اليوت ،بيرس ولسنا نعلم لماذا تقدم هؤلاء وتأخر غيرهم . لا شك ان لتبني البعض اثرا في ذلك ، لكن الاثر الاول لما استثارته اعمالهم من صدى في وجداننا اللغوي والشعري او بالاحري لما اطلقته اعمالهم في وجداننا الشعري واللغوي. لم يكن ذلك الا باحتواء هذه النصوص وتحويلها، ولعل جريانها في بعض شعرنا كان لملابستها نوازع كامنة في باطننا اللغوي والشعري والثقافي . لقد استقبلناها من جهتنا ووجهناها لمطالبنا. بذلك غربناها عن اعملها وحولناها الى وسيط لنا، ما ناب النص البيرسي مثل على ذلك ، فقد تحول هذا النص الذي نشق ترجمته وقراءته في اصله الى احد اصولنا الشعرية وقد فعلت ترجمته الادونيسية ولا تزال تفعل في نتاجنا الشعري. ولم يكن ذلك لولا ان النص البيرسي توسط بين الشاعر العربي ولفته ودخل هذا منه عليها. فالنص البيرسي المترجم بتوسعة القاري ونزوعه المتحفي وبنائه من طبقات لغوية ومعرفية مختلفة متفاوتة استفز نزوعا عربيا الى تظاهر لغوي، الى نوع من توحيد اللغة في ايقاع اصلي وعبارة أولى ، والى نوع من استنفار اللغة في نص شامل ، وبتعبير اخر استفزت القصيدة البيرسية نزوعا عربيا الى توحيد الذات وتظاهرها في اللغة ، وحينئذ الى الاصل والهوية والوحدة . اي ان القصيدة البيرسية الاصل توسطت لقصيدة متحفية عربية تقوم باستنفار او ابد لغوية من كل مكان وباحتفال بلاغي سيأتي وبتر جيع متصل للحن اصلي . وهذه كما ترى عناصر عربية . السنا نرى الترجمة هنا وقد استحالت اصلا.
ليس المثل البيرسي على قوته وحيدا بيد ان النص المترجم يفعل في احوال أخرى مختلفة وربما معاكسة يفعل النص المترجم حين يقرأ - مهما كان اصله - نثرا. هكذا يبدو متكاملا موارا متوفزا وهو على حالة من النثرية . ومنذ اسفار التوراة الشعرية الى القصائد الكبرى المترجمة وجدنا امثلة باهرة على شعرية النثر.
فقد كانت هذه في ترجماتها، ودعك من اصلها الذي قد يكون موزونا بقصائد نثر. لقد قرئت على هذا النحو. والارجح ان قصيدة النثر العربية استمدت كثيرا من الترجمات ، لقد كان هذه بحق اصولها المباشرة اما تراث الامس القريب من شعر النثر العربي (الريحاني، بشر فارس ، البير اديب ) فهو واهي الاثر والتراث النثري الشعري العربي القديم على تأثيره القوى اقل مباشرة . لقد كان فى وسع قصيدة النثر الحدثية ان تكون وارثة حركة الترجمة الشعرية . من هنا بعض قوة هذه القصيدة وضعفها غناها وغربتها في ان معا.
يبدو النص المترجم فاعلا في بساطة عبا رته التي هي عادة الابسط تركيبا هنا تبدو العبارة بدون مؤثرات ، محايدة نوعا ما، ويبدو الكلام قليل الشحنة الصوتية والشعورية التي تطو احيانا فوق الصورة وفوق المعنى وتتأكل الصورة والمعنى في موروثنا من الشعر والخطابة ولنقل ان في خلو العبارة من الجزالة وفي تركيبها البسيط والمحايد نسبيا ما يجعل الصورة والمعنى اكثر قوة وايحاء. ثم ان في ضعف اللغة نفسها اذا جاز القول ما يغوى،.. فثمة ضيق بدوي اللغة وفخامتها. وثمة شعور بان في رجولية اللغة هذه ادعاء وطنطنة وتجريدا ومفارقة . ولا اشك ان ثمة من يجدي في العبارة الابسط والاضعف حقيقة وجمالا اكثر بل ومباشرة وعودة الى الراهن والحياة الجاري ولنقل ان مغويات الضعف هذه كثيرة فالعبارة الابسط والاقل تركيبا اقل اضمارا لمعنى ملازم واقل ادلالا بصوت وايقاع ملازمين وهي لذلاك اطوع لتوليد ايقاعات مختلفة واجتلاب معان ومشاعر جديدة . ثم انها اقدر على التجرد من بلاغة موروثه هي في الغالب بلاغة الحماسة او الخطابة او الفناء الاقصي وتوليد بلاغات مختلفة ثانية : بلاغة الجفاف ، أو بلاغة الهمس ، أو بلاغة النسك اللغوي او بلاغة الصمت .
الجزالة تكاد تلازم الحماسة والفناء الاقصي، خالدوي الحربي او الخطابي والكلام من نهايات الوجد او الحزن والانفعال قوام الجزالة . وطالما تطلب التدرج والتفصيل والاحتفال بالآني والمباشر واليومي، تجاوز هذه الجزالة كما وجدنا في شعر ابن ابي ربيعة وابن الرومي وأبى نواس وأبى العتاهية واخوين . واذا للضعف غوايته عند هؤلاء فهو اكثر غواية في زمن تزداد فيه الجزالة مفارقة وتعاليا وتجريدا.
ثم ان النص المترجم يصعب ان يتوالد بالمشاكلة الصوتية والتداعي اللفظي والسيولة ، فهذا النص يتوالد من علاقات الصورة والمعنى الداخلي ، من الهندسة والتوزيع والمعمار الكلي . هكذا يبدو للنص اذا جاز التعبير داخل وخارج ، وباطن وظاهر. واغلب الظن ان القصيدة الحديثة ستتأثر في ذلك بالترجمات من جملة ما تتأثر به .
النص المترجم هو بمعنى ما البلاغة المعاكسة ، انه وقد استوى نصا عربيا بين اصول القصيدة الحديثة ولعله يفضل بين حوازيها الدائمة وتحدياتها المثابرة ولا نستطيع الا نجد بلاغة النص المترجم امام كل ضيق لمتحفية اللغة واسرها بيد ان هذه الهرطقة البلاغية ، بل هذا الضرب من الخيانة المستعذبة يظل دائما علامة حب للغة نفسها. وهو نادرا ما يعمل وحده ، بل يتضافر مع غيره ، ويعمل في وجدان لغوي ليس قفرا ولا خاليا تسحرنا بلاغة النص المترجم تجعلنا نسخر من ركاكتها وضعفها ولربما شعرنا هنا اننا بمنجى من اللغة ، وشعرنا اننا امام لغة اقل سلطوية وجبروتا. ولربما خطر لنا ان ضعف هذه اللغة يجعلنا حيالها اكثر حرية وتفردا. او خطر لنا ان في مثل هذه اللغة حيادا لابد منه لتعود للكلام قدرته على اتخاذ معان وسميات جديدة . لكن الخداع او الخيال يصل الى اقصده حين نتوهم ان هذه هي لغة المباشر والفوري، بل لغة اليومي. وعلا لما خطر لنا ان لغة الصحافة اليومية يومية فيما هي مترجمة في اكثرها ذلك خلط واضح فإذا استعرنا ا لمترجم للفوري واليومي، دل هذا على مبلغ سوء صلتنا بلغتنا وعلى مبلغ تخبطنا في اللغة ، وعلى لحل حال فان هذا يحصل مثيرا، فتبدو العبارة شبه ا لمترجمة اقدر على تمثيلنا من لغة لا نكاد نفعل سوى الخنوع لها وترجيعها.
والارجح ان شعراء الترجيع وهم مداح هذه اللغة لم يفعلوا شيئا سوى زيادة ومفاقمة سوء التفاهم المقيم بيننا وبين لفتنا، وبيننا وبين انفسنا، اذ حين تكون اللغة ويكون الاصل حجرا ثقيلا لا نعجب اذا رأينا من يرزحون تحته رموا بانفسهم في كل طريق .

*****

التربية العاطفية

كثر هم الذين يبدأون نهارهم بأغنية لفيروز. يفضلون أن يصحوا على موسيقاها. ليس هذا مجرد حب لغنائها. فيروز في هذا ليست كسواها من المغنيات ليست صوتا فقط وأغنية. الأرجح أن من يبدأون نهارهم مع صوت فيروز يريدون لنهارهم أن يبدأ مباركاً. ذلك شيء كالصلاة. إنهم يسمعون كنوع من رياضة روحية. يعطون أنفسهم مساحة من التأمل والاستبطان يتفرغون هكذا من مشاعر الغضب والاستياء والعدائية. يستدعون إلى حياتهم عالم الجبال الحرة وأمداء الطبيعة. يدخلون إليها تياراً من الحلم، يمونون قلوبهم ونفوسهم بذكريات حقيقية وغير حقيقية وبحنين إلى معلوم والى مجهول. يستدعون شعراً وموسيقى إلى يومياتهم ويشففون دواخلهم ويتذوقون روائح الثمرة الحلوة لقلوبهم، يمتلئون ماءً ونسيماً وشفافية ويقتربون من روائج الجنة. بكلمة يبتدئ الناس بفيروز لا كمغنية أي مغنية فحسب. بل كوسيطة، كدليل جمالي وروحي وكإعلاء للحياة والنفس ومعنى أول وأولي لوجودنا واستشفاف لحقائقنا. هذه البداية مع الصباح تشبه أن تكون صلاة ودنيا لكنها ليست أيهما، ما تغنيه فيروز ليس رسالة إلى الله، ليست استحضاراً لقوة من خارج العالم، ما تغنيه موجود في أنفسنا وفي العالم وعلينا أن نبحث عنه فيهما. بل الأغنية تستدعيه من داخلنا ومما حولنا. انه الشعر الذي يدخل على الحياة العادية أو هو الحياة العادية التي تتحول شعرا. الحلم داخل يوميات العالم وتفاصيله. الجمال في اللحظات العابرة أيضا. الحقائق والكنوز المهملة في دواخلنا، درس الحب البسيط وكنز الذكريات والطعم المر والإلهي مع ذلك لقلوبنا المكسورة وأحلامنا المقصوفة. تغني فيروز باستمرار ما هو حق الحلم وحق الحب وحق الحرية وحق الكرامة. ما تغنيه هو الثمن المؤلم لكن ليس اليائس لها. الكائنات الفيروزية الرحبانية هي أيضا كائنات يومية. بل هي بنت الحلم اليومي إذا جاز القول. سحرها، إذا كان لها سحر، هو في تحويل التفاصيل اليومية من لحظات وأشياء إلى ذخائر. هنا بالتأكيد سطوه الأغنية الفيروزية. إنها أغنية أحياء يقطنون عالما كثيراً، كثير الطبيعة، كثير الأماكن وكثير الناس، ليسوا وحيدين ولا يكتفون بتصعيد الآهة الجارحة لوحشتهم ووحدتهم، هم موجودون في الحقل كما يمكن أن يوجدوا في الشارع. موجودون في عالم مليء بالذكريات والذخائر والأشياء والناس والعمل وليسوا مجرد رغبتهم المكسورة المجوفة المتصاعدة كجرح متكرر كما هي الحال في أغان عربية أخرى. العالم الذي تقدمه الأغنية الرحبانية الأولى هو بالدرجة الأولى عيد، انه احتفال، لقاءات وسهرات ومواعيد، ما يترك دائما لدى غروبه أكثر من رغبة عقيم. يترك ذخائر وهدايا وذكريات هي التي تعيد من جديد ملء العالم، ربما كان هنا فارق فعلي، الشعر الذي تغنيه فيروز ليس مجرد توتولوجيا عاطفية. ليس هذا التكرار الذي يلوب حول طلب واحد. ليس هذه المشاعر الادمانية التي يتجلى فيها الآخر مرضا وجنونا وكرها للذات كما في غناء عربي عريق. في الشعر الرحباني والغناء الرحباني هناك دائما أو غالبا هذه الرقصة الكامنة. هذا الانتظار الخصب. هذا الاختيار المبارك والحكيم للعالم. هذا العيد وذلك الفتى، لا أشك أن مستمعي الأغنية الرحبانية الأوائل كانوا لا يشكون أن هذه الأغنية ممكنة. انها قابلة للتداول في الحياة اليومية. انها درس وربما تعويذة للمحبين. انها علاج فعلي للاكتئاب والإحباط والخيبة وربما الكره والعدائية. كان المثقفون العرب واللبنانيون الشغوفون بالأغنية الرحبانية يجدون فيها، لنقل موسيقى حياتهم الخاصة، بل يجدون فيها تقريبا، الإيقاع الفعلي لأيامهم بما فيها من جرح انفصال وخزان من الأشواق والرغبات. ربما يسعنا لهذا أن نفهم لماذا تحولت الأغنية الرحبانية إلى إنجيل للمثقفين العرب. ولماذا كانت بالنسبة لهم أكثر من أغنية. أكانوا يستقبلون الشمس بها ويتخذون منها ذخيرة ليومهم كله، انها هكذا تمرين روحي نفسي. قوة دافعة، مباركة، تعويذة شافية، انها هنا حجر حظ وأمل. إذا قارناها (أي الأغنية الرحبانية) فإن هذه لأواخر الليل. للحظة الخلاء والسكون والوقت المتطاول والسهر والشرب والمنادمة والعشرة والصحبة. ليست أغنية أم كلثوم أغنية يتزود بها المرء وحيداً قبل أن يخرج من فراشه ويذهب إلى عمله، انها أثقل وأكثف من ذلك وتحتاج بالطبع إلى وقت بل تحتاج إلى فراغ وصحبة. مع سماع أم كلثوم طقس ليلي. يحتاج إلى وقت ليصل التصعيد إلى ذروته، انه حلقة ذكر ينفذ فيها الكلام إلى الجسد والمخ شيئا فشيئا. يتحرك فيها الكلام واللحن ببطء حتى يغدو في النهاية دورة للجسد والنفس. يحتاج السماع الكلثومي إلى هذا الليل المديد والخلاء والى الحلقة. يمكننا القول أن السهرة الكلثومية هي نوع من الإنهاك العاطفي، لا شك أن في الصوت العمقي والتأوهات نضجاً عاطفياً وجسدياً والغناء مثول لهذه التجربة المنهكة التي أبلت الجسد والروح. الجسد مع التشديد. مع التصعيد يتوحد المغني والسامع مع هذا الألم العضال، في الغناء تبديد للنفس وتسييل لها حتى الغناء. الغناء هو غاية الأغنية. يغني المغني في ألمه وشوقه بغنى المستمعين في الذكر والصوت، يغني الجميع في الذكر الواحد، يغنون في الوقت المتطاول.
الأغنية الرحبانية غير ذلك. يلتقي الجمع في الرقص لا في الذكر. اللقاء ليس تبديدا للنفس. انه غالبا إنعاش لها. تزويد لها بذكرى خاصة. فالأغلب أن خصوصية الأشخاص ذاكرتهم الخاصة تنتعش بالغناء الرحباني. الأرجح أن شيئا من الفرح بالنفس. بشفافيتها وبترقرقها وبتوقها يحصل لدى السماع. لنقل أن لحظة التوحد والغناء لا تأتي. العيد هو الذي يأتي غالبا، العيد والرقصة معا في الغالب. انها لحظة باخوسية إذا استعرنا من نيتشه. الوحدة في الغناء الرحباني تقال كما <ما في حدا> مثلا في مناداة عميقة وفي إيجاب تام وفي دعوة صاعدة، تقال أيضا من ذاكرة ملأى بالمصابيح والعناوين والمواعيد التي تنتظر الغريب. ليست التوتولوجيا العاطفية مدار الأغنية الرحبانية. الأغلب أن هذه الأغنية هي نوع من التدريب العاطفي. من تمرين النفس على الحب، من تعداد ذخائره وهداياه ومواقفه ولحظاته ومصاعبه وإشكالاته. انها تحرير للنفس باتجاهه. بل هي في النهاية تعليم الشفافية والرقة والجمال اللغوي. نعم فالأغنية الرحبانية قبل كل شيء درس في اللغة الحساسة، اللغة التي تدخل الشعر على اليومي وعلى العادي وتحيل الكلام كله إلى موسيقى. الأغنية الرحبانية، إذا توسعنا، نوع من الاتيكيت العاطفي. نوع من الحياة بإحساس. وإذا شئنا أن نستعير من فلوبير لقلنا أن الأغنية الرحبانية نوع من <التربية العاطفية>.
يمكن القول أن الأغنية الرحبانية نتاج لبناني. لو قارناها بأدب سعيد عقل وميشال طراد وأمين نخله وحتى جبران خليل جبران أو قارناها بفن عمر الأنسي وأمين الباشا ورفيق شرف لفهمنا ماذا نعني بأنها لبنانية. ليست الخفة والتنميق والتقطير اللغوي واللعبة الايحائية والحرية البلاغية وحدها نقاط التقاطع بل أكثر من ذلك، هناك أيضا درس الحساسية وشعر الحياة اليومية، هناك أيضا تلك البراءة الملعوبة والتعليم الرقيق، تعليم الحياة وتعليم الحقيقة، هناك أيضا الخلفية الطبيعية وبقايا الريف، إذ أن الأغنية الرحبانية كما الشعر اللبناني يومذاك تستمد من ريف فولكلوري، ريف تحول لغة قبل أن يختفي. لبنانية هي الأغنية الرحبانية لكنها حملت هذا الانفجار اللبناني الذي منذ جبران لا يتوقف عن تأسيس ديانات خاصة وإعطاء دروس في الحياة وإنتاج فلسفات شخصية في كل يوم وتعليم اتيكيت للحياة وللحب. هذا الدرس اللبناني كان أساس حساسية خاصة ما لبثت أن تعممت وشاعت في ثقافتنا العربية كلها، لم يصغ هذا الدرس بجمال فحسب ولكنه أوحى بأن تعليم الجمال ممكن، وكذلك تحويل الجمال إلى شأن يومي، لقد جمع ما بين البساطة والأناقة إلى حد بدا معه أن الرقة يمكن أن تغدو عادة وان الشعر يمكن أن يسكن التفاصيل، بل بدا أن في المستطاع إنتاج الحساسية والفن بوفرة وبسهولة آلية. لقد أغوى الدرس اللبناني لأنه لمّح في كل لحظة إلى إمكانية حياة موازية، ولأنه أوحى بأن في المستطاع إنتاج <سحر> يومي، لم يمنع المصطلح الريفي واللبناني جداً من الإحساس بهذا، فالمصطلح الريفي نفسه كان متحولا ومسحورا بحيث فقد تقريباً قرويته وغدا مجرد لغة لبراءة مهجورة، لا بد أن الحياة اللبنانية بدت مغوية من خلال الأغنية الرحبانية ولا بد أن الريف الظاهر فيها يشبه أي ريف. انه نوع من اكزوتيكا من حياة أخرى.
بدت أغنية الرحابنة وكأنها انعكاس للحياة اللبنانية، الأرجح أن هذه الموسيقى حملت إلى العالم العربي <السحر> اللبناني. فقليل هي الأعمال التي نجد فيها مدرسة لبنانية، وأعمال الرحابنة من هذا القليل بل من خواص هذا القليل. في أغنية الرحابنة بعض خلاصات هذه المدرسة. هناك هذا الزمن الافتراضي الذي ليس ريفا ولا مدينة ولا خرافة ولا تاريخا ولا واقعا ولا خيالا. انه زمن من كل شيء بدون أن يكون شيئا معينا. هذا ما يمكن أن نسميه قفزا على الزمن والأرجح أن المدرسة اللبنانية هي غالبا هذا القفز على الزمن. لعل عمل الرحابنة المسرحي تجلى ذلك فالأوبريتات الرحبانية، أو هكذا يسمونها، قفز على المسرح والأرجح أن الشعر والرواية تقريباً هما أيضا ذلك القفز على الشعر أو على الرواية وان بتفاوت، يمكننا الكلام عن خلل زمني في أعمال كهذه بيد انها جميعها تبدو تحفا بسبب هذا الخلل، يمكن القول أيضا أن قوة التركيب في الأعمال اللبنانية، وأحيانا فوضاه من نتائج هذا <الطرد> الزمني فالتركيب هو دائما على حد السيف والتوازنات تقوم على هذا الخلو الزمني أو تتكسر بسببه. إن الموزاييك اللبناني أو الفن الموزايكي الذي يقف قبالته. التركيب يعلو على العناصر المشتتة وكأنه يتم خارجها. لربما كان هنا <سحر> العمل. انه دمج شتات لا يندمج. دمج افتراضي يقوم بما يشبه المعجزة. قد تكون المعجزة في الظرف والمرحلة أكثر منها في العمل نفسه. ففي أحيان تبدو المحاكاة الفنية قادرة بسهولة على أن تكون مطابقة، انها أزمنة تملك المعاني التي تمنحها للأعمال، تملك إرادة جمع وإرادة وحدة. ثمة أزمنة توضح الأعمال التي تقابلها. تجعلها تنفرط لدى أول احتكاك. هذه تقريبا دراما الفنون اللبنانية. إنها الإفراط في الشكل بدون تشكيل فعلي.
20 سنة مضت على وفاة عاصي. لم نشهد الكثير بعده، لا أتكلم هنا عن تراجع أو تقدم لكن عشرين سنة لم تكن منعطفا كبيرا ولا وجهة. من المناسب القول إن الرد الأكبر جاء من ابنه. لكن في زمن لا يسهل ردوداً متكاملة ويخشى على الردود الناقصة من أن تشكل روافد ثانوية. تزيد أحيانا من مناعة الأصل أو لا تزحزحه كثيراً عن موضعه. عشرون سنة مضت على غياب عاصي لكن عاصي لم يبدأ الغياب من يومها. الأرجح أن الحرب كانت غياباً كبيراً بحد ذاته. لقد رسمت حدوداً زمنية وغير زمنية. من ذلك الحين غدا الفن في حال من صدام دائم بزمنه والنتيجة كانت في غالب الأحيان تعثرات وسقطات. طارت كفترة الأسطورة الرحبانية. وبدت فجأة بلا موضوع. لكن للزمن دوراته. وها نحن نسمع زياد وفيروز الثانية وترجع معهما إلى الرحابنة الأول وفيروز الأولى. ليست الراديكالية نفسها سوى مزاج. وحروب الفن قد تغدو بلا موضوع كالحروب الأخرى. ربما يزداد تقديرنا لعاصي لكن من الظلم له أن يكون هذا بسبب صعوبة زمننا وصعوبة الابتكار فيه. لا نمالئ زياد إذا قلنا إننا بتذكيره بالنقص نقصد فقط أن ينجز أكثر، لا نمالئ فيروز الثانية إذا قلنا لها انها مع عاصي وزياد كسبت ثورتين، هذا الملف هو فقط لنحب أنفسنا ونحب بلدنا عبر كبير كعاصي قد لا نكون جديرين بتكريمه.

"السفير"-2006/06/16

*******

ما لا نعرفه عن المتنبي

الانكليز شغوفون بمراجعة شكسبير، والتدقيق بأكبر اسم أدبي عالمي يؤدي احياناً الى نفيه، النظريات التي ترده الى آخرين كثيرة. اما الأكيد فإن شكسبير الحقيقي او المزعوم موجود بقوة متزايدة النفي يساهم ايضاً في زيادتها. وجوده لا يدين الى حياته او رسمه بقدر ما يدين الى أدبه، سواء مر في هذا العالم أم لم يمر، سواء كان هو ام لم يكن فإن شكسبير حقيقة اكبر من الحقائق او هكذا تصنع حقائق العالم. في معرض أخير عن شكسبير عدنا الى الحيرة وهذه المرة حول صور شكسبير. الصورة الاكثر تواتراً له اثبتت التحليلات المخبرية وأشعة اكس بأنها مرسومة بعد تاريخ وفاته بكثير. الصورة الوحيدة التي لم يشتبه بها حتى الآن غير مناسبة. وجه معتم وحلق في الأذن وملامح غير انكليزية. اذا صحت فستثير اشتباهاً اكبر حول ماهية الرجل.
ربما يذكرنا هذا بأننا لا نعرف صورة لامرئ القيس والأخطل والمتنبي وأبو نواس وأبو تمام وابن الرومي والمعري والجاحظ وابن عربي وابن رشد. لا نعرف صوراً وبالكاد نعرف اخباراً والأرجح أن احداً من هؤلاء لن يصمد اذا تعرض لفحص دقيق، لتحليلات مخبرية ولأشعة اكس ولشكوك المؤرخين والمحققين. اشتبه طه حسين جرياً على مستشرقين بالشعر الجاهلي فقامت القيامة. بعض شكوك طه حسين كانت بديهية مع ذلك لم تتحمل التخلي عن مقدار شعرة من تراثنا بدون مقاومة كبيرة. الآن غدت معركة طه حسين من التاريخ وكذلك شبهاته اما امرؤ القيس فلا يزال حاضراً كما كان، ماذا يهم إذا كان مخترعاً أم موضوعاً، أم حقيقياً. يحتاج الأدب الى نص وإلى مخيال. يعيش الكاتب حياة قصيرة مهما طالت ويعيش نصه اكثر من حياة واحدة، في النهاية ما نسميه العالم الحقيقي زائل حقاً، أما العالم الأبقى فهو الافتراضي. ليست النصوص وحدها بالحياة الأخرى التي تحويها هي الأبقى ولكن ايضا التاريخ، الثقافة كل هذه في النهاية عوالم افتراضية.
لا ينتهي الانكليز من مراجعة شكسبير، إنه تحفة لكنهم لن يرتاحوا إذا لم يحطموها وإذا لم يتأكدوا كل مرة إنها عصية على التحطيم. لو كان شكسبير لنا لكنا عبدناه بالطبع. لما سمحنا بشبهه واحدة حوله، وكنا سنرمي بالخيانة كل من يشكك بأي خبر وبأي صورة وبأي تفصيل. هكذا حمينا تاريخنا او ما حسبناه تاريخنا، تراثنا او ما حسبناه تراثنا من كل عين، لكن ماذا ربحنا، غالباً لا شيء. إننا نعيد قراءة المتنبي كل يوم ولا نجرؤ على أن نجددها أو أن نسائلها أو أن نتدخل فيها، وبالنتيجة لا نملك عن المتنبي سوى المتنبي. من فترة دار لأحدهم ان المتنبي قد يكون ابن إمام شيعي. لم يجرؤ على أن يقول إنه إمام شيعي ففي هذا تهلكة وفي هذا بالطبع مشكلة من نوع آخر. إنه ابن إمامه حتى هنا اوصله في الغالب حب مشبوب للمتنبي، هذه بالطبع نظرية قوامها الشغف، مع ذلك فإن اصل المتنبي مسألة تستحق نظراً. تستحق نظراً ولا أقول إعادة نظر لأن احداً لم ينظر فيها بجدية بعد. سيترتب على تفصيل كهذا بداية قراءة تاريخية لشعر الشاعر الأكثر شهرة. سأذكر بأنها مسألة كهذه عالقة ايضاً في معرفتنا لأبي نواس وابن الرومي. لنقل اننا في النهاية مغنون لهؤلاء ولسنا قراء حقيقيين. الأرجح اننا سننساهم لفرط ما عبدناهم، هذه المرة سنحطمهم لا لنراهم عصيين على التحطيم، بل لنراهم يغدون نثاراً على الارض وتتحول كل ذاكرتنا معهم الى حطام.

"السفير"12/4/2006

*******

من يعرف أسامة الديناصوري؟

من وقت ليس بعيداً أرسل لي أسامة الديناصوري نصا للنشر. لا أعرف ما الذي دعاه الى ذلك. لم يكن ذلك من عادته ولا عادتي، أسامة الذي لا أعرف أين يكون وإن كنت أعرف دائما أني سأجده. ويأتي ويذهب كأنه لم يأت ولم يذهب. ولا أصدق ان هذا هو وأن هذا هو المريض نفسه الذي يغسل كلاه ثلاث مرات أو أربع في الأسبوع. وان هذا هو الشاعر نفسه الذي يبقى شاعرا كتب أو لم يكتب، ولفرط ما يتأخر عن الكتابة تنسى أنه فعلها ذات مرة أو مرتين؟ ولا تعرف اذا كان ما قرأته يستحق اسم أسامة الديناصوري أو لا يستحقه، ثم تنتبه لغرابة أن يكون لامرئ هذا الاسم وان يضعه على ديوان عنوانه «حراشف الجهل»، ولا تفهم عندئذ اذا كان الاسم طفا على العنوان ذي الحراشف أو طفا العنوان على الاسم الديناصوري. ولا تصدق في النهاية ان هذا الاسم لهذا الرجل وان هذا الرجل لهذا الاسم. ثم انك لا تعرف لماذا للمريض هذا الوجه الذي يكاد ان يكون وسيما، أو هو وسيم لكنك لست بصدد وسامته، لا تلاحظها لكنك تتذكر الآن ان لأسامة وجهاً مستوياً، وان لا عوج فيه ولا اختلال، وهذه ليست في الغالب سمة الوجوه. تتذكر ايضا الآن، الآن ليس قبل، ان له عينين زرقاوين وتسأل نفسك الآن: أوصل الأمر الى هذا الحد. هل ان فعلا عينيك زرقاوين. أم انك تختل وتفكر في شخص آخر؟ لكن اسامة مع مرضه وعينيه الزرقاوين وبشعره غير المنظوم شخص آخر بالتأكيد. وتبدأ أنت تحبه وتقدره قبل أن تراه أو تقرأه. فلأمر ما، أسامة الديناصوري رجل لا خلاف عليه في وسط عامر بالخلافات. إيمان وأحمد ومحمد والجميع يودون أسامة ولا بد أن توده أنت كذلك. وتفهم أن الأمر ليس في مرضه رغم انه قد يكون في مرضه. ان أسامة لا بد وجد لهذا المرض بعداً آخر، وانك حين تفكر في مرض اسامة تفكر في هيئته وشعره، الذي كتب، وأهم من ذلك شعره الذي لم يكتب لكنه تحقق بالتأكيد على نحو ما. اذ يخطر ان كل ما شاب اسامة جاءه من الشعر، أو يخطر ان اسامة لا يحتاج الى كتاب ليكون شاعرا. وتتذكر، لكن ماذا تتذكر في رجل قدمه لك الغياب، ماذا تعرف عن رجل قدمه لك المجهول: عينين زرقاوين وثنية في الذقن وابتسامة واهنة وشيئا أبعد من ذلك، نظرة لا تحد وفكرة لا تدرك وشعراً غير منظور.
أرسل لي اسامة نصاً. كان عليّ ان أخاف، لكن من يؤكد ان اسامة أرسله فعلا. من يؤكد ان اسامة يفعل أكثر من تسمية هذا الشيء سفرا وبتسمية هذا الشيء عالما وتسمية ذلك الشيء حقيقة. من يؤكد ان اسامة الذي مر دائما بين عالمين كان موجودا حقا في احدهما. أم انه كان يختفي في احدهما عن الآخر، لعله الآن مجرد اختفاء. ثم تنتظر ان يقدمه لنا الغياب والاختفاء من جديد. لا أذكر المرة الأخيرة التي شاهدت فيها اسامة الديناصوري لكن هل لأسامة مرة أولى أو مرة أخيرة، ما دام سؤالنا الاول عن موته، عن صبره على مرضه وهو يرد بأن يقول شيئا عن حياته، يبتسم ويقول ان الأمر ليس شيئا، انه عادي قبيل وفاته. فكر اسامة ايضا في حياته. في هذا الشيء العادي والعادي جدا الذي صنعه، كتب «مذكرات العادي». كان يسمي الموت هكذا، يمدده مكانه على السرير ويتركه يغسل دمه. فيما ينتظر هو في الخارج.
كان بورخس يقول نسيني الموت. هو الآخر سلم الموت عماه وعصاه وجعله يتدحرج أمامه. كان اسامة متأكدا من أن الموت نسيه وفي لحظة ضجر كبيرة أمسكه من أذنه ووضعه في التابوت.

****

الشعر العربي الآن: مسائل وملاحظات

-1-

يسود اليوم رأي بأن الشعر يتقهقر. رأي قلما يناقشه أحد ويؤخذ على عواهنه. إذ السائر اليوم هو أننا في زمن ترد وتراجع، وما يصح على السياسة والاجتماع والثقافة في جملتها يصح على الأدب وعلى الشعر بوجه خاص، ليس المطلعون أقل حيرة تجاه الشعر الآن من غير المطلعين، إذ حين نقرأ واحدة من افتتاحيات جمال الغيطاني في أخبار الأدب، وهو مفتون بالشعر، نفهم أن قصيدة النثر بالشعر. الشعراء الأكبر سناً وشهرة يزفرون أيضاً ضيقاً. يقول أدونيس إن قصيدة اليوم من حيث الرؤية والفكر عمودية. أما محمود درويش الأقل ميلاً إلى التنظير فقد أعاد الآن ما علا في صدره منذ 20 عاماً تقريباً >أنقذونا من هذا الشعر<. لن نحصي من اعتبروا - ولو بعد لأي - أن القصيدة الحديثة كلها أكذوبة كوضاح شرارة مثلاً أو الغذامى على فرق ما بينهما. المهم هو أن أحداً لا يقاوم أطروحة أن الشعر في انحدار، وأن هذا الرأي يكاد يصبح عاماً، وفي حال كهذه يروج من دون تمحيص. لن نطرح السؤال الآن إذا أمكن أصلاً أن يطرح سؤال كهذا. لكن نفضل أن نبدأ من أطرافه. القول إن ثمة قهقرى يفترض تاريخاً للقصيدة الحديثة يمكن فرز مراحله وتميز قديمه من حديثه. يفترض أن القصيدة الحديثة كونت مرجعية كلاسيكية لها واختطت مثالات ونماذج يمكن القياس بها أو عليها أو عنها أو منها. نصف قرن وأكثر تبدو كافية لتميز حقبة أدبية لكن القصيدة الحديثة بكل تاريخها لا تزال في الميدان. إنها أربعة أو خمسة أجيال شعرية تعمل معاً.. جيل الرواد نفسه لم يتحول تاريخاً. غاب البعض وصمت البعض لكن أدونيس والماغوط وأبي شقرا وحجازي ورفقة ما زالوا يكتبون وما زالوا يراجعون أعمالهم وتنظيراتهم. الرواد هم السابقون، والسبق ميــــزة لا تؤهل أصحابها بالضرورة ليكونوا كلاسيكيي المرحلة ومرجعياتها ومثالاتها، وإذا كان الجميع في المعمعة، فإن تصدّر الرواد لا يزال إلى الآن لسبب السابقة الزمنية، وإذا تعورف على الرجوع إليهم فليس ذاك إلا بسبب هذه السابقة، وبسبب أن تزامن وتجاوز أجيال عدة لم يسمحا حتى الآن بتحقيب وتأريخ. كثيرون لا يجدون للرواد سوى الأقدمية ميزة، لكن الانشغال النقدي المتركز عليهم والمراجعات النقدية تقول غير ذلك. هذا بحد ذاته لا يقرر شيئاً. إنه فقط يشي بتأخر النقد الشعري وبتجاهله للأجيال المتقادمة تجاهلاً هو غالباً بنسبة تأخرها أو تقدمها، هكذا لا تحظى الأجيال الأخيرة بنظر نقدي. عدّ الشاعر نوري الجراح بعض شعراء الجيل الثاني رواداً جدداً، هكذا تتحول الريادة مرجعية مرة أخرى ويتدارك نقصها بإضافة آخرين إليها. الأغلب أن الريادة ظاهرة لا تتكرر في الزمن مرتين، لكن سابقتها لا تتحول تصدراً ولا تغدو قيمة بحد ذاتها إلا في ذهن موروث ما زال يعطي الفضل للأولين على المتأخرين، وهذا الذهن هو الذي أعطى الجاهلية الأولى فضلاً على ما تلاها وتفوقاً. ذلك بقي نظرياً ولم يحل دون التجويد الأموي والعباسي، وأحسب أننا في تحويل الريادة إلى قيمة نفعل الشيء نفسه. أريد أن أبقى في المبدأ وإلا فإن الرواد لا يستوون في كفة واحدة، فيهم الفاضل والمفضول وفيهم المجيد والعاطل. ثم إنهم ليسوا جميعاً مؤسسين، بل إن التأسيس لا ينحصر فيهم وفي طبقتهم. الأرجح أن في اجتماع خمسة أجيال ما يوحي بأن فترة التأسيس طالت إلى ما بعد الرواد، هذا إذا كانت انتهت فعلاً. لنقل باختصار أن الريادة والمرجعية والتأسيس ليست واحداً. وإنها قد تبدو كذلك لأن تاريخاً فعلياً للقصيدة الحديثة لم يوجد أو لعله قيد الإنجازات. وفي غياب تاريخ كهذا ستظل السابقة هي الأساس وسينوب التراتب الزمني عن الفرز التاريخي. شيء كهذا يبقى مدرسياً وليساعد على ترتيب الذاكرة، أما أن يتحول إلى معيار وإلى مفاضلة وإلى مصدر قيمة فذلك هو الكسل النقدي، بل هو قيام الحكاية مقام التاريخ وقيام العرف والمواصفات الاجتماعية مقام الثقافة. لا أشك في أن هذا الكسل موفور عندنا وبأكثر مما نريد أو نستحق. لنعد إلى القول بأن الريادة غير المرجعية وغير التأسيس، ليس قليلاً ألا تكون الريادة سوى تمهيد وتبشير والتأشير إلى أفق ووجهة فيما يتكفل ما بعدها بالتأسيس والإنجاز.
كل هذا في المبدأ لنخرج إلى القول بأن الكلام عن التقهقر في الشعر يستلزم التوضيح: قياساً على ماذا وبالنسبة إلى ماذا؟ وإذا لم يقترن بتوضيح ذلك فذلك يعني أن في سريرته هجساً بأن للريادة سبقاً ليس في الزمن فحسب بل في المقام والمستوى، وأن للأوائل فضلاً على الأواخر.
تواطؤ الكثيرين على القول إن الشعر في تقهقر لا يعني أنه صحيح، أحسب أن القصيدة الحديثة منذ بدئها لا تزال تعد تقهقراً للشعر. وما يقال عن الشعر الآن قيل مثله وأكثر في أول أطوار التجديد، ذلك يعني أن حركة التجديد كلها لم ترق لجمهور المثقفين ومحبي الشعر، ولم يفوت هذا الجمهور فرصة للارتياب فيها. انسلاخ القصيدة الجديدة عن الجمهور جرح لم يغفره الجمهور إلى الآن، قبل على مضض بيد أن التجديد الشعري ظل بالنسبة إليه خيانة حقيقية. لقد عاش جمهور المتأدبين وصغار المثقفين في حلم قومي كان بالدرجة نفسها حلماً حربياً. للشعر فيه دور مرسوم هو التحريض والحماسة، وقد تنكب الشعر الجديد تقريباً عنهما، لم يكن بين طبول الحرب الخياليـــة ولا أبواقها فافتقده الجمهور ولم يسامحه على غيابه.
كل هذا يعني أن مقولة الشعر في تقهقر مردودة شكلاً كما يقول المحامون. ولكن هذا لا يثبت العكس بالضرورة، بل لا يثبت شيئاً. إنه يرد دعوى غير مشروعة ولا ينفيها، هذا بالطبع ليس إلا نقاشاً في المنهج لا ينفع إلا في ردع الشائعة الثقافية والمزاج العام عن أن يبدو في مظهر قضية أو مسألة. إلا أننا لا ننتهي من نقطة المنهج هذه قبل أن نقول إن الشعر كله في تقهقر في الآداب كلها. ولا شك في أن للتجديد والحداثة مسؤولية في ذلك قد تتلخص في أن الشعر لحق بثقافة تشكيكية نقدية متشائمة بل يائسة أحياناً. هكذا غاب عن دور اضطلع به منذ كان وهو مديح العالم وزرع الأمل. هناك بالطبع أسباب أخرى كثيرة، لكن صلب المسألة هنا فإذا جرى الحديث عن تراجع الشعر في مناخ تراجع عام بدا هذا إدانة لطور من أطوار الشعر، فيما المسالة أكبر من ذلك وتتعداه.
ثم إن هناك على الطريق ملاحظة أخرى هي على نمط استهلاكنا الثقافي، فالشعر الجديد انطلق عندنا، كما تنطلق كل موجاتنا الثقافية والفنية وفي كل المجالات، من جملة مفاتيح يفترض واجدوها لا موجدوها بالضرورة ومتلقوها أنها أكيدة وأنها أخيراً جاءت بالحل وأنها تامة. هكذا يكتمل بسرعة نموذج لا يلبث أن ينتصب نمطاً ويجري عليه الجميع ويستحيل مرجعاً ومثالاً. يجري التلامذة على كعب الأساتذة من دون حاجة إلى التوليد وإعادة التجريب فإذا وصل الأساتذة إلى غايتهم وقف الأمر عند هذا الحد ودخل العمل كله في تنميط وتكرار بلا نهاية، عندئذٍ نفهم أن ما ظنناه انقلاباً لم يكن إلا همّ جيل أو جيلين، وأن الاستهلاك سريع أدى إلى الاستنفاد. هكذا حصل مع قصيدة التفعيلة التي لم تنتج اسماً كبيراً بعد جيلها الثاني وهكذا حصل مع المدارس المختلفة للفن التشكيلي، وهكذا يحصل الآن مع الموسيقى وحصل كل مرة تقريباً مع النقد الأدبي والتنظير السياسي... إلخ، إنها دائماً موجات تبدأ وتستأنف البدء من دون تصاعد ملحوظ أو تراكم كافٍ أو تواصل. تعاقب أكثر منه استمراراً، يؤشر ذلك إلى مأزق الثقافة كلها، تأخر منتظم يزداد توسعاً وسيادة لأنماط شعبوية وتعميم سريع لأنماط أدبية وفكرية. إنه دائماً البحث عن المفتاح الوحيد أكثر منه الاستمرار في المغامرة والاستطراد فيها.

- 2 -

بخلاف المشهور والسائد كان الشعر هو الأكثر تأخراً عن اللحاق بما سمي >الحداثة<. أخرته تقاليد لم تكن في الرواية أو الرسم أو الأبحاث، فكل هذه بلا سابقة، أو هكذا افترضت وتقبلت بتفاوت المثال الغربي، أما الشعر فليس هذا شأنه. كانت هناك مع الشعر المهجري ومدرسة البيان المصرية وإلياس أبو شبكة وسعيد عقل محاولات متحفظة تحاول أن تطعّم الشعر بجدة لا تخل ببنيانه؛ كانت الغاية استقلال القصيدة بتحريرها من المناسبة، وتقديم الداعي الداخلي، وهلهلة اللغة أي الخروج من الفصاحة العباسية إلى نوع لغة سائرة. مع ذلك بقي الشعر أميناً لغنائه الأصلي الذي يبدأ من ذروة عاطفية واستنفاد للحالة والمعنى أي من إيجاب كامل بحت. بقي الشعر فضاءً واحداً وزمناً متردداً متكرراً لا يمكن معهما التدرج أو التقطع أو التعدد. إنها المرآة الواحدة والكلام الواحد والمتكلم الواحد. تأخر الشعر في اللحاق أو لحق بخطوات ناقصة، لذا بدت حركة الشعر الحديث ساعية إلى التعويض عن تأخرها بإعلانات راديكالية. لقد سمت التحاقها بالحداثة ثورة، الأمر الذي لم تدّعه الرواية أو الفن التشكيلي مثلاً. تكلمت عن التخريب والتفجير اللغوي والقطيعة مع الأب التراثي ومع الماضي، بل بدت في بياناتها طامحة إلى اعتبــــار نفسها الثــــورة الأم أو الثـــورة بذاتها، لا نعرف بياناً روائياً مماثلاً وليس من الصدفة أن بيانات القطيعة كانت شعرية فيها تضمنت بيانات الفن التشكيلي، على سبيل المثال، في الغالب إلحاحاً على التواصل مع الماضي.
لقد عشنا في مناخ هذه البيانات التي كانت في قسم منها زبداً، وقلماً يتسنى لنا أن نتحقق من المنجز الفعلي النظري والإبداعي، لم تحدد الحركة الشعرية الحديثة كحركة اتجاهات واضحة، قام بها يسار عراقي / مصري ويمين لبناني/ سوري، بمعنى اليمين واليسار في تلك الآونة. لم يمل المصريون والعراقيون إلى التنظير كما مال اللبنانيون والسوريون، الجامع بالتأكيد هو دفع القصيدة إلى المطابقة مع المثال الغربي من دون تحفظ، عدا ذلك لم نعرف للحركة شعرا كحركة دعوى فلسفية وشكلية واضحة. كان لجماعة >الشعر< كلام ثوري مستلهم من السيريالية، تخريب، تفجير، البدء من دون أب، لكن هذا الكلام يبدو مفارقاً إذا علمنا أن الثورة المطلوبة كانت خالية من أي اعتبار سياسي اجتماعي. كان اسم الثورة كافياً، لكن الجماعة المعادية للماركسية بقوة يومذاك والتي يمت بعض أفرادها إلى اتجاهات شبه فاشية وجدت الثورة في نوع من تغن حرفي بالرفض والحلم بولادة جديدة، ولادة من غير أب بعد تفجير أو تخريب أو إحراق سدومي للحاضر الموروث وللماضي المستنقع فيه. الأرجح أن هذه القطيعة كانت مع التراث العربي الإسلامي، فيما بدت العودة إلى ما وراء هذا التراث، أي إلى أساطير المنطقة تعويضاً ملائماً. لنقل أن هذه الثورة المزعومة ترافقت مع مجافاة للسياسة بجملتها، وفصل بين الشعر والسياسة بحيث بدت الثورة الشعرية بديلاً ثورياً كاملاً، وسيجد هذا ترجمته في سعي الشعر نفسه إلى أن يكون بياناً شاملاً طارحاً لفنه بذلك بديلاً عن الثقافة بكاملها وعن الثورة أيضاً. مع ذلك لا نجد سوى دعوى حرة وتحريض على المغامرة لكن من دون أي تحديد، فالثورة في اللغة تكتفي بالاسم ولا ترخصه في محاولة للنظر مثلاً في صراع العامية والفصحى أو العلاقة بالأشكال الغنائية التقليدية أو اللغة الشفهية. كما أننا على رغم التفعيلية أو قصيدة النثر لا نجد أي نظر واضح في مسائل الشكل أو الإيقاع. هناك بالطبع اتجاهات فردية لدى الشعراء لكنها لم تصنع حركة، فهذه بقيت ضائعة بين شكلانية تجرد الشعر من أي قصد أو محتوى واستبدالية تصنع الشعر بديلاً عن الفلسفة والتاريخ والسياسة. في كل الأحوال نتعجب من خلو الدعوى الحديثة، عدا لفظية التحديث والتغيير، من أي أفكار تفصيلية، إذ لا نجد في الواقع غير البراءة من الماضي أو الدعوى إلى الحرية أي مقومات أخرى، لكننا مع ذلك نجد عدداً من النواهي الواضحة، فالأرجح أن رفض السياسة كان نوعاً من دخلنة للشعر ورفضاً إلا للحدث الداخلي. وربما كان تبني السيريالية وإن من دون يساريتها عنى حصر الشعر في دفق اللاوعي واستبعاد الواقع والخارج، أي عالم الأشياء والأحداث، عن الشعر. هكذا غدا للشعر مفهوم ضيق، وانحصرت الحداثة في المونولوج الداخلي والتجريب اللغوي.
ما تقدم هو بالتحديد حصاد المدرسة السورية / اللبنانية ومجلة شعر، لكن هذا الخليط النظري ليس كل ما قدمته شعر، لقد كان أجل ما صنعته ترجمات شاسعة لشعراء العالم، هذه الترجمات كانت بنت يومها، فقد قدمت على سبيل المثال برس قبل أن يفوز بجائزة نوبل، وأكتافيوباره وهو بعد في شبابه، والسيريالية الفرنسية وولت ويتمان، وسلفاتورة كوازيمودو، وبالطبع لوركا ونيرودا... مهما يكن من أمر هذه الترجمات فقد أشارت إلى أن العالمية كانت حلم شعراء >شعر< الأول، وكان الحضور بموازاة المجريات الشعرية العالمية في أساس مشروعها. وربما لذلك اندفعت في سبيل ذلك من دون مبالاة بالتقليد، ربما لذلك كانت القطيعة نوعاً من الولادة العالمية.
ليست المدرسة العراقية في الحركة الحديثة عن هذا التنظير، لم تكن معنية بلغة القطيعة والتخريب والتفجير والولادة العالمية، قيل الكثير عن شبهة إليوتية وستويلية في شعر السياب، وترجم سعدي يوسف جانباً من شعر العالم، لكن إعلاء اللغة وتحويلها لم يصل في الشعر العراقي إلى حد التبرؤ من المادة الأولى. كان في هذا الشعر بقايا من أمكنة وسيرة وحكاية وذكرى واقع وأشياء وثقل مادي وبيئة وطبيعة وسياسة أيضاً. لم يكن الخارج معيقاً للغناء كلياً ولم تكن السياسة منافية للشعر في حين أن تراث >شعر< الأساسي كان في دخلنة العالم الكلية وإعلانه وتطهيره من كل مادة أولى. كان شأن قصائد موضوعها الذات في كليتها والعالم، بحملته واللغة في تمامها. قصائد كانت في شمولها بعيد تعريف الشعر على أنه تغريب وكيمياء ومونولوج داخلي وتحله محل التاريخ والثقافة والسياسة والثورة وربما محل اللغة كلها.

- 3 -

يمكننا أن نتكلم عن موجة أدونيسية في السبعينيات، في مصر والمغرب والعراق وجزئياً في سورية ولبنان، كان أدونيس المرجع الشعري والنظري وحتى الفلسفي، عنواناً لما يرجع إليه وما لا يرجع. لقد لبت الأدونيسية بالتأكيد حاجة جارفة لم تتوقف كثيراً أمام إشكالياتها. هي بالتأكيد قادرة أكثر من غيرها على إيجاد حداثة ذات عراقة كلاسيكية، وأن يكون أدونيس لذلك أول كلاسيكيي الحداثة. إغراء دعا الجميع إلى أن يلبوه من دون الخوف من مجازفة كبيرة قادرين هكذا على التوفيق بين قطيعة راديكالية مفترضة وموازين تراثية. لقد تجاوزت الأدونيسية الهلهلة اللغوية للمهجريين، التي بقيت تراوح، نحو لغة باروكية يتفتح طريقها البلاغي ويتناسل إلى ما لا نهاية. يمكننا القول إن مرحلة وجدت لغتها وزيها الأدبي فالأدونيسية هكذا تحرر اللغة من أي إدانة ومن كل تزمين وتردها ذاتاً جماعية وفردية، ذاكرة ومستقبلاً، أصلاً وأفقاً. أي أنها لحظة التقاء الفردي بالجماعي، التقاء الفرد بالتاريخ والذاكرة بالمستقبل. أي أننا كنا في لحظة اكتفاء وامتلاء نادرة، فهنا يبدو إمكان التاريخ وإمكان الثقافة وإمكان الروح. لا تغدو الأدونيسية موجة طاغية إلا بهذا الوعد، توحيد كل شيء والإيعاز بمشروع كلي. هنا كانت الحداثة تبدو وكأنها تسير فعلاً على عجلات والذات في لحظة تحقق والإيمان شبه النيتشوي بالتجاوز. لقد كان الملحمة في الانتظار والانتشار والتوسع والتفتح اللانهائي، لقد كان مهيار بالتأكيد بطلاً، إذ هي اللحظة التي تعود فيها اللغة أباً جديداً تغتسل ومعها التاريخ من كل موات وتحنط وتنفتح فيها المعاني الجديدة، معاني الآتي والمقبل، كان هذا تفجير اللغة وهو في الحقيقة تفجر اللغة التي تستعيد قدرتها الخالقة. ذلك بالتأكيد كان يعطي الشاعر والقارئ ريادة ليست أدبية فحسب لكنها تاريخية وحضارية وثقافية، بل ومن بعيد سياسية. لقد أنيط بالشعر هذا المشروع التوحيدي الوحيد الذي يحيي ويغيِّر. أنيط بالشعر تلك القوة التي تتجاوز الأدب إلى نوع من تطهير الواقع وإلى نوع من إنشاء دينامية تغييرية كاملة. ليس مهماً بالطبع أن نفتش عن أواليات عملية لذلك فهذا ما لم تهتم السيريالية بالبحث عنه ولم تهتم الأدونيسية كذلك. لكن الكلام عن دينامية وتوحيد لم يكن يحتاج إلا إلى هذا الإنجاز الذي هو استنفاد الذات في اللغة واستنفاد اللغة في نوع من التفجر النووي. لقد وجدت مرحلة كلمتها، كنا بالتأكيد في حاجة إلى ذلك للأم الذات المبتورة كما يقول شايهان وتحديد نقطة ابتداء وإيجاد إرادة أولى وإيجاد ملحمة معاصرة، أي أفق وجدوى ومعنى للصراع. ثم إن الشاعر بوصفه ذاتاً مفردة ويمكن أن تلحق به المثقف أيضاً، يستعيد هناك ذاته المفردة فحسب ولكن هيمنة خيالية وقدرة مزعومة على القيام بتبعات التاريخ.
صارت الأدونيسية عنواناً لما تريده وما لا تريده، غدت أحياناً، عنواناً لتمحّل لغوي ولي للعبارة وهذيان غير موزون، كما غدت عنواناً لسيلانات لغوية وشعرية فلكية بلا أي مركز أو نظم، كما غدت عنواناً لتفخيمات كلاسيكية وحنين قرآني أو عباسي بحت. بذلك أمكن للعيد أن يتنقل وللجميع أن يسعدوا بهذه المجرات الكلامية التي تعيد من جديد غسل الذات والذاكرة وتماهي الآن بالتاريخ والعالم الجديد والمشروع المستقبلي. للجميع أن يسعدوا بهذه السيمياء التي لا تحرر من الجمود فحسب، ولكنها تخرج من مراوحات النمو وأسئلته المعلقة وإشكاليته القاتلة إلى إعلان بداية وإلى فتح صراع له بالتأكيد ثمنه الفادح لكن أيضاً نبله مأساوي ومعناه البعيد. هذا تلخيص لا تسمح هذه العجالة بأكثر منه، لكننا ونحن نتحدث عن الشعر علينا الكلام بلغة أكثر تعييناً، أدى تكرار الأدونيسية في كل مكان وتبسطها وتسهيلها وتوسلها بفهم وغير فهم إلى رتابة شعرية وثقل شعري. لقد تراكمت تصورات ليس فيها غير ذهان لغوي ولا تملك من البداية غير استفراغ لغـــوي بلا أول ولا آخر ولا مركز ولا موضوع ولا فكرة ولا صورة، فالواقع أن النص الشيزوفريني يدخل نفسه في فصام لا يفتح أي حوار أو مخرج. تراكمت نصوص تملك فقط ادعاءً فوق شعري وفوق فكري وفوق أي شكل أو دلالة بحيث لا يبقى منه سوى قشرة متحذلقة متمحلة زاعمة مزعومة. لقد كان هنا التسهيل المفرط، الأرجح أن الترجيع اللغوي تحول بالطبع إلى ذاكرة ثانية. لقد عادت الفصاحة مجرد تصويت وها هي تتحول إلى تعويذ طلسمي. هكذا ندخل في سيمياء كاملة تقريباً. ويغدو الشعر مجرد ترجيع لإيقاع أصلي. انطلق أدونيس وحده وهو بالطبع صاحب تجربة كاريزماتية كانت بالتأكيد مخيلة مرحلة كاملة، لكن التجربة كانت من القوة بحيث استعارها الجميع اليوم، وبحيث اتكلوا عليها للبدء من النهاية. إذا كنا نتحدث عن التسهيل فينبغي ألا ننسى النمط الأدونيسي وقبله النمط القبّاني ومعه النمط اليوسفي وبعده النمط الدرويشي، فالحقيقة أن التسهيل هو دائماً في إيكال البحث والسر لعمل سابق والبدء من نتائج حاصلة، بل يمكن القول إن التنميط ليس بالطبع ذنب أي من الشعراء، فهو مردود إلى ما سميته في محل سابق من هذا البحث >كيفية استهلاكنا الثقافي< ما يعني ميلاً إلى اعتبار الثقافة تعليماً وعقيدة والعقود غالباً منها مقعد التلميذ والمؤمن، إنها نسبياً صفة أشباه المثقفين الذين يسودون لا ثقافتنا وحسب بل وحكوماتنا وأنظمتنا أيضاً.

- 4 -

هل القصيدة الحديثة مسؤولة عن طلاق الشعر والجمهور، والجمهور هو جمهور المثقفين، لم يعد الشعر عنصراً إلزامياً في ثقافة هؤلاء كما كان من قبل. كان تذوقه وروايته جزءاً من تربية المانداران الغربي، كما هو الأمر تقريباً بالنسبة إلى الخط عند المانداران الصيني أو حتى العربي في وقتٍ ما. لقد انفقد هذا المانداران ولم تبق قواعد واضحة لتربية مثقف حديث. عدا السياسة لا نجد في الواقع أي إلزام آخر، مع ذلك فإن الحنين إلى المانداران جزء من حنين إلى رموز موحدة أو نفترض أنها موحدة. لم يغفر المثقّف العربي للشعر الحديث أنه هدم هذا الرمز وأنه غدا ثقافة أقلّوية، لم يغفر له ذلك وبدا له أنه بانفراده يهدم ذاتاً عربية مزعومة ويهدم جسوراً للتواصل ويحرم العربي من حداء ضروري لمسيرته. ربما نفهم من ذلك لماذا ظل الاشتباه ثقيلاً بالحركة الشعرية الحديثة ولماذا اتهمت يوماً بالشيوعية ويوماً بالعمالة للأميركيين، ولماذا ظلت بالنسبة إلى كثيرين طارئة وأجنبية، بدا الشعر لكثيرين مرتداً وخائناً، فتحوله إلى لغة خاصة كان يحرم الجميع من بقاء لغة موحدة كان ترجعها وذكرها عزاء في سني القحط والجفاف والتراجع، وربما بقيت لكثيرين المحل الوحيد لحلم جامع وذاكرة مشتركة، يمكننا أن نفهم حزازة المثقفين ضد القصيدة الحديثة وإبقاءها مع استثناءات نادرة في هامش يضيق أو يتسع لكنه للآن لم يغدُ في كلاسيكيات الثقافة العربية ولا تراثها، الراهن.
مع ذلك فإن القصيدة الجديدة المنشقة كانت مع انفرادها وأقلويتها وربما للسبب نفسه قادرة على إنتاج حركة شعرية عربيّة جامعة، فالأرجح أن رقعة السجال والتفاعل لم تكن في يوم أوسع منها الآن أو أكثر مشاركة وشمولاً. وجدت ثلاث بؤر لهذه الحركة هي العراق بالغناء الصاعد من قلب المكان والطبقات التاريخية، ولبنان وسورية بالتجريب والباروكية البلاغية والوساطة الغربية، ومصر بواقعية ووضوح وضبط للخيال واللغة. هذه بالطبع توصيفات سريعة ومتواترة، مع ذلك فإن أياً من هذه المدارس لم تصمد في مكانها، كانت هناك باستمرار هذه الريح التي تنقل اتجاهاً من أرض لتزرعه في أرض أخرى. وكانت هناك أيضاً هذه القدرة على الانشقاق العنيف أو السلمي في كل مكان. لقد لاحظنا كيف انتقلت الأدونيسية إلى مصر والمغرب والعراق منزاحة هكذا بالتدريج عن بؤرتها الأولى. ثم يمكننا بالمقابل أن نلاحظ كيف انزرعت القصيدة العراقية اليوسفية غالباً في لبنان وسورية ومصر والمغرب، فيما كانت تواجه ردوداً أخرى في العراق. ليس اختلاط البؤر وحده الملحوظ بل امتداد الحركة إلى الأطراف وبزخم مماثل لما لها في البؤر الأساسية، إلى أن بدا أن صعيداً واحداً يشمل الأطراف والمراكز، وإلى أن المراكز تغدو بالتدريج تاريخية، في حين أن التفاعل والتجاذب يجريان على خارطة أخرى. كل هذا يرينا كيف أن القصيدة الجديدة كانت أيضاً جزءاً من حلم حديث قفز فوق الحدود واتجه دائماً إلى بناء خارطة خيالية توحيدية. لم يكن الشعراء العرب في يوم على هذه الدرجة من التعارف والتعاطي، على رغم أن الإقليميات الضيقة طالما كانت تخفي شعوراً متأخراً بالذنب لانقلاب على الآباء التاريخيين واستضافة آباء بدلاء مكانهم، هذا ما يفسر شوفينيات تأتي غالباً متأخرة وفي غير وقتها ومكانها. ففي لحظة بناء الدولة القُطرية يجري الانتباه المتأخر إلى صيانة الحدود. مع ذلك فإن التوحيد الشعري الذي يدور أحياناً حول أسماء كالحضور الخاطف لمحمود درويش يعني أيضاً إيصال الحركة بلغة مترحلة وسجال مترحل، ويطرح سؤالاً حول صلة هذه الحركة بيئات مختلفة. إذ لا نقبل سهولة بداوة الأنماط الشعرية وقدرتها على الانزراع في أي أرض من دون أي مقاومة كبيرة من تقاليد وتراث محلي ومن دون تكيف جدي لها مع المناطق الجديدة. ذلك يوحي بأن الحركة الشعرية شأنها شأن روافدنا الثقافية الأخرى عائمة وبلا جذور، قدرتها على التنقل والانزراع تلقي ظلاً على كل التراكم والتجذر الثقافي في راهننا اليوم، بل تلقي ظلاً على علاقة الأسئلة بالواقع وتشعرنا بوجود حاجز شبه فصامي بينهما. وإذا بدا لأول وهلة أن الشعر العراقي عراقي على نحو ما والتجربة السورية اللبنانية تجربة لبنانية سورية على نحو ما. فإن القدرة على الانتقال من دون تعديل أو تكييف تجعلنا نقلّل من تقدير المسحة المحلية، أو تجعلنا نشعر بأن التعميم والانتشار هما أيضاً من فقدان عناصر مقاومة وممانعة جديين في سجالاتنا الثقافية، مما يسهل إنتاج ثقافات صورية وذات وجود شكلي إلى حد بعيد.

- 5 -

لا يبدو بيان الـ 1967 العراقي الذي كتبه فاضل العزاوي مع سامي مهدي واضحاً، لا نعرف إذا كان الغموض هو ثمن تسوية بين الشيوعي الذي سيغدو طريداً في ألمانيا والبعثي الذي سيستقر بين بارونات الحكم الصدامي. بالكاد نفهم أن البيان انقلاب على السيابية، ليس نقد سامي مهدي للسيابية فيما بعد ذا قيمة نظرية، لكن يمكننا أن نستخلص منه أن الرومانسية أضعف رواسب أو روافد القصيدة السيابية، وأن هذه القصيدة ليست حديثة بمقدار. في الغناء الذي لا ينزل كثيراً عن الذرى العاطفية والتدفق الأشعث والسليقة التي تربح أحياناً على البناء ما يفسّر ذلك. لا بد من أن الكلام عن الحشو والثرثرة واللجوء البراني إلى مفردات أسطورية يقع في ذلك السياق، لكن السجال حول البناء على هذا النحو يظل تقليدياً ما دام لم يشفع بنظر جديد في الشكل والتأويل. في ضوء ذلك لن تكون القصيدة السيابية في الأغلب فالتة إلى هذا الحد، لكن الانقلاب على السيابية قد يجد ترجمة أفضل في أعمال العزاوي أو أعمال سامي مهدي نفسه، أين سيولة السياب من سيولة العزاوي؟ لكن سيولة العزاوي هي تحويل القصيدة إلى ما يشبه الكولاج الجرائدي، إنها لا تخرج الآن من بؤرة وجدانية بقدر ما تنشر في نوع من >النشرة< المدينية حيث يتكلم الواقع نفسه من دون إعلاء وجداني، ومن دون تحويل مجازي كبير وبالطبع من دون أي أسطورة شخصية. يسعى سامي مهدي إلى قصيدة ملموسة ذات صرامة أسلوبية، لكن المهم هو أن الواقع يتكلم من دون شطح غنائي أو عاطفية نافرة.
لا نعرف ما إذا استطاعت قصائد العزاوي أن تكون شعراً بقدر ما هي نقد شعر، لكن المشروع الشعري الذي انطلق منذ >قصائد مرئية< من أسس مغايرة ظل وحده يتقدم نحو بناء بديل، مشروع سعدي يوسف بدأ من دون بيان وتقريباً من دون نقد شعر، مع ذلك فإن ترجمات سعدي العديدة تنم أيضاً عن خياره الشعري. ما تجنبه هو الإنشاد والأسطورة الشخصية وبالطبع البيان الشامل. لقد أوجد لغة ذات وزن وحجم وحدود مادية، لكن مع خفة وشفافية وتسرير لمحات من تاريخ وخارج وسرد وتساؤلات واستخلاصات ذكية تتعالق بإيقاع محولة القصيدة إلى فضاء مركب مفتوح ومغلق. إنه مزيج مخصوص من إشارات وثائقية وسيرية وفانتازية يتصفى بموسيقى داخلية ويبدو في النهاية شخصياً وعاماً حيادياً وحميماً واقعياً وفانتازياً سردياً وغنائياً. مشروع سعدي كان في أساس جناح في شعر السبعينيات، يمكننا الكلام عن هاشم شفيق كاستمرار وإضافة، فيما أكمل الآخرون انقلابهم باتجاه قصيدة برسية أدونيسية بركاتيّة ألمحنا إليها من قبل.

- 6 -

بدأت قصيدة النثر مع محمد الماغوط وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا، وبالطبع مع جبرا جبرا وتوفيق صايغ وإبراهيم شكرالله، هذا بالطبع تاريخ لكن الأكيد أن قصيدة النثر كقصيدة التفعيلة نوع وما يندرج تحته ليس واحداً. هناك أكثر من قصيدة وأكثر من عالم ووجهة، هذا بديهي لكن بداهته قلما تتجلى للنقد الشعري الذي يفرد لقصيدة النثر باباً على حدة، كأن الجدل حول مشروعية هذا النوع استهلك النقاش حوله وظل من حينه يراود البداية. لقد تراءى أن قصيدة النثر هي حدث السبعينيات وما بعدها، وظلت قصيدة النثر هي الحدث الأساسي من دون أن ينتبه كثيرون إلى أنه أيضاً غرق في تفريعاته وما يحدث فيه. وإلى أنه لم يعد ابن الشعر الضال الذي ترجى عودته، فلقد أنجب أنسل وصار له أبناء وأحفاد وسلالات ومن اللامجدي أن نبقى عند صدمته.
من يراهنون على أن قصيدة النثر هي الحدث الأساسي في السبعينيات، وما بعدها لا ينتبهون إلى أن ذلك قد يكون نتيجة بمقدار ما هو سبب. قد يكون الحدث الأساسي الفعلي سلبيا وغير مرئي، إذ يصعب أن نلاحظ أن المسألة هي في ما لم يقع أو توقف عن الحصول. إلا أن الحدث الأول بالنسبة إليّ هو نضوب شعر التفعيلة بعد السبعينيات وتوقفه عند شعراء الجيلين الأولين أو الأجيال الثلاثة الأولى في حساب آخر. إذ يحير أننا لا نعرف اسماً لافتاً بعد هذه الأجيال ولا نجد قصيدة مبتكرة حقاً في ما بعد السبعينيات. لم يتوقف شعر التفعيلة كما لم يتوقف الشعر العمودي أيضاً، لكن شعر التفعيلة يبدو وكأنه وصل إلى تمام مقلق. لقد اكتملت نماذج أصلية واستنفد البحث والتجريب، وانتهى الأمر إلى دوران حول النماذج الأصلية وإعادة إنتاج وتنويع على إنتاج وتفريع منه. هذا هو الحادث الأهم وهو حادث حقاً بمعنى أنه ليس حتماً ولا نتيجة ضرورية، إذا بدا أن نضوب الشعر العمودي حصيلة تاريخية، فليس هذا شأن شعر التفعيلة الذي لم يكد يكون له تاريخ. إن جيلين أو ثلاثة لا تكفي للإرساء والتأسيس فكيف يمكن أن تستنفد كل التجربة وتنهيها. لقد استهلكت الفترة الانتقالية بين العمودي والتفعيلة جانباً من هذا الوقت القصير أساساً والذي لا يكاد يتجاوز عمر جيل شعــــــري واحد فكيـــف لا يصدمنا توقف التفعيلة، وكيف لا نجد في ذلك عطالة كبيرة وداءً عضالاً، وكيف لا نحاكم كل ما أسميناه حداثتنا الشعرية وربما إنتاجنا الثقافي كله بهذه العين، وكيف لا نتساءل بجدية عن التصحر الذي أصاب هذه القصيدة. نتساءل إذا لم يكن هذا شأن شعرنا كله وثقافتنا كلها. وإذا كان النفس القصير والمدى القصير والتجربة القصيرة بالتالي عوارض متأخرة لمرض أصلي، إذا لم تكن السرعة إلى الجواب والقطع والتمام داء أصليا، أما المقلق بالطبع فهو سعادة مراهقين بالشعر والثقافة بما حدث وتجييره لحساب قصيدة النثر التي ستعاني من التصحر والجفاف ذاتها إذا لم نحسن هذه المرة التفكير والبحث. الاستنتاج بأن التفعيلة ذاتها هي التي انتهى عمرها لا يقوم على أساس، إنه عقل استبدالي، عقل قطيعة واستئناف بدء هو الذي يوحي بأن قصيدة لا تقوم إلا باستئصال قصيدة. يحاول محمود درويش في محاولات ناجحة أن يسبر فضاءات جديدة لقصيدة التفعيلة ويحتاج الأمر إلى إرادات مماثلة بالطبع. قصيدة النثر ليست تطوراً تاريخياً للشعر ولا مجرد مرحلة متطورة أو غير متطورة من مراحله، إنها نوع أدبي آخر بين النثر والشعر، ويمكنها أن تكون بين الفلسفة والعلم والسرد والشعر ولم تقم لتكون وريثاً ولا بديلاً وإنما لمدى آخر من الحركة والمزج والتركيب.

- 7 -

بدت قصيدة محمد الماغوط مكتملة وكافية بحيث إنها لم تحتج إلى مبرر، لم تحارب للدفاع عن نفسها، لم يتذكر كثيرون في حينها أنها بلا وزن فقد شغفتهم أولاً صورها الانفجارية المشقّة والسيرة الصعلوكية التي تقدمها. فضلاً عن الاحتجاج الذي يغدو فيه الشعر ملكوت البراءة والريفي المقتلع جواب الشوارع راوية الحقيقة. كتب هذا الشعر ليحظى بالتعاطف الذي يستحقه، لم يكن فيه أي اعتداء أو استفزاز لأي من مثلنا الأدبية، كان بالعكس تحدياً إيجابياً واضحاً لقصيدة التفعيلة. لقد حمل بساطة أكبر الرسالة التي لا تقدر عليها قصيدة التفعيلة، فهذا المزيج من السيرة والغناء والاحتجاج لم يوجد بهذا القدر من البداهة والنفاذ والانسياب في شعر آخر. لم يبد شعر الماغوط لفقدانه الوزن مارقاً. كان بالعكس يملك ما جعله بسرعة مثالاً في الشعر والنثر، غدا الفن الماغوطي نموذجاً لغناء المغدورين. لقد أتى الماغوط إلى النثر من دون أطروحة نقدية. وصل إليها بالبساطة التي وصل إليها رائدها الفرنسي اللوزيوس برتران وسعى فيكتور هيغو عمود الشعر الفرنسي يومذاك وسعه ليجد له ناشراً، بالبساطة التي انعطف فيها بودليرالي قصيدة النثر بدون أي جــرح ولا معاضلة، كانت عملية سلسلة وسلمية إذا جاز القول. لقد أوجد الماغوط لغة أكثر حركية وأوسع تعبيراً وأكثر مطابقة وأكثر تشعشعاً وأشد وضوحاً وهجومية فضلاً عن كونها ذات غناء طازج وعضوي ومتحرك، وذات بيان إيجابي وفلسفة بسيطة إلى جانب المهمشين والمقتلعين، كان بوسع كل هذه العناصر أن ترسي نموذجاً جديداً بأقل درجة من الخلاف.
لكن >شعر< كانت تريدها حرباً. كان على قصيدة النثر أن توجد كتهديد وكانشقاق. وأن تكون استفزازاً خالصاً. كتبت >لن< بحبر هذا الاستفزاز القصدي، إذ بعد نصف قرن تقريباً على كتابهــــا لا تزال صداميتها بادية ولم تستوعب فعلاً في أي ذاكرة وأي تراث. لا شك أنه كتاب غريب لكنه أيضاً كتاب مجتهد، إنه نوع من ورشة كتابية فعلية إذ الكتاب من ناحية أخرى حمل تمارين وتطبيقات واقتراحات وأشكال وتجارب، إنه مختبر كامل ومن العبث اعتباره مجرد ارتجال وشطح كلامي، لكن >لن< >والرأس المقطوع< بعده يظلان إلى الآن مستحيلي القراءة تقريباً. فالتكوينات الكاوسية الموجودة بوفرة فيهما صلبة وصادة وغير قابلة لأي تحويل. إنها نوع من الأنتي لغة، وبلغة بلاغية أقرب، نوع من المعاضلة والتمحل المقيمين، فهي موجودة كاعتداء صريح. يصعب إيجاد مجرى إيقاعي لتراكيب كهذه لكن يصعب أكثر إيجاد مقابل دلالي لها، إنها عديمة الشفافية وقلّما تشع بأي إيحاء، وأكثرها يبقى على حاله من الثقل التكويني. نصوص كهذه كانت بالتأكيد من أول أمرها سعياً إلى الفتنة، إنها لا تعلن الانشقاق فحسب لكنها موجودة علناً كفضيحة أدبية ولغوية. اقترنت قصيدة النثر، كما فصلتها >شعر< بهذا التخريب كما سماه أنسي الحاج. ومنذ ذلك الحين فإن قصيدة النثر هي هذا الشقاق والاعتداء المعلن، هي هذه المعاضلة للإيقاع والصورة والمعنى، إذ لا نجد غالباً وراء المعاضلة شيء، ولا نحظى بالمقابل بكثير من الاشراقات والصور الانفجارية والكلام المشعشع.
نصوص شوقي أبي شقرا الآتي إلى النثر من الشعر أكثر ألفة للنظم والتوقيع، إن نصوصه المؤلفة من نثرات خفيفة ولاهية وخالية من أي مضمون درامي، هذه النصوص المصنوعة بإهمال متعمد وأحياناً معلن للفصاحة، تفعل ذلك بقدر من التحنك إذ تتخلص من طبول الفصاحة لكن بإيقاع عيدي مرح وخفيف. إنها تستكمل التقطير الإيقاعي الذي انشغل به الشعر اللبناني لكن من دون أجراس رنانة بالطبع محوله النص كله إلى تداعيات إيقاعية. نص شوقي أبي شعرا في أفضل حالاته ذو مفهوم صارم للشعر، إنه لا يجده خارج هذا المس الإيقاعي ويحاذر من أن يختنق في أي مصيدة أخرى، في الموضوع أو المعنى أو الموقف، لذا تبدو قصيدة النثر مع شوقي أبي شقرا عدوة للموضوع والمعنى ولكل قصد في الشعر.
لقد جاءت قصيدة النثر ولكن كاستفزاز صريح، لم تكن فقط طريقة في الكتابة أو النظم، فخلاف قصيدة التفعيلة كان لقصيدة النثر بيانها الشعري والفلسفي وضمناً السياسي. إذا لم تكن قصيدة متشائمة دائماً (قصيدة المرضى والسرطان) فإنها سلبية بالتأكيد. بدا الإيجاب الماغوطي ساذجاً هنا وكذلك غناء المهمشين والمغدورين، فقصائد أنسي وأبي شقرا ومن جهة أخرى أدونيس تحصن الشعر من التورط برسائل معلنة إلى الخارج. تحصّن الشعر الذي لم يعد مجرد شكل أو نوع فني، فقد تحول إلى أقنوم بذاته وفي داخله ومنه وإليه تتم الثورة والتدمير. القطيعة اللغوية والقطيعة الثقافية هما عنوان هذه الثورة وإذا لم يكن مهماً تحديد الغاية، أهي ولادة من الذات كما عند أدونيس أو تقويض ذاتي كما عند أنسي أو لعب حر كما عند أبي شقرا فإن الشعر وحده كان مفجّر أو مخرب أو مدمر هذه اللغة التي تحمل كل تاريخنا العبودي، لقد أصاب رأس الأفعى بالضبط، إذ لا سلطة للتقليد والانحطاط من دون أن يكون أساسها في هذه اللغة المقدسة. لقد قُتل المقدس على نحوٍ ما وانفك السحر عن كل ماضينا العجائبي. هكذا كانت نخبة معزولة ومن دون أي تقليد سياسي فعلي ومع انحياز وراثي لليمين النظامي تقوم بالثورة >الحقيقية< ليس نيابة عن أحد، إذ إن مقتها للسياسة كان عنيفاً بالنظر إلى هيجانات الشارع، لا ننسى أنها كانت المرحلة الناصرية. كانت الثورة داخل حرز التراث والماضي فالقصيدة النثرية ومن دون أي تبعات سياسية من أي نوع، كانت انفجاراً في داخل القلعة، كانت ثورة كاملة ولكن من دون أي موقف سياسي، ففي مجلة >شعر< حيث قوميون سوريون اجتماعيون ولبنانيون كانت هذه الثورة >الأرستقراطية< رداً نظيفاً وغير مباشر على حراك جماهيري هائل رفع صورة القائد وأمجاد الماضي والإيمان الديني بالشعب مع الاتهام المسبق للغرب. لقد اعتدي على اللغة، لم يتطلب هذا أكثر من أفراد جسورين، وأحرار، إنهم الأنوات الكبيرة والدراماتيكية الجديرة بمغامرة كهذه، أنوات ستتجلى في مهيار الدمشقي وفي مونولوج >لن< الطويل حيث يتحول الشعر إلى سيرة عليا، إلى نمذجة وتشخيص كاملين.
لا شك في أن السيريالية لعبت في كل ذلك، لقد قرنت الأدب بالثورة لكن السيريالية رفضت أي استقلال للأدب بينما احتكر الشعر الثورة في أدبيات >شعر<. بهذا الاحتكار غدا بديلاً للثقافة كلها فحسب بل وللتاريخ أيضاً. سيكون الوقت إذن سانحاً لتضخم نرجسية الشعر إلى الأوج ولامتلائه ببيانات تدمير وقتل أب وولادة من الذات. سيكون لكل ذلك طابع سحري تقريباً، فاللغة القديمة كانت خلقاً جديداً وألفاظ الرفض والخراب والمرض كانت بحرفيتها مفاتيح سحرية. لقد سطرت هذه النصوص الطويلة التي حوت كل شيء لتكون أناجيل للمستقبل. لم يهتم أنسي الحاج بالمستقبل لكن >لن< كانت بياناً تدميرياً، ولم يهتم أبي شقرا بأي قصد لكن بدأ من لا لغة ومن دون أن يظهر أي عنف من أي نوع كانت الفصاحة قد جرى تقليمها ونزع أسنانها وتحويلها إلى لعبة. كان الشعر إذن هو إنجيل التحرر الجديد، لكنه بذلك بدا متجاوزاً نفسه باستمرار، بدا أقرب إلى حركة شاملة، إلى قيادة أركان للثورة والتجديد والمستقبل. كان الإلهام النهضوي والإلهام السيريالي رديفين هنا، لكن هذا جعل من البيانات الشعرية وحتى النصوص، على رغم عدائها للمباشرة الجماهيرية عامرة، بتخطيطات أيديولوجية، إن >لن< و>أغاني مهيار< دعوتان بهذا المعنى. لنقل إن قصيدة النثر كانت راديكالية، الأمر الذي لم تكنه تماماً قصيدة التفعيلة، راديكالية إلى الدرجة التي غدت فيها >الثورة الحقيقية< في وجه هيجانات الشارع، لكن من دون أي تصور سياسي كانت >الثورة الحقيقية< محاصرة في قفص. كانت كل تجلياتها استفزازاً حاداً لكن عقيماً أحياناً للغة. ربما هيأت للشعر مكانته في العربية وأسطورته عن نفسه فيها ادعاء القيام بتبعات التجديد والانقلاب، لكنها تبعات فوق إمكانه وطبيعته. فالشعر الذي هو تقريباً قانون لغوي والذي يتصل بطبقات متعددة من تاريخ اللغة وماضيها والذي تحيله أولياته الضمنية إلى عمل شبه لا إرادي، الشعر هكذا أقل ما يكون تأهيلاً ليكون مركز الثورة اللغوية أو أن يتصدى لمستقبليه مفتوحة. أغلب الظن أن الرواية أقدر على ذلك، ومهما يكن فإن الثورة الشعرية كانت ضئيلة الحصاد بالنظر إلى ادعائها الطنان. كانت النصوص المنتجة عامرة بادعاء ليست في مستواه غالباً، إذ إن مجموعة من الألغازات أو السيولات الكتابية لن تملك بالضرورة هذا الاستشراف المستقبلي والريؤيوي. سيكون الخلط والصراع ممكناً دائماً بين البيان النظري والمنجز الحقيقي.
ليس هذا هو التناقض الوحيد، الأرجح أن الحركة كلها واقعة في شبكة من التناقضات، لعل أهمها أن الادعاء الثوري كان يتمتع فقط بمخيلة شكلية بالكامل. كانت الثورة الشاملة من جانب ومن جانب آخر قصيدة تتعبد لنفسها أو لغة تتمرأى في ذاتها، فالراديكالية الجديدة حملت معها من النواهي ما يلزم الشعر بأن يتجنب أي تراسل مع الخارج. ألزم الشعر بأن يكون حجرة داخلية تعيش في نور نفسها، هكذا انتفى الموضوع تقريباً، كما انتفت المباشرة وانتفى بالطبع كل سرد أو وصف وما عاد في وسع الشعر إلا أن يدور حول موضوع المواضيع وسيره السير والشعر الأعلى. لم تكن الراديكالية سوى هروب إلى الأمام من حصار فعلي، لقد عُبر عن صعوبة التغيير الهائلة بأكثر إعلانات التغيير دوياً، تكفلت دائماً بالثقافة العربية ماكينة كاملة من الشعارات بالتغطية على غرق العجلات في الرمل وصعوبة التقدم العظيمة.
أدت راديكالية قصيدة النثر إلى استتباعها لفلسفة غريبة عنها وتحويلها إلى تابو بمجرد قيامها، والنتيجة قطع صوري جعل الشعر يضخّم مغامرته اللغوية ويحولها إلى نهاية في ذاتها، يصعب القول إن ذلك وسع على قصيدة النثر أو جعلها تظهر ما في طاقتها. لقد تمت محاصرتها في علبة أيديولوجية ثم محاصرتها بعد ذلك في قالب شكلي.
بدا أن قصيدة النثر في حرج من اسمها، لم يجده نقادها فقط متناقضاً بل العديد من شعرائها أيضاً، لقد شق عليهم أن ينسبوا شعراً إلى النثر أو نثراً إلى الشعر، وهناك من قام بمحاولات إنقاذ سريعة فوضعت أسماء أخرى لكن المشهور غلاب. لم يكن هذا جدلاً حول الاسم بقدر ما هو حول المفهوم. ظلت قصيدة النثر تحمل كلمة النثر في اسمها كعار غير مفهوم، أو تهمة صريحة. لم يكن النثر مطلوبها بل الشعر، والشعر من دون أي زيادة، إذ طالما ألزمت القافية وألزم الوزن الشعر بالحشو والزيادة، ولم يتحرر الشعر منهما ليدخل في النثر، بل ليزداد خلوصاً للشعر. هكذا كانت قصيدة النثر، عند نفسها أكثر اشتغالاً بالشعر وتكرساً له، وهكذا بدت كلمة النثر في اسمها نافلة. شاءت قصيدة النثر أن تكون أقل حشواً وإطناباً وتزيداً، شاءت أن تكون أكثر كثافة وإيحائية وتحويلاً، وبالطبع أصفى غناءً وإيقاعاً. بوسعنا القول إن قصيدة النثر سابقت قصيدة الوزن على شعريتها، وكان رهانها بالطبع أن تكون أعلى شعرية من قصيدة التفعيلة، وأن تثبت هكذا نفسها بديلاً أو منافساً على الأقل. هكذا بدت قصائد النثر أكثر انغلاقاً واستقلالاً بالشعر وانطواء وتجنباً لكل ما يشي بمناسبة خارجية للقول أو يمت إلى مقابل خارجي، شاءت قصيدة النثر هكذا أن تتخلص من كل اشتباه بالنثرية، وإذا استثبنا نسبياً الماغوط فإننا نقع على شعر أشّد تصفية وانغلاقاً مجازياً وتصعيداً غنائياً من شعر التفعيلة.
لا شك في أن قصيدة النثر الأولى فعلت ما في وسعها لتتبرأ من النثر، كان هذا اسم أطروحة تقيم بين النثر والشعر جداراً وتقوم على جوهرية الشعر واستقلاله. بعيداً عن اسمها أخرجت قصيدة النثر النثر من نطاقها تماماً، ما كان ممكناً أن تتميز شعرية النثر أو جمالياته. لقد وضعت علامة سوداء على السرد والخبر والوصف والمناسبة والتفسير والمناقشة والبحث والاستخلاص والتفلسف. كان الشعر هكذا عملاً جوانياً يتجنب أن يستعير من الخارج اسماً أو مناسبة أو موضوعاً. كانت الذات على هذا هي موضوع المواضيع وسيرة السير، هكذا كان على الشعر أن يعيد مغامرته ذاتها في كل قصيدة، ففي كل مكان كان الشعر يعيد تعريف جوهريته وقطيعته وداخليته. ربما لهذا نجد أنفسنا أمام مطولات مستمرة، إذ لم يكن للقصيدة أن تبدأ من لقطة أو شظية أو حيز محدود، كان أمامها موضوع المواضيع، كان الشعر كله أمامها، وكان عليها أن تبني نفسها دائماً كعالم موازٍ، كذات أخرى. هكذا نجد أنفسنا دائماً أمام >الكتاب< الكتاب حيث لا قصيدة ولكن شعراً جواباً يستفرغ اللغة ويستفرغ العالم إلى آخرهما. إذا كانت هذه التجربة الملحمية مغوية بالتأكيد فإنها تحمل أيضاً طابع استحالتها. المطولات كانت تعيد دائماً التجربة إلى أولها، وفي كل مرة كان العمل الشعري يقدم نفسه كسفر تكوين جديد للغة والكون. هذه الرحلة كانت تفقد نفسها غالباً وتتحول بسرعة إلى ترجيع فقير والى تراكم لغوي.
تجربة كهذه كان يمكن أن تبدو لشعراء من جيل ثانٍ مدعية وزخرفية ومغلقة إلى حد بعيد، سرعان ما تكلست وتكلس معها مثال الشاعر الجوهراني قدموس الذات واللغة، بدا الشعر وكأنه منهك من قول نفسه وإعادتها، وبدا لزاماً عليه أن يجدد عهده مع اللغة والأشياء ومع نفسه وصاحبه، الأرجح أن حذلقة المطولات وسيولتها وترجيعها، كل ذلك استحال نمطاً غريباً وغير طبيعي وكان من السهل تميز وعورته وهجينه، فقد كان في هذا نوع من شعرية متعالية بقدر ما يمكن أن تكون زائفة. لذا كان لا بد من العودة إلى نوع من بداية، إلى شعر يخرج من قطيعيته شبه الكاملة، إنها عودة إلى لغة غير محولة بالكامل، لغة لا تزال لها صلتها بمادتها الأولى ومقابلها الخارجي لغة مسننة ومادية، كان لا بد من إخراج الإيقاع من ترجيعية مملة والغناء من وجدانية وتشخيصية عاليتين، كان لا بد من العودة للموضوع وللخارج وللسيرة وللتجربة المباشرة وللسياسة ولليوميات والعالم المديني. كان لا بد لقصيدة النثر من ألا تتبرأ من النثر، لا من لغته الصحافية السائرة ولا فنونه، لا ســرده ولا مبانيــه ولا عوالمه، هكذا ومع بعض شعراء السبعينيات، والثمانينيات: سركون بولص ووديع سعادة وبول شاوول وبسام حجار وأمجد ناصر ونوري الجراح وعبده مازن على سبيل المثال. دخلت قصيدة النثر في النثر بما يعنيه ذلك من غناء مختلف، من صلة أوسع بالخارج والمدينة والحياة اليومية وبما يعنيه أيضاً من اختلاط أنواع وثقافات وبما يعنيه من إيجاد نص مفتوح، هكذا لا تعود مسابقة قصيدة التفعيلة رهان قصيدة النثر، إن رهانها في علاقتها بالنثر والثقافة كلها وبالعالم الراهن، وقدرتها على أن تجد بالتدريج مفهوماً لآخر للغناء وللتناول الشعري.
شعر سركون بولص ذو لغة مادية. العالم الفعلي يبرق عبر الصور والاستدعاءات، يتكون هذا الشعر من تقاطع مصادر متفاوتة، الذاكرة الشخصية والتجربة المباشرة والرسائل المحددة مع أنواع أدبية وفنية ونصوص ثقافية وأمكنة ورحلات وخرائط مدينية، إنها مادة لا تفقد آثارها في الشعر ولا تتعرض فيه لتحويل وانقطاع نهائيين وإعلاء تام، عالم سركون بولص ينبض بين المادة الأولى والتحويل المجازي. إنه يتكلم بصوتين: نثري وشعري في آن معاً. هكذا يحتفظ الكلام بحراكه وصدمته وإحالته المزدوجة.

- 8 -

من أين بزغت الثمانينيات، أحسب أنها بزغت تقريبا من قصيدة السبعينيات، ولا أعرف إذا انفصلت بما يكفي عنها، السبعينيات سن نضج قصيدة النثر والثمانينيات وما بعدها سن غلبتها، غدت قصيدة النثر بتسارع كبير مهيمنة في كل مكان تقريبا، ومع قصيدة النثر بدا أن الحيز الشعري يفقد حدوده ويتداخل مع النثر، حصل هذا بتوسع جعل الشعر غير مستقل بعد بقاموسه أو موضوعه وحتى إيقاعه، وبدا أحيانا مقتربا وحساسية وأحيانا تقنية. الأرجح أن مفهوم الشعر لحقه لذلك قدر من الإبهام، بدا أن تراث الحداثة كاف لقصيدة الثمانينيات وما بعدها لكن تنزل الشعر من الشعر أو حتى من الأدب لم يعد قاعدة، انفتحت أبواب أخرى كالسينما بالتأكيد وليست السينما وحدها فهناك الغناء والرواية والمسرح والصحافة. لا شك في أن الصورة السينمائية هنا تتداخل بالصورة الشعرية، لا تحتاج الصورة السينمائية إلى أكثر من لغة توضيحية والحق أن لغة القصيدة الجديدة في الثمانينيات وخصوصا ما بعدها بدت شيئا فشيئا بعيدة عن أي مفهوم سابق للغة الشعرية. اللغة هذه المرة لا تبدأ من الصوت بقدر ما تبدأ من المعنى فانتظار المعنى من التأليف الصوتي لم يعد الأساس، تقصد المعنى وتوليد الإيقاع من لعبة المعنى نفسها غلبا. أي أن في تقطيع المعنى وتوازي المعاني وتكرارها وتوزيعها تشكيليا وقصها ووصلها وحسابات النطق والصمت فيها وضغطها وبترها أو تسييلها أو ترتيبها أفقيا وعموديا، خطيا وتشبيكيا. تناظرها أو تضادها، كل هذا الأشبه بالسيناريو بدا لعبة أخرى للقصيدة، الأمر الذي يطرح مجددا سؤال اللغة وسؤال الإيقاع، لا نعرف إلى أي حد استطاعت قصيدة الثمانينيات وخاصة ما بعدها أن تستوفي هذه اللعبة الأخرى.
اللغة في قصيدة الثمانينيات، وخاصة ما بعدها غير متعددة الطبقات، أنها لغة السطح الواحد، إذا جاز التعبير. لا يناط الأمر الآن بتعدد المعاني واحتمالاتها فهذه القصيدة لا ترتاح للتوليد اللغوي والتناسل اللغوي ولا تحتاج حتى لطبقات المعنى العديدة، إن حصر المعنى مهم لديها، قد لا يكون واحديا لكنه أيضا ليس جنونيا ولا مفتوحا على كل المعاني، ذلك يفترض ألا يكون للكلام عمق مبالغ به أو خفاء لا يدرك. التسطيح لا السطحية بالطبع سمة النص الثمانيني وما بعده، أتكلم هنا عن شيء يشبه التسطيح في الفن التشكيلي وفي بعض الروايات، الكتابة في القصيدة الثمانينية وما يليها مرسومة كما هي في ظاهرها لا في ما وراءها أو إيحائها فحسب. التوهيم هنا ليس الأساس ولا السحر ولا الاحتفال، شعراء الثمانينيات وما بعدها يحسبون أن الإبهام والتوهيم أساسا كتابة مضى وقتها، أن كل هذا البذخ الخيالي ليس ملزما وليس ملزما أيضا الإيماء الخفي، الأرجح أن هذه الكتابة لا تبالغ في ابتكارها وخصوصيتها وثقلها الإيحائي والأسلوب، أنها كتابة تأخذ كثيرا بالظاهر وتبتعد عنه بحساب.
ليس في كتابة الثمانينيات وما بعدها، هذا الازدواج بين العمق والإبهام، بل ليس هناك الإيحاء بالعمق عن طريق الإبهام، إذ لا يمكن التضحية بكل شيء لإظهار الخصوصية. لنقل أن شاعر الثمانينيات وما بعدها يرى أن الإبهام والغموض تقليد قديم ولا يرى بالطبع في الوضوح قصور خيال، الوضوح بالنسبة إليه أساس، والوضوح لا يعني انتهاء الفن ولا ضيق اللعبة وانحصارها، إذ يمكن التوليد تحت شمس الوضوح، ويمكن الاستمرار في جدل المعاني وجدل الصور من دون الدخول في مناطق مظلمة.
شاعر الثمانينيات لذلك لا يبدو تحت وطأة لا وعي هائج مظلم، الوضوح والوعي ليسا بالنسبة إليه غير شعريين، كما أنه ليس مهووسا بالخصوصية والأسلوب هوس سابقيه، لا تتطلب الخصوصية منه كل هذا الانحراف الكتابي الذي يجعل الشعر في أحيان مستخلصا بالكامل. الأرجح أن اللغة كما يريدها شاعر الثمانينيات وما بعدها تتميز بشيء من العموم، ليست تماما إبلاغية لكنها في الأساس تواصلية، بعض شعراء ما بعد الثمانينيات يبالغون حين يقولون إن اللغة أداة فحسب، الأرجح أنهم يقولونه على سبيل الاستفزاز والتحدي لكن اللغة مع ذلك ليست حرة تماما ولا خاصة تماما، الأسلوب موجود لكن شاعر الثمانينيات وما بعدها ليس عابد أسلوب، وليس الأسلوب عنده كسر كل مشترك وكل عام إلى حد نسيان نقطة البداية. لنقل إن شاعر الثمانينيات وما بعدها يشترك مع كل فناني العالم الراهن في قلقهم من الخصوصية، ومن التضحية بكل شيء في سبيل أنا الشاعر، يشترك معهم في القلق من التوقيع الخاص ومثلهم لا يحسب أن الفرادة التامة أمر ممكن ولا يخيفه أن يشترك مع غيره في أشياء كثيرة، بل لا يخيفه أن يقال إن كتابته لا تملك طابعا خاصا.
مع ذلك يبدو شاعر الثمانينيات وما بعدها مهووسا بسيرته، إنها تقريبا موضوعه الوحيد وخبرته الوحيدة التي لا يدخل فيها تعمد أو خلق تام، لكن السيرة الذاتية هنا ليست عبادة ما هو ذاتي بل رؤيته وكأنه ليس ذاتيا وتسويته بما هو آخروي وعام، السيرة الذاتية هنا شبه عامة، فما يهم منها هو المألوف والمشترك، شاعر الثمانينيات لا يبالغ في انفراده ولا يذهب بعيدا في تأمله لنفسه، بل يرى في الغالب نفسه جواب أماكن وأوقات له ولآخرين: الرصيف والشارع والبار والسينما والمقهى ليست مطارح للوحدة، إنها دائما لكثيرين، ثم إنها ليست مجالا لبطولة خاصة ولا لدراما من أي نوع ولا لتأمل خاص مستوحد، في هذه الأماكن تجنب نسبي للعمق والفرادة، وما يكتبه الشاعر هو ما يحسبه لغة هذه الأماكن الظاهرية البرانية القليلة التأدب القليلة الخيال القليلة العواطف القليلة الانفعال، اللغة الوقائعية مع شيء من التذييل الذاتي. إنها ليست بالطبع ملحمية ولا غنائية جدا وستكون لذلك قريبة من الكلام، قريبة من الكتابة الصحافية، قريبة من الواقعية الإيطالية في إفحاشها بالواقع ومبالغتها فيه، وما ينتج عن هذه المبالغة من فكاهة ومفارقة ووقاحة وغلظة، وقائعية هذه الكتابة في جزء منها مداعبة للواقع كما أن السيرة الذاتية فيها بحث عن >أنا عامة< إذا جاز التعبير.
تبدأ القصيدة هنا بشبه حكاية توحي في سردها بأنها حكاية كل يوم وكل إنسان، حكاية يبدو وكأنها تقال على سبيل المثال، كأنها سبيل إلى القول إنها واقعة ليس إلا وإن الشعر ليس شيئا آخر، ليس سوى مجرد واقعة بلا تزيين ولا إضافات، هكذا يبدو الشعر وكأنه لا يقصد سوى نقد الشعر وإعادة تعريفه، كأن كل قصيدة تعيد التأكيد مجددا على تعريفها للشعر ونقده.
احسب ان شعراء الثمانينيات وما يليها لا يبتعدون في ذلك عن شبه تقليد في القصيدة الحديثة يقضي بأن يعيد الشعر دائما تعريفه للشعر، قبل الثمانينيات كان الشعر يقول إنه الرفض أو التخريب أو الاحتجاج أو النضال أو الحب أو أي شيء آخر، شاعر الثمانينيات وما بعدها يفعل ذلك وإن بقدر من اللامبالاة أو التأفف.
لكن شعراء ما بعد الثمانينيات بدأوا يسأمون الحكاية المَثَل هذه، بل انتبهوا إلى أن هذا قد ينتهي إلى تقليد آخر وقد يتحول مع الزمن إلى تشابه باعث على السأم وإلى تبسيط شبه تعليمي وإلى حجر جديد على التجربة وتحويلها مجددا إلى درس وخلاصة. أظن أن شعراء ما بعد الثمانينيات بل ما بعد التسعينيات خاصة هم الآن رهن مراجعة لذلك، أو أنه بلغ مداه كما هي العادة، لذا بدأ فن الحكاية الذاتية المبتذلة بالتراجع وأمكن أن يبدأ الشعر من الحكاية وغير الحكاية ومن الأنا والآخر والمعلوم والمجهول بلا فرق، لنقل إن شعر الثمانينيات وما بعدها هو شعر اللحظة، اللحظة لا اليوم فحسب فقد تذرر الزمن إلى لحظات وتحللت الرواية إلى لقطات ومشاهد، أحسب أن شاعر الثمانينيات وما بعدها يسعى إلى القبض على اللحظة بأدوات قد يكون بعضها استلهاما للسينما. إن بصرية الشعر مجاورة للحظيته، والأرجح أن المونتاج واللحظة الحركية المركبة هما ما يتجه إليه شاعر ما بعد الثمانينيات، إذا كانت اللحظة لدى شاعر الثمانينيات بسيطة فهي أكثر تركيبا لدى شاعر التسعينيات، الأرجح أن العموم يحتاج إلى وقت ليغدو فناً وأن الواقع لا يستوي بسهولة درسا ومثالا وأن الأثر الشعري ليس فقط بخلاصاته وأنه أيضا صلبه وكيانه وتجربته الخاصة، من هنا أحسب أن الشعراء يعيدون مجددا مساءلة اللغة والشعر والتجربة بعد أن استنفدوا الأجوبة البسيطة.

- 9 -

لا يمكن الكلام عن تقهقر الشعر ولا عن تقدمه، هناك أزمة مع القارئ تعود إلى بدايات القصيدة الجديدة، لكنها مع تفاقم عزلة الشعر والتحدي المتزايد لقصيدة النثر تتفاقم أيضاً، ما من حلول جاهزة سوى أن على الشعر أن يخرج من مكمنه الدفاعي لتجديد الحوار، مع القارئ فحسب ولكن مع هموم العالم ومفترقاته الثقافية والفنية، إذ لا تكفي التجربة المباشرة أو السيرة اليومية لتشابكات عالم تزداد تقاطعاً وكونية واندماجاً في استعارات كبرى. لا بد لشعر اليوم أن يكون أيضاً نصاً ثقافياً وعابر أنواع، لا تخترقه جماليات السرد فحسب ولكن أيضاً المقالة والمونتاج ولا نستبعد النص الإنترنيتي، لا نستبعد العلم ولا الفلسفة بالطبع، إن تحويل كل هذا التشابك إلى صورة يومية أو سؤال شخصي أو جماعي أو علاقة جسدية هو ما يبقي للشعر حاجة في عالمنا. أين الشعراء العرب من مهمة كهذه.

دراسة في النقد التطبيقي (التوصيف من عندنا)

*****

(أميــر الشعــراء) وتلفزيــون الواقــع

لا يريد برنار نويل الشاعر الفرنسي ان يمزج قراءة الشعر بالموسيقى، لا يريد للشعر ان يستقوي بأي عامل آخر او ينخلط بنكهة ثانية. يعرف نويل ان الشعر في شدة ضعفه وعيائه لكنه لا يريده ان يستنجد بيد معارة ويؤثر له أن يظهر عارياً كما ولد. برنار نويل مع ذلك ليس ناسكاً للشعر فهو رحالة وناقد وتشكيلي وأدبي وبحاثة وروائي وسيناريست ولا اظن انه يتأبى على اي نوع من الكتابة، فهذا الرجل موجود ليكتب وليحول العالم الى كلمات. لا يريد نويل للشعر ان يتجمل بشيء، بل هو مسرور لأن في ضعفه مستغن عن اي تجميل، ولأنه لا يحتاج لترويج وإعلان ولأنه لا يجد ما يعتمد عليه سوى نفسه. برنار يقول لا بأس في ان يغدو الشعر مهملاً متروكاً، وان تعافه الميديا وينصرف عنه القراء، فهكذا لا يؤدي دينا لأحد ولا يتنازل لشيء.
لست تماماً مع برنار نويل فأنا اظن ان ليس لكثيرين جلد نويل ورؤيته. إذا كان نويل هكذا فلأنه عاصر فترتين للشعر كان في أولهما متوجاً مرموقا وفي ثانيتهما متسولاً مغموراً. نويل وازن بين الفترتين فعلم ان التنصيب لا يرفع والعدم لا يخفض، وان الشعر يبقى هو هو في الحالين. انا مثل برنار عرفت الشعر في الحالين، لكني اخشى ان من أتوا بعدنا لم يذوقوا ما ذقناه فقد وصلوا لتوهم الى باب مسدود ووجدوا أنفسهم في مكان عار، ولا آمن من ان يضجروا من أنفسهم ومن الشعر، بل لا آمن من ان يستهينوا هم بالشعر وقد استهان به العالم فلا يجدونه مستحقاً لما يبذل فيه من دم ودماغ. في هذا بدون شك نزول بالشعر الى حيث تكافئ قيمته مقامه فيكون عندئذ استحق ما ناله، وبدا ان هذا ما فعله بنفسه. لست تماماً مع برنار نويل مع انني اعتصم برأيه كلما رأيت كثيرين حاروا بالشعر وتوسلوا له اي حيلة او طريقة ليعاود الظهور، وما عادوا يقدمون على ذلك شيئا بما في ذلك فنه وعمقه. بت اعتصم برأي برنار كلما رأيت الشعر، وقد بات بضاعة كالبضاعة ولا يطلب منه إلا ان يوجد ويقال بأي صورة وان يجد سوقا، اي سوق، وما عاد له متطلب غير ذلك. وكلما رأيته متساوياً متماثلاً على غرار واحد، او رأيته وقد صار شبه نفسه ومحاكيها ومقلدها احياناً. اعتصم برأي برنار الا اني اعلم ان هذا بيني وبين نفسي، فإني اخشى ان تتظافر على الشعر العزلة والتطلب فيغدوا امره حرجاً، ويتحول فعلاً الى مجاهدة بلا ثمن.
اقول ان من حقنا نحن ايضا ان نتجمل مثل غيرنا، ولو باحتياط وتحفظ، فكثير من التجمل لفن كالشعر يجعله اقرب الى التهريج والتزويق، اقول ان من حق الشعر ان يتوسل موسيقى رائجة وان يدخل الى الناس من على الشاشات وان يمتزج بالموسيقى ولا بأس من بعض المسرحة، لكني اعترف اني كل مرة رأيت الشعر فيها في ما يشبه البرفورمانس أسأل نفسي أين مقام الشعر من مقام غيره في مثل هذه الأداءات. وهل يقدر فعلاً على ان يباري المسرح او الموسيقى، وأي شعر تحتاجه هذه المناسبات. هل يعود شعراً في ذاته ام انه من لزوم البرفورمانس، وهل المطلوب هو الشعر ام شيء كالشعر وقلما يسمع الا كما يسمع الطبل في جوق مخلوطا بغيره لا ينفرز من سواه.
هذه حيرة بدون شك، اريد ان أكون ارحب صدراً لكن الامثلة تصدني. في النهاية لم اجزم ولم أحسم، قلت ان القليل يكفي لكني مع ذلك لبثت اشعر كبرنار بأن الشعر ضعيف امام كل فن آخر، وان اي مصاحبة تأخذ منه وتزيده ضعفاً، او تكشف ضعفه على الاقل. الناي يربح عليه والأداء يصرف عنه والتمثيل يجعله ثانوياً. هكذا يؤتي الأمر عكس ما نرتقبه فنزج الشعر في مباراة صعبة، ونجعل ضعفه وعياءه اظهر وأبرز، القليل يكفي وربما يقتل. لكننا لا نستطيع ان نجزم، فالشعر في حاله هذه الصعبة لا نستطيع ان نحبس عنه اي دواء.
كل هذه المقدمة لأقول اني امام برنامج شاعر المليون في قناة ابو ظبي لم استطع ايضا ان اقطع. بدا الأمر لي اعجوبة لكن لم اجازف بأن احرم الشعر من الأعاجيب. ان تكون للفائز جائزة هي فعلاً ثروة. بضع مئات الآلاف من الدولارات. مبلغ قريب من جائزة نوبل، وان يحتفى به على شاشة تلفزيونية متاحة لعشرات وربما مئات الآلاف، انه التلفزيون أيا يكن فهو لا يغيب عن النظر، ثم هناك هذا الانتخاب لشاعر المليون من قبل الجمهور مثله مثل النجوم، يتنازعه الناس ويحتشدون حوله تبعا لاعتبارات شتى. هكذا يغدوا الشعر سبباً لبطولة بعد ان غاب عن الساحة دهراً، لا بد ان للكيتش والشعبية في هذا الزمن غواية فعلية فلماذا يبقى الشعر وحده نبيلاً راقياً. كان على احدنا ان يجازف وها هي المجازفة تأتي من دون عناء ولا تحتاج الى تضحية. انها مسابقة فيها كل الكيتش وكل الشعبية، شعراء يتبارون كما لو انهم في عكاظ حديثة وقصائد تمر على لجنة محكمة هي ايضا جزء من هذا الكيتش، ثم تتجاذب من الجمهور لأسباب يدخل فيها الاسم والنسب والمحلة. انها مجازفة ليست على حسابنا، لقد قام بها عنا آخرون، وعلينا ان نشكرهم لأنهم وفروا علينا تضحية لسنا على استعداد لها أساساً. وليكن ما يكون، لقد وجدت المنظر هكذا، شعراء يقرأون جالسين وكان احسن اداء ان يقرأوا واقفين اذ لا نتخيل ان شعراء عكاظ كانوا يقرأون في مقاعد وثيرة، كان بعضهم ينشد من على ظهر حمله او من على كومة، فالمهم ان يكونوا مرتفعين، اما ان ينخفضوا في مقاعدهم كما يفعل الناس في المآدب الرسمية فهذا ما لا يطابق. لجنة محكمة كتلك التي في مسابقات نجوم الغناء، وهي في الغالب واعية لهذا الشبه وتترسمه عامدة، وجمهور حاضر مفتعل اكثر من ذلك الذي في برامج النجوم وأقل جلبة مع اضافات تفخيمية يفترض انها خاصة بالشعر وهي ليست خاصة بشيء. يقرأ الشاعر فيقول الناقد عبد الملك مرتاض انها قصيدة، ويقول الممثل غسان مسعود انه لا علم له بالشعر الحديث فذائقته تكونت على العمودي، ويلقي صلاح فضل خطاباً في الوطنية ويضيف شيئاً من كليشيه النقد الحديث!. انه كلام من خلاصات النقد كما ان الشعر الملقى غالباً من خلاصات الشعر. هناك شعر عمودي غالباً هو نوع من نمذجة للشعر العمودي وقصيدة حرة هي نمذجة للشعر الحر. يردها احد المحكمين الى الشعر القديم بدون ان ينتبه انها من ترددات خليل حاوي (بيني وبين الباب...) ويُطرد الشاعر التفعيلي مع قصيدته لأنها لم تصب الهدف بالقدر الذي يستطيع فيه لاعبو كرة السلة ان يبلغوا أهدافهم. لن نحلم بالطبع بأن نجد شاعراً فريداً فما ينشد هنا هو للذوق العام، وليس اكثر من تمارين او اعادات. لا اللجنة ولا الجمهور بصدد اكتشاف شاعر، انما جاؤوا جميعاً ليشهدوا لتلخيصات شعرية، ومن الطبيعي ان العمودي اكثر استعداد للتلخيص والامثلة. اننا امام حرفة ومعلمية لكننا ايضا امام تحويل الشعر الى تقويل بحت ومماهاة الشعراء بالقوالين. لقد بات ممكنا امتحان الذاكرة لدى الشعراء والمحكمين والجمهور معاً، وان يشترك الجميع في هذا «الشعر العام المعمم».
للجميع الآن هذه الفرصة في ان ينتقموا من الخيال الصعب والعمق المعذب، وان يعيدوا الشعر الى حيث يمكن ان يكون فعلاً طرباً وإنشاداً. ذلك سباق لم يجهز له شعر التفعيلة بعد وسيخرج من السباق. اما الشعر الذي طرد ظلما من الساحة وبقي مع ذلك حيا في الزوايا والتكايا والمضافات والديوانيات والاحتفالات البلدية، هذا الشعر الذي تحول بسبب ذلك الى نوع من التقويل، فقد غدا اكثر شعبية وأكثر حرفية، وها هي الآن ساعته ليخرج الى الشاشات وينتصر.
كل شيء تحقق كما تخيلته وكان عليّ ان اغتبط، على الاقل بمخيلتي، لكني خجلت من نفسي ومن المحكمين ومن الجمهور ومن الشعر. بدا لي فجأة عودة المكبوت في الشعر كما في كل شيء هو ما يتحقق، وأن التلفزيون، هذه الآلة العجيبة، سيتكفل بنشر كل مخلفاتنا وكل حقيقتنا المدفونة، لماذا لا. هكذا يستمر تلفزيون الواقع.

السفير- 14/09/2007

*****

الشعراء يبقون شباناً

(رسالة في يوم الشعر العالمي

أريد أن أسرّ إليكم بأنني كنت أيضاً شاباً رغم ان ابنيّ يظنان أن الآباء لا يكونون أبداً شباناً. أريد أن اسرّ إليكم أيضاً بأن الشعراء يبقون على الدوام شباناً كما تبقى الرغبات التي لا تتحقق والخطط العظيمة للمستقبل والطوباويات والقيم التي لا نتنازل عنها وحقوق البشر في العدل والحرية والسلم والحب، اقرأوا القصائد التي كتبها شعراء في شيخوختهم تجدونها لا تشكو من وجع المفاصل ولا نضوب الدم. إذ لا توجد على حد علمي قصيدة عجوز، الشعراء يبقون شباناً والشعر هو العقار السحري للشباب الدائم إذ ليس مسموحاً للشعراء أن يشيخوا ولا توجد بالنسبة لهم السن التي لا يفكر فيها الناس إلا بأمراضهم ونهايتهم. ويغدو فيها كل أمل وكل حلم بل تغدو الحياة نفسها وراءهم.
الشعراء لا يشيخون لأنهم لا يتوقفون عن الأمل، ليس الأمل بشيء ما، بل الأمل الذي هو غريزة وإحساس ولا يحتاج حتى الى موضوع: مع ذلك فإن الشعراء لا يبيعون الوهم، انهم يجدون ذلك في دمهم، يجدون أيضاً فيه موهبة الانتظار لما لا يعرف له اسم، الحماسة لما لا يعرف له وجه ويسمعون نداء الأقاصي. لا يبيعون الوهم لكنهم يعرفون أن دمهم مليء بالحقائق ومليء بالصور وأن على المرء فقط أن يجيد الإصغاء إذ لا يحتاج الشعر الى أكثر من ذلك. إنه فن أن لا نقتل الأشياء لنقدر على استعمالها بحرية ولا نهدر كلماتنا وأقاصيصنا لنصل بسرعة مجنونة الى أهدافنا. إنه فن أن نحتفظ الى أبعد مدى بكلماتنا وقصصنا المفضلة كما يحتفظ البعض بدمى طفولتهم على الدوام. فن أن تبقى للكلمات والأشياء سلطتها الأولى وسحر أسمائها وقدرتها على التحول والمفاجأة. فن أن نكبر ببطء ونترك الأشياء تكبر معنا من دون أن ندمرها في استعجالنا لنصبح أكبر منها.
الشعراء يتقنون الانتظار ولا يخسرون شيئاً أبان ذلك. إنهم يكنزون الأشياء في داخلهم وعليهم أن لا يستعجلوا. النجمة التي آن أوانها ستشرق في أوانها. الثمرة ستسقط حين يحين ذلك وسيجدونها فجأة أمامه. باستدعاء بسيط سيجدونها فجأة. القصيدة ستأتي في حينها أيضاً، انهم ينتظرون بسعادة تارة وبسأم قاتل تارة أخرى لكنهم يربون في الانتظار رؤاهم وصورهم، ليس فقط في المخيلة ولكن في الجلد واللحم فالشعر لا يصنع الأحلام ولكنه يظهر الأحلام ويجعلها مرئية ومجسدة. يجعلها أكيدة لا ريب فيها فقد <<حدثت>> في القصيدة وغدت فيها حقيقة واقعة.
الشعراء لا يبيعون الوهم. إنهم يوسعون الحقيقة ويمنحون وجوداً فعلياً لما لم يكتمل بعد. أو لما يزال مجرد ظن أو فكرة. لا يحتاجون إلى كثير ليفعلوا ذلك. بأول كلمة يصنعونه. بأول قافية، فالجمال أيضاً بسيط وسهل. ما نحتاجه فقط إيمان بالكلمات. أن ننظر اليها وكأنها حشراتنا المدللة. أن نتعلم كيف نداعبها ونلمسها لنصنع منها أشياء رائعة. نحتاج لأن نحبها ولا نسحقها من فرط استعجالنا. أيها الشبان أنهم يستعجلونكم كثيراً يقولون إن عليكم ان تقتلوا ذاكرتكم وكاتالوغاتكم الرائعة وفراشاتكم لتنضجوا بسرعة ولتكونوا مبكراً نصب أهدافكم. يرمونكم بسرعة في سوق العمل والإنتاج وسوق النزاعات والوطنيات والعصبيات. يقولون إن عليكم ان تقتلوا لغتكم، ان تتكلموا لغة ليست جلداً لأحد ولا تشبه أحداً. أن تقولوا الكلمات كما يعرفها الكومبيوتر. أسوأ ما في العولمة هو لغة اللاأحد التي يقترحها أسوأ مبشريها. لم يحدث أن عاش ناس خارج لغتهم ويريدون أن يجربوا هذا بكم وعليكم أن تقاوموا.
إن قتل اللغة هو قتل الذاكرة، فالكلمات هي أيضاً تاريخ، ونحن بها نؤكد اننا عشنا قبلاً وما زلنا نسمع أسلافنا في كلامهم. إن موت كلمة موت كائن حي وعلينا أن نحمي كلماتنا كما نحمي الأجناس النادرة. فأسوأ ما في العولمة اليوم هو قتل الذاكرة والعيش بلا ماض. لم يحدث ان عاش أناس من قبل بلا ذاكرة ويريدون أن يجربوا هذا بكم وعليكم أن تقاوموا.
الشعر هو أيضاً عنصر مقاومة. قصيدة صغيرة تملك قدرة هائلة على أن تقاوم. إنها مصنوعة من لغة وذاكرة لا يمكن تفكيكهما بسهولة. قد تكون هزيلة وضئيلة كخيط لكن من يقدر على قتل خيط. قد تكون الأضعف فهي حساسية وتوتر ومن يقدر على تدمير حساسية ما. من يقدر على إبادة الطاقة الكامنة في هذه البقعة الصغيرة من الكلمات.
ربما تظنون ان الشعراء رعاة من زمن آخر أو عشاق في زمن لا يحبذ كثيرا العاطفية. ربما تظنون ان الشعر بات من زمن شيعة سرية ونشاطا تحت الأرض. ماذا تقولون إذا علمتم ان الشعراء أيضا ينتظرون الوحي من الكومبيوترات أو ان وحيهم تغيّر بعد كشوفات الفضاء. ماذا تقولون إذا علمتم ان الأرقام شعرية كالكلمات والسيارات جميلة كالأشجار وكل ما يوجد. وبأي إرادة كانت، كائن شعري.
يظنون ان هذا العصر لا يصلح للشعر فماذا تقولون إذا علمتم اننا لا نعرف فتوحا للمخيلة كما نعرف في هذا العصر. يكفي ان نعود الى علم الفلك لنرى كم من كتاب السماء أعظم من أي كتاب شعري وملحمة الفضاء كبرى الملاحم. العالم يغدو مع التطور العلمي مليئا بالحدوس والاحتمالات والحسابات المستقبلية. أي انه يغدو بالطبع أكثر شعرية، بل وأكثر خيالية من الشعر نفسه. ان العجيب والخارق هما اليوم صنعة العلم أكثر من الشعر، والشعر لا يربح في مباراة خيال مع العلم. هل تجاوز الواقع الشعر فبدأ بطيئا مقصرا. أم ان على الشعر ان يتحقق في مجاله الحقيقي الذي لا يحتاج الى صواريخ وأقمار صناعية، مجال الذات الإنسانية المرضوضة والمعزولة التي يتجاوزها العلم كما يتجاوزها الواقع نفسه. ان العالم يغدو افتراضيا الى حد اننا ننسى الحقيقة، ننسى الألم البشري ننسى الحاجة البسيطة للحب والتضامن. أي كل ما يتطلب ملامسة متأنية عطوفا هي فن الشعر وغايته. صحيح ان العالم المعاصر يكره الشعر، لنقل انه يحتقره فالعالم المعاصر المبهور بعجيب الكون ينحدر الى احتقار الذات البشرية التي يراها بطيئة ومتخلفة عن اكتشافاته، ان الإنسان، حتى في نظر نفسه، أقل أهمية من طموحه ومعرفته. ربما لهذا لا نزال بحاجة الى الشعر أو اننا أحوج اليوم اليه، إذ لا بد من معالجة صور للذات التي تهان كلما طلب منها ان تكون فقط طاقة في سوق العمل والإنتاج. وكلما اعتبرت آلة مشكوك في فعاليتها ومشكوك أكثر في تلك الرواسب العاطفية والوجدانية التي حملتها معها من عصور ما قبل ثورة الأدمغة الصناعية.
أكتب الآن من مدينة عانت عشرين عاما ونيفا من الحرب الأهلية. رأيت كيف يتحول الإنسان لمجرد حصوله على بندقية الى قاتل. كيف يغدو أقل اختلاف في الاسم واللهجة والسكن سببا كافيا للاعتداء. رأيت كيف تتحول المبادئ والمثل والوطنيات الى برامج لتصفية الآخر، وكيف يتحول أناس عاديون في غمرة العنف الى جامعي أعضاء من الجسم البشري. ان البشرية قادرة على ان تكون عديمة الرحمة وعلى ان تدمر بعنفها مُثلها. ذلك يتطلب فنا بريئا لا يتحول، مهما كان الظرف، الى آلة دموية. قد تكون الموسيقى هذا الفن، قد يكون الشعر. حين تحدث هولدرلين عن براءة الشعر ربما كان يقصد شيئا كذلك، اننا نحتاج الى فن لا يعتدي. الى فن ضعيف وحساس ولا يقدر على ان يتحول بوقا للعداء. قد يكون الشعر ضروريا لحياتنا، قد تكون جرعة منه مع حليب الرضاعة. ملعقة منه مع دواء المرض، قليل منه كل يوم ضرورية لمداواة غرائز القسوة والعنف والاعتداء عند البشر.
الشعراء يبقون شبانا كالرغبات التي لا تتحقق والقصيدة قبل كل شيء رغبة حارة وجسدية وربما تتحقق، على نحو ما، في كلمات. القصيدة غالبا لهفة، حماسة، شغف وأغنية للآخر، للصديق، للقرين. قسوتها، حتى قسوتها، تطهّرٌ من العنف وسوداويتها، إذا وجدت، تطهّرٌ من الكراهية. انها تبقى، وفي كل الأحوال، فعل حب وفعل براءة. أهم من ذلك انها وعد ببداية، يمكن ان نبدأ في أي سن ومع أي قصيدة، وأنتم أيها الشباب يمكنكم هكذا ان تبدأوا.

2003/03/21

******

شيء عن سليم بركات

أمكنني في فترة أن ألاحظ تأثير سليم بركات الواسع في شعر العرب، ولم أتعجب من ذلك بالطبع، إلا أنني وجدته أبكر من العادة، فالأرجح أن بركات بدأ مؤثراً. أمر لم يتح لمجايليه الذين يبدو بركات لهذا السبب بالضبط، أسبق منهم، وربما أسنّ منهم.
لم يكن بركات بالنسبة لي حيرة في يوم، لكأنني كنت أجزم بأنه سيوجد،وأن نزعة ما كان لابد لها أن تصل الى تمامها أو شبه تمامها، وأن تتجذر وتتأصل وتتركز في نصه.
ذلك أن عند بركات نزوع، لنسمع نزوعاً، الى إنجاز متكامل بحيث يصعب أن يتحقق أكثر ولو بخطوة واحدة.
انه واحد من انجازات نادرة غدت مثالاً. ذلك أن ما يبهرنا ويشق علينا في آن في نص بركات هذا الاستعداد لأن يكون مثالاً. إذا كنت لاحظت في أوائل نصوصه بعض المواضع الفجة والقليلة الصقل، فإن هذا ينتفي تماماً في أواسط نصوصه ونهاياتها، يصعب أن نجد زلة في هذه. بل يصعب أن نقف على جزيء لم يأخذ نصيبه من الصقل والعناية و التوازن و النظم على ما كان يقول الجرجاني.
لا أريد أن اسمي النزوع الذي تحول معماراً وهندسة ونظاماً في عمل بركات، انه نزوع شعري أولاً، ومن النافل أن نسميه لغوياً. إذ لا أظن أن اللغة نعت فنطلقها على احد دون سواه، إنها أصل في كل عبارة.
يترآى لي أن صنيع سليم بركات في اللغة يشبه صنيع النحات الذي يستنطق مادته. ولعلنا لا ننسى ذلك النحات الذي قال انه لا يفعل سوى أن يزيل الزوائد عن الحجر.
ولنا أن نفكر أحياناً أن سليم بركات يزيل الزوائد عن اللغة، بل لنا أن نفكر بأنه يجعل حقاً من اللغة مادته، وأنه يصنع فيها صنيع النحات في مادته: يحفر ويقص ويصقل، وفي كل ذلك نراه يفعل في مادته بقدر ما يفعل في صوت (مادية) اللغة هذه تعفيها من أن تكون ترجيعاً وتصويتا فحسب. لكأن للغة سليم بركات ملمساً وأنت تسمعها فتجد لها صفحة خشنة وصفحة ناعمة، وتجد لها جلداً ومساماً بل أطرافاً وحوافي. ثم أن اللغة في أكثر أشعار سليم بركات مسافة. لكأن الفصاحة هنا مدى بين الكتابة والقارئ، إذ لا يتطابق سليم بركات مع لغته الفصيحة هذه ولا يباشرها بدون وعي الى فرق ما بينها وبينه، وبدون أن يبدأ من التراث كما لو كان يبدأ من حياته الخاصة.
القصيدة هكذا وعي للمدى و المسافة والفصاحة، هي مساحة باروكية أو أكزوتيكية، وحين يعود الشاعر إليها فكما يفعل الرسام حين يستعيد فضاءً بيزنطيا أو إغريقيا أو إسلاميا في لوحته، فضاء هو في ذات الوقت زمن ومدى وانتحال.

غير أن للفصاحة غواياتها، وهي في أحيان تعمّي على نفسها وتعمّي على صاحبها، وتفلت بلا عقال وتعدو على المسافة وعلى الزمن. ذلك صحيح، وقد يحصل آناء قليلة أو كثيرة. إذ مثل هذا الأمر محسوب بدقة مرهقة قد لا تبقى دائماً متأهبة حاضرة وقد ينتابها سهو أو ما يشبه السهو.

كان نص بركات دائماً فاتناً، وقد فتن بمثاله وفتن بكماله، ولعل ما أعفاني شخصياً من أن أتأثره هو شعوري بكماله المرهق، ووصوله الى غاية لا أحسن أن أتسلق إليها، وخير لي أن أجد نفسي في مناطق لم تمهد بالقدر ذاته، ولا يزال فيها بقية للآخرين.

******

استئناف رامبو

لفرط ما تواتر اسم رامبو في أدبياتنا تراءى أننا خبرناه واستنفدناه. ظن كهذا دعانا في ما أحسب إلى أن نفرغ منه قبل أن نعرفه، وأن نتجاوزه قبل أن نلمّ به. ليست حال رامبو وحدها في ذلك فهذا شأننا مع كثيرين سواه. التكرار يتراءى كما في الدعاية الغولبزية شبه علم وشبه فكر. لا أعرف كيف استوى رامبو واحدا من أسمائنا الحسنى، إماما غائبا وسلفا مباشرا لآبائنا الأدبيين على الأقل. إنه اسم لا غضاضة في الانتساب إليه إذ لم يكن في الغالب أكثر من اسم بل اسم قوته في ذاته ولا يحتاج إلى صفة. وربما لا يحتاج الى أثر. لقد اعتُني بترجمة بيرس وإليوت ولوركا ونيرودا ورنيوس، ولم يُعتن بالدرجة ذاتها بترجمة رامبو، بل من العجيب بمكان أن لا نجد في مجلة شعر، حيث طوّب الاسم الرامبوي، ترجمات كافية لرامبو ولا دراسات كافية عنه. ليس مهماً الكلام عن المكتبة الرامبوية الضئيلة ولا عن الترجمات الناقصة والضعيفة. المهم هو أن اسماً تألق وساد بالرغم من ذلك ومن دون الحاجة إليه غالبا. ساد اسم رامبو من دون النص الرامبوي أو بتشويش ضخم عنه. توقف البحث عند هذه النقطة ولم يكف الاسم مع ذلك عن التوهج ولا قلّ عدد الراجعين إليه.

ليست حالنا مع رامبو استثناءً ولكنها حال لافتة. ثمة قدر من الغياب ملازم للأئمة والمراجع الكبيرة. غياب بل وتنزيه للاسم والنص يجعلهما فوق المعرفة والمراجعة والبحث. لو بحثنا عن المتواتر من النص الرامبوي وجدناه منثورا متفرقا وفي أحيان كثيرة من دون فهم كاف، ورغم انتشاره وتفرقه وقلته لا يعدم من يقولبه وينزهه ويجعل منه مثالاً قطعياً. هذا إذا لم نتحدّث عن استغلال نثرات من رامبو في طوباويات فكرية وشعرية غريبة عنه، طوباويات هي في الغالب ذات إلحاح ظرفي ومحلي وذات نسيج عروبوي وإسلاموي، أو إحيائيّ. في النهاية، أحسب أننا نرد إلى رامبو ذلك الإيمان الطوباوي بقدرة الشعر. إنّ <<سارق النار>> هو المفتاح البسيط لإحلال الشاعر محل الله، وإحلال الشعر محل الدين، واعتبار الشاعر نفسه سليلاً إلهياً واعتبار الشعراء أنفسهم عرقاً خاصاً. أحسب أيضا أن <<الرائي>> لم يتميّز في أنظار شعرائنا عن <<النبي>> ولا عن المعلم والملهم، في أضعف الأحوال. فقد نسبت للرائي عصمة ونسب إليه تنزيه ورفعة وامتياز شبه عرقي. الأرجح أن هذا المقام لم يكن كذلك لولا الحاجة الى أسطورة قومية والى وسطاء تاريخيين، كان الشاعر حامل اللغة وحارسها الأقدر على أن يترشح للقيام بهذا الوسيط وأن يلعب تقريبا دور الساحر التاريخي أو ساحر التاريخ الذي يستحضر روح الماضي في الحاضر يملأ الفراغ الذي بلا قاع بين السابق والمتأخر. قد يكون الشاعر هو الأقدر على أن يفتتح العصور الجديدة وأن يصوغ الكتاب الجديد، ما دامت العصور الأولى افتتحت أيضا بكتاب. قد يكون الشاعر وحده بالمعنى نفسه تقريباً هو المندوب لإتمام القطيعة بين الزمنين ولإعلان الولادة الجديدة. الولادة من الذات. وفي هذه الحال كان الشعر هو المندوب أيضاً لصياغة هذه الذات، إن لم يكنْها عند نفسه.

الأثر الرامبوي

أحسب أننا نرد إلى <<خيمياء الكلمة>> هذا التأليه للغة الذي لا ينتقص منه الكلام عن تخريبها أو تفجيرها بالطبع. تأليه اللغة أو اعتبارها مدار الخلق والتحويل والفعل. حين لسبب سحري أو شعري كان هناك هذا الإيهام السيريالي بوحدة الفعل أو القول أو حلول الفعل في القول. لسبب سحريّ أو شعريّ، والحقيقة لسبب عربيّ تراثيّ بالدرجة الأولى، كان هناك هذا التسليم بصدور الفعل عن القول والتاريخ عن الكلمة. إذن كانت الثورة والكلمة متجاورتين، وكان بين التاريخ والشعر خطوة، وكان ممكناً بدون طول مخّيلة أن نتصور أن الشعر هو الثورة والتاريخ، وأنّ اللغة، على نحو ما، محل التحويل والتغيير. أين كان الشاعر في هذا كلّه؟ لم يكن بالتأكيد بعيداً جداً عن الإمام والمعلم والملهم. وبكلمة لم يكن بعيداً جداً عن السياسي وعن الثائر وعن الأستاذ والمعلم. معه قبل غيره تجسّد هذا الحلم الذي ساد القرن الآفل بنهضة أملها المثقفون ومصدرها إيمان سحريّ بالكلمة والعلم والنخبة المثقفة، التي سرعان ما حققت هذا الأمل انقلابات وأنظمة مستبدّة. أسطورة المثقف المعلم التي ستنقلب بعد قليل إلى المثقف الدولة. لكن الشاعر سارق النار وخيميائي الكلمة ليس بعيداً عنها (أي الأسطورة)، هو بالأحرى لسانها ومغنّيها الأول فهذه الأسطورة، كما هو بديهي، من صناعة المثقف نفسه وعن نفسه.

ليس رامبو هو وحده الذي استُعير لدعاوى ثقافية هي بنت لحاجات بحت عربية. نيتشه وسارتر وماركس وقبلهم أرسطو أقحموا في دعاوى كهذه، لكن استغلال رامبو في مشاريع من هذا النوع يتدنى <<فهماً>> وتأويلاً خاصاً له. أو فلنقل وقوفاً بالفهم عند هذا الحد، الأمر الذي هو بحد ذاته تجميد للبحث وتعطيل للفهم.

لنقل إن ثمة إرادة لا واعية بالكف عن البحث. في الوقوف عند تصوّر غير معلن لكنه متواتر في توظيف <<عملي>>. لنقل إن قوة الاسم تطّرد مع الحاجة له، وبقدر إلحاح الحاجة يكون الابتسار وتعطيل البحث والاكتفاء بعلائم كاذبة. لنقل إن قوة الاسم لذلك قد تطرد مع جهله أو الجهل به، وأن سطوع الأسماء قد يجري على حساب النصوص، وان صعود الاسم قد يكون في أحيان مشروطاً بغياب الأثر والنص أو تشويههما.

كان مثيرا أن يتواتر الكلام عن رامبو والعودة الى رامبو مع شبه غياب لشعره عن القصيدة الحديثة. ثمة وهم في أن أثرا غير محدود لهذا الشعر في قصائد الرواد. والبعض يحسب، عن غير علم أو غير فحص في الحقيقة، أن شعره ضامر في قصائد هذا وذاك ممن ادّعوه دائماً أو أحالوا إليه. الأسماء لا تعوز في هذا السبيل لكن المسألة ليست مسألة أسماء. فنحن لا نفتقد الأثر الرامبوي في شعر السيّاب وعبد الصبور والملائكة وحاوي فحسب بل ونفتقده أيضاً في شعر أدونيس وأنسي الحاج. وهذان الأخيران يعتبران على نحو ما سليلين رامبويين. ليس في شعرهما ولا شعر سواهما أثر من الرؤية الرامبوية والأسلوب أو الأساليب الرامبوية، وإن أوحت بذلك شذرات قليلة ونادرة. لا أعرف لماذا جرى الانتباه السريع إليها ولا أعفي ذلك من الايعاز أو الدل الواعيين إليها. لا أجد لرامبو الشاعر (بما في شعره من رؤية ونقد للشعر وتجريب أسلوبي) أثراً بارزاً أو ضامراً في القصيدة العربية الحديثة. ذلك أن اسم رامبو تم تردده في أدبياتنا وبقي اسماً حافياً ومجرداً. فلا الرؤية الرامبوية هي حقاً رؤية الحداثة العربية، ولا السؤال الرامبوي هو سؤال الحداثة العربية. وإذا صح ان الأمر كذلك كان علينا أن نتحقق مجدداً من رؤيتنا الحداثية وأن نعيد على نحو ما، قراءة إلحاحاتها ومطالبها، وخطابها النظري، والأرجح أننا سنجد أنفسنا لا بعيدين عن رامبو فحسب، بل وبالطريقة نفسها، عن الغرب كله. ففكرة النتح عن الغرب أو البناء على الغرب لم تكن في يوم أمتن وكل شواهدها هيّنة بهذا المقدار. نجد في شذرة مجتزأة من رامبو مفتاحاً لأي شيء، والأرجح أن شذرات مجتزأة من آخرين أو مجرد عناوين سواه استُغلت هكذا. لقد ادُعي رامبو لأغراض ومطالب لا شأن له بها. اقتضى تعريبه في الغالب الاقتصار على هذه الشذرات. فقد كان حضورها تأسيسياً في الحداثة الشعرية العربية بحيث غدا جزءاً من رؤيتها الرسمية وخطابها، لذلك أمكن بوعي أو غير وعي الحجر على فرادته وتبسيطها واختراع مثال كامل من قليلها.

توقف البحث الرامبوي عند خلاصات غير معلنة غالبا وقلما تهتم بأن تجد دليلاً في حياة رامبو أو أثره الشعري. لعل مرد هذا الغموض الى التماهي الضمني بين رامبو والحداثة. الأسطورة الرامبوية هي الحداثة نفسها وهي أسطورة تأسيسية للحداثة. لذا لا قيمة فعلية للتحقيق التاريخي أو الفني. لا نجد لرامبو ذكراً في شعر السياب بينما نجد لوركا وايدث ستويل ومن بعدُ إليوت. لكن الادعاء الرامبوي قد يكون أصرح لدى جماعة مجلة <<شعر>> أو لم يكن لدى شعراء <<شعر>> ما يغريهم بالوقوف برهة واحدة عند الانشغالات السياسية لرامبو. هكذا يقدمون رامبو <<الوجودي>> المتمرد وهو هكذا من دون نازع سياسي أو مواقف سياسية، فقد كانت معركة <<شعر>> الكبرى ضد تسييس الشعر لا تخفي مقتاً للسياسة وتعالياً عليها. كان مفهوم أهل <<شعر>> للتمرد قبْلياً وجمالياً وذاتياً الى حد يستبعد أي معادل واقعي، وليس لهذا التمرد مكافئ واضح في مواقف أو مجابهات. إنه رفض وتخريب لا ترجمة لهما إلا في ذاتهما. التغني بهما والدعوة لهما وتكرارهما بالاسم والحرف والمرادف نَصَبَهما أحياناً أصناماً لفظية. تعلّق الأمر دائماً بتمرد لا سياسي أو معاد للسياسة. لذا غاب رامبو السياسي، رامبو التمرد الاجتماعي والحلم بثورة اجتماعية، رامبو الكومونة، رامبو الهجاء للأمبراطور والبرجوازية والطبقة، ورامبو الذي لم يغب عن إشراقاته ولا عن فصل في الجحيم هجاؤه السياسي والاجتماعي وعنفه الثوري، وكراهيته غير المحدودة لرموز النظام الاجتماعي والسياسي. لم يشأ حداثيو الشعر العربي أن يروا في <<ثورية>> رامبو الاجتماعية عنصراً تكوينياً في نصه وتخييله. إذ إن سياسة ما فوق السياسة والمجتمع والصراع الاجتماعي لم تكن دين الايديولوجيات القومية وحتى الأنظمة العسكرية فحسب، ولكن دين حركات ثقافية وأدبية أيضاً. مآل السيرياليّة أيضاً وهي دين تيار شعري مآل رامبو أيضاً، فقد تعتّم على فحواها الثورية والاجتماعية بالنسبة نفسها. لا شك في أن معركة تيار <<شعر>> ضد تسييس الشعر كانت تصدياً مشروعاً لفاشية ثقافية تملي على الشعر والثقافة بوجه عام انضباطاً عسكرياً وراء الهدف القومي وبالتالي وراء القائد الشمس والدولة الشمس، والحزب الشمس، لكن رد تيار <<شعر>> كان تقريباً، وعلى نحو مضاد، من الجهة نفسها. انقلاب من دون سياسة، وهذا ما لم يبتعد كثيراً عن الايديولوجيات الانقلابية التي تجعل من الدولة الأمة، والحزب الأمة هدفاً أعلى من السياسة. فالتنزّه عن السياسة والخجل من السياسة وبعدها الخارج والواقع كان نوعاً من إدقاع ثقافي، إذ يمكن بالتوازي مع هذا أن نتخيل ثقافة وجدانية، هي عبارة عن فلسفات خاصة وعبادة لغثاثات شخصية أو مشخصة، وخطابات غنائية من دون أي ميل نقدي أو تحليلي، وكليشيهات وعناوين وأسماء قيمتها في تكرارها الحرفي، وأخيراً هي ثقافة إعلاء للشعر، أو في الحقيقة ما يحاكي الشعر، الرطانة الشعرية على الثقافة كلها فتبدو هذه الثقافة غير مسؤولة أمام الواقع ولو بالمعنى المعلوماتي. فهنا لا قيمة لأي تفاصيل ولا أي معرفة عينية ولا أي تقميش. إذ الخبر الوحيد هو خبر الإشراق الذاتي والخطرة الذاتية. ما سمي غالباً باللبنانية <<الشرقطة>> أي الشرارات التي تظهر من وهج الجمر. شرارات الذات الحبيبة المقفلة الفائضة في جدلها ودراماها الخاصة والتي لا تتعيّن شيئاً ولا تملك سوى ما يهب منها وعليها.

تشويش الحواس

الغريب أن هذا الابتسار اعتُبر علماً على الحداثة، وبات ممكناً معه تجاهل كل تاريخ الحداثة المتقاطع باستمرار مع التاريخ العربي وتحويل الحداثة الى المخيلة العربية إلى أقنوم يتغذى من ذاته، يختطّ تاريخه ومساره بنفسه ويتجاور ويتصارع معها، والأمر الذي كان بشّر في أبعد مدى بعبادة للشعر والمسرح والتصوير والأفكار أي بنوع من ثقافة مفتونة بنفسها، خالية في النهاية من أي سؤال، سوى سؤالها التقني، وقابلة للتحول الى طوباويات غامضة، ومنها طوباوية الشعر نفسه.

ساهمت <<رسالتا الرائي>> الشهيرتان في تشويش كبير لدى الشعراء العرب، ولدى <<شعر>> بوجه خاص، كانت لفظة <<الرائي>> وحدها كافية لتتسلط عليهم ولتتحول بحد ذاتها أقنوماً، لتحيلهم بالتأكيد الى كل شطح، في ثقافة لا تخفي حنينها الديني أو نزوعها إلى تأسيس ديني كما هي حال الثقافة اللبنانية التي لم يكن عبثاً ولا محض صدفة وجود التيار الجبراني فيها. في ثقافة كهذه تمتلئ لفظة الرائي بمعناها الديني والصوفي. ويُكتفى أحيانا بالعنوان والمفردة. الأرجح أن التأويلين البيئوي والصوفي للرائي تمّا بدون تمحيص للرسالتين نفسيهما. لقد خرجت من الرائي لفظة رؤيا بألف المد التي تحيل الى رؤى الأنبياء والقديسين، الرؤيا التي توازي الى حد كبير بين الشاعر والنبي، وتنظر الى الشعر بوصفه ظاهراً للرؤيا، التي وراءه، وهذه بالتأكيد تامة متماسكة شاملة. التأويل الصوفي هو المرشد سواء أكان النص صوفياً أم لم يكن. فالنص ليس شيئاً سوى حقيقته الباطنة، سوى رؤياه. هذا النظر الذي يضع للشعر وجوداً قبْلياً على النص وللرؤيا وجوداً قبْلياً أيضاً يجعل الشعر في ما وراء النص، في ما وراء الشعر في الحقيقة، ويحيل <<الرؤيا>> إلى نوع من احتكار. لا يكفي الشاعر أن يكون شاعراً. عليه أولاً أن يكون رائياً، والرؤيا تُعرف غالباً بنفسها، وإذا لم يمكن تحديدها فإن ادعاء امتلاك مفاتيحها غير مستعصٍ، فغالباً ما تُتراشق المفردة ولا يزيدها ذلك تعريفاً. إنها تغدو نوعاً من علم لا يبلغ. من لاهوت مغلق، ومن يقومون عليها مقام الكهنة والدعاة يحتكرونها لأنفسهم. هذه <<الرؤيا>> تفترض الشعر تماماً وتكاملاً ومعنى باطنياً قبْلياً لا يُفترض إلا للنصوص الدينية، وغالباً ما يبدو الشعر تابعاً وترجماناً وشكلاً إذ <<الرؤيا>> هي الأصل وهي الأساس. ادعاء كهذا يغطّي على نصوص كثيرة تستعير الشعر من دون أن تقف عنده.

تجربة رامبو شبه الباطنية بتأثير قراءته لأليفاس ليفي وبالاش جعلت مفهوم الرائي لأول وهلة ذا فحوى دينية وصوفية. إلا أن رامبو الذي افترض دائماً أن الكلام لا يكفي إذا لم يتكل على شيء من الواقع كما يقول بونفوا تقريباً في كتابه عن رامبو، رامبو لا يسعه أن يكتفي بتجربة إعلانية ذاتية، بل هو في الواقع لا يسعه أن يبدأ من هنا. إنه في رسالة الرائي نفسها يقول ان <<المجهول>>، وهي المفردة الغيبية في النص الرامبوي، لا يُبلغ إلا بتشويش كل الحواسّ. هكذا يصل رامبو من دون تحفظ بين الأكثر جسدية وحسية وبين الغيبي، وليست هذه المزاوجة غير مقصودة، بل تتكرر على نحو آخر في صور شتى. هناك الطبيعة والنور. إنه اللهب الواقعي للمجهول، اشتعال الحس. وبالطبع فإن تشويش الحواس يوازي فوضى أخرى هي فوضى العالم الذي فقد بعد العهد الإغريقي تناغمه وأنساقه، وكما ننفذ بتشوش الحواس إلى المجهول فإننا في لخبطة العالم في التدمير والإحراق نشمل الجديد ونعيد على حد بونفوا <<مزاوجة ابتكار الواقع>>.
جدل ومزاوجة لا نشك في انهما لا يندرجان في واحدية الإعلاء الصوفي. <<الرؤيا>> ليست معطى قبْلياً. إنها فعل تشوّش وإحراق ولخبطة. فعل فوضى عظيمة تنفذ في النهاية الى بلوغ المجهول أو بلوغ الواقع ما همّ، ما دام الطرفان الغيبي والواقعي غير مبلوغين ولا متوافرين ولا جاهزين.

أين هي <<الرؤيا>> الرامبوية إذن لنعرف من هو الرائي؟ هل هي تامة ومتسقة، كما افترضها الراؤون العرب، وقبلية؟ هل هي امتياز الشاعر الرائي ومرتبته ودرجته في هذا العلم الأعلى الذي هو الشعر، أم أن الرؤيا الرامبوية دخولٌ في تشويش الجسد والعالم؟ وإذا عدنا الى عبارة رامبو فإننا لا نصل الى المجهول الغيبي إلا عند طريق هذا الشحذ والارهاق والتغريب للحواس وللجسد. جدلٌ، الأرجح انه كان محركاً أول في شعر رامبو، فهذا الشعر هو دائماً من انعقاد الفكرة بالجسد، هو دائماً من انعقاد الحس والحدث والواقع بالخيال المستقبلي والميتافيزيائي و<<الرؤيوي>> بهذا المعنى. رؤيا رامبو كما هي في شعره هي هذا الفضاء من النور المتوهج من انجدال الحس والحلم والعجيب عند كل لحظة، ومن هذه العبارة التي هي مادة وطبيعة ونور ورمز في آن معاً. إنها في الحيّز الديناميكي النابض لا في التمام والمزعوم. في اللحظات الانفجارية والانشطارية لا في <<الرؤيا القبلية>> في النص الغائب. في الماضي المفترض للنص.

تقاطعات بلا حدود

<<الرؤيا>> لدى الرّائين العرب كانت غالباً امتياز الرائي. هي علمه ونفاذه فالنبوة هي أولاً النبي. لم يتواتر شيء في شعر الرائين بقدر ما تواترت الأنا. الأنا المكتملة بطبيعة الحال المكتفية المنفصلة المنشقة المؤسِّسة والمتولدة من ذاتها أحياناً والبادئة للعالم أحياناً أخرى. الأنا التي تواجه تارة العالم كله ولا تنكص ما دامت في حصن ذاتها وأسوارها، والتي تدمّر وتحيل الى خراب أو تتدمر في انفجار كوني أو تغذّي العالم بمرضها وتملأه بدراماها وصراخها. الأنا التي هي يتيم الكون وسيزيفه وأورفيوسه. بمعنى آخر كانت الحداثة بغير منازع تأليه الأنا واستقلالها واكتمالها. الأنا التي تفترس العالم أو تهجره أو تجابهه، وفي كل ذلك هي الحقيقة الوحيدة والأقنوم الأول والجوهر والمبدأ، وهي على نحو ما الطبيعة والكون والله.

لا شك في أن أسطرة المثقف لذاته، وحاجته لانشقاق خيالي تقيمان وراء خرافة الداعية والباعث والقائد والبطل. لكننا مع ذلك لا نفهم كيف تحوّل النص الشعري الى درامات شخصية وبدا الأثر الشعري كأنه في كل مرة إنشاء لبطل ثقافي. لا نفهم كيف تم إنتاج هذا الحد من الذوات العملاقة المتماهية مع الأقدار والأكوان والماهيات والأزمنة، سؤال لا أظن أن رواد تلك الحقبة وجدوا فسحة له. لقد بدا هذا التشخيص بديهياً ولعل تشخيص الشعراء الآخرين كان بالتأكيد سنداً كافياً. ورامبو تشخّص الى الحد الذي أغنى عن حياته الفعلية وأغنى عن شعره. لقد وُجد كواحد من <<أنوات>> الحداثة العظيمة وهذا يكفي.

لعل أحداً من صانعي تلك السير الشعرية لم يُلق بالاً إلى ان رامبو والرامبوية، بل الرائي الرامبوي، أيضاً في الوجهة المضادة. ما كان يستفز رامبو في ثقافة عصره وما وجده تفهاً وبائساً ومرائياً هو تماما تلك التشخيصية. كتب الى ايزامبار الذي طالما نعى هو عليه عدم فهمه: <<شعرك الذاتي سيبقى تفهاً على نحو فظيع>>، أمّا نقده المحكم للذاتية فيتناول مباشرة دو موسيه. كتب إلى دميني أن دو موسيه لا يدري البتة ما يصنع، فرؤاه كانت خلف شقّ الستائر. لقد أغمض عينيه. وليس تهكّم رامبو من دو موسيه وسواساً من وساوسه، فوراءه تحليل نفّاذ. القصيدة الذاتية عنده تفضي الى مفارق مسدودة: المثالية أو الجمالية البحتة أو العاطفية الغنائية التي تجعل المرء في النهاية حبيس طبيعته الاصطلاحية البرانية التي تحول دونه والنفاذ الى ظلمة داخله. ليست الذاتية هي الحداثة ولا هي المحرِّرة، وليست الدراما المشخَّصة سوى غثاثة. تفاهة في نظر رامبو بكل مفارقها المتعالية بالطوباوية أو بالفن أو بالعاطفية والغناء. أي كل ما يجعل الفن افتتاناً بالأنا وإعلاءً بها. مفارق لم يحذرها الشعراء الرواد في قصيدتهم في الأغلب بعد مرحلة من سيرتهم. فقد كان نقد رامبو يتجاوزهم، والأرجح ان أكثرهم كان في مثل موقف إيزامبار الذي اتهمه رامبو بأنه لا يفهم.

<<من الخطأ القول أنا أفكر والأحرى أن يقال يُفكَّر بي>>، يستبدل رامبو ضمير الأنا بصيغة المجهول. مسافة لا يبدو أن شعراءنا آنذاك كانوا على استعداد لقطعها في الأغلب. كانوا في الضفة الأخرى: أنا أفكر، أنا أحوِّل، أنا أخلق، أنا أدمّر، أنا أصارع. ما اعتبره رامبو أساساً، أي نقد الذاتية، لم يكن حان الأوان له. <<أنا هو آخر>>، يقول رامبو. ليس مهماً أن نقول لم هذا الكلام حديث ولا يزال حديثاً. لمَ أن تشخيصية روادنا وذاتويتهم ذيل متورّم من ذيول الرومانطيقية. نقد رامبو للذاتوية ذو أبعاد لم تستوعب الى الآن تماماً، فهو أيضاً ضد الإعلاء الطوباوي والجمالي والغنائي العاطفي، ونحن للآن لم ننفذ تماماً من هذا الحد.

أنا بهيمة، أنا زنجي، أنا من عرق فاسد، من أدنى عرق، طالما تكلم رامبو هكذا. لم يكن أهريمان ولا اهورامازدا. ليس خالقاً محوِّلاً ولا ساحراً ولا مدمّراً. وحتى في فترة محبته اللامسيحية لم يجد جامعاً بين الناس سوى أواصر البؤس. مع ذلك فإن من أجلس الجمال على ركبتيه ووجده مراً، من لم يتمثّل إلا بالموسيقي الذي عثر على مفتاح الحب، الموسيقي لا الساحر ولا النبي ولا بطبيعة الحال البطل الملحمي. رامبو هكذا لم يكن على كل حال مجرد هاذٍ ولا كاهن غموض. فهذا الذي كان ينتظر الله بنهم كما قال انتظر بالنهم ذاته كل حقيقة تُعرض له. لم يكن مجرد لاعب إذن ولا مجانياً بالقدر الذي حسبناه ولا هاذياً فحسب. كما أنه ليس قديساً مضاداً ولا ثورياً فقط. إنه الوضوح الذي يجاور الأسرار والإبهام المفعم بالمعاني كما يقول، والحق أن الذين يستأذنون رامبو في نص بلا عقال ولعب بالكلام وكتابة آلية وهذيان بحت يسيئون فهمه. بعض الشعراء العرب الذين حسبوا دائماً أن المعنى ليس سوى الوصايا الجاهزة، طالما فعلوا ذلك. الشعوذة الكلامية لم تكن أبداً دأب رامبو. وشعره الذهاب في المعنى الى حد تحويله الى طاقة. أما تخليص الشعر من المعنى فكان بالتأكيد خارج غرضه. شعر رامبو في بعض جوانبه يبدو تبئيراً للإدراك الحسي والعاطفي والذهني. إنه تحويل المعنى الى مادة والى حس. إذا كان رامبو وصل إلى الكلام عن شعر موضوعي وليس بالمعنى الذي تكلم عنه في ما بعد شعراء أميركيون، إلا أن الشعر الموضوعي الذي كتبه رامبو هو تحويل المادة الإنسانية كلها الى شعر. هو بالطبع شعر فضاء بؤري وتقاطعات بلا حد وتركيب من كل ما يشكل الذاكرة البشرية. هذا بالطبع يعني تكويناً من عناصر من مصادر شتى مختلفة ومتضاربة كما يعني تشابكاً بؤرياً وتقاطعات خيطية أي تحويل الالتباس نفسه الى وتر ونبضٍ ونسيج. هذا شعر رامبو الذي لم نقرأه جيداً، فقد آثرنا كتابة علانية واحدية. آثرنا بدل هذا الشعر الموضوعي إنشاءً ذاتياً متضخماً وأحياناً لعباً مجانياً وأحياناً هذياناً بحتاً. لم نقرأ رامبو واكتفينا بالافتخار به. ونسبنا إليه شيئاً لا يشبهه. شيئاً هو في الغالب مزيج من أنوية مفرطة ونبوية ومجانية وغرائبية.

من هنا تعني كثيراً ترجمة كاظم جهاد، لا لأنها فحسب ترجمة معذّبة بالنص الرامبوي في سعيها إلى التوسط بينه وبين اللغة والشعرية العربية، وهذا توسّط مهدَّد كل لحظة، متوتر كل لحظة، ولا لأنها مهتمة بألا تلخص رامبو أو أن تسلمه الى أي من التآويل المتضاربة، بل أن تضعه حقا في حقله المتعدّد الموار المتضارب الملتبس، ولا لأنها كاملة لأول مرة في العربية (مع هوامش ثرية هي في حد ذاتها إضافة جليلة)، بل لأن رامبو لأول مرة كامل في العربية. بلا توسطات ولا نواب ولا أولياء عنه بالوكالة. انه هو. وما فاتنا الأمس لن يفوتنا اليوم، ان نقرأ رامبو، وأن نضيفه الى بداياتنا المستأنفة.

******

إنها لندن.. جسر من ضباب وبيانو معلّق ومهرجان شعري في نهار مشمس ذات أحد

كان واحدا من الشوارع الخلفية المقفرة تقريبا لكنني ما ان خرجت من فندق حتى وجدت امامي مبنى قديما متجهما لم يسع أحد الى ان يفك عبوس الزمن عنه شأنه في ذلك شأن امرأة فخور ترفض ان تصبغ شيبها. كان اسم راسل عليه، وحين سألت قيل انها اسرة الفيلسوف برتراند راسل. على واجهته كان ثمة حاجب حجري عريض حفرت عليه بالتوازي رؤوس نبلاء العائلة، رؤوس بلحى كثيرة ووجوه مقطبة غالبا وأحيانا ذات تكشيرة شيطانية. تلك هي عطقة راسل على كل حال وفندق راسل عند تقاطع شارعين احدهما مقفر والثاني مأهول بسيارات وأرصفة عريضة ومحلات وحديقة فارغة ملأى بمعدات وقساطل فهي في فترة اعادة تأهيل. تقول مرغريت اوبانك انها ذات عز زال عنها فترة وانتبهت لها البلدية مجددا منذ وقت، مع ذلك فإن الشوارع الخلفية تشكو عادة من شيء من اليتم، انها تبدو وكأن الاشياء كلها، الاضواء والاصوات والحركة، تتوقف قبلها كأنها ضحية سؤ حظ غير مفهوم او خاسرة على رقم واحد كما يقول عادة المقامرون، الفندق الذي يحمل تقريبا اسما فرنسيا ?ذْمَّىلىَُّ? بدا لي كالشارع مبعدا ووحيدا ففي هذه المنطقة يبدو الداخل والخارج متماسين الى حد كبير، لم يكن هناك سوى قليلين في اللوبي الضيق الذي تمازجه عتمة لا تدري اذا كانت تصدر من نصف الدائرة التي تكون مركز الاستقبال او الكنبات المتقابلة الشبيهة بمقاعد الباصات او اشباح الشارع المرئية من خلال الزجاج. يبدو فندقا متواضعا، كما هي المنطقة كلها. الامر الذي يجعلنا لا ننتبه الا بعد وقت طويل الى طوابقه العشر، ويفاجئنا في الصباح حين نمر في الكوريدور المظلم الشبيه بستارة نعبر منها الى المطعم الطويل الشاسع الشبيه هو الآخر بحافلة في قطار يفاجئنا ان نجده على سعته غاصا بالناس الذين جلسوا بلا ضجة يتناولون فطورا انكليزيا من المقانق والجامبون المقلي والبيض والسمك المسلوق وغالبا من دون عرق اخضر، تساءل اين كان هؤلاء ولماذا لا تصادف كلما نزلت الى اللوبي سوى افراد قليلين متفرقين. كيف يدخلون ويخرجون وينامون ويصحون بهذه الكثرة من دون ان يحدثوا صوت او يظهروا على الأقل لا ادري لماذا تراءى ان هذه هي لندن. فن ان نعرف كيف تختفي او تعيش خفيا.
من المطار الى عطفة راسل اجتازت بي مرغريت اوبانك في سيارتها اصداء شاسعة، عبرنا لندن تقريبا. تخلصنا بسرعة من ضواح تشبه الضواحي، مكعبات اسمنتية وشوارع مستقيمة وعراء سكاني. ثم انكشفت لنا بعد ذلك وشيئا فشيئا مدينة اخرى. افكر بالحدائق كلما فكرت بالانحاء التي اجتزناها حدائق معمارية. مبان ذات ولادة معمارية واحدة تشكل هكذا حيزا زمنيا واحدا. متقاربة متجاورة موحية بذلك بقدر كبير من خصوصية والفة. لكنها ايضا زاهية مزهرة بواجهاتها الانيقة وزخارفها وزينتها. متصابية بذلك او عصية على العمر. حدائق معمارية نستعرضها حيا حيا كما نستعرض حقلا حقلا في حديقة فرنسية، كانت هذه رؤيتي الاول للندن التي لا اعرف لماذا ظللت الى عهد قريب اصدق انها ضباب وقطارات وساعات هائلة. لم اكن انتظر ان ارى الضباب فقد وجد من اكد لي ان اسبابه زالت فزال معها لكنني بالطبع لم انتظر ان ارى مدينة منمقة باذخة الى هذا الحد. المدينة بالنسبة لي هي هذا التكوين السابق على اهلها والذي يتحداهم دائما. هذه هي باريس وهذه هي امستردام وهذه هي صنعاء. البذخ المعماري حتى الاغراق بهرني واجتزت لندن وأنا اسمع مرغريت تسمي مناطق اعرفها من روايات وأفلام ولا اصدق فالسيارة تتيح لي ان اشاهد المدينة وكأنني اتصفح كتابا وصوت مرغريت يجعلها بمثابة راوية. هكذا بدت الساعة ونيف التي احتجناها لنصل الى الفندق عريضةكثيفة، ساعة نووية، اختراق للزمن والمكان يتساقطان كأنهما حجب تقع واحدا واحدا.

الفن الأشوري

لم تكن المنطقة التي وصلت اليها في بذخ المناطق كانت بسيطة صارمة. المباني جدران مديدة مغلقة بأبواب صغيرة في الاسفل كأنها ابواب الحكايات والأسرار. والحدائق متقشفة بأشجار قليلة منصوبة وعراء واسع نسبيا. لكن هنا المتحف البريطاني وفي باحته تلك اليد المعدنية الهائلة وقاعة المكتبة التي بقبتها الهائلة تذكر بمكتبة بورخيس الميتافيزيقية لكن المتحف مفتوح ومجاني ككل متاحف بريطانيا. ستنعم بالطبع بالقاعات الفرعونية التي هي بالتأكيد رمز المتحف وشعاره. ستسير وسط الكثيرين الذين يدورون حول التماثيل الهائلة والنحت والنافر والرسوم والتوابيت والمومياء لكنك رأيت شيئا من ذلك في مصر ورأيت كثيرا منه في الكتب لذا ستحتفظ بدهشتك للآثار الاشورية، كان كل حظي من هذه الآثار رسوم جلها غير ناجح تصفحتها في كتب تاريخ وآثار، ولأمر ما كنت اظنها قليلة وبالية. لم يبق في خلدي منها سوى الثور الآشوري المجنح والفرسان الشاكي السلاح، لا اعرف لماذا اكتفيت بأنت اصادق على تثمينات خاطفة لهذا التراث. لاحظت فحسب ما رسب منه في الفن العراقي الحديث، ولم اجتهد كثيرا لأستوعب هندسيته الصارمة وزواياه الحادة وتربيعاته الكاملة، وحين وجدت نفسي امام هذا الثور غرقت في التعاقب المتوازي لريش جناحيه، شعرت ان الامر يتعدى السيمترية والانتظام ففيه مد ايقاع لا يجعله انتظامه وتوازيه بطيئا. كانت هنا حركة وحيوية لا نجدهما في فن آخر. حسبت ان الامر لن يتعدى الثور المجنح لكن وجدت نفسي في اروقة موصولة بأروقة فأجمل ما في المتاحف تلك المتاهة من قاعات وأروقة متصلة، اروقة اكتست جدرانها كلها بالنحت الاشوري النافر جعلها يمتد امام عيني وكأنني اتفحص فيها <<شريطا>> نحتيا لا متناهيا. غرقت فيما اراه حقا ولم ابذل ذلك الجهد الذي لا بد منه للاقتراب من منحوتة فرعونية هاجعة في سكونيتها ومنفردة فيها، لم ابذل جهدا فقد كان التلقي مباشرا ولم يطل الوقت حتى زال ما بين عيني وبين التصوير الحجاب. لم يعد الزمن ولا الاسلوب ولا الموضوع بيننا، كنت اشاهد اللوحات الحربية وأرى كم ان التوزيع الهندسي الصارم والقاسي للمقاتلين، كم ان الانشاء الهندسي الصارم للاشخاص اختزال للحركة والصراع والتكوين البانورامي، الزوايا والتربيعات والخطوط المستقيمة تتحول فعلا الى اوتار مشدودة والى اشكال متوترة مفعمة بتحفزها وتربعها وتواجهها وانشباكها ببعضها بعضا. نسمع فعلا وقع الرماح المتطاحنة وصرير الاسنان وقسوة اللحظة وعنفها. كان مدهشا هذا المزج بين اسلبة صارمة وتعبيرية ثرية الى هذا الحد. بين الهندسية والحركة، بين التنميط والملحمية لكن الامر حين نتجاوز اللوحات الحربية الى اللوحات الحياتية يغدو اكثر الفة. تفتننا النباتات والأطيار والحيوانات في لوحات الاشوريين فالهندسة هي قبض على الحركة والشكل الاصلي وقوة وزخم الطائر والنبتة والثور، ترسم الثيران بقوة وجمال اين منهما الثور البيكاسوي الشهير رغم غرابة المقارنة في هذا المجال. لكن الثور الآشوري في اللوحة كما هي النبتة والطائر مرسوم بعقد حياة مع الرسام الذي يصور مصادر طاقته واقانيم عالمه. الخصب والحياة في النبتة الجلد والحرث والسند في الثور، المغامرة في الطائر. في احدى المحفورات رأيت حمارين يمدان عنقيهما من الجهتين في حركتين متوازيتين وشكلين متوازيين ليلتقيا في سطل ماء، كان التنميط والاسلبة هنا مندمجين في الحياة الصغيرة اليومية، سألتني سائحة اذا كنت من هذه البلاد التي اعطت الفن الآشوري، لم اجد جوابا، لكنني كنت مسحورا. ومرتويا لدرجة لم استطع ان ازيد قطرة واحدة، مررت بالفنون الاسيوية شبه ذاهل، وشعرت انني لا استطيع ان اتحرر من الرواق الاشوري فغادرت المتحف.

لندن المبهرجة

لم يكن المتحف وحده في المنطقة التي لا تزال في قلب لندن، كان هنا بيت فرجينيا وولف. وأمام مدخل معهد الدراسات الآسيوية الافريقية حيث اقيم المهرجان الشعري كانت لافتة نحاسية تحمل اسم ت. س. إليوت على باب المبنى الذي كان مكتبه عقودا طويلة من السنين، وهذه هي الكنيسة، على ما روى صموئيل شمعون، التي تزوج فيها تيد هيوز وسيلفيا بلاث. وهذا هو البار الذي كان يرتاده تيد هيوز وحياة الانكليزي ترتبط كثيرا بالبار. بالفعل ارتدنا بار هيوز وجلسنا صموئيل ومرغريت اوبانك وأنا وصديق المانيا في زاوية صغيرة حول مائدة مستديرة ضيقة، كنا تقريبا لصق ثلاثة آخرين تحلقوا ايضا حول مائدة ولصق آخرين جلسوا فرادى يشربون بصمت، اي كنا جميعا مضغوطين متماسين في هذا المكان الضيق المغلق تماما والذي يمتلئ ضؤوه الشاحب بغيوم المدخنين وسبحات كؤوسهم وأحاديثهم. كان الرجلان في جوارنا يضاحكان سيدة طالما غطت عليهم بضحكتها. لا اعرف ماذا كانوا يفعلون هنا تماما، يقول صموئيل ان هذه الامكنة المظلمة المغلقة هي صنو الطبع الانكليزي المحبط غالبا بسبب الطقس. حازم صاغية قال لي ان الجو الغائم يطبق على عقل المرء وروحه هنا ويدفعه كثيرا الى انفراد وانفصال غامرين لا نفاذ بالهيّن اليهما، حين ترتفع الشمس يترك كل ما بيده ويهرع الى المنتزه، انها ساعة الشمس لكنها ايضا ساعة التخفف من الوحشة الداخلية والانتشار شبه النباتي في الضوء. عندئذ يقول حازم يخرحج الجميع من اقفاصهم وانفرادهم الصارم ويغدو التواصل سهلا والنفوس طلقة ومفتوحة وجاهزة لاستقبال الآخر والشمس والحياة. لم يوحشني كثيرا بار هيوز. بل لم توحشني البارات الانكليزية المغلقة اجمالا. اذا نسينا محنة غيوم دخان التبغ فان في هذه الامكنة داخلية كبيرة. ما ان تتجاوز الشارع الى باب البار حتى تصير في داخل، في قلب، في خصوصية كاملة، انك تخرج من عموم الحياة والطقس وتبقى هنا حيث الطقس من حلقات الدخان والشراب والتماس الانساني. حازم يقودني في جولة، الارجح انه رتبها لكل اصدقائه الزائرين. انها جولة بوست مودرنيه (ما بعد حداثية) اذا جاز التعبير. انها جولة امام قصور قديمة تحولت الى بيوت حصينة لاثرياء مهاجرين بينهم لبنانيون وعرب. بعد ذلك وقفة امام قبر الامير البرت زوج الملكة اليزابيت الذي غدا حزنها الشديد على غيابه اسطورة في الغرام الملكي. وبموازاته تقريبا المسرح الاليزابتي الشهير، اثر من عهد الملكة التي طبع اسمها التاريخ الانكليزي. قبر البرت الذي يعلوه تمثاله مبهرج بصور ورموز شتى من التاريخ البشري. او التاريخ الغربي خاص، اشارة من الاغريق والرومان حتى العصر المسيحي والمملكة البريطانية. هذه البهرجة نفسها هي آية في التنميق والتذهيب والفخامة والاطناب التزيني. ليست هذه سمة قبر البرت وحدها بل هي طابع جزء من المعمار اللندني الامر الذي هو بحد ذاته مفاجأة. اذا لم يعد هناك في لندن ضباب فليس هذا هو الامر الوحيد الذي لا نتوقعه في لندن، القباب المذهبة والتيجان والاشكال الزخرفية السيالة تجعل من لندن بخلاف ما كنا نظن، مدينة مبهرجة لاعبة مرحة مطنبة، مدينة خيالية. اذا جاز القول، اذا تذكرنا موسكو وامستردام ولندن هذه المرة بدا لنا ان هذه هي حقا مدن الخيال، ولندن تجمع في الغالب بين بذخ امستردام الزخرفي ونمنمة باريس.
اذكر استاذ علم النفس الذي كان يتكلم عن الهواس البريطاني مقابل الهستيريا الفرنسية، لا بد ان هذا الهواس يتمتع بطاقة خيالية وتمثيلية بلا حدود، يصح ان نقول عن لندن انها مدينة عظيمة لكنها ايضا مدينة حرة حتى بالقياس الى باريس المصنوعة بنظام ودقة ساعة سويسرية. والتي ينبع جمالها من التناسب واللطف والسيمترية والانزياح اللطيف والمحسوب عن التناسب. الميلودي عنصر جمال باريس الاساسي اما لندن فإنها لا تختصر في ايقاع ومتوالية نغمية، ثمة ما يضرب المخيلة. هذا البذخ البصري الذي يجعل من المرئي باهرا من العين آلة مخيلة ضخمة، انها اكزوتيكا المدن في افضل احوالها، صندوق سحري مكتظ بكل مفاجئ ولكن ايضا ساحة فراغات شاسعة ورائعة. المنتزه الانكليزي <<هايد بارك>> مثلا. مرج بلا حدود. رقعة هائلة متغيرة من الاخضر المجزوز والسماء الزرقاء. كان دولوز الضيق الصدر بالجمال الباريسي يبحث عن الجمال في امستردام التي لا تشبه حدائقها البرية الحديقة الفرنسية المرتبة المتوازية، واجهات امستردام المتلاصقة المصطفة على الشعرة دون تقديم او تأخير مقبضة من ناحية ما. كذلك الماء الراكد في قنواتها المهجورة أما لندن فأكثر حرية.
المحطة الثالثة في جولة حازم. اذا لم ننسَ، كانت سوبرماركت هاوردس، ربما هي أكبر سوبرماركت أوروبي كما يقدر حازم من دون جزم. انه والد خطيب الاميرة ديانا الذي قضى معها في حادث سير. اما المخزن العظيم فهو أولا مبنى عريق هائل. تحول بفعل ديكور فضفاض وبراق وفخم الى زينة بصرية، تحولت الاقسام الى مشاهد بحد ذاتها فقد تدخل الخشب والزجاج والحصى والألوان لتحويلها الى منتزهات داخلية اذا جاز التعبير، الاغراء، الاغراء اللوني والتشكيلي حاضران. اغراء رخيص في أحيان فخم لكن شعبي ايضا، براق وكثير وساطع من دون رهافة بالضرورة ولا ذوق رفيع. ففي المخزن ثمة حضور مقصود للضخم والفخم والكيتش والمصطنع. كما ان هناك ذلك الخلط بين أساليب وازمنة في نوع من سيولة باروكية ومناخ سيركي استعراضي. اذا دخلنا القاعة المصرية التي أسسها الفايد هنا في نوع من تحية لوطنه الاول نجد نوعا من الكيتش المصري، تمثال ضخم لفرعون مصري هائل ونكاد يفوق حجمه الاصلي لكن مطلي بالذهبي مع كمية هائلة وبراقة من تقليدات فرعونية. انه العصر الجديد. ما بعد الحداثة التي لا تتناقض مع لندن التاريخية المبهرجة لكن تصل بها الى مدى التهريج البصري.
لا معنى للكلام عن برج لندن. قصر هنري الثامن الذي ننظر اليه كما ننظر الى مغارة مدينية أو تحفة للشر. لا معنى للكلام عن البرلمان وساعة بيغبن أو قصر بكنغهام، فهذه جميعها مشهودة في برامج تلفزيونية وأفلام حتى بتراءى للواحد عن حق انه رآها يما يكفي، اريد فقط ان اتكلم عن ذلك الجسر الجديد الذي امتد امام تات متحف الفن الحديث افتتح الجسر مرتين وفي كل مرة يظهر فيه محذور تمنع من استكمال افتتاحه وعرضه للناس، ثم لما اصلح وجهز للاستعمال استحيوا من ان يعيدوا افتتاحه في احتفال، وفتح للمارة بلا اشعار. الجسر معلق فوق نهر التيمسو معلق اكثر منه منصوبا فهو لا يشبه الجسور المشيدة الحصينة، انه معلق كما لو كان حبلا بين الضفتين او شريطا، مجرد شريط ناعم ورقيق وشبه شفاف سال بين الضفتين، اقول شبه شفاف لأن لونه الرمادي اشبه السماء والماء ولانه في انسيابه وتموجه اشبه الماء، بل بدا وكأنه يلابس الماء والسماء ملابسة يختفي معها فيهما أو يبدو طيفا من اطيافهما. وقفت على الجسر فوجدتني مكشوفا لكل هواء لندن واثيرها وبردها الذي حضر كاملا وقويا معطيا خفقة جليدية لكل المشهد.

متاحف

تحفة حديثة هو الجسر ولندن منذ تاتشر مهمومة بأن تكون معاصرة وطالما كلفها ذلك مغامرات معمارية باهظة لكن لندن قدرت هي المشتبهة بهواس تاريخي بما يعني الهواس من احتباس وفي ترتيب معين. قدرت لندن على ان تكون ايضا عاصمة المغامرة الفنية التي قد تصل أحيانا الى حد التهريج البحت. متحفا تات <<القديم والحديث هما قطبا هذه المعادلة، القديم هو متحف تيرنر قطب التصوير الانكليزي بل هو حتى الآن مفاجأة التصوير الدائمة. يتاح لزائر تات ان يرى قسما واسعا من أعمال تيرنر. ان يتابعه في جولاته وان يتمكن من هذا الفن الذي صنع من الضوء والاثير والذبذبة والايقاع. أي ما هو في النهاية طيف الوجود ووتره الداخلي وانحلاله الاثيري الضوئي وغيابه في آن معا. ليس تات القديم كلاسيكيا بل هو حديث أكثر منه معاصرا بل يمكنك هنا لان تشاهد تجارب لا زالت حية فاعلة فبالاضافة الى بيكون وفرويد هناك هاملتون ونيكولسون ودين وهوكني وايتاج. لا يزال هوكني مثلا في عزه. ثمة متحف كلاسيكي هائل ترى فيه تاريخ الفن من غيوتو الى فيلاسكيز وموني. هناك متحف البورترية الذي تنفرد به لندن، وزائره يتعب من تصفح الوجوه لكن هنا كل التاريخ الانكليزي حي. ربما يهمنا بين هذه الوجوه الجدية والمهمومة للأمراء والارستقراطيين والبورجوازيين والفنانين والمبدعين ان نخطف نظرة الى لوحة تمثل اليزابيت والبرت حيث نرى الثنائي الملكي في لحظة لا يستطيع العرش ولا الوضعة الرسمية أمام الرسام ان يخفيا عن العيون فرح الشابين بلقائهما وخصوصية هذا اللقاء، سنصل طبعا الي بورتريهات فنانين وعازفين ورياضيين لكن معرضا في المتحف للبورترية الحديثة يتحدى كل هذه المهابة والثقل اللذين يبدو فيهما المجتمع الانكليزي بتراتبه، ففي البورترية الحديثة نجد عبقرية اللعب بالوجوه، التشويه البليغ. التعبير الفظيع والهازئ من كل بورترية وكل وجه، هكذا ننتهي من صحبة كل هؤلاء الكبار الى صدمة، ففي المكان الذي يبدو فيه الهواس الانكليزي التاريخي في تجليه الكامل ثمة صفقة مع الشارع. مع العصر.
<<تات>> الحديث يذكر ببوبور الفرنسي، انه على نسق مصنع. بل هو مصنع تحول الى متحف، لكن تات من الخارج لا يعرض احشاد المبنى المعدنية وسلالمه وداخلياته كما يفعل بوبور، ربما لأن <<تات>> مصنع حقيقي فيما بابور مصنع خيالي بل مكان لتجلي المثال المعدني والآلي، مدخل تات عبارة عن نزلة واسعة وطويلة للغاية وعارية تقريبا شبيهة بمدخل مستودع. من الصعب بالطبع رؤية محتويات تات الا خطفا، عليك بارشاد مي غصوب التي تحفظ المتحف غيبا ان تختار سلفا. ترى ما تحب ان تراه وتنسى الباقي، ترتيب تات لا يقوم بالاسماء بل بالأعمال. هكذا لا يسعك ان تفرز أو تستثني، عليك ان تفتش عما تريده وسط الكل ولا بد من ان تمر ولو سهوا بالكل، ترتيب لهذا يخالف كل ترتيب وفي أي متحف. ربما هذه ايضا من انفرادات المتحف أو صرعاته ربما يعني ذلك ان الفن الحديث لا يقوم بالأسماء ما دام ينزع الى طي التواقيع وزوي الأشخاص والامتياز الفردي.. ربما.. ربما.. لكن الأكيد ان البحث بين أعمال لا يجمعها سوى الموضوع فحسب يجعل من المتحف فوضى هائلة مشعة وغريبة. اليس هذ هو الفن المعاصر.
لن نهتم هذه المرة ببيكاسو والسيرياليين والتجريديين. سنمر بهم بسرعة. سنرى كثيرا من المراحيض الموقعة لكن بغير توقيع دو شامب، مراحيض بلاستيكية وفخارية. لكننا سنرى أيضا صيدلية كاملة كما هي الصيدليات، رفوف تملأ الجدران بمختلف القناني والأدوية وكونتورات وصندوق للدفع. لا شيء يختلف هنا سوى يضع أوان غير ملحوظة تركت في أرض الصيدلية ولا تشكل في الحقيقة فارقا يذكر. انها صيدلية فحسب لكن <<هيرست>> أخرجها من الاستعمال الصرف وجعل منها عملا فنيا وقعه انها العاديات، أي عاديات لا يحتاج الى اكثر من توقيع، من لمسة، من متحف لتغدو فنا. تلك جماليات الواقع. هيرست نفسه كان قد حمل الى المعرض في عام مضى نصف بقرة مسلوخة دامية، حملها بالتأكيد من عند القصاب واكتفى، فلنصف بقرة مسلوخة <<جمال>> وفن لا يحتاج الى أي زيادة، لا يحتاج الا ان نراها في معرض ونتناولها كعمل فني.
تحمل صورة جانبا من معرض ماض لسارة لوكاس، انها عارية تحيط خصرها بفروج منتوف يغطي تماما ما بين ساقيها. فعلت ذلك في معرض سابق واستحقت عليه ردودا كثيرة وضجة. أما اليوم فهي تعرض على أرض الغرفة أشياء كثيرة. سوتيان ومرحاض وأغراض كثيرة منثورة على الارض. ثمة فنانة غيرها نقلت غرفة نومها كاملة الى المعرض. غرفة نومها مع بعض الواقيات الذكرية، منفضة مليئة بأعقاب السجائر، أما ريبيكا هورن الشهيرة اليوم فصنعت لعبة هائلة ومثيرة. بيانو معلق في السقف. دقات طبل وتراه يسقط من فوق وتخرج سلالمه. يسقط الى حد طبعا وعليك ان تنتظر ضربات طبل أخرى قبل ان تراه ارتفع وعاد الي موقعه، نسيت اسم الفنانة التي عرضت عشرات الصواني المطرّقة تماما مع كل ما حملته من صحون وفناجين معدنية. مطرّقة وما عليها تحول الي صفائح مسطحة. معلقة ولا نراها الا عبر ستارة مصنوعة من خيوط نازلة من السقف. هذا بعض ما اسعفتنا العجلة برؤيته، يتراءى لي ان العجلة والنظر السريع نسبيا جزء من ان الفرجة نفسها، فهنا ليس الافتتان والغوص في العمل والشراكة الوجدانية هي العلاقة المطلوبة. الارجح ان التلقي يغدو هو الآخر يوميا ومحايدا وسريعا ايضا. جماليات الواقع تنتظر، اذا جاز التعبير، تلقيا من النوع نفسه. هناك التهريج، الكيتش، اللعب. كل ذلك يخرجنا من تأملية الفن وتراجيدية ويقطعه عن <<البحث عن الذات>> الشهيرة و<<اعرف نفسك>> السقراطية.

يوم أحد

كان يوم أحد ذلك الذي اختارته بانيبال لمهرجانها الشعري العالمي نهار أحد في معهد الدراسات الآسيوية الافريقية في جامعة لندن حيث نمر بمحاذاة مكتب ن. س اليوت قبل ان ننعطف الي الجامعة. لم يتوقف امجد ناصر عن تحذيرنا من ان لا نتوقع كثيرين في القاعة، هذا يوم أحد والناس في عطلة والجامعة مغلقة بالطبع وهو يوم مشمس ولا شيء يتقدم على الشمس عند انكليزي، كانت ملاحظات وجيهة الى الحد الذي اقلق مرغريت او بانك وصموئيل شمعون الذي اعتذر بأنه لم يستطع ان يحجز قاعة سلطان بروناي الا لهذا اليوم. حين وصلنا قبيل الوقت لم نجد سوى قليلين، صحت توقعات امجد لأول وهلة وعلا سيماء صموئيل همٌ <<جدي، كانت القاعة فوق ذلك كبيرة وضعنا فيها، شعرنا كما لو ان ضحية هذه القاعة واليوم المشمس وبدت فكرة المهرجان الشعري فجأة بائسة وبلا جدوى. زاد في رثاثة الحال ان شمعون بحث عن الميكروفون فلم يجده. انه نهار أحد ولن يجد احدا يهديه اليه. كان فقدان الميكرفون انذارا ساخرا بالطبع واشارة لا ترد لركاكة الوضع الذي وصلنا اليه، بدا الامر بالنسبة لي كوميديا والمفارقة واضحة بين عالمية المهرجان وفقدان الميكرفون، قال امجد ان المهرجان نجح العام الماضي فقد احسن اختيار اليوم والمكان. تفرقنا شللا صغيرة وبدأت أحادث الاصدقاء الكثيرين الذين غابوا عني منذ وقت طويل من دون ان انتبه الى ان الكراسي تمتلئ بأشخاص يصلون من دون ضجة ويجلسون دون ان يعجلوا مثلنا الى ملاقاة اصدقاء قدامى. كانوا جمهورا بحق وجاؤوا للاصغاء. لم نعرف متى سنبدأ لكن جوا من الجد بدا يهيمن ولم نلاحظ الا بعد وقت ان الكراسي تمتلئ وان عشرات جاؤوا من كل مكان. اكثرهم لا نعرفه. اكثرهم ليسوا عربا. لم تعد القاعة فارغة ولا شاسعة، لم يعد الوضع مفارقا وساخرا، لم يعد الشعر مطرودا وبائسا في يوم أحد مشمس في لندن، لم يعد الوضع ركيكا وباعنا على الرثاء. لم نحتج الى ميكروفون لنعرف ان للشعر موضع ومنبر وان اكثر من مائتين ينتظرونه في صمت وترقب، كان قد مضى وقت على الموعد وآن ان تصعد مرغريت وتفتتح المهرجان.
بدأ المهرجان مديدا، صعد امجد ناصر وقرأ قصيدة فريدة يتحدث فيها عن خاتم لسعدي يوسف اهداه له وجرّ عليه شرورا كثيرة، قصيدة لا مثيل لها في شعرنا كما اظن، قرأها بصوت هادئ وواضح يحاذر ان يطغى على الكلام، كان ذلك أكثر من مداعبة بالطبع وأكثر من حكاية ايضا فقد كان هناك سر بل ولعنة ومعني خفي ومقلق. ميتافيزيا ساخرة في خاتم سعدي يوسف الغريب والمؤذي، كان الشعر على نحو ما حاضرا في هذه الهدية او هو معناها الضمني، صعد الشاعر الصيني فتكلم عن لندن، الفاؤه كان اشبه برحلة في المدينة عامرة بالمفارقات والصور، صعد الشاعر الجامايكي بقدمين محطمتين ولم يستطع ان يصل الي المسرح الا لمشقة كبيرة كان شعره خارجا من معاناة وعميقة، من بئر. من سجون وسلاسل واعتداء فظيع، رِثى عبد الكريم كاصد زوجته صعد سعدي الذي استقبل بتحية مجلجلة من العرب والانكليز وقرأ قصيدة عن الشعراء وللشعراء، قصيدة صداقة ولكن ايضا عتب وملامة، حيث ينجو الشعر يسقط الشعراء، حين تربح القصيدة تخسر الصداقة. صعد كاظم جهاد وقرأ قصائده القصيرة التي تحبكت بلغة بورخيسية اسرارا عظيمة من اشارات وامضة وملاحظات اشبه بنقوش بل ووسم على الجلد احيانا، صعد حسين النجمي وقرأ مرثية صحراوية مشت كقبر مفقود في سماء لندن قرأت الشاعرة الباكستانية وقرأ الدانماركي والانكليزية، فاصل ونصعد معا وجميعا الى مقصف سريع. كان ثمة وقت آخر الآن وبالنشوة نفسها اكلنا وشربنا لنعود الى القاعة التي سال فيها الوقت وسال الجو وتقاطعت اللغات والصور والأسماء. صعد شعراء وشعراء وامتد المهرجان ثلاث ساعات كاملة. بقي الجميع تقريبا طوال هذا الوقت يصغون. لم يتحركوا من اماكنهم. تحقق الشعر بالتأكيد أو وجدت من قلب هذا العناء والانتظار والمشاركة لحظة فعلية للشعر. وجد الشعر بموازاة الاحد والنهار المشمس، حين خرجنا من القاعة فوجئنا بالعالم، كنا عميقا وعميقا في الداخل ولم ننتبه كم جدارا تجاوزنا وكم قطعنا من مسافات في أنفسنا واحلامنا وأفكارنا قبل ان نخرج
الامسية العراقية كانت شيئا آخر ففي القاعة الصغيرة التقيت بجزء كبير من عالمي وذاكرتي، معظمهم اعرفه من بيروت. اقترح سعدي الأمسية وقدمني فيها امجد بكلمة كانت بالنسبة لي هدية اللقاء كله، فهذه واحدة من المرات القليلة التي ينتسج فيها الشعر والصداقة بالخيط نفسه وتبدو علاقات النصوص بشفافية وزخم العلاقات الشخصية، ارشدني أمجد في كلمته الى القصائد الذي قرأتها. كانت مناسبة أيضا لاتكلم عن ديني الشعري الشخصي لسعدي. وفي الصالة الضيقة وبعدها في البار التقى الغرباء وعمرو بكلماتهم ولغتهم المهجورة تذكارات ومضوا.

*****

قصيدة ممكنة عن الضاحية

لا أعرف شاعراً كتب قصيدة عن الضاحية ولا أظن ان قصيدة تغني دمارها ممكنة، سنقرأ بالطبع قوافي وأوزاناً لكن من ينتبه. العيون التي فتحتها الصواريخ في المباني ستبقى لفترات طويلة ذات نظرة رهيبة لن يستطيع الشعراء مقابلتها. لن يعرفوا ماذا يفعلون بضلع إسمنتي مكسور. كيف يرون جناحاً باطونياً هاوياً. كيف يتأملون تلك المجلدات الحجرية النائمة على بعضها بعضاً . سيخافون أكثر من هذه الديناصورات المعمارية التي اختفت بدون صراخ. ولن يستطيعوا بالطبع ان يجدوا قافية لأوذيسه الردم التي لا تنتهي، لتسونامي الردم وموجاتها المقلوبة على بعضها. للقلوع المهتزة في أعالي البنايات وللأسمال الحجرية التي تنازع فوق ولليباب الهائل الذي ظهر فجأة. سيفزعون اذ يسمعون النداءات التي لا تزال تغرغر والتي تحولت إلى نشيد حجري أصم. سيفزعون لأن الموت لا يزال اخضر هنا ويمكن ان ينفجر فجأة كربيع جنوني، لأن شيئاً يمكن ان يدب في هذه التجاويف القمرية، شيئاً من الروح يمكن ان يسري في هذا الكوكب المنهار. أين نجد قافية بهذا الحجم يقول شاعر اعتاد على ورد الجنائن. أين نجد وزنا لهذا الزلزال. سيفتش شاعر بحق عن عشبة في الشقوق، عن منديل وسجادة مهدبة، عن مسبحة وعصا مكسورة، اذ ان حساب الزلازل والانفجارات الكوكبية وهيجانات الطبيعة أمور لا مفردات لها .
يمكن للشعراء ولغير الشعراء ان ينتبهوا إلى ان هذه المدينة غير المسماة، والتي تكلمت غالباً بمقاييس وأحجام هائلة، لم يسمعها أحد، ولا نعرف إذا كانت خاطبت الشعراء أو فكرت بهم. هذه المدينة غير المسماة لم تطلب كلمة من الشعراء وحين كان عليها ان تختار وجدت الكلمة التي فقدت من قاموسهم. لم تكن المسألة مسألة كلمات. كانت كراهية الأم الأولى والأم الثانية وانكسار الأب مركب عذاب تداوى خفية عن الجميع، بالنسيان كانت الغيبوبة العظيمة وفي الغيبوبة وربما منها ولدت جبال من حجر وإسمنت، وُجدت عمالقة وأطنان من الركام، قامت مدن بادعاء مدن أخرى ومن أكاذيب مدن أخرى ومن خداع بريق مدن ثانية. في الغيبوبة وجد واقع متأخر عن نفسه بسنوات ضوئية، لا لغة بالطبع لأمكنة ولدت من انفصالات لا تحتمل آلامها إلا بانفصالات ثانية. من تروما لا تداوى إلا بقدر من الاختفاء. كنا غير مسمين على أرض غير مسماة نعيش في هذا اللا مسمى لنكره مدنا أخرى، لنعبد مدنا أخرى. ليس لنا قبَل بأم ميتة ولا جنة بدأت كأم، بأب انهار عقاله وشاربه قبل ان يغدو هو نفسه أبا. كنا فجأة آباء أنفسنا ورجال أنفسنا وبكراهية لحنان عاجز وعذاب برجولة مزدراة. الاسم المفقود غدا لا مسمى والعالم المكروه غدا شاغرا. كنا فائض مدن وفائض حياة وفائض بشر وفائض زحام وهنا حيث لا سحنة لأحد كان علينا ان نتنقل بلا وجوه في سديم غير معلم ولا محدود. هنا لا شيء سوى مكان بين أمكنة، قامت أسواق الضرورة ومدارس الضرورة ومآذن الضرورة ولم ننتبه. لم يوجد شيء لأجل ان نبصره. لم يكلمنا شيء، سوى عشبة في رؤوسنا، سوى سمندل غريب انتسب لنا من طرف العالم .
لم يكتب شاعر عن الضاحية، هل يمكن لشاعر ان يقول شيئا عن مساحات مهدمة تحتاج إلى توبوغرافي، إلى فلكي، إلى مخطط مدن، إلى سينمائي، إلى كومبيوتر أكثر منها إلى شاعر. إنه ركام على ركام، وسهول ركامية. هل ننحرف فنتكلم عن جمال هنا، أم ان الركام الحقيقي على لساننا. اذ في هذه الغيبوبة المديدة لم توجد مفردة ولا سحنة ولا هيئه لهذا الذي استحال الآن ركاماً. هل نتكلم عن تاريخ مفقود لم نشعر به إلا ونحن نراه منهاراً. هل نتذكر الآن ما مر بوصفه تكرارا لا يذكر. هل نفكر الآن بلغة لما لم نعطه اسماً ولا أوصافاً، لنر على الأقل . لنبصر على الأقل الحياة التي لم نعترف بها، الإنشاءات الهائلة التي اعتبرناها فقط مضادة للعمران، الأحياء التي مللنا من ان لا نستطيع مغادرتها وغادرناها دائما بالروح والفكر. لننظر الآن، من صنع كل هذا الركام الذي لم نتخيله أحيانا كثيرة إلا ركاماً. لننظر لقد كانت هنا بالتأكيد تفاصيل وأوقات وأشياء صغيرة قبل ان يغدو كل شيء مقاسات جهنمية. لنبحث الآن وسط كل ذلك عن عشبة بين الشقوق، عن دمية، عن مسبحة، عن عباءة، عن مكحلة، عن أدوات زينة. كان هذا هنا بالتأكيد، انه يلمع بالكاد فوق التراب، لا تحسبوه دموعاً، لا تحسبوه خداعاً صيفياً. كان هنا نساء جميلات وغير جميلات، رجال رائعون وغير رائعين، أطفال وأطفال تتكرر ضحكاتهم في المنازل، كان هناك بخار شاي وبخار حساء ومخادع تصيح بالرغبة وصبايا أجمل من العنقود. كان هؤلاء هنا وقد زالوا الآن فهل يمكن اختراعهم. هل هناك آلة للذاكرة تعيدهم صوراً أو أوهاما أو أفكارا أو أغاني أو أساطير. هل هناك ما يمكن ان نسميه مركب الغياب، مرض الواقع، أو مرض الذاكرة أو المخيلة، مرض كراهية الأمهات أو العجز عن رؤيتهن كادحات وبائسات، ومرض اللغة نفسها. هل ستقول لنا جبال الأحجار والركام هذه مزيداً عن أنفسنا، هل نجد إلا ركاماً في دواخلنا. الحياة والزمن واللغة شقع لا غير .
نتعجب ونحن نرى هذا الركام أو لا نراه مجدداً . نتعجب فقط من الهول لكننا لا نبكي، دمعة الندم إذا وجدت ستكون اكبر من صخرة وستسحقنا. ربما سيكون لنا، في الألف القادمة درس ان نكون أسوياء. ان نحب أمهاتنا جميلات وغير جميلات، ان نحب أنفسنا ولا نسقط تحت نرجسية رجولتنا المزدراة، ان يكون لنا بيت وموطن وحياة .
مثل كل الناس، الذين عاشوا في الضاحية أو لم يعيشوا كان لي شيء في الضاحية، أصل ليس له ذكر ولا سحنة ولا يعد بين الأصول. كان هنا الكلام الأميري والمائدة والمنادمة والمغامرة اليسارية ولائحة الرجال وعبق دخانهم والحريات غير المسماة وحب الزحام والتيه والدوران في الشوارع والحارات والناس والضيافة. كان لي شيء هنا، قميص هنا، جلد هنا، كان مقدرا ان ننسى الضاحية لنغدو رجالا، كان مقدراً ان نكرهها بدلاً عن أنفسنا، كان مقدراً ان نخجل بأكثر أيامنا رغبة وحرية وطلاقة كجزء من مرضنا مع الواقع. لم نعد كثيراً إلى الضاحية، بعضنا صار يتكلم عن الزحمة والحفر وأشياء أخرى، لقد دخلنا في نسيان متبادل وعزلة متبادلة. كانت عدميات تولد من عدميات، لا داعي للندم. الركام والردم يقعان أيضا في ذاكرتنا ودواخلنا. لنواصل فقط جرح حياتنا، مرض الواقع هنا حيث يمكن للبؤس ان يتحول أسلوبا، حيث تعلمنا فكرة صحيحة عن الشفاء. لا احد يطلب كفارة، لأن الأبواب لا تطرد أحداً، لأن لنا دائماً شيئاً أول. ليس فقط عندما نموت، ليس فقط عندما يموت أصدقاؤنا. لنا بريد الوحل وجماليات الزحام، لنا أسماء على الأحجار وأحجار وقعت كأسماء. لنا فائض الحياة وفائض الباطون، حيث الجدران لا أم لها، حيث الجدران لا تكون عائلة. لنا البيوت التي لا تضيق والأبواب التي لا تطرد أحداً. لنا شيء تركناه في وسط الجريدة، في منتصف الغرفة، في أول الزجاجة. لنا منازل تُصنع بكرسي وموائد تُنشأ من طبق واحد، لا أحد يطلب كفارة في هذا المكان الذي هو حياتنا، والأبواب لا تطرد أحداً.

صحيفة "السفير"

*******

سنيـة صالـح ، "النشـيد الجسـدي"

تبدو الأعمال الكاملة لسنية صالح الصادرة عن وزارة الثقافة السورية وكأنها تأبين. اذ لا نمتنع عن الشعور بأننا امام نوع من حصر إراث، جمع شعر سنية صالح وقصصها ومقالاتها وأحاديث معها في رزمة واحدة وكأن ذلك اغلاق حساب نهائي. لا أفهم لماذا كل هذا الشقع الذي لم يراع سوى الكم واي مزية في ان ترصف مقالات سريعة وأحاديث سريعة الى جانب شعر مختمر ليس بالطبع مرتجلا ولا سريعا، ثم هناك هذا الترتيب الذي لا نعرف له مثالا والذي يحشر الفهرست بعد المقدمة مثلا. حسن مع ذلك ان تجمع اشعار سنية صالح في كتاب، اشعارها وحدها فالمرأة التي لم تعدل بالشعر شيئا تستحق ان تُرى كشاعرة وكشاعرة فحسب، بدون هذا الخلط غير المبرر مع اشياء تتفاوت مع الشعر، واحيانا الى حد بعيد. لقد حسنت النوايا بدون شك لكن النتيجة لم تكن هكذا فالشاعرة التي غُبنت في حياتها تنصف ببادرة غير جدية بما يكفي وكأنها احسان الى ذكرى قريب راحل. سنية صالح تستحق أفضل من ذلك.
بعد غياب سنية صالح التي حظيت برؤيتها مرة واحدة في بيت خالدة اختها، قرأت جل عملها الشعري تقريبا. بدا لي يومذاك ان شعر سنية لقية. لقية وتحتاج الى ان نحول طريقنا لنصادفها. يصعب ان نعثر عليها على المسالك التي تفضي الى واحد من القلة المهيمنة. يصعب ان تلتقيها على هذا الدرب الغامض الذي يسمونه الأدب النسائي. يصعب ان نجدها في ذلك الأدب المعمم الذي يبدو وكأنه خلاصة جيل او فترة. هذا لا يعني ان سنية صالح بلا شبه ولا أسلاف، هذه الدرجة من الفرادة لا تصح لأحد. «براءة» كهذه قد لا تكون سوى عاقبة الجهل او الاعتداد الضمني المفرط وسنية ليست في هذا ولا ذاك. لكنها بالتأكيد لا تنعم ببراءة الجهل او بادعائه. انها نموذج الشاعر الذي يكتنز، ليس تجربة ولكن قراءة ايضا، اذا كنا نفصل القراءة عن التجربة، بل هي من الشعراء الذين يعنيهم ان يكون نصهم من كثافة وتقاطعات تتخطى صوتهم المفرد. يعنيهم ان يكون هذا النص اكثر من اعلاء ذاتي وان يكون اكثر من تدليل للنفس وبوح شخصي. من نصها الأول «جسد السماء» تبحث سنية صالح عن أسماء لها، كاساندر، شادورا، مريانا، كارما، انها تضاعف عن نفسها بذوات اخرى، آلهة ونساء (دائما نساء صنعن تاريخاً) من النص الأول تبحث سنية صالح عن أنا لا تدلل نفسها، عن أنا لم تولد من ذاتها. انها أنا موثّقة اذا جاز التعبير عابرة ذوات وعابرة أزمنة وعابرة تجارب. بل هي أنا تجرّ في الغالب معها بانوراما كاملة. فهي تصل مع حشود زاحفة، كما تصل مع سلاسل وصراعات ومحن وانكسارات جسدية وروحية ورموز وأقنعة وأسلحة وأدوات تعذيب... الخ. أي انها أنا ترتد في النهاية الى أنا جامعة بل الى نوع من أنا عامة، من أنا غير شخصية. اذ ان «رواية» سنية صالح هي في النهاية رواية خاصة وغير خاصة، شخصية وغير شخصية، ذاتية وعامة، بل ان سنية صالح تدخل الى الشعر من باب هذه المعركة التي هي في النهاية قدر الانسان، انها معركة البشر، النساء بخاصة، مع المصير ولكن ايضا مع المضائق الصعبة، مع الاضطهادات والمهانات والعذابات المفروضة. الشعر يبدأ عند سنية صالح من باب صراع الفرد بقدر ما هو صراع الجنس كله، بقدر ما هو صراع البشر ضد قدر منظور وغير منظور. صراع لا يسع سنية فيه ان تفرز صوتها من صوت المجموع ولا أن تفرز جسدها من جسد المجموع. صوتها محشور وجسدها محشور. لكن الذي يصعد هو هذا الصوت المختلط، هو الصوت المتكسر في الاصوات والجسد الممزق في أجساد، بل ان واحداً من ترددات شعر سنية هو هذا الايغال الذي هو غالبا ايغال الصوت في زحمة الأصوات وايغال الجسد في زحمة الأجساد. اذ ان تخييل الصوت هو كتخييل الجسد بانورامي ايضا. الجسد هو جغرافيا جسدية شخصية وغير شخصية بمقدار ما ان الصوت هو دوي صراع خاص وغير خاص.
تبدأ سنية صالح على الدوام من مشهد بانورامي. لا أعرف لماذا تذكرني بالرسامة المكسيكية فريدا كاهلو، أجد لدى الاثنتين هذا الميل الى «ملحمة» او «بنرمة»، اذا جاز التعبير، الألم الروحي والألم الجسدي. فريدا كاهلو تبني من حطامها الجسدي وشللها اسطورتها الخاصة. ويتحول هذا الحطام الى تكوينات طبيعية ويتحول الجسد المعاق الى حصن بملازم وأربطة وضمادات. سنية صالح تلجأ الى التاريخ، تتسمى بأسماء من الاسطورة او من التاريخ. تخوض بهذا الألم في الغابات والمضائق والدهاليز، تكسر به عصورا كاملة. من النافل ان التاريخ في عين هذه الشاعرة ليس سوى هذه المشقات التي لا تنتهي. انه مسيرة الآلام والقسوة والصراع المهزوم. نجد شيئا من جلقامش في شتى قصائد سنية، البطل الوحيد الذي يتحطم لدى بحثه عن الحياة، لكننا نجد دائما هذه الاسطورة العامة. الاسطورة المغلفة ايضا بتاريخ حقيقي، تاريخ سلاسل وسجون ومؤامرات وعنف. هذا التاريخ هو نوع من «ارشتيب» شعري عند سنية، انه نوع من عمق قبلي، من استعارة كبرى، من أنا غير شخصية. تبدأ قصائد سنية صالح أحيانا كثيرة من مكان، مكان لا يشبه الامكنة، انه، على سبيل التشبيه، مزيج من غابة جلقامش ودهاليز التفتيش ورحلات خطف وبيع العبيد. اننا هكذا في ديكور كابوسي. لكن قصيدة سنية تبدأ غالبا من رحلة متخيلة، من لحظة صراع منهك. انها تبدأ من قصر دراكيولا، من متاهة هيتشكوكية حيث دائما اعداء مجهولون، معذبون بلا اسم قتلة ومتآمرون. طالما فكرت وأنا أقرأ سنية صالح بالسينما. ليس بأفلام معينة لكن بأجواء سينمائية. ثمة مخيلة تبدأ دائما من مكان افتراضي. ثمة بناء سريع وفوري لديكور اسطوري ـ ملحمي. ربما من هنا يمكن الكلام عن فرادة لسنية صالح، فرادة مخيلة قبل كل شيء. قد تتقاطع سنية مع شعراء جيلها، لكن ما يفردها هو هذا التأثيث الخيالي الذي كان بها وحدها، لربما كان في ذلك شيء من الطفلة المفتونة بحكايات الطفولة الغيلانية الدهاليزية المتاهية، لربما كان في ذلك شيء من عزلة الكائن الذي يتغذى من المشهد السينمائي. من شغف المثقف بعوالم اكزوتيكية. لكن، لننتبه، اسطورة سنية لا تشبه في شيء تلك العودة الايديولوجية لشعراء الانبعاث، من مجايليها. لم يكن في الأمر أي سؤال ثقافي، من قبيل سؤال الهوية الذي كان وراء الدعوة الاسطورية. عالم سنية صالح هو قبل كل شيء داخلي وديكورها الاسطوري الملحمي هو بالدرجة الأولى استعارة شخصية، انه شغف خالص ومخاوف ودواخل وجدت عبارتها في ذلك الجلد التاريخي، حيث يحل التاريخ محل اللاوعي وحيث يتحول الى لغة نفسانية.
ـ يسأل محمد الماغوط سنية محتارا كيف لا تهتم بمعذبي العالم، ليس سؤالا ذكيا سؤال محمد الماغوط بل ليس سؤال قارئ جدي. غريب ان لا يلاحظ ان شعر سنيه هو نوع من الأخوه العالمية في الألم. ربما حسب الماغوط ان المسألة هي في الدعوة، في اعلان التضامن، أي في الوظيفة النضالية. سنية صالح اكثر من كل شعراء وقتها تنتمي الى فصيلة العذاب الانساني. لا يحتاج الأمر الى دعوة من أي نوع، انها موصولة جسديا وروحيا بهذه المسيرة ولا تحتاج بالطبع الى اعلان تضامن، ما دامت تتلقى الضربات نيابة عن الجميع. انها المرأة حتى المرأة الأولى، الأم حتى الأم الأولى، الانسان حتى الانسان الأول. ثمة نفس بروميثيوسي في هذه المرأة التي تقاتل عن الجميع بدون كلل، بدون ان يتحول ذلك، الى تدليل للنفس او مذكرات شخصية، ثمة نشيد نبيل وقاس للهزيمة الانسانية والصراع اليائس للانسان «كاساندر، الانك خرساء يؤثرك الرنين».
القسوة كما لا ينتظر من امرأة وشعر امرأة. هناك بالطبع في شعر سنية صالح رواسب رومانطيقية، بعض العزلة وبعض الفرادة لا يسلمان من البراءة، لكن سنية في النهاية ليست كثيرة الأوهام. انها تتلقى جسديا حصتها من العذاب، وهذا الجسد هو الذي يتمزق في الصراع، او هو الاستعارة الاولى لهذا الصراع، انه صراع باللحم والدم والشرايين، ما من شيء خارج دائرة هذا الحس. يمكن ان نسمي شعر سنية ايضا «النشيد الجسدي» فالجسد هو الذي يتبادل مع العالم، انه يدخلن العالم، يستوعب دهاليزه وغاباته في احشائه وفي لحظة لا نتوقف عن الارتحال داخل الجسد نفسه، ارتحال هو ايغال مستمر فمن الواضح ان الجسد هو ايضا اوذيسة سنية صالح، جسد حقيقي واحشاء حقيقية لكنها من داخل الى داخل بحيث لا تنتهي. هنا ايضا فرادة سنية صالح، العالم في جسدها، اجرؤ على ان اقول هنا انوثة سنية صالح، هذا الحوار الجسدي مع العالم ومع المسيرة الانسانية.
سيرة خاصة وغير شخصية. انشاءات باروكيه من تاريخ وجسد. رحلة في الشرايين ولكن ايضا في الملحمة، الاسطورة. متى نبدأ قراءة سنية صالح؟

السفير- 5 اكتوبر 2007

*****

يوم في حياة باس بيضون

منذ فترة طويلة وأنا لا استطيع أن أخبر عن حياتي. عندما أُسأل عن جديدها لا استطيع جواباً. أجد فجأة أن ما يحدث معي يتلاشى مع نهايته، لا يترك بقايا. لا يترك حتى إسماً. أقول لنفسي انها السن. الاشياء تحدث بسهولة وتختفي بسهولة مع الوقت، نفعلها بوعي اقل وانحياز اقل وكأننا نفعلها لسوانا. انها الذاكرة، بلادنا الخلفية وسلوانا، تغدو مع الايام، مجرد منامة لجنود هاربين يرحلون عند الفجر. حياتنا نفسها تغدو جارتنا كما قلتُ مرة في قصيدة، اسمحوا لي أن استعير من نفسي ما استعرته من شاعر فرنسي قال بجرأة اكبر "حياتي ليست لي". لا يبقى لنا ما نخبره عن انفسنا لأن العقاب الذي تناله الاشياء هو ان تغدو متشابهة. من قبل كنا فريدين بطريقة ما. فريدين في نومنا واكلنا وشربنا ومشينا وحبنا وخصوماتنا، اما الآن فهو نوم كل يوم، وشرب كل يوم، ومشي كل يوم، وحب كل يوم وخصومة كل يوم. اي باختصار، شيء لا يقال ولا نملك خبراً عنه. أحياناً بالطبع، احياناً غير قليلة، نصنع في السر امراً فريداً. نصنعه هذه المرة بوعي وتركيز وموهبة كاملة وخلق صعب، لكننا مع ذلك نصونه في داخلنا. نصونه لكي لا يختفي مع فلتات لساننا ولكي لا يغدو خبراً. ربما لأننا نشعر بأنه نبت شيطاني من قبيل ذلك الذي عقده مفيستو مع فاوست. ربما لأنه لقية نحس بأننا سرقناها تقريباً ونخشى أن نقود اللصوص اليها. ربما لأننا نشفق على انفسنا من أن تكون نزوة وتصابياً. ربما لأن الكلام يزداد انفصالاً عن حياتنا فلا نزوده الاّ ما انتهينا منه ولا نلقي اليه بما لا يزال فيه عرق امل وعرق حياة. نخاف من فريدنا في هذا الوقت او نحبه اكثر من انفسنا، فالانجع الآن أن نكون متشابهين ككراسي مكتبنا واجندات مواعيدنا وساعات راحتنا امام التلفزيون المعينة بدقة نظام وجباتنا وأدويتنا. نجيب فوراً "لا جديد" ونرفض السؤال اصلاً أو نرتاب فيه. انها دورة كل يوم ومن يتكلم عن دوره.
سأقول انني استيقظ...، حمداً لله أنني لا أعرف متى استيقظ، غالباً لا اتمّ نومي. أفيق في لحظة منه وكأنني تعبت من الاستمرار فيه. النوم الرحيم لا يكون دائماً رحيماً. احياناً أحسه شاقاً وطويلاً للغاية. في الواقع استريح منه مرات فلا استيقظ مرة واحدة. هناك يقظة اولى امضيها في انتظار النومة الثانية. على سريري، جنب وسادتي كتب غالباً، لا اضعها قاصداً ولا اعرف كيف تتجمع دائماً. اتناول واحداً منها، أي واحد. المقصود هو مغالبة الانتظار. اقرأ شطراً ويأخذني نوم هانئ هذه المرة. هانئ لأنه اشبه بقيلولة صباحية. انه الجزء الذي لا يدخل فيه النوم انفاقاً مظلمة بل يتمشى على شواطئ واحياناً على جسور عالية. لكن هذا الحديث يجرني الى أصل المسألة وهو حكايتي مع النوم.
فكرت مرة بأن اكتب كتاباً عن هذه الحكاية، لكنني حين حاولت وجدت انني لا املك الكثير لأخبره عنها. لقد ضاعت مصارعة أيام طويلة ولم تترك وراءها سوى عناوين غامضة. كان يمكنني لولا ذلك ان اكتب مجلداً عن الارق، الأرق الذي يسلّمنا اليه قلق لا ينفك، لكن جريان النهار يلهيه ويتركه يقظاً منتظراً. ما بالك وقد انفرد بك بعدما غادرك كل شيء ولم يبق لك سواه. وسواس صغير في الغالب لكنك لا تعرف من اين تأتي الغيلان. لا تعرف كيف يرتفع السرير في الحجرة، وتشخص اليك الكتب، ويغلف الغرفة ضوء كهفي، ويتصبر الجسد عاجزاً عن الدخول اكثر في نفسه، ويعلو جدار في صدرك. اشبّه علاقتي بالنوم بقصتي مع السباحة التي لم اتقنها في يوم ولا تزال كل سباحة لي خطرة وجديدة وغير مؤكدة. لست بالطبع من الذين يرتدون بيجاماتهم ويعرفون في ساعة معلومة ان عليهم ان يتوجهوا الى حجرات نومهم ليندسوا في اسرتهم ويطفئوا منها اللمبات او الثريات. احسب انهم في الغالب يغلقون أعينهم مع هبوط العتمة وينتظرون ان يأتي النوم. لو فعلت أنا ذلك لاستدعيت الارق. لطار النوم مع كل حركة من هذه. لما صبر حتى البس بيجامتي او اتوجه الى حجرتي. وبالتأكيد كان طار ما ان أُطفئ اللمبة واجد نفسي في عتمة كاملة. بالتأكيد كنت جلست في سريري وحدقت في العتمة بعينين كبيرتين صاحيتين. استراتيجيتي للنوم غير ذلك تماماً. انها قائمة على فن آخر هو المخادعة. اتشاغل بأي شيء. اتمدد في الكنبة امام التلفزيون واشاهد فيلماً، احس بالنعاس لكني لا اجفل النوم. لو ذهبت الى التلفزيون واطفأته واغمضت عيني استعداداً لكان فهم انني متهيىء لملاقاته ولكان هرب. اشعر بالنعاس واتغافل عنه. استمر في مشاهدتي او قراءتي او كتابتي (نادراً ما يكون ذلك كتابة) ويتعمق النعاس لكني اصبر عليه وابقي على تجاهلي لي. الى أن يكتمل في عيني ويشملني على الكنبة والتلفزيون مضاء واللمبة في عزها، نوم كامل وشاق تقريباً، لكنه نوم. انام وانا لا ازال اتابع خدعتي فاستمر في رؤية التلفزيون من وراء جفوني المغمضة، وفي سماع الموسيقى من وراء أذنيّ. وفي النوم كأني لا ازال في اليقظة. لا اسمع شخيري بالطبع لكني متأكد منه. أنام بملء الشعور بأنني لا ازال في ثياب الخروج وانني على كنبة وليس عليّ غطاء كاف. أي انني انام بدون الاحترام الكافي لحالي وللنوم، كمن ينام على مقعد في قطار غير دار اين يلقي رأسه، او على مقعد في السينما تحت العيون المستغربة. انفض عني هذا النوم الشاق واتوجه هذه المرة الى غرفتي لاخلع برماً ثيابي وافرّش اسناني (اذا جاز فعل افرش). برماً لأني هذه اللحظة هي تقريباً الصفر في الزمن، وكل حركة فيها زائدة واصطناعية. اتمدد على فراشي فأتابع نومي او اتناول كتاباً عن يميني لأعاود القصة التي حكيتها أعلاه. النوم، باختصار، زائر عليَّ أن أغويه. ليس في جسمي ولا تحت جفني. زائر يسلس أحياناً ويتنمر احياناً اخرى ولا حيلة لي معه لأنه زائر وغريب وقد يهرب وقد يتمرد. يحصل احياناً، لاسباب وبدون اسباب، أن لا يأتي. انها بالطبع فترة رهيبة، أن لا تغلق اجفانك طيلة ايام ولا تنام الا بعد أن تقع من التعب، وغالباً بمحرض خارجي، وبكبوة خاطفة، لكن هذه حكاية. ما دمنا في اليومي فلنبق في اليومي.
ضاع جل حديثي على النوم، أليس هذا هرباً لاواعياً. أما في اليقظة التي ليس لها وقت، فأحب أن اقول، بدون يقين انها بين السابعة والتاسعة غالباً، فأجلس في سريري وأعيد ترتيب وسائدي فهي كثيرة، وسريري، الذي صنعته بأول معاش من وظيفة مضى عليها 35 عاماً، بلا ظهر، ابدأ بقراءة أي شيء أجده جنبي. قد يكون رواية او بحثاً او ديوان شعر، وقد يكون جريدة الامس. أنا هكذا اغافل عملي وأؤجله ما استطعت، حتى اذا زاد احساسي بتهربي عمدت الى عملي: قراءة مقصودة او كتابة مقصودة. لا اخفي انني أذهب الى الكتابة بنفس ثقيلة وممانعة خفيفة. تحتاج الكتابة الى عمد وتأهب وتركيز وكل هذا يخرجني من تلك المجانية التي يسوقني اليها الصباح وذلك الطبع الكسول الذي استيقظ عليه. احتاج الى فترة تحمية هي غالباً قراءة تسبق الكتابة. لا استطيع، وعذراً، ان اوضح كيف تسبق القراءة الكتابة أو تسهلها. اتكلم طبعاً عما يسمّى وعذراً لأنني لا اجد في متناولي الآن مصطلحاً آخر: الكتابة الابداعية، وهي غير المقالة العادية في الجريدة. لا استطيع أن اوضح كيف يمهد كتاب تاريخ او رواية او حتى مقطعات لينتشه لكتابة قصيدة. وكيف يكون ذلك من ملابسات القصيدة ومقدماتها، بل وان يدخل، على نحو ما، فيها. لا استطيع ان اشرح فهذا في الغالب من اسرار عمل قد يكون كله اسراراً (بالمعنى المسيحي لكلمة السر).
اضعت وقتاً كثيراً على النوم واليقظة، ما يدعوني الى الايجاز. اذهب الى عملي في الأولى او الأولى والنصف او الثانية ولي طمع دائم في صبر زملائي. اعمل لكنني افني وقتاً اكبر في لقاءات، ازعم لنفسي انها جزء من عملي، ولماذا لا اعترف بأني احبها، وأن لا ضرورة في أن يكون الشاعر، اتذكر الآن اني شاعر، برياً ومكتفياً بالجلوس الى نفسه. يزورونني غالباً بلا موعد ومن يتلفنون لي طلباً لموعد اشعر انهم يكرمونني كثيراً ولا أجد طريقة صحيحة للتعويض عليهم. احب حتى زيارات مجانين الكتابة الذين يأتون عاتبين، واحياناً بصخب، لأن واحداً مثلي بلغ به غروره ان لا ينشر لهم كتابات وجدها من هم اكبر منه بكثير تاريخية. افكر ان هذا يستحق موضوعاً على حدة. زيارات الناس تشفيني في الغالب من حاجتي الاجتماعية. لكن هذا لا يمنع من أن أتوجه بعد انقضاء العمل الى مقهى ستاربكس لأجد من احادثه. حين لا أجد أحداً اشعر بمهانة تقريباً، واحس ما يعنيه توسل او تسول محادث من الوحدة والترك، حينها لا أدخل.
بقي أن اتكلم عن الساعة التي عليّ أن أمشيها. انها فرض طويل وسيزيفي. اقطعها الى لحظات لكنها، وللسبب نفسه، تكاد لا تتحرك كما يفعل السهم الزينوني. تزداد طولاً مع ذلك ويغدو المشي نفسه عبثاً وكأنه بلا وقت. أي صبر جنوني يدعوني لأن استمر. اتجرع الوقت بملاعق صغيرة كما يقول اليوت واحياناً بمقادير اقل. يدخل الوقت في دورتي الدموية وفي تنفسي. ادور في كل مكان ورأسي مستمر في تعداد عصبي. دقيقة بعد دقيقة تنضاف الى جسمي. في النهاية اتحول صبراً خالصاً. لكن هذا رائع تقريباً. أجد فجأة في جسدي الساعة المفقودة في حياتي. ساعتي الروحية والبيولوجية. يغدو هذا الجسد الأخرق منتظماً كآلة. وشيئاً فشيئاً أحس أن العالم كله في قدمي. يا للتعب اللذيذ كالحب.
ما أجمل أن اذهب لأنام. سجلوا انني انتهيت كما بدأت. انها ايضاً دورة سيزيفية.

النهار- 30 مايو 2006

****

أرغن باخ وقصر الأساقفة وساحات العصر الوسيط.. طريق القراءة في قطار ألماني

كنت اعرف أن بترا رتبت كل شيء، بطاقات القطار اشتريت سلفا، وكان يكفي أن انظر في الجدول الذي نظمته لأرى كل شيء مدوّنا. موعد الرحلة، من سيرافقني أو على الأقل من سيستقبلني في المحطة. كنت واثقاً من أن خطأ ما لن يحصل لكني لم أكن بالطبع واثقاً بالدرجة ذاتها من نفسي. لا اعرف كيف أُترك لأذهب وحدي إلى المحطة وأجد وحدي قطار دوسلدورف. ميشائيل الذي يعرفني جيدا كان أيضا غير متأكد وهو مثلي يفضل أن لا اترك وحدي لحظة واحدة، كان الوقت فات لإبلاغ السيدة التي ستنتظرني أمام القطار أن من الأفضل أن تذهب لتصطحبني من الفندق، الوقت فات وهذا يعني أن لا داعي بعد للقلق. حلت المسألة على نحو غير سار طبعاً لكن لا داعي بعد للتفكير فيها. أظن أن ميشائيل نفض المسألة من رأسه وعليّ أن افعل مثله، عندما تصل الأمور إلى هذا الحد أتوقف أنا أيضا عن التفكير لكن المسألة تبقى كالحجر الجامد في رأسي. غدا سخيفاً أن أظل اردد أنني لا اعرف الألمانية، الأمر لا يحتاج إلى أكثر من أن اردد اسم المدينة دوسلدورف أمام أي كان فيهم، لكن كان عليّ بالطبع أن أحفظ جيداً الاسم وان ألفظه كما يسمعه الألمان وإلا فلن يفهموا، أو لن يبذلوا أي جهد ليتميزوا شيئا من لفظي السيئ. كان سائق السيارة عربياً وسألته أن يلفظ أمامي الاسم لكي لا أُخطئ في نطقه. للحال اظهر العربي براعته ولفظ الاسم بطريقة أدركت في ما بعد أنها ليست صحيحة، لفظ السين زاياً (حرف الزاي بالمناسبة لا يوجد على الإطلاق في الألمانية) لكني صدقته، لم أتذكر في هذه اللحظة كيف ينطق صديقي هارتمان كل زاي سينا.
لم تكن المحطة هائلة كمطار فرنكفورت، المدينة التي تعد بمئات الآلاف ومع ذلك فهي عاصمة المال في ألمانيا. الردهة لم تكن حاشدة لكني لم أضيع فرصة للوقوف أمام المخبز أو المكتبة أو ماكدونالد الصغير في الزاوية أو المقاهي فأنا أجد متعة في تأمل أسواق المحطات أو المطارات، حيث يمكن انتهاب كل شيء بسرعة في الزمن المعلق الذي يفصلنا عن موعد السفر. لفنجان قهوة بالتأكيد طعم هذه اللحظة الهاربة لكني لم ادخل إلى المقهى. كان عليّ أن اسأل أحدا عن قطار دوسلدورف بين القطارات العديدة الراسية بين الأرصفة، المهم أن أحسن اختيار الشخص، لم أجد في الواقع واحداً تنم هيئته عن انه سيستجيب، تراءى لي أنهم جميعا مستغرقون في أنفسهم ولا وقت لديهم فعلاً ليستمعوا لي، في وسعهم جميعا أن يرفضوني الآن، إلا ينظروا إليّ كمتطفل، أو أن يجيبوا عني وأنا أحاول أن اخرج من فمي تلك الكلمة الوحيدة التي اعرفها "دوسلدورف". اخترت في البدء شاباً صغير القامة، ربما طمأنني حجمه أو هيئته المنمنة، لم انجح حتى في أن اجعله يدير وجهه لي، لحظني هنيهة ثم لوى عني كما لو كنت متسولاً، بدا الأمر أصعب مما خمنت. تفاديت الكلام مع آخرين رغم أنني لم انظر في وجوههم، لقد أرسلتني الصدمة بعيداً. وجدتني في النهاية اسأل رجلاً ضخماً بملامح كبيرة وغليظة تقريباً، لم يبتسم لكنه سار ولحقته إلى أن وصل إلى رصيف وتأمل على اللوحة قبل أن يقرر أن هذا هو القطار. كان القطار فارغاً تقريباً. نفذت من حافلة إلى حافلة بدون أن أرى أحدا. من سنين لم استقل قطاراً، أخذت أتأمل الواجهات الزجاجية القمرات المقاعد المنفردة قرب النافذة الكراسي الجلدية، لا أحب ضيق القطارات لكني أتعجب دائماً من هذا العالم الذي يجري بناؤه في المكان الضيق، قمرات وأمكنة حميمة ومطعم وكوريدورات، كان هذا أشبه بنملية (من النمل).
وصلت إلى مقعدي، لكن المرأة التي سترافقني إلى دوسلدورف لم تظهر بعد، كانت هذه مشكلة أخرى. ماذا لو لم تأت، أما كان هذا سيرميني ليس في لغة لا افهمها فحسب بل في مكان لا اعرفه، شيء لا يمكن تخيله إلا ككابوس. ماذا لو لم تأت، أكان صحيحا أن تعلق شيئا بهذه الخطورة على موعد، على مجرد الثقة بالموعد الألماني، كم هي الأمور التي يمكن أن تتدخل لتمنع موعداً. أليس مستحيلاً أن نجر الزمن بخيط واه كهذا، لم تأت المرأة. كان عليّ أن اهرب إلى الأمام، أغادر ثانية باتجاه فرنكفورت. هممت أن افعل لكن المرأة التي لم تتأخر حضرت في الموعد الذي بكرت أنا عليه.
عدت إلى مقعدي لكن المرأة اعتذرت بأن بطاقتها في الدرجة الثانية ولا تستطيع أن تجالسني. انتقلت معها إلى الدرجة الثانية وتحدثنا طويلاً، أسعدني أنني أنجزت كل ذلك فطابت شهيتي للكلام. المرأة التي كانت تتكلم فرنسية حسنة استرسلت معي أيضا، اللغة الثانية تحررنا قليلاً، رغم أننا نتصارع معها طوال الوقت. ما أن نتوقف عن الخوف منها حتى نفاجأ بأن رأساً آخر، بدأ يعمل فينا، ليس رأساً آخر تمامآً ولكننا نتكلم بلا مسؤولية كأن شخصا ثانيا يتكلم.
في دوسلدورف قادتني المرأة إلى منزل هانريش هاينه الشاعر الألماني الذي أحببت ما قرأت له، إنها من جمعية هاينه التي دعتني مع ميشائيل كليبرغ للقراءة، فتحت الباب بأن أدارت قطعة معدنية بيضاوية على مقبض له شكلها، صعدت إلى الطابق الثالث، لم يكن هناك بالطبع شيء من هاينه، حتى ولا صورة. كانت هناك آنية رائعة ومناشف جميلة وغالية وسرير عريض تحت وسائد ولحاف ناعم يمكن اعتبارهما رياشا كما يقال في العربية. غرفتان في أعلى الدرج في الدور الثاني مع سريرين ومطبخ، الرائحة هي رائحة الغسيل. أحببت الغرق في السرير. وضبت وسائدي أدرت التلفزيون أمامي ونمت كالعادة وهو يعمل، سمعت وأنا في تشويش ما قبل النوم صراخاً عالياً وأصوات أقدام عادية، من الساحة التي يطل عليها المنزل، ضجة سكارى في الأسفل. كنا في منتصف الليل تقريباً في الوقت الذي تنام فيه الشوارع والساحات، لم ينبهني الصراخ، أحيا ليلي في الواقع وتسرب إلى غفوي التدريجي وكأنه صادر من قصة قديمة. في الصباح قالت لي المرأة انها تأمل أن أكون نمت رغم الضجة، لم اقل لها أن موانعي في داخلي وان ليس لأي شيء في الخارج هذه السلطة على نومي. فهمت انها ضجة معتادة في دوسلدورف، أسعدني ذلك إذ إنني هنا أكاد أخاف من صوتي ومن حركتي وبالطبع من صوت التلفزيون الذي يتعبني التقاطه لفرط خشيتي من أن ينفذ إلى الغرف الأخرى.
في الصباح جاء ميشائيل وحين كنت أحاول أن اصنع شاياً لكلينا فكرت في النص العربي ل(فصل في برلين)، كنت بالتأكيد وضعته في حقبيتي لكني لم أجده فيها. ربما وضعت شيئا آخر، واحداً من تلك النصوص التي حملتها معي إلى فرنكفورت. كان هذا أشبه بأن لا يأتي احد لمرافقتي وان أضيع في لغة ومكان لا اعرفهما. في البداية أحسست بأن اللعبة أطبقت عليّ، أنني لست مغلوبا فحسب بل تقريباً كان كل شيء يسخر مني ولم استطع أن أواجه ميشائيل فوراً. انتظرت حتى أتنفس ولم تتحسن حالي لكنه كان الوحيد الذي يستطيع أن يفعل شيئا، لا اعرف كيف أخبرته، كيف وجدت صوتي لأقول ما قلته. عرف وكان كل شيء متوقفا على رده. ميشائيل كالعادة لم يبد مصدوما ولا خائبا، ملك نفسه تماما وقال لي بهذه القدرة على تحويل الأمور إلى واقع، "هيا سنخترع شيئا".

سنخترع شيئاً

استيقظت مبكراً جداً كما هي عادتي حين يتغير فراشي أو مكاني أو ظرفي. أنام لفرط ما يكد جسدي ويكد رأسي، اسقط نائماً وكأن لم تعد لديّ طاقة أي طاقة لاتحرك أو أفكر، يبدو جسدي ورأسي خرقتين وأنهار ككتلة من التعب، لكن هذا لا يدوم طويلاً، ما أن يرتاح جسدي قليلاً، ما أن تعود إلى رأسي طاقة على التفكير حتى استيقظ، كأنهما تعرضا لخدعة سرعان ما افلتا منها. قرأت قليلاً ثم شعرت بجوع شديد، كنت مهتما أيضا برؤية الساحة التي تحت نوافذ البيت، ارتديت ثيابي ونزلت. رأيتني في ساحة قديمة، كان هذا كافيا لإنعاش روحي. تابعت الحيطان المتراصفة بأبوابها وزخارفها، الأرض المبلطة والقنطرة التي تقطع الشارع، كان هذا كل ما أريده من مكان ليبدو بالنسبة لي ذا إيقاع وشكل، كان المكان برمته في المخيلة قبل بناء المنازل والشوارع، كان موجوداً برمته كقطعة موسيقى. هذا يقنتني في المدن أنا الذي عشت دائما في أمكنة لا يمكن وصفها، ولا تتشكل أبدا كأمكنة، مجرد تفاصيل متفرقة ومتباينة. تجولت كالعادة بحذر لكي لا أضيع الجادة، ابتعد بشكل محسوب عن مركز أعود إليه على خطواتي نفسها. كانت الساعة لا تتجاوز الثامنة والشارع خال تماماً، لكني اسمع خطوات، رجل يطوح في الشارع بلحية مرسلة وعينين محتقنتين وبالطبع ثياب مدهنة وقنينة باليد، ليس هذا منظراً مألوفاً في ألمانيا وقد يكون مألوفاً أكثر في باريس.
سنخترع شيئا، لم يكن الأمر يائسا تماما، ثمة ما يمكن عمله بعد. وبالفعل اخترعت ثالثينيا أو أربعينيا كما يقول ميشائيل وجدناهم هناك. كانوا ينتظروننا بهدوء تام في صالة نظيفة وباردة كقاعة مستشفى. على الجدران كانت سيرة هانريش هاينه مرسومة كما في مجلة للأطفال، كانوا يجلسون في احترام تام لمجيئنا ولحضورهم هم أنفسهم، صعب عليّ أن افهم من أين أتوا، تخيلت انهم تقريباً أعضاء مزمنون في أخوية ما، كانوا هادئين كما لو كانوا في قداس أو يؤدون واجبا روحيا. لا اعرف ماذا كنا أنا وميشائيل لهم لكني متأكد انهم سيصغون بالاحترام الخالي من الشغف إلى أي هراء أقوله، ولن يتراءى لهم أنني قد اكذب على المذبح، ميشائيل قرأ مطولا من كتابه "الحيوان الذي يبكي"، أنا ليس لديّ ما اقرأه، لذا بدأت ارتجل، تكلمت عن حياتي في برلين، كنت أريد أن أبدو طريفا، لكن كيف أبدو كذلك وأنا أتكلم لغة ليست لي وما يزيد الطين بلة هو أن ميشائيل سينقلها إلى ألمانية. مع ذلك لم يكن الأمر تماما فاشلا، كان هناك مدخل مجرب، تكلمت عن مفارقة أن أتكلم عن برلين مع ألمان، قلت برلين التي لا اعرفها إلا نتفا ولا استطيع أن اجمعها في رأسي، اعرفها انطلاقا من تجربة الضياع المتكرر فيها. لقد رأيت بالتأكيد أشياء كثيرة وأنا ابحث عن الطريق لكني بمجرد أن أجدها لن تكون هذه التجربة حتى بالنسبة لي سوى فوضى، أي معرفة يمكن استنتاجها حين نمضي ضد الأشياء أو حين نهيم فقط بعيداً عنها. تحدثت عن التجوال وحيداً بمعطف سميك يقطع البرد وقفازين وطاقية، وحشة بالتأكيد لكن مع هذه الوحدة يمكن الكلام عن اختيار للحرية. داخل المعطف السميك ليس هناك سوى ذات وجسد معزولين وفضاء واسع متاح، كنت فقط أتكلم في رأسي طوال الوقت، اسمع ذاتي فحسب وأرى، أرى مراراً الشجرة نفسها اذ لم يكن ممكناً أبدا نسيان العالم الذي أيضا كان يتكلم لي بلغة الوحشة ذاتها التي اسمعها بدون مرارة في داخلي.
ربما قلت شيئا كهذا أو أعددته للكلام، لكني بالتأكيد قلته بخفة أكثر وبمحاولة لم تنجح دائما في أن أبدو هزليا. وصفت دوراني تحت المطر في شارعين والإحساس بالسخف والنبذ الذي يتزايد مع البلل والالتجاء إلى أي حائط أو سقيفة بأنف يقطر وحذاءين مملوءين ماءً. قرأت من الذاكرة قصيدة صغيرة من "فصل في برلين". لقد ارتجلت حقاً، عند هذا فقط وجد ميشائيل الوقت مناسبا ليوصيني بأن لا انسي "النص العربي" في الأمسيات التالية، كانت أخطائي دائما محتملة من ميشائيل الذي لا يعرف أن لا حيلة أمام الواقع، محتملة لدرجة ظننت انه لا يراها، وحين وجدت في يوم مناسبة للكلام عنها بدا انها لم تفته إطلاقا، تذكر قصصا أنا نسيتها، كان هذا من جانبه على الأغلب حكمة.
كأن الدور الآن للحضور، بدأوا يقفون ويتكلمون، تغيرت هيئة الصف المدرسي أو هيئة القداس، كانت هناك لهجات متسائلة، قلقة، أو متعطشة أو مرحبة، أسئلة كبيرة عن الإسلام والإرهاب والعرب وبيروت والحرب اللبنانية لكنها تطلبت شروحا صغيرة. يصعب على المرء تبسيط نفسه، انه يظن أن هذا بحد ذاته تقليل منها، لكن عليك مع ذلك أن تعمل، أن تحول قضاياك إلى دروس لمبتدئين، ولكنهم يتجنبون سؤالك عن الصراع مع إسرائيل، وتتنبه إلى انك طوال جولتك لم تسمع سؤالاً كهذا رغم بداهته، أكان ذلك عن لياقة أم لأنهم لا يريدون أن يسمعوا شيئا آخر.

حقيبتان

رحلة القطار الثانية كانت إلى برلين مع حقيبتين تحولتا مع الشنطة الجلدية طوال تجوالي إلى عقاب حقيقي، ثلاثة أغراض ولي يدان فقط. أضف إلى ذلك تلك الوصية التي تظل في صدغي وصية الطبيب لي عقب عملية القلب المفتوح بأن لا احمل أثقالا. مع ذلك كان عليّ أن ارفع الحقيبتين واحدة قبل الأخرى إلى الحافلة، أن انزلهما بدفعة واحدة إلى الرصيف، أن انقلهما من قطار إلى قطار في عملية تبديل قلما خلت منها رحلة، كان معي سونيا وزوجها جمال المصريان وصديقهما المصري أيضا عمرو.
نقاش حول خلافة مبارك "جمال" الفخور باسم جمال عبد الناصر الكامل الذي يحمله يتوقع أن يكون عمرو موسى الخليفة، ذلك في أكثره حدس زميله "عمرو" الذي يبدو انه يمثل ما يمكن تسميته بالنخبة السياسية الجديدة لا يظن أن موازين القوى الحالية تسمح بذلك. لفتني النقاش فهذه من المرات القليلة التي أصادف فيها مصريين يتكلمون من داخل النظام المصري. المثقفون الذين ألتقي بهم عادة هم غالباً من الهامش. كنت أتابع من النافذة أيضا الغابات المتصلة والروابي والمعالم البعيدة للبلدات والمدن، كنا أمام المهد القديم للرومانطيقية الألمانية، منطقة هي أجمل ما في ألمانيا، عمرو الذي لفتني إلى ذلك قال أن فيها جمال ايطاليا وتنهد قائلاً لو أن فيها أيضا جمال الايطاليات وسونيا لم تشارك كثيراً في الحديث، عربيتها اقل من ألمانيتها لذا تفضل أن تتبادل مع عمرو الذي درس هنا كلاماً بالألمانية، زوجها المصري لا يحسن الألمانية بهذه الدرجة ويقول انه لم يعتد إلى الآن على ألمانيا وانه ينسى أحيانا أن يرتدي معطفه ساهياً عن انه الآن في ألمانيا وبردها.
رافقتني بترا إلى مركز الشرق الحديث الذي تديره سونيا والذي يستضيفني طوال إقامتي في برلين، انه منزل جميل في مكان ناء شبه ريفي، بوابة وممر طويل مبلط وقنطرة ولبلاب وفناء دار وأجنحة. كان عليّ أن أمر من حجرة المدخل إلى غرفة تنصب واجهتها الزجاجية العريضة على منظر رائع. المنطقة نائية لكنها في برلين نفسها لا ضاحيتها، مع ذلك المكان مقفر يصفر، حين سألت بترا عن اقرب دكان، نصحتها المدبرة بسلوك ممر ترابي بدا لنا أطول من أن يكون حقا قادومية، حين تُركت وحدي جازفت بأن اسلك الطريق الرئيسي ووجدتني في وقت اقصر أمام مطعم وسوبر ماركت.
فكرت انه حتى مدبرة المنزل لم تبتعد كثيراً عنه. انه بيت الأحلام ومغطى باللبلاب وتسبقه بوابة ضخمة ودرب مبلطة. بيت الأحلام مهجور لكنه نظيف ومرتب وكامل كأنه ينتظر أحدا. غابة تصفر وطرق واكمات خالية. كان نهار عطلة وحين عدت وقد خيّم المساء ومعي أشياء اشتريتها لعشائي وجدت نافذة مضيئة في الجناح الرئيسي، سعدت في البدء بالغابة والمنزل والسكون، لكن الأكل وحيداً حيث لا يوجد نَفَس إنساني غدا آليا، لم اشعر بطعم نصف الدجاجة ولا السمكة المكبوسة ولا ثمرة الفطر الكبيرة، بعد اللقيمات الأولى فقدت هذه نكهاتها ولم استسغ أن استمر طويلاً في مضغ رتيب. كنت في شقة من حجرة نوم ومكتب ومطبخ وحمام، مكتب جميل وصوفا وهذه الواجهة الزجاجية المشرعة على مدى شجري واسع. وعدت نفسي بأن أتجول في الناحية، لم يكن يحق لي أن استوحش كثيراً، في هذا المكان المسحور الذي تكاد الأشجار والحيوانات أن تغني فيه. كنت اعتدت على هذه الوحدة الغنية. على البقاء غارقاً في نفسي وهي في سباق خفي مع الأشجار التي اسمعها من وراء أفكاري وفي داخلها. اعتدت لكن ذلك يتطلب أيضا شيئا من الإرادة لأبقى على مستوى ذلك الجمال ولا يلهيني أمور أكثر يومية عنه.
تلفنت لماري كلود دون أن أتلقى جواباً، مرات ولا احد على الجانب الآخر من الهاتف النقال. كنت اعرف أن رينهارت مريض للغاية واسمع من هنا وهناك تلميحات عن وضعه، لكني انتظرت حتى مجيئي إلى برلين لأعوده، انتظرت حتى مجيئي إلى برلين لأكلم ماري كلود. لا ادري لكني في مواقف كهذه أعذب نفسي بالانتظار، أتأخر طويلا في وزن الأمور، احسب انه في وضع كهذا ينبغي أن نتأنى قبل أن نقوم بأي بادرة، علينا أن نكون ملائمين وأن نتقدم بالخطوة المناسبة، انها لحظة خاصة، لنقل درامية، ننتظر أسلوبا في مستواها. أظن أن مخيلة مسرحية تجعلني أخاف دائما من أن أسيء الدخول، من أن لا أكون ملائما. لم اتلفن من فرنكفورت، لم اعرف إذا كان لائقاً أن أقص على امرأة في حال ماري كلود تفاصيل رحلتي، تلفنت من برلين على الهاتف النقال فلم اسمع جواباً، اتصلت بهارتمان الذي قال كأنه يبلغ غريباً انه حزين لأن صديقه رينهارت توفي اليوم. رينهارت الذي ضيعته في آخر مشوار له، دعاني مع ماري كلود إلى مطعم بحثت عنه طويلاً في غير ناحيته، كان هذا الموعد المعلق هو آخر ما جرى بيننا، والآن يتكرر هذا بصورة كارثية. كنت آمل أن أزوره فلم أجده كأني بحثت عنه ثانية في المكان الخطأ. رينهارت. تباً. كيف ألفظه مع دال أم تاء، كنت أناديه رينهارت لكن حازم صاغية سماه في مقالة "رينهارد"، أكنت أيضا أناديه بالاسم الخطأ. كانت أشهر فقط والرجل الفاتن الذي بدا دائما فوق المتناول، لم تدافع عنه جاذبيته ولا مرحه ولا اللغات العديدة التي يتكلمها كأهلها. دفع فجأة إلى الزاوية ولم يصدق ما حدث ولم يتسنّ له الوقت ليشبهه، وربما ظل يظن أيضا انها لعبة وفي النهاية سيصل العفو العبقري. سيصله وهو على عمود الإعدام. هذه بالطبع قصة أخرى، من قال ذلك، في الواقع لم تكن أبدا أخرى. لقد غيّرت طعم فمي ومنذ تلك اللحظة سيظل خبر رينهارت خلفي وسأقفز من قطار إلى قطار عالما بأنني فقط لا استطيع أن أتراجع.

أرغن باخ

من برلين إلى ليبزيغ، خرجنا من المحطة الرائعة أنا وميشائيل كأننا نخرج من قصر. كانت في انتظارنا تلك الفتاة الأنيقة التي تحمل اسماً توراتياً، بترا تقول انها ليست يهودية لكن الأسماء التوراتية انتشرت بعيْد الحرب في شبه اعتذار عن تعذيب اليهود. الفتاة شابة جميلة وأنيقة ولا اعرف لماذا ركز في ذهني انها من وسط برجوازي وإنها هكذا تشبه مدينتها. قادتنا إلى فندق مواجه للمحطة، فندق متواضع، غرفه ضيقة وحمام محشور بدون حوض وتلفزيون صغير، ميشائيل الذي يصر على الدرجة الأولى انزعج في الغالب من الفندق، كان يتوقع في الغالب واحداً أكثر رفاهاً. لا اعرف لماذا كان ذلك يهمه هو الذي لا توحي حياته الشخصية بأي تعلق بالرفاه. وغالبا ما يبدو في ثيابه السوداء أشبه براهب نكث نذره، لا شك في انه يبني على ذلك شيئا آخر. كنت دائما اخشي أن يصل تواضع الفندق إلى حد خلو حمامه من الشامبو، ارتحت لأني وجدت أنبوبا صغيراً برائحة فاكهة ذكرتني بالعطر البلدي الرخيص الذي يباع في حوانيتنا. دخل ميشائيل ليمضي قيلولة قصيرة وخرجت أنا أتنزه، كان ذلك صعوداً، كالعادة شملت بنظري وعلى نحو متساو كل شيء، من بسطة الفاكهة المقطعة، إلى المكتبات إلى الأبنية الفريدة والكنيسة التي استوقفتني صفحتها الصارمة الهندسية ولما انعطفت لأراها كان جانبها الثاني مبسوطا كجناح. هنا لعب باخ ذات يوم كما علمت بعدئذ من ميشائيل، من الداخل كانت شبه فارغة كأنها تركت هكذا لتملأها ذكرى باخ، ويبقى حاضرا بالدرجة الأولى فيها الأرغن الشاهق الذي عزف عليه، عدة بنايات قريبة من الكنيسة تشكل في ما بينها متحفا معمارياً صغيراً، ثم هناك فوق الحديقة وساحة القصر الكبير والقنطرة التي تتوسط بين جناحيه الهائلين.
قالت لنا مستقبلتنا أن الكاتب السويسري الذي حاز جائزة فرنكفورت سيقرأ الليلة أيضا في لايبزيغ، قلنا وقالت الفتاة انهم سيفضلونه ولن نجد أحدا يسمعنا، لكن الثلاثين والأربعين الذين لنا كانوا أيضا في انتظارنا، تجمعوا ببطء لكننا أخيراً ظفرنا بالعدد نفسه. بدأ ميشائيل وقرأ مطولاً فيما كنت اعد في رأسي الديباجة التي سأستهل بها قراءتي. كانت الأفكار جاهزة وسأعيدها تقريباً مع النصوص ذاتها من دوسلدورف إلى بريمن. سيضاف هذا إلى تعب الرحلة وسيجعلها كلها تعبا، الأفكار الجاهزة مع الوقت لا تعود بحاجة إلى تفكير، ويغدو من الصعب التأكد منها، تتحول إلى تخريجات ومراسم كلامية. لكن شخصا مثلي لا يملك حتى جسديا هذه القدرة الآلية، لذا أتوه غالباً عما أعده وأجد نفسي مجبراً على أن ابتكر، خاصة إذا انتبهت إلى أن الفكرة الجاهزة تخرج ركيكة مسلوقة حين أقولها من وراء رأسي ووراء لغتي. لا ادري كيف خطر لي أن الإقامة على ارض أوروبية تفتح لنا أن نتناول أمثال نيتشه وتوماس مان وبريخت بدون وهلة، سيكونون قريبين إلى الدرجة التي لا يمكن أن يكونوا فيها فوق متناولنا، لن نقدر على أن ننظر إليهم بالإبهار الذي يعني إننا لا نستطيع تجاوز رهبتنا، سنتجرأ على النظر إلى قيافتهم وهذا مهم وحتى على ممازحتهم، هكذا وجدت فجأة هدفا لرحلتي.
في لايبزيغ وجدنا في المركز معرضا لفنان من أصل فلسطيني، قيل لنا انه معروف هنا، لكن النقاش بعد القراءة لم يتطرق بالطبع إلى فلسطين. حين انتهت القراءة وبدأنا نوقع على كتابينا، حمل إلي احد الحضور الشبان كتاباً قال لي وأنا اخط بالفرنسية الجملة المأثورة "بصداقة" انه يهودي من لبنان هاجر مع أبويه أثناء الحرب، كان صغيراً جداً آنذاك، وحين سألته إذا كان يريدني أن اكتب له بالعربية، قال أن هذا يسر والده أما هو فلم يتسنّ له أن يتعلم العربية. لم أبادله حديثاً أطول، كان الوقت شارف على النهاية، لكني كنت قرأت بين قصائد "فصل من برلين" قصيدة "المتحف اليهودي". من النوادر أن يكتب عربي عن الهولوكست، لكني أحببت أن أتجاوز الحاجز وان اشترك مع البشرية في هذا الموضوع، أن أتناوله بدون خوف من أن يظهر عليّ أنني أتلصص أو خوف أن تظهر بصمتي وانتسابي على كتابتي. اشترى اليهودي اللبناني الكتاب، ولا اعرف كيف سمع القصيدة. لا اعرف لماذا قام في رأسي أن هذا هو المعيار. انه أفتى مني بكثير وولد مثلي في لبنان فلماذا انتظر منه أن يكون معياراً لما يسمعه غربي من قصيدة عن الهولوكست، أتذكره واقفا قبالتي، نحيل بوجه ملموم هادئ وقصّة شعر كلاسيكية وأناقة عادية، لم يكن يحمل في ثيابه وقيافته أي فارق، نظارتاه زادتاه شبها بموظف في بنك، هو الذي بادر إلى القول إنه لبناني، كان يريدني أن اعرف ذلك، لكنه قاله بدون حماسة. انها واقعة لا يملك حتى ذكرى عنها، اهتم مع ذلك بأن يخبرني وكان عليّ أن استلم طرف الخيط هذا ولم افعل.

بحيرة توماس مان

كنا نواصل جنوباً، إلى أقصى الجنوب، الطريق تقتضي أن نبدل القطار ثلاث مرات، انها أيضا ست ساعات تقريباً من السفر. القطار قديم نسبيا ولم يستبدل بعد بواحد أسرع، ذلك كان اختصر الوقت إلى نصفه، قطار دوسلدورف السريع وفّر نصف الوقت فعلاً. يقول ميشائيل أن الوقت طال ولم تتجدد شبكة الطرق رغم إمكان ذلك لأن الحكومة لا تستطيع بسهولة إكمال خطتها، السكان في القرى والبلدات الواقعة على جانبي الخط الحديدي الجديد يسارعون إلى مقاضاة الدولة، يعتبرون الخط السريع خطراً على البيئة وهكذا يتأخر بناء الخط إلى أن تفصل المحكمة. ميشائيل يقول انه فقط تمسك بالقديم، أظن انه هكذا يعبّر عن مقته للنوستالجيا، لا دخل لهذا بانجذابه للتاريخ. ميشائيل حكاء مدهش للتاريخ وللسير، أظن أن شيئا من المؤرخ يدخل في عمله الروائي، أشخاصه ليسوا فقط أفرادا، انهم ينتمون إلى ثقافة كاملة، ثمة متعة حقيقية في سماعه يروي صفحات من التاريخ الألماني أو السيرة العائلية لتوماس مان. ونحن ننظر من القطار يدلني: هنا ولد شيلر، هنا ولد نيتشه، عند ذلك لا يعود المشهد بالتأكيد هو نفسه.
في واحدة من محطات الطريق إلى فردريش هافن يقول لي أن هذه هي بلدة بريخت، انها محافظة ولا يبدو انها معتدة بابنها، لا نلاحظ هنا أي تذكار له، يقول هذا بدون حسرة هو الشديد الإعجاب ببريخت، هذا صحيح، لكن إهمال بلدته له يبدو شبيها بخلاف عائلي على إرث، لا شيء في ذلك يهم أحدا آخر.
فردريش هافن بلدة عاش فيها ميشائيل طرفاً من طفولته حين كان أبوه يعمل فيها. يخبرني ذلك وافهم انه عائد ليبحث فيها عن صباه الأول. في البداية الفندق، احتفت بنا مديرة الفندق، منحتنا فنجان قهوة قبل أن تخرج بنا من المبنى إلى آخر خلفي مختف وبلا مدخل، حملنا المصعد إلى فوق، هناك وجدت شقة كاملة، صالة واسعة مع حمام واسع مليء بالمرايا والموزاييك وبالطبع حوض حمام وكل شيء. لا بد أنني تحدثت مع ميشائيل عن الشقة، لا اشك انها أعجبته، اعرف اهتمامه بغرف الفنادق. كانت هذه تقريبا مؤشراً لرحلتنا، إذا بنينا على ذلك فستكون رحلتنا بعد فردريش هافن انحداراً متصلاً، لم تكن من الفنادق الفخمة إلى المتواضعة فحسب بل من الفنادق إلى البنسيونات، في اوتين الصغيرة بتنا في بنسيون اقتطعته امرأة مدبرة من منزلها الخاص وتعتني به عنايتها بغرفتها الخاصة، النظافة والعطر وأنواع الصابون والشامبو العديدة في الحمام فضلاً عن الأرضية الخشبية والسرير الصغير تحت قوس الغرفة. لم نشعر بتدني المستوى إلى أن وصلنا إلى بريمن حيث وجدنا في بنسيون غرفتين شبه عاريتين تطلان من جهتين متقابلتين على حمام واحد. كان التعب قد اخذ منا مأخذه، وبدا البنسيون شبيها بالركاكة التي وصلنا إليها.
قادني ميشائيل إلى المدرسة التي قضى فيها طفولته، كانت تابعة لدير في الأصل لكني ذهلت حين اخبرني انها كانت بجناحين، جناح لأبناء الكاثوليك وآخر لأبناء البروتستانت. كان هذا شيئا فوق تصديقي، لا اعرف إلى أين تصل دلالة هذه الواقعة، لكن وجود ألمانيا كاثوليكية وأخرى بروتستانتية يتردد في شتى منعطفات التاريخ الألماني من الوحدة الألمانية إلى النازية وحتى الزمن الحديث. ميشائيل يقول أن الرقعة الكاثوليكية في ألمانيا اليوم هي ما كانته ألمانيا في إمبراطورية شارلمان، أما البقعة البروتستانتية فهي خارج أسوار الإمبراطورية أي حيث كان من سمّوا أيام شارلمان بالبرابرة.
كانت هناك البحيرة الشهيرة التي تمتد إلى سويسرا والتي تظهر أوقات الصحو جبال الألب على جانبها الثاني. لم تكن بحيرة كانت بحرا ولم استطع ملاحظة الفرق، صعدنا إلى أعلى البرج وأطللنا لكن المشهد لم يتغير كثيراً، ثمة بحر هادئ ممتد ساكن، لم يكن في ذلك ما يثير.
ذهبنا للقراءة إلى مكتبه وجدنا واجهة تحوي كتبا عن العرب وترجمات من العربية، نسقتها كما علمنا زوجة لبناني غائب، بعد القراءة تقدمت امرأة نصف ممتلئة قالت بلهجة لبنانية بلا لكنة، انها زوجة ألماني راحل، تعيش هنا بعد وفاته ولها منه ابن يتكلم العربية بطلاقة. ذلك في أقصى الجنوب، على الحدود الألمانية، كنا قطعنا كما أوضح ميشائيل على الخارطة ألمانيا من الشمال إلى الجنوب. وبقي أن نعود إلى برلين لقطعها هذه المرة من الشرق إلى الغرب.
هذه المرة كانت الرحلة مرضا، لم تكن هناك عودة إلى برلين، قضى برنامج بترا بأن انتقل إلى سويسرا من بريمن منتهى جولتنا في ألمانيا. كان عليّ لذلك أن اجر حقيبتين صغيرتين حشرت فيهما ثيابا ل22 يوماً، صغيرتين لكنهما اثنتان ومعهما حقيبة يدي وعليّ أن أشيل الثلاث بيدين اثنتين، هذه المرة كان تبديل القطار هما حقيقيا، اذ يعني أن ادفع حقيبتي وفوق إحداهما حقيبة اليد وان أوازي بين حركتي يدي، حتى إذا اختل التوازن لحظة انقلبت إحداهما أو عاضلت وجهة قبضتي، لتلتوي يدي عليها وأضطر إلى حملها لأعيدها إلى الجادة. كان عليّ أن احمل الحقيبتين إلى الرصيف أو ارفعهما إلى الأعلى كل مرة انزل من القطار أو اضطر إلى الصعود لملاقاة القطار التالي. الأرجح أن شيئا كالرهاب كان ينتابني كلما اضطررت إلى هذه المشقة، أوصاني الطبيب بعد عملية القلب المفتوح بأن لا احمل ثقيلاً وها أنا كلما اضطررت إلى الحمل اشعر بأنني افعل ذلك بقلبي، لا بد من التنويه بأن ميشائيل الذي شعر بورطتي ساعدني وكذلك ستيفان فايدنر في سويسرا.

بابل

"اوتين" صغيرة، أو هكذا قيل لي: انها بعشرات الآلاف. الرجل الذي دعانا متخصص بأدب الرحلات، قادنا من المحطة إلى ساحة معمرة مرصوفة بالبلاط، وقفنا أمام مبنى وضعت أساساته في العصر الوسيط وأكملنا إلى مقهى مطعم في ناحية الساحة، من هناك جلست أتأمل المباني المتحاذية على سوية واحدة والتي تشكل بعضها مع بعض لوحة معمارية تتدرج من التقليدي إلى الحديث لكن بدرجة من التجاوب والتكامل. كانت جداراً واحداً ثابتا ومريحا وشعرت بانشراح مديد وأنا أتملى من مشاهدته. غمرني ذلك بسلام قلما يواتيني في ذلك الطقس الغائم، كانت تمطر لكن الجو لم يكن مقبضاً. الفسحة التي أمامي جعلتني لا أحس بأن السماء مغلقة. تراءى أن النساء في المطعم كن جميلات مثلهن مثل مضيفنا ذي اللحية الحمراء والذي كان يشرح لميشائيل اهتماماته بكثير من الجد والود أيضا، حين قلت لميشائيل ذلك لم يبد انه لاحظه، لم يكن تغير هنا شيء كما أحببت أنا أن أرى، كان هو الشعب نفسه. فكرت أنني أحب لو أعيش هنا، لم يزاولني هذا الشعور وأنا أجوس مع ميشائيل الأزقة المبلطة. وددت لو أعيش هنا، كان هذا مقابلا لإحساس مضاد ثقيل بأنني لا أعيش حقا. في الصباح ذهبت مع ميشائيل لنرى وراء صفين من الأشجار الرفيعة التي تبدو شبه شفافة أو شبه ذائبة قصر الأساقفة. لجأ إلى هذه البلدة أساقفة كيبيل، مدينة توماس مان الحرة التي طردتهم في الغالب. كان هناك أيضا البحيرة، نعم بحيرة رائعة درنا حولها وعدنا عبر ممر مشقوق وسط دغل كثيف. زرنا المكتبة العامرة والأنيقة جدا حيث وجدنا أيضا واجهة عربية. كانت هذه اوتين البلدة التي سكانها بالآلاف. كان يوما ماطرا وليلة احد، لم يتوقعوا كثيرين في الأمسية لكن كالعادة ها هم أربعين يتوافدون إلى قاعة واسعة ببار جميل ورفوف ملأى بالكتب. قدمنا المتخصص بالرحلات وبعد القراءة طرح أسئلة بحت فنية على ميشائيل. كان الحديث بالألمانية وأخذت ألهو بالنظر إلى الجميع، فيما كان ميشائيل يترجم لي السؤال الوحيد الذي طرح عليّ ولم يكن مهماً.
"كيل" مرفأ مهم. تنزهنا أنا وميشائيل على المرفأ حيث شاهدنا سفينة عملاقة حمراء، البحر هو سطح تلك الرابية الخضراء التي تسلقناها إلى "بيت الثقافة". في البداية لم ارتح إلى المسؤول، بدا لي مجرد موظف وشككت في أن يكون ألقى نظرة على كتابينا، كان يريدنا أن نقول له كيف يقدمنا، أو هكذا شعرت، فجلّ الحديث كان بالألمانية.
قال ميشائيل انه لطيف لكنه أيضا قال ذلك عن فتاة لايبزيغ التي أخذتنا إلى مطعم كان أغلق مطبخه ونمنا تلك الليلة على جوع.
في الأمسية قابلت ألمانية تتكلم العربية ومعها زميلتها التي تتكلم الفرنسية، كانتا لطيفتين حقا. وحين انتهينا من القراءة وبدأت الأسئلة كان واضحاً أن اربعيننا المعتادين هذه المرة جد مهتمين، تلقيت هذه المرة معظم الأسئلة، "فصل في برلين" يستدعي "فصل في الجحيم" لرامبو هل ترى برلين جحيما، "قرأنا أن الأدب العربي أدب استبداد وان الأدباء في خدمة السلطات"، هل اللغة العربية متحجرة للدرجة التي لا تستطيع معها أن تنتج أدبا حديثاً. أسئلة بعضها ملتقط من كتابات بالألمانية لكتّاب عرب يعيشون في ألمانيا ويحسنون الكتابة بلغتها، قرأ الحضور هذه الكتابة، لم يأتوا خالي الوفاض، جاؤوا وفي رؤوسهم أسئلة وحاجات.
لا بد أن "بريمن" وعد، فهذه المدينة التي في أقصى الغرب تحفة باقية من العصر الوسيط، بريمن القديمة بالكنيسة والمباني والسوق والأشخاص بملابسهم وموسيقاهم، استديو متكامل للقرون الوسطى، بدءا من التمثال المنصوب لأمير المدينة وانتهاءً بالأزقة والقناطر والأشكال الحلزونية والدائرية للأحياء. كان هذا فعلاً فوق الخيال، لم يدر ببالي وأنا أتأمل من فوق المندرجات المنحدرة إلى النهر الجميل أننا أنا وميشائيل كنا نتوجه على أقدامنا إلى عالم آخر، إلى نوع من حلم صاح، زمان ومكان مسحورين حقاً.
اعتذرت الجزائرية التي استقبلتنا عن البنسيون لكننا اعتبرنا ذلك بادرة سيئة. حين قالت أن الوقت لم يتسع لإحضار الكتب تحققنا من السوء. لم يتسع الوقت أيضا للدعوة الكافية. لم يكن هنا ما يبشر بخير، كان اللقاء في مقهى، ذهبنا مبكرين إلى القاعة ووقفنا جنب البار ومع كل منا كأسه، مروا قربنا وهم يتوجهون إلى القاعة ووقف بعضهم معنا يتعرف علينا، "أنا أبو عليا" عليا الصديقة لكلينا، أبو عليا الفلسطيني لم يكن العربي الوحيد، لقد تقاطروا مغاربة وفلسطينيين. قالت الجزائرية أن اللبنانيين لم يتبلغوا لكن بعضهم حضر مع ابتداء الأمسية وهكذا ضاقت الحلقة أكثر. كانت هذه المرة الأولى التي أصادف فيها حضوراً عربياً، كأنما غير هذا فكرة اللقاء نفسه. سألوا بالعربية وانتظروا بالتأكيد جواباً بها لكن هذا يجعل الأمسية اثنتين ويجعل الألمان ومعهم ميشائيل في الضفة الأخرى، تابعت بالفرنسية التي ينقلها ميشائيل إلى الألمانية. شعرت بأن فكرتي تجتاز هذه المرة لغات ثلاثا، انها تعاني في الفرنسية والألمانية قبل أن تعود إلى عربية لم تنطق، كأن في الأمر مسرحاً إلى حد. على العشاء ستفلت هذه الرغبة وسنتكلم طويلاً عربية بعدة لهجات، سألوا أسئلة لا يغيب عنها المكان الألماني: الديمقراطية أولا، استتباع المثقفين والثقافة للسلطات، عجز العربية عن أن تكون معاصرة، معرض فرنكفورت والتجربة العربية منه. كانت في معظمها من متابعة الصحافة كانوا كثيرين وطال الكلام لكني لم انتبه إلا فيما بعد إلى أن الجميع تجنبوا أن يجروا الحديث إلى إسرائيل.

السفير- 2005/01/28

*********

أركيولوجيا وتروبادور ومختبر

في لغة لا تزال هي نفسها تقريبا منذ خمسة عشر قرنا، وفنها الإيقاعي والبلاغي شبه مكتمل، يمكن الحديث عن تحفة لا تمس بسهولة ولا تتاح بسهولة لأي تغيير.

لا بد ان الشعر، وهو فن ينجذب الى السحري والقديم، لن يتحرر بسهولة من سلطان هذه اللغة، كما ان كل محاولة جديدة لن تلقى اعترافاً الا بعد عملية تكييف. التغيير يحتاج الى وقت والى معادلة صعبة. ان عليه ان يدخل في حوار طويل مع تقاليد عريقة.

هذا امتياز ومانع في الوقت ذاته.

لا تزال القصيدة الصوتية، لذلك، في خانة اللهو الشعري. ولم يتسنّ للanti poesie ان تملك حضوراً، لا تزال القصيدة الموضوعية غريبة ونافرة. إن لعبة الفكر والمخيلة والغناء تتم داخل حساسية وممانعة كبيرتين وبمقادير وحسابات دقيقة.
على هذا فإن خمسين سنة مما يسمّى القصيدة المعاصرة لم تحطم تماماً مقاومة اللغة والتقاليد، وبالعكس فإن تياراً كبيراً في الشعر يقوم على نوع من تحديث التقاليد أو إدماجها في فضاء معاصر.

لم تكن ولادة الشعر الجديد صعبة، لقد فرضت نفسها فوراً، لكن المقاومة أتت فيما بعد، وأتت من داخلها، لقد استحال عليها ان تكسب فاعلية بدون حوار مع الأشكال والبنى الإيقاعية الكامنة في اللغة والتي هي نوع من لا وعي اللغة وموسيقاها؛ لذا يبدو التجاذب اللغوي، من أي جهة كان، عنصراً مداوماً في الشعر العربي المعاصر.

المعادلة هي بين فن إيقاعي وشبه مكتمل، وبين نبر يصدر عن جسد معاصر، ديالكتيكية للغاية. وتتم فوق هاويتين، هما من ناحية أما الترجيح الصوتي الأجوف أو الكلام بدون إيقاع، ثم ان أي تقدم هنا أو هناك لا بد ان يجري ببطء ويحتاج الى أكثر من محاولة.
لن أتكلم عن قصيدة النثر بوصفها قطيعة نهائية.

لا تنجو قصيدة النثر من هذا التجاذب اللغوي، وربما هي ميدانه الأساسي اليوم، لذا يهمني ان أجد تقسيمات أخرى. يمكنني ان اسمي قصيدة اركيولوجية لكل القصيدة التي تتخذ من اللغة أسطورتها الأولى، لغة من 15 قرنا هي بحد ذاتها طبقات وتواريخ، هي أيضا ميدان لحفريات تاريخية وثقافية، لا شك في ان الشعر في هذه الحال يملك ادعاء ابوكاليسياً وتكوينياً، إنه نوع من إعادة تكوين اللغة والتاريخ. من هنا طابعه الباروكي عندئذ وميله الى أنواع خفية من الانتحال pastiche ولا زمنيته تقريباً، إذ الشعر عندئذ واللغة زمن بحد ذاته. انه شعر متعدد السطوح.
ثمة فكر وتاريخ ورؤيا لكن هذا من سرابات اللغة وخداعها وقدرتها على التحول والتقمص، أي أننا أمام إيهام بمنظور فلسفي وتاريخي فيما أن ذلك كله من رقص اللغة ولعبها، القصيدة الاركيولوجية هي مديح للغة وتماهٍ معها لدرجة يصعب معها ان تتحول الى صوت منفرد أو ان تتفرع الى كلام خاص، إنها تماهٍ بين أسطورة اللغة وأسطورة المتكلّم، الى حدّ لا يسمح للمتلقي أو القارئ بأن يكون ثالثاً في اللعبة، أي أنها نزاعة الى الاستبداد بالثقافة كلها، ميالة الى ان تكون بحد ذاتها أسطورة تامة، مثالها ومعيارها في نفسها، أن لها شكلا دائريا مغلقا تعود فيه دائما الى نفسها.
يمكننا ان نتكلم أيضا عن التروبادوريين الجدد، الشعر هنا رحالة ان لم يكن متسكّعاً. انه يسعى الى لغة هي نوع من غناء الشارع والبيت يصف، يحكي، ويغني، يكتب كمتسكع أناشيد مدينية، أو يتكلم كناسك حبيس في صومعة البيت أو صومعة البار. يكتب حكايته المتكررة بين أربعة جدران، أو يذهب في أوذيسية هي عبارة عن خروج وهجرة شعب. مهما كان مدى الرحلة أو مكانها أو أصحابها تتسع الرحلة أو تضيق، تتسع الرؤية أو تضيق، فإن الشعر يبقى دائماً صوتاً خاصاً وشبه شخصي، سواء أكان الشاعر في مركب يومياته أم على رأس تيه أوليس، فإن الشعر سيبقى رفيق الرحلة، وسيكون دائماً ممكنا وحاضراً لمتابعتها.
الاتجاه الثالث هو في المختبر، أو ينطلق على الأقل من المختبر، انه يبدأ دائما من محل نقدي، الشعر يبقى سؤالاً وفي حال الشعر العربي تتراجع اللغة والتقاليد قليلاً لتعيد الإطباق على التجربة، إنها ماكرة فعلاً.
التجارب الحديثة تقلّد اللغة الأم وتنجّر بسرعة مفهوماً للشعر وتفرض عليه تضييقات وتحريمات أخرى. بسرعة تنشأ أنماط لا تريد مزاحما لها، ويحتاج التشكيك بها الى جهد فعلي.

إن تخليص الشعر من التحريمات الجديدة الأشد صرامة أحيانا من القديمة. ولذلك تجديد السؤال الشعري عن الفكرة والصورة والخيال والصلة بالثقافة والخارج والشاعر نفسه أمور تتطلّب حفراً بطيئاً، كما تتطلّب جهداً لإبقاء الأفق مفتوحاً، ولتقديم أمثلة جديدة على استعداد الشعر ليكون قابلاً دائماً لتوسيع حيّزه وإعادة طرح سؤاله.

**********

هكذا تكلم غونتر غراس.. سؤال الأسئلة العربية والجواب الألماني

الحوار العربي الألماني أو الحوار العربي الغربي من مبتكرات ما بعد 11 سبتمبر، هذا الحوار كان حافزا لصورة مستعجلة ومبسطة عن العرب والإسلام. إذ بدا ان من الضروري تكوين صورة عن الآخر الذي بات في عقر دارنا يقرع الأبواب علينا، ولا بأس من تكوينها من الميسور والقريب. الغالب ان رغبة التعرف اقترنت برغبة الاختزال والتيسير والتسهيل. بل في الغالب حملت المتحاورين تسهيلا وتيسيرا للحوار الى تبادل صور سريعة ونمطية. أو تبادل صور عامة ومرسومة حسب حاجة الآخر الضمنية وتبعا لطلبه. كان التعدد والتسامح والاعتدال والاعتراف بالآخر هي العناصر التي يرسو عليها الحوار، لكنها أيضا العناصر التي ترسم وجهته ونتائجه وتكاد تختصره، حاول (الشرقيون) أو الإسلاميون القول إنهم أيضا مع التعدد والتسامح، لكن النقاش مع ذلك كان يحتد حول الموقف من الولايات المتحدة وحول الديمقراطية في ديار الإسلام. كان الغربيين يضعون اللوم على الإسلام الذي افترضوا انه بدون جزم قد يكون وراء افتقار العالم الإسلامي المزمن للديمقراطية، فيما يؤثر العرب والشرقيين ان يضعوا جانبا من اللوم على الغرب الاستعماري وعلى إيجاد إسرائيل في المنطقة، مع ذلك فالنقاش على هذا يفقد أسسه، لقد بدأ مفترضا بين ثقافتين وانتهى بسؤال ثقافة واحدة، لم يكن لدى الشرقيين ما يعلمونه للغرب، ولا يطرحون في الأساس سؤالا يتعلق به، إنهم يستفهمون الغرب عن أنفسهم ودوره في صناعتهم وتكوينهم. ويلومون الغرب على ما لم يفعله أو أساء فعله، لكن أسئلة كهذه هي في جانب واحد وعلى جانب واحد.
هل كان الحوار الذي دار في صنعاء بين الألمان والعرب حول غونتر غراس مختلفا، الفكرة طريفة بالتأكيد. حوار حول غونتر غراس، الذي هو ليس كبير أدباء ألمانيا اليوم فحسب، بل هو في السياسة مثله في الأدب، خبير ومحنك ومنخرط حتى العظم. بل هو نظرا لمكانته في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم يكاد يكون مندوبا رسميا. كان الرجل هو نوبل الآداب مجموعة مع نفوذه السياسي. ذلك جعله بحق محورا مثاليا لحوار يصعب حصره في الآداب، ويفقد سبب وجوده اذا لم يفلت الى السياسة، والحق ان الرجل ملأ دوره وزاد، خاطب علي عبد الله صالح مخاطبة تجمع بين حرية الأديب وخبرة السياسي، الحنكة ذاتها أبداها أثناء الحوار، كان يريد حوارا مباشرا وحول مسائل مباشرة، لم يرحب كثيرا بالتحليلات النظرية بل طرح فورا أسئلة عينية: الجهاد، الرقابة، الديمقراطية، كانت لديه أسئلته، بالأحرى لديه أجوبته، فحقيقة الأمر ان غونتر غراس أتى كما يأتي المفاوض بوجهة نظر متكاملة. بدا وكأنه قبل ان يدخل الى قاعة الحوار درس الموضوع أو أصغى الى ما يكفي، وبات في وسعه ان يمحص وان يصغي إصغاء نقديا، وأن يعترض على خلفيات حقيقية أو مفترضة في كلام محدثيه. بل الواقع ان غونتر غراس لم يسأل كثيرا، بل ترك محاوريه العرب يسألون. كان بين الفينة والفينة يقطع الحوار ليجيب، بل اذا صحت الترجمة يبدأ كلامه بالقول: عندي أجوبة، لم يكن شأن الألمان الذين معه مختلفا. بدا وكأنهم جميعا تشبعوا من الأسئلة وبات في وسعهم ان يمحصوا كلام محاوريهم وأن يتبينوا مواطن الخلل والخطأ فيه، من الجهة العربية كان اللقاء بداهة بغالبية يمنية، لكن حضور أدونيس ومحمود درويش منح الجانب العربي ثقلا موازيا لغراس، بل بدا في لحظة ان الحوار الأساسي يكاد يكون ثلاثيا، وما عدا ذلك من مشاركات ألمانية وعربية يدور حوله. كانت الجلسة الأولى لمقدمات الحوار. المقدمة الأولى كانت لأدونيس. الذي أكد مجددا ان الآخر عنصر مكون في الهوية العربية التي قامت على عنصرين هما الدين العربي والفلسفة اليونانية الأجنبية، تلك هي الصيغة الحضارية العربية في عهدها القديم. ذلك يتجلى في النص القرآني الذي اذا قرأناه بوصفه نصا ثقافيا وجدنا فيه عناصر مما قبل الإسلام تتمازج مع اليهودية والمسيحية.
اس بدوره قال انه جمع من زمن طويل ثلاث مهن هي الرواية والشعر والرسم، وتلقى عام 99 مهنة جديدة هي نوبل، وتمنى على مستمعيه ان لا يتأثروا بالمهنة الرابعة، طرح غراس موضوع الرقابة وعدد أصنافها. الرقابة العامة، ثم رقابة الصناعة والإنتاج والرأسمال، ثم رقابة الكتاب على أنفسهم، وهي أسوأ الرقابات، قال غراس انه يعرف الرقابة في العهد النازي التي تصدت لليهود بالعنف والتشريد، (وهكذا أسهمت ألمانيا في بناء إسرائيل)، انزلق غراس عرضا الى الموضوع الرئيس في الحوار وهو الصراع العربي الإسرائيلي. أوحى غراس الأديب أخيرا ان لا يقف الى جانب المنتصر وأن يكون مستعدا دائما لتجاوز الحدود. فالأدب (مهنة خطيرة لا تلزم أحدا بأن يمتهنها، ان لم يكن مستعدا لتجاوز الخوف.
محمود درويش دخل في جدل العلاقة بالغرب.. بين تأنيب الذات ولوم الآخر (إن صورتنا في مرآة الآخر ليست صحيحة، لكن صورتنا في مرآة أنفسنا ليست صحيحة). ثم تكلم عن أحادية التحديد وواحديه كل طرف في مرآة الآخر، (صورة الشرق تلخصت في مقولة الأصولية الاسلامية وصورة الغرب تلخصت في إطار الهيمنة الاميركية)، هذه الأحادية منتقدة لأنها مانوية بين أصوليتين. أصولية إسلامية وأصولية غربية مضادة، إذ من غير الممكن فهم أي ثقافة بمعزل عن العناصر الضدية في داخلها.. نقاد الثقافة الغربية الحقيقيون هم غربيون) والحكم على الإسلام من خلال الأصولية هو كالحكم على المسيحية من خلال محاكم التفتيش، والحكم على اليهودية من خلال اعتداءات الجيش الإسرائيلي. كما إننا لا نستطيع ان نختصر الغرب اليوم في صورة أميركا (التي تقسم العالم الى مانويه الخير والشر، والتي تدافع لا عن حق إسرائيل في الوجود بل حق إسرائيل في حرمان الفلسطينيين من حقهم في الوجود المستقل)، إما حال العرب اليوم في العالم فتتلخص في (صعوبة فهمهم لعجزهم عن الحضور ككيان فاعل)، هم جزء من العالم وخارجه في آن واحد، يتساءلون بمرارة (هل يشاركني الآخر في الحوار ولماذا لا يجعلني عدوا له ما زلت عدوا لنفسي). كانت لغونتر غراس بعد ذلك مداخلات كثيرة، فهو ذو حق في الكلام ساعة يشاء، والحوار ذو دائرتين متقاطعتين إحداهما حول غونتر غراس والثانية بين الحضور، وهو حوله وخارجه في آن معا، ومعه وبين الباقين في وقت واحد، كان دور غراس لذلك مركبا ومزدوجا. الحوار كله مطروح عليه وعليه وحده ان يجيب، وهو بحد ذاته كفة كاملة وطرف كامل، والآخرون، أيا كانوا، في الكفة المقابلة والطرف المقابل، ثم انه، على نحو ما، منتهى النقاش الذي يفضي إليه، وعليه وحده ان يحكم فيه وأن يجمعه ويختمه ويرسم نهاياته، استمع غونتر غراس الى تعليقات كثيرة في معظمها عربي، كان بعضها يجد في وجود طرف غربي فرصة ليقول لغونتر غراس (اذا كنت صديقا لإسرائيل فلن تكون صديقا للعرب، أو بعضها يطرح جريرة الغرب في قيام إسرائيل من الأساس، وبعضها يذكر بعقيدة الإسلام في الجهاد، وإن بدا ان أكثر التعليقات تقول ان الأنظمة العربية وربما الغربية هي التي سيدت الأصولية وجعلتها واجهة كبرى، كان واضحا ان موضوع الرقابة لم يحظ إلا بالتفاته سريعة، فالجميع كانوا مملوئي الفم بما يريدون قوله عن مسائل في نظرهم أكثر التهابا وإلحاحا. تدخل غونتر غراس ليقول انه يؤثر ترك الحديث عن صراع الحضارات، فهذا الصراع لا يدور إلا بين أصولية عربية وأصولية غربية، وان هناك مقاومة لهذا المفهوم من اليساريين بل وحتى من المحافظين (لا تتوسعوا أرجوكم في هذا الحديث فهو يؤدي فعلا الى الحرب).
قال انه يعرف فعل العربية من ألف ليلة وليلة التي أثرت على بوكاشيو وأثرت مباشرة عليه (كل حضارة تكون مملة اذا لم تتأثر بحضارات اخرى).
في الجلسة الثانية رسم غونتر غراس وجهتين للنقاش: الجهاد والرقابة، كان واضحا ان حوار الشرق والغرب يكاد يختصر في الصراع العربي الإسرائيلي الذي لا يقع تماما في صلبه، الأمر الذي أثار ردا ألمانيا وجد ان العالم لا يختصر في هذا الصراع الذي يبدو عاديا بالقياس لما يعانيه العالم اليوم.. انه صغير بالقياس لما يتهدد الكون، غونتر غراس قال انه يحتج على اتجاه لتحميل الغرب مغبة كل ما يعانيه العرب اليوم. قال إن على العرب ان يتحملوا مسؤولياتهم بالأصالة عن أنفسهم. أعاد ما قيل من ان الغرب ليس واحدا. ورأى في موقف شرودر من الهجوم على العراق مثلا واضحا على تعدد غربي وعلى وجهة نقدية في السلوك الغربي. ذكر ان أميركا توجست بعد ثورة البرتغال من ان ينحاز النظام الجديد الى الشيوعية فنوت الهجوم على البرتغال وقلب الحكم الثوري، لكن وقوف فيلي براندت مستشار ألمانيا، وبولمه الزعيم الهولندي، وكرايسكي مستشار النمسا، ضد الهجوم الاميركي حال دونه، كان عندنا سياسيون كبار، قال غونتر غراس وليس لدينا الآن سياسيون من هذا الطراز أضاف، ناسيا مديحه القريب لشرودر (لو كان فيلي براندت حيا لقال ان مشاكل الإرهاب لا تحل بالحرب)، قال متأسفا في حنين غير مفاجئ الى صديقه الراحل.
موضوع الرقابة كان مناسبة لشهادات ممتعة. روى عبده وازن ما تعرض له بعد صدور (حديقة الحواس) الذي منعته الرقابة، روى حديثه مع الرقيب الذي لم يميز بين الايروتيكي والبورنوغرافي، فحاول عبده ان يفسر له الفرق بين الاثنين، وقال له إنهم في الغرب يفرقون، وأعطاه أمثلة فلم يزد الرقيب على ان قال (لقد شهدت بلسانك انك متأثر بالغرب وتأتي بأشياء من الخارج).
محمود درويش قال ان الرقابة علمته ان يتقن فنه، وان يكتب شعرا يقدم الفن على السياسة. قال ان قصيدة يكشفها الرقيب هي في الغالب قصيدة رديئة وأن الشعر الجيد قادر على ان يهرب من مقص الرقيب وان يعمى عليه (هذا ليس مديحا للرقابة) أردف درويش.
ونيس، قال ليس صحيحا، ان الماضي العربي لم يعرف اضطهادا للفكر والمفكرين، ومما جرى في العهود القديمة يوازي في كمه ونوعه التفتيش الغربي، والتاريخ العربي حافل بظلم المفكرين، هذا من الجانب العربي إما في الجانب الغربي فثمة نوع من الرقابة يسميه الحجاب، أعطى مثلا عليه الحجاب المضروب على نقد الأصوليات الأخرى بالتوازي مع النقد المباح للأصولية الاسلامية. الحجاب المضروب على نقد الصهيونية بوصفها نزعة دينية وأكثر من قومية، أي عنصرية لشعب اختاره الله، قال ان العرب اعترفوا بحق إسرائيل في الوجود لكن في الثقافة الغربية اتجاها الى المزج بين الاعتراف بإسرائيل وتأييد سياستها بما فيها من قتل وتشريد للبشر وتهديم للبيوت وأسرلة الأرض والمجتمع بالقوة.
ان صوت جار الله عمر ومثقفي الحزب الاشتراكي لافتا، قال ان العمليات الانتحارية أدينت من قبل اليسار الغربي والحزب الاشتراكي والمثقفين الفلسطينيين، لكن الموضوع الفلسطيني لا يتلخص في العمليات الانتحارية.
بعد الرقابة انزلق الكلام مجددا الى السؤال عن قضية وجدي الاهدل. سأل غونتر غراس وسواه عما فعله الكتاب اليمنيون في سبيل حرية الاهدل، جاوب عبد العزيز المفالح قائلا ان الكتاب اليمنيين كانوا ضد المنع بالرغم من ملاحظاتهم على كتاب الأهدل، وكانوا جميعا على استعداد للوقوف معه، حدد جار الله عمر ان أكثريتهم وقفت معه وأقليتهم تواطأت مع المحافظين، لكن القوى المحافظة ضغطت عليه نفسيا فاضطر للهرب (ونحن نأسف أسفا شديدا لأنه ليس معنا اليوم يتحدث عن مشاعره وتجربته)، لم تكن قضية وجدي الاهدل هي كل ما سمعه غونتر غراس وصحبه في رحلتهم الى عدن وحضرموت. سمعوا ان حال المرأة أيام الحكم الاشتراكي كانت أفضل، ونصيبها من الحرية والحقوق اكبر بكثير، سؤال يحك بالتأكيد رضوضا وجروحا دفينة، لكن جار الله عمر كسر التابو وتكلم بصراحة. قال إن انتصار الشمال على الجنوب كان انقلابا اجتماعيا جعل كفة المحافظين والرجعيين راجحة، قال ان قانون الحكم الاشتراكي في الجنوب أعطى المرأة ما لم يعطها إياه النظام التونسي العلماني نفسه، وتمتعت أثناءه بحقوق حرمت منها.
فيما بعد انه حوار آخر بالطبع. أيا كانت ملاحظاتنا عليه فقد كان حارا ومر بلحظات شائقة. كانت الردود عليه من جملة المتناقشين في اتجاهات متباعدة. خطب أصولية في مديح الجهاد، ومماحكة للغرب ترميه بما يرمينا به من نفس الرقابة وقلة الديمقراطية وجواب ألماني عن ان أميركا قامت لا بالظلم والعسف كما يقول العرب ولكن بحرياتها وديمقراطيتها، وتساؤل من فخري صالح عن قلة حساسية المستمعين الألمان تجاه النقد الذاتي الذي يقوم به المثقفون العرب في الجلسات، كان صعبا بالطبع جمع النقاش، الذي ذهب ألمانيا في تلاوين عديدة، وعربيا في اتجاهات متناقضة لكن الواضح هو ان الألمان جاؤوا وفي حوزتهم أجوبة أكثر مما لديهم من أسئلة. لذلك لم يتابعوا بدقة الإشكاليات التي أثارها المثقفون العرب ولم يصبروا كثيرا على تحليلاتهم النظرية، لقد كانوا منفتحين حقا وبالتأكيد، لكن شيئا من الخلفيات المسبقة حكم أحيانا إصغاءهم لمحاوريهم العرب.
استعجلوا أحيانا الانتهاء من شروحاتهم لموقعهم التاريخي وتشابكات أوضاعهم، ثم إنهم لم يقدروا بما يكفي النقد الذاتي الذي قام به كثيرون من محاوريهم، والأغلب إنهم لم يلحظوه تماما، هل كانت هناك أزمة لغة بكل المعاني بما فيها المعنى الحرفي، هل لعبت الترجمة، كما تلعب عادة، دورا إشكاليا في المسألة. أم ان اختلاط الأصوات العربية من أصولية. فقوموية فنقدية شوش الصورة وشوّش الاستماع. ثم ان هناك في الغالب اتجاها مضمرا يجمع الشعوب مع حكامها جميعا غير دقيق تماما، فنقص الديمقراطية تبعة تلقى على العرب جميعا شعوبا وحكاما وماضيا وحاضرا، مهما تكن مسؤولية الشعوب عن الاستبداد إلا إننا نبرئ الاستبداد تقريبا حين نضعه، بالدرجة نفسها وبالتوازي، على عاتق المحكومين، لم يحصل في يوم ان أدينت شعوب أوروبا الشرقية باستبداد وطغيان أنظمتها، ومحاكمة الشعوب العربية على هذا النحو يشتمل على شيء من الاستخفاف.. ان لم نجد اسما آخر.

السفير-2002/12/20

*****

بورتريهات جيلبر حاج وحديث عن الهويات الشقية (*)

باس بيضون

نعرف الى أين تتطلع وجوه جيلبر حاج. عيونها معلقة بعين الكاميرا الآلية. لا وهم في هذه الوجوه. إنها صنيعة الكاميرا ولا تقول شيئا آخر. لا تقول إنها لقطة من الحياة سرقتها الكاميرا. لا تقول إنها تقليد للحياة. ما تقوله هو العكس. إنها تمتثل للآلة. تقف كما تريدها أن تقف. وضعة وجاهية بلا أي تعبير. الوضعة الوحيدة التي نحسب أنها تقليد للآلة. ما تريده هذه الوجوه ليس توثيقا ولا تسجيلا ولا سردا ولا وصفا. ما تريده هو الصورة فقط، الصورة التي هي أعلى من اللحظة. من اللقطة. من الحياة الجارية. من التعابير والمشاعر. بل هي أعلى من موضوعها. الوجوه المصورة لن تتذكر شيئا عن نفسها في هذه الصورة. إذا خطر لها شيء فلن يخطر لها سوى وضعها أمام المصور وعين الكاميرا المسلطة عليها. الوجوه المصورة لن تجد نفسها تماما في هذه الصور. ستجد شيئا آخر. شيئا لا يمكن أن تكونه إلا بالموت أو بالاختفاء. لا يمكن أن تكون إلا إذا سبقت نفسها، أو إذا وجدت نفسها في إطار ثان. قد تضحك من نفسها في الصورة وقد لا تضحك، لكنها تعرف أنها صورة لزمن ثان. إنها مؤجلة لما بعدها أو أنها نوع من تصبيرها كما تصبر الطيور أو الحيوانات. لن نقول إن استديو المصور هو دائما مختبر تحنيط وتصبير. لكننا ازاء صور جيلبير الحاج نجرؤ على أن نقوله. ليس التخليد أو التأبيد ما تريده الوجوه من هذه الصور. إنها لا تجد نفسها بالضرورة متسامية مؤلهة فيها. قد تضحك منها. قد تجدها فقط لاستعمال سريع. جواز سفر أو هوية. ثم إنها في العادة تختارها لنسخ كثيرة إذ يحتاج الجوار والهوية الى أكثر من نسخة، وإذا فضلت نسخة وفاضت عن الاستعمال فلا بأس من إهمالها أو رميها. كل منا يحمل في جيبه صورة كهذه وقلّما ينظر إليها إلا وهو مفاجأ وكأنه لا يصدق أن من الممكن أن يكون بعيداً عن نفسه الى هذا الحد. هذه صور تصفنا لآخرين لسنا بالنسبة لهم إلا غفلاً. آخرين يطابقون بين وجوهنا وصورها في الجواز أو الهوية مثلاً أو يتأكدون فيها من هارب أو مطلوب أو مخطوف. إنها صورنا حين لا نحتاج الى أن نكون نحن إلا بمقدار ما يعني هذا الآخرين. حين نكون بالنسبة لهم توقعا أو نعمة أو علامة فارقة..
هذه الصور ليست شيئا سوى صور صافية. إنها لغة الآلة وفكرتها عن الشيء. بل هي صورتنا حين لا نكون سوى صورة، إنها مطابقة وليست مطابقة. لا تتطلع الى أي شيء سوى نفسها وسوى المكان الذي خرجت منه إلى عين الكاميرا. وإذا دلت فهي تدل على فارق ضمن العموم. إنها فقط لكي لا يختفي المرء في العموم ليكون له ذات الوجه. ذات الصورة مع فارق تفصيلي يجعله لا يدخل السجن عن غيره من فرط ما يمكن أن يكون غيره.
ربما يريد جيلبر حاج أن يكلمنا عن وجودنا القبلي والمسبق في الكاميرا. عن صورتنا الافتراضية. عن صورتنا الصافية والكاملة التي لا تلبسنا تماما إلا في غيابنا. إذا كانت هذه الوجوه التي مثلت للكاميرا لا تريد أن تضع فيها إلا ما تعتبره حصة الكاميرا وواجبها، فإن أسهل ما يمكن هو إعارة أنفسنا دائما لآلة ما. قد تكون آلة كلام أيضا. وننتظر منها أن تظهر صورتنا الافتراضية القبلية تلك.

هناك آلات كلام وفن إذن ونحن نتطلع الى عينها وننتظر منها أن تمنحنا تلك الصور العامة التي تتمايز بفارق وحيد قد يكون الاسم والتوقيع. تتباهى الأمم وتتباهى الأعراق في هذا العموم السديمي إذ لا يمكن للمباراة أن تتم إلا حين يكون الامتحان هو نفسه للجميع. المباراة تتم بين تلك الصور الافتراضية التي تصنعها آلة واحدة أو آلات متقاربة. للوطنيات على سبيل المثال لغة متقاربة، وكم يرعب أن نكتشف أن شيئا من لغة النازي موجود عن قصد أو غير قصد في لغة مثلا le pen وطنيات أخرى. إذا كان الوجه أبيض أو أشقر أو أسود أو فتى أو امرأة فإنه يفوّض الكاميرا أن تجعل له صورة تتخطى ذلك وتؤمثله. لا شك في ان العالم في نظر الكاميرا الاشتراكية السوفياتية كان واحدا ولم تكن الألوان والأعراق والظروف سوى فوارق ثانوية. قبيل الحرب كانت مؤتمرات الحزب الشيوعي على يقين من اندراج المجتمع اللبناني في صفوف طبقية. كان الليبراليون اللبنانيون لا يشكون أننا أدنى ما يكون من دولة حديثة تنتظم فيها الكتل والجماعات حول رؤى ومصالح سياسية واقتصادية. لم يكن الشيوعيون يحسبون أننا وصلنا لكنهم لا يشكون أننا بدأنا. وكذلك كان الليبراليون، أي إن الجميع يعتبرون الخصوصيات حالة من الفوضى والتبعثر قبل أن تصل الى جادة السياق العام. الى الصورة الصافية التي تنحصر فيها الفوارق في أقل عدد وأقل صفة. لكن الفارق لا يحتاج الى عدد أو صفة ليغدو فجأة حاسما أو متسلطا. سنتكلم عن هذا في ما بعد، لكن ما يهمني الآن هو الآلات التي تصنع صورا على مقاسها وتوحي لنا بأن نقلدها. ما يهمني هو هذه الحاجة الى صور تتجاوز دائما خصوصياتنا وتجعلنا نحن أنفسنا نوعا من الصور. ليست هذه عن سذاجة ولا جهالة وليس لنا أن نتهم أصحابها بالتعالي أو الانفصال عن الواقع، فالواقع يفتقر الى التحديد، وليس دائما صدقا وحقا فهو يشمل الوهم والخداع. ثم انه يتظاهر في كل الأشكال والأحوال، وقد يكون مجرد عدة نختار منها ما يناسب ونغفل ما لا يناسب. ليست سذاجة ولا جهالة بل هي حاجة الى أن ننظر الى أنفسنا في أنساق لا نعرف أو لا نريد أن نعرف من أين سقطت علينا، أهي من الآلة التي وقفنا قبالتها فحسب، هل أتتنا عرضاً أو خطرت لنا صدفة من أي مكان لتغدو فجأة أصلا لا يتزعزع في تعريفنا بأنفسنا أو تقديمنا لها. كانت القوميات دأب النخب في مطالع القرن الماضي، وها هي الآن نبض الشارع، ولا نعرف الى الآن إن كان هناك ثمة مثال سابق لياسر عرفات وصدام حسين وحتى أسامة بن لادن، بل نحن لا نعرف كيف استحالت هذه أو تلك أنماطا مسيطرة. فانتقال الصور كاجتراحها أمر عبث. تبدأ الصور غريبة محيرة ثم تتلبسنا وتغدو كل فكرتنا عن أنفسنا. هناك بالطبع هذه الحاجة الى العموم لكن أيضا الحاجة الى الفارق الوحيد غالبا الذي هو أيضاً صوري لكنه يغدو فجأة حداً بين ذوات وذوات. الفارق الذي يكون بحت تكرار أو بحت تسمية، فما يعني أن تكون عربياً أو ألمانياً أو فرنسياً، سوى تكرار ذلك كل مرة أو إضافته كل مرة وكأنه توقيع لا غنى عنه. صناعة الصور هي أيضا صناعة الفوارق. لا تختلف وجوه جيلبير الحاج في شيء لأول وهلة. تتمايز عيونها وألوانها وسحنها بالطبع، لكن ما تريد أن تقوله هو انها رغم ذلك لا تملك فكرة أخرى عن أنفسها.

رغم ذلك نرى أن اللحظة التي تفترق فيها عن بعضها بأي وازع ليست بعيدة. يمكن للاسم أو اللون أو الجنس أن تغدو فجأة حدوداً لا تقهر. يمكن بالطبع أن تقع الصورة الطارئة على نعرة متأصلة فتلبسها وتستمد منها. وحتى في هذه الحال تزداد النعرة تحت الاسم الجديد خفاءً وتبقى الصورة أظهر وأشد بروزاً. لا نعرف الآن لهذه النزعة الجهادية الضاربة قاعدة واضحة. يستهوي ايناسيو سيلونه في اللوموند أن يجد فيها عنوانا آخر لنزعة قومية مستترة، لكن النزعة القومية بنت في يوم على نعرة مستترة أيضا. وهذا بحد ذاته دوران في فراغ، لكن الصورة التي هي نمط عام تقدر على أن تستولد من نفسها فرقاً قاتلاً على حد لغة أمين معلوف في الهويات القاتلة، ولا نلتمس بسهولة تحليلاً لذلك إلا أن أموراً هي في بدئها تقنيات أو إسقاطات لا غير تغدو في ما بعد كهانة مخيفة. قد تظهّر الصورة أشياء كامنة لكن هذا ليس هو الموضوع. فالمهم أن ليس بين الصورة وموضوعها علاقة ضرورية. بينهما مسافة متروكة للصدفة والارتجال والمصاقبة الصرفة.
لكنهما بقدرة غير مفهومة يستحيلان في لحظة جسدا واحدا. كان لكلمة وطنية في الحرب اللبنانية سيادة في الجانبين المتقاتلين، ولم يعن اشتراك الاثنين في الكلمة شيئاً ولا ترك شبهة على اقتتالهما نفسه. يختلف المتكلمون في الجهاد على معناه ويتباينون من الهداية بالكلمة الى قص الرؤوس بجر سكين مثلومة تتمادى في الذبح. لكن الجهاد يبقى مثلاً وصورة تتلبس كل ذلك بلا فرق. ذلك أن الحضور الاعتباطي للكلمة هو ذاته الحضور الاعتباطي للصورة. الصور التي تُعد بقياس محسوب وشرط محسوب لجواز السفر هي الغريبة تماما عن صاحبها، والصور التي يعدها لآخرته غيرها. إنه يعدّ لها صورا أجمل وأنجح يقدر على أن يتخيل ذاته فيها أو يعتقد أنه فيها، لكن الصورة النمطية، صورة الجواز، تغدو صورته الرسمية، الصورة الأصل، وما سواها متفرق جزئي. لنتأمل هذه المطابقة الغريبة لما لا يتطابق أو لم تكن المطابقة غايته. شيء كاعتباطية الدلالة كما افترضها سوسير. إذا كانت مفردة الكرسي تدل على الكرسي دون نقاش فإننا لا نعرف تاريخا كانت فيه كلمة الكرسي والكرسي منفصلين. ذلك متعذر نظريا على الأقل لكن بين الصورة وموضوعها، بين الوطنية والجهاد وتجسيداتهما، مسافة زمن على الأقل. يمكننا نظريا أن نتصورهما منفصلين أو متباعدين. لذا نعجب من أن يتطابقا فجأة وكأنها من معدن واحد. تقع الصورة على الموضوع في أول الأمر وقوعا مضطربا محيّرا. فيظهر بين الاثنين اختلال أو تباين أو تراكب قلق، ثم إذا بهما في لحظة قد تلابسا واندمجا. كانت العروبة في أول أمرها نبتاً مسيحياً ثم إذا بها والإسلام شيء واحد وقد تلابس في ما بعد طائفة أو مذهباً. ثم إن الصورة قد تصنع تاريخها. يقول السلفيون إنهم أمناء للسلف لكن هذا السلف ليس الترجمة ولا علم الكلام العقلاني ولا الفلسفة ولا الشعر ولا الحكاية، فأين يكون هذا السلف إذن. وإذا علمنا أن الصينيين يزعمون انهم اخترعوا الشاي قبل أن توجد الصين، فهمنا أن تلك الآصرة بين الصور الأصلية والقدم خادعة ومصنوعة، واحتجاج هذه الصور بالتاريخ بلا أساس، وما من سبيل الى أن يغدو التاريخ أسطورة وقدسا وحرزا إلا أن نستنبعه من صور كبرى أو أصلية. كأن التاريخ حيلة الصور لتبدو أقدم من نفسها. إذا كانت الصور في حقيقتها بلا ماض فإنها هكذا تستولي على ماض أو على الماضي. ليس ذلك صعبا عليها لأنه لا يحتاج الى علم ولا الى تثبت، فليس أسهل من أن يتلبس التحريض ثوب العلم والتاريخ وليس أسهل من أن ينجح التحريض ويعم. يكفي أن تقول إن شيئا في خطر ليهب الجميع. يكفي القول إن الأمة أو الثقافة أو شجرة الأرز أو النخلة في خطر لتجد مصغيا ولتجد تكتلا. ليس لزاما أن تكون القضية أكبر أو أصغر، فالتحريض ليس بموضوعه انه بنعرته. ليس أكثر من مباريات الكره إظهارا للعصبيات من كل نوع، ولا نعرف كم يمكن أن ينجح التحريض حتى حين يكون المحرض مكروها أو ظالما. فالحاجة الى نعرة شيء قلما تتعافى منه الأمم. وإذا تكالبت الأمور والهزائم والمواجع على شعب خرج منها الى أي نعرة كانت، خاصة تلك النعرة التي تلقي التهمة على الأجانب والعملاء. لكم تأجل مصير طاغية بسبب نعرة كهذه، وكم نجح حكم مهترئ في أن يطيل أمده بإحياء نعرة كهذه. وحتى الأمم التي تتعافى نسبيا لا تأمن من أن يعاودها المرض. يكفي أن ينحسر العصر الذهبي ليابان اليوم وتتحول أميركا عن دعمها حتى تعاود الوطنية الإمبراطورية شباناً يابانيين. الأرجح أن التحريض لا يحتاج الى متانة أو صلابة، فقد يكون سخيفا وطفوليا وينجح. من ذلك هذه المباراة الطفولية بين الأشجار. نخل عربي وبرتقال فلسطيني وأرز لبناني ولا نطيل، لكن الصينيين يقولون أيضا ان تاريخ ستة آلاف سنة تفوح كل صفحة فيه بعبق الشاي. تقع الصورة على الموضوع وبينهما أحيانا ما بين الشاي والعزة القومية الصينية. اعتباط بحت. بينهما ما بين أهداف الكرة والنصر الوطني. اعتباط بحت لكن مثقفين فاعلين لا يمتنعون عن أن يزينوا ذلك، وأن يصوغوا ما بين الشاي والعزة القومية أشعارا وخطبا وفلسفة وفكرا، ولا بأس من أن نقول إن جانبا كبيرا من ثقافتنا كان بهلوانيات كهذه وأن أمرا كهذا يؤخر ولادة الثقافة والمثقف طويلاً.
إذا كان ماركس تحدث عن تحول الفكرة الى قوة فإن من شأن العصبيات تحويل الحذر او الخوف او الحسد الى قوة. هناك صورة تقع اعتباطاً على موضوع أصغر يستند بدوره الى عامل لا يصرح باسمه خجلا او حرجا، فقد يكون أطماعا صريحة او منافسة صغيرة او غيرة طفولية. هكذا نغدو في دائرة بل دوائر يصعب فكها. إذا نظرنا الى صور الاسلاف الباقية أحيانا على الجدران بشواربهم المعقوفة وعيونهم الصقرية أصابنا شيء من خوف. فهذه الصور لا تزال بعد زوال الظروف والايام تحتفظ بقدر من سلطانها الذي هو سلطان الصورة بلا أي إضافة. وقد يصعب علينا ان نتخيل ان صورنا سيكون لها ذات يوم على جدران الاحفاد الاثر نفسه. ان اجتراح القوة استعداد فطري للصورة ما ان تقع ولو مصادفة او مصاقبة على نعرة او عصبية او موضوع. سيبدو هذا الكلام سخفا بل سيبدو تدنيسا كبيرا. فما نأخذه بهذه الخفة كان موضع عبادة وتعلق الملايين، ومات من أجله الملايين. في العراق اليوم هذه المفارقة، إذ لا يوازي عبث ما يجري إلا الزخم والعنف اللذين يتم بهما هذا العبث. هكذا يرد الكلام على نفسه. إذ نفهم ان الضرورة والسببية والنظر العقلاني ليست هي التي تمنح الأمور قوتها او جبروتها. قد تدل النتائج على ان للأشياء منطقا خفيا وأن ما نراه فورات غير مفهومة إنما هو تظاهر التاريخ وطرقه الغامضة. لست أستبعد هذا لكن انتظار النتائج لا يترك قولاً لأحد. فالعبرة هنا هي دائما لمن يأتون بعد، أما قبل ذلك فلنا الظاهر وحده. والظاهر يرينا أن ما يفلت من عنف جبار ليس دائما من معدن الحادثة ولا في حدود حاجتها.
يتراءى لنا ان شيئا غير السبب وغير الدافع وغير الحاجة يتدخل. إنه شيء من الخيال، من الغريزة، من المصادفة. من هنا ينجح التحريض بقوة وبائية، بعدوى تكرارية لا أكثر. كان الغرب بالنسبة للعرب مخادعا ومفتريا في اثنتين: سايكس بيكو وقيام إسرائيل. أتكلم عن العصر الحديث بالطبع فحديث الصليبيين قديم بعيد. ورغم ان الاثنتين كانتا حارّتين طازجتين فقد اختارت الحركات الاسلامية الاصولية مراعاة الغرب في السعودية ومصر وبلاد العرب لاجتهادات خاصة آنذاك. هكذا سار أجداد بن لادن أو آباؤه. فما الذي جرى بعد أن برد الجرح او كاد لتتحول الاصولية الإسلامية الى هدم الغرب ومطاردته وناسه وأهله في كل مكان. ليس هذا بالطبع عبثاً في عبث لكن أسبابه ليست على الأقل في ظاهره. ربما هذا ما يجعل الهويات قاتلة لكن غريبة أيضاً. من غريبها أنها لا تتعلم بقدر ما تنسى الدروس، بل الاغلب أنها كلما استفحلت عادت القهقرى. تنام وتصحو صحوة أهل الكهف في غير عصرها وزمانها، وترجع غالبا بالخطاب والشعارات والرموز ذاتها بلا فرق. تخطئ تماما حيث أخطأت من قبل وبالحرف وتعيد سلوكها. وإذا تغيّر شيء فيها فهو ان تزداد عنادا وتبسيطا وانغلاقا، ذلك تدهور أكثر منه تغيرا، إذ قلما تفعل إلا ان تمضي قدما وفي الطريق الذي اختطته ولو واجهت الكارثة بأعين مفتوحة. لو أحصينا هزائمنا لهالنا ان ثمة قرنا كاملا مهدورا هنا. من الهجمة الأولى الى الهجمة الأخيرة تكاد الأمور تتكرر بحرفها ولا يبدو ان ثمة استعداداً، أي استعداد، للرجوع عن خطأ او هفوة. حركة بعد حركة ينتهي الأمر بلا دروس. يُلدغ المرء من الحجر ذاته مرات ومرات. من ال48 بل ال36 حتى حروب الخليج المتكررة، ومن ال56 حتى ال67 حتى ال73. لا تتغير الرحى ولا الخطاب ولا الآلة ولا الزلات ولا النتائج.

حين يتكلم الأميركيون عن القيم الأميركية فكلام واثق. هانتغتون الشهير يسمّيها ويحصي من بينها اللغة الانكليزية والمسيحية والالتزام الديني فضلا عن المفهوم الانكليزي للقانون والحق والفردية وقيم العمل والقناعة بأن في وسع الانسان إقامة جنة على الأرض. ربما يسعفنا ذلك في ان نفهم ماذا عنى بوش بالنمط الأميركي غداة 11 سبتمبر. سيبتهج كثيرون من العرب بهذه القيم وسيقولون ان عندهم امثالها، اللغة العربية والاسلام والالتزام الديني، وعندهم أضدادهما الشهامة والكرم والانضواء العائلي. سنتذكر ان رسالة المثقفين الأميركيين الى العالم بنت على هذه القيم. وإذا علمنا ان هانتغتون يقول هذا عن خوف من ان يفسد دفق اللاتينيين هذا النظام بلسانهم غير الانكليزي وديانتهم غير البروتستانتية.. إذا علمنا ذلك وجدنا ان هانتغتون وبوش يهوّنان الأمر علينا، ويرفعان عنا حرجاً كبيراً، فأغنية القيم هذه تصلح لكل الشعوب.

لكن السؤال هو عما إذا كان المثقفون هم حراس القيم السائدة، وإذا كانت الثقافة هي حقا عبادة القيم الثابتة او تكريسها. يغرينا على الأقل من باب التكافؤ أن تكون الاسطورة هي نفسها هنا وهناك. لم يكن عربيا على كل حال أول من ساوى بين خطاب بوش وخطاب بن لادن. لكن هذا على ما فيه من إغراء ومن تعزية خطر. إنه يجعلنا نتساوى في الأسوأ ويرفع عنا مغبة التصدي للأسوأ. بل يجعلنا متفرجين على ما يستفحل في ديارنا وبيتنا وكأنه لعبة أمم لا تعنينا. الخطر هو عدمية سياسية تجعل الخيارات كلها متوازية. تفرز أميركا من حين لحين يمينا طفوليا ويمكن ان تفرز مثلها فرنسا (Le pen) مثلا او النمسا او هولندا.. لكن هذا لا يجعل الديموقراطية والبارانويا الاستبدادية في ميزان واحد. كما انه لا يجعل من كراهية أميركا دينا سياسيا وحيدا او مصدرا وحيدا لكل سياسة. ا
لمساواة في الأسوأ هي الحجة الكبرى لتبرئة الذات. تبدو الحرب اللبنانية أمام مساواة كهذه عاجزة عن ان تصل الى نهاية. لقد انتهت الى تواز مسدود. توازت الوطنيتان في بؤسهما وتحولتا الى وطنيتين شقيتين. شقاء اللبنانوية وانهزامها لا يقل عن شقاء العروبية وانهزامها. بدا وجودهما المأسوي لا يتيح لأي منهما ان تكون حلا او مخرجا. يكفي ما نراه الآن من حصار لهاتين الوطنيتين في داخل البلد وخارجه لنفهم ان الاحتجاج بنسب قديم او امتياز جغرافي لم يعد كافيا. ما نحن فيه هو وطنيات حزينة ولست أكيداً من ان الوطنيات الحزينة تصلح لأن تكون أملا فاعلا. الوطنيات الحزينة هي تبديد الذات غالبا في مشاعر قاتلة لكنها بدون أفق. إنها اجترار بحت، والحال أن الذي يتطلع الى لغة الشبان السياسية اليوم يتراءى له أنها لغة الآباء بل ما قبل الآباء بلا فرق. الوطنيات الحزينة هي أيضا رثاء للذات وانطواء وجداني وشعور مسبق بالهزيمة. وهذه لا تكوِّن هويات فاعلة، بل الأغلب انها هويات متململة ضبابية متشظية. إذا سمعنا كثيرا هنا لغة ما قبل الحرب بل لغة أوائل القرن الماضي فلا يشعر أحد بأن هذا من بقاء الأمور على حالها، فالأرجح ان هذه اللغة تدوّي في فراغ ايديولوجي، بل تدوّي في الواقع في فضاء من اللاتاريخية النافرة، تعمل فيه الآلة اللفظية او تطحن بلا أي صلة معلنة بمسمّياتها. لغة كهذه تبدو تمويهاً لانسداد أيديولوجي سياسي تعود فيه بقايا ايديولوجية الى الظهور مجددا. لم تقدم لنا الحرب حطام مجتمع وحطام دولة وسياسة فحسب بل قدمت أيضا حطاما ايديولوجيا وفكريا. لقد بدت الرهانات كلها متساوية في لحظة ما، سواء على الغرب وعلى العرب وعلى الداخل والخارج. بدت هذه رهانات على هزيمة او رهانات على اكذوبة. الارجح ان الجماعات اللبنانية ضربت أولا من بيوت آبائها الحقيقيين والمتخيلين. هكذا بدت فجأة بلا رهانات وبدت الاطروحات نفسها مجرد اقاويل بلا سند وقوتها في ذاتها فحسب. هكذا نفهم كيف ندخل في منطقة من الغموض واللاتحديد فيما توحي الأبواق الأيديولوجية الصارخة بالعكس. هل نحن حقا ما زلنا في حرب الهويات والوطنيات. هل ما زلنا مجددا أمام وطنيتين وهويتين أم نحن في الواقع في دائرة غامضة بين هويتين ووطنيتين مهزومتين. ماذا يعني لبنان منهار اقتصادياً وتحت الوصاية، لبنان نزف ديموغرافي وتوازن طوائفي مضطرب في وضع عربي مفلس وأمام غرب منقسم. هل يسعنا ان نفصّل من هذا الوضع حقا وطنيتين وهويتين، أم نحن أمام بقايا وطنيتين او حطام وطنيتين وفي دائرة وسطى بينهما ومنهما لا نعرف تماما ما هي. لقد ولدت اللبنانوية من الحلم اللبناني، والعروبية من حلم عربي، فأين بات هذان الحلمان. إنهما بالتأكيد في نكسة. وماذا يمكن ان ينتج من لبنانية مكسورة وعروبية مكسورة.

إذا دققنا قلنا ان الفوقية اللبنانوية سقطت فيما بقي لبنان للجميع، وإن العروبة في مأزق فيما تبقى اللغة العربية للجميع. إذا دققنا أكثر رأينا ان التجاذب الطائفي أكثر علنية وظهورا من ان يكون حقيقيا. فقد أمكن لهذا التجاذب في ما مضى ان يكون محركا مظلما لكنه بقي مموّها قادرا على ابتكار سطوح أيديولوجية مختلفة وعلى الاختلاط بعناصر أخرى. أما أن يبدو صافيا وعلنيا فهذا ما يشعر بأنه يتحول من محرك الى أداة وربما الى تكتيك او خلاصة واضحة للإفلاس السياسي. يمكن القول إذن انه في المنطقة الرمادية التي نعيش فيها فإن أكثر ما لا يصدق هو ما يسمى الواقع. أكثر ما لا يصدق هو الصور المعلقة الثابتة التي لفرط ما هي كذلك تبدو أبدية. هكذا تبدو العبارات والشعارات وحتى القيم مستعارة من أقرب زمن.
كأننا تقريبا بلا لغة. في المنطقة الرمادية الوسطى حالة من الكمون شبيهة بالتخمر شبهَها بالاستنقاع او الاحتضار الطويل، وربما كانت هذا او ذاك او ذلك. قد تطول الساعة الرمادية او تقصر لكن اللغة المعارة لن تغدو حقيقة.
ومهما طال ذلك الدوي فلن يصبح زمنا فعليا. ربما هو انتظار شاق. انتظار الوقت لناسه. من الصعب الخروج من نفق الوطنيات الكبرى الى شيء ابسط من عدم الأمان، ومن الصعب موازاتها بأحلام من الحجم ذاته. لا شيء يعادل البرانويات الضخمة والاحتقانات الضخمة والكراهيات الضخمة. وإذا شئنا ان نصل الى بر فسنجد أنفسنا مطرودين خارج كوابيسنا العملاقة وأحلامنا. ستكون الخيبة حاضرة في كل وقت فالسلم دائما بارد وليس مثيرا بالطبع. هذا التدرج البطيء في التعايش كما يقال والتدرج البطيء في الحرية الشخصية والحياة الخاصة والقيام بلغة أم مع تعدد لغوي ولا بأس من سنوبية عالمية، فهذه تغدو مع الزمن تقليدا. سيكون هذا باردا وبطيئا ولا يشكل جماع حلم او كابوس، لكن تعريفات العالم والإنسان تصبح اليوم أكثر فأكثر متفرقة متعارضة.
لعلنا أطلنا على جيلبر حاج، او حملناه على ما لم يقله. ليس مراد الحاج تأليه الآلة ولكن ما يتصدّى له هو تأليه الانسان. يمكن ان افكر لقاء هذا التساوي في الصور بوارهول او بجياكوميتي. الأرجح ان هذا التكرار اقرب الى متوالية باخية او نوع من الذكر. لكننا ننسى ان لشخصيات الحاج عيوناً وهذه العيون تسطع أكثر حين تكون الوجوه متماثلة. تسطع أكثر دون ان تخرج من الوضع الإنساني، لكنها تمنح دائما هذه القدرة على عدم الذوبان والعودة الى نقطة البدء.

(*) ألقى عباس بيضون هذه المحاضرة خلال حفلة الافتتاح للمعرض الفوتوغرافي "هنا والآن" للمصوَر اللبناني جيلبر حاج، المنظم بدعم مكتب الشرق الأوسط لمؤسسة هينرخ بُل بماسبة افتتاح المكتب في 3 تشرين الثاني 2004 في المركز الثقافي "Espace SD" في بيروت.

http://www.boell-meo.org/ar/web/221.html

أعلى