لهنري ميشو قصيدة بعنوان ملكي يقول فيها (اطبق على ملكي في الليل، اقوم إليه بالتدريج وألوي عنقه، يستعيد قواه فأرجع إليه وألوي عنقه مرة أخرى. أهزه، أهزه كشجرة خوخ عتيقة الى ان يضطرب التاج على رأسه.
ومع ذلك فهو ملكي، اعرف ذلك ويعرفه، وأنا بالتأكيد في خدمته.
(في غرفتي الصغيرة اضرط على وجه ملكي خفية وانفجر بعدها بالضحك، يحاول ان يبدي وجها هادئاً خالياً من الاهانة لكني لا اتوقف عن الضراط على وجهه إلا حين استدير إليه وانفجر ضحكاً من وجهه النبيل وهو يسعى الى ان يحفظ جلاله.
هكذا اسلك معه، وهكذا تستمر حياتي المظلمة بلا نهاية.
والآن، ألقيه الى الارض واقعد على وجهه، وجهه المعظم، بنطلوني الخشن المبقع بالزيت ومؤخرتي، فهذا في الخلاصة اسمها، يستقران بلا منازع فوق هذا الوجه الذي صنع ليحكم، اصفعه، اصفعه، وأمخطه هازئاً كما لو كان طفلاً، مع ذلك لامراء في انه هو الملك وأنا تابعه، تابعه الوحيد).
كان يكفي مقطع من قصيدة ميشو، (هل تبقى قصيدة مع كل هذا الضراط والمخاط) لكني آثرت أترجم (لست اول مترجميها) اثنين او ثلاثة منها. لربما كان من الاساءة للشعر ان نجعل منه شاهدا على حال من احوال الواقع، لكن اعجوبة الشعر في احيان ان يقول في كلمة خلاصة سلسلة متفجرة من المفارقات والمتناقضات، قصيدة ميشو قادرة على ذلك وبنوع من النفاذ والعبقرية، إذ اننا لا نستطيع ان نحصي الملوك الذين لا تستطيع كل اهانات الواقع واهانات العصر وحتى اهانات رعاياهم وسخفهم بل وعارهم احياناً. لم يستطيع كل ذلك ان يمنع بقاءهم ملوكاً، وان يمنعنا من ان نكون في لحظة اتباعهم، او ان يمنع وجوههم المعفرة بالاهانات من ان تعود جليلة، وتيجانهم الساقطة في القذارة من ان ترتفع مهيبة، ملوكنا اصنامنا الجليلة، اقانيمنا العظيمة التي لا ينتصر عليها هزء العالم والتاريخ والوقائع، ولا ينهيها ان تقع مرات بعد مرات في الوحل، او ان يثبت كل يوم بؤسها ولا جدواها، انها تنهض من تحت الصفعات والبصقات والضراط، صفعاتنا نحن وبصقاتنا وضراطنا ملكية من جديد، ليس في الأمر بالطبع خديعة ولا مكيدة ولا حيلة، وليس فيه تمويه او التباس ولا شبهة، الوضوح العاري والحقيقة الساطعة وكل شيء يحصل في نهار جلي الملك لا تمويه والتابع بلا لبس، مع ذلك هناك اسم الملك واسم التابع، وبهذا الاسم يبقى الملك ملكاً والتابع تابعاً.
منذ 1967، تبدأ اللعبة، انهار الحلم العسكري في يوم، القائد الذي ظل طويلاً جنرال الحق وجنرال الأمة بدأ في لحظة مغلوباً، والجيش الذي كان الصورة المثالية للشعب عاد مزقا. كانت هذه أيضا لحظة تهريج ضخمة فجر الناس خيبتهم في أطنان من النكات والضحك، ثم نزلوا الى الشارع، منادين القائد ان يبقى قائداً والجيش ان يبقى جيشاً.
كانت الهزيمة موحية، يسارا ويمينا كان ثمة وحي آخر ربما نسينا اليوم الحلم الفيتنامي حرب الشعب لكن الحلم الاصولي ما زال قائماً وما زال قاعه مثقوباً وبلا نهاية، ليس هذا هو المهم، عند اول محك ظهرت الاشباح جميعاً ولكن غالباً في صور اسوأ، القائد مع كل الاعذار والتغاضيات فقط يبقى قائداً. وليكون لنا قائدا. جنرالات الحق في كل مكان، وهذه المرة بلا حدود ولا شروط، هزيمة حزيران تكررت عدة مرات لكن بمسامحة مطلقة كان يكفي الآن تغير الاسم، تسمي الهزيمة نصرا ويكفي، تضيف للقائد أسماً آخر فيعود جديداً ويولد ثانية، بدل الهزيمة نحارب شعباً آخر. بدل فلسطين نضطهد الاكراد. وبالطبع هناك اسم آخر لكل ذلك، في النهاية تعد الوطنية والحرب والقائد اقانيم ثباتة، لا نتكلم عن الهزيمة، ليس للهزيمة اسم عندنا، بالطبع لا نحلم بمديح الهزيمة كما فعل الألمان، تلك ثقافة أخرى.
اسم يحيي واسم يميت، بدل الحرب الاهلية والانقسام اللبناني بين العرب وأعداء العرب. يغعدو اسم لبنان البلد العربي المقاوم، هذا اسم فوق كل شيء وضد كل شيء. ويكفي لقلب الامور كلها وتضييع الامور كلها. اخيراً المقاومة العراقية، تفجير الأمم المتحدة، نقول هذا ليس صائباً إننا نخطئ تحديد العدو، مع ذلك تبقى المقاومة هي المقاومة وبهذا الاسم سنستصرخها ونناديها من اعماق حطين ونسلمها اللواء.
تفجر المقام الشيعي وتقتل المصلين لكنها المقاومة ونحن لسنا سوى اتباعها ومناصريها، نقول هذا ليس وطنيا ولا مقاوماً ويهيئ لحرب أهلية لكنها المقاومة ونحن اتباعها.
تطلق الصواريخ على زوار الاربعين في النجف ويسقط مئتان ونقول ان هذا طائفي وليس وطنياً لكنها المقاومة ونحن لسنا سوى اتباعها ومؤيديها، وفي اللحظة المناسبة نستصرخها ان تزيد.
تفجر مراكز التطوع العراقية ونقول هذا غلط هذا ليس وطنياً تماماً ولا عراقياً لكنها المقاومة ونحن اتباعها، وفي لحظة ما نستصرخها ان تزيد، نلاحظ قطع الرؤوس وتصفية الاجانب، نقول هذا ليس انسانياً انه غلط ويبرر الاميركيين ويغطي على جرائمهم في (ابو غريب) وعلى انتهاكاتهم الفظيعة؟ للمساجين والسجينات، لكنها المقاومة في نهاية الأمر!! وبهذا الاسم لا نستطيع ان نكون سوى اتباعها. نشك في بيان الزرقاوي البول بوتي. بيان التصفية شبه العامة ثم نتحقق منه وفي الحالين هي المقاومة وبهذا الاسم لسنا سوى اتباعها، نفهم انها واعية او غير واعية تدبر لحرب أهلية طويلة وبلا نهاية نقول هذا، لكنها المقاومة ولسنا سوى اتباعها وفي اللحظة المناسبة نستصرخها لتزيد.
سنقول في يوم انها ليست وطنية وفي يوم انها ليست عراقية، وفي يوم انها ليست مقاومة لكنها المقاومة.. وبهذا الاسم لسنا سوى مؤيديها واتباعها، هل اعيد لازمة قصيدة ميشو (انه ملكي وأنا في خدمته).
*******
في آخر امسيات <جدل> الشعرية قرأ حاكم مردان قصائد، لا اعرف بأي نعت اصفها. سأسميها مؤقتا <حقيقية>. هل نستطيع ان نجد صلة سهلة بين الشعر والحقيقة. لا أظن، فالشعر والحقيقة مفهومان بلا تعريف، والربط بينهما هو اذا استعرنا عنوان وديع سعادة وصل ضفتين بصوت. أو إذا شئنا أن ننوع على وديع سعادة قلنا إنه وصل وهمين بصوت. مع ذلك فإن حاكم مردان مر بخفة بين ضفتي الفراغ هاتين وأعطانا صوته. صوته الذي لا يعرف التوسط. انه الطفل احيانا والكهل احيانا اخرى، يريل كعجوز ويلعب كطفل. ليس شابا إلا قليلا. لا اعرف اذا كان حاكم مردان وحده ينسى الشباب. مديح الشباب يأتي في العادة متأخرا، في الواقع ما من عمر طيب. لا نحسن الكتابة الا انتقاما من الأعمار. الطفولة الملائكية تنقضي بالخوف. المراهقة تنقضي بالقلق. الشباب ينقضي بالخيبة. والشيخوخة، الشيخوخة تكذب العمر. المهم ان حاكم مردان يحاذر ان يغني. اذا فعل ذلك فلأن زهرة لوز سقطت تماما بين أصابعه وسيعد أوراقها قبل ان يكتفي باسمها الجميل: زهرة اللوز. يحاذر ان يغني وكما يجدر بشاعر يحاذر ان يكون شاعرا. انه يطعم الشعر احيانا للحقيقة. يتركها تبتلعه بكل قوافيه وسمع احيانا قافية تتحطم بين اسنانها. كان صوت حاكم مردان خفيضا لكن واضحا. لم يكن بحاجة الى علو ولا الى وضوح. مع ذلك كان بحاجة الى شيء آخر ليؤكد لنا ان الحقيقة تحب ان ترى. ان الشعر يمكن ان يكون مشعا بعد ان تبتلعه الحقيقة.
في نهاية الامسية وبعد ان ختم حاكم وابتعد، أحب ان يقرأ شعرا باللبنانية. قرأ قصائد نموذجية اذا فكرنا بقصيدة تلخص ميشال طراد وسعيد عقل وطلال حيدر وموريس عواد وعصام العبد الله وبقية الشعر اللبناني. اذا فكرنا بمحاكاة كاريكاتورية لهؤلاء تنتج نصا لبنانيا مغفلا وبلا توقيع او مؤلف. صنع مردان هذا النص. ضحكنا. قالت صديقة انها معارضات ساخرة. لم يقصد مردان هذا بالتأكيد. ربما لم يفهم تماما لماذا ضحكوا. كان يحيي في نصوصه الشعر اللبناني واللهجة الللبنانية وحياته في لبنان. مع ذلك بدا نصه تقليدا ساخرا. ضحكنا لكننا ضحكنا وحدنا ومن أنفسنا. فكرت ان من الممكن ان نصنع نصا مماثلا في محاكاة الشعر الفصيح. لن نكلف به حاكم مردان بالتأكيد. لا بد من آخر يأتي ويرينا كم نقلد نحن انفسنا. ألم أقل إن عند حاكم مردان تلك الصلة الخطرة بين الشعر والحقيقة. الغريب ان <الشعر والحقيقة> العنوان الذي وضعه لسيرته الذاتية، ماذا كان الألماني الكبير يقصد بهذا العنوان؟
السفير -2006/05/15
****
أول ما رأيناه جبلين من الأنقاض على الأوزاعي. جبلان صغيران توأمان متقابلان. لم يكونا مجرد كومة هائلة من شقف وأحجار، لم تُلق البقايا كما أتفق، كان هناك جبلان مستويان بجوانب شبه ملساء (من بعيد) وشكل متناسق، جبلان متآخيان على الأرض المسلحة وتقريباً على الشاطئ، كانا موجودين في فضاء كاف وفراغ كاف ورغم حجمهما الكبير كانا ممشوقين ومتآلفين كثيراً مع المدى البحري والبري، لقد اعتني بالتأكيد لكي لا يكونا كوماً مرمية على بعضها البعض وقمامة حجرية، اعتني ليكونا شكلاً مستوياً بسيطاً متناسباً مع خطوط البحر والأفق، أثارني كونهما اثنين. الشعر العربي القديم يتكلم دائماً عن اثنين مسافرين يقفان على الأطلال، وها هي الاطلال نفسها تسافر في اثنين. لا أعرف اذا كان من نسّقوهما على هذا فكروا به فعلاً، أم ان هذا كان مجرد ترتيب للكتلة والمساحة، ما طغى عليّ كان إحساساً جمالياً، كنت قرأت أفكاراً عن نصب تذكاري لتدمير الضاحية لكني وجدت ببساطة النصب جاهزاً قلت لميرييل هذا هو النصب. بالتأكيد لن يدوم فهو يأكل من المساحة اكثر مما تحتمل ناحية مسكونة. لكنه جميل. بل أنا لم أر شيئا من زمن بمثل هذه الطمأنينة والإلفة والسلام، لقد تحول الانهدام والانهيار والدمار والكتل المتهاوية والصراخ والرعب والسحق الى شيء ساكن في الشمس والضوء والمدى البحري، الى أخوين داجنين يتسايران على الطريق، كان رعب ليال كثيرة واعتداء جحيمي في هذا الشكل الشبيه كثيرا بما ظنه الجميع في “الأمير الصغير” لسانت اكسوبيري قبعة فيما كان الطفل وحده يعرف أنه الشكل النهائي والأخير لحية تبتلع فيلا. ترى هل تستقر هكذا ونهائياً تلك الأهوال في هذين الشكلين، في الشعر العربي القديم ليس الاثنان واحداً في السلوك. أحدهما ينادي الآخر ليشاركه في الوقوف على الأطلال. لا بد انه هو الذي يبكي والآخر يسنده ويعزيه، إنه يعينه على تحمل حزن لو عاناه وحيداً لقتله، أفكر اذا كان الأمر كذلك بين الجبلين. اذا كنا مستعيدين رمزية الشعر القديم، نستطيع ان نفكر بأن الجبل الأصغر هو هنا لمصاحبة كهذه، إنه يعين هؤلاء المقصوفين المردومين على ان يعبروا بسلام ليل رعبهم الطويل، أفكر بأنها قد تكون مصاحبة الأحياء للموتى تلك التي ستستمر طويلاً الى ان ينتهي الحداد. إنها المصاحبة التي لم ينفرز بعد فيها الجمعان من بعضهما البعض، والتي ستبقى طويلاً في ظل الايام الهائلة التي لم تفرز بعد ذلك الخليط الهائل من الموت والعراء والنزوح والتدمير، أشعر عندئذ أنني أدخل في مسام الجبلين، فإن الشكل المسالم البسيط بدأ يتحول الى لحن لوعة متتابع، وأحس ان عيني تكادان تبتلان.
كل هذا لا أستطيع ان أفسره لميرييل، لو فعلت لكان مفيداً لريبورتاجها الإذاعي لكني أقول لها فقط، إن المشهد جميل وأروح أسأل نفسي اذا لم يكن في ذلك الاحساس بالجمال شيء من السخرية من نفسي، نوع من اللامبالاة الضمنية، كيف يمكن ان نفكر بالأنقاض هكذا بدون ان نكسر المأساة، بدون ان نهين الألم البشري ونجعل منه فحسب خاتمة للفن. فكرت أنني استطيع ان أبني شيئا كهذا من الجثث ايضا. أني ربما العب بحياتي على النحو ذاته وأحولها الى خردة فنية، ربما كان هنا الشيء الذي تظنه ميرييل خوفاً او هروباً. لكن هل عليّ حق ان استحي بهذا الشعور في الوقت الذي لا أحس فيه بأي ندم وأكاد أحسب انه شعور نبيل وأنه تعامل صحي وإنساني مع الألم، كنت دائماً أتضايق من هؤلاء الذين يأتون عندنا بعد كل فاجعة ليؤكدوا لنا قدرة اللبناني، الفائق على الحياة وأقول في نفسي إنها أفضل وسيلة لنسيان قدرته الفائقة على الموت. لم أكن ابداً جاحداً للنسيان ولا أجد سبباً للترهب للذاكرة. لكن هذه الفكرة عن القدرة الفائقة على الحياة مع كل تظاهرها بالحياة ليست سوى كليشيه. بل هي نوع من إرضاء جاهز للذات ومسامحة شبه مسبقة لها. نقول إن لدينا دائماً ما نعلمه ولا نطيق النظر الى وراء، لدينا دائماً ما نعمله. إنها هذه النزعة البوليمية الى ان نملأ انفسنا بأي شيء، مع ذلك بقي لدي هذا الإحساس بأن هذا النصُب سوّى نفسه، لقد كانت هذه طريقتهم في توضيب البقايا ونفذوها مراراً. لقد كوموها بنظام ولم ينتبهوا الى انهم صنعوا شيئا جميلاً. ربما كنت أول من لاحظ ذلك ويمكن ان اهنئ نفسي. لم يكن شبه المستطيل اللطيف اعتداءً، لم يكن حيلة لإخفاء القسوة، كان فقط جبلاً، أليس مؤثراً ان نجعل من الألم جبلاً. ان نمنح هذا العلو وتلك الصلابة لشقائنا الخاص، وجدت معنى مماثلا لترحيل الانقاض، لإعادة نصبها في مكان آخر، ليس فقط بسبب البعد “النزوحي” للمأساة بل ايضا بسبب هذا المعنى الإضافي التي تكسبه الاشياء من انتقالها. فكرت بأن هذه الخطوط البسيطة هي ايضا اوتار لذلك الشيء الواحد والحقيقي والذي لا يمكن إنكاره كالألم.
كنا نبحث في الغازية عن فرن لشراء منقوشة حين انتبهت فقط انني في الغازية، كان علي ان أكون دليلاً جيداً لميرييل، الست عائداً الى بلدتي، لكن أفران السفيحة ورائحة الشواء لم ترشدني إلا بصعوبة الى أنني هناك. ساعة انتبهت التفت ورائي فرأيت فوراً بيتاً واحداً مدمراً. كان ساقطاً الى داخله بدون ردم حوله، لقد انخسف السقف المقطع وأتكأ على الجوانب بادياً هكذا وكأنه اجنحة مقصفة، كان البيت هكذا خالياً كلعبة، وبدا غير لافت جنب الأماكن العامرة الآهلة كأنما وجد جنبها من زمن، لقد دخل بسرعة في سوية السوق. بدا كأنه تعرض لحادث وترك على جنب الطريق، مع ذلك كان وحده في ذلك المكان الذي يعج بالشغل والحركة. جعله هذا يبدو مهجورا، خمنت ان المنطقة في الاعلى ردم كثيف ففي هذا المكان حدثت مجزرة. لا شك ان هناك انفجارا ما زال صارخاً ولم يهدأ في ضجة السوق. لم أقترح على ميرييل ان نذهب الى هناك، لم أرغب في ان أرى بحرا من الدمار، ربما من خشية ان يتشبع بصري باكراً.
كان عليّ ان أعيد على ميرييل حكاية هذه البلدات الجديدة التي تنشأ على طرفي الطريق العام حيث لا يبقى حد بين الشغل والاقامة والفراغ فتغدو جميعها واحداً تقريباً، وتغدو الحياة معها ساعة واحدة بدون اي تمييز. لكن هذا رغم كل شيء كلام قديم.
على الزهراني حيث مصفاة النفط رأينا الجسر مقطوعاً تماماً من منتصفه. كنت رأيت من قبل جسوراً مزعزعة في وسطها بخروق وقضبان حديد عارية اما هذا الجسر فكان مقطوعاً تماما، رأيته من تحته فبدا لي وكأن القطع يستمر نزولاً حتى الأرض. فاغراً كأنما هو بئر في الفراغ. طالما أحببت الجسور، ما ان تصعد بي السيارة جسراً حتى أشعر أنني ارتفعت عن الأرض. ان في ارتقاء جسر صعوداً الى السماء او كأنه بحد ذاته تقليد للطيران، احب اللحظة التي تعبر فيها السيارة الجسر. أحس انها تقريباً لحظة إقلاع، أحبها وهي تطير على الجسر وأحس انها على وشك ان تحلق. أحب ان أرى العالم من جانبي الجسر. انه دائا ممتد من تحت، أحببت مدناً لجسورها، عمان مثلا، أعرف ان بيروت قائمة على جسور وحينما كنت أسمع اخبار القصف الإسرائيلي، وأعد مزيداً من الجسور، اتعجب لوفرة ما يجدون منها وأشعر ان البلد كله قائم على جسور، بدا لي أنهم هم ايضا زهقوا من فرط كثرتها، قصفوا سبعين كما قرأت في مقالة جون لو كاريه Jeon le Carre في اللوموند. وبقي امامهم ما يفعلونه. الجسور التي كانت محفرة شعرت، إزاءها كما لو كانوا القوا زجاجة أسيد على وجه جميل. فكرت انهم نجحوا فقط في تشويهها وأنها الآن مخرقة كما لو كانت اسمالاً. لم أحب النظر في القضبان البارزة كرهت هذا النوع من التعرية المهنية، بدت لي الجسور المصابة ممرغة الوجوه. أما هذا الجسر فمقطوع بكل هيبته. ذلك ظاهر في قوة الضربة. في الحد المبتور تماما، في العمق النازل الارض، في القوائم التي تحمل الوجه المصدع لكن غير المهان، في الماضي كانت الجسور تحمي، أذكر صورة اشتهرت يومذاك لرجل مذعور من القصف لاجئ الى تحت جسر، الآن نصل الى جنب الفجوة الهائلة ونرى الجسر ايضا مخيفا وجليلا لنحيد ونهبط عنه، ولا نعرف إلا بعد ضياع قليل اين تبدأ الطريق.
في صور نجلس على صخرة “الجمل” المدقوقة في عمق البحر وتكاد تشقه الى بحرين يلتقيان في قوس عن يمينها وشمالها، كنا امام الماء الكحلي وتكلمت عن البحر، وانا الذي كتبت قصيدة طويلة عن البحر لم أجد سوى ان اذكر حلما عن البحر كتبته غالبا وصدقت بعد ذلك اني رأيته، رجعنا الى حديث المدينة، كيف أريد ان أتكلم عن هذا الصلح مع امهاتنا غير الجميلات كما كتبت بعد دمار الضاحية، كنت أفاجأ بدمعة في حلقي واتوقف قليلا حتى أبتلعها وأشد صوتي، وأقول حين لا انجح في ذلك بأنها حالة ميلودرامية وان تروما الحروب تجعلنا نريّل على أنفسنا.
في العودة نظرت الى بناية الدفاع المدني الذي راح في قصفها 27 شخصاً، كانت منكسة قليلاً لقد تحول رأسها الى رقائق اسمنتية متراكمة لكنها لا تزال واقفة. احرقوا 27 شخصاً فقط في الطوابق العليا التي كبست فوق بعضها وغدت اشبه بصفحات كتاب ملتصقة. رأس مسحوق ومترمد هرس بالكامل ولا يزال باقياً. لا أعرف لماذا فكرت ببرج التجارة العالمي. شيء ما ذكرني فيه، استطيع انطلاقا من ذلك ان اتخيل كيف كان الأمر بعد ان اخترقت الصواريخ الطبقات العليا وكيف بدأت هذه تصطكّ فيما الدخان يفور منها.
السفير -الجمعة، 6 تشرين أول «أكتوبر» 2006
*****
نعرف الى أين تتطلع وجوه جيلبر حاج. عيونها معلقة بعين الكاميرا الآلية. لا وهم في هذه الوجوه. إنها صنيعة الكاميرا ولا تقول شيئا آخر. لا تقول إنها لقطة من الحياة سرقتها الكاميرا. لا تقول إنها تقليد للحياة. ما تقوله هو العكس. إنها تمتثل للآلة. تقف كما تريدها أن تقف. وضعة وجاهية بلا أي تعبير. الوضعة الوحيدة التي نحسب أنها تقليد للآلة. ما تريده هذه الوجوه ليس توثيقا ولا تسجيلا ولا سردا ولا وصفا. ما تريده هو الصورة فقط، الصورة التي هي أعلى من اللحظة. من اللقطة. من الحياة الجارية. من التعابير والمشاعر. بل هي أعلى من موضوعها. الوجوه المصورة لن تتذكر شيئا عن نفسها في هذه الصورة. إذا خطر لها شيء فلن يخطر لها سوى وضعها أمام المصور وعين الكاميرا المسلطة عليها. الوجوه المصورة لن تجد نفسها تماما في هذه الصور. ستجد شيئا آخر. شيئا لا يمكن أن تكونه إلا بالموت أو بالاختفاء. لا يمكن أن تكون إلا إذا سبقت نفسها، أو إذا وجدت نفسها في إطار ثان. قد تضحك من نفسها في الصورة وقد لا تضحك، لكنها تعرف أنها صورة لزمن ثان. إنها مؤجلة لما بعدها أو أنها نوع من تصبيرها كما تصبر الطيور أو الحيوانات. لن نقول إن استديو المصور هو دائما مختبر تحنيط وتصبير. لكننا ازاء صور جيلبير الحاج نجرؤ على أن نقوله. ليس التخليد أو التأبيد ما تريده الوجوه من هذه الصور. إنها لا تجد نفسها بالضرورة متسامية مؤلهة فيها. قد تضحك منها. قد تجدها فقط لاستعمال سريع. جواز سفر أو هوية. ثم إنها في العادة تختارها لنسخ كثيرة إذ يحتاج الجوار والهوية الى أكثر من نسخة، وإذا فضلت نسخة وفاضت عن الاستعمال فلا بأس من إهمالها أو رميها. كل منا يحمل في جيبه صورة كهذه وقلّما ينظر إليها إلا وهو مفاجأ وكأنه لا يصدق أن من الممكن أن يكون بعيداً عن نفسه الى هذا الحد. هذه صور تصفنا لآخرين لسنا بالنسبة لهم إلا غفلاً. آخرين يطابقون بين وجوهنا وصورها في الجواز أو الهوية مثلاً أو يتأكدون فيها من هارب أو مطلوب أو مخطوف. إنها صورنا حين لا نحتاج الى أن نكون نحن إلا بمقدار ما يعني هذا الآخرين. حين نكون بالنسبة لهم توقعا أو نعمة أو علامة فارقة..
هذه الصور ليست شيئا سوى صور صافية. إنها لغة الآلة وفكرتها عن الشيء. بل هي صورتنا حين لا نكون سوى صورة، إنها مطابقة وليست مطابقة. لا تتطلع الى أي شيء سوى نفسها وسوى المكان الذي خرجت منه إلى عين الكاميرا. وإذا دلت فهي تدل على فارق ضمن العموم. إنها فقط لكي لا يختفي المرء في العموم ليكون له ذات الوجه. ذات الصورة مع فارق تفصيلي يجعله لا يدخل السجن عن غيره من فرط ما يمكن أن يكون غيره.
ربما يريد جيلبر حاج أن يكلمنا عن وجودنا القبلي والمسبق في الكاميرا. عن صورتنا الافتراضية. عن صورتنا الصافية والكاملة التي لا تلبسنا تماما إلا في غيابنا. إذا كانت هذه الوجوه التي مثلت للكاميرا لا تريد أن تضع فيها إلا ما تعتبره حصة الكاميرا وواجبها، فإن أسهل ما يمكن هو إعارة أنفسنا دائما لآلة ما. قد تكون آلة كلام أيضا. وننتظر منها أن تظهر صورتنا الافتراضية القبلية تلك.
هناك آلات كلام وفن إذن ونحن نتطلع الى عينها وننتظر منها أن تمنحنا تلك الصور العامة التي تتمايز بفارق وحيد قد يكون الاسم والتوقيع. تتباهى الأمم وتتباهى الأعراق في هذا العموم السديمي إذ لا يمكن للمباراة أن تتم إلا حين يكون الامتحان هو نفسه للجميع. المباراة تتم بين تلك الصور الافتراضية التي تصنعها آلة واحدة أو آلات متقاربة. للوطنيات على سبيل المثال لغة متقاربة، وكم يرعب أن نكتشف أن شيئا من لغة النازي موجود عن قصد أو غير قصد في لغة مثلا le pen وطنيات أخرى. إذا كان الوجه أبيض أو أشقر أو أسود أو فتى أو امرأة فإنه يفوّض الكاميرا أن تجعل له صورة تتخطى ذلك وتؤمثله. لا شك في ان العالم في نظر الكاميرا الاشتراكية السوفياتية كان واحدا ولم تكن الألوان والأعراق والظروف سوى فوارق ثانوية. قبيل الحرب كانت مؤتمرات الحزب الشيوعي على يقين من اندراج المجتمع اللبناني في صفوف طبقية. كان الليبراليون اللبنانيون لا يشكون أننا أدنى ما يكون من دولة حديثة تنتظم فيها الكتل والجماعات حول رؤى ومصالح سياسية واقتصادية. لم يكن الشيوعيون يحسبون أننا وصلنا لكنهم لا يشكون أننا بدأنا. وكذلك كان الليبراليون، أي إن الجميع يعتبرون الخصوصيات حالة من الفوضى والتبعثر قبل أن تصل الى جادة السياق العام. الى الصورة الصافية التي تنحصر فيها الفوارق في أقل عدد وأقل صفة. لكن الفارق لا يحتاج الى عدد أو صفة ليغدو فجأة حاسما أو متسلطا. سنتكلم عن هذا في ما بعد، لكن ما يهمني الآن هو الآلات التي تصنع صورا على مقاسها وتوحي لنا بأن نقلدها. ما يهمني هو هذه الحاجة الى صور تتجاوز دائما خصوصياتنا وتجعلنا نحن أنفسنا نوعا من الصور. ليست هذه عن سذاجة ولا جهالة وليس لنا أن نتهم أصحابها بالتعالي أو الانفصال عن الواقع، فالواقع يفتقر الى التحديد، وليس دائما صدقا وحقا فهو يشمل الوهم والخداع. ثم انه يتظاهر في كل الأشكال والأحوال، وقد يكون مجرد عدة نختار منها ما يناسب ونغفل ما لا يناسب. ليست سذاجة ولا جهالة بل هي حاجة الى أن ننظر الى أنفسنا في أنساق لا نعرف أو لا نريد أن نعرف من أين سقطت علينا، أهي من الآلة التي وقفنا قبالتها فحسب، هل أتتنا عرضاً أو خطرت لنا صدفة من أي مكان لتغدو فجأة أصلا لا يتزعزع في تعريفنا بأنفسنا أو تقديمنا لها. كانت القوميات دأب النخب في مطالع القرن الماضي، وها هي الآن نبض الشارع، ولا نعرف الى الآن إن كان هناك ثمة مثال سابق لياسر عرفات وصدام حسين وحتى أسامة بن لادن، بل نحن لا نعرف كيف استحالت هذه أو تلك أنماطا مسيطرة. فانتقال الصور كاجتراحها أمر عبث. تبدأ الصور غريبة محيرة ثم تتلبسنا وتغدو كل فكرتنا عن أنفسنا. هناك بالطبع هذه الحاجة الى العموم لكن أيضا الحاجة الى الفارق الوحيد غالبا الذي هو أيضاً صوري لكنه يغدو فجأة حداً بين ذوات وذوات. الفارق الذي يكون بحت تكرار أو بحت تسمية، فما يعني أن تكون عربياً أو ألمانياً أو فرنسياً، سوى تكرار ذلك كل مرة أو إضافته كل مرة وكأنه توقيع لا غنى عنه. صناعة الصور هي أيضا صناعة الفوارق. لا تختلف وجوه جيلبير الحاج في شيء لأول وهلة. تتمايز عيونها وألوانها وسحنها بالطبع، لكن ما تريد أن تقوله هو انها رغم ذلك لا تملك فكرة أخرى عن أنفسها.
رغم ذلك نرى أن اللحظة التي تفترق فيها عن بعضها بأي وازع ليست بعيدة. يمكن للاسم أو اللون أو الجنس أن تغدو فجأة حدوداً لا تقهر. يمكن بالطبع أن تقع الصورة الطارئة على نعرة متأصلة فتلبسها وتستمد منها. وحتى في هذه الحال تزداد النعرة تحت الاسم الجديد خفاءً وتبقى الصورة أظهر وأشد بروزاً. لا نعرف الآن لهذه النزعة الجهادية الضاربة قاعدة واضحة. يستهوي ايناسيو سيلونه في اللوموند أن يجد فيها عنوانا آخر لنزعة قومية مستترة، لكن النزعة القومية بنت في يوم على نعرة مستترة أيضا. وهذا بحد ذاته دوران في فراغ، لكن الصورة التي هي نمط عام تقدر على أن تستولد من نفسها فرقاً قاتلاً على حد لغة أمين معلوف في الهويات القاتلة، ولا نلتمس بسهولة تحليلاً لذلك إلا أن أموراً هي في بدئها تقنيات أو إسقاطات لا غير تغدو في ما بعد كهانة مخيفة. قد تظهّر الصورة أشياء كامنة لكن هذا ليس هو الموضوع. فالمهم أن ليس بين الصورة وموضوعها علاقة ضرورية. بينهما مسافة متروكة للصدفة والارتجال والمصاقبة الصرفة.
لكنهما بقدرة غير مفهومة يستحيلان في لحظة جسدا واحدا. كان لكلمة وطنية في الحرب اللبنانية سيادة في الجانبين المتقاتلين، ولم يعن اشتراك الاثنين في الكلمة شيئاً ولا ترك شبهة على اقتتالهما نفسه. يختلف المتكلمون في الجهاد على معناه ويتباينون من الهداية بالكلمة الى قص الرؤوس بجر سكين مثلومة تتمادى في الذبح. لكن الجهاد يبقى مثلاً وصورة تتلبس كل ذلك بلا فرق. ذلك أن الحضور الاعتباطي للكلمة هو ذاته الحضور الاعتباطي للصورة. الصور التي تُعد بقياس محسوب وشرط محسوب لجواز السفر هي الغريبة تماما عن صاحبها، والصور التي يعدها لآخرته غيرها. إنه يعدّ لها صورا أجمل وأنجح يقدر على أن يتخيل ذاته فيها أو يعتقد أنه فيها، لكن الصورة النمطية، صورة الجواز، تغدو صورته الرسمية، الصورة الأصل، وما سواها متفرق جزئي. لنتأمل هذه المطابقة الغريبة لما لا يتطابق أو لم تكن المطابقة غايته. شيء كاعتباطية الدلالة كما افترضها سوسير. إذا كانت مفردة الكرسي تدل على الكرسي دون نقاش فإننا لا نعرف تاريخا كانت فيه كلمة الكرسي والكرسي منفصلين. ذلك متعذر نظريا على الأقل لكن بين الصورة وموضوعها، بين الوطنية والجهاد وتجسيداتهما، مسافة زمن على الأقل. يمكننا نظريا أن نتصورهما منفصلين أو متباعدين. لذا نعجب من أن يتطابقا فجأة وكأنها من معدن واحد. تقع الصورة على الموضوع في أول الأمر وقوعا مضطربا محيّرا. فيظهر بين الاثنين اختلال أو تباين أو تراكب قلق، ثم إذا بهما في لحظة قد تلابسا واندمجا. كانت العروبة في أول أمرها نبتاً مسيحياً ثم إذا بها والإسلام شيء واحد وقد تلابس في ما بعد طائفة أو مذهباً. ثم إن الصورة قد تصنع تاريخها. يقول السلفيون إنهم أمناء للسلف لكن هذا السلف ليس الترجمة ولا علم الكلام العقلاني ولا الفلسفة ولا الشعر ولا الحكاية، فأين يكون هذا السلف إذن. وإذا علمنا أن الصينيين يزعمون انهم اخترعوا الشاي قبل أن توجد الصين، فهمنا أن تلك الآصرة بين الصور الأصلية والقدم خادعة ومصنوعة، واحتجاج هذه الصور بالتاريخ بلا أساس، وما من سبيل الى أن يغدو التاريخ أسطورة وقدسا وحرزا إلا أن نستنبعه من صور كبرى أو أصلية. كأن التاريخ حيلة الصور لتبدو أقدم من نفسها. إذا كانت الصور في حقيقتها بلا ماض فإنها هكذا تستولي على ماض أو على الماضي. ليس ذلك صعبا عليها لأنه لا يحتاج الى علم ولا الى تثبت، فليس أسهل من أن يتلبس التحريض ثوب العلم والتاريخ وليس أسهل من أن ينجح التحريض ويعم. يكفي أن تقول إن شيئا في خطر ليهب الجميع. يكفي القول إن الأمة أو الثقافة أو شجرة الأرز أو النخلة في خطر لتجد مصغيا ولتجد تكتلا. ليس لزاما أن تكون القضية أكبر أو أصغر، فالتحريض ليس بموضوعه انه بنعرته. ليس أكثر من مباريات الكره إظهارا للعصبيات من كل نوع، ولا نعرف كم يمكن أن ينجح التحريض حتى حين يكون المحرض مكروها أو ظالما. فالحاجة الى نعرة شيء قلما تتعافى منه الأمم. وإذا تكالبت الأمور والهزائم والمواجع على شعب خرج منها الى أي نعرة كانت، خاصة تلك النعرة التي تلقي التهمة على الأجانب والعملاء. لكم تأجل مصير طاغية بسبب نعرة كهذه، وكم نجح حكم مهترئ في أن يطيل أمده بإحياء نعرة كهذه. وحتى الأمم التي تتعافى نسبيا لا تأمن من أن يعاودها المرض. يكفي أن ينحسر العصر الذهبي ليابان اليوم وتتحول أميركا عن دعمها حتى تعاود الوطنية الإمبراطورية شباناً يابانيين. الأرجح أن التحريض لا يحتاج الى متانة أو صلابة، فقد يكون سخيفا وطفوليا وينجح. من ذلك هذه المباراة الطفولية بين الأشجار. نخل عربي وبرتقال فلسطيني وأرز لبناني ولا نطيل، لكن الصينيين يقولون أيضا ان تاريخ ستة آلاف سنة تفوح كل صفحة فيه بعبق الشاي. تقع الصورة على الموضوع وبينهما أحيانا ما بين الشاي والعزة القومية الصينية. اعتباط بحت. بينهما ما بين أهداف الكرة والنصر الوطني. اعتباط بحت لكن مثقفين فاعلين لا يمتنعون عن أن يزينوا ذلك، وأن يصوغوا ما بين الشاي والعزة القومية أشعارا وخطبا وفلسفة وفكرا، ولا بأس من أن نقول إن جانبا كبيرا من ثقافتنا كان بهلوانيات كهذه وأن أمرا كهذا يؤخر ولادة الثقافة والمثقف طويلاً.
إذا كان ماركس تحدث عن تحول الفكرة الى قوة فإن من شأن العصبيات تحويل الحذر او الخوف او الحسد الى قوة. هناك صورة تقع اعتباطاً على موضوع أصغر يستند بدوره الى عامل لا يصرح باسمه خجلا او حرجا، فقد يكون أطماعا صريحة او منافسة صغيرة او غيرة طفولية. هكذا نغدو في دائرة بل دوائر يصعب فكها. إذا نظرنا الى صور الاسلاف الباقية أحيانا على الجدران بشواربهم المعقوفة وعيونهم الصقرية أصابنا شيء من خوف. فهذه الصور لا تزال بعد زوال الظروف والايام تحتفظ بقدر من سلطانها الذي هو سلطان الصورة بلا أي إضافة. وقد يصعب علينا ان نتخيل ان صورنا سيكون لها ذات يوم على جدران الاحفاد الاثر نفسه. ان اجتراح القوة استعداد فطري للصورة ما ان تقع ولو مصادفة او مصاقبة على نعرة او عصبية او موضوع. سيبدو هذا الكلام سخفا بل سيبدو تدنيسا كبيرا. فما نأخذه بهذه الخفة كان موضع عبادة وتعلق الملايين، ومات من أجله الملايين. في العراق اليوم هذه المفارقة، إذ لا يوازي عبث ما يجري إلا الزخم والعنف اللذين يتم بهما هذا العبث. هكذا يرد الكلام على نفسه. إذ نفهم ان الضرورة والسببية والنظر العقلاني ليست هي التي تمنح الأمور قوتها او جبروتها. قد تدل النتائج على ان للأشياء منطقا خفيا وأن ما نراه فورات غير مفهومة إنما هو تظاهر التاريخ وطرقه الغامضة. لست أستبعد هذا لكن انتظار النتائج لا يترك قولاً لأحد. فالعبرة هنا هي دائما لمن يأتون بعد، أما قبل ذلك فلنا الظاهر وحده. والظاهر يرينا أن ما يفلت من عنف جبار ليس دائما من معدن الحادثة ولا في حدود حاجتها.
يتراءى لنا ان شيئا غير السبب وغير الدافع وغير الحاجة يتدخل. إنه شيء من الخيال، من الغريزة، من المصادفة. من هنا ينجح التحريض بقوة وبائية، بعدوى تكرارية لا أكثر. كان الغرب بالنسبة للعرب مخادعا ومفتريا في اثنتين: سايكس بيكو وقيام إسرائيل. أتكلم عن العصر الحديث بالطبع فحديث الصليبيين قديم بعيد. ورغم ان الاثنتين كانتا حارّتين طازجتين فقد اختارت الحركات الاسلامية الاصولية مراعاة الغرب في السعودية ومصر وبلاد العرب لاجتهادات خاصة آنذاك. هكذا سار أجداد بن لادن أو آباؤه. فما الذي جرى بعد أن برد الجرح او كاد لتتحول الاصولية الإسلامية الى هدم الغرب ومطاردته وناسه وأهله في كل مكان. ليس هذا بالطبع عبثاً في عبث لكن أسبابه ليست على الأقل في ظاهره. ربما هذا ما يجعل الهويات قاتلة لكن غريبة أيضاً. من غريبها أنها لا تتعلم بقدر ما تنسى الدروس، بل الاغلب أنها كلما استفحلت عادت القهقرى. تنام وتصحو صحوة أهل الكهف في غير عصرها وزمانها، وترجع غالبا بالخطاب والشعارات والرموز ذاتها بلا فرق. تخطئ تماما حيث أخطأت من قبل وبالحرف وتعيد سلوكها. وإذا تغيّر شيء فيها فهو ان تزداد عنادا وتبسيطا وانغلاقا، ذلك تدهور أكثر منه تغيرا، إذ قلما تفعل إلا ان تمضي قدما وفي الطريق الذي اختطته ولو واجهت الكارثة بأعين مفتوحة. لو أحصينا هزائمنا لهالنا ان ثمة قرنا كاملا مهدورا هنا. من الهجمة الأولى الى الهجمة الأخيرة تكاد الأمور تتكرر بحرفها ولا يبدو ان ثمة استعداداً، أي استعداد، للرجوع عن خطأ او هفوة. حركة بعد حركة ينتهي الأمر بلا دروس. يُلدغ المرء من الحجر ذاته مرات ومرات. من ال48 بل ال36 حتى حروب الخليج المتكررة، ومن ال56 حتى ال67 حتى ال73. لا تتغير الرحى ولا الخطاب ولا الآلة ولا الزلات ولا النتائج.
حين يتكلم الأميركيون عن القيم الأميركية فكلام واثق. هانتغتون الشهير يسمّيها ويحصي من بينها اللغة الانكليزية والمسيحية والالتزام الديني فضلا عن المفهوم الانكليزي للقانون والحق والفردية وقيم العمل والقناعة بأن في وسع الانسان إقامة جنة على الأرض. ربما يسعفنا ذلك في ان نفهم ماذا عنى بوش بالنمط الأميركي غداة 11 سبتمبر. سيبتهج كثيرون من العرب بهذه القيم وسيقولون ان عندهم امثالها، اللغة العربية والاسلام والالتزام الديني، وعندهم أضدادهما الشهامة والكرم والانضواء العائلي. سنتذكر ان رسالة المثقفين الأميركيين الى العالم بنت على هذه القيم. وإذا علمنا ان هانتغتون يقول هذا عن خوف من ان يفسد دفق اللاتينيين هذا النظام بلسانهم غير الانكليزي وديانتهم غير البروتستانتية.. إذا علمنا ذلك وجدنا ان هانتغتون وبوش يهوّنان الأمر علينا، ويرفعان عنا حرجاً كبيراً، فأغنية القيم هذه تصلح لكل الشعوب.
لكن السؤال هو عما إذا كان المثقفون هم حراس القيم السائدة، وإذا كانت الثقافة هي حقا عبادة القيم الثابتة او تكريسها. يغرينا على الأقل من باب التكافؤ أن تكون الاسطورة هي نفسها هنا وهناك. لم يكن عربيا على كل حال أول من ساوى بين خطاب بوش وخطاب بن لادن. لكن هذا على ما فيه من إغراء ومن تعزية خطر. إنه يجعلنا نتساوى في الأسوأ ويرفع عنا مغبة التصدي للأسوأ. بل يجعلنا متفرجين على ما يستفحل في ديارنا وبيتنا وكأنه لعبة أمم لا تعنينا. الخطر هو عدمية سياسية تجعل الخيارات كلها متوازية. تفرز أميركا من حين لحين يمينا طفوليا ويمكن ان تفرز مثلها فرنسا (Le pen) مثلا او النمسا او هولندا.. لكن هذا لا يجعل الديموقراطية والبارانويا الاستبدادية في ميزان واحد. كما انه لا يجعل من كراهية أميركا دينا سياسيا وحيدا او مصدرا وحيدا لكل سياسة. ا
لمساواة في الأسوأ هي الحجة الكبرى لتبرئة الذات. تبدو الحرب اللبنانية أمام مساواة كهذه عاجزة عن ان تصل الى نهاية. لقد انتهت الى تواز مسدود. توازت الوطنيتان في بؤسهما وتحولتا الى وطنيتين شقيتين. شقاء اللبنانوية وانهزامها لا يقل عن شقاء العروبية وانهزامها. بدا وجودهما المأسوي لا يتيح لأي منهما ان تكون حلا او مخرجا. يكفي ما نراه الآن من حصار لهاتين الوطنيتين في داخل البلد وخارجه لنفهم ان الاحتجاج بنسب قديم او امتياز جغرافي لم يعد كافيا. ما نحن فيه هو وطنيات حزينة ولست أكيداً من ان الوطنيات الحزينة تصلح لأن تكون أملا فاعلا. الوطنيات الحزينة هي تبديد الذات غالبا في مشاعر قاتلة لكنها بدون أفق. إنها اجترار بحت، والحال أن الذي يتطلع الى لغة الشبان السياسية اليوم يتراءى له أنها لغة الآباء بل ما قبل الآباء بلا فرق. الوطنيات الحزينة هي أيضا رثاء للذات وانطواء وجداني وشعور مسبق بالهزيمة. وهذه لا تكوِّن هويات فاعلة، بل الأغلب انها هويات متململة ضبابية متشظية. إذا سمعنا كثيرا هنا لغة ما قبل الحرب بل لغة أوائل القرن الماضي فلا يشعر أحد بأن هذا من بقاء الأمور على حالها، فالأرجح ان هذه اللغة تدوّي في فراغ ايديولوجي، بل تدوّي في الواقع في فضاء من اللاتاريخية النافرة، تعمل فيه الآلة اللفظية او تطحن بلا أي صلة معلنة بمسمّياتها. لغة كهذه تبدو تمويهاً لانسداد أيديولوجي سياسي تعود فيه بقايا ايديولوجية الى الظهور مجددا. لم تقدم لنا الحرب حطام مجتمع وحطام دولة وسياسة فحسب بل قدمت أيضا حطاما ايديولوجيا وفكريا. لقد بدت الرهانات كلها متساوية في لحظة ما، سواء على الغرب وعلى العرب وعلى الداخل والخارج. بدت هذه رهانات على هزيمة او رهانات على اكذوبة. الارجح ان الجماعات اللبنانية ضربت أولا من بيوت آبائها الحقيقيين والمتخيلين. هكذا بدت فجأة بلا رهانات وبدت الاطروحات نفسها مجرد اقاويل بلا سند وقوتها في ذاتها فحسب. هكذا نفهم كيف ندخل في منطقة من الغموض واللاتحديد فيما توحي الأبواق الأيديولوجية الصارخة بالعكس. هل نحن حقا ما زلنا في حرب الهويات والوطنيات. هل ما زلنا مجددا أمام وطنيتين وهويتين أم نحن في الواقع في دائرة غامضة بين هويتين ووطنيتين مهزومتين. ماذا يعني لبنان منهار اقتصادياً وتحت الوصاية، لبنان نزف ديموغرافي وتوازن طوائفي مضطرب في وضع عربي مفلس وأمام غرب منقسم. هل يسعنا ان نفصّل من هذا الوضع حقا وطنيتين وهويتين، أم نحن أمام بقايا وطنيتين او حطام وطنيتين وفي دائرة وسطى بينهما ومنهما لا نعرف تماما ما هي. لقد ولدت اللبنانوية من الحلم اللبناني، والعروبية من حلم عربي، فأين بات هذان الحلمان. إنهما بالتأكيد في نكسة. وماذا يمكن ان ينتج من لبنانية مكسورة وعروبية مكسورة.
إذا دققنا قلنا ان الفوقية اللبنانوية سقطت فيما بقي لبنان للجميع، وإن العروبة في مأزق فيما تبقى اللغة العربية للجميع. إذا دققنا أكثر رأينا ان التجاذب الطائفي أكثر علنية وظهورا من ان يكون حقيقيا. فقد أمكن لهذا التجاذب في ما مضى ان يكون محركا مظلما لكنه بقي مموّها قادرا على ابتكار سطوح أيديولوجية مختلفة وعلى الاختلاط بعناصر أخرى. أما أن يبدو صافيا وعلنيا فهذا ما يشعر بأنه يتحول من محرك الى أداة وربما الى تكتيك او خلاصة واضحة للإفلاس السياسي. يمكن القول إذن انه في المنطقة الرمادية التي نعيش فيها فإن أكثر ما لا يصدق هو ما يسمى الواقع. أكثر ما لا يصدق هو الصور المعلقة الثابتة التي لفرط ما هي كذلك تبدو أبدية. هكذا تبدو العبارات والشعارات وحتى القيم مستعارة من أقرب زمن.
كأننا تقريبا بلا لغة. في المنطقة الرمادية الوسطى حالة من الكمون شبيهة بالتخمر شبهَها بالاستنقاع او الاحتضار الطويل، وربما كانت هذا او ذاك او ذلك. قد تطول الساعة الرمادية او تقصر لكن اللغة المعارة لن تغدو حقيقة.
ومهما طال ذلك الدوي فلن يصبح زمنا فعليا. ربما هو انتظار شاق. انتظار الوقت لناسه. من الصعب الخروج من نفق الوطنيات الكبرى الى شيء ابسط من عدم الأمان، ومن الصعب موازاتها بأحلام من الحجم ذاته. لا شيء يعادل البرانويات الضخمة والاحتقانات الضخمة والكراهيات الضخمة. وإذا شئنا ان نصل الى بر فسنجد أنفسنا مطرودين خارج كوابيسنا العملاقة وأحلامنا. ستكون الخيبة حاضرة في كل وقت فالسلم دائما بارد وليس مثيرا بالطبع. هذا التدرج البطيء في التعايش كما يقال والتدرج البطيء في الحرية الشخصية والحياة الخاصة والقيام بلغة أم مع تعدد لغوي ولا بأس من سنوبية عالمية، فهذه تغدو مع الزمن تقليدا. سيكون هذا باردا وبطيئا ولا يشكل جماع حلم او كابوس، لكن تعريفات العالم والإنسان تصبح اليوم أكثر فأكثر متفرقة متعارضة.
لعلنا أطلنا على جيلبر حاج، او حملناه على ما لم يقله. ليس مراد الحاج تأليه الآلة ولكن ما يتصدّى له هو تأليه الانسان. يمكن ان افكر لقاء هذا التساوي في الصور بوارهول او بجياكوميتي. الأرجح ان هذا التكرار اقرب الى متوالية باخية او نوع من الذكر. لكننا ننسى ان لشخصيات الحاج عيوناً وهذه العيون تسطع أكثر حين تكون الوجوه متماثلة. تسطع أكثر دون ان تخرج من الوضع الإنساني، لكنها تمنح دائما هذه القدرة على عدم الذوبان والعودة الى نقطة البدء.
*ألقى عباس بيضون هذه المحاضرة خلال حفلة الافتتاح للمعرض الفوتوغرافي "هنا والآن" للمصوَر اللبناني جيلبر حاج، المنظم بدعم مكتب الشرق الأوسط لمؤسسة هينرخ بُل بماسبة افتتاح المكتب في 3 تشرين الثاني 2004 في المركز الثقافي "Espace SD" في بيروت.
******
أمجد ناصر: النثر طريق الشعر
“الحياة كسرد متقطع” حاجة في شعرنا. اذا كان أمجد ناصر يريد ان يصل الى الشعر عن طريق النثر فقد فعل هذا وعكسه. وصل ايضا الى الشعر عن طريق النثر. هذا الجدل هو محرك كتابه الجديد. لقد نقل تمرسه بالشعر واللعبة الشعرية الى الفضاء النثري، ليست شعرية النثر وحدها الموضوع هنا، بل اعادة وتجديد السؤال الشعري عمل كهذا من المهم ان يستولد سجالا، وليس غرض هذا الحديث سوى التحريض عليه.
- في مجموعتك الشعرية هناك نزوع الي التجريب بلغات وجمل متعددة، هذا مزاج ام اختيار محسوب.. هل تعتبر نفسك تجريبيا وهل للتجريب قيمة بحد ذاته، ام هو محاولة لتوسيع الحيّز الشعري؟
ناصر: "النزوع للتجريب قائم عندي كما هو قائم عند معظم الشعراء، او لأقل عند الشعراء الذين تعنيهم قضية الشعر، وتؤرقهم اسئلته. نادرا ان تجد شاعرا مهتما بسؤال الشعر وقضيته وليس فيه شيء من التجريب. التجريب، في كل حال، هو تعبير عن قلق ذاتي وموضوعي في آن، كما انه رفض، بطريقة او اخري، لما هو قائم. لماذا تجرب اذا كنت تألف وتطمئن تماما الى ما تعرف وما يتواضع عليه الآخرون؟ المطمئن الى ذاته وادواته وعالمه هو الذي لا يجرب.. فلماذا يجرب والطمأنينة تسري في قوله وموقفه من العالم. قد يبدو التجريب لعبة لا قصد لها سوى ذلك.. ولكني اظن انه ابعد من اللعب واستعراض المهارات.. انه قلق. وزحزحة عن السياق والثبات اللذين لا يفسحان مجالا لهواء ودم جديدين.
"بهذا المعنى اعتبر نفسي تجريبيا.. فأنا اصلا انقلبت، باكرا، على ما كان سائدا في الكتابة الشعرية.. ومذ ذلك وجدت نفسي خارج التلقي العام. ليس لي، اصلا، حصة في هذه السوق، فصارت علاقتي بالشعر شخصية تماما. أي إنني أكتب ما يرضيني ولكن هذا لا يعفيني من المسؤولية، إن كانت هناك مسؤولية اصلا، حيال وضع الكتابة الشعرية، فرغم انني اكتب في وضع تام من العزلة واحساس بعدم وجود التلقي، الا ان تجريبيتي ظلت في حدود ما هو تجريبي اصلا في الشعرية العربية. فقد كتبت ودافعت عن سياق شعري معين ضد سياق آخر، وخضت مع غيري حروبا من أجل ان تتقبل الثقافة العربية خيارنا الشعري الذي بدا وكأنه من خارجها.
وهذا يعني، في ما يعني، ان التجريب هو ايضا توسيع للحيز الشعري وطرح اقتراحات على الشعرية."
- آخر مجموعاتك “مرتقى الانفاس”، لا تنمّ عما ستصل اليه في الحياة كسرد متقطع، بالعكس يبدو انك وصلت في الاولى الى نهاية مقلب وانتقلت في الثانية الى مقلب مختلف. ان لم يكن العكس، كيف حدث انك وصلت في فترتين متتابعتين الى طريقين شعريين متعاكسين، او على الأقل مختلفين الى هذا الحد؟
ناصر: "أذكر، انك انت نفسك، كتبت حيال “مرتقى الانفاس”، تقول ان هذا الكتاب نوع من الاكتمال، ولا بد ان الشاعر في سبيله الى رحلة اخري لماذا تنبأت بذلك؟"
- لماذا؟
ناصر: "لأنك لاحظت هذه النقلات بين الاعمال عندما جمعت في مجلد واحد. انا شخصيا لاحظت ان كل مجموعة تنتهي بما يشي ان هناك طريقاً آخر للمجموعة اللاحقة، خذ مثلا “مديح لمقهى آخر”، لقد ضم ما سيشي بهذا الانقسام والانقلاب على الذات. كان يمكن ان يكون، لو انني اضفت اليه كل القصائد التي كتبتها في الاردن قبل مجيئي الى بيروت، موزونا تماماً. حينها كنت اكتب قصيدة الوزن.. ولكن بيروت غيرتني. فجاء الكتاب الأول حاملا لبذرة الانقسام التي سترافقني طويلاً. تذكر انه ضم في ثلاثة ارباعه قصائد موزونة وفي ربعه الاخير قصائد نثر او لأقل قصائد تتحرر من الوزن.
"كان يمكن ملاحظة الوجهة القادمة من الربع الاخير من قصائد الكتاب. صحيح انني لم اعد الى الوزن في الكتب اللاحقة، ولكن الكتاب الثاني “منذ جلعاد”، لا يشبه كثيرا الكتاب الثالث “رعاة العزلة”، من حيث الكتابة والموضوعات، كما ان وصول “الغرباء” كتابي الرابع كان يحمل، عندما صدر عن دار رياض الريس في لندن عام 1990، بذور الكتاب اللاحق “سرَّ من رآك”، بل انني ضممت الى سر من رآك قصيدتين او ثلاث قصائد من وصول الغرباء ابرزها القصيدة الطويلة، “وردة الدانتيلا السوداء”، ثم ان “مرتقى الانفاس” كتاب شعري يذهب الى موضوعة تاريخية هي سقوط غرناطة، وبهذا فهو يختلف تماما على اعمالي السابقة سواء من حيث الموضوع ام شكل الكتابة وأفق تحركها.
"أليست هذه انتقالات ايضاً، انها ليست سلسلة مترابطة كخرز الدرع. لست شاعراً يواصل كتابة قصيدة واحدة، ولا مشروعاً واحداً، ولا شاعرا ينضبط الى سياق، بل لعلني شاعر مزاج وقلق. هل يجعل هذا مني شاعرا تجريبيا، او شاعرا بلا صوت منتظم وعالم متواصل، قد يكون الأمر كذلك. ولكن هذا ليس صحيحا تماما. فقد ظلت هناك ثيمات وظل هناك قاموس وظلت هناك جمل تتواصل من عملي الاول الى عملي الاخير. لعلني شاعر عالم واحد ولكني احفر فيه كل مرة، من طبقة ووجهة مختلفة، وبأدوات مختلفة.
"ثم، اخيراً، لا تنسَ أن “مرتقى الانفاس” مكتوب، تقريبا، في منتصف التسعينيات، ولم اصدر كتاباً شعرياً مذ ذاك. اي ان هناك نحو عشر سنين مضت على كتابة هذا الكتاب، وجاء بعده كتاب صغير آخر، مختلف ايضا، هو تلكأت في اصداره لانني شعرت انه صار بعيدا عن مزاجي الشعري بعد ان بدأت في حياة كسرد متقطع، والمفارقة انه سيصدر هذه الأيام في عمان. غير انني لن أسلسله بعد حياة كسرد متقطع بل قبله، حتى وان صدر بعده بشهر او شهرين تقريباً."
الشعر الحر
- لا نشك ان الحياة كسرد متقطع، كما يقول احد نقادك محمد علي شمس الدين ذو وجه نظري ونقدي للشعر. يمكننا القول، اذن، انك لم تصل اليه بالمزاج وحده، بل بقدر من التأمل في الشعر، ما هي دواعيك الى ذلك.. اقصد الدواعي النظرية؟
ناصر: "حسنا، لست من الذين يحسنون التنظير للشعر، ولكنني، في المقابل، لم اكتب شعرا مزاجياً خالصا قط، اي انني، منذ كتابي الاول، وانا مشغول بسؤال الشعر. وكل انتقالاتي، او قفزاتي اذا شئت، كانت مدفوعة بهذا الهاجس. رأيي في الشعر والشعرية كنت اعبر عنهما بالشعر نفسه. ثمة من يستطيع ان ينظّر ولا يأتي التنظير قريباً من كتابته. لدينا الكثير من هؤلاء، اصحاب البيانات الشعرية، وانا، لا اقلل من قيمة ذلك، ولا اعرّض بهم.
"ولكنني نادرا ما رأيت القصيدة صاحبة البيان النظري مطابقة للبيان نفسه، قصيدتي معاكسة لذلك تماماً. انها تفكر في الشعر وهي تكتبه. تفكر في وجهته، موضوعه، اسلوبه حتى وهي تخوض فيه. لكنها لم تصل في وقت من الأوقات الى درجة البيان الشعري، اذا جاز القول، الا في هذه المجموعة الأخيرة.
"دعني اقول انني سعيد لأن اول استجابة نقدية تجاه الديوان جاءت ليس فقط من شاعر عربي مرموق مثل محمد علي شمس الدين، بل من شاعر راسخ في قصيدة الوزن، وربما، لم يكن على علاقة جيدة مع قصيدة النثر السائدة.. اسئلة محمد علي شمس الدين حول الكتاب والكتابة شديدة الاهمية انها اسئلة الشعر من شاعر تؤرقه قضية الكتابة. شاعر على درجة عالية من الحساسية، حيال القصيدة. لقد اسعدتني مقالته، وربما، طمأنتني الى ان الاسئلة التي اطرحها على نفسي هي نفسها التي طرحها عليَّ وعلى نفسه ايضا. فهو اعتبر الكتاب برمته نوعاً من البيان الشعري، وهذا عمليا، صحيح.
"لم تكن الصدفة البحت هي التي قادتني الى هذا العمل، بل الانشغال الطويل بسؤال الشعر، وتحديدا سؤال قصيدة النثر ورأيي في الأمر كالتالي: ان معظم ما يكتب تحت يافطة قصيدة النثر عربيا ليس قصيدة نثر بالمعني الاصطلاحي الغربي Prose poem بما ان منشأ قصيدة النثر غربي اصلا، بل هو اقرب الى ما يسمي في الغرب الFree Verse اي الشعر الحر.
"ما هو الفرق، فعلا، بين قصيدة النثر في النسخة العربية (او في الغالب الأعم من هذه النسخة) وبين الأصل الذي جاءت منه؟ انه فارق كبير. ولكني دعني اسأل قبل ذلك. ما هو الفارق بين قصيدة النثر العربية، وبين قصيدة التفعيلة، الفارق ليس كبيرا. الأولى لا تحمل وزناً ولا قافية، بينما الثانية تفعل ذلك!
"انت تعرف ان قصيدة النثر الغربية لا تكتب، ابدا، ولا هي قريبة، قطعا، من النسخة العربية. اول الفوارق شكلي. انه تقطيع القصيدة وصفها على الصفحة، اي طالب اوروبي او اميركي في الثانوية يعرف، من مجرد النظر الى الصفحة، الفارق بين قصيدة النثر والشعر الحر. فالاولى تكتب على شكل كتلة نثرية على الصفحة.. بينما قصيدة النثر العربية، في مجملها، لها تقطيع يشبه تماما. تقطيع قصيدة التفعيلة.
"هذا أمر لاحظته بعد سنين من الاقامة في الغرب والاحتكاك بشعراء غربيين، والقراءة في مهرجانات غربية. ولكن هذا ليس هو الفارق او السور الصيني العظيم الذين يفصل القصيدتين عن بعضهما البعض.. فالأمر يتعلق كذلك بعالم القصيدة نفسها، باللغة. كأن طموح الشعر هنا هو النثر وليس العكس، حيث ستجد عالم النثر قائماً بما يعني السرد، ولكنه ليس نثرا اخباريا وظيفيا، بل هو نثر مشعرن اذا جاز التعبير، اي النثر الذي يخترقه توتر الشعر وتثوي في اعماقه، لا على سطحه، جمرة الشعر.
"هذه أمور فكرت فيها كثيراً في السنين الاخيرة. كيف يمكن ان تصل الى الشعر عن طريق النثر؟ او كيف يمكن ان تزج النثر في الحقل المخصوص للشعر؟ قصيدة النثر العربية، السائدة، لا تفعل ذلك تماما. فعالمها ليس نثرياً ومادتها ليست، تماماً، نثرية.. هنا ارجع الى الشكل مرة اخرى. فالسطر الطويل والجملة الطويلة الملتفة التي لا يمكن تقطيعها على شكل قصيدة التفعيلة يمكن لهما ان يستضيفا عالم النثر، بما يعني الحياة النثرية وما هو مستبعد لاسباب جمالية، من القصيدة. وفي هذا الخصوص، قرأت مؤخراً قصائد عربية، ذات سطر طويل.. وذات كتلة، تبدو نثرية، على الصفحة.. ولكن هذه الجملة الطويلة يمكن تقطيعها من دون اي ضرر يلحق بشكلها ونفسها في شكل قصيدة التفعيلة. فالسطر الطويل في هذه القصيدة التي تدعي شكل قصيدة النثر له تجهيز اجباري. فهو، كجملة ونفس ومعنى، ينقطع في منتصف الصفحة. التواصل في السطر والكتلة مفروض من الخارج بينما هو عندي في حياة كسرد متقطع تلقائي ومتدفق بشكل طبيعي، ومن المستحيل تقطيعه او صفّه بطريقة اخرى. هذا الفارق هو الذي يجعل حياة كسرد متقطع أكثر نثرية من كل اعمالي السابقة."
- ولكن ماذا عن عالم هذه المجموعة؟
ناصر: "عالمها، ايضا، مختلف، انها تتضمن استجابة الى اصوات خفيضة غير مدونة، أو لا تجد سبيلا الى التدوين، الشعري خصوصاً، باعتبارها ليست من عدة الشعر وعتاده.
"ان التعالي الجمالي، للقصيدة العربية، ما بعد المرحلة الكلاسيكية، أو ما سميناه ب الشعر الحر، هو الذي جعل شاعرا، مثل محمد الماغوط يحتل، دفعة واحدة، حيزاً كان شاغراً في الشعرية العربية المعاصرة. ولكن قصيدة النثر، العربية لم تواصل طريق الماغوط ونثريته، فظل قسم لا يستهان به منها يعتصم بترفع جمالي ولغوي لا يختلف كثيراً عما هو عليه في الكلاسيكية العربية...طبعا لم يكن هذا قصد قصيدة النثر حتى عند بودلير.. بل العكس تماما، فهو، بوصفه والد قصيدة النثر الغربية كان يحاول الخروج من ارستقراطية الشعرية الي بورجوازية النثر، بحسب وصف الناقد الاميركي جوناثان مونرو. كان النثر هو الوحيد القادر علي استضافة الهوامش والفقراء.. اي انه ايديولوجيا كان في مواجهة الشعر ذي الفضاء الارستقراطي. هل فعلنا في قصيدة النثر العربية هذا؟ اي هل كانت قصيدة هوامش الحياة وبشرها الساعين في مناكبها؟ لا اظن.
- أيضا، في المجموعة الجديدة تنتقل الى لغة نثرية، ليس فقط بسبب صياغتها النثرية: السرد، الاستنتاج، البرهان، التقرير، وانما، اعتمادك على الصورة النثرية، التي هي الكناية او الصورة المأثورة والمتداولة.. اي انك تختار النثر بجملته واسلوبه وصورته، في هذه الحالة أين نجد الشعر؟
ناصر: "كنت أريد ان اكتب في هذا الديوان، قصيدة هي أقرب ما يكون الى ما أقوله وافكر فيه واسمعه في المقهى والشارع، هناك موضوعات لم أستطع ان افكر فيها شعريا في الشكل السابق الذي كتبت فيه قصائدي. وهذا سيرجعنا مرة الى سؤال الشكل باعتباره جوهرا أو أمرا عضويا في القصيدة. لماذا لم أستطع ان أكتب عن القبلة مثل ما كتبت بالعرض والتقرير والاستنتاج والكنايات التي اشرت اليها الا في هذا الكتاب؟ باختصار لأن الشكل السابق لم يستطع ان يقدم لي مثل هذه الخدمة. لقد كتبت شعرا في النثر. هذا تناقض ظاهري أعرفه.. وطرح من قبل، ولكن هذا التناقض، بالذات، هو أحد خصائص قصيدة النثر. ولا سبيل الى حله. بل ربما لا ينبغي حله.. أو البحث له عن حل. ولكن الشعر لا يوجد فقط في شكل القصيدة السائدة وموضوعاتها.. بل يمكنك ان تجده في نثر واسع وعريض في المدونة النثرية العربية التراثية.. لماذا قال بعض العرب القدماء عن سور من القرآن انها شعر رغم انها نثر؟ لأن جوها، تجليها، الحالة التي تنقلها الى القارئ، او المستمع، هي شعر أو قريبة من الشعر. بالطبع لم أفكر في الامثولة القرآنية وأنا أكتب، بل في اليومي والراهن والمعيشي، وكذلك في مخزون الذاكرة الشخصية.. أردت ان اكتب هذا من دون تعال جمالي او اعتصام ببرج عاجي مخصوص للشعر كجنس.. كنوع، متعارف عليه. هل هذا ممكن؟ لا أدري تماما. ولكنني حاولت ذلك."
- هل يمكننا عبر شعرية النثر الوصول الى نوع آخر من الشعرية. شعرية ذات تراث وتجربة كبيرين. اي نصل الى نوع آخر من الشعر، اذا كان مهما بعد ان نسميه شعرا؟
ناصر: "تلاحظ، عزيزي عباس، ان كل اسئلتك تشكيكية. ولا أجد غضاضة في ذلك. ولكن حتى عندك لم تلق هذه المجموعة او هذا الكتاب الشعري او هذا الديوان، سمّه ما شئت قبولاً مريحا، او هيناً.
"هناك قلق في نبرتك استغربه عن صفاء الشعر. كأنك تذود عن حياض المستقر والثابت. او كأنك تشكك في امكانية ان يصل الشعر عبر اللغة، بوسيط مثل النثر.
"لست منزعجا من هذه الاسئلة ولكنها تطرح عندي، مرة اخرى، فكرة استقرار الانواع وثباتها وخصوصا الشعر، وهذه اسئلة لا نطرحها كثيرا على نوع أدبي مثل الرواية او القصة، او فنون اخرى مثل الفن التشكيلي والسينما. افهم ذلك لأن الشعر ببساطة هو تراث عربي عريق وانا لست ناكرا لهذا التراث، بل المشكلة، انني من الذين يهتمون به.
"كل سؤال عن اجناس ادبية، او فنية اخرى نقبله، ولكننا نتريث كثيرا عند الشعر، لأن في المساس بالثابت والمنجز نوع من المساس بالذات. اسمح لي، مع ذلك، ان اقول اننا يمكن ان نصل الى الشعر من طريق النثر، من دون خلط الانواع تماما، ولكن ايضا، من دون الدفاع المستميت عن الانواع.
"الانواع ليست مقدسة بحيث لا يمكن تخطي حدودها.. بل هي تعرضت حتى في شعريتنا الى تغيرات كبيرة بحيث لا يمكن لشاعر او قارئ من عشرينيات او ثلاثينيات القرن الماضي ان يتصور ان الشعر العربي يمكن ان يصل الى هذه الحدود.
"ولكن التواضع على تحديدات معنية للاجناس الادبية اصبح عسيرا جدا حتى في الغرب.. فليس هناك مثلا، تعريف جامع ومانع ينفي كل لبس على الFree Verse، مثلما يصعب اكثر وضع تحديد جامع ومانع لقصيدة النثر Prose Poem. وهذا يعني ان الشكلين متحركين، ومتجددين، على عكس ما يراد له عربيا. فالوزن (اقصد التفعيلة) استقرت على حدود معينة.. لقد اكتفت، بقناعة شديدة، بالبحور الصافية ذات التفعيلة الواحدة.. ونادرا جدا ما تجاوزت ذلك. "
اقتراح
- هذه المحاولة اين تجد اسلافها او اشقاءها الشعريين العرب وغير العرب؟
ناصر: "عربيا، لا اعرف، ولكن غربياً هناك ما يشبه ذلك، خصوصاً في قصيدة النثر الاميركية التي هي الانشط غربيا اليوم."
- هذه محاولة راديكالية وذاهبة نهائيا في العمق، هل يعنيك بعد الدفاع عنها على انها شعر ومحاولة التدليل على ذلك، ام ان لا فرق عندك، وقد تتصرف مثلما تصرف جاك بريفير حينما اثقلوا عليه بالكلام عن ان ما يكتب ليس شعراً، فكان ان عنون احد كتبه نثر وهل يحتمل عنوانك حياة كسرد متقطع ردا كهذا؟
ناصر: "لم اكن اعرف ان بريفير يكتب نثراً وليس شعراً. انا لا أعرف الفرنسية.. ولكننا في العالم العربي لم نعرف بريفير الا شاعرا سواء كانت ترجماته جيدة ام لا. هذا يعني انه حتى وان كان بدا للبعض في فرنسا انه لا يكتب شعرا، بالمعنى المألوف للكلمة، فهو لم يتم التعامل الا كشاعر.
"وبصرف النظر عن المقارنة، بين الشخصين او الكتابتين، فأنا لا اخفي ولا اتنصل من ان ما اكتبه هو شعر في النثر. اعني لم اتنصل من النثر.
"لقد جئت مما يسمى عربيا قصيدة النثر، اعني انني، اصلا، واقع تحت هذه الطائلة، وتحت هذه التهمة: النثر. ولكنني لم اصل ابدا الى هذا الحد من النثر الاّ في هذا الكتاب.
"هذا الكتاب فعلا مادته وقوامه هما النثر ولكن جمرته الخفية او مقصده هو الشعر. اعي التناقض الذي اوقع نفسي فيه. اعرف انني ادافع عن كتابة لم تأخذ هذا المنحى النثري من قبل ويصر صاحبها، في الوقت نفسه، على انها شعر.
"قد اصل الى الحد الذي لا احفل فيه بما يقوله الآخرون عن هذه الكتابة. ولكنني لم أصل الى هذا الحد بعد، ما زال يعنيني ان ادافع عن خياري هذا في اطار الشعر، من دون ان افرض شيئا على الآخرين. دعني اسميه اقتراحا شعريا ليس اكثر.
"ثم لا ادري ان كان جواب الشاعر الفرنسي جاك بريفير في عنوان كتابه مشابها لعنوان كتابي. فلم أواجه باسئلة كهذه من قبل في خصوص اعمالي السابقة. ولكن ربما يتوجب علي ان اوطد النفس عليها منذ الآن. حياة كسرد متقطع يشبه في كلمة واحدة عنوان بريفير انها سرد. كأن سرد هنا، تعني، بالضبط، كلمة نثر .. التي استخدمها بريفير.. ولكن لم اقصد