لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

جاروميل الآخر

محمد الخضيري
(المغرب)

-1-

محمد الخضيريالطفولة شبيهة بأرض خصبة. أرض تمسك باللامتحقق، وهي بهذا أشبه بأغنية منسابة. قصيدة تحمل تفعيلة، بموسيقى داخلية تستوعب تشظي الكلمات والصور. لكنها بالمقابل تحمل قدرة مرعبة على تشكيل قدر مرعب. وهي بالتالي تركيبة من شيئين: غابات كثيفة تختبئ في رأس صبي. مقابل رمال متحركة تجذبه نحو العدم. ألم يقل سارتر في سيرته الذاتية: “الكلمات”: ( كنت صبيا، ذلك الوحش، الذي يصنعه البالغون من ندمهم)

-2-

في طفولته كان يرغب أن يكون جنرالا، ملكا، وهو يقرأ كتب التاريخ تتحدث عن القادة العسكريين الذين بنوا أمجادهم على صهوات خيولهم. ثم أراد أن يخترع. كان مسكونا بصور المخترعين والمكتشفين. وأراد أن يشبههم في جلساتهم المتأملة. والتي كان يرجعها إلى ظنه بأنهم فكوا أسرار الوجود. ثم استهوته فكرة أن يكون شاعرا رعويا. أن ينظم قصائد طويلة في مديح الغابات التي تسكنها الغربان، ومديح الأنهار الطويلة. أن يسأل الحصاة عن لونها الأحمر الفاقع، وهل استمدته من خجل الحمام البري الذي يجفل كلما مر بأعشاشه. أراد أن يتحدث عن السنابل، عن الجياد التي تسكن أحلامه.

-3-

في فترة لاحقة توقف عن أحلام الشعر. أدرك أنه مهنة لا ربح منها. وكان مسكونا بالآلات الموسيقية. كان يرغب في أن يكون عازف ساكسفون زنجي بأحد النوادي النيويوركية يعزف إلى ساعة متأخرة، ويمسح عرقه المتصبب بين الحين والآخر، ساهما ينظر للأنوار، وللفراغ. كان يود أن يكون محققا – تماما كما في أفلام هوليود التي استهوته- يعب من كأسه، ويسمع موسيقى الزنجي وهو يفكر في هوية المرأة التي التقاها في مترو ما ولن يلتقيها إلى الأبد.
رغب في أن يعزف على القيثار. أن يغني عن أشجار تشبه البنات اللواتي أحب، عن البنات اللواتي يشبهن الأشجار. أن يدع لحية تنمو على وجهه في فوضى، ويترك للبنت التي ترغب فيه، أن تنظر إليه بعينين متسائلتين، وأن يضحك لها في غبطة، وينحني على آلته، ويعزف تاركا لشعره المجعد، و الذي لم يمشطه، أن يحد من قدرته على النظر.
كان يحب لو عزف على العود. أن يرقب انهيار العالم. أن يستقرئ التاريخ الحافل بالمذابح، وأن يسقط في نعمة النسيان التام.
كان يرغب في أن يرى السماء، وأن تكون زرقاء.

-4-

لماذا قتلت جاروميل* يا كونديرا؟؟
تساءل غاضبا، وتفاحة آدم في حلقه تصعد وتهبط في –ريتمية- غريبة وهو ينهي رواية الحياة هي في مكان آخر.
ألأنه يشبهني إلى هذا الحد..؟؟

-5-

لم تعد الأزهار تنمو في حديقة مخيلته، لا شيء غير عادي صار يستهويه. صار عاديا كباقي الناس. صار أرضا جرداء تستهوي المضاربين على العقار. صالحة لبناء عمارة عالية، مشوهة. ومليئة بضجيج الأطفال والنساء الحوامل.
صار أشبه بأي رجل عادي. رجل يختزل في السروال الأسود الغامق. القميص الأبيض المكوي، والعطر الرخيص / النتن.
لم يمت، كونديراه كان رحيما. لكنه جعل داخله أشبه بغرفة مطفأة الأضواء. وبلا نوافذ. غرفة بباب مغلق، وعديمة الأثاث.
كونديراه كان رحيما. صيره بوجه خال من أي ملامح، يراهن على الجياد، ويتنبأ بأرقام الأحصنة الرابحة، ثم لا يربح أي شيء. ينتقل بين الغرف في الأحياء الهامشية، مفلسا. ويحلم بأن يحالفه الحظ. أن لا تخذله الجياد.
لكن كونديراه لم يكن يدرك أنه يتداعى، كأي بناء هش…
ألهذا الحد أنت بلا بصيرة يا كونديرا ؟

-6-

“اختراع الوحدة”، كان أوستر في هذا الكتاب السيرذاتي يستعيد عجوزه كما يقول الفرنسيون. على مدار صفحات طويلة، أعاد فيها ذاكرته الشخصية، ورتب خصوماته مع العالم.
ماذا لو أراد هو استعادة والده، لن يكون ليجد سوى غيابات كثيرة. قطائع في الذاكرة، تملؤها ساعات فرح بلقاء الغائب الحاضر.. لم يكن لظل أوديب أن يقف بينهما. كل ما في الأمر أنه لم يكن، ولو عبر آلاف الصفحات عن أي شخص، ولو كان والده، ليستعيد نفسه. لم يكن ليرتب خصوماته مع العالم. لأنه آخر الأمر لم يفعل أي شيء، كان ينخرط في أحلام تشبه أحلام جاروميل. ولم يكن ليبرح سريره إلا للمرحاض.
جاروميل رغبة في الحكي، هو لم يكن كذلك.
جاروميل أريد له أن يدين ثورة، وهو لم يكن ليدين أي شيء. كان مجرد سطور، كلمة، اثنتان، ثم صمت.

-7-

هنا بعض مما كتبه جاروميل الآخر، الذي لا يبرح سريره إلا للمرحاض والذي لم يجد من حكمة لوجوده:
ما يفعله الآخرون
وهو ينظر إلى كل من إنيس وإستيل في المشهد الأخير من مسرحية “باب مغلق”-huis clos تأكد گارسان من حقيقة مؤلمة، للغاية..
الجحيم هو ما يفعله كل منا بالآخر، الجحيم هو نحن، الجحيم هو الآخرون..
كتبت مسرحية باب مغلق سنة 1944. أي سنة قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي فترة كان فيها المستقبل، مستقبل العالم، مبهما بشكل لا يصدق. وكانت المسرحية أشبه بتعويذة تربط مصائر مختلفة لصحفي، عاملة بريد، وبورجوازية. ورغم أن لا رابط جمع بينهم في الحياة فهم يلتقون بالعالم الآخر في غرفة لا يدرون إن كانت غرفة انتظار أم تعذيب. ويجبر بعضهم البعض على الاعتراف ب”جرائمهم ” في الحياة. وبوحشية يمارسون طقوس تعذيب نفسي جماعي.
لا مكان للحميمية في الغرفة الضيقة. حرارة شديدة، لا ليل، ولا يستطيع أي واحد من الثلاثة إغماض عينيه للنوم. يسيطرون على بعضهم كما لو كانوا المرايا التي بدونها لا يمكن إثبات الوجود.
إنيس السحاقية ترغب في إستيل. وكانت تسببت في موت فلورنس أحد أقربائها لتعاشر زوجته، التي تسببت بعد ذلك في موتهما معا اختناقا بالغاز. تعاقب گارسان وتتهمه بالجبن كونه حاول الفرار من الجيش- في البرازيل- وأعدم، ولأنه خان زوجته باستمرار. سلطة إنيس عليه كانت قاهرة. كونها الوحيدة التي كان بإمكانها أن تنفي جبنه. هو،گارسان،كان الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يلبي لإستيل رغبتها النرجسية في أن تكون امرأة. ويطلب منها بالمقابل أن تؤكد له أنه ليس جبانا. في ما لا ترغب هي إلا في أن تثبت أنوثتها من خلاله.
يمارس الاثنان ضغطا على إنيس، فوهما يرغبان في “الممارسة” أمامها تنزعج، وتصرخ فيهما أن يتوقفا عن ذلك، وهي تصف گارسان بالجبان..
يخلق كل شخص للآخر جحيمه، وفي النهاية حين يفتح الباب لگارسان، يرفض الخروج، فإنيس هي الوحيدة، التي كما أخبرها من فصيلته. والتي تستطيع أن تنفي عنه صفة الجبن، لكنها انتقاما منه ترفض، ويستمرون في تعذيب بعضهم البعض..
ليخلص هو إلى أن الجحيم هو نحن، كل شخص هو جحيم الآخر.
الحر كان شديدا بالمقهى ذلك المساء، كنت أنظر إلى الزبائن الموزعين على الموائد، و كنت أرقب حركاتهم دون أن أسمع أي شيء، سماعات ال MP4 في أذني وكانDamien Rice يغني:”

you gave me three cigarettes
to smoke my tears away
and I die
when you mention his name
and I lied
I should’ve kissed you
when we were running the reins
what am I darling ?
a whisper in your ear
a piece of your cake
what am I darling ?
the boy you can fear
your biggest mistake..”*

وكان شيء ما يضحك داخلي، بقوة. لأنني كنت أدرك أن باستطاعتي أن أنام رغم الكوابيس،أنني لم أكن أعيش قصة حب كبطل أغنية داميان، وكانت ابتسامة كبيرة في وجهي…
أبطال لا يحفظهم التاريخ:

كونديرا عالم خاص، عالم مجنون، أشبه بأحد السمفونيات التي أخطأت طريقها لتتحول إلى أغنية روك. تخدعك إشارته على غلاف ” كتاب الضحك والنسيان” أن الكتاب حول تامينا، يقول أنها الشخصية الرئيسة في الكتاب، أنه كتب عنها ولها . لكنك في النهاية تجد أن لا شيء حدث من هذا. مصائر كثيرة تختلط في الكتاب كما لو كنت أمام ملحمة يختلط فيها الكثير من الأشخاص الذين تشكل مصائرهم صفحات الرواية.

في “غراميات مرحة” يمزح العاشقان في ما بينهما. تدعي هي أنها مومس. ويلعب هو دور الزبون، ثم يتكسر كل شيء في اللحظة نفسها التي ابتدأت فيها اللعبة. لم تعد هي بالبراءة نفسها، ولم يعد هو واثقا من صدقها..
النسيان الذي استحضره بقوة في “كتاب الضحك..” أخطر شيء يحدث للشعوب. في المغرب كانت إرادة الدولة كما في أي نظام شمولي ، على الأقل في مرحلة من تاريخه، هي الآتي: إجهاض أي محاولة لتوثيق مئة عام طويلة ومرهقة عاشها هذا الشعب. القرن الماضي هو قرن صور. لكننا لم ندخل هذا التاريخ على الإطلاق. كم من الأشخاص قتلوا أو عذبوا، أو أجبروا على الصمت كما حدث مع أبطال كونديرا. وكم من الأشخاص تلقفتهم القبور المجهولة الأسماء والأماكن. كم من الأشخاص دفنوا في حفر بأبشع الصور.. لتنبت أعشاب غزيرة في أماكن دفنهم. وليخلفوا الكثير من الصمت.

كم نملك من فيديو عن أحداث ،1958،1965،1981،1984،1991؟؟؟ لا شيء، لا شيء على الإطلاق. رغم أن ضحايا هذه الانتفاضات بالمئات..
الذي يجعلني أكتب عن هذا هو أن نصوص كونديرا جعلت هذه الأشياء تتجلى أمامي. الشعوب التي لا تحفظ تاريخها تنسى. وهي في جهلها هذا تدعي الوجود. لكنه وجود أجوف وبدون طعم. وجود يلتف حول نفسه كجنين ليخلق ميثولوجياته العقيمة. ويخلق الكثير من الأكاذيب..
التاريخ يكتبه المنتصرون.

-8-

ما يمكن أن نستخلصه مما ذكر شيئان. أن الكاتب/كونديراه أراد أن يجعله غير مهتم لانعدام قصة حب في حياته. والأمر الثاني هو أنه مطلع على كتابات كونديرا، كما أنه مهتم بالسياسة، وقد يكون اطلع، وهذا أمر مرجح، على التاريخ السياسي المعاصر بشكل جيد. سمع عن باتريس لومومبا، غاندي، غيفارا، عن دول عدم الانحياز، ديان بيان فو، تيانين مان، وأنه بشكل ما تبنى أفكار التحرر التي لم يجايلها. فهو، ولكي يقابل جاروميل، في العشرينات أيضا، ويحمل أحلام الثورة. لكنه أيضا ولرغبة ما من كونديراه لا يستطيع أن يتبناها بشكل مطلق، أليس ابن عصر لا يؤمن بالشهداء.
جاروميل الآخر لم يملك أما تحضنه وتسيطر عليه إلى آخر رمق من حياته. كل ما تؤمن به أمه هو أنه أكل وشرب ولبس بشكل جيد. وبهذا حق عليه أن يغادر بيت العائلة.
هو يعمل في سوبر ماركت. ويقرأ في السرير إلى أن يغفو. ثم يحلم أحلاما تنقده من مآزق وجوده.
صحيح أن ابتسامة كبيرة علت وجهه وهو ينصت إلى أغنية Damien Rice، لكن قلبه بالمقابل كان خاليا. وكانت دقات قلبه تتسارع. لم تمنحه إحداهن ثلاث سجائر ليدخن حزنه، فقط كانت شجرة إجاص صغيرة تنبت في أحلامه القادمة. وكان يعد نفسه لنوم ما، نوم طويل.

-9-

الجياد.
تسكن أفكاره منذ الطفولة. الجياد الراكضة، الجياد التي تخب، الجياد التي تطير فقط بإغماضة من عينيه. الجياد كانت تعني أن يصير غنيا. أن يحدس أرقام الحظ ، أن يتبينها من آلاف الاحتمالات، وأن يشتري منزلا مطلا على البحر بعد الفوز.
- الأحصنة كانت تعدو في دائرة مغلقة..
- الأحصنة كانت تشبه أحلامه العبثية..
- الأحصنة كانت انعدام معنى لوجوده..

-10-

الأحصنة في حلبة السباق، جاروميل الحقيقي مات ذات صباح مخلفا مساحات كثيرة لقول الأشياء، جاروميل الآخر ظل لثالث، بدوره ظل لرابع…
أليست الحياة-قطعا- هي في مكان آخر؟؟

آسفي

  • جاروميل بطل رواية “الحياة هي في مكان آخر” للكاتب التشيكي ميلان كونديرا
  • Damien Rice ; Cheers darlin’ ; Album « O » ;2003

أعلى