لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

عجز المؤلّفة

روضة البلوشي
(الامارات)

روضة البلوشيكان يقف أمامي فارداً قامته بلا اكتراث وفي يده سيجارة مارلبورو جديدة .. وعلى الفور أمسكت بورقة وقلم وبدأت بكتابة الفقرة الأولى:

"الرجل حبيبي يقف أمامي بعد أن أطلق شعر رأسه الذي استطال حتى كتفيه وقد أمسك بين إصبعيه سيجارة مارلبورو جديدة".

ثم أخرج ولاعة فضية من جيبه وقربها من إصبع المارلبورو التي تشبثت بها أسنانه فكتبت:

"ها هو ذا يخرج ولاعته الفضية التي أهديته إياها قبل عام من الآن وذلك في عيد ميلاده الثاني والثلاثين ويرفعها إلى فمه كالوردة، يشعل بها سيجارته ويدخنها على مهل بالطريقة ذاتها التي يشعل بها حواسي حينما يسحبني ويضمني بين ذراعيه".

سعل لمرتين أو لثلاث وبصق على الجدار ولكني لم أدون ذلك لأنه لم يكن شيئاً ضرورياً يستحق التدوين.

وفي غياب القمر وبرودة الليل الطويل اتجه صوب النافذة وبدأ يدندن بصوته الأجش أغنية شعبية قديمة وأنا أدندن على الورقة التي اندلق فيها صوت فيروز:

" هالأوضة وحدا بتسهر و بيوت الأرض تنام و تحت قناديل الياسمين انت و انا مخبايين" .

عندما انتهى من نوبة التدخين والغناء شرب كأساً من البيرة الباردة وخرجت كلمة أح من فمه رخيصة وبشكل جنسي فاضح قبل أن يتجشأ ببطء،لم أدون ذلك أيضاً لأنه بدا أمراً كريهاً وغير لائق وكاد أن يسبب لي الغثيان.

تثاءب بطريقة فظة أصدر في نهايتها صوتاً مزعجاً أقرب إلى عواء طرزاني وهو يهرش رأسه وأسفل بطنه المتهدل وكان يجب أن أكتب شيئاً فدونت التالي:
"ها هو النعاس يدب في عينيه المنهكتين فيطبق جفنيه و يعيد فتحهما من جديد ليتحول بياضهما إلى لونٍ أحمر حزين".

نهض باتجاه غرفة النوم فتبعته بهدوء وحذر كي لا يشعر بي وأنا مستغرقة في تدوين الحدث: " حبيبي المنهك ينهض من مكانه بهدوء ويمشى باتجاه غرفة النوم التي لم تكن تبعد سوى خطوات قليلة".

عندما دخل إلى الغرفة لكز جسداً طرياً ومستلقياً على السرير المزدوج وهو يصرخ:

_ هيا انهضي وحضري لي شيئاً آكله.
فكتبت: "ورغم أنه لم يذق لقمة واحدة منذ الصباح إلا أنه لم يكن يشعر بجوع، لذا ألقى برأسه المثقل على الوسادة وحاول أن يستسلم للنوم غير أنه لم يستطع".

لكز الجسد المستلقي للمرة الثانية قبل أن يقرص الذراع بقوة فتأوهت المرأة التي إلى جانبه ونهضت بصعوبة ليبرز انتفاخ بطنها فيما هي توبخه: آااي.. يا مجرم.

نهرها بانفعال وعصبية: انهضي وكفي عن هذا الشخير المزعج، لم أتزوج بكِ لأجل الفراش فقط، بل لتخدميني أيضاً.

غير أن المرأة الشاحبة ذات البطن المنتفخ والتي لم تكن تشخر في منامها جرحتها إهانته ورفضت أن تنصاع لأمره فاحتدم بينهما شجار عنيف تبادلا على إثره شتائم نابية بدأها هو بقوله الحمارة بنت الحمار ، ولأن المشهد كان ممتلئاً بضجيج لا يطاق قررت أن أتجاهلهما وأنا أحاول أن أكتب:

" كان حبيبي يتقلب على سريره لكي ينام "
لكني شخبطت عليها لأكتبها بشكلٍ أكثر دقة وأنا أركز على الورقة:"

" وفي محاولة جادة منه للنوم، تقلب حبيبي على سريره ثم على الكنبة،لكن أنهاراً من الأرق بدأت تتسرب من جسده مما جعله يقفز من موضعه قفزة هائلة ليتجه بعدها إلى الكوميدينو حيث وضع هاتفه المحمول وضغط على عدة أرقام بشكل سريع وحاسم".

كان الزوجان لا يزالان يتشاجران عندما جذبها من ذراعها العارية ببطش وقسوة ليوجه إلى وجهها الجميل صفعة عنيفة أودت بها خطوة إلى الخلف حيث فشلت في التشبث بالكرسي الخشبي فارتطم رأسها به وبدا أن الدم الذي ينزف بغزارة سيلطخ ثوبها الأبيض الجميل بلونٍ أحمر بشع.

كان غاضباً جداً وبدأ بتحطيم كل ما أمامه دون أن يتوقف عن هيجانه الحيواني للحظة، قال كلاماً كثيراً عن الماضي و عن أوهام الحب وعن دبلة الخطوبة وسفالة أبيها وإخوتها وقيمة أثاث المنزل والوظيفة الحقيرة والراتب الأكثر حقارة وعن معنى الوطن وعن فاتورة الكهرباء وحذائه البالي وموبايله المسروق وزوجة صديقه المثيرة والملائكة التي تلعنها كل يوم حتى تصبح.

بدا سكراناً ولم أكن متأكدة من حقيقة سكره وإلا كنت قد دونته دون أدنى مواربة،ومع ذلك قررت أن أختبئ أسفل السرير خوفاً من أن يصيبني بأذى شبيه بالذي أصاب المرأة الشاحبة ، في تلك اللحظة مرق صرصور ضخم من أمامي فذعرت بشدة وكدت أصرخ ولكني كتمت صرختي المفزوعة وتمنيت لو أغلق عيني وأفتحهما ويختفي كل هذا المشهد المريع معه.

في أسفل ذلك الظل القاتم والذي كانت تفوح منه رائحة بصل أخضر وبراز أطفالٍ رضّع كتبت:

" كان الهاتف لا يزال يرن بإصرار ، يرن دون توقف ،يرن بتسول وشفقة، وعندما شعر حبيبي باليأس وقرر إغلاقه استجاب الطرف الآخر للنداء لكن دون أن يصدر عنه أي صوت".

بدا وكأن الحبر سينفد، وكأن أحرف الكتابة قد صارت باهتة فهززت القلم عدة مرات قبل أن أواصل:

"همس في أذنها بشاعرية أخاذة، همس لها بصوته الذي يسيل عذباً كالموسيقى وكالإنسانية المفرطة".

توقفت لأفكر بالذي ينبغي أن يبوح به بعد أن رُفعت السماعة، في الوقت الذي كنت أحاول فيه تجاهل نحيب المرأة الشاحبة ذات البطن المنتفخ والتي بدأت تنزف من الأسفل أيضاً وهي تئن وتطلب النجدة لأنها ستموت إن لم يلحقوا بها،طرأ لي أن أتخيل المشهد التالي، فكتبت عبارته المتوسلة إليها:

_ تعرفين بأني متعب .. وبأني مريض عندما أفتقد عينيكِ .. وبأن كل هذا يحدث لأني أحبك.

كنت سأكتب ذلك ، كنت سأكتبه قبل أن ينتهي الحبر، كنت سأكتبه لأتخلص من ألم الكتابة عنه،لكني لم أستطع أن أدون شيئاً من كلامه، ولم أستطع أن أصل إلى نقطة النهاية، خيل إلي بأني أسمع أغنية أعرفها جيداً وكانت تصدر من بقعة ما من الغرفة، كان الصوت الأجش قريباً جداً وكان لرجلٍ يختبئ أسفل السرير إلى جانبي وهو يردد منتحباً:

" هالأوضة وحدا بتسهر وانت و انا مخبايين
مخبايين
مخبايين"

كنتُ أبكي!

أعلى