لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
بحر، بحرين، ثلاثة
جهة الأسبوع



































 

مقبرة الكراسي المتحركة المكسورة

يحيى طالب علي
(الكويت)

يحيىالكثرة تغلب الخجل. و إنه لمن المخجل جداً أن يزف العريس بموكب عداده 5 سيارات و سادسة ربما لم تكمل الطريق إلى منزل أهل الفتاة القبيحة الطيبة التي تتكون حياتها من أحاديث جانبية سخيفة مع زميلاتها في العمل من حملة الشهادة المتوسطة و الثانوية بالإضافة إلى مشاهدة ما يسمح لها والدها من أفلام على الفضائية الكويتية و ربما قناة تو. فعليه لم يطلق أحد المشاركين بالزفة لنفسه العنان بإطلاق هرنات السيارة و إظهار مظاهر الفرح إن كان فعلاً فرِحاً. و ربما بدت حياتهما تعيسة لعدة أسباب و لكن ... صراحةً حياتهما ليست تعيسة جداً، فلو تعرفنا على جانب القصة العاطفي، فربما لم يعش الفتى مع هذه الفتاة أياماً عاطفية، و لكن لا تستطيعون تصور فرحته بالتغيير المفاجئ على حالة قلبه الذي أبردته العزلة و أحاديث الرجال في الديوانيات، عندما تكلم معها لأول مرة في حضور والدها و أخيها الذي تبدو على محياه البائس ملامح التخلف العقلي على الرغم من أنه ذكي مثل أي فاشل في حيهم لم يكمل دراسته الثانوية لأنه يؤثر التضحية بمستقبله (الذي لم يكن يبشر بأي خير عموماً) في سبيل الوطن و راتب عالي، مقرراً الانضمام للحرس الوطني المجيد. عندما رفع أخو الفتاة عينه إلى عين الفتى التعيس أرخى نظره إلى الأرض و أحمر وجهه الذي بدا و كأنه حقل أفسد الشتاء محصوله. كان الأمر عسيراً على فتىً لم يعتد لسانه على مخاطبة الفتيات إلا نادراً و كانوا في تلك النوادر زميلات الدراسة أو العمل، و موظفة الاذاعة التي تستقبل مكالمات المتصلين على برنامج أسبوعي سخيف مثله (المشكلة أنها في كل أسبوع تتذكر صوته المزعج و لكنها لا تتذكر أسمه).

مهرها بعد الخصم وصل إلى خمسمئة دينار كويتي فقط لا غير و اشترى لها بخمسمئة أخرى شبكة رخيصة لم ترها الفتاة إلا لأمها و أختها العانس كارهة الحياة.

بعد حفل الزفاف المخجل ... لا أذكر ما جرى و لا أعتقد أنهما يذكرون أو حتى يحاولون التذكر. و كان الأسبوع طويلاً أم قصيراً فليس بالأمر المهم، فهما على جدولٍ لا يجداه مملاً. أيام الأسبوع مخصصة لما بعد الدوام الرسمي من غداء، قيلولة و مشاهدة ما طابت لهم مشاهدته على التلفزيون من برامج تلك القنوات السخيفة (تتمنى الفتاة أن يشتركا في الشوتايم ... و لكن فتاها و بعلها يخاف المستقبل الاقتصادي لعشهما البائس في الدور الأول من منزل ابن عمه، و هي تخجل منه و هو يخجل منها)

في يوم الأربعاء و بعد نهاية الدوام يتوجه هذا الفتى إلى محل للفيديو ليستأجر فلمين – عربي و آخر أجنبي. يقضيان ليلة الخميس يشاهدون فلمين متتابعين في دفء الكنبة التي لم يستطع التخلي عنها فنقلها بنفسه من منزل والده إلى عشهما الحقير في أحد مناطق الكويت التي تخبأ هكذا نماذج في شققها و بيوتها.

أضحكني ما سأرويه لكم
حاول التعيس أن يكون رومانسياً يوماً
اذ سمع في الاذاعة يوماً عن نموذج رومانسي جميل... عادةً في السيارة عندما يركبان معاً ... في سيارته اليابانية التي أكلت آثار الحوادث و الاصطدامات البسيطة من طلائها الأبيض، كانا يستمعان لإذاعة دولة الكويت و ربما إذاعة القرآن الكريم من دولة الكويت – من المملكة العربية السعودية. لم تحتو سيارته يوماً على شريط أغان أو موسيقى. إلا في ذلك اليوم المنحوس حين سمع عن ذلك النموذج الرومانسي الذي قرر ان يطبقه على حياته التي كان يعتقد بأنها سعيدة. و لكن ما أدراك يا فتى أن فتاتك سعيدة؟ الفتاة بحاجة إلى الرجل القوي الجلف أحياناً، و الطفل اللعوب الرومانسي أحياناً أخرى.

حرفياً طبق النموذج، لماذا لا تستمعون لفيروز أنت و فتاتك؟ فذهب لأقرب محل تسجيلات في طريقه للعش الدافئ بعد نهاية وقت دوامه الرسمي يوم الاربعاء ليشتري المدعية أو المدعو فيروز، .... فمظهر الفتى يوحي بأنه من زبائن ألبومات الفنان الشعبي موسى فيروز لا فيروز الصوت الملائكي.

و قرر أن يستدرجها لكي يركبا معاً في السيارة للذهاب لمشوار مصطنع الهدف منه فقط الاستماع لصوت فيروز ... و اذا ما نجحت المرحلة الاولى من الخطة الجهنمية فلسوف يأخذها لمطعمهما المفضل شاطر عباس (و يجدر الإشارة بانه المطعم الوحيد الذي يعرفه صاحبنا). ما استكانت في السيارة حتى وضع الشريط على عجل في المسجل ... لتصدح الفرقة المصاحبة مذعنةً ممهدة "نسم علينا الهوى ..." اطفئت المسجل على عجل و تساءلت عن حرمة الموسيقى و الغناء.

لا أصفك بالغباء ... و لكن ألم تلاحظ يا فتى بأن فتاتك لا تستمع إلى الموسيقى؟ و متى ما اذيعت اغنية او معزوفة في الاذاعة اطفئت الراديو و بدأت تثرثر ببراءة عن عملها؟

التعيس اكمل المشوار بدون صوت فيروز إلى فرع الجمعية المجاور ... اشترى علبة عصير مانجا و سنيكرز له و لها و رجعا إلى عشهما، الدافئ فعلاً.

بيتهما فيه رائحة غريبة جداً، ربما هي رائحة الدفء. الصالة فيها لمسة نسائية ساذجة جداً و كأن المهم ملئ الصالة و العين بالألوان المتناسقة و غير المتناسقة و التحف الرخيصة من سوق الايرانيين. غرفة نومهما على عكس الصالة بسيطة جداً و صغيرة، الأدراج على اليمين و كذلك الخزانة، على اليسار نافذة كبيرة اختفت تحت ستارة زرقاء ثقيلة كبيرة. و في منتصف الغرفة سرير زوجي كبير. ما يشد الانتباه هو قضيب لرفع الاثقال و بعض الاثقال المختلفة يبدو بعضهم من تحت السرير. هل يبدو عليك يا فتى أثر رفع هكذا أثقال؟ أو على فتاتك ربما؟ لا، و لكنه حاول في يوم أن يظهر لزوجته بمظهر الرجولة التي تروجها الأفلام الامريكية و العربية و الاوروبية و الهندية و غيرها من إعلانات أمواس الحلاقة و الماونتن ديو و البيبسي. و كذلك خوفاً من أن يتعرض له أحد أو لزوجته بشر. و لكن أي شر يصيبك؟ الفتاة المسكينة قبيحة و لا تعرف ما تعرفه حنان دشتي، فليس من المتوقع أن تتصل به يوماً لتطلب نجدته أن شباباً طائشاً يلاحقها.

الأجدى أن تلاحقي بعض هؤلاء الشباب لعلك تجدين من هو أفضل من هذا الفتى التعيس.

و في يومٍ من الأيام
قرر أن يستأذن من عمله و لم يستأذن هذه السنة إلا ثلاث مرات. قرر أن يحاول مجدداً خلق جو رومانسي لزوجته على الرغم من إيمانه بأن حياتهما ليست بحاجة إلى هكذا تفاهات، و لكن النساء يحببن هكذا تفاهات حسبما يسمع في الاذاعة و بعض برامج التلفزيون الموجهة لمن يحاولون تحسين أوضاعهم الزوجية. مر في طريقه إلى البيت بمحل للحلويات ليشتري أرخص كعكة، و اشترى كذلك شمعة عليها رقم 2 ليحيي مناسبة عيد زواجهما الثاني. و طلب بالتلفون من مطعمٍ هندي برياني دجاج له و لها.

أطفئ الأضواء و اضفى على الشقة لوناً من الرومانسية بأن اشعل بعض الشموع.

نسي إحضار البيبسي. عندما فتح الثلاجة صرخ بأعلى صوته حتى تكاد تسمع بعض حباله الصوتية تتقطع. لم يصرخ الفتى في حياته إلا ثلاث أو أربع مرات. كان بلا اصدقاء في المرحلة الابتدائية و لكنه كسب لمدة ثلاثة أيام شلة كبيرة من الاصدقاء لأن أباه اشترى له كرة رخيصة لكونه حاز على درجة كاملة في امتحان الرياضيات. و في تلك الأوقات السعيدة كان يلعب الكرة كل يوم مع أصدقاء كرته الجديدة ... و صرخ للمرة الأولى عندما صرخوا جميعاً فرحين بفوزهم على فريق الفريج الثاني. و صرخ للمرة الثانية حزناً و غضباً على ذلك الصبي اللعين الذي سرق كرته، و بكى كذلك بعد صراخه و لكنها لم تكن المرة الاولى التي يبكي فيها قهراً. و كانت المرة الثالثة يوم وفاة أمه بعد سرقة كرته بسنة تقريباً، عندما تسلل للمغيسل ليرى أمه و قد شحب لونها و غطيت بملاءات بيضاء.

أما عندما فتح باب الثلاجة طالعه صرصار جليل سمين فصرخ "زهيوي ... زهيوي زهيوي!” و أما باقي الصراخ فلم يكن مفهوماً... صراخ فقط. قرر فتح النافذة و إلقاء نفسه. المهم أن يسقط على رأسه الخاوي. غريبة أنه توقف عن الصراخ قبل أن يرمي بنفسه. أليس من الأجدى أن تصرخ عندما ترمي بنفسك يا فتى؟ عوضاً من ازعاج الجيران بصراخك بلا فائدة؟ أم أنك لا تريد لأحد أن يعرف أنك انتحرت؟

بالطبع لا تريد لأحد أن يعرف انك انتحرت. الفتاة المسكينة عندما تقف بسيارتها بعيداً عن البيت لمزاحمة دوريات الشرطة و المباحث الجنائية و الاسعاف ستكتشف أخيراً بأن رأسك الذي قبلته قبل خروجها صباح اليوم تهشم كجوز الهند... و ما أشد الشبه بين رأسك و بين جوز الهند. يقولون و الكل يرفض أنه انتحر... انه سقط. و لكنه انتحر. أو سقط. أعرف أنه انتحر و لكن زوجته و والده يقولون أنه انتحر... سقط

***

الكثرة تغلب الخجل. و إنه لمن المخجل جداً أن يحمل الميت إلى قبره و خلفه المشيعون ستة و سابعهم أحد المختلين عقلياً الذين يتجولون في الشوارع و في كل مكان بحثاً عن شيء ما في أنفسهم. صلى على جثمانه والده و والد زوجته و أخوها، ابن عمه و ابنه الصغير يؤمهم إمام المسجد المجاور بالإضافة إلى ذلك المختل. الذي بدى شكله غريباً و هو يحمل جثمان الفتى من الثلاجة مع أهله. من بعيد كانت تخطو 4 نساء حول فتاته يشيعونه. بكت و بكت و بكت و بكت .... و بكت، و لكنها لم تصرخ. أين أمك يا فتى ترقص في عرسك؟ و تندبك في جنازتك؟ بكيت و صرخت يوم ماتت أمك، هل صرخ لأجلك أحد؟

في المقبرة في الطريق إلى الحفرة التي سيوارى فيها الفتى، يجذب الانتباه مشهد غريب جداً. لم يلاحظه أحد. كرسي متحرك مكسور. سقطت إحدى عجلاته الصغيرة. و تشققت عجلاته الكبيرة. كرسي معاق للمعاقين و المقعدين. لمن كان هذا الكرسي و كيف أكمل صاحبه الطريق؟ الإجابة في المعجزة أن يكون صاحبه قد استغنى عن الكرسي فسقطت عجلته الصغيرة. أو أنه رمى بنفسه في قبر إثر انكسار العجلة. ما يهم الآن هو إجراءات ما بعد الوفاة. من مراجعات حكومية و غيرها. تركت لفتاتك يا تعيس سيارة يابانية قديمة و شريط كاسيت لفيروز. تركت في أحشائها دليلاً على فحولتك! أسمته عبد المحيي.

***

الكثرة تغلب الخجل. و إنه لمن المخجل جداً أن يحمل الميت إلى قبره و خلفه المشيعون ستة و سابعهم أنا.

الكويت
17 مايو 2007

أعلى