لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

 هناك ببغاء تقلد الربيع

ريتا دوف

(شاعرة «بقدونس» تنقب في التاريخ عمّا لا يظهر منه)

ترجمة: جاكلين سلام
(سوريا/ كندا)

كتبت الشاعرة ريتا دوف في كلمة لها عن «لغة الحياة»: بقدونس، قصيدة مبنية على ما حدث في جمهورية الدومينكيان عام .1937 الجنزال رافائيل تروجيلو، الديكتاتور في ذلك الحين، اختار أن يقتل 200 ألف من سكان ولاية هاييتي السود الذين يعملون في حقول قصب السكر جنباً الى جنب مع أهالي الدومينيكان. فعل ذلك بطريقة مزرية جدا ومبتكرة. الهاييتيون يتحدثون فرنسية أوروبية تخص المونيين، خلافا للاسبان، الذين لا يلفظون حرف الراء جيدا فيبدو للسامع كما لو أنه لام. تروجيلو فرض على كل العمال التلفظ بكلمة بقدونس. وكل شخص نطق الكلمة باللام بدل الراء، تم قتله. لقد جعلهم يلفظون كلمة موتهم. هذا القبح الفظيع هو الذي أخذ جلّ اهتمامي... وتشير أيضا إلى اختيار هذه القصيدة للالقاء في البيت الأبيض: هنا في البيت الأبيض، في مكتب السلطة العليا، أردت أن أتحدث عن استخدام السلطة. وكذلك أردت أن أتكلم عن مدى أهمية أن نضع أنفسنا في ثوب الشخص الآخر في أي درك من دروب الحياة. في هذه القصيدة، حاولت أن أساعد في فهم مسألة: كيف وصل تروجيلو إلى هذه الكلمة، ليس فقط كي أقول كم كان ديكتاتورا رهيبا، بل ليتسنى لنا نحن أن نلاحظ بأن الشيطان أيضاً يستطيع أن يكون مبدعاً.... (نيويورك، دبل داي، 1995). هنا القصيدة كاملة وتتألف من فصل أول حول حقول قصب السكر التي كان يعمل فيها ضحايا الديكتاتور، وفصل ثان تصف فيه الديكتاتور في القصر. كاترينا، هي والدة الجنرال الديكتاتور، وترد إحدى الجمل باللهجة العامية فارتيأنا أن نبقيها على حالها.

بقدونس

1 حقول قصب السكر

هناك ببغاء يقلد الربيع
في القصر، أخضر الريش كالبقدونس.
قصب السكر من المستنقع يظهر للعيان
يهيم علينا، ونقصّه. الجنرال المعظّم
يبحث عن كلمة، شخصه هو العالم بأسره
مثل ببغاء يقلّد الربيع،
نرتمي أرضاً صارخين والمطر يرشقنا صافعاً
فنبزغ خضراً. لا نستطيع أن نلفظ حرف الراء
قصب السّكر من المستنقع يظهر للعيان
وهناك الجبل الذي نسميه همساً «كاتالينا».
الأطفال يقضمون أسنانهم، فتستحيل مدببة كرأس السهام.
هناك ببغاء يقلد الربيع.
الجنزال المعظّم وجد كلمته: بيرجيل Perjil.
من يلفظها، ينجُ. إنه يضحك، أسنانه تلمع
في المستنقع ظاهرة للعيان. قصب السّكر
في أحلامنا، تسوطه الرياح والسيول.
ونرتمي أرضاً. من أجل كل نقطة من الدم
هناك ببغاء يقلد الربيع.
قصب السّكر من المستنقع يظهر للعيان.

2 القصر

بقدونس، الكلمة التي اختارها الجنرال
إنه الخريف، عندما تتقلب الأفكار
بين حبّ وموت، الجنرال يفكر
بأمّه التي ماتت في الخريف
وزرع لها قصب سكر حول القبر
فطرحت كل ربيع ببلادة
زهورا مشكّلة أربعة نجوم. الجنرال
يخلع حذاءه العسكري، يمضي مثاقلاً إلى
غرفتها في القصر، الغرفة التي لا ستائر لها
تلك التي فيها ببغاء له حلقة نحاسية. وبينما هو يسير،
إنّه يتحذّر: من يمكنني أن أقتل اليوم. ولوهلة
تهدأ عقدة تلك الصرخات الواهية. الببغاء الذي قطع المسافة كلها من أستراليا في قفص رخامي،
حزين، كأرملة، تختبر
الربيع. منذ تلك الساعة حين انهارت
أمّه في المطبخ وهي تخبز سكاكر
على شكل جماجم من أجل يوم الموتى، صار الجنرال
يكره الحلويات. إنه يأمر بإحضار المعجنات،
للطير، فتصل
مرشوشة بالسكر على أرضية من رباط الأحذية.
العقدة في حنجرته بدأت تنفكّ،
إنه يرى حذاءه العسكري في اليوم الأول من المعركة
غارقاً في الوحل والبول
كجندي يسقط أرضاً مستغرباً
كم كان يبدو عليه الغباء! على صوت المدفعية
«لم أفكر إطلاقاً بأنها سوف تغني»
قال الجندي، ومات. الآن
الجنرال يرى حقل قصب السّكر
تسوطه الأمطار والسيول.
يرى ابتسامه أمه، الأسنان متآكلة
كرأس السهام. إنه يسمع
سكان هاييتي يغنون بدون حروف الراء
وهم يتمايلون بانسجام مهيب:
كاتالينا، يغنون، كاتالينا.

Mi madle, mi amole en multe، الله يعلم
لم تكن أمه امرأة غبية، كانت تستطيع
أن تنطق الراء كملكة.
حتى الببغاء يستطيع أن ينطق الراء! في الغرفة العارية
الريش الزاهي يصنع قوساً مع الاخضرار، مثيراً للسخرية
فيما كان فتات الخبز البائت يذوب
تحت اللسان الحائل إلى سواد، أحد ما
ينادي اسمه بصوت
يشبه كثيراً صوت أمه، دمعة فزعة
تسقط على مقدمة فردة حذائه العسكري الأيمن.
أمي، حبي في الموت.
الجنرال يتذكر الربيع الأخضر القصير
رجال من قريته وقد لبسوا ثياباً دون أكمام
للاحتفال بولادة طفل.
إنه سيأمر بقتل كثيرين، هذه المرة.
من أجل مفردة، كلمة جميلة.

***

مقتطفات من حوارات

للدخول في عالم القصيدة سيكون مهماً أن نقرأ ما قالته الشاعرة لإنارة النص لغوياً صوتياً بنيوياً شعرياً وتاريخياً، لذلك اخترنا أن نترجم هنا هذا المقتطف الذي يخص قصيدة «بقدونس» من حوار جرى مع الشاعرة الأميركية الأفريقية الأصل. قصيدة بقدونس طبعت في ديوان لها بعنوان: «المتحف» وألقتها في مناسبة تكريمية لها في البيت الأبيض، أميركا. أجرى الحوار ستان سانفيل روبين وجوديث كيتشنر عام 1985 وظهر في كتاب «حوارات مع شعراء أميركيين في الثمانينيات» وظهر أيضا في كتاب يضم حوارات الشاعرة.

روبين: قصيدة بقدونس مبنية على حدث تاريخي، لكنك استخدمت المخيلة كروائية، اذا أمكنني أن ءقول ذلك. لدينا أم الجنرال «تورجيلو» تموت وهي تخبز السكاكر في يوم الموتى. هل هذا حقيقة وصلت إليها نتيجة البحث؟
دوف: لا، ليس كذلك. في الحقيقة الشيء الوحيد في القصيدة هو نتيجة البحث عن حقيقة تورجيلو الذي تسبب في هذا الحدث، وحقيقة أن أهالي هاييتي كانوا يشتغلون في حقول قصب السكر. وأيضاً الناس الذين لا يستطيعون أن يلفظوا حرف «الراء» فتخرج كما لو انها «لام» فتقرأ «كاتالينا بدلا من كاترينا». لكن ما تبقى من النص، وما يحدث في ذهن تورجيلو ومحاولته في أن يجد طريقة لقتل أحد ما، فهذا من إبداعي...

روبين: هل لاحظت أن مخيلتك تتجاوب مع الأحداث التاريخية، باللجوء إلى الحقائق أغلب الأحيان؟

دوف: نعم، وخاصة في مجموعة «المتحف» حيث ظهرت القصيدة. عندما بدأت كتابة المجموعة كنت في أوروبا، وكانت مناسبة لي كي أعيد النظر إلى أميركا وأبعد نفسي عن تجربتي. لذلك أستطيع أن أنظر الى التاريخ، إلى العالم، بطريقة مختلفة لأنني أكون حينها في حالة ذهنية أخرى. فوجدت الوقائع التاريخية ساحرة إذا نقبنا في باطنها، ليس من أجل ما نراه عادة، أو مايقال عادة عن الوقائع التاريخية، بل من أجل الأشياء التي لا يمكن أن تظهر في المشهد التاريخي الجاف.

روبين: ممكن أن تعلقي على اللحظات الغنائية في القصيدة والوجهة الرسمية فيها، التكرار؟

دوف: الشعر أخذ وقتا طويلا لكتابته! بدأت بالحقيقة وبأسلوب معين سيطر علي، الحقيقة ولأنه فكر بهذه الكلمة، كان شيئا مدهشا وهذا جعل من الصعب علي إيجاد طريقة للتعامل مع الحقيقة. وهكذا عندما كتبت النص، جربته بعدة طرق مختلفة. جربت ال«ساتينا» تحديدا في القسم الثاني «القصر» وبخاصة ان هذا النمط يوفر لي الاستحواذية والتكرار، الشيء الذي أردت العمل عليه. ثم تخليت عن هذا الاسلوب. كان كثير المراوغة. كثير من الكلمات، بقيت الكلمات المفتاح مثل «ببغاء، ربيع، وطبعا بقدونس». القسم الأول اعتمدت «فيلانيل» واعتقدت أنني سأكتب مجمل القصيدة من وجهة نظر الهاييتيين. وهذا لم يكن كفاية. كان لدي هذا ال«فيلانيل» لكنه لم يكن كفاية. وكان هناك الكثير الذي لم أقله. لذلك ألغيت الفكرة واستخدمت «ساستينا» أعتقد شيئا من هذا بقي حاضرا في الجزء الثاني.

روبين: حسنا...كل سطر تتكرر فيه كلمتان أو أكثر فيهما حرف الراء في اللغة الانكليزية. «بارودي/غرينري» هنا مثال جيد يبدو فيه أنك كنت تتلاعبين بالكلمات في القصيدة. هل كان ذلك لشدّ انتباهنا؟

دوف: لم أفكر وأتقصد هذا في وعيي، لكنني كنت جدا منتبهة للصوت في القصيدة. لم أفكر بوعي سوف أضع فيه حرف الراء بالإنكليزية وبالإسبانية. يبدو أن الراء لها نبرة تذمر حتى في الانكليزية، وأعتقد النبرة مخففة في الإنكليزية الأميركية، هذا كان أساسياً في بناء القصيدة صوتياً.

روبين: هل يقلقك أنك تحكمت بشخصية تورجيلو كلياً، فرغم أنه متوحش، لكنه ليس ببعيد عنا...؟

دوف: كان مهماً بالنسبة لي محاولة أن أفهم تلك النوعية الاستبدادية من قبحه. ولست خائفة لأنني جعلت فيه حساً إنسانياً. لا أصدق أن شخصاً ما سوف يحبه بعد قراءة هذه القصيدة. محاولة الدخول إلى نفسه وداخله تهزنا إذ نلمس ماذا بإمكان الإنسان أن يفعل، وكذلك نرى ما باستطاعتنا نحن أن نفعل، ولأننا حين تستطيع أن نغوص إلى ذلك العمق في رأسه، فنكون نحن أنفسنا في منتصف ذلك الطريق.

****

*- ريتا دوف من مواليد اوهايو أميركا ,1952 صدر لها العديد من المجموعات الشعرية ولها كتابات أدبية وبحثية متفرقة. مجموعة «متحف» صدرت عام ,1983 ولها مجموعة عن الناشطة الحقوقية السوداء «روزا باركس» التي رحلت مؤخراً وتعتبر «أم» حركات التحرر المدني العرقي. آخر مجموعة لها كانت بعنوان «سلاسة أميركية» تولي فيها اهتماما كبيراً بالرقص. حازت الشاعرة على جائزة بوليتزر الى جانب جوائز عدة مرموقة، واختيرت «أميرة الشعراء» في أميركا منذ 1993.1995

السفير يونيو
15 – 2007

أعلى