لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

قصائد تتوهّج بالحسّ

ريتا دوف
(أمريكا)

ترجمة وتقديم: عابد إسماعيل

rita

إن قارئ قصائد ريتا دوف، الشاعرة الأميركية من أصول إفريقية، يشعر بالحيرة تجاه الغموض الذي يكتنف صورها الشعرية، والتي تغوص بوجه خاص في أغوار الأنثى، وترصد تقلباتها النفسية والفكرية والجسدية. لكن القارئ أيضاً يشعر برحابة الرؤيا الشعرية التي تخاطب حسّاً إنسانياً مشتركاً، يتركنا نتأمّل طلاسم الجسد عامةً، ونفكّ شيفرات الرغبة الجنسية في نصوص تستفيد كثيراً من النظام الرمزي الذي سبق وأنشأه فرويد ولاكان. في قصيدتها "الحديقة السرية" نجد امرأة تتمدد فوق سرير من الأوراق القديمة، ويحار المرء كيف يجد تفسيراً منطقياً لحالتها، أهو الفقر أم الجنون، غير أننا نكتشف بأنها كانت تتلقى علاجاً لمرض ألمّ بها، وطبيبُها عاشق من طراز عجيب، يتحالف مع قوى أخرى في الطبيعة، كالحيوانات، والنباتات، وحتى الحبوب والخضروات، ما يجعل المرأة، في نهاية المطاف، تشعر بلّذة خفية سببها التحرر من مكبوت نفسي يثقلُ كاهلها: "يحتلّني جرفٌ من حجرٍ كلسي/ مبقعاً نهديّ بالطباشير". في تذكّر الطفولة، وبلوغ سن الرشد، جنسياً، نجد أن استعارة "الطباشير" تلخّص شفافية الحلم، وانتصار الجسد على نفسه، مغسولاً بالرغبات المتأججة، المشوبة بالحذر والترقّب.

غير أنّ الكثير من قصائد ريتا دوف مكتوبة من وحي شعورها بالظلم التاريخي الذي أصاب الزنوج في أميركا، وما رافقه من قسوة على مدى عقود عديدة. ولطالما أرادت الشاعرة أن تنقل هذا الإحساس من خلال ابتكار أحداث تعتمد الترميز الشديد، كما في قصيدة "علّمنا كيف نحصي أيامَنا"، أو اقتراح سرديات تدور حول رجال ونساء عاشوا حقاً في الحضيض الأخلاقي والاجتماعي للمجتمع الأمريكي، ومثل أوديسيوس يهبطون إلى العالم السفلي، لتأتي بهم الشاعرة إلى الحياة من جديد ويحكوا حكاياتهم. وربما يكمن نجاح القصيدة لدى دوف في جرأة الكشف التي تصل أحياناً درجة الهجاء، عبر إزاحة النقاب عن مشاعر متباينة من الألم والظلم، الرجاء وخيبة الأمل، في بداية تفتح الوعي الشخصي والتاريخي لشخصياتها، من دون أن تقطع صلة الرحم مع هموم العصر ومشاكله. في كتابها "ثوماس وبيولا" المؤلف من سلسلة من القصائد القصيرة، المختلفة المؤتلفة، تحاول الشاعرة نسج حياة واحدة في حياتين، من خلال احتفالها برمز الجَدّة التي تعكس حكاياتها آلام الذاكرة الجمعية، وتترجم حالَ القادمين من القارة السوداء إلى مزارع العالم الجديد. في الكثير من قصائدها، تطل وجوه بؤساء ومستضعفين، وهؤلاء، حسب ما ترى الشاعرة، لا يقلون غنى وعمقاً عن أولئك المتحصنين بالثقافة والمال. فالمرأة السوداء "بيولا" تختبئ عن أنظار الزبائن البيض في متجر للملابس، لكي لا تفقد كرامتها، متأملةً بأجواء الفساد والانحطاط التي تسود أجواء الصالونات الراقية، وتعوض نفسها عن حياة الحرمان تلك، باختراع بطولة روحية وأخلاقية تنقذها من جحيم الرؤيا العنصرية المتعالية.
ولدت ريتا دوف عام 1952 في مدينة أكرون، في ولاية أوهايو، وتلقّت تعليمها في جامعة ميامي. بالإضافة إلى كتبها الشعرية التي تضمّ "البيت الأصفر على الزاوية" الصادر عام 1980، و"متحف" الصادر 1983، و"ثوماس وبيولا" عام 1986، وآخرها ديوان بعنوان "سلاسة أميركية" الصادر عام 2004. كتبت ريتا دوف عملا مسرحياً واحداً، ومجموعة قصص قصيرة بعنوان "الأحد الخامس". نالت العديد من الجوائز الأدبية المرموقة، أهمّها، جائزة بوليتزر عن كتابها الشعري "ثوماس وبيولا"عام 1987. شغلت منصب مستشارة لمكتبة الكونغرس وشاعرة أمريكا الأولى (Poet Laureate) بين عامي 1993 و1995. تدرّس حالياً الكتابة الإبداعية في جامعة فيرجينيا، حيث تعيش مع عائلتها.

علمنا كيف نحصي أيامنا
في الحي القديم، كلّ جنازة تمرّ
تبدو أبهى من سابقتها.
من الأزقة تفوح رائحةُ رجال الشرطة،
بمسدّساتهم التي ترتجّ فوق أوراكهم،
حيث في كل فوّهةٍ، رصاصةٌ نحيلةٌ زرقاء.

شرفاتُ البيوت، رخيصة الإيجار، ترتفعُ في الجوّ.
صبيّ يمارسُ القفزَ فوق قمرٍ
مشطورٍ بأنتين التلفزيون،

ويحلم بأنه ابتلعَ حبةَ فاصولياء زرقاء.
هاهي ترمي جذورها في أمعائه، تورقُ،
ثمّ تشرئب نحو الأعلى، فيما السويقات تلتفّ
حول المحجرين وتغلقُهما بإحكام.

هذه السماءُ، تنعقدُ مثل ياقة سوداء.
الحارسُ، غير المكترث، يحمل الحبوبَ كلّها.

إنه شهر آب. الأمّهات يومئن برؤوسهنّ،
كلٌ تحملُ قلباً مكلوماً على كمّ فستانِها.

الحديقة السرية
كنتُ مريضةً، أتمدّدُ فوق سريرٍ من الأوراق القديمة،
حين أتيتَ، تحملُ بين ذراعيك أرانبَ بيضاء،
واليماماتُ طارت نحو الأعلى، باتجاه أمّهاتهن،
والحلزونُ تنهّد تحت قشرته الحجرية....

الآن، لسانُكَ ينمو بيننا مثل كرنبٍ:
وبسبب تأوّهات الحب ـ حبّنا،
يسودّ الملفوفُ في حفرتهِ،
ويفكّر القرنبيطُ بأطفالِه المكتنزين الشاحبين،
ويصيرُ لونه أبيض مخضرّاً في ضوءٍ يشبه نورَ المحيط.

كنتُ مريضةً، أشعرُ بالغثيان من رائحة أكياسِ الشاي،
حين أتيتَ ومعكَ الطماطم، ذاك الشِعر البهي.
وشعرتُ كمن يهدهدُها نداءٌ.

يحتلّني جرفٌ من حجرٍ كلسي
مبقّعاً نهديّ بالطباشير.

مراهقة (I)

في الليالي المثقلةِ بالماء، خلف شرفةِ الجدّة
كنا نركعُ فوق العشبِ الموسوس ونهمسُ:
وجهُ "ليندا" معلقٌ أمامنا، شاحباً مثل ورقة جوزٍ،
ما يلبث أن يتغضّنَ بالحكمةِ وهي تقول:
"شفتا الصبي ناعمتان،
ناعمتان مثل بشرة طفل".
كان الهواء ينغلقُ على كلماتِها،
والحباحبُ تطنّ قرب أذني، وفي البعيد
كنتُ أسمعُ أضواءَ الشوارع تخفقُ
متحولةً إلى شموس صغيرةٍ
تحت سماءٍ من ريش.

مراهقة (II)

ما إن يهبط الليل، أجلسُ في الحمّام، وأنتظر.
العرق يتصبّبُ فوق ركبتي، ونهداي الفتيّان يتحفّزان.
ستائر من "فيينا" تشطرُ القمرَ نصفين؛
والقرميدُ يرتعشُ بخطوطٍ شاحبة.

ها هم عادوا إلى المنزل. رجالُ الختمِ الثلاثة، بعيونٍ واسعةٍ
مثل أطباق عشاء، ورموش مثل شوكٍ مدبّب.
منهم تفوحُ رائحةُ كحول. أحدهم جلس في حوضِ البانيو،

والآخر على حافّة الحوض، والثالث سندَ بظهرِهِ البابَ.
"هل بدأتِ تشعرين به؟" همسوا.
لم أكن أعلم ماذا أقول، ثانيةً. راحوا يضحكون،

ويمسّدون أجسادَهم النحيلة بأصابعِهم.
"حسنٌ، ربمّا المرة القادمة". ينهضون، أخيراً،
متلألئين مثل بحيراتٍ من الحبر تحت ضوء القمر،

ويتلاشون. أتمسّكُ بالفتحات الخشنة
التي تركوها خلفَهم، هنا عند حافّة العتمةِ.
فوق لساني يتدحرجُ الليلُ مثل كرةٍ من الفرو.

مراهقة (III)

مع غياب أبي، انصرفنا، أمّي وأنا،
نسوّي الخطوط المعتمةَ لشتلات الطماطم.
ما إن توهّجت الثمراتُ أرجوانيةً في ضوء الشّمس
وتلوّنت في الظلّ، رحتُ أنا أيضاً أتوهّجُ أرجوانيةً
وأصيرُ أكثر نعومةً، تنضحُ منّي نتفٌ من القطن الأبيض.

قماشُ الغروبِ جعلني أفكّرُ
بالحريرِ السويسري. في غرفتي
كنتُ أغطّي كدمات الركبة بثيابٍ
استُخدمت في رقصات الفرق الكبرى،
وأعمّد طبلةَ أذني بماءِ الزّهر.
على طول إطار النافذة، كانت أقلامُ الحمرة
تلمعُ داخل أصدافٍ فولاذية.

وفيما أنظر إلى خطوطِ السّماد
أحلمُ بما سيحدثُ:
سوف يقابلني بالقرب من الصنوبرة الزرقاء،
حاملاً قرنفلةً فوق قلبه. سيقول:
"من أجلكِ أتيتُ، سيدتي؛
لقد أحببتكِ في أحلامي".
على إثر لمستهِ، تتساقطُ بثورُ الجَرَب.
خلف كتفهِ، ألمحُ أبي قادماً باتجاهِنا:
دمٌ عالقٌ في الهواء، مشبعٌ برائحةِ الصّنوبر.
الحسناء والوحش
عزيزي، الصحونُ نُظّفت، وُنقِلت بعيداً،
والخَدمُ يرقدون في جناحِهم.
أية أكاذيب ستنامُ معنا هذه الليلة؟
الأرنبُ الذي يخفق في قلبكَ،

ساقاي الطفلتان الشاحبتان
بسبب حياةٍ من التنانير القصيرة.
وأبي لم يكن يقبل بنقيضِ ذلك
في طريق عودته، محمّلاً بتذكارات أحضرها لنا.
أنتِ جدّ جميلة حتى أنكِ تذوّبينَ قلبي...

أيها الوحشُ، عندما كنتَ ترقدُ ثملاً من الحزن
عند قدمي، وكنتُ صغيرةً جداً
لا أعرفُ ما الذي كان يموتُ. في الخارج
كانت الزهور تتفتّحُ
ثغراً أحمرَ فوق آخر. فجأةً أفتقدُ شقيقاتي ـ

إنهنّ يقفن قبالة مراياهنّ الغائمة.
حيواناتٌ رماديةٌ تتجمهرُ تحت النوافذ.
أنتنّ، شقيقاتي، ألا ترين ما الذي سيخطفكنّ؟
ذاك المنتظرُ، الوسيمُ، القادمُ الذي يحتاجُنا؟

المستقبل - الأحد 12 حزيران 2005


إقرأ أيضاً:

أعلى