لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

وجوه وظلال أمين صالح

(ملف "الوقت")

أعد الملف
حسام أبو إصبع

أمين صالحلماذا الوجوه، ولماذا ظلالها؟ وقبل هذين السؤالين، لماذا أمين صالح؟ أما الوجوه، فهو وجوه أمين المتعددة، وجوهه في "الرحيل في اللايقين والغموض والتشتت" داخل أروقة الكتابة، وارتحاله المستمر من نوع كتابة إلى نوع كتابه أخرى.. من القصة فالرواية فالمسرح فالنص فالسيناريو فالمقال. أما الظلال فهي ظلاله الوارفة على العديد من الأسماء، سواء كانوا أدباء أو كتاب أو فنانين. ولماذا أمين، فهذا أبسط سؤال، نظراً إلى التشكيلة الباهرة من المؤلفات والمسلسلات والبرامج التلفزيونية والإذاعية والمقالات والترجمات التي قدمها لقارئ العربية، وإلى التجربة العريضة الممتدة في الزمن، وفي التميز الإبداعي.
أردنا أن يكون الاحتفاء بالتجربة متميزاً، لكن المساحة لا تسعف، فلجأنا إلى تقديم جزء صغير من المرآة التي تعكس قليلاً من الوجوه، وقليلاً كذلك من الظلال. وكان ذلك بتسجيل شهادة مجموعة من الأدباء والفنانين تحدثوا عن أمين صالح الأديب والفنان، وأثره فيهم معرفيا وإنسانياً.. وكما لذنا بالأرشيف تنقيباً في صدى التجربة في الماضي القريب والبعيد، طرحنا الأسئلة عليه ليعرض بنفسه بعضاً من هذه الوجوه. ولما رأينا تقصيراً في المتابعة، أعدنا تقديم واحد من أهم كتبه.. آملين أن تكون هذه التحية المتواضعة من " اليوم الثامن " تلقي الضوء ولو بجزء "طفيف" من عطاء الأديب البحريني أمين صالح.

***

أمين صالح: في الكتـابة كل شيء عرضـة للخيـانة وإعادة البناء
لا أحمل رسالة لجهة معينة.. لدي أحلام وذكريات أنثرها وأمشي

حاوره: حسام أبو أصبع

طوال أكثر من ثلاثة عقود لايزال أمين صالح في حرب مع اللغة، ينحت فيها.. يعجنها.. يحاول أن يوضب الكلمة إلى جوار الكلمة، ويهندس الصورة مع الصورة ليخرج نصوصاً مختلفة.. وفي أنواع أدبية منوعة. فإذا كان السرد هو الصنعة الأثيرة، فإن الطاقة الشعرية التي ضمنها نصوصه وقصصه، أربكت المشهد الشعري كما السردي، فهل ما يكتبه يعد شعراً أو شيئاً شبيهاً بالشعر. هذان وجهان فحسب من وجوه أمين صالح الكثيرة.. أما بقية الوجوه فهي موزعة بين السينما والمسرح والدراما التلفزيونية والترجمة، وكل ذلك أحياناً يتداخل ويتقاطع مع بعضه بعضاً في كتاب واحد.. ويضاف إلى ذلك تجربة طويلة في الكتابة للصحافة.. فإذا كان الاقتراب من أمين صالح الإنسان من أبسط ما يمكن، فإن الاقتراب منه بالأسئلة، بهدف الظفر بالمثير واللافت مهمة تبلغ صعوبتها درجة الاستحالة أحياناً.
هذه إذاً محاولة من "اليوم الثامن" لإعادة تقليب تجربة أمين الطويلة، بتعرجاها الممتدة، وبأفقها اللامحدود. وفيما يأتي نص اللقاء.

الرغبة هي البوصلة

* من مجموعتك القصصية "هنا الوردة" العام 1973 حتى رواية "رهائن الغيب" 2004 مساحة زمنية كبيرة، وبين هذين العملين تجارب كثيرة منوعة.. ما البوصلة التي قادتك إلى الانتقال في الكتابة من جنس أدبي إلى آخر، ومن شكل كتابة إلى أخرى. علماً أن المتابع لأعمالك يلحظ أن الانتقالات كانت حاسمة ومن دون رجعة، باستثناء عودتك إلى كتابة الرواية بعد أكثر من 20 سنة من كتابتك "أغنية ألف صاد الأولى"؟

- لو قدّر للكاتب أن يرى أو يستشف البوصلة التي تدله إلى الجهة التي يريدها، لما وجد نفسه، في كل خطوة، عالقاً في شرك متاهة تزداد تشابكاً وتعقيداً، ويحتدم فيها الالتباس أكثر فأكثر، كلما أمعن في المجازفة والدخول في مجهول الكتابة.
ما أعنيه هو أن الانتقال من جنس إلى آخر، ومن شكل إلى آخر، لا يحكمه مزاج أو نزوة عابرة أو رغبة في كسر الرتابة أو تجريب مقصود أو ما شابه ذلك. فالأمر غير محكوم دائماً بمنطق وبتوجه عقلاني. إنه اختراق، أو لنقل، عبور - غير مأمون العواقب وغير معروف النتائج - من ضفة إلى أخرى لعلك تجد ما تبحث عنه. ولكنك لن تجد لأنك ببساطة لا تعرف عم تبحث، وماذا تريد، وما الذي تصبو أو تتوق إليه.. شيء واحد فقط تعرفه: أنك، بالكتابة، تتنفس، تحيا. إنك تحاول أن تعطي معنى لما تراه، لما تلمسه، لما تشعر به.. تحاول أن تعطي معنى للحياة، للعالم، لوجودك هنا على الأرض. لكن المعنى دائماً يكون مراوغاً، متملصاً، أشبه بماء تحاول الإمساك به من دون جدوى. الكتابة - مثل الحياة - رغبة وليست معنى. إن مجالات الكتابة، كما أراها، هي فضاءات - غالباً ما تكون مجهولة - لكنها مفتوحة، بل متاحة لكل من يرغب في المجازفة، شريطة أن يكون مسلحاً بالموهبة والمعرفة والشغف.
إذاً، ربما الرغبة هي البوصلة.. الرغبة في التنفس، في المجازفة، في التعبير عن أشياء غامضة.. ويا لها من بوصلة لا تشير إلا إلى المتاهة.

الكتابة ثمرة لحظة متفردة

* المتابع لأعمالك بإمكانه تصنيفها، بحسب فترة الصدور، وكأن كل مرحلة حاملة لثيمتها وأدواتها الخاصة، وبالتالي فإن ترحلك المستمر، قد يجعلنا نتساءل.. هل أنت على قناعة أنك استنفدت الكتابة في هذا الجنس الأدبي أو ذاك (قصة، نص، مسرح، سيناريو، رواية، نص مشترك) وبالتالي حدث إشباع، لابد على إثره من إيجاد منطقة أخرى لإيصال الرسالة المطلوبة؟

- المسألة لا تتصل بالاستنفاد أو الإشباع، بقدر ما تتصل بالرغبة التي أشرت إليها. وهذه الرغبة لا تنفد ويتعذر إشباعها. كثيرون يعتقدون أن الكتابة هي نتاج تخطيط مسبق وأهداف معلنة أو مضمرة. بينما هي ثمرة ما يمليه الوعي واللاوعي، المخيلة والذاكرة، في لحظة معينة لا تشبه على الإطلاق - من حيث المعطيات والغايات والأشكال - اللحظات الأخرى التي تتولد فيها كتابة أخرى مغايرة. ربما يحدث هذا لأنني لا أحمل رسالة ما أريد توصيلها إلى جهة ما، وفي زمن محدد. ولو كنت أحمل هذه الرسالة لأنجزت المهمة وانتقلت إلى مهمة أخرى. لكن الأمر ليس كذلك.. لدي أحلام يقظة وأحلام ليلية، لدي ذكريات وتخيلات، لدي هواجس وكوابيس.. أنثرها وأمشي.
فالأنواع الأدبية والفنية (قصة، نص، مسرح، سيناريو، رواية) هي مجالات أو فضاءات للكتابة، يمكن للكاتب أن يرتادها بحرية، ومن دون أن يشعر بأنه أجنبي أو دخيل. إنها أمكنة يقدر أن يتآلف معها بيسر واطمئنان. وشخصياً لا أشعر بأن ثمة تخوماً من أجل عبورها احتاج إلى إذن أو تأشيرة. التخوم اختلقها النقاد وبعض الكتـاب الخاملين، الذين لا يرغبون في ارتياد مناطق أخرى يعتقدون أنها محفوفة بالمخاطر.

نتاجاتنا تعرضت لنقد قاس

* الكُتاب عموماً يحاولون إخفاء مصادرهم.. وسؤالي إلى من يدين أمين صالح في كتاباته، وما أهم الروافد التي نهلتم منها، خصوصاً أن دينك يكاد يكون غربياً في معظمه؟ وهل تعتقد أن الإلمام باللغة الأجنبية جعل تجربتك مفارقة ومغايرة عن سواها، سواء من معاصريك أو من الأجيال التالية؟

- لا يوجد لدي سبب يجعلني أخفي مصادر التأثر أو الأسماء التي أنا مدين لها.. المشكلة أن الأسماء كثيرة ويصعب حصرها هنا. في الواقع، التأثرات لا تحصى.. من الكتابات القصصية والشعرية العربية في الستينات والسبعينات، والتي كانت تتسم بالجدة والتجريب آنذاك، إلى أعمال كافكا، ودستويفسكي، والسورياليين، وكتاب مسرح العبث، مرورا بالأفلام السينمائية.
فالكاتب عرضة لشتى التأثرات التي ربما لا يعيها في حينها، وهي تنسل في اللاوعي لتستقر هناك وتتجلى في ما بعد - بشكل أو بآخر - في مظاهر متعددة من التجربة الكتابية. والتأثر لا ينحصر في الأشكال الأدبية والفنية فحسب، بل يتعدى ذلك ليشمل الفكر، الفلسفة، السيكولوجيا، الدين، والميثولوجيا.
لقد نشأت أدبياً وفنياً، في مناخ كان يعتمد الحوار والجدل والصرامة في التقييم، سواء من خلال حلقات الأصدقاء، أو ندوات أسرة الأدباء والكتاب التي أدين لها بالكثير. كانت نتاجاتنا تتعرض لنقد صارم وقاس من الأصدقاء والزملاء، وهذا أدى إلى تعميق تجربتنا الثقافية وإلى جعلها أكثر مرونة إزاء النقد وأقل استعجالاً في مسألة النشر.
ومن ناحية ثانية، لا أعتقد أن اهتمامي باللغة الإنجليزية جعل تجربتي مغايرة، هذه اللغة أفادتني في الشأن السينمائي أكثر من الشأن الأدبي.

الحدس والغريزة لا المنطق

* الحلم، والفنتازيا، والمراهنة على تصوير الحالات بصور مبتكرة، والاقتضاب في التصوير والوصف، ونحت الصور اللغوية، شكلت مرتكزات أساسية في صياغة القول.. وتالياً لم تعد متمسكاً بهذه الحزمة من العناصر لإيصال ما تريده.. هل العمل نفسه يفرض ذلك، أم حب البحث، أم الموضوع؟

- لا أعرف إن كانت هذه المرتكزات تسمى أسلوباً أم شيئاً آخر.. أحب أن أتحدث عن الرؤية الفنية التي ترتكز أو تعتمد على هذه العناصر. وهذه الرؤية تظل مع الكاتب ولا يستغني عنها وقتما يشاء. إنها متجذرة فيه، في تجربته. قد تتنوع أو تتطور. قد يفرض العمل طرائق مختلفة أو مرتكزات أخرى. وعندما تقرأ كتابي الأخير "والمنازل التي أبحرت أيضاً" *، أظن أنك ستجد تلك العناصر وغيرها حاضرة.
لا أستطيع أن أفسر لك الأمر.. الكتابة وأي شكل فني آخر مسألة في غاية التعقيد والالتباس.. ربما لأنها تعتمد على الحدس والغريزة أكثر من اعتمادها على المنطق. لهذا السبب، الناقد قادر أكثر على ملامسة وتحديد العناصر والسمات التي تميز كتابة عن أخرى، وتجربة عن أخرى.

اختبرت في المسرح حس الدعابة

* كتبت في المسرح، وكتبت عن المسرح.. في مسرحية "حيدر" وقفنا على نص لافت، كما أنك كتبت مسرحيات أخرى لم تر الطريق إلى النشر بعد.. أما كتابتك عن المسرح فكانت حافلة، في واقع الأمر، بالمصارحة، ما أغضب كثيرين.. سؤالي أين يجد أمين صالح نفسه في هذا الفضاء الجميل. وهل تمثل مجهوداته في هذا المجال - إبداعاً ومقاربة - تنويعاً على مشروعه الأساس، أم هي محطة أساس؟ ولماذا؟

- المسرح محض مجال آخر، فضاء مفتوح، أختبر فيه حس الدعابة، واستشرف فيه الأفكار والرؤى المرحب بها في هكذا فضاء: محدود المساحة، تجريدي التكوين، إيحائي الجوهر.. لكن لا نهائي المدى في ما يتصل بالصراع أو التعارض بين الأفكار والحالات النفسية والمواقف الاجتماعية والسياسية.. الخ.
مع ذلك، ينبغي الاعتراف بأن هذا المجال، كحيز كتابي، لم يعد مغرياً بالنسبة إليّ.. ربما بسبب المناخ المسرحي السائد عندنا، الذي هو غير مرض وغير سار، ويثير الخيبة والإحباط.

لا تنازل عن الشروط الفنية

* على صعيد الكتابة للتلفزيون.. ما الذي راهنتم عليه؟ وهل نسيت الدرس الذي كررته دائماً في كتاباتك وتصريحاتك (إذا لم تستطع تغيير الواقع..)، خصوصاً أن تحقيق الكتابة للتلفزيون لا تنتهي عند الفراغ من كتابة السيناريو، بل إنها تبدأ من هذه النقطة، وتصبح في أياد أخرى كثيرة، غير يد المؤلف، حتى تصبح على الشاشة الفضية. وأخيراً هل كنت تريد من وراء الكتابة للمسلسلات السعي للجماهير إزاء الخروج من عنق القراء المحدودين.

- كتبت للتلفزيون تعويضاً عن غياب السينما، المجال الأكثر ثراء وفتنة، كمساحة بديلة.. لكن هذا لا يعني انتقاصاً من شأن وقيمة وجدية هذا الوسط الذي لا يكف عن إغوائي. إني أنظر إلى التلفزيون كشكل تعبيري، بصري وسمعي، يستدعي لغة مختلفة تماماً عن اللغة المكتوبة في الأدب والمسرح. كما أن العناصر البصرية والسمعية تقتضي تعاملاً مغايراً، من حيث الأسلوب والرؤية وتوظيف المخيلة. إضافة إلى أن الصورة الدرامية تخضع لقراءة وتأويل مختلفين عن قراءة وتأويل الصورة الأدبية.
والتوجه إلى الدراما التلفزيونية يعني بالضرورة التوجه إلى جمهور أوسع، لكن مختلف نوعياً عن جمهور الأدب. ومن المهم أن يسعى الكاتب إلى إقامة وتحقيق اتصال مع جمهور أكبر ومتعدد.. لكن من دون أن يتنازل عن شروطه الفنية من أجل إرضاء هذا الجمهور، ومن دون اللجوء إلى تملقه، واستجداء قبوله واستحسانه.
بالطبع، من السهل تقرير أو الإدعاء بذلك نظرياً، لكن على الصعيد العملي يتعرض كاتب السيناريو إلى ضغوط كثيرة ترغمه على تقديم تنازلات، وإجراء تعديلات عدة. ففي هذا الوسط لا يكون الكاتب مسيطراً وحراً كما في لحظة الكتابة.. عناصر كثيرة تتدخل وتطالب بإجراء تعديلات معينة، بدءاً بالمنتج، والمخرج وانتهاء بالمونتير ومرورا بالممثلين والمصورين.. هذه هي طبيعة العمل الدرامي في السينما والتلفزيون والمسرح أيضاً. وعلينا أن نقبل ونقر بذلك، إذا آمنا بجماعية وتعاونية العمل.
كما يجب أن نعي الاختلافات في جوهر وطبيعة وآلية ولغة وعناصر هذه الأوساط أو المجالات الفنية. ونتعامل مع كل مجال بوصفه مغايراً ومستقلاً، وبالتالي يكون تقييمنا أيضاً مختلفاً. بعضهم يتساءل بدهشة وحيرة: كيف يمكن لهذا الكاتب أن يبدع في مجال النص الأدبي، ولا يكون كذلك في مجال درامي آخر؟
هذا السائل يرى الحال الإبداعية واحدة، أشبه بحقيبة سفر تنتقل معك من محطة إلى أخرى، متجاهلاً الطبيعة والمناخ واللغة المتباينة في كل وسط، وأيضا الشروط التي يعمل الكاتب وفقاً لها.

صفحة أشبه بشاشة

* يأخذ عليك بعض الناس، وخصوصاً في عملك الأخير (رهائن الغيب والذين هبطوا في صحن الدار بلا أجنحة) أن العمل في تكنيك كتابته، وطريقة تصويره أقرب في بنيته العامة والتفصيلية إلى سيناريو المسلسل؟ ما رأيك؟

- مأخذ؟ لا بأس. لابد من وجود الذهنية التقليدية المحافظة، في مكان ما هنا أو هناك. الذهنية التي تستنكر أي خروج على القوانين الموضوعة منذ أزمان سحيقة. لكن، هل يعلم صاحب هذه الذهنية أن السورياليين الفرنسيين، في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، كتبوا نصوصاً أدبية/ سينمائية، حتى أن فيليب سوبو سمى عدداً من نصوصه "قصائد سينمائية". وماذا عن الأعداد الوفيرة من الروايات الحديثة التي تقترب كثيراً من السيناريو السينمائي؟ وفي لحظة قراءة أية رواية، ألا تتمثل المشاهد والشخصيات والمواقع بصرياً.. أي سينمائياً، بمعنى إخراجك الخاص للمشهد على شاشة الذهن، مستعينا بمخيلتك وموظفاً العناصر التي تقرأها؟
كيف يمكن لكاتب أو شاعر معاصر أن يتفادى تأثير السينما، هذا الشكل الفني الباهر والمؤثر بفعالية لا يمكن أن يضاهيه فيها أي شكل آخر؟
خذ نصوصي منذ سنوات، وستجد تأثير السينما حاضراً في غالبيتها.. لكن هذا لا يعني المحاكاة المباشرة، والتأثير السلبي الذي يجعل من النص الأدبي نسخة مشوهة من النص السينمائي. أكرر، يجب أن يعي الكاتب الفروقات الجوهرية في جوهر ولغة كل شكل فني. فـ "رهائن الغيب" تعتمد البناء السينمائي، بحيث تبدو الصفحة أشبه بالشاشة، لكنها تتغاير وتبتعد في السرد والوصف واللغة والحوار والسمات الأخرى الخاصة بعالم النص الأدبي. وبالطبع ليس في التقنية.. فثمة بون شاسع بين التقنيات طالما أنني أتعامل، في "رهائن الغيب"، مع اللغة المكتوبة لا البصرية.. كما في السينما.

لست شغوفاً بالترجمة

* كنت من السباقين في نقل بعض آثار ميشيل فوكو إلى اللغة العربية، لكنك لم تتعمق في هذا الاتجاه، ترى ما السبب الذي جعلك تنأى بنفسك عن المضي في نقل الآثار الفكرية والفلسفية، والانحياز إلى السينما بشكل يكاد يكون مطلقاً، ولماذا السينما تحديداً؟

- الترجمة، بكل أنواعها، لم تمثل لي شغفاً أو استحواذاً. الضرورة هي التي فرضت مثل هذا التوجه. منذ البداية كنت مسكوناً بعشق السينما. في طفولتي كانت السينما وسيلة ترفيه وتسلية، وأيضا كانت ملاذاً سحرياً كلما رغبت في الهروب من الواقع والعيش في عالم يشبه عالم الحلم. وعندما كبرت اكتشفت أن السينما هي هذا وأكثر.. إنها مجال فكري وثقافي غني وعميق وبالغ الحيوية.
والمثقفون العرب، في غالبيتهم، لم يكترثوا كثيراً بالسينما كحقل ثقافي استثنائي، بل نظروا إليها كمجال ترفيهي بحت لا يستحق الاهتمام، ويمكن تجاهله أو حتى ازدرائه.. بل إن بعضهم صار يتباهى بعدم مشاهدته الأفلام، وتبديد وقته الثمين في التعرف على ما ينتجه هذا الوسط. وبالتالي لم تدخل السينما ضمن النسيج الثقافي في الأوساط العربية، كما كان الحال مع الأوساط الثقافية في شتى أنحاء العالم.
ومع اهتمامي بالسينما، في الجانب المعرفي، وجدت نفسي في حقل شاسع من النظريات والأفكار والرؤى، وضمن عوالم من الاتجاهات والتيارات والأساليب. ومثل هذه الذخيرة الهائلة من المعرفة كانت، للأسف، مجهولة عندنا، ومن أجل تعميمها كان لابد من ترجمتها، ولأن الاهتمام بهذا الجانب كان نادراً أو محدوداً، فقد سعيت إلى ترجمة ما قرأت وأثار اهتمامي، معتقداً أنه سيثير اهتمام الآخرين أو على الأقل سيلفت نظرهم إلى وجود حقل يجهلونه تماماً (ويتباهون بجهلهم له(
أما عن الآثار الفكرية والفلسفية فأعتقد أن هناك من يهتم بهذا الجانب على نحو أفضل وأعمق مني. وكما أشرت، لست شغوفا بالترجمة إلى هذا الحد.

للسرد خاصياته الشعرية

* "مدائح" و"موت طفيف" عُدّا من قبل بعض النقاد شعراً، بل إن بعضاً آخر يرى أن أمين صالح هو شاعر في معظم ما كتب.. وهذه الصفة لا ننفيها بدورنا في بعض ما كتبت، وسؤالي بحسب تقييمك الشخصي، هل توجد بظنك حدود واضحة بين ما تكتب وبين الشعر؟

- علينا أن نوضح أولاً مفهومنا للشعر كي نقدر أن نتبيّن الحدود: هل هو، بمعناه الضيق، كشكل أو نوع أدبي محدد بقوانين أو قواعد معينة، كالوزن والقافية وما شابه. أم هو، بمعناه الأوسع والأشمل، كموقف ورؤية وإدراك للحياة وللعالم من منظور حسي وجمالي. ومن خلال لغة ترفع العادي والواقعي إلى مستويات تتداخل فيها مع الحلمي والخيالي، لتنتج حالات لا يمكن تأويلها وفق معطيات عقلانية، بل تحمل منطقها الخاص الذي لا يخضع لشروط ثابتة ومقررة سلفاً.
وتقنياً، ندرك أن للسرد خاصياته الشعرية، وللغة النثرية مكوناتها الشعرية، وللصورة الأدبية جماليتها التي تقربها من الصورة الشعرية. وعندما يتعلق الأمر بكتاباتي فإني أتوقع منك، كناقد أو قارئ، أن تبين هذه الحدود - بين ما أكتب والشعر - من دون الاعتماد على ما أقرره من منطلق ذاتي.

النقد الذاتي إحساس بالمسؤولية

* من المعروف عنك أنك شديد النقد لأعمالك وبدرجة تتجاوز أحياناً ما يكتبه الآخرون عنك.. وسؤالي: على ماذا تتكئ وأنت تمارس نقداً ذاتياً.. وما النتائج التي أسفر عنها هذا النقد؟ وهل هذه العملية مستمرة؟ وكيف تقرأ الآن في 2006 بيان "موت الكورس" على سبيل المثال.. والسجال الصحافي الذي كنت أحد أطرافه، والذي كان يدور حول واقعية الأدب؟

في النقد الذاتي عادة أعتمد، مثلما يعتمد غيري.. حسب ظني، على التجربة والمعرفة والحدس (مدعوما، بالطبع، بنقد خارجي). كل كاتب يسعى إلى الكمال الذي لا يمكن تحققه، وإذا تعامل مع نصه - في لحظة الكتابة - بحزم وصرامة، وبجدية مطلقة، فسوف يشعر بأنه ينجز شيئاً له معنى وقيمة، حتى لو لم يستطع التخلص من بعض الشوائب أو النواقص. أما إذا تعامل بخفة واستسهال، وبثقة مبالغ فيها، فلن ينتج غير نص سهل لا يتسم بالعمق.
عملية النقد الذاتي، واعادات النظر، هي مستمرة ودائمة، وينبغي أن تكون كذلك. إنها تكشف عن مدى جديتك في التعامل مع الكتابة وإحساسك بالمسؤولية تجاه قارئك. عندما تقدم نتاجك إلى الآخر طالباً منه أن يستجيب ويتفاعل مع ما تكتب فينبغي على الأقل أن تحترمه، وتقدم له عصارة جهدك وليس بقايا أو إفرازات وقت بددته في الكتابة.

بيان موت الكورس؟ لا أعرف إلى أي مدى أنا مخلص لمفهومات ونظريات ووجهات نظر كنت مؤمناً بها في وقت من الأوقات.. أذكر أننا قلنا في نهاية البيان: ينبغي إعادة النظر في ما نقول ونفعل. في الكتابة لا أظن أن لدي ثوابت.. كل شيء عرضة للخيانة أو إعادة بناء.
أما عن السجال بشأن الواقعية، فهو سجال طبيعي بين أفراد يريد كل واحد منهم أن يفرض رأيه وتصوره بشأن مفهومات مراوغة لا يمكن الاتفاق حولها. لكنها كانت نقاشات ضرورية وملحة آنذاك. وإذا كانت تتسم بشيء من الحدة والانفعال، فمبعث ذلك الحماس والتعصب. الجدل والخلاف بشأن المفهومات والمصطلحات سيظل قائماً إلى ما لا نهاية، ومن دون حسم.

قراءات متباينة حد التناقض

* حظيت تجربتك بمتابعة نقدية مقبولة إلى حد ما.. ولو طلبنا الآن من أمين فتح أرشيفه، ليعلق لنا عموماً على كيفية تعاطي الآخرين مع كتاباته، ما أبرز ما تحفظه لنا هذه الملفات.. علماً أن بعضهم يرى أن تجاربك الأخيرة كانت حظوظها في التناول والقراءة أكثر من التجارب التي جاءت بعد البدايات على تميزها وشعريتها.. ما مدى دقة هذه الملاحظة، وما السبب في رأيك؟

- في ما يتصل بالمتابعة النقدية، أدرك جيداً أن التوجهات والمنطلقات، وبالتالي القراءات، تتفاوت وتتباين من ناقد إلى آخر. وهذا الإدراك جعلني لا أتوقع استجابة واحدة ومحددة من النقاد، بل أتوقع تعدد القراءات والتأويلات.. ولا أراهن على تقييم واحد أو أخضع له. بعض الكتاب تدفعهم حساسيتهم المفرطة إلى التأزم عندما يصادفون نقداً سلبياً لأعمالهم من ناقد واحد قرأ النص من زاوية قد لا تكون صائبة. ما أريد أن أقوله: ليس ثمة قراءة واحدة.. وعلى الكاتب أن يدع نصه يمر عبر "فلترات" النقد من دون أن يخشى على نصه من الإنجراح أو التقييم السلبي. النص الجيد يصمد ويحتل مكانة بارزة حتى لو قلل النقد الحالي من قيمته.
شخصيا، أشعر بأن النقد، على رغم قلة المتابعات النقدية لأعمالي، أنصف إلى حد ما تجربتي، ولا أستطيع هنا أن أقيّم استجابات النقاد لأعمالي، لأن العلاقة تمتد عبر سنوات طويلة خلالها صادفت عدداً من القراءات المتباينة إلى حد التناقض، ولا يمكن اختزال ذلك في تقييم سريع وموجز.
من ناحية ثانية، من الطبيعي أن تلقى التجارب الأخيرة لأعمال أي كاتب أو فنان اهتماماً نقدياً أكثر من البدايات أو ما بعدها، إذ تنال تجربته حظاً أوفر من الحضور والتماسك وجذب الاهتمام.. أي تكون عادة أكثر نضجاً وقابلية للتحاور معها. أحياناً النقد، خصوصاً عندما يكون سلبياً وقاسياً، يضر الكاتب في بداياته، إذ يكون آنذاك طرياً وهشاً وغير محصن.

لن تجرني للمنطقة الصعبة

* لو طلبنا من أمين صالح أن يرسم لنا شبه خريطة للحركة الأدبية في البحرين اليوم، ترى ما ملامحها الأساس.. خصوصاً أن أمين متهم بعدم متابعته للنتاجات الأدبية التي يقدمها الشباب في البحرين؟

- من يتهمني بعدم متابعتي لنتاجات الشباب الأدبية لابد أنه يقيم معي في المنزل بحيث يعرف عن كثب ما أقرأ وما لا أقرأ، وما أتابع وما لا أتابع. على أية حال، لست ناقداً أو محرراً في صفحة ثقافية بحيث أعبر عن رأيي في تجارب الآخرين.. وبحيث يعرف الآخرون ما أقرأ.
مرة أخرى، أجد نفسي هنا مطالباً بالقيام بدور الناقد لكي أشرح الملامح الأساس للحركة الأدبية. لا، لن تجرني إلى تلك المنطقة الصعبة. من جهة أخرى، هذا سؤال يستدعي بحثاً لا إجابة مختزلة.

* صدرت المجموعة القصصية بعد إجراء المقابلة.

***

الارتباط الروحي لا الأدبي

عبدالقادر عقيل

في أوائل السبعينيات بدأت أنشر قصصاً قصيرة باسم مستعار كي لا يعرف أحد انني شقيق أمين صالح . فأمين حينها كان قد نشر مجموعة (هنا الوردة .. هنا نرقص) ، وأصبح اسماً مهماً في القصة القصيرة البحرينية.
واستمر نشري للقصص باسم مستعار لسنتين متتاليتين حتى بدأت القصص تثير ردود أفعال متناقضة في أسرة الأدباء والكتاب، ووصل الأمر إلى تخصيص قراءة نقدية لقصصي في إحدى ندوات الأسرة الداخلية. كنت جالساً في الخلف استمع صامتاً إلى ما يدور من حديث حولي وعيني على أمين صالح الذي كان ضمن الحضور. كانت تلك الندوة كشفاً لما كان مستوراً، فلقد عرف أمين بأمري واستغرب أن أكتب باسم مستعار طوال هذه المدة، ونصحني أن اكتب باسمي الحقيقي. ولم يدر بأن قراراً كهذا سيدخلني في دوامة أخرى وهي كيف أكون شقيقاً لأمين صالح وأن لا أكون نسخة منه. فإعجابي الشديد بأسلوبه وكتاباته جعلني أحزم أمري بأن ارتبط به روحيا ولا ارتبط به أدبياً، والأهم من كل هذا أن لا أدخل معه في أي شكل من أشكال المنافسة الأدبية.
بذلك استطاع أمين صالح أن يدفعني ، دون أن يدري ، إلى اكتشاف عوالم أدبية وفنية جديدة بالنسبة إليّ ، فحبه غير العادي للسينما ، منذ طفولته ، وكتاباته الرائعة عنها ، جعلني اتجه إلى البحث والكتابة عن موسيقى الأفلام ، وقصصه ونصوصه المبهرة جعلتني أتجه لأدب الأطفال ، وأسلوبه الحداثي ولغته الشعرية جعلني أتجه إلى التراث الصوفي والديني لخلق لغة مختلفة لا تتطابق مع لغته . أقول أن كل تلك العوالم الأدبية والفنية اكتشفتها كي لا أكون نسخة منه .
حياتياً، كان أمين صالح دائماً بالنسبة لي شقيقاً أصغر، رغم انه يكبرني بأربع سنوات، و إحدى مهماتي في الحياة، هي أن أخدمه، بكل حب. فهو يحتاج إلى عناية خاصة كي يتفرغ للكتابة فقط، ولا يعمل شيئاً آخر، ولا ينشغل بالأمور العائلية والحياتية.
أن أجمل ما حمله لي القدر في حياتي أن يكون أمين صالح شقيقي وأستاذي والأديب الذي افتخر به، مثلما تفتخر به البحرين.

***

لا تثق، واسأل الشكَ
وامش ِ على شوكهِ

قاسم حداد

(إلى أمين صالح)

1

بينكما ما يستعير من الله
أرشيفه العاطفيّ
بينكما ما يشي بالغموض
ويمنحنا للخفيّ .

2

الناسك، الزاهد في كل شيء إلا الصداقة والحب والكتابة،
يسهر على النص حينا من الدهر، فيصقل الشخص للباقي من العمر.

3

يشحذ الصورة بمخيلته النشيطة مأخوذا بالسينما فلا يغفل عن الشعر في الكتابة.

4

بيني وبينك مستحيلات من المعنى
دلالاتنا تضيع بنا
ونعرف أن في ليل الكتابة نهر أخبار
ومحتملات
بين وبينك ... كلما تهنا.

5

موجه يفيض عن البحر، فيغمر القرى والمدينة، ويزور أحياء الناس. لأسلوبه لغة يقلدها البعض بفضيحة صغيرة تكبر كلما بالغ الآخرون في النفي.
موج يمتد ليغسل السواحل، وحين يذهب إلى النوم يتخبط البعض في طين الشاطئ في بلهنية الادعاء.

6

حين جاء الى السينما، كتب السيناريو عن معرفة الدرس وخبرة الموهبة، لم يكن يكترث بأضواء الشهرة الفارغة، ولم يسع لإعلام بائس يمعن في مسخ المواهب وتشويه الأمل.
ضوءه فيه. في الضوء. في ضوء عينيه. في ما تبقى من الضوء.
في .. كلما ضاءَ فيه.

7

لنا أن نستعير الوقت كي نمشي على مهلٍ
لنا أن نختفي ونعود في حرية الميزان
لنا أن نفضح العنوان
كي تبقى الكتابة في كتابك
كي نضلل شهوة الإنسان
لنا، لو نستعير الماء، أن نبكي على أملٍ
ونكترث احتفاء بالمرايا
هل لنا، في رفقة تهدي بقايا
لنا في .. كلما لو يفقه الإنسان.

8

لا تصدقه،
سيأخذ لبك المغرور
سوف ينام فيما حلمك الباقي سيبحث عن دلالته
يضلل ما تبقى من شهيق القلب بالمعنى
سينسى أن في خوف العشيق سلامة العشاق
لا يعبأ بما يسعى لتفسير الزهور
عليك أن تبكي قبيل الجرح كي تنجو
ففي النص الجديد نقائض تهجو الطريق
وتمدح التأويل
تبكي .. كلما في شهوة الأوراق.

9

مثل النبيذ النادر النبيل، كلما طعن في العمر والتجربة صار أكثر لذة وغنىً وجمالاً.
ومثل النبيذ أيضا، لا يعاتبك كلما ادخرته لمستقبل الوقت. يمنحك حبه في اللحظة التي تعود إليه، كأنك اكتشفته تواً.

10

ليلي/ داخلي :
لقطة متوسطة/

  1. الشخص منكباً على دفتر صغير. يكتب. كلما خط كلمة طارت في هيئة فراشة. وكلما قلب ورقة تقاطر تفاح ينسكب من سلة الدفتر. يتحول المخطوط على كتاب. يتوهج مثل موقد على شكل قلب. ويتصاعد منه سربان . سرب الفراش الأصفر المرتعش وسرب التفاح الأخضر المغسول يتقاطر تفاحاً تفاحاً.
  2. النص يغفو في حضن امرأة مشغوفة بالتآويل. فراشة على كتف وتفاحة على كتف. والشخص يتفلت من المعنى.

نهار / خارجي:
لقطة كبيرة /

كائنات ضئيلة تجرجر أحشائها المسعورة. وتحمل ضغائن تتفسخ على أكتاف ضيقة. كائنات ضئيلة تكاد لا تبدو لفرط الضغائن. ضئيلة حتى أنها أكثر ضآلة من ضغائنها. أحداق زائغة لشدة شهوة الضغن.
تعلن الكتابة فتنال الكآبة. كائنات افتراضية تظن أنها هنا. بينها وبين النص أكثر مما تحسب.

11

لا تثقْ،
كلما مدّ عينيه في الكائنات لكي يستجير
رأيتَ له شرفة في الشفق
لا تثقْ
كلما نامت الشمسُ في حضنه
سوف ينتابه ما يثير القلق.

12

- وأنت؟
- كنت نائماً فلم أشهد الحادثة.
- فإذن كنت في الحلم، قل عن الحلم.
- ما دخل ذلك في ما حدث، لقد كان حلماً.
- على العكس، الحقيقة تكمن هناك، لا نكون حقيقيين وصادقين مثلما ونحن في الحلم. هيا قل لي ماذا حدث؟.
- لا أعرف، لكن .. حسناً كانت المرأة وحدها.
- والرجل؟!
- لم يكن هناك رجل، ثمة الطفل معها فقط.
- هل تعني أن الطفل هو الذي...؟ّ!
- نعم،.. يا إلهي كيف يمكنني أن أصف لك ذلك، لقد كان مجرد حلم لا أكثر.
- ... أفهمك، أعرف ذلك. كلما في الحلم .. تكون الحياة ممكنة.
- .. وأنت !، أين كنت ؟
- أنا !؟ أنا لم أكن في مكان.

***

أسمع تروس المعدات السينمائية كلما قرأت له

بسام الذوادي

أمين صالح... ذلك الإنسان الذي عشق السينما وعلمني عشقها... إنه المحطة الحقيقية الأولى في حياتي السينمائية... فبه دخلت البحرين عصر السينما،عندما قدم لي سيناريو أول فيلم روائي بحريني بعنوان "الحاجز". وبعد ذلك بسنة قدم بالتعاون مع الشاعر قاسم حداد سيناريو فيلم " الفراشات لا تحلم هنا "إثر غزو العراق للكويت، ليقول مع قاسم إنهما جزء من هذا الخليج... فقد تأثرا بقضية الغزو واعتبرا السينما سلاحاً جباراً للتعرض لكل قضايا الخليج والتأثير فيها.
عندما يهديني أمين صالح فيلماً سينمائياً، لا يكون ذلك من أجل المشاهدة فقط، وكأنه يضمن هديته رسالة تحوي: الجدية والرقي والفن الصادق والالتزام... وكأنه يريد أن ينير لي الطريق في هذا المجال الصعب، ويعيد الأمل بداخلي كي لا أيأس، وأسعى لتحقيق أفلام سينمائية يحتاجها الوطن. أمين صالح هو سينما هذا الوطن، وهو عبقها الذي لن ينتهي لأجيال قادمة.
من يقرأ لأمين صالح سيجد الصورة السينمائية في قصصه ورواياته ومقالاته حاضرة بقوة.. أحياناً أشتم رائحة الفيلم السينمائي، وأسمع تناغم أصوات أجهزة التحميض، وتروس المعدات السينمائية في كلماته المطبوعة.. فلا يمكن أن تقرأ له ولا تتخيل بأنك أحد الأبطال في فيلم سينمائي مليء بالحركة والمشاعر والحب.
في كل مرة أشعر بأن السينما أصبحت بعيدة.. أتصفح أحد كتبه، وأعود محملاً بيقين قربها مني ومن البحرين.

***

الاهتمام بجميع التفاصيل ميزته

أحمد المقلة

في عملي التلفزيوني التقيت بالعديد من الكتاب الخليجيين، سواء ممن تعاملت معهم مباشرة، أو أولئك الذين قرأت لهم أعمالاً ولم ألتق بهم.. لكن وبكل صراحة فما يكتبه أمين صالح يعد مفارقاً ومختلفاً عن السائد. هذا الاختلاف في ظني سببه الخلفية الأدبية التي أتى منها أمين، خصوصاً أنه قاص وروائي قدير. كما أن هذا الاختلاف متأت من عشق أمين وهيامه بالسينما العالمية، مما كان سبباً رئيساً في اختلاف كتابته.
أما الاختلاف أو التميز بمعنى أدق فسببه أن كتابات أمين صالح تهتم اهتماماً كبيراً بالتفاصيل كافة. وهو الأمر المفقود في كتابة الكتاب الآخرين. كما أن الشخصيات التي يكتبها أمين تتميز بأنها متباينة تماماً، لجهة التفاصيل والاهتمامات وغير ذلك. ولا نكاد نجد تشابهاً بين شخصية وشخصية أخرى. كما أن أمين صالح يولي جميع الشخصيات اهتماماً وعناية، ولا حضور على الإطلاق لأية شخصية عابرة أو فائضة عن الحاجة. هذا في نظري ما يعضد فكرة الاختلاف، ويؤكد سمة التميز.
لقد عملت مع أمين في العديد من المسلسلات والبرامج، وهي "السديم، نيران، أبيض وأسود، حالات"، وهناك مسلسل مقبل بعنوان "هديل الليل". هذا العمل المشترك جعلني في حال من الانسجام مع كتاباته، وصرت – كما أعتقد – أفهم ما يريد أن يقوله بين السطور. هذا الفهم والانسجام، فضلاً عن الصداقة التي تربطنا تجعل بيننا مساحات مشتركة، وخصوصاً في أثناء مناقشة أي عمل قيد الإنجاز. وأهمية هذا الأمر تكمن في تقبل أمين بصدر رحب أية ملاحظات،
أو إجراء أية تعديلات.
وأخيراً، من المهم جداً القول هنا إنني لم أشعر بتوأمة مع مؤلف مثل تلك التي تحدث بيني وبين أمين صالح. فعندما يأتي إلى موقع التصوير لمشاهدة تصوير بعض المشاهد، نجده وهو يتابع لا يبدي أية ملاحظات أو يوجه انتقادات أو يتذمر مثلاً.. فهو يؤمن بدور المخرج وبرؤيته للعمل، ويغذي ذلك إحساس عنده بأن ما سيعرض على المشاهد سيكون أفضل من المكتوب، وهذه ميزة ينفرد بها أمين صالح.

***

المشاكس عدو النمطية

حسين الرفاعي

قد تعد هذه الشهادة مجروحة، إلا أن التأكيد منذ البداية على أن صورة أمين صالح التي تحفل بها الشهادة ليست صورة ذهنية، بل هي صورة حقيقية.. تنطلق من الخاص والحميمي لتصل إلى العام.. فبيني وبين أمين صداقة قديمة، أبرز ما ميزها هو الحوار الذي ينحو نحو الثراء.. فهو من بين القلة الذين تلتقي بهم في حياتك ممن يمتلكون القدرة على الاستماع، وعلى تلمس اتجاه رأيك، واقتناص المعنى من كلامك، فهو ليس شخصاً مغلقاً. بيني وبين أمين صالح سنوات كثيرة يكبرني بها، ورغم ذلك لا يحاول أبداً أن يمارس دور الأبوة أو يتسلط، فهو منفتح، يحدثك باللغة التي تستطيع أن تفهمهما أنت، وليس بلغته. إنه من الأشخاص الذين يمتلكون دربة في الحوار، وفي توصيل المعلومات والأفكار.. وهو في الوقت نفسه على رغم تجربته وخبرته الكبيرة مثل طفل يحاول إعادة اكتشاف الأشياء باستمرار، وإثارة الأسئلة حولها.
وعلى صعيد إنساني كذلك، أمين صالح، يبهرك بالمرونة التي يتحلى بها، وكذلك بتعامله مع القسوة التي قد يصادفها شخصياً بشكل إنساني.. وبطريقة" شر البلية ما يضحك ". وهو يملك القدرة على إخراجك بسهولة من الوحدة والعزلة مثلاً، دافعاً بك إلى البهجة والتفاؤل.
إن أمين صالح من الشخصيات التي تؤمن بالعمل الجماعي، وأذكر في هذا السياق مسرحية "حيدر". فقد كنت ومجموعة من الأصدقاء قد قرأنا دراسة نفسية حول شخص فصامي. فطلب الفنان محمد رضوان آنذاك من أمين أن يكتب نصاً مسرحياً من وحي هذه الدراسة.. كان رضوان مثلاً مهووساً بشخصية الفصامي كما جاءت في الدراسة إلى أبعد الحدود.. ومن فضيلة الاستماع التي يتحلى بها أمين، ومن إصغائه بعناية لمختلف الآراء، وبعد النقاش المستفيض، وطرح التساؤلات الجديدة والعميقة حول الشخصية.. تبدلت القناعات تدريجياً وعليه قام أمين بصياغة الشخصية بعمق أكبر، وبطريقة تبتعد عن النمطية.. فحينما كتب هذا النص أضفى على الشخصية وأضاف لها، والجميع راض على رغم اختلاف الرؤى في البداية. ولو لم يكن أمين من الداعمين للشباب وبصدق كبير، لما كان هذا التعاون، ولا كان هو نفسه قد أصغى إلى التصورات والرؤى التي تقدم على مسامعه.
أخيراً، أود تسجيل نقطة في حق أمين صالح.. إنه العدو اللدود للنمطية، كما أنه كاتب وأديب ومثقف مشاكس إلى أبعد الحدود. ومن ذلك أنه من الكتاب القليلين الذين إذا كتبوا للتلفزيون يصعب شطب جملة أو مشهد أو فقرة من المسلسل، بل إن نصوصه تمثل تحدياً لأغلب المخرجين، الذين يتجهون إليه في حال أرادوا تعديلاً أو إضافة.. من دون أن يكون ذلك مشروطاً.. وهو مشاكس على مستوى المسرح والتلفزيون، لقد طرح مثلاً شكلاً كوميدياً جديداً مختلفاً في مسرحيته "روميو وجوليت" و "اختطاف".. هذه الكوميديا غير متعارف عليها في المنطقة التي تعتمد الإفيه والقفشات. بينما كوميديا أمين مبنية على المواقف، والبناء المتكامل للنص.. وقد فعل ذلك في التلفزيون في برنامج
"بث غير مباشر" وقس على ذلك في كل الحقول التي كتب فيها.

****

البحر عندما‮ ‬يسهو

عباس يوسف

مشروع قديم‮ ‬يحوم في‮ ‬كبدي‮ ‬منذ تسعينات القرن الماضي‮ ‬لإيماني‮ ‬الشديد بأهمية الحب الصادق‮.... ‬بالعلاقات الإنسانية الشفافة القائمة على حب فعل الخير والجمال(أي‮ ‬الجمال الخالص‮) ‬يحصل تعجب‮- ‬ولربما تحب‮- ‬أن تحب شخصاً‮ ‬ما لكاريزما شخصه مثلاً‮.. ‬شاعراً‮ ‬لشعره وإن كان تافهاً‮ ‬روائياً‮ ‬وإن كان نزقاً‮ ‬ورساماً‮ ‬صادقاً‮ ‬مع فنه وإن‮ ‬يتمثل قمة الغرور والتعالي‮... ‬فما بالي‮ ‬إذا كان هذا الشخص أمين صالح‮... ‬هذا الجميل وعالمه الإبداعي‮ ‬المخيف‮..‬الأنيق الباذخ..

‬ هذا المشروع الخرافي‮ ‬الباهر دوماً‮ ‬هو دليل فنار بحرنا‮..‬دليل فتنة فوقه وانخراط وبحث لمدة لصورة في‮ ‬الرسم والشعر والرد السينما في‮ ‬الحالم بعالم إنساني‮ ‬مرح تعمه‮... ‬المحبة،‮ ‬لذا أراه‮ ‬يسحر الكون بحكمة صمته‮... ‬وعمق تأمله وبتواريه وبإخلاصه المتمادي‮ ‬في‮ ‬مشروعه ودوماً‮ ‬وعبر نصوصه الفاتنة أتمثله رساماً‮ ‬تشكيلياً‮ ‬محرضاً‮ ‬منفلتا خارقا‮..‬هادماً‮ ‬كل التابوات والأعراف الفنية والتقنية‮. ‬ذاهباً‮ ‬إلى الذي‮ ‬لم نألفه متذرعاً‮ ‬بالبحث وعشق الاكتشاف‮... ‬ هذا المعرض وبعيداً‮ ‬عن مؤامرة‮ (‬المفاجأة‮) ‬التي‮ ‬ضمرناها لفترة ما قبل موعد الافتتاح قاسم حداد وجبار الغضبان وأنا عن أمين كان مفاجأة أبضاً‮ ‬بالنسبة لي‮ ‬عندما أنجزت بعض الأعمال برفقة نصوص المدائح وهندسة أقل‮...‬خرائط أقل وأنا في‮ ‬أجواء ثلج أسلو وقت تدفق سواد الأحبار على صقيل الخشب‮.‬ عددته إنجازا باهرا على المستوى الشخصي‮ ‬كوني‮ ‬استطعت ولو بشكل متواضع أن أقدم تحية لإنسان أمين علينا مثل أمين صالح الذي‮ ‬يستحق منا الكثير الكثير‮.. ‬أشعر أنه مهما قدمنا له سنبقى مقصرين في‮ ‬حقه‮.‬ فمنذ جنينه الأول‮- ‬هنا الوردة‮.. ‬هنا نرقص ونحن نغذي‮ ‬أرواحنا بعرفان قلبه المتدفق حباً‮ ‬وجمالا الذي‮ ‬ما أنفك‮ ‬يرشق وجوهنا بحناء‮ ‬غسله الازوردي بعيداً‮ ‬بصمته داخل دمه‮ ‬ قريباً‮ ‬ببوحه من أعماقنا يا رسول الاستغراق والكلم‮ ‬ حاولت التقرب إليك راغباً‮ ‬في‮ ‬جنتك،‮ ‬طامعاً‮ ‬في‮ ‬قراءتك ومعرفتك وترجمتك‮ ‬ فمنعتني‮ ‬المرأة من البوح واخترعت لك الصمت طريقة‮ ‬ كلمت السواد المكتظ من سطورك فتسلل البياض إلى شقوق مدادي توضأت المطر والشجر‮ ‬ فرمتنى حانات أحزاني‮ ‬في‮ ‬جب مياهك أيها الصالح الأمين‮...‬ ترأف بنا قليلاً،‮ ‬واحفر بالموصد من أبوابك فراديس أحبابنا كي‮ ‬نغسل عهر أخلاقنا ‮* ‬من مقدمة الفنان عباس‮ ‬يوسف لمعرض‮ (‬البحر عندما‮ ‬يسهو‮) ‬الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬عام ‮٤٠٠٢ ‬تقاطعاً‮ ‬مع تجربة أمين صالح‮.‬

***

الممثل الخلاق، الممثل الدمية
(الوجه والظل في التمثيل السينمائي)

حسام أبو إصبع

في سياق هذا الملف، تأتي هذه القراءة في كتاب أمين صالح
"الوجه والظل في التمثيل السينمائي" كونه من أهم الكتب في الفن السينمائي، وفي الوقت نفسه فمنذ صدوره لم يلق الاهتمام الكافي، وهو عموماً يعد دالاً شاهداً على وجه/ وجوه من عمل أمين المضني والممتع والمفيد.

تزخر المكتبة العربية بالكثير من الإصدارات السينمائية المؤلفة، أو المنقولة إليها من لغات أخرى، وتتراوح هذه المؤلفات ما بين قراءة تجارب محددة، بفحص مختلف الأبعاد التي ترتكز عليها تقنياً وفنياً وفكرياً، أو تنصب لمصلحة معالجة جماليات هذا الفن. ويسير مع هذين التصورين في خط مواز، البعد الذي يستهدف المتلقي، وذلك بتقديم أدلة تساعده على استبطان المفهومات، ولترشده من ثم لإعادة استثمارها في أثناء مشاهدة الفيلم، تماماً كما هي الخارطة الدالة، أو المفاتيح الأساسية التي تفتح ما قد يغلق على المتلقي، أو تسهم في توسيع مداركه لهضم التعقيدات التي تشتملها الصورة السينمائية في تلاحقها وتتابعها لتصبح في المحصلة النهائية فيلماً.
وبالمقابل نجد ندرة في المؤلفات تسعى لاستنطاق مختلف القضايا في الفن السينمائي من منظور وفهم العاملين في الفيلم من ممثلين بشكل أساس. وبالتحديد في القضايا التي تصادفهم قبل وفي أثناء، ومن خلال العمل على تحقيق فيلم معين، أو من خلال رؤيتهم أنفسهم للتمثيل بوصفهم مجموعة من الحالات المتحولة. وكتاب أمين صالح "الوجه والظل في التمثيل السينمائي" ينحاز بأكمله إلى هذه النوعية من المؤلفات، الذي يمثل بحق إضافة تثري وتعزز، تضيف وتؤسس لطرائق نظر مختلفة.
فالكتاب بمجمله لا يصدر من منطلق يسعى إلى بسط مفهومات التمثيل السينمائي وجعلها في أطر وقوالب محددة، بقدر ما يروم تشييد حوارية مترامية الأطراف، تستلهم مادتها من فهم وتجسيد طائفة واسعة من الممثلين الغربيين تحديداً في كيفية نظرهم لهذا الفن، وفي كيفية إحساسهم به، وتجسيدهم له، ثم في كيفية قراءتهم للتمثيل في علاقته الطبيعية أو المتوترة مع مختلف العناصر الأخرى المشكلة للفيلم السينمائي، منذ اللحظة الابتدائية، لحظة قراءة السيناريو، مروراًً بلحظة الإنجاز النهائي، وصولاً إلى لحظة الخبرة بعد مراكمة التجارب الواحدة تلو الأخرى.
وأمين صالح صاحب أول سيناريو فيلم بحريني "الحاجز"، يواصل عمله الدؤوب، ومحاولاته الجادة في تقديم جرعات سينمائية. وسط ثقافة تعتمد أكثر ما تعمد على جهود واجتهادات فردية في سياق يتطلب رساميل ضخمة، وفرق عمل، وإمكانات هائلة. ونجده لايزال متمسكاً ومتشبثاً بخيط أحلامه، يكتب ويترجم ويؤلف. وقد صدرت له ترجمة لكتاب "السينما التدميرية" لـ "عاموس فوغل" العام 1995. إضافة إلى ترجمته ليوميات عملاق السينما الروسية أندريه تاركوفسكي. فضلاً عن عشرات المقالات الصحافية التي قرأ من خلالها كثيرا من الأفلام السينمائية المنتمية لمختلف المدارس والثقافات والاتجاهات. ويتواصل هذا الحب بهذا السفر الضخم الذي يحرك ذاكرتنا صوب نمط تأليف محدد، يعتمد إثارة ومضات تمهيدية معينة، ثم لا يلبث أن يترك شخصيات كتابه/ ممثليه تتحاور فيما بينها. ولمثل هذه الطريقة جذورها التي يعرفها المهتم والمتابع، وهي معروفة منذ أزمان متباعدة إلى القراء، وذلك في القواميس أو المختارات التي تأتي بمصطلح أو فكرة ما، ثم تشرحها من خلال اقتباسات مأخوذة من أقوال وتصريحات ولقاءات الممثلين أو المخرجين حولها. ولكن المختلف المطروح في هذا الكتاب أن موضوعه تحدد في التمثيل.
يقر أمين صالح، بداية، في مفتتح كتابه أنه لا يرنو إلى تقديم دراسة نظرية، بقدر ما ينحو نحو سبر آفاق التمثيل من خلال إدلاءات الفنانين أنفسهم. ومسوغ ذلك فقر المؤلفات عموماً من وجود مؤلفات تكشف الشهادات والخلاصات المتعلقة بالفنانين حول قضايا ذات سمة فنية، وذات سمت إبداعي. إذ تتمحور معظم المؤلفات الموضوعة عن فنانين معينين حول جوانب شخصية حياتية، مع إغفال لرؤية ونظر هذا الفنان، واكتفائها بتتبع الهامشي، وملاحقة اليومي عديم القيمة. وفي التمهيد نفسه يحدد منهج بحثه ذاكراً أنه لا يسعى لفض الاشتباكات والاختلافات بين مختلف الآراء حول أية قضية متصلة بالتمثيل، فهو إذ ينجو بنفسه من المفاضلات والترجيحات والموازنات، فإنه يترك للقارئ هذه العملية واضعاً أمامه مائدة عامرة بالتعريفات والتشخصيات، ومن ثم عليه أن يختار ما يشاء، دون فرض قسري، بل إن كل الخيارات مفتوحة وفي متناوله. وفي الوقت نفسه قد تؤشر هذه العملية – حال كل الفنون – على إدراك مسبق بصعوبة الجزم، واستحالة الحد والحصر، فالتحول والتغير، في مقابل الثبات والاستمرار، شرعة لا يمكن المضي فيها قدماً من دون التسليم بها، أو بنتائجها حد اليقين الذي لا مراء فيه.
يتألف الكتاب من "30" باباً، وكل باب يبحث في قضية فنية معينة، بدءاً من تعريف الممثلين أنفسهم للتمثيل، وحتى سائر الموضوعات الفنية المرتبطة بالتمثيل، ومنها على سبيل المثال، الممثل والسيناريو، الممثل والحوار، الممثل والشخصية، الممثل ومصادره، العلاقة بين الممثل والمخرج، الممثل والكاميرا، الممثل والإضاءة، الممثل والموسيقى، الممثل والمونتاج، الممثل والموقع، الممثل والجوائز، الممثل والدراسة.. بالإضافة إلى تناول بعض الموضوعات ذات الصلة مثل: اختيار الممثلين، البروفات، الارتجال، فترات الانتظار بين اللقطات، اختيار الأدوار، الممثل الثانوي، النجومية، وغير ذلك مما ينطوي عليه عمل الممثل، أو في علاقته بمختلف العناصر والأشياء التي لا يمكن الاستعاضة عنها لإنجاز المطلوب.
ولإيضاح الفكرة بشكل أكبر نتناول أحد أبواب الكتاب لتقديم بعض مفصلياته، وقد وقع الاختيار على الباب الخاص بعلاقة الممثل بالشخصية التي يؤديها، لأكثر من سبب، الأول أنه من أطول فصول الكتاب إذ يقع في "67" صفحة، الثاني أن معد ومترجم الكتاب رفده بآراء العديد من الممثلين من ثقافات مختلفة، ومن مدارس سينمائية متعددة، تتوافق أحياناً، وتتضارب في أحايين أخر، كما أن هذا الموضوع من الموضوعات الشيقة التي تهم القراء المتتبعين للفن السابع عموماً، ولنجوم معينين. بالإضافة إلى أنه يعكس الجهد الكبير المبذول لسبر هذا الموضوع من مختلف النواحي. ويقدم في الوقت نفسه لمحات وافية عن هذه الطريقة في الإعداد.
يبدأ هذا الباب بمقدمة على هيئة تساؤلات: ما الذي يحكم اختيار الممثل للدور؟ وما الأسس التي يرتكز عليها في الاختيار؟ وما العناصر أو المكونات التي تكون مصدر جذب وافتتان؟ وما الشروط التي لابد من توافرها في الشخصية كي يتفاعل معها الممثل، أي إلى مدى يتحقق الانسجام أو التوافق بين الممثل والشخصية؟ وما الذي يرغب الممثل في التعبير عنه من خلال هذه الشخصية أو تلك؟ وانطلاقاً من التساؤلات السابقة يبدأ الكتاب بتقديم وجهات نظر طائفة واسعة من الممثلين. وكانت النتائج الختامية أن بعضهم انحاز إلى الأدوار التي تعكس شيئاً من السيرة الذاتية، وبعضهم كان ميالاً لاختيار الأدوار المركبة والمعقدة، وبعضهم الآخر كانت اختياراته تتم على أساس عاطفي، وفريق رابع كان يضع التناقض شرطاً أساسياً، وهناك ما كان يفضل الشخصيات التي تختلف بشكل كلي عن شخصيته الحقيقية، وهكذا اختلاف مستمر يحدد طبيعة هذه العلاقة.
ثم يأتي أمين صالح بمقدمة نظرية أخرى، يتحدث فيها عن الأساسيات التي ينبغي على الممثلين العمل في إطارها لسبر الشخصية، وفهمها، وخلق ماض لها، واستيعابها في إطار المعطيات الاجتماعية وما إلى ذلك، حتى لو كان السيناريو مقتصداً في هذا المجال، بالإضافة لاستعراض الأدوات الفنية والثقافية والتخيلية اللازمة عند الممثل – وأحياناً بعض النصائح – وبعد هذا التمهيد يترك أمين الحديث للممثلين والمخرجين حول موضوع خلق الشخصية ذهنياً، بالاعتماد على المخيلة والتجربة الحياتية والثقافية، وملء الفراغات في السيناريو حول هذه الجزئية، ثم في الكيفية التي يبني بها الممثلون الشخصيات داخلياً وخارجياً، والأدوات التي يستخدمها الممثلون في قراءة الشخصيات التي سيجسدونها أو جسدوها بالفعل، مثل الحدس والغريزة أو البحث والتحضير، وغير ذلك.
وينتقل الحديث في هذا الباب بعد ذلك لمعالجة موضوع التحول في الشخصية، والفروق الفردية بين ممثل وآخر من ناحية تأدية تشكيلة واسعة من الشخصيات، في مقابل أن تصبح طبيعة أدوار هذا الممثل نمطية ومتكررة، إلى الممثلين الذين يؤدون شخصيات كاملة بعيدة عن ذواتهم في كل التفاصيل، من الإيماءة إلى الصوت إلى أكثر التفاصيل تعقيداً، بما يفضي ذلك إلى قيام بعض الممثلين بمعايشة لصيقة بالتجارب التي تشبه الشخصية التي سيؤدونها، بقراءة كل ما يتعلق بها إن كانت شخصية حقيقية، والالتقاء بها إن أمكن، وتعلم الفنون والمهارات والسلوكيات الخاصة بنمط محدد من الشخصيات بالمعايشة، وبالمراقبة والمتابعة، إلى درجة التماهي التام مع هذه الشخصية ذهنياً ووجدانياً ونفسياً وحتى جسمانياً، أو بقراءة دقيقة وشاملة حول الفئة التي تمثلها هذه الشخصية، والطبقة التي تنتمي إليها من جميع النواحي. ومن هذه المسألة يعالج الباب هذه القضية من زاوية الضغط الذي تمارسه على الممثل من عدمه، في حال، كان أداء بعض هذه الشخصيات يتطلب تقمصاً تاماً، ومعايشة كلية، بحسب الممثل، وطبيعة عمله. كما يتناول هذا الباب بعض القضايا المتصلة بالتمثيل: مثل الفروقات بين الممثل الخلاق والممثل الدمية، وما إلى ذلك من قضايا متصلة. عارضاً في الوقت نفسه لوجهة نظر عشرات الممثلين والمخرجين والنقاد في القضايا المشار إليها.
ومما سبق يتبين – وهذا ينسحب على جميع أبواب الكتاب – أن هذا الباب/ الكتاب يتجه إلى ثلاث وجهات هي:
التعريف.
بيان الفروقات في طبيعة العمل والفهم من فنان أو مخرج لآخر.
تقديم نوع من الدليل للقارئ إلى بعض الأفلام ذات المستوى الفني الرفيع من خلال الممثلين والأفلام التي جرى الاتفاق عليها من قبل النقاد أنها متميزة - وهذه المسألة ألمح إليها أمين صالح، كون اقتباساته واستشهاداته كانت مدروسة، ولا تضع في اعتبارها المتهافتين على التمثيل من باب الارتزاق أو ما شابه.
ولعل أهمية هذا الكتاب الضخم (469 صفحة) أنه يتحدث في الأغلب الأعم عن أفلام سينمائية متوافرة بسهولة، وأنه يمنح المهتم معلومات وفيرة حول مختلف الظروف الإنتاجية لعدد كبير من الأفلام التي شكلت علامات متميزة في تاريخ الفن السينمائي. إن الكتاب، يمثل جهداً كبيراً، يستحق الالتفات والعناية، على رغم صدوره قبل فترة.

***

تجربة لم تحظ بالمكانة التي تستحقها

فريد رمضان

إن الدور الذي مارسه أمين صالح في تجربتي لا يمكن أن أنساه أبداً، وهذه شهادة حق.. كنت أتخبط في بحر السرد، لكن أمين أعطاني سترة النجاة. فبعد صدور كتابي الأول (البياض) في العام 1986، كنت أعيش متاهة التفكير في الكتاب الثاني، وهو كتاب أردت أن يكون من حيث المبدأ بعيداً عن أجواء البياض. في هذه الأثناء تعرفت على أمين، وقد اقترح عليّ أن نقوم بورشة عمل على أحد النصوص التي كتبتها. وهذا ما تم بالفعل. وقد استمرت هذه الورشة مدة 7 أسابيع متصلة، كنت ألتقي به كل اثنين في مقر أسرة الأدباء والكتاب. وكان يناقشني في كل صغيرة وكبيرة في النص، يحدثني مرة عن الخلل في الحوار، ومرة عن الصور، ويطلب مني إعادة كتابة هذا النص، وهكذا أعدت كتابته 7 مرات. وفي المرة السابعة، قال أمين، الآن هذا النص يصلح للنشر، فما كان منه إلا أن مزق هذا النص، وألقاه في سلة المهملات. كان ذلك مؤلماً جداً بالنسبة لي في ذلك الوقت، وطلبت منه أن أحتفظ بالنص لنفسي، وليس بهدف النشر، فوافق، لكنه ذكّرني أن هذا النص مجرد ورشة في الكتابة. أما الآن فأعتقد أنه من النادر أن تجد كاتباً بمستوى أمين صالح، يعتني بأي كاتب أو أية موهبة بمثل هذه العناية والحرص. وهذه التجربة لها أبلغ الأثر في تجربتي التي تطورت لاحقاً – إن صح أنها تطورت.

لقد علمني أمين صالح من هذه التجربة الصرامة في التعامل مع نصوصي التي أكتبها.. علمني أن أقسو عليها، فكل كتابة قابلة للتعديل والتغيير، وأحياناً النسف وحتى الإلغاء.. وفضيلة ذلك هي التحرر من تقديس النص الذي تكتبه، وهو ما يمدك بطاقة تجعلك تعيد كتابة النص مرة، ومرتين أو ربما ثلاث مرات.
من ناحية ثانية، مما يؤسف له أن تجربة أمين صالح لم تأخذ حقها من الدرس النقدي، ولم توضع التجربة في الموضع الذي تستحقه على رغم تأثيره الكبير ليس محلياً فحسب بل إقليمياً وعربياً كذلك.. وليس في السرد بل حتى في الشعر. فتجربة أمين صالح لها تأثير كبير، حتى مع أكبر الشعراء في البحرين، والدليل على ذلك تأثر قاسم حداد بالحساسية الشعرية عند أمين صالح.
أمين صالح مبدع هضم حقه في الانتشار، حاله في ذلك حال سليم بركات، كلاهما لم تنل أعمالهما العناية النقدية، وكان حظهما من الانتشار محدوداً.. فهما من أصحاب التجارب النادرة.. بينما بالمقابل نجد أسماء أخرى بائسة نالت من الشهرة ما نالته لأن الظروف خدمتها، وبسبب العلاقات الشخصية، والعلاقات العامة، والقدرة على التسويق. وهو المفتقد عند كلا الكاتبين. وربما يتحمل أمين نفسه جزءاً من هذه المسئولية لكسله.. لكن المؤكد، مرة أخرى، إن هذه التجربة لم تسوق بالشكل المطلوب، ولم تحظ بالمكانة التي تستحقها فعلاً.

***

قالوا عن أمين صالح

"وقد استمر أمين صالح في كثير من قصصه التجريبية الأخيرة كاتباً لا يرتضي الهزيمة والانهيار أمام لا عقلانية الواقع، لأنه يبحث في الواقع عن الجوهر لا عن فتات التجارب اليومية برتباتها وسكونيتها".

إبراهيم عبدالله غلوم
(القصة القصيرة في الخليج العربي، 1980)

"هكذا تقدم البحرين المعلقة الثانية للعرب، بعدما قدمت معلقة طرفة.. هذا العمل بداية للحرية اللغوية والتقنية للأدب العربي، وانه استفاد من التراث العربي الأصيل قصاً وشعراً وتصوفاً.. التي تلتئم مع عناصر العصر في خلق قصيدة نثر – شعرية".

عن "الجواشن"
سليمان العطار
(كلمات، ع 14، 1991)

"يحلق الكاتب في هذا النص خارج حدود ذاته لكي يصل بنا إلى عالم مذهل من الجمال، عالم جديد وأصيل. ذلك أن طراوة الحلم كما نراه في (الترنيمة) يمثل قمة التألق عند أمين صالح".

عن ترنيمة للحجرة الكونية
نهى بيومي
(البحرين الثقافية، ع 2 ، 1994)

"عندما قرأت ما كان يكتبه الصديق أمين صالح (...) كنت أقول: هذا شاعر أكثر حرية مني.. وكان (...) يأتي من عالم النثر إلى التألق الشعري بسرعة متناهية".

قاسم حداد
(ليس بهذا الشكل ولا بشكل آخر، 1997)

"ينتقل الروائي والقاصّ البحريني من النصّ السردي الى النص الشعري من غير أن يتلبّس صفة الشاعر. فنصوصه النثرية الجديدة مشرعة على فضاء الشعر وحريته.
(إن) علاقة الأديب البحريني أمين صالح باللغة تؤهله لكي يكون شاعراً مهماً. فهو يعنى باللغة من الداخل، لا يقولها، بل يشرق بها".

فاروق يوسف
(صحيفة الحياة، 12 مارس/ آذار 2000)

***

أمين صالح قل

"قبل كل عرض مسرحي عندنا، تنتابني رغبة ملحة في كتابة يوميات حول ما يدور أثناء البروفات.. أي بمعنى آخر الغوص في التجربة الجماعية، بالمتابعة اليومية لما يحدث (...) العمل الجماعي هو الذي يبهرني ويثيرني".

(كتابات، العدد الثالث، 1977)

"لم أكن أصوغ عالماً مألوفاً.. إنما كنت أصوغ واقعاً آخر، واقعاً قصصياً، غير منفصل حتماً عن الواقع الذي نعيشه (...) لم أكن أسجل الأحداث اليومية.. بقدر ما كنت أقوم بعرض لصراع الإنسان ضد واقع يمارس ضده شتى أنواع القهر".

(الأقلام العراقية، 1980)

"كتاباتي لا تغري الكثيرين للاقتراب منها، ربما لأنها تفتقر إلى الجاذبية، أو لأنها لا تثير الاهتمام، أو لأنها تستعصي على الفهم.. رغم وضوحها.. مع ذلك فمازلت أكتب دون خجل لأنني أحب أن ألهو، أن أنثر ألعابي النارية، وأن أستمع إلى أصدائها.

(كلمات، العدد الأول، 1983)

"كتاباتـي الأولى كانت مرفوضة لأنها اعتبرت غامضة أو منفصلة عن الواقع اليـومي الثقافي، فيما بعد صارت مقبولة وداخلة في النسيج الكتابي السائد. الآن يطالبونني بالعودة إلى ذاك الأسلوب وتلك الطريقة واللغة والكتابة".

(مجلة العربي، 1997)

"في (رهائن الغيب) حاولت إعادة بناء زمن لا يكف عن التملص (...) وإعادة رسم أمكنة اكتسبت بذاتها خاصيات جديدة.. وحاولت استحضار شخصيات سكنت إقليم الطفولة والمراهقة.. أما الحدود بين الواقعي والمتخيل فقد أضحت مطموسة".

(مستل من شهادة قدمت
في ملتقى القاهرة الثالث
للإبداع الروائي العربي، 2005)

"في (ندماء المرفأ) كنت أمارس حريتي القصوى، وأيضاً متعتي الكبرى، في التعبير بلغة لا ترتهن إلى المنجز، وبسرد يدمج الشعري بالنثري، وبمخيلة لا تحجم عن الانطلاق نحو أي أفق أشاء".

(منتدى "على هدب طفل" الإلكتروني)

الوقت
البحرين- 13 ابريل 2006


إقرأ أيضاً:

أعلى